النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ دعاءٍ إلا بينه وبين السماء حجابٌ حتى يصلَّى على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، فإذا فَعَل ذلك انخرق ذلك الحجاب، ودخل الدعاء، وإذا لم يَفعل رجع الدعاء)). رواه البيهقي في ((الشُّعب))، وأبو القاسم التَّيْمي، وابن أبي شُريح، وأبو اليمن ابن عساكر من طريقه، وابن بشكوال، وغيرهم، من رواية الحارث الأعور، عنه، وقد ضعفه الجمهور، وروي عن أحمد بن صالح توثيقه. وأخرجه الطبراني في ((الأوسط))، والبيهقي في ((الشُّعب)) من رواية الحارث وعاصم بن ضَمْرة كلاهما عن عليّ، وأشار إليها أبو اليمن ابن عساكر، وأنها موقوفة، ورواه الطبراني أيضاً، والهَرَوي في ((ذم الكلام)) له، وأبو الشيخ، والديلمي من طريقه، والبيهقي أيضاً في ((الشعب))، وابن بشكوال، كلهم موقوفاً باختصار: كل دعاءٍ محجوبٌ حتى يصلَّى على محمدٍ وآل محمدٍ مَّ، والموقوف أشبه. قال أبو اليمن ابن عساكر: لا يثبت في هذا الباب حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويروى عن أنس رفعه - مما لم أقف على أصله، لكن آخره معروف كما تقدم -: ((أنا أول الناس خروجاً إذا بُعِثوا، وأنا قائدهم إذا جُمِعوا، وأنا خطيبهم إذا صَمتوا، وأنا شفيعهم إذا حُوسبوا، وأنا مبشِّرهم إذا يئسوا، واللواءُ الكريم يومئذٍ بيدي، ومفاتيح الجِنان بيدي، وأنا أكرمُ ولدِ آدمَ على ربي ولافخر، يطوف عليَّ ألفُ خادم كأنهم لؤلؤٌ مكنون، وما من دعاء إلا وبينه وبين السماء حجابٌ حتى يصِلَّى عليَّ، فإذا صُلِّيَ عليَّ انخرق الحجابُ وصَعِد الدعاء)) صلى الله عليه وسلم. وفي دعاء ابن عباس الذي رواه عنه حَنَشٌ (١) بعد قوله ((واستجبْ دعائي)): ((ثم تبدأ بالصلاة على النبي ◌َلير: أن تصلي على محمد عبدك ونبيك ورسولك أفضلَ ماصليت على أحد من خلقك أجمعين)). ذكره (١) حَتَش رجلان، اسمٌ، وهو: حنش بن عبدالله الصنعاني - صنعاء دمشق -، وهو ثقة. ولقبٌ، واسمه: حسين بن قيس الواسطي، وهو متروك، والمراد هنا الأول. ٤٢٢ في ((الشفا)). وسيأتي بطوله في الصلاة عند الحاجة تعرض إن شاء الله (١) تعالى(١) . وعن سعيد بن المسيب قال: ما من دعوة لا يصلَّى على النبي وَل فيها إلا كانت معلقةً بين السماء والأرض. رواه إسماعيل القاضي (٢) . وروِّينا عن ابن عطاء(٣) قال: للدعاء أركانٌ وأجنحة، وأسباب وأوقات، فإن وافق أركانَه قويَ، وإن وافق أجنحتَه طار في السماء، وإن وافق مواقيتَه فاز، وإن وافق أسبابَه أنجح. فأركانه: حضور القلب، والرِّقَّة، والاستكانة، والخشوع، وتعلُّق القلب بالله عز وجل، وقطعه من الأسباب، وأجنحته الصدق، ومواقيته الأسحار، وأسبابه الصلاة على النبي ٹڑ. ٥٠- وأما الصلاة عليه عند طَنين الأذن(٤): فعن أبي رافع مولى رسول الله وَل ورضي عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا طنَّتْ أَذُن أحدكم فليصلِّ عليَّ وليقلْ: ذكر الله بخيرٍ من ذكرني)). رواه الطبراني، وابن عدي، وابن السني في ((اليوم والليلة)) والخرائطي في ((المكارم))، وابن أبي عاصم، وأبو موسى المَديني، وابن بشكُوال، وسنده ضعيف. (١) صفحة ٤٣٩ - ٤٤٠. (٢) وفي الباب كلمة لأبي الدرداء ستأتي ص ٤٣٥-٤٣٦. (٣) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الأَدَمي البغدادي المتوفَّى سنة ٣٠٩، ترجمته ومصادرها في ((السِّيَر)) ٢٥:١٤، وليس هو ابن عطاء الله الإسكندري المتوفى سنة ٧٠٩، رحمهما الله تعالى. (٤) على حاشية أ مانصه: (([عن ابن العربي؟] أنه وَّر قال: ((إذا متّ لا أزال أنادي من قبري: أمتي أمتي حتى ينفخ في الصور)» فطنين الآذان لما تدركه الروح المتمكنة في قلبه ورأسه من ذلك النداء، فلذا استُحبَّت الصلاة عليه إذا طَّت الآذان .. أنه حقه، كما في العطاس، كما قاله الترمذي رحمه الله، شهاب شرح الشفا)). ومحل النقط كلمة غير واضحة، كما أن الاسم الذي في أول الحاشية لم أجزم بقراءته كما أثبتُه، والترمذي: هو الحكيم الترمذي صاحب ((نوادر الأصول)). ٤٢٣ وفي رواية بعضهم - كما هو عندنا في ((ثامن حديث الخراساني)) -: ((إذا طنَّت أُذنُ أحدكم فليذكُرْني وليصلِّ عليَّ، وليقل: ذكر الله من ذكرني بخيرٍ))(١). قلت: وقد أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه))، ومن طريقه أبو اليمن ابن عساكر(٢)، وذلك عجيب لأن إسناده غريب، كما صرَّح به أبو اليمن (١) على حاشية أ: ((قوله: ((ذكر الله من ذكرني بخير)) المراد منه: النبي ◌َّ، فإن الأذن إنما تطنُّ لما ورد على الروح من الخبَر الخير، وهو أن المصطفى وَ ل قد ذكر ذلك الإنسان بخير في الملأ الأعلى في عالم الأرواح، كما في ((التيسير)). اعلم أن الأرواح ذات طهارة ونزاهة لها سمع وبصر، وبصرها متصل ببصر العين، ولها سطوع في الجو، ثم تصعد إلى مقامها، فإذا تخلصت من شغل النفس أدركت من أمر الله ما يعجز [عنه البشر فهماً] ولولا شغلها لرأت العجائب، لكنها تدنَّست وتوسخت بأدناس الملذات، وتكدَّرت بما تشرَّبت من كأس الخطيئات، فإذا طنت الأذن فإنما تطن لما جاءت به من الخبر الخير، فلذلك قال: ((فليصلِّ عليَّ)) لأنه عليه الصلاة والسلام ذكره عند الله في ذلك، وطلب منه شيئاً استوجب به الصلاة، فليصلِّ عليه أداء لحقه، فلذلك حكم بمشروعية الصلاة عليه عند طنين الأذن، كما شرعت عند خَدَر الرَّجل، كما في ((فيض القدير))، و((مجمع الفوائد)))). ((التيسير)) للمناوي ١١٤:١، و((فيض القدير)) ٣٩٩:١ (٧٤٥) وما بين المعقوفين منه. ويصحح من هذا النص بعض كلمات محرَّفة مطبعياً في ((فيض القدير))، وأصل الكلام للحكيم الترمذي: الأصل ٢٨٣. (٢) لا شيء في القسم المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة)) ولا في مسند أبي رافع من («إتحاف المهرة))، فأخشى أن يكون المصنف عزاه إلى ابن خزيمة لذكره في إسناد أبي اليمن، وإن كان هذا يُستبعد منه جداً. وقد توبع المصنف على عزوه إلى ابن خزيمة، وبُني عليه: أن ابن خزيمة، ممن يلتزم الصحة، فكيف يُحكم على الحديث بالوضع؟! انظر ((فيض القدير)) للمناوي ١ :٣٩٩. والحديث ضعيف جداً، لا كما قال العقيلي ٤: ١٠٤ : ليس له أصل ولا كما حكم عليه ابن الجوزي بالوضع (١٥٠٠،١٤٩٩)، ولا حسنٌ، كما قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٠ :١٣٨، ففي إسناده حِبان بن علي العَنَزي، وهو ضعيف، عن محمد بن عبيدالله بن أبي رافع، وهو متروك منكر الحديث. ٤٢٤ وغيره، وفي ثبوته نظر، وقد قال أبو جعفر العُقيلي: إنه ليس له أصل، والله الموفق. ٥١- وأما الصلاة عليه عند خَدَر الرّجل: فرواه ابن السني من طريق الهيثم بن حَنَش، وابن بشكوال من طريق أبي سعيد - ولا أعلم أهي كنيةُ الهيثم أم لا(١) - قال: كنا عند ابن عمر رضي الله عنهما فَخَدِرت رجله فقال له رجل: اذكُر أحبَّ الناس إليك، فقال: يا محمد! صلى الله عليك وسلم، فكأنما نُشِط من عِقال. وللبخاري في ((الأدب المفرد)) من طريق عبد الرحمن بن سعد قال: خَدِرتْ رِجل ابن عمر، فقال له رجل: اذكر أحبَّ الناس إليك، فقال: یا محمد . ولابن السني من طريق مجاهد قال: خَدِرتْ رِجْلُ رَجُلٍ عند ابن عباس رضي الله عنهما، فقال له ابن عباس: أُذكُر أحبَّ الناس إليك، فقال: محمد ◌َلّ، فذهب خَدَره. ٥٢- وأما الصلاة عليه عند العطاس: فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي وَ لّ قال: ((من عَطَسَ فقال: الحمد لله على كل حال ما كان من حالٍ، وصلى الله على محمد، وعلى أهل بيته: أخرج الله من مَنْخِره الأيسرِ طائراً يقول: اللهم اغفر لقائلها)). أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس)) له بسند ضعيف. وعند ابن بشكُوال من حديث ابن عباس مرفوعاً مثلُه إلى قوله (١) يؤيد التفرقة بينهما أن ابن السني روى حديث أبي سعيد عن ابن عمر برقم (١٦٨)، ثم روى حديث الهيثم برقم (١٧٠)، ويقرِّب اتحادهما: اتحاد الطريق، فالراوي عن أبي سعيد والهيثم أبو إسحاق، وهما يرويانه عن ابن عمر. ثم إن الأصول اتفقت على ((أبي سعيد)) ومثلها في كتاب ابن السني، وجاء على حاشية ب، هـ مانصه: ((أبو سَعْد، عن ابن عمر، وعنه أبو إسحاق السَّبيعي، في (الميزان)) في خَدَر الرّجل)). («الميزان)) (١٠٢٢٤) ومثله في ((اللسان)) ٧: ٥١. ٤٢٥ ((الأيسر)) وقال بعده: ((طيراً أكبرَ من الذُّباب وأصغرَ من الجراد يرفرف تحت العرش يقول: اللهم اغفر لقائل هذا)) وسنده - كما قال المجد اللغوي(١) - لا بأس به سوى أن فيه يزيد بن أبي زياد، وقد ضعفه كثيرون، لكن أخرج له مسلم متابعة، والله أعلم. وعن نافع قال: عَطَس رجل عند ابن عمر رضي الله عنهما فقال له ابن عمر: لقد بخِلتَ! هلا حيثُ حمِدتَ الله تعالى صليتَ على النبيِ وَّ. أخرجه البيهقي وأبو موسى المَديني. وعند البيهقي أيضاً وبَقِيٍّ بن مَخْلَد في ((مسنده)) - مما عزاه إليه ابن بشكوال - عن الضحاك بن قيس قال: عطسَ عاطسٌ عند ابن عمر فقال: الحمد لله رب العالمين، ثم سكت، فقال له ابن عمر: ألا أَتْمَمْتَها بالتسليم على رسول الله وَلته . لكنْ قد جاء عن ابن عمر أيضاً ما يخالف هذا من رواية نافع أيضاً عنه، ولفظه: عطس رجل إلى جنب ابن عمر، فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله وَلّة، فقال ابن عمر: وأنا أقول السلام على رسول الله وَلَه، ولكن ليس هكذا أمرنا رسول الله وَّل أن نقولَ إذا عطَسنا، أمرنا أن نقول: الحمد لله على كل حال. رواه الطبراني وسنده ضعيف، وأخرجه الحاكم في ((صحيحه)) وهو عند الترمذي وقال: غريب. وعن نافع أن رجلاً عطس إلى جنب ابن عمر وقال: الحمد لله والسلام على رسول الله وَله، فقال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علّمنا رسول الله وَالته . قلت: ورجّح البيهقي ما تقدم على هذا، وكذا ذهب إلى استحباب الصلاة على النبي وَلّ عند العطاس أبو موسى المديني وجماعة، (١) ص٥٩، ولفظه: صحيح لا بأس به، وأعاده في ص١١٩ وقال: سنده جيد. لكن انظر التعليق على الحديث في ((تنزيه الشريعة)) ٢: ٣٣٤. ٤٢٦ ونازعهم في ذلك آخرون، قالوا: لا يستحب الصلاة عليه عند العطاس، وإنما هو موضعُ حمدِ الله وحدَه، ولكلِّ موطنٍ ذكرٌ يخصُّه لايقوم غيره مقامه، ولهذا لا تشرع الصلاة عليه ◌ّ في الركوع ولا في السجود، ونحو ذلك. واستدلوا لذلك بحديثٍ: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله وَ ل قال: ((لا تذكروني في ثلاثة مواطن: عند العُطاس، وعند الذَّبيحة، وعند التعجب)). وفي رواية ((عند تسمية الطعام)) بدل ((التعجب)). أخرجه الديلمي في ((مسند الفردوس)) له من طريق الحاكم، وهو عند البيهقي في ((السنن الكبرى)) عن الحاكم من غير ذكر الصحابي، وفي سنده من اتُّهم بالوضع، ولا يصح. وفي ((رابع فوائد المُخَلِّص)) من طريق نَهْشَل، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: موطنان لا يذكر فيهما رسول الله: عند العُطاس والذبيحة. ولا يصح أيضاً، وقد عدَّ جماعة من العلماء المواطن التي يُفْرَد ذكر الله تعالى فيها، فذكروا منها: الأكل والشرب والوقاع والعطاس ونحو ذلك مما لم تَرِد السنة بالصلاة على النبي ◌َّ فيه . قلت: كذا رأيته، وفي بعضٍ ذلك نظر، وقد كره سُّحنون الصلاة عليه عند التعجب وقال: لا يصلَّى عليه إلا على طريق الاحتساب وطلب الثواب. انتهى. وقال الحَليمي: وأما المتعجِّب من الشيء إذا صلى على النبي وَّة كما يقول: سبحان الله، لا إله إلا الله، أي لا يأتي بالنادر وغيره إلا الله فلا كراهة فيه، وإن صلى عليه عند الأمر الذي يُستقذر أو يُضحك منه فأخشى على صاحبه، فإن عرف أنه جعلها عجباً ولم يجتنبه: كفر !. قلت: وفي هذا الأخير نظر لا يخفى. قاله القُونوي. وفي ((منحة السلوك شرح تحفة الملوك)) لشيخنا البدر العيني الحنفي: ويَحرُم التسبيح والتكبير والصلاة على النبي ◌َّ عند عمل محرَّم، أو ٤٢٧ عرض سِلْعة، أو فتح فُقّاع(١)، ويَلتحق بالتعجب الصلاةُ عليه عند الغضب، كأن يقال له عند الغضب: صلِّ على محمد بَّهِ، خوفاً من أن يحمله الغضب على الكفر، كما حكاه النووي في ((الأذكار)) عن أبي جعفر النحاس، عن أبي بكر محمد بن يحيى أحد العلماء الفقهاء الأدباء، وأقرّه النووي رحمهم الله. ٥٣- وأما الصلاة عليه لمن نسي شيئاً وأراد تذكّره، وكذا لمن خاف النسيان: فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َله: ((إذا نسيتم شيئاً فصلوا عليَّ تَذْكُروه إن شاء الله تعالى)). أخرجه أبو موسى المديني بسند ضعيف . وعن عثمان بن أبي حرب الباهلي، عن النبي وَلّ قال: ((من أراد أن يحدِّث بحديثٍ فنسيَه فليصلِّ عليَّ، فإنَّ في صلاته عليَّ خَلَفاً من حديثه، وعسى أن يذكره)). أخرجه الديلمي هكذا وسنده ضعيف، وقال: ليس عثمان صحابياً. وهو عند ابن بشكوال وأولُه: ((من همَّ بأمرٍ فشاور فيه وقَّقه الله لرُشْد أمره، ومن أراد أن يحدِّثَ ... )) فذكر مثله سواءً. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: من خاف على نفسه النسيان فليكثر الصلاة على النبي وَله. أخرجه ابن بشكوال بسند منقطع. ٥٤- وأما الصلاة عليه عند استحسان الشيء: فقد ذكره الشهاب ابن أبي حَجَلة وعقَّبَه بقوله: وما أحسن قولَ شيخ الشيوخ بحماة في مَخْلِص قصيدة مدح بها الرسول وأَالت : غصنُ نَقَى حلَّ عقدَ صبري بلينِ خَصْرٍ يكادُ يُعقد فمن رأى ذا الوِشاحَ منهُ حُقَّ أن يصلِّي على محمد (٢) (١) الفُقّاع: المشروبات الغازية الهاضمة. (٢) البيتان في ((دفع النقمة)) لابن أبي حجلة ١٥/أ، و((شيخ الشيوخ)): لعله الإمام هبة الله بن عبدالرحيم البارِزي المتوفى سنة ٧٣٨ رحمه الله تعالى. ٤٢٨ قلت: وقد تقدم النهي عن الصلاة عليه عند التعجب قريباً (١). ٥٥- وأما الصلاة عليه عند أكل الفُجْل: فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لهو: ((إذا أكلتم الفُجْل وأردتم أن لا يوجد لها ريحٌ فاذكروني عند أوَّلِ قَضْمةٍ)). أخرجه الديلمي في ((مسنده)) ولا يصح، والأشبه: ما رواه مجاشع بن عمرو، عن أبي بكر بن حفص، عن سعيد ابن المسيَّب قال: من أكل الفُجْل فَسَرَّه أن لا يوجد منه ريحه فلیذکر النبي ◌َِّ عند أول قَضْمة. ٥٦- وأما الصلاة عليه عند نَهيق الحمير: فروى الطبراني وابن السني في ((عمل اليوم الليلة)) من حديث أبي رافع رَفَعه: ((لا ينهق الحمار حتى يرى شيطاناً أو يتمثَّل له شيطانٌ، فإذا كان ذلك فاذكروا الله وصلُّوا عليَّ))(٢) . والبيت الثاني جاء فيه : = ثم صلى على محمد فمن رأى ذلك الوشاح وبعد كلمة ((الوشاح)) كلمة لم أتبين قراءتها فيه، وجاء في أ: حُقَّ له أن يُصلي على محمد فمن رأى ذاك الوشاح يقيناً ثم وضع المصنف فوق كلمة ((يقيناً)) ضبة (صـ) علامة التوقف فيها، وعلى الحاشية: ((لعله)) وتحته كلمة لم تظهر في الصورة لوقوعها في الحاشية الداخلية للصفحة. (١) صفحة ٤٢٦. (٢) عزاه إلى الطبراني أيضاً - ونقل كلمة عياض - الحافظ في ((الفتح)) ٣٥٣:٣ (٣٣٠٣) وسكت عنه، لكنه ذكره بصيغة لا تُشعر أنه على شرطه فيما يسكت عنه أنه صحيح أو حسن، وينظر موقعه عند الطبراني؟، أما ابن السني فرواه (٣١٤) من طريق معمر بن محمد بن عبيدالله بن أبي رافع، عن أبيه محمد، عن أبيه عبيدالله، عن أبيه أبي رافع، ومعمر: منكر الحديث، وكذا أبوه. نعم، يشهد للشطر الأول منه حديث أبي هريرة عند البخاري (٣٣٠٣)، ومسلم ٤: ٢٠٩٢ (٨٢): ((إذا سمعتم صياح الدِّيكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكاً، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوَّذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطاناً))، والتعوُّذ: من ذكر الله. ٤٢٩ قال القاضي عياض: فائدة الأمر (١) بالتعوُّذ لما يُخشى من شرّ الشيطان وشرّ وسوسته، فليلجأ إلى الله في دفع ذلك. قلت: وكأنه بالصلاة على النبي ◌ِّ متوسِّلٌ في دفع ذلك. ٥٧- وأما الصلاة عليه عقب الذنْب إذا أراد أن يكفّر عنه: فقد تقدم حديث أنس: ((صلوا عليَّ فإن الصلاة كفارة لكم))، وكذا حديث أبي كاهل في الباب الثاني(٢). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((صلوا عليَّ فإن الصلاة عليَّ زكاةٌ لكم)) رواه ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ، وقد تقدم في الباب الثاني أيضاً(٣) . قال ابن القيم: فهذا فيه الإخبار بأن الصلاة زكاة للمصلي على النبي وَلغيره، والزكاة تتضمن النماء والبركة والطهارة، والذي قبله فيه أنها كفارة، وهي تتضمن محق الذنب، فيتضمن الحديثان أن الصلاة عليه وَّله تحصِّل طهارة النفس من رذائلها، وتثبتُ لها النماء والزيادة في كمالاتها، وإلى هذين الأمرين يرجع كمال النفس، فعلم أنه لا كمال للنفس إلا بالصلاة على رسول الله وَّيّة التي هي من لوازم محبته ومتابعته (١) على حاشية أ عند هذه الكلمة مانصه: ((وفي هذا الأمر دلالة على استحباب ذكر الله والصلاة على النبي ◌َّلز عند سماع صوت الحمار، وكذلك يستحب ذكر الله والصلاة أيضاً عند سماع صوت الكلب، كما ذُكر في الحديث الصحيح، سواء كان بالليل أو بالنهار. قال الإمام الطِّيبي: خلق الله تعالى للحمير والكلاب إدراكاً تدرك به النفوس الشِّريرة الخبيثة، فمن سمع نهيق الحمار أو نُباح الكلب، فذكر الله تعالى وصلى على النبي ◌َّ﴿ أمن من شر الشُّرير الخبيث، ومن وسوسته، لأن الشيطان لا يقرب من الذِّكر، بل يفر منه. ودلّ الحديث على أمن الذاكر والمصلي من مكر الشيطان ووسوسته، فإذا أردت فرار الشيطان من مجلسك فاذكر الله وصلّ على النبي ◌َّر في ... ((مجمع الفوائد)). وفي آخره قدر كلمتين غير واضحتين. (٢) آخر صفحة ٢٣٤، ٢٥٣. (٣) صفحة ٢٧٠. ٤٣٠ وتقديمه على كل مَن سواه من المخلوقين، وَلّ تسليماً كثيراً. ٥٨- وأما الصلاة عليه عند الحاجة تَعْرِض: فقد تقدم حديث جابر في الصلاة عقب الصبح والمغرب، وحديث فَضَالة وهو بعده بيسير(١)، وحديث أبيٍّ، وهو في الباب الثاني(٢). وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي وَ ◌ّ قال: ((اثنتا عَشْرة ركعةً تصليهنَّ من ليلِ ونهارٍ، وتَشَهَّدُ بين كل ركعتين، فإذا تشهَّدت في آخر صلاتك فأثْنٍ على الله عزَّ وجلَّ، وصلِّ على النبي ◌َُّ، ثم كبر واسجد، واقرأ وأنت ساجدٌ: فاتحة الكتاب سبع مراتٍ، وآيةَ الكرسي سبع مراتٍ، وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، عشر مراتٍ، ثم قل: اللهم إني أسألك بمعاقد العزّ من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، واسمك الأعظم، وجَدِّك الأعلى، وكلماتك التامة، ثم سلْ بعدُ حاجتك، ثم ارفع رأسك، ثم سلِّم يميناً وشمالاً، ولا تعلُّموها السفهاء، فإنهم يَدعون بها فيستجاب لهم)). رواه الحاكم في ((المئة)) له وغيرها (٣)، ومن طريقه البيهقي، وذكر جمعٌ من رواته أنهم جرَّبوه فوجدوه حقاً، ولكن سنده واهٍ بمرة، وقد ذكره الحافظ أبو الفرج في كتابه (٤) . قلت: وروي عن ابن جريج من حديث أبي هريرة، وطرقُه كلُّها واهية، لا سيما وهو معارَض بالنهي عن القراءة في السجود، وأصح أسانيده: ما رواه هُشيم بن أبي ساسان، عن ابن جريج، عن عطاء، قوله. وقوله («بمعاقد العزِّ من عرشك)): قال الحافظ أبو موسى المَديني: هذا - والله أعلم - كما يقال: عقدت هذا الأمر بفلان، لكونه أميناً قوياً (١) صفحة ٣٤٨، ٣٥٣. (٢) صفحة ٢٥٦. (٣) كتب المصنف أولاً في أ: ((في ((تاريخه)) وغيره) . (٤) ((الموضوعات)) (١٠٢٩). ٤٣١ عالماً، فالأمانة والقوة والعلم معاقدُ الأمر به وسببُ ذلك، أي: بالأسباب التي أعززتَ بها عرشك حيث أثنيتَ عليه بقولك: ﴿العرش العظيم﴾ [التوبة: ٧٩] و﴿العرش الكريم﴾ [المؤمنون: ١١٦] و ﴿العرشِ المجيدِ﴾(١) [البروج: ١٥] ونحو ذلك. وقوله ((ومنتهى الرحمة من كتابك)): كأنه أراد به آياتِ الرحمة التي يُذكر فيها سعةُ رحمة الله وكثرةُ أفضاله على عباده، وما أنعم به عليهم، أو الآياتِ التي يستوجبُ قارؤها، أو العاملُ بها الرحمةَ، لأنه تبارك وتعالى يحبُّ أن يُذكَر ذلك عنه ويُحبِّبُه إلى خلقه، كما وردت به الأخبار. انتهى. وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله وَّر فقال: ((من كانت له إلى الله حاجةٌ أو إلى أحدٍ من بني آدم فليتوضأ فليحسنْ وُضوءَه، وليصلِّ ركعتين، ثم يُثني على الله، ويصلَي على النبي وَله، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليمُ الكريم، سبحان الله ربِّ العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين، أسألك موجباتِ رحمتك، وعزائمَ مغفرتك، والغنيمةَ من كلِّ برٍّ، والسلامة من كلِّ ذنبٍ، لا تَدَعْ لي ذنباً إلا غفرته، ولا همَّاً إلا فرَّجته، ولا حاجةً هي لك رضا إلا قضيتَها يا أرحم الراحمين)) أخرجه الترمذي وابن ماجه والطبراني وعبد الرزاق الطَّبَسي في ((الصلاة)) له، من طريق أبي بكر الشافعي، وغيرُهم، وقال الترمذي: غريب وفي إسناده مقال، وفائد يُضعَّف في الحديث. انتهى. وقد توسّع ابن الجوزي فذكر هذا الحديث في ((موضوعاته))(٢) وفي ذلك نظر، فقد رواه الحاكم من حديثه وقال: فائدٌ كوفيّ عِداده في التابعين، وقد رأيت جماعة من أعقابه، وحديثه مستقيم إلا أن الشيخين (١) ذكر هذه الآية في هذا السياق يتمشى على قراءة ((المجيدِ)) بالجر صفة للعرش، وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف. (٢) ((الموضوعات)) (١٠٢٦)، وانظر التعليق عليه. ٤٣٢ لم يخرجا له، وإنما أخرجتُ حديثه شاهداً. انتهى. وقال ابن عدي: هو مع ضعفه یکتب حديثه. وقد جاء من حديث أنس، كما سأذكره، وفي الجملة هو حديث ضعيف جداً يكتب في فضائل الأعمال، وأما كونه موضوعاً فلا. وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي بَّر قال: ((من كانت له حاجةٌ إلى الله فليسبغ الوضوء، وليصلِّ ركعتين، يقرأ في الأولى بالفاتحة وآية الكرسيِّ، وفي الثانية بالفاتحة و﴿آمن الرسول﴾ ثم يتشهَّدُ ويسلِّم ويدعو بهذا الدعاء: اللهم يا مؤنسَ كلِّ وحيدٍ، ويا صاحب كل فريدٍ، ويا قريباً غيرَ بعيدٍ، ويا شاهداً غير غائبٍ، ويا غالباً غير مغلوبٍ، يا حيُّ ياقيوم، ياذا الجلالِ والإكرام، يا بديعَ السموات والأرض، أسألك باسمك الرحمن الرحيم، الحيّ القيوم، الذي عَنَت له الوجوه، وخشعت له الأصوات، ووجلت له القلوب من خشيته: أن تصلِّيَ على محمد وعلى آل محمدٍ، وأن تفعل بي كذا، فإنه تُقُضى حاجته)). أخرجه الديلمي في ((مسنده))، وأبو القاسم التيمي في ((ترغيبه)) بسند ضعيف. وهو عند عبد الرزاق الطَّبَسي بسند واهٍ بمرَّة، ولفظه: قال رسول الله وَّه الأم أيمن: ((إذا كانت لكِ حاجةٌ وأردتِ نجاحها فصلّي ركعتين، تقرئين في كل ركعةٍ الفاتحة وتقولينَ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، كلَّ واحدة عشراً، فكلّما قلتِ شيئاً من ذلك قال الله عز وجل: هذا لي قد قبلتُه، فإذا فرغتِ منهما وتشهدتِ فاسجدي قبل السلام، وقولي وأنتِ ساجدةٌ: يا الله أنت الله لا غيرُك يا حيُّ يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، صلِّ على محمدٍ وعلى آله الطيبين الأخيار، واقضٍ حاجتي هذه يا رحمنُ، واجعل الخِيَرةَ في ذلك، إنك على كل شيء قديرٌ، يا أمَّ أيمن إن العبد إذا ذكر الله في السراء ونزل به ضرٍ قالت الملائكة: صوتاً معروفاً، اشفعوا له إلى ربه عز وجل وأمِّنوا على دعائه، فيكشف الله عنه ويقضي حاجته)) الحديث. ٤٣٣ وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: من كانت له حاجة إلى الله، فليصم يوم الأربعاء والخميس والجمعة، فإذا كان يوم الجمعة تطهَّر وراح إلى المسجد، فتصدَّق بصدقةٍ قلَّت أو كثرت، فإذا صلى الجمعة قال: اللهم إني أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم، الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، أسألك بسم الله الرحمن الرحيم، الذي لا إله إلا هو الحيُّ القيوم لا تأخذه سِنة ولا نوم، الذي ملأتْ عظمته السمواتِ والأرض. وَأَسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو، الذي عَنَتْ له الوجوه وخشعت له الأصوات، ووجلت القلوب من خشيته: أن تصلي على محمد وَلّ وأن تقضيَ حاجتي، وهي كذا وكذا، فإنه يُستجاب له إن شاء الله تعالى، قال: وكان يقال لا تعلموه سفهاءكم لئلا يَدْعوا به في مأثم أو قطيعة رحم. رواه أبو موسى المديني هكذا موقوفاً، والنميري. وعن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه في حاجة، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمانَ بن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له: إِئتِ المِيضأَةَ فتوضأ ثم ائتِ المسجد فصلِّ فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ◌َّ نبي الرحمة، يا محمدُ إني أتوجه بك إلى ربك، فتقضيَ لي حاجتي، واذكُرْ حاجتك، ثم رُخْ حتى أروحَ. فانطلقَ الرجل فصنعَ ذلك، ثم أتى باب عثمان بن عفان، فجاءه البواب فأخذ بيده وأدخله على عثمان، فأجلسه معه على الطُّنْفِسة، فقال: حاجتُك؟ فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال: ما فهمتُ حاجتك حتى كان الساعة، وما كانت لك من حاجة فَسَلْ .. ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له الرجل: جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتى كلمتَه! فقال له عثمان بن حنيف: ما كلمتُه ولا كلِّمني، ولكني شهدت رسول الله ٤٣٤ صَلى الله. رسِلاً وَ ل﴿ وأتاه رجلٌ ضريرُ البصر فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي ((ائتِ المِيضأةَ فتوضأ، ثم ائتِ المسجد فصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد(١) إني أتوجه بك إلى ربي فَيُجلِّي لي عن بصري، اللهم شفِّعه فيَّ وشفُّعني في نفسي)). قال عثمان: فوالله ما تفرَّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل الرجل كأنه لم یکن به ضرر. أخرجه البيهقي في ((الدلائل)). وهو من رواية أبي أمامة، عن عمه عثمانَ بن حُنيف، كما صرح به البيهقي أيضاً، وكذا النميري، والنسائي في ((اليوم والليلة)) في روايتهم. ورواه أيضاً النسائي وابن ماجه والترمذي - وقال حسن صحيح غريب - وأحمد وابن خزيمة والحاكم - وقال صحيح على شرطهما - والبيهقي في ((الدلائل))، كلهم من طريق عُمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف نحوه. وفي لفظٍ عند بعضهم: أن رجلاً ضرير البصر أتى النبيَّ ◌َّ فقال: أُدعُ الله أن يعافيني، قال: ((إن شئتَ أخرتَ ذلك، فهو خير لك، وإن شئت دعوتُ الله)) قال: فادعُهُ. قال: فأمره أن يتوضأ فيحسنَ الوضوء ويصلِّيَ ركعتين ويدعوَ بهذا الدعاء: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﴿ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضيها لي، اللهم شفِّعه فيَّ، وشفِّعني في نفسي)) (٢). وفي لفظ آخر: عن عثمان بن حنيف أنه سمع النبي ◌َّ وجاءه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره وقال: يارسول الله ليس لي قائد وقد شقَّ عليَّ، فقال: ((ائتِ المِيضأة، ثم صلِّ ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد وَّه نبيِّ الرحمة، يا محمدُ إني أتوجه بك إلى (١) انظر ما تقدم ص ٤٠٥. (٢) في ب، ج: ((فيه)). وفي د: ((فيّ)) وعلى الحاشية: ((لعله: شفِّعني في نفسي، وأظنه الصواب. والله أعلم)). ٤٣٥ ربي، فيجلِّي لي عن بصري، اللهم شفعه فيَّ وشفعني في نفسي)). قال عثمان: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديثُ حتى دخل الرجل فكأنه لم یکن به ضژ قط. انتهى. قلت: وليست هذه القصة بسائر طرقها من موضوع هذا الكتاب. والله الموفق. وعند ابن أبي الدنيا في ((مُجابي الدعوة)) بسنده أن رجلاً جاء إلى عبد الملك بن سعيد بن حَيان بن أَبْجَر (١) ، فَجَسَّ بطنه، فقال: بك داءٌ لا يبرأ! قال: ماهو؟ قال: الدُّبيلةُ (٢)، فتحوَّل الرجل فقال: [الله، الله](٣) الله ربي لا أشرك به شيئاً. اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد دَاخل نبيِّ الرحمة، يامحمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي أن يرحمني مما بي رحمةً تغنيني بها عن رحمة مَن سواه - ثلاث مرات - ثم عاد إلى ابن أبجر فجسَّ بطنه، فقال: قد بَرَأتَ ما بك علّة! والله الموفق. وعن أبي سليمان الداراني قال: من أراد أن يسأل الله حاجته فليبدأ بالصلاة على النبي ◌َّ وليسأل حاجته، وليختم بالصلاة على النبي وَّر، فإن الله يقبل الصلاة، وهو أكرم من أن يردّ ما بينهما. وفي لفظ: إذا أردت أن تسأل الله حاجة فصلِّ على محمد ثم سلْ حاجتك، ثم صلِّ على النبي ◌َّر، فإن الصلاة على النبي وَّ مقبولة، والله عز وجل أكرم من أن يردَّ مابينهما. أخرجه النميري باللفظين. وفي ((الإحياء)) مرفوعاً: ((إذا سألتم الله حاجة فابدؤوا بالصلاة عليَّ، فإن الله أكرم من أن يُسأل حاجتين، فيقضيَ إحداهما ويردّ الأخرى)) ولم (١) أحد الثقات العبّاد، من رجال مسلم وغيره، وكان الإمام سفيان الثوري رحمهما الله تعالى من المعجبين به جداً. (٢) الدُّبيلة: داء في الجوف، أو خُراج أو دمَّل كبير فيه، يقتل صاحبه. (٣) زيادة من المصدر المذكور صفحة ١٠٥. كما أن كلمة ((فتحوَّل)) جاء مكانها بياض هناك، فتستفاد من هنا. ٤٣٦ أقف عليه، وإنما هو عن أبي الدرداء قولَه. وعن الحسن البصري أنه قال: هذا الدعاء هو دعاء الفرج ودعاء الكرب: يا حابسَ يدِ إبراهيم عن ذبح ابنه، وهما يتناجيان اللطف: يا أبتِ، يابنيّ، يا مُقَيِّضَ الركبِ ليوسف في البلد القَفْر وغَيابة الجبّ وجاعلَه بعد العبودية نبياً ملِكاً، يا من سمع الهمس من ذي النون في ظلمات ثلاث: ظلمةٍ قعر البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت، ويا رادَّ حزنٍ يعقوب، ويا راحم عَبْرَة داود، ويا كاشفَ ضرِّ أيوب، يا مجيب دعوة المضطرين، يا كاشفَ غمِّ المهمومين(١)، صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وأسألك أن تفعل بي كذا وكذا. أخرجه الدِّينَوَري في ((المجالسة)). وعن الربيع حاجبٍ المنصور(٢) قال: لما استقرَّت الخلافة لأبي جعفر المنصورَ قال لي: ياربيع ! ابعثْ إلى جعفر بن محمد - يعني الصادق - مَن يأتيني به، ثم قال بعد ساعة: ألم أقل لك أن تبعث إلى جعفر بن محمد فوالله لتأتيني به وإلا قتلتك! فلم أجد بُدّاً، فذهبت إليه فقلت: يا أبا عبد الله أَجبْ أمير المؤمنين، فقام معي، فلما دنونا من الباب قام يحرك شفتيه، ثم دخل فسلّم عليه فلم يردّ عليه، فوقف فلم يُجلسه، قال: ثم رفع رأسه إليه، فقال: يا جعفر أنت الذي ألَّبْت علينا وأكثرتَ، وحدثني أبي، عن أبيه، عن جده: أن النبي ◌َّ قال: ((يُنصبُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة يُعرف به)). فقال جعفر: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، أن النبي بَّ قال: ((ينادي منادٍ يوم القيامة من بُطنان العرش: ألا فليقمْ من كان أجره على الله تعالى، فلا يقومُ إلا من عفا عن أخيه)). فما زال يقولُ حتى سكن (١) في ج، د: ((همِّ المهمومين))، وعلى حاشية د: ((في ثلاث نسخ: غمّ)). (٢) انظر ((إتحاف الإخوان)) ص ٢١٠ لشيخنا مسند العصر الشيخ محمد ياسين الفاداني رحمه الله تعالى، وغيره من كتب المسلسلات. ٤٣٧ ما به ولاَنَ له، فقال: إِجلسْ أبا عبد الله، ارتفع أبا عبد الله، ثم دعا بِمُدْهُنِ غالية، فجعل يُخَلِّقُه بيده، والغاليةُ تقطر من بين أنامل أمير المؤمنين، ثم قال: انصرف أبا عبد الله في حفظ الله. وقال لي: ياربيع! اتبع أبا عبد الله جائزته وأضعِفْ له. قال: فخرجت فقلت: أبا عبد الله! تعلمُ محبتي لك، قال: نعم أنت ياربيعُ منا، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، أن النبي ◌َّ قال: ((مولى القوم من أَنْفُسهم)). فقلت: يا أبا عبدالله ! شهدتُ مالم تشهدْ، وسمعت مالم تسمع، وقد دخلتَ عليه، ورأيتُك تحرِّك شفتيك عند الدخول عليه، قال نعم: دعاءٌ كنت أدعو به. فقلت: أدعاءٌ لُقُّنْتَه عند الدخول، أو شيءٌ تأثُره عن آبائك الطيبين؟ قال: بلى، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه، أن النبي ◌َّ كان إذا حزَبَه أمرٌ دعا بهذا الدعاء: ((اللهم احرُسني بعينك التي لا تنام، واكنُفْني بركنك الذي لا يُرام، وارحمني بقدرتك عليّ، فلا أَهلِكُ وأنت رجائي، فكم من نعمةٍ أنعمتَ بها عليَّ، قلَّ لك بها شكري، وكم من بليةٍ ابتليتَني بها قلَّ لك بها صبري، فيا من قلَّ عند نعمته شكري فلم يَحرِمني، ويامن قلَّ عند بليته صبري فلم يَخذُلني، ويا من رآني على الخطايا فلم يفضحني، ياذا المعروف الذي لا ينقضي أبداً، وياذا النَّعماء التي لا تُحصى عدداً، أسألك أن تصلِّي على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، وبك أدراً في نحور الأعداء والجبارين. اللهم أعنِّي على ديني بالدنيا، وعلى آخرتي بالتقوى، واحفظني فيما غِبتُ عنه، ولا تَكِلْني إلى نفسي فيما حظرتَه عليَّ، يامن لا تضرُّه الذنوب، ولا يَنقُصه العفو، هب لي ما لا يَنْقُصكَ، واغفر لي مالا يضرُّك، إنك أنت الوهاب. أسألك فرجاً قريباً، وصبراً جميلاً، ورزقاً واسعاً، والعافية من البلايا، وشكر العافية - وفي رواية: وأسألك تمام العافية - وأسألك ٤٣٨ دوام العافية، وأسألك الشكر على العافية، وأسألك الغنى عن الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)). أخرجه الديلمي في ((مسند الفردوس)) له في موضعين، وسنده ضعيف جداً. وحَكَى الزمخشري في ((ربيع الأبرار)) أن رجلاً خاف من عبد الملك ابن مروان حتى كان لا يَقَرُّ به مكانٌ، فبينما هو في سياحته هتف به هاتف من بعض الأودية: أين أنت من السَّبْع ؟، فقال: وأيَّ سَبْعِ يرحمك الله؟ فقال: سبحان الواحد الذي ليس غيرُه إلّه، سبحان الدائم لانَفَاد له، سبحان القدیم الذي لا بدءً له، سبحان الذي يحيي ويميت، سبحان الذي هو كلَّ يوم في شأن، سبحان الذي يَخلُق ما يُرى ومالا يُرى، سبحان الذي عَلِم كل شيء بغير تعليم. اللهم إني أسألك بحق هؤلاء الكلمات وحُرمتهنّ أن تصليَ على محمد، وأن تفعل بي كذا، فقالهنَّ، فألقى الله الأمن في قلبه وخرج من فوره، فلقي عبدَ الملك فأَمَّنه ووصله. وروى ابن الطحان في ((الغرباء من المصريين)) عن أحمد بن محمد الطبراني، حدثني أبي، قال: كنت جالساً عند أحمد بن طولون ذات يوم فدعا برجل، فأدخل إليه، فناظره، ثم قال لبعض حجَّبه: خذْ هذا فاضرِب عُنقه وائتني برأسه، فأخذه ومضى به فأقام طويلاً، ثم رجع وليس معه شيء، فسأله عن قصَّتِه وما فعل، فقال: أيها الأمير! الأمانَ، فأمَّنه، فقال: مضيت بالرَّجل لأفعل ما أَمرتَ به، فاجتزْتُ ببيتٍ خالٍ، فقال لي: ائذن لي أدخلْ هذا البيت فأصليَ فيه ركعتين، فاستحييت من الله أن أمنعه من ذلك، فأذنت له، فدخل فأطال، فدخلت البيت فلم أجد فيه أحداً وليس فيه طاقٌ نافذ !! قال: فهل سمعته يقول شيئاً ؟ قال: نعم سمعته وقد رفع يديه وهو يشير بإصبعيه وهو يقول: يا لطيفٌ لِما يشاء، يافعالٌ لما يريد، صلِّ على محمد وآله، والطفْ بي في هذه الساعة، ٤٣٩ وخلِّصني من يديه. فقال له أحمد: صدقتَ هذه دعوةٌ مستجابةٌ. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من قرأ مئة آية من القرآن، ثم رفع يديه فقال: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله وتعالى، سبحانه وهو العلي العظيم، سبحانه في سمواته وأرضه، وسبحانه في الأرضين السفلى، وسبحانه فوق عرشه العظيم، وسبحانه وبحمده حمداً لا ينفَدُ ولا يبلَى، حمداً يبلغ رضاه، ولا يبلغ منتهاه، حمداً لا يُحصَی عددُه، ولا ينتهي أمدُه، ولا تُدرَك صفته، سبحانه ما أحصى قلمَه ومدادَ كلماته. لا إله إلا الله قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، واحداً فرداً صمداً، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفُواً أحد، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً جليلاً عظيماً عليماً قاهراً، عالماً جباراً، أهلَ الكبرياء والعلاء والآلاء والنعماء، والحمد لله رب العالمين. اللهم خلقتني ولم أكُ شيئاً مذكوراً فلك الحمد، وجعلتني ذَكَراً سوياً فلك الحمد، وجعلتَني لا أُحبُّ تعجيل شيء أخّرتَه، ولا تأخير شيء عجلتَه، فأسألك من الخير كلِّه عاجله وآجله ماعلمتُ منه ومالم أعلم. اللهم متِّعني بسمعي وبصري، فاجعلهما الوارثَ مني. اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أَمَتك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدْلٌ عليَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلتَه في شيء من كُتبك، أو علَّمته أحداً من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تصليَ على محمد وعلى آل محمد، وأن تجعلَ القرآن نور صدري، وربيع قلبي، وجِلاء حزني، وذَهاب همّي. ثم يدعو بما أحبّ، فإن الله عز وجل يستجيب له. رواه النميري. وعنده عن ابن عباس أيضاً قال: إذا أراد أحدٌ الدعاءَ بهذا الدعاءِ توضأَ فأحسنَ وضوءه ثم ركع ركعتين فأتمهما، ثم يقول: اللهم أسألك باسمك الله الذي لا إله إلا هو الحيُّ القيوم لا تأخذه سِنة ولا نوم، العليُّ العظيم، باسمك الله الذي لا إله إلا هو الملِكُ القدّوس السلامُ المؤمن ٤٤٠ المهيمِنُ العزيز الجبار، باسمك الله الذي لا إله إلا هو عالمُ الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، باسمك الله الذي لا إله إلا هو الخالق البارىء المصوّر له الأسماء الحسنى، باسمك الله الذي لا إله إلا هو نور السموات والأرض الحيُّ الذي لا يموت، الأحدُ ذو الطَّوْل، لا إله إلا هو وإليه المصير، ذو الحَوْل، بديعُ السموات والأرض، القديم ذو الجلال والإكرام. باسمك الله الذي لا إله إلا هو الأول والآخر، الملِك الحقُّ، لا إله إلا هو ربُّ العرش الكريم، ذو المعارج والقُوى، بعزِّ اسمك الذي تَنشر به الموتى، وتُحيي به الأرض، وتُنبت به الشجر، وتُرسل به المطر، وتقوم به السموات والأرض، بعز اسمك الذي لا إله إلا هو الملك القدوس، ولا يَمَسُّ اسمَ الله نَصَبٌ ولا لُغوب، لِتَعالي اسم الله ولاقتراب علمه، ولثبات اسم الله الذي لا إله إلا هو، له الأسماء الحسنى، الذي هذه الأسماء منه وهو منها، الذي لا يُدرَك ولا ينال، ولا يُحْصَى، استجبْ لدعائي، وقل له يا الله: كن فيكون، ثم تبدأ بالصلاة على النبي وَالى: أن تصلي على محمد عبدك ونبيك(١) ورسولك أفضلَ ماصلَّيت على أحد من خلقك أجمعين. آمين. وروى عبد الرزاق(٢) الطَّبَسي بسند تالفٍ عن ابن عباس رفعه: ((من كانت له حاجةٌ إلى الله فليقُمْ في موضع لا يراه أحد، وليتوضأ وضوءاً سابغاً، وليصلِّ أربع ركعات يقرأ في كل ركعة منها الفاتحة مرة و ﴿قل هو الله أحد﴾ في الأولى عشراً، وفي الثانية عشرين، وفي الثالثة ثلاثين، وفي الرابعة أربعين، فإذا فرغ من صلاته قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ أيضاً خمسينَ، وصلَّى على النبيِ وَله سبعينَ، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله سبعينَ، فإن كان عليه دَين قضى الله دَينه، وإن كان غريباً ردَّه الله، وإن (١) زدتها مما تقدم ص ٤٢١ . (٢) جاء خطأ في ج، د: عبدالرحمن.