النص المفهرس
صفحات 161-180
وفي البيهقي: مثل السلعة(١). وفي الشمائل (٢): بضعة ناشزة وفي حديث عمرو بن أخطب(٣): كشيء يختم به. وفي تاريخ ابن عساكر: مثل البندقة (٤). وفي الترمذي ودلائل البيهقي: كالتفاحة. وفي الروض: كأثر المحجمة القابضة على اللحم. وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: شامة خضراء محتفرة في اللحم. وفيه أيضاً: شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكمات كأنها عرف الفرس. وفي تاريخ القضاعي: ثلاث شعرات مجتمعات. وفي كتاب(٥) الترمذي الحكيم (٦): كبيضة حمام، مكتوب في باطنها: الله وحده لا شريك له، وفي ظاهرها: توجه حيث كنت فإنك المنصور(٧) . (١) وهو عند أحمد ٣٥/٥ وابن سعد من طرق. والسلعة خراج في البدن. (٢) للترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: الخاتم الذي بين كتفي رسول الله * بضعة ناشزة. (٣) عند ابن أبي شيبة. (٤) وكذا تاريخ الحاكم، وصحيح ابن حبان. (٥) كتاب نوادر الأصول. (٦) الإمام الحافظ محمد بن علي الترمذي الحكيم، الصوفي، سمع الكثير من الحديث بالعراق ونحوه، وهو من طبقة البخاري. قال ابن النجار في تاريخه: كان إماماً من أئمة المسلمين، له المصنفات الكبار في أصول الدين، ومعاني الحديث، لقي الأئمة الكبار وأخذ عنهم. وقد أطال القشيري وغيره بالثناء عليه. مات سنة خمس وتسعين ومائتين. (٧) ويأتي أنه غير ثابت. قال في المورد: هو حديث باطل. - ١٦١ - وفي كتاب المولد لابن عائذ: كان نوراً يتلألأ. وفي سيرة ابن أبي عاصم: عذرة كعذرة الحمام، قال أبو أيوب: يعني قرطمة الحمامة. وفي تاريخ نيسابور(١): مثل البندقة من لحم مكتوب فيه باللحم: محمد رسول الله . وعن عائشة (٢): كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة، وكان مما يلي الفقار قالت: فلمسته حين توفي فوجدته قد رفع. حكى هذا كله الحافظ مغلطاي (٣). [نقد بعض الروايات] لكن قال في فتح الباري: ما ورد من أن الخاتم كان كأثر المحجم، أو كالشامة السوداء أو الخضراء، مكتوب عليها: محمد رسول الله، أو: سر فإنك المنصور. لم يثبت منها شيء. قال: ولا يغتر بما وقع في صحيح ابن حبان، فإنه غفل حيث صحح ذلك. وقال الهيتمي (٤) في ((موارد الظمآن)) بعد أن أورد الحديث ولفظه: مثل البندقة من اللحم مكتوب عليه: محمد رسول الله. اختلط على بعض الرواة خاتم النبوة بالخاتم الذي كان يختم به. (١) لأبي عبد الله الحاكم. (٢) أي في تاريخ نيسابور أيضاً. (٣) في الزهر الباسم. (٤) الحافظ نور الدين، أبو الحسن، علي بن أبي بكر بن سليمان الهيتمي، رفيق أبي الفضل العراقي، ولد سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، ورافق العراقي في سماع الحديث ولازمه، وألف وجمع، مات سنة سبع وثمانمائة. - ١٦٢ - وبخط الحافظ ابن حجر على الهامش: البعض المذكور هو إسحاق بن إبراهيم قاضي سمرقند وهو ضعيف. [شرح معاني الكلمات] وقوله: زر الحجلة - بالزاي والراء - والحجلة - بالحاء المهملة والجيم - قال النووي: هي واحدة الحجال، وهي بيت كالقبة، لها أزرار كبار وعرى، هذا هو الصواب. وقال بعضهم: المراد بالحجلة: الطائر المعروف. وزرها: بيضها، وأشار إليه الترمذي (١) وأنكره عليه العلماء. وقوله: جمع - بضم الجيم وإسكان الميم - أي كجمع الكف، وصورته: أن تجمع الأصابع وتضمها. وقوله: خيلان : - بكسر الخاء المعجمة وإسكان التحتية - جمع خال، وهو الشامة على الجسد. وقوله: نغض : - بالنون والغين والضاد، المعجمتين - قال النووي: النُّغْض والنَّغْض والناغض: أعلى الكتف، وقيل هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقيل: ما يظهر منه عند التحرك، سمي ناغضاً لتحرکه. وقوله: بضعة ناشزة - بالمعجمة والزاي - أي قطعة لحم مرتفعة على جسده. وبيضة الحمامة: معروفة. انتهى (٢). والثآليل : - بالمثلثة - جمع ثؤلول: وهو حب يعلو ظاهر الجسد، واحدته کالحمصة فما دونها. (١) قال في جامعه: المراد بالحجلة: هذا الطائر المعروف، وزرها: بيضها. (٢) أي كلام النووي. - ١٦٣ - وفي القاموس: وقرطمتا الحمام - أي بكسر القاف - نقطتان على أصل منقاره. [الجمع بين الروايات] وقال بعض العلماء: اختلفت أقوال الرواة في خاتم النبوة، وليس ذلك باختلاف، بل كل شبه بما سنح له، وكلها ألفاظ مؤداها واحد، وهو: قطعة لحم، ومن قال: شعر، فلأن الشعر حوله متراكم عليه، كما في الرواية الأخرى. وقال القرطبي (١): الأحاديث الثابتة دالة على أن خاتم النبوة كان شيئاً بارزاً أحمر عند كتفه الأيسر، إذا قلل، قدر ببيضة الحمامة، وإذا كبر: جُمع الید. وقال القاضي عياض(٢): وهذه/ الروايات متقاربة متفرقة، متفقة على أنه شاخص في جسده، قدر بيضة الحمامة، وزر الحجلة. وأما رواية جمع الكف فظاهرها المخالفة، فتتأول على وفق الروايات ١/١٩ (١) أبو العباس، أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي، المالكي الفقيه المحدث، نزيل الاسكندرية ومدرسها، ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وتوفي سنة ست وخمسين وستمائة، اختصر الصحيحين، وصنف المفهم في شرح صحيح مسلم. (٢) القاضي أبو الفضل، عياض بن موسى، السبتي الأندلسي، حافظ مذهب مالك، الأصولي، العلامة الحافظ، إمام المحدثين، وأعرف الناس بعلومه، وبالتفسير .. شاعر بليغ، صاحب التصانيف المشهورة: كشرح مسلم، والشفاء، والأعلام والمشارق، وهو كتاب لو وزن بالجوهر أو كتب بالذهب كان قليلاً فيه. ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة وتوفي - متغرباً عن وطنه - سنة أربع وأربعين وخمسمائة. - ١٦٤ - الكثيرة، ويكون معناه: على هيئة جمع الكف، لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة. قال: وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه. قال النووي: هذا الذي قاله ضعيف، بل باطل، لأن شق الملكين إنما كان في صدره وبطنه. انتهى . ويشهد له قول أنس في حديث عند مسلم - يأتي في ذكر قلبه الشريف، من المقصد الثالث، إن شاء الله تعالى -: فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره(١). لكن أجيب: بأن في حديث عتبة (٢) بن عبد السلمي - عند أحمد(٣) والطبراني - أن الملكين لما شقا صدره قال أحدهما للآخر: خطه، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة ، فلما ثبت أن خاتم النبوة بين كتفيه حمل القاضي عياض ذلك على أن الشق لما وقع في صدره، ثم خيط حتى التأم كما كان، ووقع الختم بين كتفيه كان ذلك أثر الختم. وفهم النووي وغيره منه: أن قوله بين كتفيه متعلق بالشق وليس كذلك، بل هو متعلق بأثر الختم، وحينئذ فليس ما قاله القاضي عیاض بباطل، انتهى . وقال السهيلي: والصحيح أنه - يعني خاتم النبوة - كان عند نغض كتفه الأيسر. (١) رواه مسلم. كتاب الإيمان رقم ٢٦١ وفي مسند أحمد ١٢١/٣. (٢) في ط: عقبة وهو خطأ مطبعي. وعتبة بن عبد السلمي، صحابي شهير، أول مشاهده قريظة، مات سنة سبع وثمانين وقد قارب المائة رضي الله عنه. (٣) المسند ١٨٤/٤. - ١٦٥ - [هل كان الخاتم عند الولادة] واختلف هل ولد به؟ أو وضع بعد ولادته؟ على قولين وقد وقع التصريح بوقت وضع الخاتم، وكيف وضع، ومن وضعه، في حديث أبي ذر(١) عند البزار وغيره (٢) قال: قلت يا رسول الله: كيف علمت أنك نبي، وبم علمت أنك نبي حتى استيقنت؟ قال: أتاني آتيان، وفي رواية ملكان، وأنا ببطحاء مكة، فوقع أحدهما بالأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: فزنه برجل ... الحديث، وفيه: ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشق بطني فأخرج قلبي فأخرج منه معمز الشيطان (٣) وعلق الدم فطرحهما، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن، ووليا عني، وكأني أرى الأمر معاينة . وعند أبي نعيم في الدلائل: أنه وَلّ لما ولد، ذكرت أمه أن (١) جندب بن جنادة الغفاري، قديم الإسلام، ذي الزهد الزائد، والفضل المنوه عليه بقوله وَله: (ما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء بعد النبيين امرءاً أصدق لهجة من أبي ذر) أخرجه أحمد وغيره. مات بالربذة سنة اثنتين وثلاثین . (٢) كالدارمي وابن أبي الدنيا وابن عساكر والضياء في المختارة. (٣) في الصحيحين عن أبي هريرة عنه وَل﴾ (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخاً من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه) قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾. - ١٦٦ - الملك غمسه في الماء الذي أنبعه(١) ثلاث غمسات، ثم أخرج سرقة(٢) من حرير أبيض، فإذا فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة، تضيء كالزهرة. وقيل: ولد به، فالله أعلم. [علامات نبوة الأنبياء] وأخرج الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه قال: لم يبعث الله نبياً إلا وقد كان عليه شامات النبوة في يده اليمنى، إلا أن يكون نبينا وَ﴿ فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه. وعلى هذا: فيكون وضع الخاتم بين كتفيه بإزاء قلبه مما اختص به عن سائر الأنبياء والله أعلم. (١) أي أحضره الملك ذلك الوقت في الإبريق الفضة، كما مر في حديث أبي نعيم . (٢) سرقة - بفتح المهملة والراء والقاف - أي قطعة. - ١٦٧ - [ ذكر وفاة آمنة ] ولما بلغ ◌َّ أربع سنين - وقيل خمساً، وقيل ستاً، وقيل سبعاً، وقيل تسعاً، وقيل اثنتي عشرة سنة وشهراً وعشرة أيام - ماتت أمه بالأبواء (١) وقيل بشعب أبي ذئب بالحجون(٢). وفي القاموس: ودار رائعة بمكة فيها مدفن آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس وعن الزهري، وعن عاصم بن عمرو بن قتادة(٣) دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا: لما بلغ رسول الله وَل ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله (٤) بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم، ومعه أم أيمن(٥)، فنزلت به دار التابعة (٦). (١) واد بين مكة والمدينة. وبهذا القول قال ابن إسحاق، وجزم به العراقي وتلميذه الحافظ قال الشارح وهو المشهور. (٢) جبل بمعلاة مكة. (٣) ابن النعمان، المدني الأنصاري الأوسي، العالم الثقة، كثير الحديث العلامة بالمغازي، مات سنة عشرين ومائة. خرج له الجماعة. (٤) هم أخوال جده عبد المطلب، فإضافتهم إليه مجاز. (٥) بركة الحبشية بنت ثعلبة، أعتقها أبو المصطفى، أسلمت قديماً، وهاجرت الهجرتين مناقبها كثيرة، وفي صحيح مسلم عن الزهري: أنها ماتت بعده ﴿ ل4* بخمسة أشهر. وروى ابن سعد بسند صحيح: ((لما قتل عمر بكت أم أيمن، فقيل لها، فقالت: اليوم وهى الإسلام)) وهذا موصول فهو أقوى من خبر الزهري المرسل. (٦) كذا في (ب، ش) وفي (ط) التبابعة وفي (أ، د) النابغة، والتابعة رجل من = - ١٦٨ - فأقامت به عندهم شهراً، فكان وَل ◌ّ يذكر أموراً كانت في مقامه ذلك، ونظر إلى الدار فقال: ها هنا نزلت بي أمي، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار، وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إلي. قالت أم أيمن فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة، وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامهم، ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانت بالأبواء توفيت. وروى أبو نعيم من طريق الزهري عن أسماء بنت رهم عن أمها قالت: شهدت آمنة أم النبي ◌َّ في علتها التي ماتت بها، ومحمد / عليه السلام غلام يفع (١) له خمس سنين عند رأسها، فنظرت إلى ١٩/ب وجهه ثم قالت: يا ابن الذي من حومة الحمام بارك الله فيك من غلام فودي غداة الضرب بالسهام نجابعون الملك المنعام إن صح ما أبصرت في المنام بمائة من إبل سوام من عند ذي الجلال والإكرام فأنت مبعوث إلى الأنام تبعث في التحقيق والإسلام تبعث في الحل وفي الحرام دين أبيك البر إبراهام فالله أنهاك عن الأصنام أن لا تواليها مع الأقوام (٢) ثم قالت: كل حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، = بني عدي بن النجار. (١) في (أ) يقع، وفي النسخ: يفع. قال في القاموس: غلام يافع وغلام يفع، بالفاء . (٢) لا شك أن هذا الشعر محدث مفتعل، وإلا فهل كانت آمنة تعلم الغيب؟! [م] . - ١٦٩ - وأنا ميتة وذكري باق، وقد تركت خيراً، وولدت طهراً، ثم ماتت. فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك هذه الأبيات: ذات الجمال العفة الرزينة نبكي الفتاة البرة الأمينة أم نبي الله ذي السكينة زوجة عبد الله والقرينة صارت لدى حفرتها رهينة(١) وصاحب المنبر بالمدينة (١) هل كان الجن يعلمون الغيب؟! رحم الله المصنف فقد كان يحسن به أن ينزه كتابه عن مثل هذا [م] . - ١٧٠ - صَلىالله [ قضية نجاة والديه [ [خبر إيمان والدته] وقد روي أن آمنة آمنت به وَلي بعد موتها. فروى الطبري(١) بسنده عن عائشة أن النبي وَلو نزل الحجون كئيباً حزيناً، فأقام به ما شاء الله عز وجل، ثم رجع مسروراً، قال: سألت ربي فأحيا لي أمي، فآمنت بي ثم ردها. ورواه أبو حفص بن شاهين(٢) في كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) له، بلفظ: قالت عائشة: حج بنا رسول الله وَيّ حجة الوداع، فمر بي على عقبة الحجون، وهو باك حزین مغتم، فبکیت لبكائه، ثم إنه نزل فقال: يا حميراء(٣) استمسكي، فاستندت إلى جنب البعير، فمكثت (١) في ط: الطبراني، وكذا في ب ولكنه صحح في هامشها. الحافظ محب الدين، أحمد بن عبد الله، أبو العباس، المكي الطبري، الإمام المحدث الصالح الزاهد الشافعي، فقيه الحرم ومحدث الحجاز المتوفى سنة أربع وتسعين وستمائة. (٢) الحافظ الكبير، الإمام المفيد، عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي، الثقة المأمون، صنف ثلاثمائة وثلاثين مصنفاً منها: التفسير الكبير ألف جزء، والمسند ألف وثلاثمائة جزء. مات سنة خمس وثمانين وثلاثمائة . (٣) تصغير حمراء، أي بيضاء، للتحبب، كقولهم: يا بُني، يا أُخي. - ١٧١ - ملياً، ثم عاد إلي وهو فرح متبسم فقال: ذهبت لقبر أمي فسألت ربي أن يحييها، فأحياها فآمنت بي(١). [خبر إيمان والديه] وكذا روي من حديث عائشة أيضاً إحياء أبويه وَل حتى آمنا به. أورده السهيلي، وكذا الخطيب في السابق واللاحق. وقال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل. وقال ابن كثير: إنه حديث منكر جداً، وسنده مجهول . وقال ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع. انتھی . [القول بنجاتهما] وقد جزم بعض العلماء: أن أبويه ربَّ ناجيان، وليسا في النار، متمسكاً بهذا الحديث وغيره. وتعقبه عالم آخر: بأنه لم ير أحداً صرح بأن الإيمان بعد انقطاع العمل بالموت ينفع صاحبه، فإن ادعى أحد الخصوصية فعليه الدليل. انتھی . وقد سبقه لذلك، أبو الخطاب بن دحية، وعبارته: من مات (١) أخرج الدارقطني هذا الحديث من هذا الوجه وقال: باطل. وابن عساكر وقال: منكر وهشام لم يدرك عائشة . وذكره ابن الجوزي في الموضوع ولم يتكلم على رجاله . وقد ناقش الشارح مسألة كونه موضوعاً، وتوصل إلى أنه ضعيف لا موضوع . - ١٧٢ - كافراً لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه ذلك، فكيف بعد الإعادة. انتهى. وتعقبه القرطبي (١) في ((التذكرة)): بأن فضائله وَلّ وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه، قال: وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلاً ولا شرعاً، فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بني إسرائيل، وإخباره بقاتله، وكان عيسى عليه السلام يحبي الموتى، وكذلك نبينا وَّر أحيا الله على يده جماعة من الموتى(٢).، وإذا ثبت هذا فلا يمتنع إيمانهما بعد إحيائهما، ويكون ذلك زيادة في كرامته وفضيلته. ثم قال: وقوله: من مات كافراً إلى آخر كلامه، مردود بما روي في الخبر أن الله تعالى رد الشمس على نبيه صل بعد مغيبها. ذكره الطحاوي(٣) وقال: إنه حديث ثابت، فلو لم يكن رجوع الشمس نافعاً، وأنه لا يتجدد به الوقت لما ردها / عليه، فكذلك يكون ١/٢٠ إحياء أبوي النبي ◌َ ◌َّ نافعاً لإيمانهما وتصديقهما بالنبي ◌َّ انتهى. وقد طعن بعضهم في حديث رد الشمس. كما سيأتي إن شاء الله في مقصد المعجزات. (١) الإمام المفسر، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح، أبو عبد الله، الأنصاري، الورع الزاهد، صاحب التصانيف العديدة، المشغول بما يعنيه، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف، سمع أبا العباس القرطبي، صاحب المفهم، وغيره توفي سنة إحدى وسبعين وستمائة. (٢) ذكر ذلك المصنف في المعجزات. (٣) الإمام العلامة الحافظ، صاحب التصانيف البديعة، أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سالم الأزدي الطحاوي المصري، الحنفي، الثقة الثبت الفقيه. ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين. ومات سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة . - ١٧٣ - [من أدلة القائلين بنجاتهما] [١) موتهما زمن الفترة] وقد تمسك القائل بنجاتهما أيضاً بأنهما ماتا قبل البعثة، في زمن الفترة، ولا تعذيب قبلها لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾(١) قال: وقد أطبقت الأئمة الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجياً، [٢) آباء الأنبياء مؤمنون] قال: وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه ((أسرار التنزيل) ما نصه: ((قيل أن آزر لم يكن والد إبراهيم، بل كان عمه، واحتجوا عليه بوجوه، منها: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفاراً، ويدل عليه وجوه منها: قوله تعالى: ﴿الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين﴾(٢) قيل معناه: أنه كان ينتقل نوره من ساجد إلى ساجد، ففيه دلاله على أن جميع آباء محمد كانوا مسلمين)). ثم قال: ومما يدل على أن آباء محمد وَلّ ما كانوا مشركين، قوله عليه السلام: (لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات)) وقال تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾(٣) فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركاً)). كذا قال. (١) سورة الإسراء الآية ١٥ . (٢) سورة الشعراء الآية ٢١٩. (٣) سورة التوبة الآية ٢٨ . - ١٧٤ - [مناقشة الأدلة السابقة] وهو متعقب : بأنه لا دلالة في قوله: ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ على ما ادعاه، فقد ذكر البيضاوي - في تفسيره - وغيره، أن معنى الآية: وترددك في تصفح أحوال المتهجدين، كما روي أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف عليه السلام تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون، حرصاً على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع لها من دندنتهم بذكر الله تعالى. · وقد ورد النص بأن أبا إبراهيم عليه الصلاة والسلام مات على الكفر، كما صرح به البيضاوي وغيره، قال تعالى: ﴿فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه﴾(١)، وأما قوله إنه كان عمه فعدول عن الظاهر من غير دليل. انتهى ونقل الإمام أبو حيان في ((البحر)) عند تفسير قوله: ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ أن الرافضة هم القائلون أن آباء النبي ◌َّل كانوا مؤمنين، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ وبقوله عليه السلام: ((لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين)) الحديث. انتهى . [أدلة القائلين بعدم النجاة ومناقشتها] وروى ابن جرير (٢) عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن (١) سورة التوبة. الآية ١١٤. (٢) الإمام الحافظ الفرد، أبو جعفر، محمد بن جرير الطبري، أحد الأعلام، المجتهد المطلق صاحب التصانيف، المتوفى سنة عشر وثلاثمائة . - ١٧٥ - بريدة عن أبيه: أن النبي ◌َّر لما قدم مكة أتى رسم قبر، فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبراً فقلنا يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت، قال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فما رؤي باكياً أكثر من يومئذ(١). وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الله بن مسعود، أن رسول اللّه وَلّ أومأ إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً، ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فدعاه ثم دعانا، فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، وإني استأذنته في الدعاء لها فلم يأذن لي، وأنزل الله علي: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى﴾ (٢) فأخذني ما يأخذ الولد للوالد. ورواه الطبراني من حديث ابن عباس. • وفي مسلم: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي / فزوروا القبور، فإنها تذكر الآخرة(٣). قال القاضي عياض: بكاؤه عليه السلام على ما فاتها من إدارك أيامه والإيمان به . • وفي مسلم أيضاً: (أن رجلاً قال: يا رسول الله: أين أبي، (١) ورواه ابن سعد وابن شاهين عن بريدة بنحوه. (٢) سورة التوبة. الآية ١١٣ . (٣) رواه مسلم في كتاب الجنائز برقم ٠١٠٨ - ١٧٦ - قال: في النار، فلما قفا دعاه، قال: إن أبي وأباك في النار)(١). قال النووي: فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا ينفعه قرابة المقربين. وفيه: أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو في النار، وليس في هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء. وقال الإمام فخر الدين: من مات مشركاً فهو في النار، وإن مات قبل البعثة، لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم، واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، ولم يزل معلوماً من دين الرسل كلهم، من أولهم إلى آخرهم، قبح الشرك والوعيد عليه في النار، وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم قرناً بعد قرن، فلله الحجة البالغة على المشركين، في كل وقت وحين، ولو لم يكن إلا ما فطر الله عباده عليه من توحيد ربوبيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك مستحق للعذاب في النار لمخالفته دعوة الرسل، وهو مخلد فيها دائماً كخلود أهل الجنة [في الجنة](٢). انتهى. [تعقيب الأبي على كلام النووي] وقد تعقب العلامة أبو عبد الله الأبي(٣) من المالكية فيما وضعه (١) رواه مسلم في كتاب الإيمان برقم ٣٤٧ . (٢) في النسخ، وليست في الأصل . (٣) محمد بن خلف الأبي - منسوب إلى أبة، من قرى تونس - من أجل علماء المالكية المتأخرين أخذ عن ابن عرفة، واشتهر في حياته بالمهارة والتقدم في العلوم وكثر انتقاده لشيخه. = - ١٧٧ - على صحيح مسلم(١) قول النووي الماضي وفيه ((أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار، إلى آخره)) بما معناه : تأمل ما في كلامه من التنافي، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة، لأن أهل الفترة هم: الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول، ولا أدركوا الثاني، كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي وَله. والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين، كالفترة بين نوح وهود ، لكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنهم يعنون التي بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام. وذكر البخاري عن سلمان أنها كانت ستمائة سنة(٢). = قال الحافظ في التبصير: محمد بن خلف الأبي الأصولي، عصرينا بالمغرب، عالمها بالمعقول سكن تونس. (١) يعني شرحه المسمى: إكمال الإكمال. (٢) جاء في نسخة (الأصل) بعد ذلك ما يلي؛ ((قال البيهقي في دلائل النبوة بعد زيارته قبر أمه، وغيره: وكيف لا يكون أبواه وجده بهذه الصفة في الآخرة، وكانوا يعبدون الوثن حتى ماتوا، ولم يدينوا بدين عيسى عليه السلام، وكفرهم لا يقدح في زوجاتهم، فلا يلزمهم تجديد العقد ولا مفارقتهم، إذ كان مثله يجوز في الإسلام)). ((قال ابن كثير: إخباره وَلّر عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار، لا ينافي الحديث الوارد عنه من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة، كما بسط سنداً ومتناً عند قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ فيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب)). ((والحديث الذي ذكره السهيلي في إسناده مجاهيل، إلى أبي الزناد عن = - ١٧٨ - ولما دلت القواطع على أن لا تعذيب حتى / تقوم الحجة(١)، ١/٢١ علمنا أنهم غير معذبين، فإن قلت قد صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة، كحديث (رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار)(٢) و(رأيت صاحب المحجن في النار، وهو الذي يسرق الحاج بمحجنه، فإذا بصر به، قال: إنما تعلق بمحجني)(٣). أجيب بأجوبة : أحدها: أنها أخبار آحاد فلا تعارض القطع. الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء، والله أعلم بالسبب. الثالث: قصر التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بدل وغير من أهل الفترة، بما لا يعذر به من الضلال كعبادة الأوثان وتغيير الشرائع. فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام: • الأول: من أدرك التوحيد ببصيرته، ثم من هؤلاء من لم = عروة عن عائشة أن رسول الله وسلّ سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما وآمنا به، فإنه منكر جداً، وإن كان ممكناً بالنظر إلى قدرة الله تعالى، لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضه، والله أعلم، نقلته من تاريخ ابن كثير المسمى بالبداية والنهاية)). أقول: هذه الزيادة لا تتناسب مع كلام ((الأبي)) لأنها مؤيدة لكلام الإمام مسلم الذي يرد عليه الأبي. ولذا رأيت أن أضعها في الهامش. علماً أن بقية النسخ لم تذكرها. [م] . (١) مثل قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾. (٢) رواه البخاري برقم ٣٥٢١ ومسلم برقم ٩٠٤ . (٣) رواه مسلم (الكسوف ١٠) وأحمد في المسند ١٥٩/٢ . - ١٧٩ - يدخل في شريعة، كقس بن ساعدة(١)، وزيد بن عمرو بن نفيل(٢). ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم، كتبع وقومه من حمير وأهل نجران، وورقة بن نوفل، وعمه عثمان بن الحويرث. · القسم الثاني من أهل الفترة: وهم من بدل وغير، فأشرك ولم يوحد، وشرع لنفسه فحلل وحرم، وهم الأكثر، كعمرو بن لحي، أول من سن للعرب عبادة الأصنام وشرع الأحكام، فبحر البحيرة(٣) وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحام، وتبعته العرب في ذلك وغيره مما يطول ذكره. القسم الثالث من أهل الفترة، وهم من لم يشرك ولم يوحد، ولا دخل في شريعة نبي، ولا ابتكر لنفسه شريعة، ولا اخترع ديناً، (١) قس بن ساعدة الأيادي: أول من آمن بالبعثة من أهل الجاهلية، وأول من اتكأ على عصا في الخطبة، وأول من قال: أما بعد، وأول من كتب من فلان إلى فلان، كان يخطب قومه في سوق عكاظ، وفي الحديث من رواية ابن شاهين عن ابن عباس أنه م # قال: (رحم الله قساً - كأني أنظر إليه على جمل أورق - تكلم بكلام لا أحفظه) ويعد قس خطيب العرب قاطبة. (٢) والد سعيد بن زيد، أحد العشرة، وعم عمر بن الخطاب، كان ممن طلب التوحيد وخلع الأوثان وجانب الشرك، ومات قبل المبعث. روى البخاري من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة: التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس. والسائبة: التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثني بعد بأنثى، فكانوا يسيبونها بعد لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر. والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه، ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل، فلم يحمل عليه شيء وسموه الحام. - ١٨٠ -