النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ علينا في أداء حقه قِبَلنا، وأمرتَ العباد بالصلاة عليه فريضةً افترضتها، فنسألك بجلال وجهك، ونور عظمتك: أن تصلي أنت وملائكتُك على محمد عبدك ورسولك، ونبيك وصفيك أفضلَ ما صليتَ به على أحد من خلقك، إنك حميد مجيد . اللهم ارفعْ درجتهِ، وأكرِم مقامه، وثقُّل ميزانه، وأجزِل ثوابه، وأفلِجْ حجَّته(١)، وأظهر ملَّته، وأَضِىءُ نوره، وأدمْ من ذُرِّيَتِه وأهل بيته ماتَقَرُّ به عينه، وعظّمه في النَّبِّين الذين خلَوْا قبله. اللهم اجعل محمداً أكثر النبيين تَبَعاً، وأكثرَ أَزْراً(٢)، وأفضلهم كرامة ونوراً، وأعلاهم درجة، وأفسحَهم في الجنة منزلاً، وأفضلهم ثواباً، وأقربهم مجلساً، وأثبتَهم مقاماً، وأصوبهم كلاماً، وأنجحهم مسألة، وأفضلَهم لديك نصيباً، وأعظمهم فيما عندك رغبة، وأَنزِله في غرفة الفردوس من الدرجات العلى. اللهم اجعلْ محمداً أصدقَ قائل، وأنجح سائل، وأول شافع، وأفضل مشفَّع، وشفِّعه في أُمته شفاعةً يَغْبِطُه بها الأولون والآخرون، وإذا مَيَّزْتَ بين عبادك لفصل القضاء اجعل محمداً في الأصدقين قِيلاً، والأحْسَنِينَ عملاً، وفي المهديين سبيلاً. اللهم اجعل نبينا لنا فَرَطاً، وحوضَه لنا مورِداً. اللهم احشُرنا في زمرته، واستعملنا بسنته، وتوقّنا على ملته، واجعلنا في زمرته وحزبه. اللهم واجمع بيننا وبينه كما آمنًا به ولم نَرَه، ولا تفرِّق بيننا وبينه حتى تُدخلنا مُدْخَله وتجعلنا من رفقائه مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. اللهم صلِّ على محمد نور الهدى، والقائد إلى الخير، والداعي إلى (١) أي: أُنصرْ وأظهرْ وأَعْلِ. (٢) أي: أكثرهم ناصراً وعاَضداً. ٣٦٢ الرشد، نبيِّ الرحمة، وإمام المتقين، ورسول ربِّ العالمين، كما بلَّغ رسالاتِك، وتلا آياتِك، ونصح لعبادك، وأقام حدودك، ووفَّى بعهدك، وأنفذ حكمَك، وأمر بطاعتك، ونهى عن معاصيك، ووالى وليَّك الذي تحبُّ أن تُواليَه، وعادى عدوَّك الذي تحبُّ أن تُعاديه، وصلَّى الله على محمد . اللهم صلِّ على جسده في الأجساد، وعلى روحه في الأرواح، وعلى موقفه في المواقف، وعلى مشهده في المشاهد، وعلى ذكره إذا ذُكر، صلاةً منا على نبينا. اللهم أبلغه منا السلام كلما ذُكِر، والسَّلامُ على النبي ورحمة الله وبر كاته. اللهم صلِّ على ملائكتك المقرَّبين، وعلى أنبيائك المطهَّرين، وعلى رسلك المرسلين، وعلى حملة عرشك أجمعين، وعلى جبريل وميكائيل وملك الموت ورضوانَ ومالكِ، وصلِّ على الكرام الكاتبين، وعلى أهل بيت نبيك و ﴿ أفضل ما آتيتَ أحداً من أهل بيوتات المرسلين، واجزٍ أصحاب نبيك وَّ أفضلَ ما جَزَيت أحداً من أصحاب المرسلين. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعلْ في قلوبنا غِلاَّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. وعن سعد بن هشام(١): أن عائشة رضي الله عنها قالت: كنا نُعِدُّ لرسول الله وَ لجه سواكه وطَهوره، فيبعثه الله عز وجل لما شاء أن يبعثه من الليل، فيستاكُ ويتوضأ ويصلِّي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، ويحمد الله ويصلِّي على نبيه وَّة، ويدعو بينهن، ولا يسلّم، ثم يصلي التاسعة، ويقعد، وذكر كلمةً نحوها، ويحمد الله ويصلي على (١) فوقه في الأصل ب: س ق، يعني: رواه النسائي وابن ماجه، كما صرَّح به آخره. ٣٦٣ نبيه مَّة، ويدعو، ثم يسلّم تسليماً يُسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد. أخرجه النسائي وابن ماجه. ١١- وأما عند المرور بالمساجد ودخولها والخروج منها: فعن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: إذا مررتم بالمساجد فصلُوا على النبي وَلجه. أخرجه إسماعيل القاضي. وعن فاطمةَ ابنة رسول الله وَله ورضي الله عنها، قالت: كان رسول الله إذا دخل المسجد صلَّى على محمد وسلَّم ثم قال: ((اللهم اغفر لِي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك)). وإذا خرج صلَّى على محمد وسلَّم ثم قال: ((اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك)). أخرجه أحمد وأبو يعلى والترمذي وقال: حسن وليس إسناده بمتصل، وهو عندنا في حديث الفاكهي، ومن طريقه أخرجه ابن بشكُوال. وعن أبي حُميد، أو أبي أُسَيد الساعدي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ◌َّل، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج من المسجد فليسلم على النبي ◌َّر ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب فضلك)) أخرجه الطبراني والبيهقي في ((الدعاء)) وأبو عوانة في ((صحيحه)) وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن السّنِّي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، وأصله في مسلم . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: علَّم النبيُّ نَّ الحسن بن علي رضي الله عنهما إذا دخل المسجد أن يصلّي على النبي ◌َّ، ويقول: ((اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وافتح لنا أبواب رحمتك))، فإذا خرج منه قال مثل ذلك، لكن يقول: ((افتح لنا أبواب فضلك)). أخرجه الطبراني وابن السني، وسنده ضعيف جداً. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله وسلم إذا دخل المسجد قال: ((بسم الله، اللهم صلِّ على محمدٍ)) وإذا خرج قال: ((بسم الله، ٣٦٤ اللهم صلِّ على محمدٍ)). أخرجه ابن السنِّي في ((عمل اليوم والليلة)) له، وفي سنده من لا يعرف. وعن النعمان بن سعد، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان النبي ◌َّ﴿ إذا دخل المسجد صلَّى على النبيِ وَّ ويقول: ((اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك)) وإذا خرج من المسجد صلَّى على النبي ◌َّل ويقول: ((اللهم اغفر لي ذنوبي(١)، وافتح لي أبواب فضلك)). أسنده ابن النجار في ترجمة محمد بن أحمد بن بُخْتيار. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله وَ له قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليسلُّم على النبي ◌َّه وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلُّم على النبي ◌َّ- وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم)). أخرجه النسائي في ((اليوم والليلة)) وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، والحاكم في ((مستدركه)) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. انتهى. وأعلَّه النسائي برواية المقبُري له عن أبي هريرة، عن كعب(٢)، وذكر أنها أولى بالصواب. أفاده شيخنا، وحَكَى فيه غير ذلك، وقال ما ملخَّصه: قد خَفِيتْ هذه العلةُ على من صحح الحديث، لكنْ في الجملة هو حسن لشواهده. انتهى ملخصاً. وروى البخاري في ((تاريخه)»(٣) في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن مِهران أنه سمع سعيداً المقبري قال: قال أبوسعيد الخدري لكعب: يا أبا إسحاق تعرفُ الساعة التي في الجمعة؟ قال: آخر ساعة، وإذا دخلت (١) هذه الكلمة من د فقط، وكتبت على حاشية ج وفوقها: لعله. يريد: لعل إثباتها هو الصواب، فقد سقطت من النسخة المنقول عنها، والحديث ليس في أ. (٢) وهي الآتية بعد ثلاثة أخبار. (٣) ((الكبير)) ١٥٩:١ (٤٧٠)، وفيه: ثم يُسَهِّيه، وأفاد محقّقه أنه في إحدى النسخ: (يشبهه)). فكأنها محرَّفة عن: يشهيه . ٣٦٥ المسجد فكبّرٍ وصلِّ على النبي ◌ِّ، إن الرجل يدخل المسجد ثم يشهّيه الشيطان حتى يُلجمه. وعن عبد الله بن سَلام رضي الله عنه أنه كان إذا دخل المسجد يسلِّم على النبي ◌َّ، ويقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج يصلّي على النبي ◌َّر ويتعوَّذ من الشيطان. رواه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده))، وفي سنده انقطاع مع أنه موقوف. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يقول: إني لأقولُ إذا دخلت المسجد: السلام عليك يارسول الله. رواه العَدَني في ((مسنده)). وعن المقبُري أن كعب الأحبار قال لأبي هريرة: إني قائلٌ لك اثنتين فلا تَنْسَهما: إذا دخلتَ المسجد فصلِّ على النبي ◌َّ، وقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرجت فقل: اللهم اغفر لي واحفظني من الشيطان الرجيم. أخرجه النميري. وقد سلفت الإشارة إليه قريباً(١). وأخرج ابن أبي عاصم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليُصلِّ على النبي ◌ََّ، وليقل: اللهم اعصِمنا من الشيطان)» . وعن علقمة بن قيس أنه قال: إذا دخلت المسجد فقل: صلى اللهُ وملائكته على محمد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. أخرجه إسماعيل القاضي والنُّميري. وعن محمد بن سيرين قال: كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد: صلى الله وملائكته على محمد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، بسم الله دخلنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا. وكانوا يقولون إذا خرجوا: بسم الله، بسم الله دخلنا، وبسم الله خرجنا، إذا كانوا قد قالوا ذلك إذا دخلوا. رواه النميري. (١) قبل ثلاثة أخبار. ٣٦٦ وعنده أيضاً عن إبراهيم(١) أنه كان إذا دخل المسجد قال: بسم الله والسلام على رسول الله وَلاته . وقال إبراهيم أيضاً: إذا دخلتَ المسجد فقل: السلام على رسول الله وَلَّه، وإذا دخلت بيتاً ليس فيه أحدٌ فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أخرجه ابن المبارك في ((الاستئذان)) له. ١٢- وأما الصلاة عليه بعد الأذان: ففيه عن الحسن البصري ماتقدم في أوائل هذا الباب في الصلاة عليه عند إقامة الصلاة (٢). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله وَ له يقول: ((إذا سمعتم المؤذنَ فقولوا مثلَ مايقول: ثم صلُّوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاةً صلى الله تعالى عليه بها عشراً، ثم سلوا الله تعالى ليَ الوسيلة، فإنها منزلةٌ في الجنةِ لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله تعالى، وأرجو أن أكونَ هو أنا، فمن سأل اللهَ ليَ الوسيلةَ حلَّت له الشفاعة)) رواه مسلم والأربعة إلا ابن ماجه، والبيهقي وابن زَنْجويه وغيرهم. وهو عند ابن أبي عاصم في كتابه مطوَّلاً ومختصراً، فالمطوّل بنحو الذي هنا، ولفظ المختَصَر: ((سلوا الله تعالى ليَ الوسيلة، فإنها منزِلة في الجنة لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، من سألها لي حلَّتْ له شفاعتي يوم القيامة)). ورُوِّيناه في ((حديث الفاكهي)) عن ابن أبي مَسَرَّة، ومن طريقه أبو الیمن ابن عساکر. تنبيه: معنى حلَّت: وجبت، كما ثبت التصريح به في عدة روايات، أو استحقت، أو نزلت به، فعلى الأول يكون مضارعه تَحِلُّ بكسر (١) هو النخعي. (٢) صفحة ٣٤٨. ٣٦٧ الحاء، وعلى الأخير بضمها، ولا يجوز أن يكون حلَّت من الحِلِّ، لأنها لم تكن قبل ذلك مُحرَّمة، واللام بمعنى: على. ويؤيده رواية مسلم ((حَلَّتْ عليه)). وفيه بشارة عظيمة لفاعل ذلك حيث بشّره بحلول الشفاعة، وهي إنما تكون للمسلمين من أُمته ◌َّته . وقد استَشكل بعضهم - كما سيأتي قريباً - جعلَ ذلك ثواباً لقائل هذا مع ما ثبت من أنّ الشفاعة للمذنبين !. وأجيب: بأن له رَّ شفاعاتٍ أخرى يأتي تعيينها، مع جوابٍ آخرَ عن ذلك قريباً إن شاء الله تعالى(١). ونقل عياض عن بعض شيوخه(٢) أنه كان يرى اختصاص ذلك بمن قاله مخلصاً مستحضِراً إجلالَ النبي ◌ََّ، لا مَن قصد بذلك مجرد الثواب، ونحو ذلك. قال شيخنا(٣): وهو تحكّم غيرُ مرضيٍّ ولو كان أخرج الغافل اللاهي لكان أشبه، والله الموفق. فإن قيل: مافائدةُ طلب الوسيلة له مع قوله: ((وأرجو أن أكون أنا هو)) ورجاؤه عليه السلام لا يخيب؟. فالجواب: أن طلبنا إياها له ثمرتُه عائدةٌ علينا بامتثال ما أمرنا به في جهته الكريمة، وهذا نحو صلاتنا وسلامنا عليه، مع أنه قد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كما أسلفناه في المقدمة، والله أعلم. وعن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله صل قال: ((من قال حين ينادي المنادي: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامةِ والصلاة القائمة، صلِّ على محمدٍ وارض عنه رضاءً لا سَخَط بعده، استجاب الله دعوته)) رواه أحمد في ((مسنده))، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة))، والطبراني في ((الأوسط))، وابن وهب في ((جامعه)) ولفظه: ((من قال حين يسمع (١) صفحة ٣٧٤ فما بعدها. (٢) في شرحه على مسلم ٢٥٣:٢، وكلام النووي ٨٨:٤ موافق له، لكن قال عياض: ((وهذا عندي فيه نظر)). (٣) في ((الفتح)) ٢: ٩٦ (٦١٤). ٣٦٨ المؤذنَ: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، صلِّ على محمد عبدك ورسولك، وأعطِه الوسيلة والشفاعة يوم القيامة، حلَّت له شفاعتي» وفيه ابن لهيعة. لكن أصل الحديث عند البخاري بدون ذكر الصلاة على النبي وَّت، ولفظه: ((من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاةِ القائمة آتٍ محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة))(١). فائدة(٢): ظاهر لفظ حديث جابر أنه يقول الذكر المذكور حال سماع الأذان، ولا يتقيَّد بفراغه، لكن يَحتمِل أن يكون المرادُ من النداء تمامَه، إذ المطلق يُحمل على الكامل. ويؤيده الحديث الذي قبله حيثُ قال فيه: ((قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا .. ثم سَلُوا الله)). والأقرب متابعته كلمةً كلمةً. والله أعلم. وقوله: ((رضاءً لا سَخَط بعده)): المراد به ما جاء في الحديث الآخر من قول الله تبارك وتعالى: ((يا أهل الجنة اليومَ أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً». وعن ابن عمر رضي الله عنهما نحوه، أخرجه المستغفِري في ((الدعوات)) . (١) ((صحيح البخاري)) (٤٧١٩،٦١٤) رواه في الموضعين عن عليّ بن عياش، وعلّق الحافظ في ((الفتح)) ٩٥:٢ على قوله (( .. الذي وعدته)) بقوله: ((زاد في رواية البيهقي: إنك لا تخلف الميعاد))، وسكت عن هذه الزيادة، فهي على شرطه هنا في هذا المقام: أنه لا يسكت إلا عن زيادة صحيحة أو حسنة. ثم إن البيهقي روى هذا الحديث في ((سننه الكبرى)) ١: ٤١٠ بمثل إسناد البخاري، من طريق علي بن عياش، به. فالنفي الذي يراه القارىء في ((إرواء الغليل)) ١: ٢٦٠-٢٦١ نفي متسرِّع يُصحَّح له ولا يتابع عليه. (٢) من ((الفتح)) ٢: ٩٤ (٦١٤) بزيادة على ماهنا. ٣٦٩ وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن رسول الله و ليو كان يقول إذا سمع المؤذنَ يقيم: ((اللهم ربّ هذه الدعوةِ التامة، والصلاةِ القائمة، صلِّ على محمدٍ، وآتِهِ سُؤْله يوم القيامة)) وكان يُسْمِعِها مَن حوله، ويحبُّ أن يقولوا مثل ذلك إذا سمعوا المؤذن، قال: ((ومن قال مثل ذلك إذا سمع المؤذنَ وجَبَتْ له شفاعة محمد ◌َّه يوم القيامة)). أخرجه ابن أبي عاصم والطبراني في ((الدعاء)) و(الكبير)) و((الأوسط)) ولفظه: كان رسول الله وَله إذا سمع النداء قال: ((اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، صلِّ على محمد عبدك ورسولك، واجعلْنا في شفاعته يوم القيامة))، قال رسول الله ◌َ: ((من قال هذا عند النداء جعله الله في شفاعتي يوم القيامة)) وفيهما صَدَقة بن عبد الله السَّمین. لكنْ له شاهد موقوف عن أبي هريرة، أنه كان إذا سمع المؤذِّن يقيم يقول: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، صلِّ على محمد وآتِهِ سُؤله يوم القيامة. أخرجه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) له، عن أبي يعلى. وقوله: ((سُؤْلَه)) هو بضم السين المهملة، وهمزة ساكنة، ومعناه: حاجته. والسؤال والسُّؤْلة: ما سأله الشخص من حاجةٍ، والمراد به الشفاعة العظمى، والدرجة العليا، والمقام المحمود، والحوض المورود، ولواء الحمد، ودخول الجنة قبل الخلائق، إلى غير ذلك، ممّا أعده الله تعالى لنبيه من الكرامات في ذلك اليوم، فلله الفضلُ على ما أنعم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَالآية: ((من سمع النداء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمدٍ، وبلِّغه درجة الوسيلةِ عندك، واجعلنا في شفاعته يوم القيامة، وجبت له الشفاعة)) رواه الطبراني في ((الكبير)) وفيه إسحاق بن عبد الله بن كيسان، وهو لين الحديث. ٣٧٠ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّ: ((مامن مسلم يقول(١) حين يسمع النداء بالصلاة فيكبِّر، ويشهدُ أن لا إله إلا الله، ويشهد أن محمداً رسول الله، ثم يقول: اللهم أعطِ محمداً الوسيلة والفضيلة، واجعل في الأعلينَ درجته، وفي المصطفَيْنَ محبَّته، وفي المقرّبين ذكرَه، إلا وجبت له الشفاعة يوم القيامة)) رواه الطحاوي والطبراني، ومن طريقه الحافظ عبد الغني، وقد تقدم بعضه في حديث مطوّل في الباب الأول(٢). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ي قال: ((إذا صليتم عليَّ فسلوا الله لي الوسيلة)) قيل: وما الوسيلة يا رسول الله؟ قال: ((أعلى درجةٍ في الجنة، لا ينالها إلا رجلٌ واحدٌ، وأرجو أن أكون أنا هو)) أخرجه عبدالرزاق هكذا، وابن أبي عاصم مختصراً، وفي سنده ليث(٣)، وقد سبق شيء من هذا في الباب الثاني. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((إذا قال الرَّجل حين يؤذِّن المؤذِّن: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، أعط محمداً سُؤله، نالته شفاعتي)) وَّ. رواه الحافظ عبدالغني المقدسي وغيره. وعن الحسن البصري ما تقدم في أوائل هذا الباب في الصلاة عليه عند إقامة الصلاة(٤). وعن عبد الكريم أنه قال: كان يقال: إذا سمع الرجل النداء الأول، فقال: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً (١) (يقول)): هكذا في أ، ومصادر التخريج: ((شرح معاني الآثار)) ١٤٥:١، و((المعجم الكبير)) ١٠ (٩٧٩٠)، وكذلك ((مجمع الزوائد)) ٣٣٣:١. وفي الأصول الأخرى: يقوم، وهو أنسب بالسياق. (٢) ص ١٠٦. (٣) هو ليث بن أبي سليم، وهو صدوق في نفسه، ضعيف في حديثه وروايته. (٤) هذه الفقرة من أ، وتقدم ص٣٤٨ . ٣٧١ رسول الله، اللهم صلِّ على محمد، وأبلغْه درجة الوسيلة من الجنة، فإنه تجبُ لمن قال ذلك الشفاعةُ يوم القيامة، وإذا قال حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حيَّ على الفلاح، قال: اللهم اجعلنا من أهل الفلاح. أخرجه النميري من طريق ابن وهب(١). فائدة (٢): ((الوسيلة)): قد فسَّرَها وَ لّ بقوله: ((منزلة في الجنة)). وقال اللغويون: هي ما يُتَقْرَّب به إلى الملك أو الكبير، يقال: توسَّلتُ أي تقربت، وتُطْلق على المنزلة العلية، كما جاء مصرَّحاً به في بعض الأحاديث المتقدمة، حيث قال: ((فإنها منزلةٌ في الجنة))، ويمكن ردُّها إلى الأول، بأن الواصل إلى تلك المنزلة قريبٌ من الله، فتكون كالقُربة التي يتوسَّل بها. وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ [المائدة: ٣٥] على قولين: أحدهما أنها القُربة، وهو محكيٍّ عن ابن عباس ومجاهد وعطاء والفراء. وقال قتادة: تقرَّبوا إليه بما يرضيه، وقال أبو عبيدةً: توسلت إليه: تقربت، واختاره الواحديُّ والبغويُّ والزمخشريُّ فقال: الوسيلة كل ما يتوسَّل به - أي يتقرَّب -: من قرابةٍ أو صنيعةٍ. ومن هذا القول: التوسلُ إلى الله بنبيه وَله. والقول الثاني: أنها المحبة، أي تحبُّوا إلى الله، حكاه الماوردي وأبو الفرج عن ابن زيد(٣)، وهو راجع إلى المعنى الأول. (١) عن عبدالرحمن بن سَلْمان الحَجْري، عن عُقيل، هو ابن خالد الأيلي، عن عبدالكريم، ولم أتبيَّن من هو؟. (٢) هذه الفائدة إلى تعداد الشفاعات: من ((فتح الباري)) ٩٥:٢ (٦١٤)، وهي شرح للحديث السابق ص ٣٦٨. والسطر الأول من أ فقط. (٣) في الأصول: عن أبي زيد، وصوابه: عن ابن زيد، وهو عبدالرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، أحد الضعفاء، وليس عمر بن محمد بن زيد، أحد الثقات، فليصحح مافي ((السلسلة الصحيحة)) ١ :١٧٥ (١٠٩). ٣٧٢ و((الفضيلة)): المراد بها هنا: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيراً للوسيلة. و((المقام المحمود)): هو المراد بقوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ [الإسراء: ٧٩] أي يُحمَد القائم فيه، وهو يطلق في كل ما يَجلِب الحمد من أنواع الكرامات. و﴿عسى﴾ من الله للتحقيق والوقوع، كما صح ذلك عن ابن عيينة. واختلف في المقام المحمود، فقيل: هو شهادته على أمته بالإجابة من تصديق أو تكذيب. وقيل: لأن الله تعالى أعطاه لواءَ الحمد يوم القيامة. وقيل: هو أن يُجلسه الله عز وجل على العرش، وقيل: على الكرسي، حكاهما ابن الجوزي عن جماعة(١). وقيل: هو الشفاعة، إذْ (١) هكذا قال الحافظ في ((الفتح))، ولعل النقل عن ابن الجوزي من غير كتابه ((زاد المسير))، إذ الذي فيه ٧٦:٥ حكاية قولين في المقام المحمود: الشفاعة، ((والثاني: يجلسه على العرش يوم القيامة. روى أبو وائل عن عبدالله أنه قرأ هذه الآية وقال: يقعده على العرش، وكذلك روى الضحاك عن ابن عباس. وليث عن مجاهد))، فليس في كلامه نسبة الإجلاس على الكرسي إلى ابن مسعود، إنما نُسب هذا المعنى إلى عبدالله بن سلام، كما سيأتي. والكلام طويل لا أرى الخوض فيه في مثل هذا الكتاب، وأكتفي بالعزو إلى كتاب ((السنة)) للخلال (٢٣٦-٣١٤)، و((العلوّ للعلي الغفار)) للذهبي ص٧٤ - ٧٥، ٩٩، ١٢٥-١٢٦، و((مختصره)) ص٢٣٤،١٨٣،١٤، و((السلسلة الضعيفة)) (٨٦٥). وليس شيء من هذه الآثار يصح، وعلى ضوء هذا تَحكم على الآثار الثلاثة التي في كلام ابن حجر في «الفتح» ٤٢٧:١١ (٦٥٥٨)، ولم يحرِّر المقام كما ينبغي !. وأثر أبي وائل عن ابن مسعود: لم أره هكذا، إنما روى الدارمي (٢٨٠٠)، والحاكم ٢: ٣٦٤ - أتم منه -، وأبو الشيخ في ((العظمة)) (٢٢٥) مختصراً جداً، من طريق عثمان بن عمير، عن أبي وائل، عن ابن مسعود حديثاً في المقام المحمود غير هذا، ومحل الشاهد منه: (( .. ثم أُكسى على أثره - على أثَر إبراهيم عليه السلام -، ثم أقوم عن يمين الله مقاماً يغبطني به الأولون والآخرون)). واقتصر الذهبي في ((العلو)) ص٥٤ على عزوه إلى أبي الشيخ فقط - وضعَّفه - فقصّر. ٣٧٣ هو مقام يَحمَده به الأولون والآخرون، ويؤيده تفسيره في عدة أحاديث بالشفاعة، وزعم الواحدي إجماع المفسرين على هذا. قلت: وعلى تقدير صحة الأقوال فلا تنافي بينها، لاحتمال أن يكون الإجلاسُ علامةَ الإذن في الشفاعة، فإذا جلس أعطاه اللواء وشهد بالإجابة. ويَحتمِل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعةَ، كما هو مشهور، وأن يكون الإجلاسُ هي المنزلةَ المعبَّرَ عنها بالوسيلة أو الفضيلة . وقد وقع في ((صحيح ابن حبان)) (١) من حديث كعب بن مالك مرفوعاً: ((يبعث الله الناسَ فيكسوني ربِّي حُلَّةً خضراء، فأقول ماشاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود)). قال شيخنا: ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدِّمه بين يدي الشفاعة، وأن المقام المحمود هو مجموع ما يحصُل له في تلك الحالة، والله أعلم. ورواه أحمد ٣٩٨:١-٣٩٩ من طريق عثمان بن عمير نفسه، عن إبراهيم النخعي، = عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود، مطوَّلاً كرواية الحاكم السابقة، وعثمان هذا هو أبو اليقظان البجلي، متفق على ضعفه، وعلى سوء معتقده: يؤمن بالرَّجعة! بل قال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقد حاقَقَه شعبة فإذا به يدعي السماع ممن لم يدركه، كما في ((تهذيب التهذيب)). فقولُ مختصِر ((العلو للعلي الغفار)) ص١٢٥ عن إسناد أحمد: رجاله ثقات: قولُ متعجِّل، فليصحح. هذا، وقد أوصل الحافظ في ((الفتح)) ٤٢٧:١١ الأقوال في المقام المحمود إلى سبعة أقوال، وصدَّرها بأن الراجح هو الشفاعة العظمى بالإراحة من أهوال الموقف . «الإحسان)) (٦٤٧٩)، ولفظه كلفظ أحمد فى ((المسند)) ٤٥٦:٣: ((يُبعثُ الناسُ (١) يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تلّ، فيكسوني ربي ... ))، ولكن هكذا جاء في ((الفتح)) فتبعه المصنف، وانظر منه ١١ :٤٢٦ (٦٥٥٨). ٣٧٤ وله ◌َّ﴾ عدة شفاعات(١): ١- الشفاعة العظمى يوم القيامة لأهل الجمع، ليريحَهم الله مما هم فيه بفصل القضاء، وهذا هو المقام المحمود الذي يحمدُه فيه الأولون والآخرونَ . ٢- ولمن يدخل من أمَّته الجنةَ بغير حساب. ٣- ولقوم عصاة دخلوا النار بذنوبهم فَيُخرجون. ٤- ولقوم استحقُّوا دخول النار فلم يدخلوها. ٥- وفي قوم حَبَسَتهم الأوزار ليدخلوا الجنة. ٦- ولقوم من أهل الجنة في رفع درجاتهم، فيعطى كلُّ أحد ما يناسبه. ٧- ولمن مات بالمدينة الشريفة. ٨- ولمن زار قبره وَال . ٩- ولفتح باب الجنة، كما رواه مسلم. ١٠ - ولمن أجاب المؤذن. ١١- ولقوم من الكفار لهم سابقةُ خدمةٍ عنده مََّ، أو صدر منهم نوع خدمة في حقه، فإنه یخفّف عذابهم بشفاعته ێآ. والأُوْلَيان من خصائصه، ويجوز أن تكون الرابعة والسادسة يشاركه فيها غيره من الأنبياء والعلماء والأولياء، أفاده النووي في ((الروضة))، والأُولى لا ينكرها أحدٌ من فِرَق الأمة، وكذا لا خلاف في وقوع السادسة، وأما الثانية فقد خصَّها المعتزلة بمن لا تَبعة عليه، وأنكروا الثالثة، لكن قد أطبق أهل السنة على قبولها، لثبوت الأخبار الكثيرة بها . فبادرْ للصلاة على نبيك وسؤال الوسيلة، فبذلك تنال غاية الفضيلة، (١) انظر ((الفتح)) ٤٢٨:١١ (٦٥٥٨). ٣٧٥ ولا تغفُلْ عقب الأذان عن هذا المقام، فبذلك تستوجبُ الشفاعة من النبي عليه أفضل الصلاة والسلام. تنبيه: إنْ قيل: لم خُصَّ سائل الوسيلة - وكذا ساكن المدينة صابراً على لأوائها بالشفاعة - في قوله: ((إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً)) مع عموم شفاعته وَّه وادِّخاره إياها لأُمته؟. فالجواب أن ((أو)) هنا ليست للشك، لتضافر جماعة من الصحابة على رواية القصة الثانية كذلك، ويبعد اتفاقهم على الشك، وهي: إما أن تكون للتقسيم، ويكون ((شهيداً)) لبعض أهل المدينة و((شفيعاً)) لباقيهم، وإما شفيعاً للعاصين، وشهيداً للطائعين، وإما شهيداً لمن مات في حياته، وشفيعاً لمن مات بعده، أو غير ذلك، وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين. وقد قال رَ له في شهداء أُحُدٍ: ((أنا شهيدٌ على هؤلاء)) فيكون لتخصيصهم بهذا كلِّ مزيَّةٌ وزيادةُ منزلةٍ وحُظْوة. وإما أن تكون ((أو)) بمعنى الواو، فيكون لأهل المدينة شفيعاً وشهيداً. وأما على قول من يقول إنها للشك: فإن كانت اللفظة الصحيحة (شهيداً)) فلا اعتراض، لأنها زائدة على الشفاعة المدَّخَرة المجرّدة لغيرها، وإن كانت ((شفيعاً)) فاختصاص أهل المدينة بها محمولٌ على أنها شفاعة أخرى غيرُ العامة التي هي لإخراج أمته من النار، ومعافاةٌ بعضهم منها بشفاعته وَّ بأن تكون لزيادة الدرجات أو تضعيف الحسنات، أو بإكرامهم يوم القيامة بإيوائهم إلى ظلّ العرش، أو كونهم في برزخ، أو على منابر، أو الإسراع بهم إلى الجنة، أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعضٍ. أفاده القاضي عياض رحمه الله ونقلته ملخصاً، وهو في نهاية الحسن والتحقيق. ويَحتمِل أيضاً أن يكون تخصيصُ أهل المدينة بذلك إشارةً إلى البشارة، بأن ساكنها الصابر على ماقال يموتُ على الإسلام، فيكون من ٣٧٦ أهل الشفاعة، كما أشير إليه في الوسيلة قريباً(١)، وبالله التوفيق. إذا تقرر هذا: فسؤال الوسيلة ممّا يتأكد أمره ويتعيَّن الاعتناء به، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((سلُوا الله ليَ الوسيلة))، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً، لكنْ كان شيخنا رحمه الله يخصُّ الدعاء به بما بعدَ الأذان، ويَحمِلُ مطلق الوارد في ذلك على مقيّده، والله أعلم (٢) . تكملة(٣): قد أحدث المؤذنون الصلاة والسلام على رسول الله وَله عقب الأذان للفرائض الخمس إلا الصبحَ والجمعةَ، فإنهم يقدِّمون ذلك فيهما على الأذان، وإلا المغربَ فإنهم لايفعلونه غالباً لضيق وقتها، وكان ابتداءُ حدوث ذلك في أيام السلطان الناصر صلاح الدين أبي المظفَّر يوسف بن أيوب، وبأمره، وأما قبل ذلك فإنه لما قُتل الحاكم ابن عبدالعزيز(٤) أمرتْ أختُه ستُّ المُلك أن يُسلَّم على ولده الطاهر، فسُلِّم عليه بما صورته: السلام على الإمام الطاهر، ثم استمر السلام على الخلفاء بعده خلفاً بعد سلف، إلى أن أبطله الصَّلاح المذكور وعوّض عنه بهما، جُوزِي خيراً. ثم رأيت في بعض التواريخ: في أول شعبان سنة إحدى وتسعين وسبع مئة أُمِر المؤذنون بالقاهرة ومصر أن يزيدوا في الأذان لكل صلاة بعد الفراغ منه: الصلاة والسلام عليك يارسول الله، عدةً مرار، لأن رجلاً من الفقراء المعتَقَدين سمع في ليلة الجمعة بعد أذان العشاء الآخرة (١) صفحة ٣٦٧. ((الفتح)» ٢: ٩٤ (٦١٤). (٢) انظر ((مسالك الحنفا)) للقسطلاني ص ٢٨٧ . (٣) (٤) هكذا في الأصول، والمراد: الحاكم بأمر الله الفاطمي، واسمه منصور بن العزيز بالله، واسمه نزار، ولد الحاكم سنة ٣٧٥هـ، وتولى الحكم ٣٨٦هـ، وقتل سنة ٤١١ هـ. ٣٧٧ الصلاة على النبي ◌َّله فأعجبه ذلك، وقال لأصحابه: أتحبون أن يُعمل هذا في كل أذانٍ؟ قالوا: نعم، فبات وأصبح وقد زعم أنه رأى رسول الله وَ لّه في منامه يأمره أن يقول للنَّجم الطُّنْبَدي المحتسِب يأمر المؤذنين أن يصلُّوا عليه عقبَ كل أذان، فمضى إليه، فسُرَّ بهذه الرؤيا، وأمر بذلك فاستمرَّ إلى يومنا. فإن صح ذلك فلعله كان تُرِك إلى هذا التاريخ، أو كان أمرُ الصَّلاح بذلك في ليلة الجمعة خاصة، والله أعلم. وقد اختلف في ذلك: هل هو مستحب أو مكروه، أو بدعة، أو مشروع؟ واستُدلَّ للأول بقوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧] ومعلوم أن الصلاة والسلام على النبي ◌َّه من أجلِّ القُرب، لا سيما وقد تواردت الأخبار على الحثّ على ذلك، مع ما جاء في فضل الدعاء عقب الأذان، والثلث الأخير من الليل، وقرب الفجر. والصواب أنه بدعةٌ حسنة يُؤجرُ فاعله بحسن نيته، وقد نُقل عن ابن سهل من المالكية في كتابه ((الأحكام)) حكايةُ الخلاف في تسبيح المؤذنين في الثلث الأخير من الليل، ووَجْه من مَنع ذلك أنه يزعج النُوَّام، وقد جعل الله تعالى الليل سَكَناً، وفي هذا نظر، والله الموفق. ١٣- وأما الصلاة عليه في يوم الجمعة وليلتها: فقد قال الشافعي رضي الله عنه: أُحبُّ كثرةً الصلاة على النبي ◌َِّ في كل حالٍ، وأنا في يوم الجمعة ولیلتها أشدُّ استحباباً. انتهى. وتقدم في الباب الرابع(١) مما يدخل هنا: حديثُ أبي هريرة، وأنس ابن مالك، وأوس بن أوس، وأبي أمامة، وأبي الدرداء، وأبي مسعود، وعمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، والحسن البصري، وخالد بن معدان، ويزيدَ الرَّقَاشي، وابن شهاب الزهري، مُبَينةً واضحةً، فلا نعيدُ ذكرها هنا. (١) صفحة ٣١٣، ٣١٧-٣٢٣. ٣٧٨ وعن أبي ذرّ الغِفاري رضي الله عنه، أن رسول الله وَالله قال: ((من صلى عليَّ يوم الجمعة مئتي صلاةٍ غُفر له ذنبُ مئتيْ عام)) أخرجه الديلمي، ولا يصح. وسيأتي قريباً(١) في حديث أبي هريرة الإشارة إلى أنه اختلف فيه على راويه، فقيل: عن أبي ذر، لكن لفظه: ((من صلى عليَّ يوم الجمعة ثمانين مرّة غُفرت له ذنوب ثمانين عاماً) فيحرَّر. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَالَ: ((من صلَّى عليَّ يوم الجمعة كانت شفاعةً له عندي يوم القيامة)) أخرجه الديلمي أيضاً. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((أكثروا الصلاةَ عليَّ يوم الجمعة، فإنه أتاني جبريل آنفاً عن ربه عزَّ وجل فقال: ما على الأرض من مسلم يصلِّي عليك مرةً واحدةً إلاصلَّيت أنا وملائكتي عليه عشراً)) رواه الطبراني بسند لا بأس به في المتابعات. وفي لفظ ((أكثروا عليَّ من الصلاة يومَ الجمعة وليلةَ الجمعةِ، فمن فعل ذلك كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)). وأخرج ابن بشكوال منه: ((أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة)) فقط، وقد تقدم نحوه في أوائل الباب الثاني(٢)، وفي لفظ لابن عدي في ((الكامل)) بسند ضعيف: ((أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة، فإن صلاتكم تعرض عليّ)). وعنه أيضاً رضي الله عنه، عن النبي وّل أنه قال: ((من صلَّى عليَّ يوم الجمعة ثمانين مرةً غَفَر الله له ذنوب ثمانين عاماً)) فقيل له: يارسول الله كيف الصلاةُ عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم صلِّ على محمد عبدك ونبيك (١) ص ٣٨٠-٣٨١. (٢) ص ٣١٧،٢٣٥. ٣٧٩ ورسولك النبي الأمِّي، وتَعقدُ واحدةً)) أخرجه الخطيب، وذكره ابن الجوزي في ((الأحاديث الواهية)). وساقه الذهبي في ترجمة وهب بن داود المُخَرِّمي من ((الميزان)) قال وهب: حدثنا إسماعيل - هو ابن عُلِيّة -، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ قال: ((من صلى عليَّ يوم الجمعة ثمانين مرةً غُفِرَ له ذنوب ثمانين عاماً)) الحديثَ. وعنه أيضاً رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليه: ((من صلَّى عليَّ في يوم الجمعة ألفَ مرةٍ لم يمتْ حتى يَرى مقعده من الجنة)) أخرجه ابن شاهين بسند ضعيف، وقد تقدم في الباب الثاني(١) بدون ذكر يوم الجمعة، وعزاه صاحب ((مسند الفردوس)) للنسائي بهذا اللفظ فوهِم. وعنه أيضاً رضي الله عنه، عن النبي وَ لّ قال: ((من صلى عليَّ في كل يوم جمعةٍ أربعين مرةً محا الله عنه ذنوبَ أربعين سنةٍ، ومن صلَّى عليَّ مرةً واحدةً فتقبّلت منه محا الله عنه ذنوب ثمانين سنةٍ، ومن قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ حتى يختم السُّورة: بنى الله له مناراً في جسر جهنم حتى يجاوز الجسر)) أخرجه التيمي في ((ترغيبه))، وأبوالشيخ ابن حيّان في بعض أجزائه، والديلمي في ((مسنده)) من طريقه، وسنده ضعيف. وفي لفظ له لم أقف على أصله مرفوعاً: ((من صلَّى عليَّ يوم الجمعة مئة صلاةٍ غُفر له خطيئةُ ثمانين عاماً) وذكر بعض رواته أنه رأى النبي ◌َّ في المنام وعرضِه عليه، فصدَّقه، فالله أعلم، وفي رواية أخرى مثله وزاد: ((ومن صلَّى عليَّ ليلة الجمعة مئة مرةٍ غفر له خطيئة عشرين سنة)) والظاهر عدم صحته. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لزيد بن وهب: يا زيد! لا تدعْ إذا كان يوم الجمعة أن تصلي على النبي وَ ل﴿ ألف مرة: تقول اللهم صلِّ (١) ص ٢٦٧. ٣٨٠ على محمد النبي الأمي. رواه التيمي في ((الترغيب)) وفي سنده لين. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَيقول: ((إذا كان يوم الخميس بعث الله ملائكةً معهم صحفٌ من فضةٍ، وأقلام من ذهب، يكتبون يوم الخميس وليلةَ الجمعة أكثرَ الناس صلاةً على النبي ◌ِّ)) أخرجه ابن بشگوال، وفي سنده من لم أعرفه. وعن جعفر الصادق قال: إذا كان يوم الخميس عند العصر أَهبط الله ملائكة من السماء إلى الأرض معها صحائفُ من فضة، بأيديها أقلامٌ من ذهب، يكتبون الصلاة على النبي ◌َّ ر في ذلك اليوم وتلك الليلة، من الغد إلى غروب الشمس. ذكره المجد اللغوي، ولم أقف على سنده بعدُ. وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله ملائكة خُلقوا من النور، لا يهبطون إلا ليلةَ الجمعة ويومَ الجمعة، بأيديهم أقلامٌ من ذهبٍ ودُوِيٌّ من فضةٍ، وقراطيسُ من نورٍ، لا يكتبون إلا الصلاة على النبي (َ﴾)) أخرجه الديلمي وسنده ضعيف. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، سمعت نبيكم وَله يقول: ((أكثروا الصلاة على نبيكم في الليلة الغرّاء واليوم الأزهر)) رواه البيهقي. وعن ابن عمر مثلُه، أخرجه السِّلَفي، وفي سنده قاسم المَلَطي، وهو كذاب . وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مثله. وفي رواية: ((أكثروا من الصلاة عليَّ في الليلة الغراء، فإن صلاتكم تُعرضُ عليَّ)) يعني ليلة الجمعة. ذكره صاحب ((الشَّرَف)). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ يّة: ((الصلاة عليَّ نورٌ على الصراط، ومن صلَّى عليَّ يوم الجمعة ثمانين مرةً غُفرت له ذنوبُ ثمانين عاماً)). أخرجه ابن شاهين في ((الأفراد)) وغيرِها (١)، وابن (١) كذا في الأصول.