النص المفهرس

صفحات 141-160

وهو اختيار أكثر أهل الحديث، ونقل عن ابن عباس وجبيبر بن
مطعم، وهو اختيار أكثر من له معرفة بهذا الشأن، واختاره
الحميدي (١)، وشيخه ابن حزم(٢)، وحكى القضاعي(٣) في ((عيون
المعارف)) إجماع أهل الزيج (٤) عليه، ورواه الزهري(٥)عن محمد بن
جبير بن مطعم (٦)، وكان عارفاً بالنسب وأيام العرب، أخذ ذلك عن
أبيه جبير(٧) .
= العلم والعمل، وألف في الحديث والتصوف وتاريخ مصر، ولد بمصر سنة
أربع عشرة وستمائة ومات سنة ست وثمانين وستمائة. ونسبته إلى قسطلينة
من إقليم أفريقية .
(١) الحافظ أبو عبد الله، محمد بن أبي نصر فتوح الأزدي الحميدي - مصغراً -
الأندلسي الظاهري، من كبار تلامذة ابن حزم، صاحب الجمع بين
الصحيحين، فريد عصره علماً وفضلاً وحفظاً وورعاً، الثبت الإمام في
الحديث والفقه والأدب. مات سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
(٢) الحافظ أبو محمد، علي بن أحمد بن حزم، القرطبي الظاهري، الإمام
العلامة الزاهد الورع، له المنتهى في الذكاء والحفظ، مع توسعه في علوم
اللسان والبلاغة والشعر والسير والأخبار. توفي سنة سبع وخمسين
وأربعمائة .
(٣) أبو عبد الله، محمد بن سلامة، الفقية الشافعي، قاضي مصر، صاحب:
الشهاب والخطط وغيرهما. قال ابن ماكولا: كان متفنناً في عدة علوم، توفي
بمصر سنة أربع وخمسين وأربعمائة.
(٤) أي الميقات، وهو لغة: خيط البناء، نقل وجعل لقباً لعمل الميقات.
(٥) الإمام أبو بكر، محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، المدني، أحد الأعلام،
نزيل الشام، التابعي الصغير، المتفق على إمامته وحفظه، الموصوف بأنه
جمع علم جميع التابعين. القائل ما استودعت قلبي شيئاً قط فنسيه، المتوفى
سنة خمس وعشرين ومائة، عن اثنتين وتسعين سنة.
(٦) محمد بن جبير بن مطعم النوفلي، الثقة أحد رجال الستة، توفي على رأس المائة.
(٧) جبير بن مطعم، الصحابي العارف بالأنساب المتوفى سنة ثمان وخمسين.
- ١٤١ -

وقيل لعشر (١)، وقيل لاثنتي عشرة، وعليه(٢) عمل أهل مكة في
زيارتهم موضع مولده في هذا الوقت، وقيل لسبع عشرة وقيل لثمان
عشرة(٣)، وقيل لثمان بقين منه. وقيل: إن هذين القولين غير
صحیحین عمن حكيا عنه بالكلية.
والمشهور: أنه ولد [يوم الإثنين (٤)] ثاني عشر شهر ربيع الأول،
وهو قول ابن إسحاق وغيره.
وإنما كان في شهر ربيع على الصحيح ولم يكن في المحرم، ولا
في رجب، ولا في رمضان، ولا غيرها من الأشهر ذوات الشرف، لأنه
عليه السلام لا يتشرف بالزمان، وإنما الزمان يتشرف به كالأماكن، فلو
١/١٦ ولد / في شهر من الشهور المذكورة، لتوهم أنه تشرف بها، فجعل
الله تعالى مولده وَليه في غيرها ليظهر عنايته به وكرامته عليه.
وإذا كان يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم عليه السلام خص
بساعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه، فما
بالك بالساعة التي ولد فيها سيد المرسلين. ولم يجعل الله تعالى في يوم
الإثنين - يوم مولده وَل ــ من التكليف بالعبادات ما جعل في يوم
الجمعة - المخلوق فيه آدم - من الجمعة والخطبة وغير ذلك، إكراماً
لنبيه وَ* بالتخفيف عن أمته، بسبب غاية وجوده قال تعالى: ﴿وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾(٥)، ومن جملة ذلك: عدم التكليف.
(١) حکاه مغلطاي والدمياطي وصححه.
(٢) في (ط، د) وعليه يحمل.
(٣) ثمان عشرة: بفتح النون ويجوز كسرها، ويجوز إثبات الياء وتفتح.
(٤) في (ش، ب).
(٥) سورة الأنبياء. الآية ١٠٧ .
- ١٤٢ -

[الوقت الذي ولد فيه وَار]
واختلف أيضاً في الوقت الذي ولد فيه(١).
والمشهور أنه يوم الإثنين. فعن أبي قتادة الأنصاري (٢): أنه رَله
سئل عن صيام يوم الإثنين فقال: (ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت
علي فيه النبوة) رواه مسلم(٣)، وهذا يدل على أنه وال ولد نهاراً.
وفي المسند، عن ابن عباس قال: ولد نرَّ يوم الإثنين،
واستنبئ يوم الإثنين، وخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الإثنين،
ودخل المدينة يوم الإثنين، ورفع الحجر يوم الإثنين. انتهى (٤).
وكذا فتح مكة ونزول سورة المائدة يوم الإثنين.
وقد روى أنه ولد [يوم الإثنين](٥) عند طلوع الفجر، فعن عبد
الله بن عمرو بن العاصي قال: كان بمر الظهران راهب يسمى عيصى،
من أهل الشام، وكان يقول: يوشك أن يولد فيكم يا أهل مكة مولود
تدين له العرب ويملك العجم، هذا زمانه، فكان لا يولد بمكة مولود
إلا يسأل عنه، فلما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله وعليه
خرج عبد المطلب حتى أتى عيصى فناداه، فأشرف عليه، فقال له
(١) أهو الليل أم النهار؟
(٢) أبو قتادة الأنصاري، فارس رسول الله وص له، حضر سائر المشاهد إلا بدراً
ففيه خلف، وليس في الصحابة من يكنى بكنيته غيره، واسمه الحارث بن
ربعي، مات بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، وقيل غير ذلك.
(٣) رقم ١٩٧ من كتاب الصيام ٨١٩/٢ .
(٤) المسند ٢٧٧/١.
(٥) في (ط، ب) .
- ١٤٣ -

عيصى: كن أباه، فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم
الإثنين، ويبعث يوم الإثنين، ويموت يوم الإثنين. قال: ولد لي الليلة
مع الصبح مولود، قال: فما سميته؟ قال: محمداً، قال: والله لقد
كنت أشتهي أن يكون هذا المولود فيكم أهل هذا البيت، بثلاث
خصال تعرّفه: فقد أتى عليهن منها: أنه طلع نجمه البارحة، وأنه ولد
اليوم، وأن اسمه محمد. رواه أبو جعفر بن أبي شيبة(١)، وخرجه أبو
نعيم في الدلائل بسند فيه ضعف.
وقيل: كان مولده وَلّ عند طلوع الغفر، وهو ثلاثة أنجم صغار
ينزلها القمر، وهو مولد النبيين، ووافق ذلك من الشهور الشمسية
نيسان، وهو برج الحمل، وكان لعشرين مضت منه.
وقيل ولد ليلاً فعن عائشة قالت: كان بمكة يهودي يتجر فيها، فلما
كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله وَ الهير قال: يا معشر قريش هل ولد فيكم
الليلة مولود قالوا لا نعلم قال ولد الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة بين كتفيه
علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس فخرجوا باليهودي حتى
أدخلوه على أمه فقالوا: أخرجي لنا ابنك فأخرجته وكشفوا عن ظهره فرأى
تلك الشامة فوقع اليهودي مغشياً عليه فلما أفاق قالوا مالك ويلك قال:
ذهبت والله النبوة من بني اسرائيل، رواه الحاكم.
(١) محمد بن عثمان العبسي الكوفي، محدثها الحافظ البارع، صنف وجمع. وثقه
صالح جزره وابن عدي وعبدان، وقال عبد الله بن أحمد: كذاب، وقال
ابن خراش: يضع، وقال مطين: هو عصا موسى تلقف ما يأفكون، وقال
ابن البرقاني: لم أزل أسمع أنه مقدوح فيه. مات سنه سبع وتسعين
ومائتين .
- ١٤٤ _

قال الشيخ بدر الدين الزركشي: ((والصحيح أن ولادته وَ لاهل كانت
نهاراً، قال: وأما ما روي من تدلي النجوم فضعفه ابن دحية لاقتضائه أن
الولادة ليلاً. قال: وهذا لا يصلح أن يكون تعليلاً، فإن زمان النبوة
صالح للخوارق، ويجوز أن تسقط النجوم نهاراً)) انتهى.
[ليلة القدر وليلة المولد]
فإن قلت: إذا قلنا بأنه عليه الصلاة والسلام ولد ليلاً، فأيما
أفضل: ليلة القدر أو ليلة مولده صلى الله عليه وسلم؟
أجيب: بأن ليلة مولده أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة:
أحدها: أن ليلة المولد ليلة ظهوره وَير، وليلة القدر معطاة له، وما
شرف بظهور ذات المشرف من أجله أشرف / مما شرف بسبب ما ١٦/ب
أعطيه، ولا نزاع في ذلك، فكانت ليلة المولد - بهذا الاعتبار - أفضل.
الثاني: أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها، وليلة المولد
شرفت بظهوره وسم# فيها. ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم
ليلة القدر، على الأصح المرتضى، فتكون ليلة المولد أفضل.
الثالث: أن ليلة القدر وقع التفضل فيها على أمة محمد وَله، وليلة
المولد الشريف وقع التفضل فيها على سائر الموجودات، فهو الذي بعثه الله
عز وجل رحمة للعالمين، فعمت به النعمة على جميع الخلائق، فكانت ليلة
المولد أعم نفعاً، فكانت أفضل(١).
(١) قال الشهاب الهيتمي: إن أريد أن تلك الليلة ومثلها من كل سنة إلى يوم
القيامة أفضل من ليلة القدر، فهذه الأدلة لا تنتج ذلك، كما هو جلي. وإن
أريد عين تلك الليلة، فليلة القدر لم تكن موجودة إذا ذاك، وإنما أتى
فضلها في الأحاديث الصحيحة على سائر ليالي السنة بعد الولادة، بمدة، =
- ١٤٥ -

فيا شهراً ما أشرفه وأوفر حرمة لياليه، كأنها لآلىء في العقود، ويا
وجهاً ما أشرفه من مولود، فسبحان من جعل مولده للقلوب ربيعاً وحسنه
بديعاً.
يقول لنا لسان الحال منه وقول الحق يعذب للسميع
فوجهي والزمان وشهر وضعي ربيع في ربيع في ربيع
[مدة الحمل ومكان الولادة]
واختلف أيضاً في مدة الحمل به، فقيل: تسعة أشهر(١)، وقيل
ثمانية وقيل سبعة وقيل ستة(٢).
وولد عليه السلام في الدار التي كانت لمحمد بن يوسف أخي
الحجاج(٣) ويقال بالشعب، ويقال بالردم ويقال بعسفان (٤).
= فلم يمكن اجتماعهما حتى يأتي بينهما تفضيل. وتلك انقضت وهذه باقية إلى
اليوم، وقد نص الشارع على أفضليتها، ولم يتعرض لليلة مولده، ولا
لأمثالها بالتفضيل أصلاً، فوجب علينا أن نقتصر على ما جاء منه، ولا
نبتدع شيئاً من عند نفوسنا القاصرة عن إدراكه إلا بتوقيف منه وصل. على
أنا لو سلمنا أفضلية لم يكن له فائدة، إذ لا فائدة في تفضيل الأزمنة إلا
بفضل العمل فيها، وأما تفضيل ذات الزمن الذي لا يكون فيه العمل
فليس له كبير فائدة. قال الشارح وهو كلام وجيه .
(١) قاله مغلطاي وصدر به. قال في الغرر وهو الصحيح.
(٢) حكى هذه الأقوال مغلطاي وغيره.
(٣) وهي بزقاق المدكك، وكانت قبل ذلك بيد عقيل بن أبي طالب، فباعها
ولده من محمد بن يوسف.
(٤) حكاه مغلطاي وهو قول شاذ .
- ١٤٦ -

[رضاعه عند الولادة]
وأرضعته وَلّ ثويبة(١)، عتيقة أبي لهب، أعتقها حين بشرته
بولادته عليه السلام.
وقد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له ما حالك؟ فقال:
في النار، إلا أنه خفف عني كل ليلة إثنين، وأمص من بين أصبعي
هاتين ماء (٢)، وأشار برأس أصبعه وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما
بشرتني بولادة النبي صلّ وبإرضاعها له.
قال ابن الجزري (٣): فإذا كان هذا أبو لهب الكافر، الذي نزل
القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي وَليّ به، فما حال
المسلم الموحد من أمته عليه السلام الذي يسر بمولده، ويبذل ما تصل
إليه قدرته في محبته رَسير، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن
يدخله بفضله العميم جنات النعيم.
(١) توفيت بمكة سنة سبع من الهجرة. قال ابن الجوزي: لا نعلم أنها
أسلمت .
(٢) الحديث في البخاري بلفظ: (قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، وكان أبو
لهب أعتقها، فأرضعت النبي ◌َ ◌ّر، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر
حيبة قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم، غير أني سقيت في
هذه بعتاقتي ثويبة) رقم ٥١٠١ كتاب النكاح. باب (٢٠).
قال ابن حجر (لم ألق بعدكم) كذا في الأصول بحذف المفعول، وفي
رواية الاسماعيلي (لم ألق بعدكم رخاء) ١٤٥/٩ [م].
(٣) الحافظ أبو الخير شمس الدين، محمد بن محمد الدمشقي، الإمام في
القراءات، الحافظ للحديث صاحب التصانيف التي منها ((النشر في
القراءات العشر)) لم يصنف مثله. ولد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة،
ومات سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة .
- ١٤٧ -

[الاحتفال بالمولد]
ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه السلام،
ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون
السرور، ويزيدون في المبرات. ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر
عليهم من بركاته كل فضل عميم(١).
ومما جرب من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة
بنيل البغية والمرام، فرحم الله امرءًا اتخذ ليالي شهر مولده المبارك
أعيادا، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وأعيا داء.
ولقد أطنب ابن الحاج (٢) في ((المدخل (٣)) في الإنكار على ما
أحدثه الناس من البدع والأهواء والغناء بالآلات المحرمة عند عمل
(١) [أول من احتفل بالمولد]
وأول من أحدث فعل ذلك، الملك المظفر، أبو سعيد صاحب أربل،
قال ابن كثير في تاريخه: ((كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول، ويحتفل
فيه احتفالاً هائلاً، وكان شهماً شجاعاً بطلاً عاقلاً عالماً عادلاً، وطالت مدته
في الملك إلى أن مات وهو محاصر الفرنج بمدينة عكا في سنة ثلاثين وستمائة
محمود السيرة والسريرة.
(٢) أبو عبد الله، محمد بن محمد العبدري الفارسي، أحد العلماء العاملين
المشهورين بالزهد والصلاح، كان فقيهاً عارفاً بمذهب مالك، صحب جماعة
من أصحاب القلوب، مات بالقاهرة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة .
(٣) كتاب ((المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع
المحدثة والعوائد المنحلة)) قال ابن فرحون: جمع فيه علماً غزيراً، ويجب
على من ليس له في العلم قدم راسخ أن يهتم بالوقوف عليه.
- ١٤٨ -

المولد الشريف، فالله يثيبه على قصده الجليل، ويسلك بنا سبيل
السنة، فإنه حسبنا ونعم الوكيل(١).
(١) [الخلاصة في حكم المولد]
والحاصل: أن عمله بدعة، لكنه اشتمل على محاسن وضدها، فمن تحرى
المحاسن واجتنب ضدها، كانت بدعة حسنة، ومن لا، فلا .
قال الحافظ ابن حجر في جواب سؤال: وظهر لي تخريجه على أصل
ثابت، وهو ما في الصحيحين: أن النبي ◌َّ قدم المدينة، فوجد اليهود
يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى
موسى، ونحن نصومه شكراً، قال: فيستفاد منه فعل الشكر على ما منّ به
في يوم معين، وأي نعمة أعظم من بروز نبي الرحمة، والشكر يحصل
بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة.
وسبقه إلى ذلك الحافظ ابن رجب.
أقول: هذا ما قاله الشارح، وقد تحدث الإمام ابن تيمية عن هذا
الموضوع في كتابه ((اقتضاء الصراط المستقيم)) في الصفحات ٢٩٤ - ٢٩٨،
وخلاصة رأيه: أن البدع ليست في مستوى واحد، فالمنكر مراتب، كما
أن البدعة الواحدة ليست في جميع الناس سواء، ومن ذلك قوله:
◌َلَُّ،
((وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى لـ
وإما محبة للنبي ◌َّه وتعظيماً له، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا
على البدع، من اتخاذ مولد النبي ◌َّ عيداً .. فإن هذا لم يفعله السلف .. )).
إلى أن يقول: ((فتعظيم المولد واتخاذه موسماً، قد يفعله بعض الناس،
ويكون له فيه أجر عظيم، لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله وَ لقر، كما
قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد، ولهذا
قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء: إنه أنفق على مصحف ألف دينار
ونحو ذلك، فقال: دعه، فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب. مع أن
مذهبه: أن زخرفة المصاحف مكروهة .. )). [المحقق].
- ١٤٩ -

[ ذكر رضاعه (*]
وقد ذكروا(١) أنه لما ولد وَيّ، قيل: من يكفل هذه الدرة
اليتيمة، التي لا يوجد لمثلها قيمة؟ قالت الطيور: نحن نكفله ونغنم
خدمته العظيمة، قالت الوحوش: نحن أولى بذلك ننال شرفه
وتعظيمه، فنادى لسان القدرة: أن يا جميع المخلوقات: إن الله تعالى
قد كتب في سابق حكمته القديمة أن نبيه الكريم يكون رضيعاً لحليمة
الحليمة .
[حديث حليمة]
قالت حليمة (٢): فيما رواه ابن إسحاق وابن راهويه(٣) وأبو
(١) أي أهل الإشارة من الصوفية، فأما الفقهاء والمحدثون فلم يذكروا شيئاً من
ذلك.
(٢) حليمة بنت أبي ذؤيب، عبد الله بن الحارث السعدية، قال في الاستيعاب:
روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: جاءت حليمة بنت عبد الله
أم النبي ◌َّ من الرضاعة إليه يوم حنين، فقام إليها وبسط لها رداءه،
فجلست عليه، وروت عن النبي ◌َّة، وروى عنها عبد الله بن جعفر. قال
في الإصابة: وحديث عبد الله بن جعفر عنها بقصة إرضاعه، أخرجه أبو
يعلى وابن حبان في صحيحه، وصرح فيه بالتحديث بين عبد الله وحليمة.
(٣) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد التميمي، أحد الأئمة الأعلام، اجتمع له =
- ١٥٠ -

يعلى (١) والطبراني والبيهقي وأبو نعيم: قدمت مكة في نسوة من بني
سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء في سنة شهباء، فقدمت على أتان لي
ومعي صبي لنا وشارف لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا ذلك
أجمع مع صبينا ذاك، لا يجد في ثديي ما يغنيه، ولا في شارفنا ما
يغذیه .
فقدمنا مكة، فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها
/ رسول اللّه ◌َر فتأباه، إذا قيل لها يتيم، فوالله ما بقي من ١/١٧
صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعاً غيري، فلما لم أجد غيره، قلت
لزوجي (٢): والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي
رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، فذهبت فإذا به مدرج في
ثوب صوف أبيض من اللبن، يفوح منه المسك، وتحته حريرة
خضراء، راقداً على قفاه، يغط، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه
وجماله، فدنوت منه رويداً فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكاً،
وفتح عينيه لينظر إلي، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء
وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه، وأعطيته ثديي الأيمن، فأقبل عليه بما شاء
= الحديث والفقه، والحفظ والصدق والورع، روى عنه الستة إلا ابن ماجه.
قال ابن حنبل: هو أمير المؤمنين في الحديث، ما كان يحدث إلا من حفظه
مات بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
(١) الحافظ الثبت، محدث الجزيرة، أحمد بن علي التميمي الموصلي، صاحب
المسند الكبير، ذو صدق وأمانة وعلم وحلم، وثقه ابن حبان والحاكم، ولد
سنة عشر ومائتين، ومات سنة سبع وثلاثمائة .
(٢) الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي، يكنى أبا ذؤيب، أدرك الإسلام
وأسلم، رواه يونس بن بكير. قال ابن إسحاق: وبلغني أنه إنما أسلم بعد
وفاة النبي ◌َّرَ، هكذا في رواية يونس.
- ١٥١ -

من لبن، فحولته إلى الأيسر فأبى، وكانت تلك حاله بعد . - قال أهل
العلم: أعلمه الله تعالى أن له شريكاً فألهمه العدل - قالت: فروي
وروي أخوه.
ثم أخذته، فما هو إلا أن جئت به رحلي، فأقبل عليه ثدياي بما
شاء من لبن، فشرب حتى روي (١) [وشرب أخوه حتى روي(٢)]، فقام
صاحبي - تعني زوجها - إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل، فحلب ما
شرب وشربت حتى روينا، وبتنا بخير ليلة، فقال صاحبي: يا حليمة،
والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة، ألم تري ما بتنا به الليلة من
الخير والبركة حين أخذناه، فلم يزل الله يزيدنا خيراً.
قال في رواية ذكرها ابن طغربك في ((النطق المفهوم)): فلما نظر
صاحبي إلى هذا قال لي: اسكتي واكتمي أمرك، فمن ليلة ولد هذا
الغلام أصبحت الأحبار قواماً على أقدامها، لا يهنؤها عيش النهار ولا
نوم الليل (٣).
قالت حليمة: فودعت النساء بعضهن بعضاً وودعت أنا أم
النبي بَّ، ثم ركبت أتاني وأخذت محمداً مَّ بين يدي، قالت:
فنظرت إلى الأتان وقد سجدت نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت
رأسها إلى السماء ثم مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا
معي، وصار الناس يتعجبون مني وتقول النساء لي وهن ورائي: يا بنت
أبي ذؤيب أهذه أتانك التي كنت عليها وأنت جائية معنا تخفضك طوراً
(١) من قوله (فأقبل عليه ثديابي .. ) ليس في ب .
(٢) في (أ، ش) .
(٣) قال الشارح: وإخباره بذلك عنهم لما بلغه أو شاهده من بعضهم؟!
- ١٥٢ -

وترفعك آخر؟ فأقول: تالله إنها هي فيتعجبن منها ويقلن إن لها
لشأناً عظيماً. قالت: فكنت أسمع أتاني تنطق وتقول والله إن لي لشأناً
ثم شأناً بعثني الله بعد موتي ورد لي سمني بعد هزالي، ويحکن یا نساء
بني سعد إنكن لفي غفلة وهل تدرين من على ظهري، على ظهري
خيار النبيين وسيد المرسلين وخير الأولين والآخرين وحبيب رب
العالمين(١).
قالت حليمة - فيما ذكره ابن إسحاق وغيره -: ثم قدمنا منازل
بني سعد، ولا أعلم أرضاً من أرض الله أجدب ـ [بالدال المهملة] -
منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به شباعاً لُبناً، فنحلب
ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع، حتى كان
الحاضر من قومنا يقولون لرعاتهم: اسرحوا حيث يسرح راعي غنم
بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة لبن، وتروح
أغنامي شباعاً لُبناً.
فلله درها من بركة كثرت بها مواشي حليمة ونمت وارتفع قدرها
به وسمت ولم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة وتفوز منه بالحسنى
وزيادة .
مقاماً علا في ذروة العز والمجد
لقد بلغت بالها شمي حليمة
وزادت مواشيها وأخصب ربعها وقد عم هذا السعد كل بني سعد
قال ابن الطراح رأيت في كتاب الترقيص لأبي عبد الله محمد بن
المعلى الأزدي أن من شعر حليمة ما كانت ترقص به النبي وقَله :
يا رب إذا أعطيته فأبقه وأعله إلى العلا وأرقه
(١) هذا الكلام بلسان الحال، وليس هناك ما يثبته. [المحقق].
- ١٥٣ -

وأدحض أباطيل العدا بحقه
١٧/ب
/ وعند غيره كانت الشيماء(١) أخته من الرضاعة تحضنه وترقصه
وتقول :
وليس من نسل أبي وعمي
هذا أخيّ لم تلده أمي
فأنمه اللهم فيما تنمي
فديته من مخول معمي
[حديث غريب الإسناد والمتن]
وأخرج البيهقي والصابوني في المائتين والخطيب وابن عساكر في
تاريخهما وابن طغر بك السياف في النطق المفهوم عن العباس بن عبد المطلب
قال: قلت: يا رسول الله دعاني للدخول في دينك أمارة لنبوتك رأيتك في
المهد تناغي القمر وتشير إليه بأصبعك فحيث أشرت إليه مال قال: إني كنت
أحدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش
قال: البيهقي: تفرد به أحمد بن إبراهيم الجيلي وهو مجهول وقال
الصابوني(٢): هذا حديث غريب الإسناد والمتن وهو في المعجزات حسن(٣).
والمناغاة: المحادثة، وقد ناغت الأم صبيها: لاطفته
وشاغلته بالمحادثة والملاعبة.
(١) الشيماء ويقال الشماء، ابنة الحارث بن عبد العزى السعدية. ذكرها أبو
نعيم وغيره في الصحابة، واسمها جداعة.
(٢) أبو عثمان، إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، شيخ الإسلام، المفسر
المحدث الفقيه الواعظ، الخطيب، ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة،
وتوفي سنة سبع وأربعين وأربعمائة.
(٣) قوله: ((وهو حسن في المعجزات)) قول غريب، فالمعجزات مرتبطة بالعقيدة
ولا يقبل فيها إلا الحديث الصحيح [وانظر - إن رغبت - كتاب من معين
الخصائص النبوية، للمحقق، ص (٢٩٨ - ٣١٢) نشره المكتب الإسلامي].
- ١٥٤ -

[التكلم في المهد وخصائص أخرى]
وفي فتح الباري عن سيرة الواقدي(١): أنه مَّ تكلم في أوائل
ما ولد(٢). وذكر ابن سبع في الخصائص أن مهده كان يتحرك بتحريك
الملائكة .
وأخرج البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس قال كانت حليمة
تحدث أنها أول ما فطمت رسول الله وم ثير تكلم فقال: الله أكبر كبيراً
والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً، فلما ترعرع كان يخرج
فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم. الحديث.
وقد روى ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر، عن ابن عباس
قال: كانت حليمة لا تدعه يذهب مكاناً بعيداً، فغفلت عنه، فخرج
مع اخته الشيماء في الظهيرة إلى البهم، فخرجت حليمة تطلبه، حتى
تجده مع أخته فقالت: في هذا الحر؟ قالت أخته: يا أمه ما وجد أخي
حراً، رأيت غمامة تظل عليه، إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى
انتهى إلى هذا الموضع الحديث.
وكان وَل يشب شباباً لا يشبه الغلمان.
(١) محمد بن عمر بن واقد الواقدي، أبو عبد الله، المدني الحافظ. كذبه أحمد،
وتركه ابن المبارك وغيره، قال في الميزان: استقر الإجماع على وهنه، وفي
التقريب: متروك مع سعة علمه. مات سنة سبع ومائتين. روى له ابن
ماجه .
(٢) التكلم في المهد ليس من خصائص الأنبياء، فقد تكلم فيه: ابن ماشطة
بنت فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج. رواه أحمد والحاكم مرفوعاً.
وعند مسلم في قصة أصحاب الأخدود: أن امرأة جيء بها لتلقى في النار
لتكفر، ومعها صبي فتقاعست فقال لها: يا أماه اصبري فإنك على الحق.
- ١٥٥ -

[حادثة شق الصدر]
قالت حليمة: فلما فصلته قدمنا به على أمه، ونحن أحرص
شيء على مكثه فينا، لما نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلنا: لو تركيته
عندنا حتى يغلظ، فإنا نخشى عليه وباء مكة، ولم نزل بها حتى ردته
معنا فرجعنا به .
فوالله إنه لبعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة مع أخيه من الرضاعة،
لفي بَهم لنا خلف بيوتنا، جاء أخوه يشتد، فقال: ذاك أخي القرشي،
قد جاء رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه وشقا بطنه، فخرجت أنا
وأبوه نشتد نحوه، فنجده قائماً منتقعاً لونه، فاعتنقه أبوه وقال: أي
بني، ما شأنك، فقال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني
فشقا بطني، ثم استخرجا منه شيئاً فطرحاه، ثم رداه كما كان. فرجعنا
به معنا، فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب،
فانطلقي بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف، قالت حليمة
فاحتملناه حتى قدمنا به مكة إلى أمه، فقالت: ما ردكما به، فقد كنتما
حريصين عليه؟ قلنا نخشى عليه الإتلاف والأحداث، فقالت: ما ذاك
بكما، فاصدقاني شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، قالت:
١/١٨ أخشيتما عليه الشيطان، كلا والله / ما للشيطان عليه سبيل، وإنه
لكائن لابني هذا شأن عظيم فدعاه عنكما.
وفي حديث شداد بن أوس عن رجل من بني عامر، عند أبي
يعلى وأبي نعيم وابن عساكر: أن رسول الله وَلّ قال: كنت مسترضعاً
في بني سعد بن بكر، فبينا أنا ذات يوم في بطن واد، مع أتراب لي
من الصبيان، إذا أنا برهط ثلاثة معهم طست من ذهب، مليء ثلجاً،
- ١٥٦ -

فأخذوني من بين أصحابي، وانطلق الصبيان هراباً مسرعين إلى الحي،
فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعاً لطيفاً، ثم شق ما بين
مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه، لم أجد لذلك مساً، ثم
أخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها، ثم أعادها
مكانها، ثم قام الثاني فقال لصاحبه تنح، ثم أدخل يده في جوفي
فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى
بها ثم قال بيده يمنة ويسرة كأنه يتناول شيئاً فإذا بخاتم في يده من نور
يجار الناظر دونه فختم به قلبي فامتلأ وذلك نور النبوة والحكمة ثم
أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهراً، ثم قال الثالث
لصاحبه تنح، فأمرَّ يده بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم
ذلك الشق بإذن الله تعالى، ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضاً
لطيفاً ثم قال للأول(١): زنه بعشرة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم ثم
قال زنه بمائة من أمته فرجحتهم ثم قال زنه بألف فرجحتهم فقال:
دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم، ثم ضموني إلى صدورهم
وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا: يا حبيب لم ترع إنك لو تدري ما
يراد بك من الخير لقرت عيناك الحديث.
وفي رواية ابن عباس، عند البيهقي، قالت حليمة: إذا أنا بابني
ضمرة يعدو فزعاً، وجبينه يرشح باكياً ينادي: يا أبت، يا أماه، الحقا
محمداً فما تلحقاه إلا ميتاً. أتاه رجل فاختطفه من أوساطنا، وعلا به
ذروة الجبل، حتى شق صدره إلى عانته، وفيه: أنه عليه السلام قال:
أتاني رهط ثلاثة، بيد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الثاني طست
من زمردة خضراء. الحديث.
(١) في ش: الأول للثالث.
- ١٥٧ -

فإن قلت: هل غسل قلبه الشريف في الطست خاص به، أو
فعل بغيره من الأنبياء عليهم السلام؟
أجيب: بأنه ورد في خبر التابوت والسكينة: أنه كان فيه
الطست الذي غسلت فيه قلوب الأنبياء، ذكره الطبري، وعزاه العماد
ابن كثير في تفسيره لرواية السدي عن أبي مالك عن ابن عباس.
فإن قلت: ما الحكمة في ختم قلبه المقدس؟
أجيب: بأنه إشارة إلى ختم الرسالة به، وهذا مسلم، إن كان
الختم خاصاً به، أما إذا ورد أنه ليس خاصاً به بل بكل نبي - وسيأتي
إن شاء الله تعالى قريباً ما في الخاتم الشريف من المباحث - فتكون
الحكمة أنه علامة يمتاز بها عن غيره ممن ليس بنبي(١).
والمراد بالوزن: في قوله: ((زنه بعشرة الخ)) الوزن الاعتباري،
فيكون المراد الرجحان في الفضل، وهو كذلك.
وفائدة فعل الملكين، ذلك، ليعلم الرسول ذلك، حتى يخبر به
غيره ويعتقده، إذ هو من الأمور الاعتقادية .
[شق الصدر وقع أكثر من مرة]
وقد وقع شق صدره الشريف [واستخراج قلبه(٢)] مرة أخرى
عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء. ومرة أخرى عند الإسراء
به، وسيأتي كل في موضعه إن شاء الله تعالى.
(١) في ش: هذه الجملة مقدمة على الجملة المعترضة.
(٢) في ش.
- ١٥٨ -

وروى الشق أيضاً، وهو ابن عشر أو نحوها، مع قصة له مع
عبد المطلب، أبو نعيم في الدلائل.
[وفي فتح الباري في كتاب التوحيد، عزو ذلك لحديث أبي
هريرة عند عبد الله بن أحمد / في زوائد المسند، وقال البيهقي ١٨/ب
في مجمع الزوائد: رجاله ثقات، وثقهم ابن حبان(١)].
وروي خامسة، ولا تثبت.
والحكمة في شق صدره الشريف في حال صباه، واستخراج
العلقة منه، تطهيره عن حالات الصبا حتى يتصف في سن الصبا
بأوصاف الرجولية، ولذلك نشأ عليه السلام على أكمل الأحوال من
العصمة
(١) هذه الفقرة في الأصل فقط.
- ١٥٩ -

[ خاتم النبوة ]
وقد روي أنه ختم بخاتم النبوة بين كتفيه، وكان ينم مسكاً(١)،
وأنه مثل زر الحجلة، ذكره البخاري(٢).
وفي مسلم: جمع عليه خيلان، كأنها الثآليل السود عند نغض
كتفه(٣)، ويروى: غضروف كتفه اليسرى.
وفي كتاب أبي نعيم: الأيمن (٤).
وفي مسلم أيضاً: كبيضة الحمام(٥).
وفي صحيح الحاكم: شعر مجتمع (٦).
(١) قال القرطبي في المفهم: سمي بذلك لأنه أحد العلامات التي يعرفه بها
علماء الكتب السابقة، ولذا لما حصل عند سلمان من علامات صدقه ما
حصل، كموضع مبعثه ومهاجره، جد في طلبه فجعل يتأمل ظهره، فعلم
وَلَّر أنه يريد الوقوف على خاتم النبوة فأزال الرادء عنه، فلما رأى سلمان
الخاتم، أكب عليه فقبله، وقال: أشهد أنك رسول الله.
(٢) رواه البخاري برقم (١٩٠) وهو عند مسلم برقم (٢٣٤٥).
(٣) رواه مسلم برقم (٢٣٤٦) وفي مسند أحمد ٨٢/٥ و٨٣ ٠
(٤) قال الشارح: ولا شك في شذوذ هذا لمباينته ما في الصحيح الواجب
تقديمه .
(٥) رواه مسلم: باب الفضائل برقم ١٠٩ و١١٠ وفي مسند أحمد ٩٠/٥ .
(٦) وكذا في الترمذي وأبي يعلى والطبراني كلهم من حديث عمرو بن أخطب.
- ١٦٠ -