النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ عني جماعة، وهي جديرة بأن تشرح ألفاظها في جزء، يسَّر الله ذلك بمنّه(١). وكأن من اقتصر على التسعة والتسعين، أراد مناسبة عدد الأسماء الحسنى التي ورد بها الخبر، ويمكن أن يُلتقط من هذه العددُ المذكور، ويحذف ما زاد عليه إذا كانت دلالته في الاسمية غيرَ بيِّة أو اتحد المعنى. والله المعين. ثم وقفت على كراسة القاضي ناصر الدين ابن المَيْلَق لخّص فيها كتاب ابن دحية المذكور، فألحقت منها ماوجدته من زائد حتى بلغت عدّتُها القدرَ المذكور، وأكثرها اشتقَّه من أفعال نُسبت إليه وَلّه، وأفاد أن لابن فارس في ذلك تصنيفاً سماه ((المنبي في أسماء النبي))(٢). قلت: وجمع أبو عبد الله القرطبي أيضاً كتاباً في ذلك، نَظَمه أرجوزة وشرحها، ولعل عدة الأسماء التي اشتملت عليه تزيد على الثلاث مئة، إلا أني لم أقف عليه إلى الآن. وله وَّهُ كنيتان، الأولى: أبو القاسم، وهي مشهورة في عدة أحاديثَ صحيحة . والأخرى: أبو إبراهيم، كما وقع في حديث أنس في مجيء جبريل إليه وَلّ، وقوله: السلام عليك يا أبا إبراهيم. ويُكْنَى أيضاً بأبي الأرامل، فيما ذكره ابن دحية، وبأبي المؤمنين، فيما ذكره غيره. وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب شيبةٍ الحمد، ابن هاشم، (١) قال المصنف في ((الضوء اللامع)) ١٨:٨ وهو يعدِّد مصنفاته: ((الفوائد الجليّة في الأسماء النبوية. لم يبيَّض)). (٢) طبع بالكويت سنة ١٤٠٩ بتحقيق الأستاذ ماجد الذهبي. ١٨٢ ويسمى عَمراً، ابنٍ عبد مناف، ويسمى المغيرة، ابن قُصَيّ، ويسمى زيداً، ابن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهْر، وإليه جماع قريش(١)، وما كان فوق فِهْر فليس بقرشي بل هو كنانيّ، ابن مالك بن النضر، ويسمى قيساً، ابن كنانة بن خزيمة بن مدرِكة، ويسمى عَمراً، ابن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان، هذا هو النسب المتفق عليه، ومَن بين عدنان إلى إسماعيل فيه خُلْف، محلُّه في السيرة النبوية، والله الموفق. لطيفة: ذكر الحسين بن محمد الدامَغاني في كتابه ((شوق العروس وأنس النفوس)) نقلاً عن كعب الأحبار أنه قال: اسم النبي ◌َّ عند أهل الجنة عبد الكريم، وعند أهل النار عبد الجبار، وعند أهل العرش عبد الحميد، وعند سائر الملائكة عبد المجيد، وعند الأنبياء عبد الوهاب، وعند الشياطين عبد القهار، وعند الجنّ عبد الرحيم، وفي الجبال عبد الخالق، وفي البر عبد القادر، وفي البحر عبد المهيمن، وعند الحيتان عبد القدوس، وعند الهوامّ عبد الغياث، وعند الوحوش عبد الرزاق، وعند السباع عبد السلام، وعند البهائم عبد المؤمن، وعند الطيور عبد الغفار، وفي التوراة مؤذ مؤذ، وفي الإنجيل طاب طاب، وفي الصحف عاقب، وفي الزبور فاروق، وعند الله طّه ويّس، وعند المؤمنين محمد، قال: وكنيته أبو القاسم لأنه يقسم الجنة بين أهلها. وَال ير تسليماً كثيراً. (١) فكل من يلتقي نسبه بواحد ممن ذُكر قبل فِهر فهو قرشي، فمثلاً: أبو بكر الصديق يلتقي نسبه مع النبي وَّهُ بمرَّة بن كعب، وعمر يلتقي بكعب بن لؤي، وعثمان يلتقي بعبد مناف، فالثلاثة رضي الله عنهم قرشيون، وإمامتهم وخلافتهم صحيحة فإنهم من قريش، وانظر لزاماً ما يترتب على غير هذا القول من الضلال في شرح الزرقاني على المواهب ١ :٧٦. ١٨٣ الفصل الخامس الأُميّ: بالتشديد، منسوب إلى الأم، وهو الذي لا يكتب ولا يقرأُ المكتوبَ، كأنه على أصل ولادة أمه بالنسبة إلى الكتابة، أو نُسب إلى أمه، لأنه بمثل حالها، إذ الغالب من حال النساء عدم الكتابة. وقيل: منسوب إلى أم القُرى. وقيل: إلى الأُمّة التي لا تقرأ ولا تكتب في الأكثر الأغلب، وهم العرب . وقيل: إلى الأُمّة، لكثرة اهتمامه بأمرها. وقيل: إلى أمّ الكتاب، إما لأجل أنها أُنزلت عليه، أو لأنه صدَّق بها، ودَعا إلى التصديق بها . وقيل: إلى الأَمَّة، وهي القامة والخِلْقة. وقيل: إلى الأَمَة، على سَذَاجتها قبل أن تَعرِف الأشياء. وقد كان عدم الكتابة معجزةً لنبينا عليه الصلاة والسلام مع ما أوتيه من العلوم الباهرة، قال الله تعالى: ﴿وما كنتَ تتلو من قبله من كتاب ولا تَخُطُّه بيمينك إذاً لارتابَ المبطِلون﴾، وفي القرآن الكريم أيضاً: ﴿الذين يتبعون الرسولَ النبيَّ الأميَّ﴾. صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. ١٨٤ الفصل السادس في ذكر زوجاته ◌َليلةٍ(١) ١- وأولهنَّ: خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَي بن كلاب، وتكنى أم هند، تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي ابنة أربعين، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله برسالته فآمنت به ونصرته، وكانت له وزيرَ صِدق، وكلُّ أولاده منها إلا إبراهيم فإنه من سُرِّيَّتِه مارية، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين في الأصح. ٢- ثم سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد وَدّ بن نصر بن مالك بن حِسل بن عامر بن لؤي، تزوجها بعد موت خديجة بأيام، وأصدقها أربع مئة درهم(٢)، ماتت آخر خلافة عمر(٣). ٣- ثم عائشة بنت خليفة رسول الله وَلّ أبي بكر الصديق: عبد الله بن أبي قُحافةَ: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرَّة بن كعب بن لؤي، ولم يتزوج نَّ بِكراً غيرها، وبنى بها في شوال ثامن (١) أفاض وأسهب الإمام الصالحي رحمه الله في الحديث عنهن رضي الله عنهن، أول الجزء الثاني عشر من سيرته فينظر. وللمحبّ الطبري ((السِّمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين)) مطبوع. (٢) على حاشية ب، هـ: ((قاله القطب الحلبي في ((شرح السيرة)) ونحوه قول الدمياطي: أصدقَها أربع مئة)). (٣) على حاشية ب، هـ زيادة: ((سنة ٢٣))، ولم يضع لها لَحَقاً، بل كتب فوقها: حش، ليفيد صراحة أنها زيادة من الناسخ، وليست هذه الجملة في أ، وأدخلت على كلام المصنف في ج، د، وهكذا الحواشي الخمسة الآتية. ثم، إن هذا التاريخ لوفاتها رضي الله عنها قاله غير واحد، وفي ((طبقات)) ابن سعد ٧٥:٨: توفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وقال ابن حبان: ماتت سنة خمس وخمسين. ١٨٥ شهور الهجرة وهي ابنة تسع، قيل: أسقطت جنيناً، ماتت في سابع عشر رمضان سنة ثمان وخمسين. ٤ - ثم حفصة بنت أمير المؤمنين أبي حفص: عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى بن رِياح بن قُرْط بن رَزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، تزوجها في شعبان بعد ثلاثين شهراً من الهجرة، رُوي أنه وَليه طلّقها، فأمره الله أن يراجعها فراجعها، توفيت في شعبان سنة خمس وأربعين . ٥- ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية الهلالية، وتكنى أم المساكين، تزوجها في رمضان من السنة الثالثة، مكثت عنده ثمانية أشهر، وماتت آخر ربيع الآخر(١). ٦- ثم أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، تزوجها في ليالٍ بقين من شوال سنة أربع، وماتت سنة اثنتين وستين. ٧- ثم زينب بنت جحش بن رِئاب بن يعمّر بن صبرة بن مرّة بن كبير - بالموحدة - بن غَنْم بن دُودان بن أسد بن خزيمة(٢) ، وكان اسمها بَرَّة فسماها زينب، تزوجّها لهلال ذي القعدة سنة أربع على الصحيح، وهي ابنة خمس وثلاثين سنة، وماتت بالمدينة سنة عشرين. ٨- ثم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك (١) بعد هذا زيادة على حاشية ب،هـ: ((ولم يمتْ في حياته وَيل منهن غيرها، وفي ريحانة خُلْفٌ)). (٢) على حاشية ب، هـ زيادة في نسب السيدة زينب رضي الله عنها: ((ابن مدركة ابن إلیاس بن مضر بن نزار)). ١٨٦ ابن جَذيمة، وهو المصطَلِقِ، ابن سعد بن كعب(١) ، وكان اسمها أيضاً بَرَّة فسماها جويرية، وتزوجها في سنة ست من الهجرة، وماتت سنة ست وخمسین . ٩- ثم ريحانة بنت شمعون بن(٢) زيد بن عمرو بن خُنافة(٣) بن شمعون بن زيد، من بني النضير إخوة قُريظة، وقعتْ في السبي يوم بني قُريظة، فأعتقها وتزوجها بصداق اثنتي عشرةَ أُوقيةً ونَشّا (٤)، كما كان يُصْدِق نساءه، وأعرس بها في المحرم سنة ست من الهجرة، وماتت قبل وفاته وَّر، وقيل: إنه لم يتزوجها، إنما كان يطؤها بملك اليمين، لكن الأول أثبت، كما رجحه جماعة من الحفاظ. ١٠ - ثم أم حبيبة، واسمها رَملة بنت أبي سفيان: صخرِ بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ القرشية الأموية، تزوجها وهي بأرض الحبشة في سنة سبع من الهجرة، وأصدقها عنه النجاشي أربع مئة دينار، وماتت بالمدينة بعد الأربعين. ١١- ثم صفية بنت حييّ بن أخطب بن سَعية بن ثعلبة بن عبيد بن (١) على حاشية ب، هـ زيادة في نسب السيدة جويرية رضي الله عنها: ((ابن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مُزَيقياء بن عامر ماء السماء)). (٢) ((شمعون بن)) زيادة ليست في أ، وكذلك ليست في ((طبقات)) ابن سعد ١٢٩:٨، وبعض المصادر الأخرى، وهي زيادة ثابتة في الأصول الأخرى وبعض المصادر في تراجم الصحابة، كالإصابة. وانظر السيرة الشامية ١٣٨:١٢ لزاماً. (٣) على حاشية ب: ((وقيل بالقاف)) أي قُنافة، كما في ((الإصابة))، وكتبت هذه الفائدة في هـ بين الأسطر. (٤) النَشّ: نصف الأوقية، ويساوي عشرين درهماً، فالأُوقِيَّة: ٤٠ درهماً، وهي عند الحنفية تساوي ١٤٠ غراماً، وعند الجمهور ١٠٠,٨ غراماً. ١٨٧ كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضر بن النَّخَام بن ينحوم(١)، من بني إسرائيل، من ولد هارون بن عمران أخي موسى، تزوجها في سنة سبع، وماتت في رمضان سنة خمسٍ - وقيل: اثنتين - وخمسين. ١٢ - ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية(٢) تزوجها بـ ((سَرِفَ))(٣)، وكان اسمها أيضاً: بَرَّة، فسماها: ميمونة، وماتت سنة إحدى وخمسين. فهؤلاء جملة مَن دخل بهنّ من النساء، وهن اثنتا عشرة امرأة. قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره: وعقد على سبعة ولم يدخل بهنّ (٤) . فالصلاة على أزواجه تابعة له، لاحترامهنّ وتحريمهنّ على الأمة، وأنهن نساؤه في الدينا والآخرة. صلى الله عليه وعلى أزواجه وذريته وسلم تسليماً. والأفصح أن الأزواج جمع زوج، كما في قوله تعالى لآدم: ﴿ُسكُنْ أنت وزوجُك الجنة﴾. والله أعلم. تنبيه: قال أبو بكر بن أبي عاصم(٥): لم تُذكَر أزواجه ◌َّليل وذريته فيما أعلم إلا في هذا الحديث، يعني حديث أبي حميد الماضي. (١) نيحوم: من ب،ج، د، والذي بقلم المصنف في أ، ومثله هـ: نيحوم. والجزم بمثل هذه الدقائق صعب إذا لم يأت نص واضح من معتمد. (٢) على حاشية ب، هـ زيادة في نسب السيدة ميمونة رضي الله عنها: ((ابن حزن ابن البُجَير بن الهُزَم بن رُوَيبة بن عبدالله بن هلال بن عامر بن صعصعة)) . (٣) جاء بعدها في حاشية ب،هـ: ((وكان اسمها أيضاً: برَّة، فسماها ميمونة)). وسَرِف: وادٍ على أبواب مكة من جهة القادم من المدينة، وتوفيت في هذا المكان أيضاً، وقبرها معروف فيه رضي الله عنها. (٤) انظر ((سبل الهدى والرشاد)) ١٢: ١٤٠ فما بعدها. (٥) عقب الحديث التاسع من كتابه، وتقدم هنا ص٧٧. ١٨٨ قلت: وهما أيضاً في حديث أبي هريرة، وزاد ((وأهل بيته)) كما قدمناه، أفاده أبوموسى المديني، وكذا في أثر الحسن الماضي(١)، والله أعلم. (١) حديث أبي هريرة ص ١١٧ ، وأثر الحسن تقدم ص١٢٢ . ١٨٩ الفصل السابع الذُّرِّيّةُ: بضم الذال المعجمة وكسرها، لغتان، حكاهما صاحب ((المُحكم))، والأُولى أفصح وأشهر. قال في ((الصحاح)): هي نسل الثقلين، وقال في ((المشارق)): هم النسل، لكنه يطلق أحياناً على النساء والأطفال، ومنه: ذراريّ المشركين، أي عيالاتهم من نسائهم وأبنائهم، وقال المنذري في ((حواشيه)): نسل الإنسان من ذكر وأنثى، قال في ((الصحاح)): وهي مِن ذَرَأ الله الخلقَ، أي خلقهم، إلا أن العرب تركت همزها. وقال في ((المحكم)): كان ينبغي أن تكون مهموزة فكثرت، فأسقط الهمز. وقال في ((النهاية)): وكأن الذّرءَ مختصّ بخلق الذرية. وقال في ((المشارق)): أصل الذرية بالهمز من الذّرء، وهو الخلق، لأن الله تعالى ذرأهم أي خلقهم. قال ابن دُريد: ذرأ الله الخلق ذراً، وهذا مما تركت العرب الهمز فيه. وقال الزُّبيدي: أصله من النشر، من ذرَّ: أي فرَّق. وقال غيره: أصله من الذّر، فُعْليَّةٌ منه، لأن الله خلقهم أولاً أمثال الذَّر، وهو الثَّمل الصغير، فعلى هذين الوجهين لا أصل له في الهمز. إذا عُلم هذا فالذرية: الأولاد وأولادهم، وهل يَدخل أولاد البنات؟ فمذهب الشافعي ومالك، وهو رواية عن أحمد: أنهم يدخلون، لإجماع المسلمين على دخول أولاد فاطمة في ذريةِ النبي ◌ّ، المطلوبِ لهم من الله الصلاة، وحكى ابن الحاجب من المالكية الاتفاق على دخول ولد البنات، قال: لأن عيسى من ذرية إبراهيم عليهما السلام. انتهى (١). (١) يشير إلى قوله تعالى في سورة الأنعام: آية ٨٣ فما بعدها: ﴿وتلك حجتُنا = ١٩٠ وشاحَحَه الشراح في نقل الاتفاق. ومذهب أبي حنيفة ورواية أخرى عن أحمد: أنهم لا يدخلون، واستثنوا أولادَ فاطمة عليهما السلام، الشرف هذا الأصل العظيم والوالد الكريم الذي لايدانيه أحد من العالمين، صلى الله تعالى وسلَّم عليه وعليهم أجمعين. آتيناها إبراهيم على قومه .. ﴾، ثم قال: ﴿ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، وكذلك نجزي المحسنين. وزكريا ويحيى وعيسى وإلياسَ كلٌّ من الصالحين﴾ وفي عود الضمير في قوله ﴿ومن ذريته﴾ على إبراهيم أو نوح عليهما الصلاة والسلام اختلاف بين المفسرين، لكن من المتفق عليه أن عيسى - عليهم الصلاة والسلام جميعاً - ينتسب إلى أيّ واحد كان منهما بواسطة أمه عليها السلام. الفصل الثامن(١) اختلف في الآل فقيل: أصله (أهل) قُلبت الهاء همزة ثم سُهّلت، ولهذا إذا صُغِّر رُدَّ إلى الأصل، فقالوا: أُهَيْل، وقيل: بل أصله: أَوَلَ من: آل يؤول إذا رجع، سُمِّيَ بذلك مَن يؤول إلى الشخص ويضاف إليه، ويُقَوّيه: أنَّه لايضاف إلا إلى معظَّم، فيقال لحملة القرآن: آل الله، وكذا آل محمد والمؤمنين والصالحين وآل القاضي، ولايقال: آل الحجام وآل الخياط، بخلاف: أهل. ولا يضاف (آل) أيضاً إلى غير العاقل، ولا إلى المضمر عند الأكثر، وجوّزه بعضهم بقلّة وهو الصحيح. وقد ثبت في شعر عبد المطلب قوله في قصة أصحاب الفيل من أبيات : وانصُر على آل الصليـ ـب وعابديه اليومَ آلْ وقد يطلق (آل فلان) على نفسه، وعليه وعلى من يضاف إليه جميعاً، وضابطُه أنه إذا قيل: فَعَل آل فلان كذا، دخل هو فيهم إلا بقرينة، ومن شواهده قوله ◌َ﴿ للحسن بن علي: ((إنا آلَ محمد لاتحلُّ لنا الصدقة))(٢) وإن ذُكِرا معاً فلا، وهو كالفقير والمسكين، وكذا الإيمان والإسلام، والفسوق والعصيان(٣). (١) انظر الفصل الرابع من ((جلاء الأفهام)) ص ١٥٩ فما بعدها، و((فتح الباري)) ١١ : ١٦٠ (٦٣٥٧). (٢) يأتي تخريجه من المصنّف بعد أسطر. (٣) يعني: إذا اجتمع لفظ الفقير والمسكين - مثلاً - في نص واحد افترقا من حيث المعنى، فيطلق الفقير على معنى، والمسكين على غيره، وإذا افترقا، = ١٩٢ واختلف في المراد بـ((آل محمد)) هنا، فالمرجَّح أنهم مَن حَرُمت عليهم الصدقة، وهذا نصَّ عليه الشافعي واختاره الجمهور، ويؤيده قوله(١) وَ ل﴿ في حديث أبي هريرة للحسن بن علي ((إنا آلَ محمد لا تحل لنا الصدقة)) وقوله(٢) في أثناء حديث مرفوع: ((إن هذه الصدقةَ إنما هي أوساخُ الناس، وإنها لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمدٍ)). وقال أحمد: المراد بآل محمد في حديث التشهد: أهل بيته. وعلى هذا فهل يجوز أن يقول: أهل، عِوَض: آل؟ روايتان عندهم. وقيل: المراد بآل محمد: أزواجه وذريته، لأن أكثر طرق الحديث جاء بلفظ ((وآل محمد)»، وجاء في حديث أبي حميد(٣) موضعَه ((وأزواجه وذريته))، فدلّ على أن المراد بالآل: الأزواج والذرية. وتُعقّب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة، كما في حديث أبي هريرة الماضي(٤)، فيحمل على أن بعض الرواة حفظ مالم يحفظه غيره، والمراد بالآل في التشهد: الأزواج ومن حرمت عليهم الصدقة، ويدخل فيهم الذرية، فبذلك يجمع بين الأحاديث. وقد أُطلق على أزواجه وَّل آلُ محمد في حديث عائشة: ((ماشبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثاً ))(٥). وفي حديث أبي هريرة: ((اللهم اجعل بأن ذُكر الفقير في هذا، والمسكين في غيره، اجتمعا، فيدخل المسكين مع = الفقير، كما يدخل الفقير مع المسكين. (١) وضع المصنف رمز ((خ)) فوقه، يريد: رواه البخاري، وهو فيه (١٤٨٥) وثَمَّ أطرافه، بنحو هذا اللفظ . (٢) وضع أيضاً رمز ((م))، يريد: رواه مسلم، وهو فيه ٧٥٤:٢ (١٦٨). (٣) المتقدم ص١٠٤ . (٤) صفحة ١١٧ . (٥) المصنف ينقل عن ((الفتح)) ١٦٠:١١ (٦٣٥٧)، ولم أره بهذا اللفظ، أما نحوه فكثير، انظر ((الترغيب والترهيب)): ١٨٧:٤، و((صحيح مسلم)) = ١٩٣ رزق آل محمد قُوتاً)(١)، وكأن الأزواج أُفردوا بالذكر تنويهاً بهم، وكذا الذرية . وقد روى عبد الرزاق في ((جامعه)) عن الثوري: سمعته وسأله رجل - عن قوله: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) : - مَنْ آلُ محمد؟ فقال: اختلف الناس فيهم، منهم من يقول آل محمد: أهل البيت، ومنهم من يقول: من أطاعه. وقيل: المرادُ بالآل ذريةُ فاطمة خاصةً، حكاه النووي في ((شرح المهذَّب)». وقيل: هم جميع قريش، حكاه ابن الرِّفْعة في ((الكفاية)). وقيل: المراد بالآل جميع الأمةِ أمةِ الإجابة. قال ابن العربي: مال إلى ذلك مالك. واختاره الأزهري(٢)، وحكاه أبو الطيب الطبري عن ٤: ٢٢٨١-٢٢٨٤ (٢٠-٣٣)، و((فتح الباري)) ٢٩١:١١ (٦٤٥٤)، ونسب = كلمة ((مأدوم)) إلى ((صحيح مسلم)) وليست فيه. (١) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) بتحقيقي (٣٥٠٧١)، ورواه عنه مسلم في (صحيحه)) ٢: ٧٣٠ (١٢٦) بهذا اللفظ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه البخاري (٦٤٦٠) كذلك بلفظ: ((اللهم ارزق آل محمد قوتاً)). وهو عند مسلم ٢٢٨١:٤ (١٩). والقوت: قال في ((النهاية)) ١١٩:٤: ((ما يُمسك الرمَق من المطعم))، والرواية الثانية: ((اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً)) والكفاف: ((الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه))، كما في ((النهاية)) أيضاً ٤: ١٩١. وهي في (صحيح مسلم)) ٢٢٨١:٤ (بعد١٩)، وابن حبان (٦.٣٤٣). (٢) من أ، هـ، وهو الصواب، وفي الأصول الأخرى: الزهري، تحريف، وانظر ((الفتح)) ١١: ١٦٠ (٦٣٥٧)، و((جلاء الأفهام)) ص١٦٦، و((شرح مسلم)) للنووي ١٢٤:٤. أما ابن العربي فلم يحكه في ((شرح الترمذي)) ٢٧١:٢ إلا عن مالك. ١٩٤ بعض الشافعية، ورجَّحه النووي في ((شرح مسلم)). وقيّده القاضي حسين والراغب بالأتقياء منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنْ أولياؤُه إلا المتقون﴾ . وفي نوادر أبي العيناء أنه غضَّ من بعض الهاشميين، فقال له: أَتَغُضُّ مني وأنت تصلَّي عليَّ في كل صلاة في قولك: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد؟ فقال: إني أريد الطيبين الطاهرين، ولستَ منهم. أفاده شيخنا(١). قلت: وقد حكى الخطيب، قال: دخل يحيى بن معاذ على علويٍّ ببلخ - أو بالزّي - زائراً له ومسلِّماً عليه، فقال العلويُّ ليحيى: ما تقول فينا أهلَ البيت؟ فقال: ما أقول في طين عُجِن بماء الوحي، وغُرِست فيه شجرة النبوة، وسُقِي بماء الرسالة، فهل يفوح منه إلا مسك الهدى، وعنبر التقى؟! فقال العلويّ ليحيى: إن زُرْتَنَا فبفضلك، وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائراً ومَزوراً. انتهى. قال شيخنا: ويمكن أن يحمل كلام من أطلق على أن المراد بالصلاة الرحمة المطلقة، فلايحتاج إلى تقييد بالأتقياء. وقد استُدل لهم بحديثٍ أنسِ رَفَعه: ((آلُ محمد كل تقيٍّ)) أخرجه الطبراني لكن سنده واهٍ جداً، وأخرج البيهقي عن جابر نحوه من قوله بسند ضعيف . (١) ((الفتح)) ١٦٠:١١ أيضاً. وأبو العيناء هو: محمد بن القاسم بن خلاد البصري (١٩١-٢٨٣)، صاحب طُرف ونوادر وبديهة حاضرة، ومراد الحافظ في قوله ((وفي نوادر أبي العيناء)): وفيما يحكى من نوادر أبي العيناء، لا أنه ينقل عن كتاب اسمه: نوادر أبي العيناء. ١٩٥ وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام: فهو ابن آزَر، واسمه تارَح - بمثناة وراء مفتوحة وآخره حاء مهملة - ابن ناحُور - بنون ومهملة مضمومة - ابن شاروخ - بمعجمة وراء مضمومة وآخره خاء معجمة - ابن راغو - بغين معجمة - ابن فالخ - بفاء ولام مفتوحة بعدها معجمة - ابن عبير ويقال عابر - وهو بمهملة وموحدة - ابن شالخ - بمعجمتين - ابن أرفَخشَذ بن سام بن نوح، لاخلاف في هذا النسب إلا في النطق ببعض هذه الأسماء، وإلا من شذّ. فآله عليه السلام: هم ذريته من إسماعيل وإسحاق، كما جزم به جماعة. وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجر، فهم داخلون لامحالة. ثم المراد: المسلمون منهم، بل المتقون، فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون مَن عداهم. وقد اختلف في إيجاب الصلاة على الآل، ففي تعيينها عند الشافعية والحنابلة روايتان، والمشهور عندهم: لا، وهو قول الجمهور، وادّعى كثير منهم فيه الإجماع، وأكثرُ من أثبت الوجوب من الشافعية نسبوه إلى التُّرْبُجي - بضم التاء المثناة من فوق وإسكان الراء وبعدها باء موحدة(١) ثم جيم-، وفي شرحَي ((المهذب)) و ((الوسيط)) تبعاً لابن الصلاح: القائلُ بوجوب الصلاة على الآل في التشهد الأخير هو التُّرْبُجيُّ، وهو مردود على قائله بإجماع مَن قبله: أن الصلاة على الآل لا تجب. لكن قد نقل البيهقي في ((الشُّعب)) عن أبي إسحاق المَروزي - وهو من كبار الشافعية - قال: أنا أعتقد أن الصلاة على آل النبي وَال واجبة في التشهد الأخير من الصلاة، قال البيهقي: في الأحاديث الثابتة في كيفية (١) عليها ضمة في ب، في الموضعين. ١٩٦ الصلاة على النبي ◌َلل دلالة على صحة ما قال. انتهى. قال شيخنا: وفي كلام الطحاوي في ((مشكله)) مايدلُّ على أن حرملة نقله عن الشافعي. قلت: وقد أنشد المجدُ الشيرازي عن محمد بن يوسف الشافعي قوله : يا أهل بيت رسول الله حبُّكمُ فرض من الله في القرآن أنزلهُ كفاكُمُ من عظيم القدر أنكمُ منْ لم يصلِّ عليكمْ لا صلاةَ لهُ انتھی . وفي الرافعي مانصه: فأما الصلاة فيه - يعني في التشهد الأول - على الآل فينبني على إيجابها في الآخِر، فإن لم نوجبها - وهو الأصح - فلا نستحبُّها . وتعقّبه الزركشي في ((الخادم)) بأن حاصل ماذكره في الصلاة على الآل عدم تصحيح الاستحباب(١)، وقد استشكله في ((التنقيح)) وقال: ينبغي أن يُسَنَّا جميعاً أو لا يسنًا جميعاً، ولا يظهر فرق مع الأحاديث الصحيحة المصرِّحة بالجمع بينهما. وما قاله ظاهر، والله الموفق. وقد اختُلف أيضاً في وجوب الصلاة على إبراهيم ◌َّر، ففي ((البيان)) عن صاحب ((الفروع)) حكاية وجهين في ذلك، كالخلاف في الصلاة على آل النبي ◌ََّ، كما سبقت الإشارة إليه في المقدمة، والله أعلم. تنبيه: إن قال قائل: ما وجه التفرقة بين الصلاة على النبي وَّ وبين الآل في الوجوب مع كونه معطوفاً عليه، إذا كان مستند الوجوب قوله: قولوا كذا، فلمَ أوجبتم البعض دون البعض؟. (١) في أ: تصحيح عدم الاستحباب. ١٩٧ فالجواب عنہ ۔ کما قيل ۔ من وجهين : أحدهما: أن المعتمد في الوجوب إنما هو الأمر الوارد في القرآن بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾، فلم يأمر بالصلاة على آله، وأما تعليمه وَ ل كيفية الصلاة عليه لمّا سألوه فبيَّن لهم المقدار الواجب، وزادهم رتبةَ الكمال على الواجب، وهم إنما سألوه عن الصلاة عليه، وهذا ينبني على الخلاف في جواز حمل الأمر على حقيقته ومجازه، والصحيحُ جوازه، وقد يجيب المسؤول بأكثرَ مما سئل عنه لمصلحةٍ، كما وقع ذلك منه وَ لّ كثيراً، كقوله حين سئل عن التطهُّر بماء البحر، فقال: ((هو الطَّهور ماؤه الحِلُّ مَيْتته)) ولم يكن في سؤالهم ذكرُ ميتة البحر. والوجه الثاني: أن جوابه وَله لمن سأله ورد بزيادات ونقص، وإنما يُحمل على الوجوب ما اتفقت الروايات عليه، إذ لو كان الكل واجباً لما اقتُصر في بعض الأوقات على بعضه، وفي بعض الطرق الصحيحة إسقاطُ الصلاة على الآل، وذلك في ((صحيح البخاري))، في حديث أبي سعيد، لكنه أثبتها في البركة، مع أنهم لم يسألوه عن البركة ولا أُمر بها في الآية. وأيضاً فحديث أبي حميد المتفق عليه ليس فيه الصلاة على الآل ولا فيه البركة أيضاً، إنما قال: ((وعلى أزواجه وذريته))، وبين الذرية والآل عموم وخصوص. فإن قيل: فلمَ اقتصرتم في الوجوب في كيفية الصلاة عليه على لفظ: اللهم صل على محمد، ولم توجبوا بقية كلامه في التشبيه . قلنا: لسقوط التشبيه في بعض أجوبته، وذلك في حديث زيد بن خارجة، كما تقدم، فدلّ على عدم وجوبه. ١٩٨ الفصل التاسع فيه سؤالان أحدهما: لِمَ خُصَّ إبراهيم عليه السلام بالتشبيه دون غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم؟ . والجواب أن ذلك وقع : ١- إما إكراماً له، فقد حكى البغويُّ عن مقاتل في تفسير قوله تعالى: ﴿وآتيناه في الدنيا حسنة﴾ أنها قولُ: كما صليتَ على إبراهيم. ٢ - أو مكافأةً على مافعل، حيث دعا لأمة محمد وَلّ بقوله: ﴿ربنا اغفرْ لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾. ٣- أو لعدم مشاركةٍ غيره من الأنبياء له في ذلك. واختصاصُهما بالصلاة: إما لأنه كان خليلاً ومحمدٌ وَ لِّ حبيباً، أو لأن إبراهيم كان مناديَ الشريعة حيث أمره الله بقوله: ﴿وأذَّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ﴾ ومحمد ◌َلو كان مناديَ الدين، لقوله ﴿ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان﴾ . ٤- أو لأنه سأل الله عزوجل في ذلك، حيثُ رأى الجنة في المنام وعلى أشجارها مكتوبٌ: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وسأل جبريل عن ذلك، فأخبره عن حاله، فقال: ياربِّ أَجْرِ ذكري على لسان أمةٍ محمد ◌ٍّ. أو لقوله: ﴿واجعلْ لي لسانَ صدقٍ في الآخِرِين﴾ . ٥- أو لأنه أفضلُ من بقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ٦- أو لأن الله سمَّاه أباً للمؤمنين في قوله: ﴿ملةَ أبيكم إبراهيم﴾. ٧- أو لأمر النبي ◌ََّ باتِّباعه لاسيما في أركان الحج. ١٩٩ ٨- أو لأنه لما بَنَى البيتَ دعا بقوله: اللهم من حج هذا البيتَ من شيوخ أمة محمد فهبْه مني ومن أهل بيتي، ثم دعا إسماعيلُ للكهول، ثم إسحاقُ للشباب، ثم سارةُ للحرائر من الإناث، ثم هاجرُ للموالي، فلذلك اختُص بذكره هو وأهلُ بیته. قلت: وفي أكثر هذه الأجوبة ما يحتاج إلى صحة النقل، والله الموفق. ثانيهما: قال شيخنا رحمه الله تعالى(١): اشتهر السؤال عن موقع التشبيه في قوله: ((كما صليت على إبراهيم))، مع أن المقرر: أن المشبّه دون المشبّه به، والواقع هنا عكسه لأن محمداً نَّهِ وحدَه أفضلُ من آل إبراهيم، ومن إبراهيم، ولاسيما وقد أضيف إليه آل محمد، وقضية كونه أفضل: أن تكون الصلاة المطلوبة أفضلَ من كل صلاة حصلتْ أو تحصُل لغيره. وأجيب عن ذلك بأجوبة: الأول: أنه قال ذلك قبل أن يَعلَم أنه أفضل من إبراهيم. وقد أخرج مسلم من حديث أنس أن رجلاً قال للنبي وَ له: ياخير البرية، قال: ((ذاك إبراهيم)). أشار إليه ابن العربي(٢)، وأيده: أنه سأل لنفسه التسوية مع إبراهيم، وأمر أمته أن يسألوا له ذلك، فزاده الله تعالى بغير سؤالٍ أنْ فضَّله على إبراهيم. وتُعقب بأنه لو كان كذلك لغيَّر صفة الصلاة عليه بعد أن علم أنه أفضل. (١) ((فتح الباري)) ١١: ١٦١ (٦٣٥٧). وانظر ((جلاء الأفهام)) ص٢١٤ فما بعدها. (٢) على حاشية هـ: ابن السنّ، ولا معنى له، فكلام ابن العربي في ((العارضة)) ٢: ٢٧٠، وأحال على ((القَبَس في شرح موطأ مالك بن أنس))، وهو فيه بأطول وأزيد ١ :٣٥٧ . ٢٠٠ الثاني: أنه قال ذلك تواضعاً، وشَرَع لأمته ذلك ليكتسبوا بذلك الفضيلةَ . الثالث: أن التشبيه إنما هو الأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا للقدْر بالقدر، فهو كقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح﴾، وقوله: ﴿كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم﴾، فإن المختار فيه أن المراد أصلُ الصيام لا وقتُه وعينُه، وهو كقول القائل: أحسِنْ إلى ولدك كما أحسنتَ إلى فلان، ويريد بذلك أصلَ الإحسان لا قدرَه، ومنه قوله تعالى: ﴿وأحسِنْ كما أحسنَ الله إليك﴾ . ورجّح هذا الجوابَ القرطبي في ((المُفهم))، فقولهم: كما صليت على إبراهيم: معناه أنه تقدمت منك الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فنسأل منك الصلاةَ على محمد وعلى آل محمد بطريق الأولى، لأن الذي يثبت للفاضل يثبت للأفضل بطريق الأولى. ومحصَّل هذا الجواب أن التشبيه ليس من باب إلحاق الكامل بالأكمل، بل من باب التهييج(١) ونحوه، أو من بيان حالٍ مالا يُعرف بما يُعرف(٢)، لأنه فيما يُستقبل، والذي يحصل له وَلّ من ذلك أقوى وأكمل. الرابع: أن الكاف للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم﴾، وفي قوله تعالى: ﴿واذكروہ کما هداكم﴾. وقال بعضهم: الكاف على بابها من التشبيه، ثم عَدَل عنه للإعلام بخصوصية المطلوب . الخامس: أن المراد أن يجعله خليلاً كما جعل إبراهيم، وأن يجعل له لسان صدقٍ كما جعل لإبراهيم، مضافاً إلى ماحصل له من المحبة، (١) على حاشية ب: ((في نسخة: الترجيح)). (٢) على حاشية ب أيضاً: ((في نسخة: عُرف)).