النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
الفصل السادس عشر
في ضبط ما في حديث عليّ الماضي(١) من مشكل.
فـ ((دَاحِي المَدحوَّاتِ)): بالمهملة فيهما، أي باسط المبسوطات،
وهي الأرَضون، ويُروى: المَدْحيات. وكان جلَّ ثناؤه خلقها رَبَوَةً ثم
بسطها، فقال جل ثناؤه: ﴿والأرضَ بعد ذلك دحاها ﴾، وكلُّ شيء
بُسِطَ ووسِّع فقد دُحي، ولذلك قيل لموضع بيض النعامة: أُدْحيّ، لأنها
تُدْحِي البَيْضَ، أي تبسطه وتوسّعه. ويروى: المَدْحِيَّات(٢).
و ((بارىء المسموكات)): أي خالق المرفوعات، وعَنَى بها السموات.
قال الفرزدق :
إن الذي سَمَك السماءَ بنى لنا بيتاً دعائمُه أعزُّ وأطول
ويروى: سامِك، بدل: بارىء، ومعناه: رافع.
و ((جبَّارُ القلوب على فطرتها)): هو مِن: جَبَر العظم المكسور، كأنه
أقام القلوب وأثبتها على مافطرها عليه من معرفته، والإقرار به، شقيها
وسعيدها. قال القُتَيبي(٣): لم أجعله من: أَجبرت، لأن أَفْعَلَ لايقال
فيه: فعَّال، وتعقَّبه في ((النهاية)) بأنه يكون من اللغة الأخرى، يقال:
جبرتُ وأجبرتُ، بمعنى: قهرتُ.
(١) ص ١١٨ -١١٩. وينظر مع هذا: ((غريب الحديث)) لابن قتيبة ٣٧٣:٢،
و((منال الطالب)) لابن الأثير ص٣٧٩، والتعليق على ((الشفا)) للبجاوي
٢: ٦٤٣، وشرح القاري والخفاجي له ٤٧٤:٣، و((الدر المنضود)) ص٦٤ .
(٢) هذا تكرار لما تقدم قبل سطرين.
(٣) هو ابن قتيبة، ويقال له: القُتَبي. وكلامه هذا في ((غريب الحديث)) ١: ٣٧٤.

٢٢٢
و ((أُغلِقِ)): بضم الهمزة، وكسر اللام، مبني لما لم يُسمَّ فاعله.
و ((الدامغ)): المهلِك، يقال: دمَعه يدمَعه دمغاً، إذا أصاب دماغه
فقتله .
و ((الجَيْشَات)): جمع جَيشة، وهي المرَّة من جاش: إذا ارتفع.
و((حُمِّل)): بضم المهملة وكسر الميم المشدَّدة مبني أيضاً.
و ((اضطَلَع بأمرك)): بالضاد المعجمة: أي نهض به لقوته عليه.
وقوله: ((مستوفِزاً في مرضاتك)»: أي ماضياً فيها.
وقوله: ((بغير نَكَلٍ)): أي: بغير جُبن وإحجام في الإقدام.
((ولا وَهْنٍ»: أي: ولا ضَعْف في رأي. ويروى: واهياً، بالياء.
و ((النفاذ)): بالفاء والمعجمة.
و ((أَوْرَى)): في ((الصحاح)): وَرَى الزَّند - بالفتح - يَرِي وَرْياً: إذا
خرجتْ ناره، وفيه لغة أخرى: وَرِي الزند يَرِي - بالكسر فيهما - وأوريتُه
أنا، وكذلك: وَرَيْتُه.
و ((القبس)): الشُّعلة من النار، وكلُّ هذا استعارة.
و((آلاء الله)): بالمدِّ: نِعَمُه، وهو مبتدأ، خبره قوله: «تصلُ بأهله
أسبابه)). وفي واحِدِه خمس لغات:
١ - ألاّ: بالفتح والتنوين(١)، كرَحَىّ.
٢- وبالكسر والتنوين، كمِعَیّ.
٣- وبالكسر وسكون اللام والتنوين، کنخي.
٤ - وبالكسر بغير تنوين، ذكر الأخيرة ابن الأثير في ((النهاية)).
(١) والقصر، كما في ((النهاية)) ٦٣:١، و((منال الطالب)) ص٣٨٥، ويجوز أن
تكتب: أَلَىَّ.

٢٢٣
٥- ومثله، لكن بفتح أوله، كما وُجِدَ في بعض نسخ ((شرح الألفية))
للعراقي في الخُطبة (١) .
وقيل: آلَوَ، كـ: آمَنَ، أفاده البرهان الحلبي(٢).
ورأيت بخط شيخنا: فيها خمس لغات: إلى: بكسر الهمزة،
وبفتحها، وبالتنوين فيهما، والخامسة: إِلَيٌّ.
و ((هُّدِيثَ)): بضم الهاء وكسر الدال، مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله.
و ((القلوبَّ)) مرفوع نائب مناب الفاعل. ويروى بفتح الهاء والدال
ونصب: القلوبَ.
و ((النهج)): الطريق المستقيم.
و ((موضحاتٍ)): بكسر التاء مفعول. وكذا ((نائراتٍ)) بكسر التاء
معطوف على موضحات، وهو بنونٍ أوله، ومثناةٍ تحت بعد الألف.
و ((عَدْنك)) بفتح العين المهملة وسكون الدال المهملة، يعني جنتك.
وفي ((الصحاح)): عدنتُ البلدَ توطَّنْتَه، وعدَنَتِ الإبل بمكان كذا: لزمتْه
فلم تَبْرَح، ومنه: جنات عدن أي: جنات إقامة.
و((أَجْزِه)) بفتح الهمزة ثم جيم ساكنة ثم زاي مكسورة، من الجزاء،
هكذا ضبط في عدة نسخ من ((الشفا»، والصواب فيه - كما وجد في
بعض الأصول المعتمدة -: وصلُ الهمزة، لأنه ثلاثي، قال الله تعالى:
﴿وجزاهم بما صبروا جنةً وحريراً﴾.
قلت: وقد وجدته في بعض الأصول بفتح الهمزة ثم جيم ساكنة ثم
(١) ٦:١، وانظر معه ((فتح الباقي)) لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله،
فعنده وجوه أخرى في ضبط مفرد هذه الكلمة.
(٢) زيادة من أ.

٢٢٤
راء مفتوحة، من الأجر، وصُحِّح عليه، وأظنه مما حُرَّف(١).
وقوله: ((ثوابك المضنون)): أي: الذي يُضَنُّ به(٢) لنفاسته، والذي
في ((الشفا»: المحلول(٣)، بدل: المضنون، والمعنى: يَخُلُّ فيه.
و((المعلول)): مأخوذ من العَلَل، بفتح المهملة واللام، وهو الشُّرْب الثاني
بعد النَهَل - بفتحتين -: وهو الشرب الأول، وأراد العطاء بعد العطاء.
و («النُّزُّلُ)): الطعام الذي يهيأ للضيف، وهو بضم النون وسكون
الزاي، وتضم الزاي أيضاً، وهو المكان الذي يهيأ للنزول فيه. وفي
التنزيل: ﴿ نُزُلاً من غفورٍ رحيم﴾ .
و ((الخُطة)): الأمر والقصة. و((الفصل)): القطع(٤). والله أعلم.
(١) وجزم ابن حجر الهيتمي في ((الدر المنضود)) ص ٦٥ بأنه تحريف، وانظر
لزاماً مانقله الزرقاني ٣٤٧:٦ عن المصنف .
ثم إنه جاء بعد هذا في مطبوعة المكتبة العلمية ص ١٠٠، والهندية ص ٧٥
زيادة ليست في الأصول الخمسة التي اعتمدتها، ونصها: [وقرأت بخط
بعض العارفين الضبط الأول أنه أصح، فلعله نحو ماورد في حديث سهل:
ما أجزأ منا اليومَ أحدٌ كما أجزأ فلان، أي: فعل فعلاً ظهر أثره، وأراد
العطاء، وقام فيه مقاماً لم يقمه غيره بعد العطاء ولا كفى كفايته].
وكتب ناشر الطبعة الهندية ومصححها على الحاشية ما نصه: ((من قوله:
وقرأت بخط بعض العارفين، إلى قوله: كفى كفايته: ليس في نسختين))
فهذا يستأنس به أنها زيادة من قارىء للنسخة كتبها على الحاشية فأدخلها
ناسخ آخر على أصل الكتاب. والله أعلم.
(٢) من د، وفي غيرها: نضنُّ، وأقحم قبلها في هـ: لا، خطأ.
(٣) ومثله في ((منال الطالب)) لابن الأثير ص٣٨٦، وهو أقرب لتناسب السجع،
وفسَّر المحلول بـ: ((الميسَّر المهيّأ للانتفاع به)).
(٤) وفي ((منال الطالب)): ((الحالة الفاصلة بين الحق والباطل التي لا حَيْف فيها
ولا اشتباه)). فيكون معنى ((الخطة)): الحالة والشأن.

٢٢٥
الفصل السابع عشر
ذكر المجد اللغوي ما حاصلُه: أن كثيراً من الناس يقولون: اللهم
صلِّ على سيدنا محمد، وأن في ذلك بحثاً:
أما في الصلاة: فالظاهر أنه لا يقال، اتّباعاً للفظ المأثور، ووقوفاً
عند الخبر الصحيح.
وأما في غير الصلاة: فقد أنكر وَليل على من خاطبه بذلك، كما في
الحديث المشهور، وإنكارُهُ يَحتمل أن يكون تواضعاً منه وَِّ، أو كراهيةً
منه أن يُحمَد ويُمدح مشافهةً، أو لأن ذلك كان من تحية الجاهلية، أو
لمبالغتهم في المدح حيث قالوا: أنت سيدنا، وأنت والدنا، وأنت
أفضلُنا علينا فضلاً، وأنت أطولُنا علينا طَوْلاً، وأنت الجَفنةُ الغراءُ،
وأنت، وأنت، فردَّ عليهم وقال: ((قولوا بقولكم ولا تَستهْوِيَنَّكم
الشياطين))(١) .
فقد صح قوله بَ ل : ((أنا سيدُ ولد آدم))، وقوله للحسن: ((إن ابني هذا
سيدٌ))، وقوله لسعد: ((قوموا إلى سيدكم))، وورد قول سهل بن حُنَيف
للنبي وّل: ياسيدي، في حديث عند النسائيِّ في ((عمل اليوم والليلة))(٢)
وقول ابن مسعود - كما تقدم (٣) _: اللهم صل على محمد سيد المرسلين.
(١) رواه أبو داود (٤٧٧٣)، وانظر لزاماً كلام الخطابي رحمه الله في معنى الحديث
في ((معالم السنن)) ١١٢:٤، ووافقه عليه من بعده، وأيُّ مبالغة في هذه الكلمات
مع قول الله تعالى: ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين .. ﴾، والمنَّ: هي النعمة
العظمى، فهو رَّ أفضلُنا علينا، وأطولنا علينا ...
(٢) وغيره، وانظر تخريجه في الحاشية الآتية.
(٣) صفحة ١٠٦.

٢٢٦
وفي كل هذا دلالة واضحة، وبراهين لائحة على جواز ذلك، والمانع
يَحتاج إلى إقامة دليل سوى ما تقدم، لأنه لا ينهض دليلاً مع حكاية
الاحتمالات المتقدمة. وقد قال الإسنوي رحمه الله في ((المهمات)): في
حفظي قديماً أن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام بناه - أعني الإتيان
بـ(سيدنا)) قبل ((محمد)) في التشهد - على أن الأفضل: هل هو سلوك
الأدب أو امتثال الأمر؟، فعلى الأول: مستحبّ، دون الثاني، لقوله
مَ الر: ((قولوا اللهم صل على محمد)).
قلت: وتوقّف ابن مُفْلِح من الحنابلة في زيادتها في الصلاة محتجاً
بأن إمامَه والأصحابَ على ذِكر صلاة مخصوصة، بحيث إنهم تكلموا
في زيادة ((إبراهيم)) وغيره، مما يدل منهم على الاقتصار على المنصوص.
قال: وإذا كان الأولى الاقتصار على التسبيح، وحذفٍ ((وبحمده)) على
المشهور مع ورود الحديث بها، لكن تَرَكه الإمام لضعفه، وحذفٍ
((وبركاته)) في السلام، مع ورود حديث مشهور ضعيف بها، فما ظنك
بهذا ؟! فهذا أمر واضح.
قال: وقد وقعت هذه المسألة في زمن التقي ابن تيمية وأفتى فيها
فتاوى متعددة بما هو ظاهر المنقول عن الأئمة، وأطال الكلام، مع
قوله: إن كل مسلم لا يتوقف في أنه ◌َّ سيدنا في الدنيا والآخرة. وأفتى
النجم القَحْفازي الحنفي - بل وفيما أظن بعض الشافعية - بخلافه قصداً
لمخالفته، وتكلموا بما لا يليق. قال: ولم أجد هذه اللفظة في شيء من
الكتب المشهورة عن النبي ◌ّر. نعم ورد عن ابن مسعود مرفوعاً
- وموقوفاً، وهو أصحـ: ((أحسِنوا الصلاة على نبيكم)) وذكر الكيفية،
وقال فيها ((على سيد المرسلين))، لكن ليس هذا في الصلاة. قال: وهذا
كافٍ في المسألة، مع أني لم أكتبها في غير هذا المكان، لأن من
المسائل مالا ينبغي السؤال ولا الجواب عنه. انتهى.
وقرأت بخطُّ بعض محقِّقي مَن أخذت عنه من الشافعية مانصه:

٢٢٧
الأدب مع مَن ذُكر مطلوب شرعاً بذكر السيد، ففي حديث الصحيحين:
((قوموا إلى سيِّدكم)) أي سعدٍ بن معاذ، وسيادتُه بالعلم والدين. وقولُ
المصلين: اللهم صلِّ على سيدنا محمدٍ: فيه الإتيانُ بما أُمرنا به وزيادةُ
الإخبار بالواقع الذي هو أدب، فهو أفضل من تركه، فيما يظهر من
الحديث السابق، وإن تردّد في أفضليّته الشيخ الإسنوي، وذكر أن في
حفظه قديماً أن الشيخ ابن عبدالسلام بناه على أن الأفضل سلوك الأدب،
أو امتثال الأمر، والله المعين.
وقال الأذرعيُّ في ((التوسُّط)): الأشبه الاتباع، ولا يُعرف إسناد ذلك
إلى أحد من السلف، وسمعت من الأفواه أنه وقع نزاع قديم بين فقيهين
أو شيخين من أصحابنا بجامع دمشق، وطال النزاع بينهما، واجتمع
العامة عليهما، فقال أحدهما: يا مسلمين هذا يقول: إن محمداً ليس
بسيد! فقال الآخر: يا مسلمين هذا يقول: إن ما قاله أفضلُ مما قاله
رسول الله وَله. انتهى ما قاله الأذرعي(١).
(١) قلت: الكلام الحاصل في المهاترات لا يلتفت إليه، ولا يحتج به في المسائل
العلمية اعتماداً أو ردّاً، ولا ينبغي أن يدوّن في الكتب، ودين الله بين الإفراط
والتفريط، وإذا كان عمر بن الخطاب يقول - كما في البخاري (٣٧٥٤) -: أبو بكر
سيدنا، وأعتق سيدنا - يريد بلالاً - رضي الله عنهم، أفلا يقول هو وغيره عن
رسول الله وَال *: سيدنا؟ !.
وفي ((صحيح مسلم)) ٤: ٢٠٩٤ (٨٧)، و((سنن أبي داود)) (١٥٢٩) قول أم الدرداء
عن زوجها أبي الدرداء رضي الله عنهما: حدثني سيدي.
وقد خُوطِبٍ وََّ بـ((ياسيدي)) وأقرَّ مخاطِبه على ذلك، وذلك في الحديث الذي
رواه الإمام أحمد ٤٨٦:٣، وأبو داود (٣٨٨٤)، والنسائي (١٠٨٧٣،١٠٠٨٦)،
والحاكم ٤: ٤١٣ وصححه ووافقه عليه الذهبي، أن سهل بن حنيف نزل غدير ماء
يغتسل فيه، ومعه عامر بن ربيعة، فخرج منه محموماً، فذكر ذلك لرسول الله وَل
فقال: ((مُروا أبا ثابت يتعوَّذ)) فقال أبو ثابت - وهو سهل بن حنيف -: ياسيدي،
والرُّقَى صالحة! فقال: ((لا رُقى إلا من ثلاث: من الحمى، والنفْس، واللدغة)).
وفي إسنادهم جميعاً الرباب جدة عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف، فإن كانت
جدته لأبيه فهي زوجة عباد، وإن كانت جدته لأمه فهي والدة زوجة عباد، فهي =

٢٢٨
صحابية أو من طبقة كبرى التابعيات، وعدم ذكرها بجرح ولا تعديل لا يضرُ
=
حديثها عند بعضهم، ومن أجل هذا والله أعلم - صحح الحاكم حديثها ووافقه
الذهبي، وذِكر الذهبي لها في ((الميزان)) ٤ (١٠٩٥٥) ضمن النساء المجهولات
على معنى أنهنّ لم يذكرن بجرح ولا تعديل. والله أعلم.
يُضاف إلى تصحيح الحاكم والذهبي لحديثها هذا: صنيع النسائي المشعر لاعتماده،
وبيانه: أنه قال أولاً: النهي عن أن يقول المملوك لمالكه: مولاي، وأسند تحته
(١٠٠٧٢) حديث أبي هريرة: لا يقل أحدكم مولاي، فإن مولاكم الله، ولكن
ليقل: سيدي. ثم قال: النهي عن أن يقال للمنافق: سيدنا، وأسند تحته
(١٠٠٧٣) حديث بريدة: لا تقولوا للمنافق: سيدنا.
ثم قال: ذكر اختلاف الأخبار في قول القائل: سيدنا وسيدي، وأسند تحته حدیث
عبدالله بن الشخير من خمسة أوجه (١٠٠٧٤- ١٠٠٧٨) وفيه: أن رجلاً قال للنبي
وَ له: أنت سيد قريش، فقال له: ((السيد الله)) فقال له ثانية: أنت أفضلنا قولاً،
وأعظمنا فيها طَولاً، فقال ◌َّر: ((ليقل أحدكم بقوله، ولا يستجرُّه الشيطان)).
ثم روى (١٠٠٧٩) قصة تسليم الحسن بن علي رضي الله عنهما على جماعة فيهم
أبو هريرة، ولم يَشعر أبو هريرة، فأُخبر بذلك، فقام مسرعاً ولحق بالحسن، فقال
له: ياسيدي، فقيل لأبي هريرة تقول له: ياسيدي؟ فقال: سمعت رسول الله وَل
يقول: ((إنه لسيد)).
ثم أسند حديث أبي بكرة من ستة أوجه (١٠٠٨٠-١٠٠٨٥): ((إن ابني هذا سيد)).
ثم ختم الباب بحديث سهل بن حنيف هذا، وقوله للنبي ◌َّ: ياسيدي والرقى
صالحة؟ فهذا اعتماد منه لصحة هذا التعبير، والخطاب. والله أعلم.
وقد تبعه على هذا السرد والتبويب تماماً تلميذه ابن السني في كتابه ((عمل اليوم
والليلة)) فانظره (٣٨٦-٣٩١).
ولست مع المفرِّطين القائلين ببدعة مَن يصف رسولَ الله وَّلَ وأصحابَه وآل بيته
وأتباعه بإحسان بالسيادة! ولا مع المُفْرِطين القائلين باستحباب السيادة عند ذكره
صلوات الله وسلامه عليه في الأذان والإقامة ! .
والشيء بالشيء يذكر، ومما ينبغي أن يذكر هنا: الإشارة إلى الاستفتاء الذي رُفع
إلى الحافظ ابن حجر بهذا الصدد، فاستفتح الجواب بقوله: ((اتباع الألفاظ المأثورة
أرجح))، وقد نقل طرفاً من هذا الجواب الشهاب الخفاجي في ((شرح الشفا))
٤٨٣:٣، ونقله بتمامه صاحب ((صفة صلاة النبي ◌ُّر)) عن خط ابن الغرابيلي أحد
تلامذة ابن حجر.

٢٢٩
=
وأقول: إن واقع ابن حجر وعمله واضح في استعماله كلمة (سيدنا) في كتاباته
المطبوعة ومالم يطبع منها، انظر مثلاً من ((الفتح)) ٥٨:١ قال البخاري: ((باب
حبّ الرسول وَ ﴿ من الإيمان)) فقال الحافظ: ((المراد سيدنا رسول الله وَله، بقرينة
قوله: ((حتى أكون أحبَّ))، وإن كانت محبة جميع الرسل من الإيمان، لكن
الأحبيّة مختصة بسيدنا رسول الله (وَێ)) .
وقوله في ((الفتح)) أيضاً ٦٦:٣ (١١٨٩): ((والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم
شدّ الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله وَليه، وأنكرنا صورة ذلك .. )) ولاحظ
موقع استعماله لها.
نعم، ليس هو من المكثرين لها، لكنه ليس من التاركين لها، على أني لست ممن
يجعل عالماً واحداً أو عالمين حَكَماً على علماء الإسلام كلهم!
وهاهو ذا المصنف السخاوي - وهو أشهر تلامذة ابن حجر وأبرُّهم به - تراه يكرر
في هذا الكتاب - وغيره - لفظ السيادة مع ذكر رسول الله وَّ، بل تراه في
الصفحة الأولى من كتابه هذا جاء بهذا اللفظ الكريم أربع مرات! وانظر لزاماً كتابه
((فتح المغيث)) ٢٤٧:٣: مبحث أدب افتتاح مجلس الحديث.
وقد ترجم المصنف في ((الضوء اللامع)) ٢٥٢:٢-٢٥٣ لأحمد بن يونس بن سعد
القُسَنْطيني الجزائري المالكي (٨١٣-٨٧٨) رحمه الله تعالى، وذكر أن له ((رسالة
عملها في ترجيح ذكر السيادة في الصلاة على النبي ◌َّر وغيرها، بعد أن استمدّ
مني فيها)).
وكلام ابن مفلح الذي نقله المصنف واضح في أنه يريد عدم زيادة ((سيدنا)) في
الصلاة، لا في غيرها، مع العلم أن زيادتها تختلف عن الزيادات التي ذكرها،
فتلك زيادات مستقلة - ذكرُ إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإضافةُ الحمد مع
التسبيح، وإضافةُ ((وبركاته)) مع: السلام عليكم ورحمة الله - أما هذه الزيادة
فوصفٌ لمذكورٍ مسمَّى.
وقد وجدتُ استعمال كلمة ((سيدنا)» لعدد من علماء السادة الحنابلة في مقدمات
كتبهم، منهم ابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩) في مقدمة كتابيه: ((شذرات
الذهب))، و((معطية الأمان من حنث الأيمان))، ومنهم: البُهُوتي (ت ١٠٥١) -
وهو من معتَمَدي فقهاء الحنابلة المتأخرين - وذلك في مقدمة كتابيه ((شرح منتهى
الإرادات)) و((كشاف القناع))، ومن قبله ابن المِبْرَد (ت ٩٠٩) في مقدمة كتابيه
(بحر الدم))، و((دفع الملامة في أحكام العمامة)).
=

٢٣٠
وجاء في مقدمة الطوفي (ت ٧١٦) لكتابه ((مختصر الروضة)) ٧٥:١: ((وأسألك أن
تصلي على سيد أصفيائك، محمدٍ سيد معدّ بن عدنان))، وأي فرق بين هذا وبين
قولك: أسألك أن تصلي على السيد محمد، أو على سيدنا محمد، بل هذه أبلغ:
سيد أصفيائك محمد، أي: سيد أنبيائك، فإذا كان ◌َ ◌ّ سيد الأنبياء، فمن نحن
لنتوقف عن القول: سيدنا محمد؟! وَال﴾.
وهكذا يقال فيما جاء في مقدمة ((المغني)) للإمام ابن قدامة (ت ٦٣٠): ((وصلى
الله على خاتم الأنبياء وسيد الأصفياء، وإمام العلماء، وأكرم من مشى تحت أديم
السماء: محمد نبي الرحمة))، فهو كقولنا: وصلى الله على سيد الأصفياء، فهو
سيد الأصفياء وسيدنا نحن: بالتَّبَع .
ومع هذا، فإني أعتقد أن الإطالة في هذه المسألة من فضول الكلام - بَلْهَ من
فضول العلم - وهي داخلة تحت القول المنسوب إلى سيدنا علي رضي الله عنه:
العلم نقطة كثَّرها الجاهلون، كما يشير إليه ابن مفلح في آخر كلامه، وحسبنا الله.
=

٢٣١
الباب الثاني
في ثواب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه
وسلم تسليماً كثيراً، لمن صلَّى عليه(١):
١ - من صلاة الله عز وجل. ٢ - وملائكته. ٣- ورسوله(٢). ٤ - وتكفير
الخطايا. ٥- وتزكية الأعمال. ٦- ورفع الدرجات. ٧- ومغفرة
الذنوب. ٨- واستغفارها لقائلها. ٩- وكتابة قيراط مثل أُحدٍ من الأجر.
١٠- والكيل بالمكيال الأوفى. ١١- وكفاية أمر الدنيا والآخرة لمن
جَعل صلاته كلها صلاة عليه. ١٢ - ومحق الخطايا. ١٣ - وفضلها على
عتق الرقاب. ١٤- والنجاة بها من الأهوال. ١٥ - وشهادة الرسول بها.
١٦- ووجوب الشفاعة. ١٧ - ورضا الله. ١٨ - ورحمته. ١٩ - والأمان
من سخطه. ٢٠- والدخول تحت ظل العرش. ٢١ - ورجحان الميزان.
٢٢- وورود الحوض. ٢٣- والأمان من العطش. ٢٤- والعتق من
النار. ٢٥- والجواز على الصراط. ٢٦ - ورؤية المقعد المقرَّب من
الجنة قبل الموت. ٢٧- وكثرة الأزواج في الجنة. ٢٨ - ورجحانها على
أكثر من عشرين غزوةً. ٢٩- وقيامها مقام الصدقة للمعسِر. ٣٠- وأنها
زكاة وطهارة. ٣١- وينمو المال ببركتها. ٣٢- ويُقضى بها مئة من
الحوائج بل أكثر. ٣٣ - وأنها عبادة. ٣٤- وأحب الأعمال إلى الله.
٣٥- وتزيِّن المجالس. ٣٦- وتنفي الفقرَ. ٣٧ - وضيقَ العيش.
٣٨- ويلتمس بها مظان الخير. ٣٩- وأن فاعلها أولى الناس به.
(١) عنون الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه ((جلاء الأفهام)) ص٣٣٥ لهذا
الفصل بقوله: ((الباب الرابع في الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه وَاليه))
وذكر تسعاً وثلاثين فائدة، وسَرَدها في نحو عشر صفحات بأسلوبه الممتع .
(٢) فيه حديث أنس في ((معجم الطبراني الأوسط)) الآتي ص ٢٣٥.

٢٣٢
٤٠- وينتفع هو وولده وولد ولده بها. ٤١ - ومَن أُهديت في صحيفته
بثوابها. ٤٢- وتقرّب إلى الله عزوجل وإلى رسوله. ٤٣- وأنها نور.
٤٤- وتنصر على الأعداء. ٤٥- وتطهر القلب من النفاق والصدإٍ.
٤٦- وتوجب محبة الناس. ٤٧- ورؤية النبي ◌ُّ في المنام. ٤٨- وتمنع
من اغتياب صاحبها. ٤٩- وهي من أبرك الأعمال وأفضلها وأكثرها نفعاً
في الدين والدنيا، وغير ذلك من الثواب. مثل: ٥٠- عدم سؤاله يوم
القيامة. ٥١- وإكرام النبي والر لصاحبها بأنواع الإكرام. ٥٢ - ومصافحة
النبي ◌َّر يوم القيامة. صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.
١- عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله وَ لا قال: ((من صلىَّ
عليَّ واحدةً صلى الله عليه عشراً)). (١) رواه مسلم وأبو داود والترمذي
وقال: حسن صحيح، والنسائي وابن حبان في ((صحيحه)) وفي بعض
ألفاظ الترمذي، وكذا ابن حبان عن أبي يعلى: ((من صلى عليَّ مرةً
واحدة كَتَب الله له عشر حسناتٍ)) وفي لفظ ((ومحيَ عنه عشر سيئات))
وهو عند أحمد بسند رجاله رجال الصحيح، غيرَ رِبعيّ بن إبراهيم، وهو
ثقة مأمون.
وعنه أيضاً رضي الله عنه، عن النبي وَّر قال: ((من صلى عليَّ عشراً
صلى الله عليه مئةً، ومن صلَّى عليَّ مئة صلى الله عليه ألفاً، ومن زاد
صبابةً وشوقاً كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة)) أخرجه أبو موسى
المديني بسندٍ قال الشيخ مُغْلَطاي: لا بأس به، فالله أعلم.
٢- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: من صلَّى
(١) كُتب على حاشية أ بخط مغاير لخط المصنف: ((قال القسطلّني في ((المسالك)):
ومعلوم أنه من صلى الله عليه مرة فقد رحمه فلا يعذُّبه، فهذا تبشير بدخول
المصلي إلى دار النعيم، ونجاة المسلم من دار الجحيم)). ثم كرر كتابة هذه
الفائدة بجانب رواية الإمام أحمد لحديث عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه من
طريق حفيده عبدالواحد، وهو الآتي صفحة ٢٣٦ .

٢٣٣
على النبي ◌ّله واحدة صلَّى الله تعالى عليه وملائكتُه بها سبعين صلاةً،
فَلْيُقِلَّ عبدٌ من ذلك أو لِيُكثر(١).
رواه أحمد وابن زَنْجويه في ((ترغيبه)) بإسناد حسن. وحكمه الرفع،
إذْ لا مجال للاجتهاد فيه.
٣- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي ◌َّه قال: ((من ذُكِرتُ
عنده فليُصَلِّ عليَّ، ومن صلَّى عليَّ مرةً صلى الله عليه عشراً)) أخرجه
أحمد وأبو نعيم والبخاري في ((الأدب المفرد)) وهو عند الطبراني في
((الأوسط)) بدون قوله ((ومن صلَّى عليَّ مرةً .. )) إلى آخره، ورجاله رجال
الصحیح.
وفي رواية: ((من صلى عليَّ واحدةً صلَّ الله عليه عشر صلوات، وحُطَّت
عنه عشر سيئات، ورُفعت له عشر درجات)) أخرجها النسائي وابن حبان
في ((صحيحه)) وابن أبي شيبة، وليس عندهما: ((ورفعت)) إلى آخره.
وأخرجه الحاكمِ بلفظ: ((من صلَّى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه
عشر صلوات، وخَطْ عنه عشر خطيئاتٍ)).
ورواه الطبراني في ((الأوسط)) و(الصغير)) بلفظ: ((من صلَّى عليَّ
صلاة واحدة صلى الله عليه عشراً، ومن صلَّى عليَّ عشراً صلَّى الله عليه
مئةً، ومن صلى عليَّ مئةً كتب الله له بين عينيه براءةً من النفاق، وبراءةً
من النار، وأسكنه الله يوم القيامة مع الشهداء)) وفي سنده إبراهيم بن
سالم بن شبل الهُجَيمي، قال المنذري: لا أعرفه بعدالة ولا جرح، وكذا
قال الهيثمي نحوه.
ورواه أبو بكر ابن أبي عاصم في كتاب ((الصلاة النبوية)) له، وأبو القاسم
التيمي في ((ترغيبه)) من طريق أبي إسحاق السَّبِيعي، عن أنس بلفظ:
(١) ((فليقلَّ .. )): من أ، وهي ثابتة في ((المسند)) ١٧٢:٢. وانظر ص ٢٤٢، ٢٤٥،
٢٤٩، ٣١٨.

٢٣٤
((صلوا عليَّ فإن الصلاة عليَّ كفارةٌ لكم وزكاةٌ، فمن صلَّى عليَّ صلاةً
صلى الله عليه عشراً))، وليس عند أبي القاسم: وزكاةٌ، ولا: عشراً.
وفي رواية أخرى لأبي القاسم وأبي موسى المَديني: ((فإن الصلاة عليَّ
درجةٌ لكم)) وهذا السند صحيح فيما قاله العراقي، وليس كذلك، فقد
قال أبو حاتم: إن أبا إسحاق لا يصح له من أنس سماع، بل ولا رؤية(١).
ثم إنه معلول بالرواية الأولى، فإنها من طريق أبي إسحاق عن بُرَيد
ابن أبي مريم، عن أنس، وكذا أخرجها أبو اليمن ابن عساكر من طريق
البخاري، وفيها خُلْف على أبي إسحاق، فتارة يثبت الواسطة، وتارة
یحذفها .
ثم في إثبات الواسطة خلفٌ أيضاً، فتارة يجعله بُريداً عن أنس
كالرواية الأولى، وتارة يجعله بريداً، عن أبيه، عن أنس، وهذه الرواية
عند حميد بن زَنْجُويه في ((الترغيب)) له، وتارة يجعله الحسن البصري،
كما أخرجها النسائي.
وأما رواية الحذف: فهي عند النسائي أيضاً، وأبي يعلى وابن السني
والطبراني والطيالسي وغيرهم، وكذا روِّيناها في ((جزء الغِطريف))، ومن
طريقه أبو اليمن ابن عساكر.
وأبو إسحاق ممن اختلط، فرواية من سمع منه قبل الاختلاط أولى
بالصواب(٢).
وقد رجَّح الدارقطني في ((العلل)) طريق بريد، عن أنس، وقال: إنها
الصواب.
(١) تحرفت في ب إلى: ولا رواية.
(٢) اعتمد الذهبي في ((الميزان)) ٣(٦٣٩٣) القول بأنه ((شاخ ونسي ولم يختلط، وقد
سمع منه سفيان بن عيينة وقد تغير قليلاً)). وهذا نص واضح في أن التغيُّر شيء
غير الاختلاط، خلافاً لمن أدرجهما معاً.

٢٣٥
وفي لفظ للدارقطني في ((العلل)) وغيره: ((البخيلُ من ذكرتُ عنده فلم
يصلِّ عليَّ، من صلَّى عليَّ)) الحديث، وهو من رواية أبي إسحاق عن
أنس بلا واسطة، وأشار إلى خطئه، والله الموفق.
وفي رواية عند الطبراني في ((الأوسط)) بإسناد لا بأس به: ((من صلَّى
عليَّ بَلَغَتْني صلاته، وصلیت علیه، وكُتب له سوى ذلك عشرُ حسنات)).
وعند النسائي وتمّام وأبي اليمن ابن عساكر من طريقه، والحافظ
رشيد الدين العطار بسند حسن، وهو من رواية يونس بن أبي إسحاق
السَّبيعي، عن بُرَيد، عنه(١): ((ما من عبدٍ مؤمنٍ يذْكُرني فيصلِّيَ عليَّ إلا
كتب الله له عشر حسناتٍ(٢)، ومحا عنه عشر سيئاتٍ، ورفع له عشر
درجاتٍ)).
وعند البيهقي في ((فضائل الأوقات)) - كما سيأتي في الباب الأخير -
من حديث أبي إسحاق أيضاً، عن أنس رفعه: ((أكثروا من الصلاة عليَّ
يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن صلَّى عليَّ صلاة صلى الله عليه عشراً))
ونحوه عند ابن بشگوال بدون الجمعة.
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: خرج رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم فتوجَّه نحو صَدَقته، فدخل فاستقبل القبلة فخرَّ
ساجداً، فأطال السجود حتى ظننت أن الله قبض نَفْسه فيها! فدنوت منه،
فرفع رأسه، قال: ((من هذا؟)) قلت: عبد الرحمن، قال: ((ما شأنُك؟))
قلت: يارسول الله ! سجدتَ سجدةً حتى ظننت أن يكون الله قد قبض
نفسك فيها! فقال: ((إن جبريل أتاني فبشرني، فقال: إن الله عز وجل
يقول: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه)) زاد
في رواية: ((فسجدت لله شكراً)). أخرجه أحمد من طريق عمرو بن أبي
(١) تحرفت في ب إلى: غير !.
(٢) في ج: ((درجات))، وعلى الحاشية: (لعلها: حسنات)).

٢٣٦
عمرو، عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف، عن جده
بهذا(١).
ورواه ابن أبي عاصم من الوجه الذي أخرجه منه أحمد، فقال: عن
عبد الواحد، عن أبيه، عن جده. ورواه البيهقي وعبد بن حميد وابن
شاهين كالرواية الأولى، لكن بزيادة عاصم بن عمر بن قتادة بين عَمرو
وعبد الواحد، ونقل البيهقي في ((الخلافيات)) عن الحاكم قال: هذا
حديث صحيح، ولا أعلم في سجدة الشكر أصح من هذا الحديث.
انتھی .
وفيه من الخلاف غير ذلك، فرواه أحمد وأبو يعلى الموصلي في
مسنديهما، والبيهقي في ((سننه)) من طريق عمرو فقال: عن عبد الرحمن
ابن أبي الحُويرث، عن محمد بن جبير، عن عبد الرحمن بن عوف.
ورواه ابن أبي عاصم من طريق عمرو، عن أبي الحُويرث، عن محمد
ابن جبير، عن عبد الرحمن قال: دخل رسول الله وَلل حائطاً وأنا أتبعه
فقال: ((إن جبريل لقيني، فقال: أُبشِّرك! إن الله يقول: من صلَّى عليك
صلیتُ علیه، ومن سلَّم عليك سلَّمت علیه)).
وهو عند الطائي في ((أربعينه)) - ومن طريقه أبو اليمن ابن عساكر - من
طريق عمرو هذا، فقال: عن عبد الرحمن بن الحويرث، بدل: أبي
الحويرث، وذكره مطولاً؛ وعبد الرحمن نُسب إلى جدّه، فإنه ابن
معاوية بن الحويرث، وهو عندهم فيه نظر.
ورواه أبو يعلى من رواية ابن أبي سَنْدَرِ الأسلمي، عن مولى لعبد
الرحمن بن عوف غيرِ مسمّى، قال: قال عبد الرحمن بن عوف: كنت
قائماً في رحبةِ المسجد فرأيت رسول الله ◌َيّ خارجاً من الباب الذي يلي
المقبرة، فتأخرت شيئاً، ثم خرجت على أَثَره، فوجدته قد دخل حائطاً
(١) هنا كُرِّر النقل عن ((مسالك الحنفا)) على حاشية أ.

٢٣٧
من الأسواف - يعني بالفاء، وهو موضع بالمدينة(١) - فتوضأ ثم صلَّى
ركعتين، فسجد سجدةً، فأطال السجود فيها، فذكره.
وهو عند ابن أبي عاصم من هذا الوجه باختصار بلفظ: ((سجدت
شكراً، لأن جبريل أخبرني أنه من صلَّى عليَّ صلى الله عليه)).
وساقه أيضاً من طريق عبد الله بن مسلم ، عن رجل من بنيٍ ضَمْرة،
عن عبد الرحمن بن عوف رفعه: ((أعطاني ربي فقال: إنه من صلّى عليك
من أمتك صلَّيتُ عليه عشراً)).
ورواه ابن أبي الدنيا والبزار وأبو يعلى وابن أبي عاصم أيضاً من رواية
سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جدّه عبد الرحمن، قال: كان لا يفارق
رسولَ اللهِ وَّ منا خمسةٌ أو أربعةٌ من أصحابه ◌َّهِ، لِما ينوبه من حوائجه
بالليل والنهار، قال: فجئته وقد خرج، فاتَّبعته فدخل حائطاً من حيطان
الأسواف، فصلى فسجد فأطال السجود، فبكيت وقلت: قبض الله
روحه! قال: فرفع رأسه فدعاني، فقال: ((مالك؟!)) فقلت: يارسول الله!
أطلتَ السجود، فقلت: قبض الله روح رسوله! لا أراه أبداً! قال:
((سجدت شكراً لربي فيما أبلاني)) أي فيما أنعم عليَّ ((في أمتي: مَن
صلَّى عليَّ صلاةً من أمتي كتب الله له عشر حسناتٍ، ومحا عنه عشر
سيئاتٍ)). لفظ أبي يعلى.
واختصره ابن أبي عاصم ولفظه: ((سجدت شكراً لربي فيما أبلاني في
أمتي، من صلى عليَّ صلاةً صلَّت عليه الملائكة مثل ماصلَّى عليَّ،
فليقِلَّ عبدٌ من ذلك أو ليكثر))(٢). وفي لفظ له آخر ((من صلى عليَّ صلاةً
كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات)).
(١) هو قرب المسجد المعروف اليوم بمسجد أبي ذر، شمالي الحرم النبوي الشريف،
ولا علاقة لتسميته بأبي ذر الغفاري رضي الله عنه. والحائط: البستان.
وكثيراً ما يقع اسم المنطقة في الكتب محرفاً إلى: الأسواق، بالقاف، فليصحح.
(٢) ((من ذلك)) سقط من ج، د.

٢٣٨
ولفظ ابن أبي الدنيا: ((من صلى عليَّ صلاةٌ صلى الله عليه عشراً)) وفيه
موسى بن عُبيدة الرَّبَذي ضعيف جداً (١).
وقد أخرجه الضياء في ((المختارة)) من طريق سهيل بن عبد الرحمن
ابن عوف، عن أبيه بلفظ: أن رسول الله وَ ل﴿ خرج عليهم يوماً في وجهه
البِشْر، فقال(٢): ((إن جبريل جاءني فقال: ألا أبشرك يا محمد بما أعطاك
ربك من أمتك، وبما أعطى أمتك منك؟: من صلَّى عليك منهم صلاةً
صلى الله عليه، ومن سلَّم عليك منهم سلّم الله عليه)) وهو حديث حسن،
ورجال هذا السند من رجال الصحيح، لكن فيه عنعنة أبي الزبير(٣)، وقد
ذكر الدار قطني في ((العلل)) أن إسحاق بن أبي فَرْوة رواه عن أبي الزبير،
فقال: عن حميد بن عبد الرحمن، بدل: سهيل، لكن إسحاق ضعيف،
والله أعلم.
وعن أنس بن مالكٍ ومالكِ بن أوس بن الحَدَثان رضي الله عنهما
قالا: خرج النبي ◌َّه يتبرَّز فلم يجد أحداً يَتْبعه، ففزع عمر فاتَّبعه
بِمِطْهَرة - يعني إداوة - فوجده ساجداً في مَشْرُبةٍ، فتنخَّى عمر، فجلس
وراءه حتى رفع رأسه، قال: فقال: ((أحسنتَ ياعمرِ حين وجدتَني
ساجداً فتنحيتَ عني، إن جبريل أتاني فقال: من صلَّى عليك واحدةً
صلى الله عليه عشراً، ورفعه عشر درجاتٍ)) أخرجه البخاري في ((الأدب
المفرد)» هكذا.
(١) كذا قال المصنف هنا! وانظر ما تقدم ص ١٣٣، وما علقته عليه، ولو كان هذا
الحديث من رواية موسى عن عبدالله بن دينار، لكان لقول المصنف هذا وجه،
لكنه من روايته عن قيس بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة. انظر كتاب ابن أبي
عاصم (٤٨،٤٦).
(٢) كتب المصنف هنا على حاشية ب: ((بلغ سيدي الشيخ نفعنا الله ببركاته سماعاً من
لفظي في الميعاد الثاني وعرضاً، كتبه مؤلفه ختم الله لهما ولأحبابهما والمسلمين
بخیر)) .
انظر ماعلّقته على ترجمته من ((الكاشف)) (٥١٤٩). وإسحاق: متروك.
(٣)

٢٣٩
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة والبزار في مسنديهما، وإسماعيل القاضي
في ((فضل الصلاة)) له من حديث أنس وحده، وفي سنده سلمة بن وَرْدان
ضعفه أحمد، واختلف عليه فيه، کما سأذكره بعد.
ورواه ابن أبي عاصم من طريق بُريد بن أبي مريم، عن أنس مرفوعاً
بلفظ: ((من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه عشر صلواتٍ، ومحا عنه
عشر سيئاتٍ)). وقد مرَّ قريباً(١).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: خرج رسول الله وَلخلقه
لحاجته، فلم يجد أحداً يتبعه، ففزع عمر، فأتاه بمِطْهَرة من خلفه،
فوجد النبيَّ ◌َير ساجداً في شربة(٢) فتنحى عنه من خلفه، حتى رفع النبي
وَلَ﴾ رأسه، فقال: ((أحسنتَ ياعمر حين وجدتَني ساجداً فتنشَّيت عني،
إن جبريل عليه السلام أتاني فقال: من صلَّى عليك من أمتك واحدةً
صلى الله عليه عشراً، ورفعه عشر درجات)) رواه الطبراني في ((الأوسط))
و(الصغير)) من رواية الأسود بن يزيد، عن عمر. ومن طريق الطبراني
أخرجه الضياء في ((المختارة)).
قلت: وإسناده جيد، بل صححه بعضهم.
وقد رواه ابن شاهين في ((ترغيبه)) وابن بَشْكُوال من طريقه، ومحمد
ابن جرير الطبري في كتاب ((تهذيب الآثار)) له، من رواية عاصم بن
عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه قال: قال رسول الله وَ ل قوله: ((من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها
عشر صلوات، فليُقِلَّ عبدٌ أو ليكثر)) وقال ابن جرير: هذا خبر عندنا
صحيح، سندُه لا علَّة فيه تُوهنِه ولا سبب يضعفه.
(١) أواخر ص ٢٣٥.
(٢) انظر معناه في الصفحة التالية.

٢٤٠
قلت: وهذا عجيب، فإن عاصماً ضعفه الجمهور، ومع ذلك فقد كثُر
الاختلاف عليه فيه، فقيل: عنه، هكذا أخرجه ابن أبي عاصم، وقيل:
عنه، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، كما سيأتي، وهو أصح،
وقيل: عنه، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، والعلم عند الله تعالى.
وقد رواه إسماعيل القاضي وابن أبي عاصم من رواية سلمة بن وردان،
قال: حدثني مالك بن أوس بن الحَدَثان النَّصْري، عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه قال: خرج رسول الله وَله يتبزَّز فاتَّبعتُه بإداوة من ماء،
فوجدته قد فرغ، ووجدته ساجداً في شَرَبة فتنحيت عنه، فلما فرغ رفع
رأسه فقال: ((أحسنتَ ياعمر حين تنحيتَ عني، إن جبريل أتاني فقال:
من صلَّى عليك صلاةً صلَّى الله عليه عشراً، ورفع له عشر درجاتٍ)).
قلت: وقد اختُلف أيضاً فيه على سلمة بن وردان، فروي عنه هكذا،
وروي عنه، عن أنس بن مالك، كما تقدم، أخرجه ابن أبي عاصم.
والشَّرَبة: قال في ((النهاية)): بفتح الراء: حوض يكون في أصل
النخلة وحولها، يُملأ ماءَ لتَشربَه. وكذا قال في ((الصحاح)): إنه حوض
يتخذ حول النخلة فتروَى منه. قال: والجمع: شَرَبٌ وشرباتٌ. انتهى.
وضبطها في ((القاموس)) بفتح الشين المعجمة وفتح الراء والباء الموحدة
المشددة، وقال: إنها الأرض المُعْشِبَة لا شجر بها. وقال في تصنيفه في
((الصلاة))(١): إنها مجتمع النخيل، قال: وليس في كلام العرب له مِن
نظير سوى جِرْبَة، وهي المزرعة، يعني بكسر الجيم ثم السكون مخففة،
والله أعلم.
(١) ص٢٩، وضبطُ الفيروزأبادي لهاتين الكلمتين: شَرَبَّة وجَرَّبَّة، في كتابيه ((الصلات
والبُشَر)) و((القاموس)) في مادة (ش ر ب): سواء لا يختلف، لكنه في مادة
(ج ر ب) ضبط جربة كما ضبطها المصنف هنا: جِرْبة، فاختلف ضبطه، ولم ينبِّه
شارحہ إلی هذا.