النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
وقد قال الحافظ أبو الحجاج المِزّي: سَلامة الكندي هذا ليس
بمعروف، ولم يدرك علياً، كذا قال، والعلم عند الله تعالى.
وهو عند ابن عبد البر من طريق أبي بكر بن أبي شيبة بسندٍ فيه مَن لم
يُعرف بنحوه، وزاد في آخره: اللهم اجعلنا سامعين مطيعين، وأولياءَ
مخلصين، ورفقاء مصاحبين، اللهم أَبْلغه منا السلام، واردد علينا منه
السلام.
قلت: وسيأتي ضبط ما فيه من مشكل في الفصل السادس عشر من
هذا الباب إن شاء الله تعالى(١) .
وعن علي أيضاً رضي الله عنه، في الصلاة على النبي ◌َّ: ﴿إن الله
وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا
تسليماً﴾: لبيك اللهم ربِّي وسَعْدَيك، صلواتُ الله البرِّ الرحيم،
والملائكةِ المقرَّبين، والنبيين والصديقين، والشهداء والصالحين،
وما سبَّح لك من شيء ياربّ العالمين، على محمد بن عبدالله خاتم
النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين،
الشاهدِ البشيرِ، الداعي إليك بإذنك، السراج المنير، وعليه السلام)).
رُوِّيناه من حديثه في ((الشفا)) للقاضي عياض، لكنْ لم أقف على أصله.
ويُروى عنه وَّ - مما لم أقف على إسناده -: ((لا تصلوا عليَّ الصلاةَ
البتراء)) قالوا: وما الصلاةُ البتراء يارسول الله؟ قال: ((تقولون: اللهم
صل على محمد، وتُمْسِكون، بل قولوا: اللهم صل على محمد وعلى
آل محمد» أخرجه أبو سعد في ((شرف المصطفى».
وعنده عن بعضهم قال: رأيت ديناراً النُّوبيَّ بالبصرة في المسجد
الجامع، وهو يقول: سألتُ أنس بن مالك: هل سألتَ النبي ◌َّ: كيف
(١) انظر ص ٢٢١ -٢٢٤.

١٢٢
الصلاةُ عليك تامةً؟ فقال: نعم ((اللهم صل على محمد كما أمرتنا أن
نصلِّيَ عليه، وصلِّ عليه كما ينبغي أن يصلَّى عليه)) ودينارٌ تالف.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان إذا صلى على النبي
صَلى اللّهِ
وَبِّل
قال: اللهم تقبلْ شفاعة محمد الكبرى، وارفعْ درجته العليا، وأعطه
سُؤْلَه في الآخرة والأولى، كما آتيتَ إبراهيم وموسى. رواه عبدُ بن
حميد في (مسنده)) وعبد الرزاق، وإسماعيل القاضي، وإسناده جيد قوي
صحیح.
وعن الحسن - هو البصري - أنه كان إذا صلى على النبي صَلّ يقول:
اللهم اجعلْ صلواتِك وبركاتِك على أحمد، كما جعلتها على إبراهيم،
إنك حميد مجيد. رواه النُّميري.
وفي لفظ له من وجه آخر ((على محمد)) وزاد: السلام عليك أيها
النبي ورحمة الله وبركاته، ومغفرة الله ورضوانه. اللهم اجعل محمداً من
أكرم عبادك عليك، ومن أرفعِهم عندك درجةً، وأعظمِهِم خَطَرًا(١)،
وأمكَنِهِم عندك شفاعة، اللهم أَتْبعه من أمته وذريته ما تَقَرُّ به عينه،
واجْزِه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، واجْزِ الأنبياء كلهم خيراً، وسلام
على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وعنه أيضاً: أنه كان إذا صلى على النبي ◌َّ يقول: اللهم صل على
محمد وعلى آل محمد، وأصحابه وأولاده وأهل بيته وذريته، ومحبيه
وتُباعه وأشياعه، وعلينا معهم أجمعين، يا أرحم الراحمين. رواه
النميري أيضاً.
وعنه أيضاً قال: من أراد أن يشرب بالكأس الأوفى، من حوض
المصطفى، فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آله، وأصحابه
(١) على حاشية ب: ((أي: قدراً ومنزلة)).

١٢٣
وأولاده، وأزواجه وذريته وأهل بيته، وأصهاره وأنصاره وأشياعه
ومحبيه وأمته، وعلينا معهم أجمعين، يا أرحم الراحمين. ذكره القاضي
عياض في ((الشفا)).
وعند النميري وابن بشكُوال من طريق أبي الحسن ابن الكرخي،
صاحبٍ معروفٍ، أنه كان يقول في الصلاة على النبي ◌ُّ: اللهم صل
على محمد ملءَ الدينا وملء الآخرة، وبارك على محمد ملء الدنيا
وملء الآخرة، وارحم محمداً ملء الدنيا وملءَ الآخرة، وسلِّم على
محمد ملء الدنيا وملءَ الآخرة.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما(١)، عن النبي وَ لقر أنه قال: ((اللهم
إني أسألك يا الله، يا رحمنُ، يا رحيم، يا جارَ المستجيرين، يا مأمنَ
الخائفين، يا عمادَ من لا عماد له، يا سند من لا سند له، يا ذخرَ من لا
ذخر له، يا حِرز الضعفاء، يا كنز الفقراء، يا عظيم الرجاء، يا منقذَ
الهلكى، يا منجيَ الغرقى، يا محسنُ، يا مُجْمِلُ، يا منعِم، يا مفضِل،
يا عزيز، يا جبار، يا منير، أنت الذي سجدَ لك سواد الليل، وضوء
النهار، وشُعاع الشمس، وحَفيف الشجر، ودويُّ الماء، ونور القمر،
يا الله أنت الله لا شريك له، أسألك أن تصلِّي على محمد عبدك
ورسولك، وعلى آل محمد».
وعن واثلةَ بنِ الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لاه - لما
جمع فاطمةً وعلياً والحسن والحسين تحت ثوبه -: ((اللهم قد جعلتَ
(١) سيعزوه المصنف إلى ((مسند الفردوس)) للديلمي، والذي في ((الفردوس)) (١٨٣١)
من طبعة دار الكتب العلمية، و(١٨٣٧) من طبعة دار الكتاب العربي أنه من
حديث أبي هريرة، لكنه نقل في المطبوعة الثانية للفردوس تعليقاً عن ((تسديد
القوس)) لابن حجر قوله: ((أسنده عن ابن عباس. وفي الباب عن أبي هريرة)).
أما حديث واثلة: فينظر.

١٢٤
صلواتِك ورحمتَك ومغفرتَك ورضوانَك على إبراهيم وآل إبراهيم،
اللهم إنهم مني وأنا منهم، فاجعل صلواتِك ورحمتَك ومغفرتَك
ورضوانَك عليَّ وعليهم)) قال واثلة: وكنت واقفاً على الباب، فقلت:
وعليَّ يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، فقال: ((اللهم وعلى واثلة))
أخرجهما الديلمي في ((مسنده)) وهما ضعيفان.
وثانيهما عند ابن جرير في ((تفسيره)) لا على هذا السياق، وإنما هو
في لفِّ النبي ◌َّ علياً وفاطمة والحسن والحسين في كسائه، وتلاوةٍ
قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرِّجسَ أهلَ البيت﴾ الآية.
قال واثلة: فقلت: وأنا يارسول الله من أهلك، صلى الله عليك، قال:
((وأنت من أهلي)). قال واثلة: إنها من أرجى ما أرتجي.
وفي لفظ آخر عنده: فوالله إنها لأوثقُ عمل عندي. وهو حديث
ضعيف .
ويروى عن أبي الحسن البكري وأبي عمارة بن زيد المدني ومحمد
ابن إسحاق المطّلبي، قالوا: بينما رسولُ الله ◌َ﴿ في المسجد إذا برجل
ملثَم بلثام، فأسفر عن لِثامه وأفصح عن كلامه، وقال: السلام عليكم
ياأهل العزِّ الشامخ، والكرم الباذخ(١)، فأجلسه النبي ◌ِّر بينه وبين أبي
بكر، فنظر أبو بكر إلى الأعرابي، وقال: يارسول الله! أتجلسُه بيني
وبينك ولا أعلم على الأرض أحبَّ إليك مني؟ فقال له: ((إن الأعرابي
أخبرني عنه جبريل عليه السلام أنه يصلِّي عليَّ صلاة لم يصلِّها عليَّ أحدٌ
قبله)) فقال: يارسول الله، كيف يصلي عليك حتى أصليَ عليك مثلَه،
فقال النبي ◌َله: ((يا أبا بكر إنه يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل
محمد، في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين)) فقال:
(١) على حاشية ب، د، هـ: ((هو بالذال المعجمة، قال في ((الصحاح)): وشرف باذخ:
أي عالٍ».

١٢٥
يارسول الله، فما ثوابُ هذه الصلاة؟ قال: ((يا أبا بكر لقد سألتني عما لا
أقدر أن أُحصيه، فلو كانت البحار مداداً، والأشجار أقلاماً، والملائكةُ
كُتَاباً يكتبون لَفِيَ المداد وتكسَّرت الأقلام ولم تَبلُغ الملائكة ثواب هذه
الصلاة)) رواه أبو الفرج(١) في ((كتاب المطرب)) وهو منكر، بل موضوع.
وفي ((الشفا)) لابن سَبُع، و((شرف المصطفى)) - مما لم أقف على
سنده - أن النبي ◌َّ كان لا يُجْلِس بينه وبين أبي بكر أحداً، فجاء رجلٌ
يوماً فأجلسه عليه الصلاة والسلام بينهما، فعجب الصحابة من ذلك،
فلما خرج، قال النبي ◌َّ: ((هذا يقول في صلاته عليَّ: اللهم صل على
محمد کما تحبُّ وترضی له)) أو نحو هذا.
قلت: وعلى تقدير ثبوت هذا، فلعله ◌َّ أراد تأليفَ قلبٍ ذلك
الرجل واستمرارَه على الإسلام، واستقامةَ أمره، أو ترغيبَ الحاضرين
في الصلاة عليه بتلك الكيفية، أو غيرَ ذلك مما لا يستلزم أن غير أبي بكر
رضي الله عنه أقربُ منه ولا أحبُّ، ولله الفضل.
وروى ابن أبي عاصم في بعض تصانيفه بسند لم أقف عليه عن .. (٢)
مرفوعاً: ((من قال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، صلاة تكون
لك رضاءً، ولحقُّهِ أداء، وأعطِه الوسيلة والمقامَ الذي وعدتَه، وأجزِه
عنا ماهو أهله، وأجزِه عنا مِن أفضل ماجزيتَ نبياً عن أمته، وصلِّ على
جميع إخوانه من النبيين والصالحين يا أرحم الراحمين، من قالها في
سبع جُمَع، في كل جمعة سبع مرات، وجبتْ له شفاعتي)).
وعن أبي محمد عبدالله المَوْصِلي المعروف بابن المشتهر(٣) - وكان
فاضلاً - أنه قال: من أحبّ أن يحمَد الله تعالى بأفضلٍ ماحمِده أحدٌ من
(١) ابن الجوزي رحمه الله، كما في ((تذكرة الحفاظ)) ١٣٤٣:٤.
(٢)
بياض في الأصول كلها.
(٣) في كتاب النميري ((الإعلام)) ٣٣/ب: ابن المُشَقر، لكن النسخة غير معتمدة.

١٢٦
خلقه من الأولين والآخرين والملائكة المقرَّبين، وأهل السموات
والأرضين، ويصلِّيَ على محمد ◌ّ أفضل ماصلى عليه أحد ممن ذكره
غيره، ويسألَ الله أفضلَ ماسأله أحد من خلقه، فليقل: اللهم لك الحمد
كما أنت أهله، فصلِّ على محمد كما أنت أهله، وافعلْ بنا ما أنت أهله،
فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة. أخرجه النميري.
٣ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَل: ((إذا
صليتم عليَّ فأحسِنوا الصلاة، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يُعرَض عليَّ.
قولوا: اللهم اجعل صلواتِك ورحمتَك وبركاتِك على سيد المرسلين،
وإمام المتقين، وخاتم النبيين، عبدك ورسولك، إمام الخير، وقائد
الخيرَ، ورسولِ الرحمة، اللهم ابعثه المقام المحمودَ يغَبِطه به الأولون
والآخرون)). أخرجه الديلمي في ((مسند الفردوس)) له هكذا، ورواه ابن
أبي عاصم كما تقدم في حديث التشهد(١).
قلت: وقد قال أبو موسى المَديني في ((الترغيب والترهيب)) له: هذا
حديث مختلف في إسناده. انتهى. والمعروف أنه موقوف، كذلك
أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) والطبري في ((تهذيبه)) وعبدٌ في ((مسنده))
والبيهقي في ((الدعوات)) و ((الشُّعَب))، والمَعْمَري في ((اليوم والليلة))
والدارقطني في ((الأفراد)) وتمَّامٌ في ((فوائده)) وابن بشكُوال في ((القُربة))
وفي آخره: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على
إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى
آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد
مجید)) .
وإسناد الموقوف حسن، بل قال الشيخ علاء الدين مُغْلَطاي: إنه
(١) ص ١٠٦ .

١٢٧
صحيح، لكن قد تَعقَّب بعض المتأخرين على المنذري حيث حسَّنه بما
حاصله: كيف يكون حسناً وفي إسناده المسعودي؟!، وقد قال ابن
حبان: إنه اختلط بآخِرِه ولم يتميز حديثه الأول من الآخِر، فاستحقَّ
الترك(١).
وعند عبد الرزاق من طريق مجاهد رفعه مرسلاً: ((إنكم تُعرَضون عليَّ
بأسمائكم وسِيماكم، فأحسِنوا الصلاة عليَّ)) أخرجه النميري من طريقه.
ويُروى عن زين العابدين علي بن الحسين - مما لم أقف على سنده -
أنه كان إذا صلى على جدّه وَّل يقول - والناس يسمعونه -: اللهم صلِّ
(١) المسعودي: هو عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود، وهو
صدوق، لكن طرأ عليه الاختلاط. وقد رَوَى عنه هذا الحديث موقوفاً جماعة
منهم: ١ - زياد بن عبدالله البَكّائي الكوفي، عند ابن ماجه (٩٠٦). ٢ - وزيد بن
الحباب الكوفي، عند البيهقي في ((الشعب)) (١٤٥٣). ٣ - وأبو نعيم الفضل بن
دكين الكوفي. ٤ - وعبدالله بن رجاء الغُدَاني البصري، وحديثهما عند الطبراني
في ((الكبير)) ٩ (٨٥٩٤). ٥ - وأبو سعيد مولى بني هاشم البصري، عند أبي يعلى
(٥٢٦٧). ٦ - وعاصم بن علي الواسطي، وحديثه عند إسماعيل القاضي (٦١)،
وأبي نعيم في ((الحلية)) ٢٧١:٤. ٧ - ورواه النميري ٣١/ ب من طريق الدارقطني
عن الأعمش - وهو كوفي - عن المسعودي. والضابط في حديث المسعودي أن
من سمع منه ببغداد فسماعه ضعيف لأنه بعد اختلاطه، ومن سمع منه بالكوفة
والبصرة فسماعه منه صحيح قبل الاختلاط، وليس في هؤلاء السبعة بغدادي، هذا
ضابط إجمالي.
ونصّوا على سبيل الخصوص أن سماع أبي نعيم الفضل بن دكين وعبدالله بن رجاء
إنما كان قبل الاختلاط.
فمن حسّن الحديث فقد أصاب، ومن صححه - لغيره - فقد أصاب، ومن ضعفه
وقَصَر نظره على إسناد ابن ماجه فقد قصّر، ومن ضعفه مطلقاً فقد أخطأ، ونعوذ
بالله من تقليد الأغرار للمتهوّرين ! .
والتعلُّق بما في زياد البكائي من لينٍ في حديثه: مردود بهذه المتابعات.
هذا، وليس في ((منتخب مسند عبد بن حميد)) مسندٌ لعبدالله بن مسعود، كما ينظر
((ترتيب مسند تمّام)) أيضاً؟ .

١٢٨
على محمد في الأولين، وصلِّ على محمد في الآخِرِين، وصل على
محمد إلى يوم الدين، اللهم صل على محمد شاباً فتياً، وصل على
محمد كهلاً مَرضياً، وصل على محمد رسولاً نبياً، اللهم صل على
محمد حتى ترضى، وصل على محمد بعد الرضا، وصل على محمد
أبداً أبداً، اللهم صل على محمد كما أمرتَ بالصلاة عليه، وصل على
محمد كما تحبُّ أن يصلى عليه، وصل على محمد كما أردتَ أن يصلَّى
عليه، اللهم صل على محمد عددَ خلقك، وصل على محمد رضا
نفسك، وصل على محمد زِنَةَ عرشك، وصل على محمد مدادَ كلماتك
التي لا تنفد.
اللهم وأَعطِ محمداً الوسيلة والفضل والفضيلة والدرجة الرفيعة،
اللهم عظّم برهانه، وأَفْلِجْ حجَّته(١)، وأبلغْه مأموله في أهل بيته وأمته،
اللهم اجعلْ صلواتِك وبركاتِك ورأفتَك ورحمتَك على محمد حبيبك
وصفيّك، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، اللهم صل على محمد
بأفضلِ ماصليت على أحدٍ من خلقك، وبارك على محمد مثل ذلك،
وارحم محمداً مثل ذلك، اللهم صل على محمد في الليل إذا يغشى،
وصلِّ على محمد في النهار إذا تجلّى، وصل على محمد في الآخرة
والأولى، اللهم صل على محمد الصلاة التامة، وبارك على محمد
البركة التامة، وسلّم على محمد السلام التام.
اللهم صل على محمد إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة، اللهم
صل على محمد أبدَ الآبدين ودهرَ الداهرين، اللهم صل على محمد
النبي الأميّ العربي القرشي الهاشمي الأبطحي التِّهامي المكي، صاحب
التاج والهِراوة، والجهاد والمغنم، صاحب الخير والمَيْر(٢)، صاحب
(١) أي: أظهر حجته.
(٢) المَيْر: جلب القوت والطعام.

١٢٩
السرايا والعطايا، والآيات المعجزات، والعلامات الباهرات، والمقام
المشهود، والحوض المورود، والشفاعة والسجود للربِّ المحمود،
اللهم صل على محمد بعددٍ مَن صلى عليه، وصل على محمد بعدد من
لم يصلّ علیه.
ورُوِّينا عن الطبراني في ((الدعاء)) له (١)، أنه رأى النبي ◌َّ في المنام،
في صفته التي اتصلتْ بنا، فقال له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته يارسول الله، قد ألهمني الله تعالى كلماتٍ أقولهن، قال: وما
هن؟ قال: اللهم لك الحمدُ بعدد من حمِدَك، ولك الحمد بعدد من لم
يحمَدك، ولك الحمد كما تحبُّ أن تحمد. اللهم صل على محمد بعدد
من صلى عليه، وصلِّ على محمد بعدد من لم يصلِّ عليه، وصلِّ على
محمد کما تحبُّ أن يصلى عليه. فتبسم رسول الله {قلڑ حتى بدت ثناياه،
ورئي النور يخرج من التفليج الذي بين ثناياه، في منام طويل اقتصرت
على المراد منه هنا.
وذكر الفاكهاني أنه أَلْهِم كيفيةً ذكرها وهي: اللهم صل على سيدنا
محمد الذي أشرقت بنوره الظُّلَم، اللهم صل على سيدنا محمد المبعوث
رحمة لكل الأمم، اللهم صل على سيدنا محمد المختار للسيادة
والرسالة قبل خلق اللوح والقلم، اللهم صل على سيدنا محمد
الموصوف بأفضل الأخلاق والشِّيَم، اللهم صل على سيدنا محمد
المخصوص بخصائص العلم وجوامع الكَلِم، وخواصّ الحِكَم، اللهم
صل على سيدنا محمد الذي كان لا تُنْتَهَك في مجالسه الحُرَم، ولا
يُغْضي عمَّن ظلم، اللهم صل على سيدنا محمد الذي كان إذا مشى
تظلله الغمامة حيث مايَمَّم، اللهم صل على سيدنا محمد الذي انشق له
القمر وكلَّمه الحجر وأقرَّ برسالته وصَمَّم، اللهم صل على سيدنا محمد
(١) ينظر المطبوع؟.

١٣٠
الذي أثنى عليه ربُّ العزة نصاً في سالف القِدَم، اللهم صل على سيدنا
محمد الذي صلى عليه ربنا في محكم كتابه وأمر أن يصلَّى عليه ويسلّم،
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه ما انْهَلَّت الدِّيَم، وماجُرَّت
على المذنبين أذيال الكَرَم، وسلَّم تسليماً وشرّف وكرّم. انتهى.
قال: وكتبها جماعة وحفظوها، ثم أخبرت بعد ذلك أن بعض الطلبة
المباركين من أصحابنا المالكية رأى في المنام أنه يصلي بها على منبر
رسول الله الية . والحمد لله.
قلت: وسيأتي في الباب الأخير كيفيات أُخَر من الصلاة على سيد
المرسلين وحبيب رب العالمين.
ثم وقفت على كيفية أخرى أفاد بعض المعتمدين من شيوخنا أن لها
قصةً تفيد أن كل مرة منها بعشرة آلاف صلاة، إلا أنه لم يبين القصة
المذكورة. وصفتها: اللهم صل على سيدنا محمد السابق للخلق نورُه،
والرحمة للعالمين ظهورُه، عددَ من مضى من خلقك ومن بقي، ومن
سَعِد منهم ومن شَقِي، صلاة تستغرق العدَّ، وتحيط بالحدِّ، صلاة لا
غاية لها ولا انتهاء، ولا أمد لها ولا انقضاء، صلاة دائمة بدوامك،
وعلى آله وصحبه كذلك، والحمد لله على ذلك.
٤ - وذكر الرشيد العطار، وأسنده التيمي في ((ترغيبه)) وأبو اليمن ابن
عساكر من جهته، إلى سعد الزَّنْجاني، قال: كان عندنا بمصر شخص
زاهد يسمى أبا سعيد الخياط، وكان لا يختلط بالناس ولا يحضر
المجالس، ثم إنه داوم على حضور مجلس ابن رَشِيق(١)، فتعجب
الناس، فسألوه، فقال: رأيت النبي ◌ّ في المنام فقال: احضُر مجلسه،
(١) ضُبط في ب هنا وفيما سيأتي ص ٤٦٨ بفتح الراء وكسر الشين، وضُبط في
(طبقات)) السبكي ١: ١٨٠: رُشَيِّق، مصغراً مشدّداً، اعتماداً على ((مشتبه النسبة)
للذهبي ص٣١٧، وفيه نظر.

١٣١
فإنه يكثر فيه الصلاة عليَّ، صلى الله عليه وسلم.
٥ - وروى أبو القاسم التيمي في ((الترغيب)) له، من طريق علي بن
الحسين بن علي قال: علامةُ أهل السنة: كثرةُ الصلاة على رسول الله
صلی الله عليه وسلم.
٦ - قلت: وصلاة الملائكة عليه وسلّر على الدوام، وتقدم في الكلام
على آية الباب من المقدمة(١).
٧ - وذكر ابن الجوزي في كتابه ((سلوة الأحزان)) قصة طويلة لم أقف
عليها مسندةً في تزويج أبينا آدم عليه الصلاة والسلام بحواء، وأنه لما
رام القربَ منها طلبت منه المهر، فقال: يارب! ماذا أعطيها؟ قال:
ياآدم! صلِّ على صفيّي محمد بن عبد الله عشرين مرة، ففعل. صلى الله
وسلم عليهما وعلى سائر الأنبياء والمرسلين(٢).
٨ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه: ((بكاء الصبي إلى شهرين:
شهادة أن لا إله إلا الله، وإلى أربعة أشهر: الثقة بالله، وإلى ثمانية
أشهر: الصلاة على النبي وَله، ولسنتين: استغفار لوالديه، فإذا استقى
أَنبعَ الله له من ضرع أمه عيناً من الجنة فيشرب، فتجزئه من الطعام
والشراب)). أخرجه الديلمي بسند ضعيف(٣).
وهو عند أبي إسحاق المستملي في ((طبقات البلخيين)) بلفظ: ((بكاء
الصبي إلى شهرين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإلى
أربعة أشهر: اليقين بالله، وإلى ثمانية أشهر: الصلاة عليّ، وإلى
(١) انظر ص ٨٥.
(٢) على حاشية ب مانصه: ((الحمد لله. بلغ سيدنا الشيخي القدوتي المرشدي
المسلِّكي الإمام الزيني أبي بكر الحلبي نفعنا الله ببركاته، سماعاً من لفظي، من
أوله إلى هنا في المجلس الأول وعرضاً. كتبه مؤلفه)).
(٣) جداً، انظر ((اللالىء المصنوعة)) ٩٩:١، و((تنزيه الشريعة)) ١: ١٧١.

١٣٢
سنتين: استغفار للوالدين، وكلما استسقى شربةً من الوالدة أنبع الله في
صدرها عيناً من الجنة، فتخرج إلى ثدييها من بين فَرْثٍ ودمٍ فيشرب)).
وفي لفظ لغيره: ((لا تضربوا أطفالكم على بكائهم سنةً، فإن أربعة
أشهر منها: يشهد أن لا إله إلا الله، وأربعة أشهر يصلي عليّ، وأربعة
أشهر يدعو لوالدیه)).
وفي آخر: ((بكاء الصبي في المهد أربعةَ أشهر: توحيد، وأربعةَ
أشهر: صلاة على نبيكم، وأربعة أشهر: استغفار لأبويه)).
٩ - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله :
((إذا صليتم على المرسلين فصلُّوا عليَّ معهم، فإني رسول من المرسلين))
أخرجه الديلمي في ((مسند الفردوس)) له، وأبويعلى الصابوني في
((فوائده)) في حديثٍ، كما سيأتي في الباب الثاني(١).
وقيل: عن أنس، عن أبي طلحة، رواه ابن أبي عاصم في كتابه، كما
هنا، وبلفظٍ آخر: ((إذا سلَّمتم عليَّ فسلِّموا على المرسلين)). وذكر
المجد اللغوي أن إسناده صحيح محتج برجاله في الصحيحين، فالله
أعلم(٢) .
ورواه أبو نعيم في الأحمدين من «تاريخ أصبهان» من طريق أبي
العوام، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَالية :
((إذا سلَّمتم عليّ فسلِّموا على المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين))
وقال بعده: قال أبو العوام: وكان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هؤلاء
الآيات: ﴿سبحان ربك ربِّ العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين.
(١) ص ٢٤٥.
(٢) ابن أبي عاصم (٧٠)، ورجاله كما قال، إلا شيخ ابن أبي عاصم، وهو محمد بن
عبدالرحيم المعروف بلقبه صاعقة، فإنه من رجال البخاري، وفيه أيضاً عنعنة
قتادة .

١٣٣
والحمد لله رب العالمين﴾.
وعن قتادة، عن النبي وَلّ أنه قال: ((إذا صلَّيتم على المرسلين فصلُّوا
عليّ معهم، فإني رسول من المرسلين)) رواه ابن أبي عاصم(١)، وإسناده
حسن جيد، لكنه مرسل.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله وَ لي قال: ((صلوا على
أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني)) صلى الله عليهم وسلم
تسليماً. أخرجه العَدَني وأحمد بن منيع والطبراني وإسماعيل القاضي،
ورُؤِّيناه في ((فوائد العيسوي)) و((الترغيب)) للتيمي، وفي سنده موسى بن
عُبیدة، وهو وإن كان ضعيفاً فحديثه يُستأنسُ به(٢) .
قلت: والراوي عنه عمر بن هارون أيضاً ضعيف(٣)، لكن قد رواه
عبد الرزاق من طريق الثوري، عن موسى، ولفظه مرفوعاً: ((إذا قال
الرجل لأخيه: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء)) قال: وقال رسول الله
وَله: ((صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني)).
ومن حديث الثوري رُوِّيناه في ((أول حديث علي بن حرب)) عن أبي
داود، عنه، ورواه أبوالقاسم التيمي في ((ترغيبه)) من طريق وكيع، وأبو
اليمن ابن عساكر من طريق المُعافَى بن عمران، كلاهما عن موسى
أيضاً.
وروينا في ((رابع المُخَلِّصِيَّات)) من طريق عمرو بن ميمون، عن
عبد الله - هو ابن مسعود - رضي الله عنه قال: رأيت الشجرة التي نُودي
(١) برقم (٦٩) لكن من طريق قتادة، عن أنس مرفوعاً، فهو متصل لا مرسل.
(٢) هذه عبارة ابن القيم رحمه الله في ((جلاء الأفهام)) ص ٣٥٠، وكذلك هو حال
موسى بن عبيدة إلا فيما يرويه عن عبدالله بن دينار، فيكون ضعيفاً جداً، فيستغرب
قول المصنف الآتي ص ٢٣٨ عن موسى هذا: ضعيف جداً.
(٣) بل أشدُّ ضعفاً، هو متروك.

١٣٤
منها موسى عليه السلام، فذُكِرت لي، فإذا هي شجرةُ سَمُرٍ خضراءُ،
فسلّمت على موسى وصليت على محمد صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَاليوم: ((إذا
صليتم عليّ فصلوا على أنبياء الله، فإن الله بعثني كما بعثهم)) أخرجه
الطبراني، وفي سنده موسى أيضاً.
وعن علي رضي الله عنه، في حديث الدعاء لحفظ القرآن ففيه:
((وصلِّ عليّ وعلى سائر النبيين)) أخرجه الترمذي والحاكم، وسيأتي في
الباب الأخير إن شاء الله تعالى(١).
وعن بريدة رضي الله عنه مرفوعاً: ((لا تتركنَّ في التشهد الصلاةَ عليّ
وعلى أنبياء الله عز وجل)) أخرجه البيهقي بسند واهٍ، وسيأتي هناك
أيضاً(٢).
وقال الحافظ أبوموسى المَديني: وبلغني بإسناد عن بعض السلف أنه
رأى آدم عليه السلام في المنام كأنه يشكو قلة صلاة بنيه عليه، صلَّى الله
عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلَّم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما أعلم الصلاة تنبغي على أحد
من أحد إلا على النبي بَّر ، ولكن يُدعى للمسلمين والمسلمات
بالاستغفار. أخرجه ابن أبي شيبة وإسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن))
و ((الصلاة النبوية)) له، والطبراني والبيهقي وسعيد بن منصور وعبد
الرزاق بلفظ: لا تنبغي الصلاة من أحد على أحد إلا على النبي وَلؤل،
ورجاله رجال الصحيح، ولفظ إسماعيل: لا تصلح الصلاة على أحد إلا
على النبي وتقديم، ولكن للمسلمين والمسلمات الاستغفار.
(١) انظر ص ٤٥٠ -٤٥١.
(٢) صفحة ٣٥٠- ٣٥١.

١٣٥
ورويناه في ((الأول من أمالي الهاشمي)) بلفظ: لا ينبغي أن يصلَّى
على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم.
١٠ - وقال سفيان الثوري: يكره أن يصلَّى على غير النبي وَّل .
أخرجه البيهقي.
وفي رواية أخرجها هو وعبد الرزاق أيضاً: يكره أن يصلَّى إلا على
نبي .
وجاء عن عمر بن عبد العزيز فيما رويناه في ((فضل الصلاة))
الإسماعيل القاضي و((أحكام القرآن)) له، من طريق أبي بكر بن أبي
شيبة(١) بإسناد حسن أو صحيح، أن عمر كتب: أما بعد، فإن ناساً من
الناس قد التمسوا عمل الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناساً من القُصّاص قد
أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عِدْلَ صلاتهم على النبي ◌َّ-،
فإذا جاءك كتابي فمُؤْهم أن تكون صلاتهم على النبيين خاصة، ودعاؤهم
للمسلمين عامة، ويَدعوا ماسوى ذلك.
قلت: وقد قال عياض في هذه المسألة - أعني هل يصلَّى على غير
الأنبياء -: عامةُ أهل العلم على الجواز. ووجدت بخط بعض شيوخي:
مذهب مالك لا يجوز أن يصلَّى إلا على محمد، وهذا غير معروف عن
مالك، وإنما قال: أكره الصلاةَ على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا أن
نتعدّی ما أُمرنا به، وخالفه یحیی بن یحیی فقال: لا بأس به، واحتج بأن
الصلاة دعاء بالرحمة، فلا تُمنع إلا بنص أو إجماع. قال عياض: والذي
أميلُ إليه قولُ مالك وسفيان، وهو قول المحققين من المتكلمين
والفقهاء، قالوا: يُذكر غير الأنبياء بالرضا والغفران، والصلاةُ على غير
الأنبياء - يعني استقلالاً - لم تكن من الأمر المعروف، وإنما أُحدثت في
(١) في ((مصنفه)) (٣٥٧٩٢) بتحقيقي.

١٣٦
دولة بني هاشم. انتهى.
وما حُكي عن مالك من أنه لا يصلَّى على غيره من الأنبياء: أَوَّلَه
أصحابُه بمعنى: أنَّا لا نُتَعَبَّد بالصلاة على غيره من الأنبياء، كما تُعُبِّدنا
بالصلاة عليه قتله . .
إذا عُرِف هذا: فقد قال شيخنا: إنه لايَعرِف في الصلاة على الملائكة
حديثاً نصاً، وإنما يؤخذ ذلك من الذي قبله، يعني: ((صلّوا على أنبياء
الله ورسله)) إن ثبت، لأن الله تعالی سمّاهم رسلاً.
نعم، قد اختلف في الصلاة على المؤمنين، فقيل: لاتجوز إلا على
النبي وُّل خاصة. حُكي عن الإمام مالك كما تقدم.
وقالت طائفة: لا تجوز مطلقاً استقلالاً وتجوز تَبَعاً، فيما ورد به
النص وأُلحق به، لقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء
بعضكم بعضاً﴾، ولأنه لما علَّمهم السلام قال: ((السلام علينا وعلى
عباد الله الصالحين)) ولما علَّمهم الصلاة قَصَر ذلك عليه وعلى أهل بيته.
وهذا القول اختاره القرطبي في ((المفهم)) وأبو المعالي من الحنابلة،
وهو اختيار ابن تيمية من المتأخرين، فحيئذ لا يقال: قال أبو بكر صلى
الله عليه، وإن كان معناه صحيحاً، ويقال: صلى الله على النبي وعلى
صدِّيقه أو خليفته، ونحوُ ذلك، وقريبٌ من هذا: أنه لا يقال: قال
محمد عز وجل، وإن كان معناه صحيحاً، لأن هذا الثناء صار شعاراً لله
سبحانه، فلا يُشاركه غيره فيه .
وقالت طائفة: يكره استقلالاً لا تَبعاً، وهي رواية عن أحمد، وقال
النووي: هو خلاف الأولى.
وقالت طائفة: يجوز تبعاً مطلقاً، ولا يجوز استقلالاً، وهذا قول أبي
حنيفة وجماعة .
قال أبو اليمن ابن عساكر: والصلاة اسمٌ لمسمَّياتٍ شتى، والمراد بها

١٣٧
هنا الرحمة، وقد صار هذا الاسم شعاراً للتعظيم والتوقير لرسول الله وَله،
فإذن لا يطلقُ على غيره إلا على سبيل التبعية، كما في هذا الموضع.
وقال بعد هذا أيضاً: وقد اختُصّ الأنبياء صلى الله على جميعهم وسلم
بهذه الصلاة يوقّرون بها ويعزَّرون، كما اختُّص الله سبحانه عند ذكره
بالتنزيه والتقديس وغير ذلك من أنواع التمجيد سبحانه وبحمده، فينبغي
أن لا يَشْرَكهم فيه غيرهم. هذا مذهب أهل التحقيق، وما ورد من الصلاة
على الآل والأزواج والذرية فعلى الإضافة والتبعية. انتهى.
وقالت طائفة: يجوز مطلقاً، وهو مقتضى صنيع البخاري حيث صدَّر
بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿وصلِّ عليهم﴾ ثم علَّق الحديث الدال على
الجواز مطلقاً، وعقَّبه بالحديث الدالّ على الجواز تبعاً، وذلك لمّا
ترجم: باب هل يصلَّى على غير النبيِ وَّر، أي استقلالاً أو تبعاً، فدخل
في الغير: الأنبياءُ والملائكة والمؤمنون، قاله شيخنا، وأشار بالحديث
الدالِّ على الجواز إلى حديث عبد الله بن أبي أوفى في قوله بَّ: ((اللهم
صلِّ على آل أبي أوفى))، فسأل الله عز وجل أن يبارك لهم في أموالهم
التي زكَّوها ويُخلِف عليهم ما أخرجوه منها، ويرحمهم ويَجزيهم على
الزكاة التي بذلوها (١).
وقد وقع مثله عن قيس بن سعد بن عُبادة، أن النبي ◌َّ رفع يديه وهو
يقول: ((اللهم اجعل صلواتِك ورحمتَك على آل سعد بن عبادة)) أخرجه
أبو داود والنسائي، وسنده جيد.
وفي حديث جابر: أن امرأةً(٢) قالت للنبيِ وَّ: صلِّ عليّ وعلى
زوجي ففعل، أخرجه أحمد مطولاً ومختصراً، وصححه ابن حبان.
(١) في ب فقط: يزكوها، وهو تحريف وخطأ نحوي.
(٢) هكذا في الأصول، وهذا لفظ ابن حبان (٩١٨)، والمعروف: أنها امرأة جابر،
كما جاء في رواية أحمد ٣٩٨:٣ وغيره، والقصة طويلة.

١٣٨
ورؤِّينا في ((فوائد الخِلَعي)) من حديث ابن يُخَامِرِ السَّكْسكي معضَلاً،
أن رسول الله وَلّ قال: ((اللهم صل على أبي بكر فإنه يحبُّك ويحبُّ
رسولك، اللهم صل على عمر فإنه يحبك ويحب رسولك، اللهم صل
على عثمان فإنه يحبك ويحب رسولك، اللهم صل على عليّ فإنه يحبك
ويحب رسولك، اللهم صل على أبي عبيدة بن الجراح فإنه يحبك
ويحب رسولك، اللهم صل على عمرو بن العاص فإنه يحبك ويحب
رسولك)».
وهذا القول جاء عن الحسن ومجاهد، ونص عليه أحمد في رواية
أبي داود، وبه قال إسحاق وأبوثور وداود والطبري. واحتجوا بقوله
تعالى: ﴿هو الذي يصلي علیکم وملائكته﴾ .
وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إن الملائكة
لتقول لروح المؤمن: صلى الله عليكَ وعلى جسدك))(١).
وقال الأعشى يخاطب ابنته(٢):
ياربِّ جنِّبْ أبي الأوصاب والوَجَعا
تقول بنتي وقد قَرَّبْتُ مُرتحَلاً
نوماً، فإن لجنبِ المرءِ مضطَجعاً
عليكِ مثل الذي صليتِ فاغتمضي
والمراد بالصلاة هنا: الدعاء.
وفي ((الشفا)) قال: وروى ابن وهب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه
قال: كنا ندعو لأصحابنا بالغيب، فنقول: اللهم اجعل منك على فلان
صلواتٍ قومٍ أبرار، الذين يقومون بالليل ويصومون بالنهار.
(١) ليس في صحيح مسلم، وينظر غيره أيضاً؟ وتابعه ابن حجر الهيتمي في ((الدر
المنضود» ص٧٠ فنسبه إلى مسلم.
(٢) في ((ديوانه)) ص١٠١ القصيدة الثالثة عشرة، وكلمة ((نوماً)) في البيت الثاني هي في
الأصول الخمسة: عيناً، وأثبتُ مافي الديوان.

١٣٩
وأجاب المانعون عن ذلك كلِّه بأن ذلك صدر من الله ورسوله، ولهما
أن يخصّا من شاءا بما شاءا، وليس ذلك لأحدٍ غيرِهما إلا بإذنهما، ولم
يثبت عنهما إذنٌّ في ذلك.
وقد ذكر القاضي الحسين في الزكاة من ((تعليقه))، والمتولَّي في باب
الجمعة: أنه ◌َّ كان له أن يصلّي على غيره مقصوداً، كما فعل في قصة
ابن أبي أوفى امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وصلِّ عليهم﴾، وأنه لا يجوز لغيره
ذلك إلا إذا كان المصلَّى عليه تبعاً للأنبياء لا مقصوداً، وحكاه الشاشي
في ((المعتمد)) عن الخراسانيين في باب الجمعة، ثم قال: وفيه نظر،
لأن معنى الصلاة هو الدعاء، وهي من الله بمعنى الرحمة، وليس فيه
ما يقتضي التحريم، وأدنى مراتب فعله ◌َ ل# الجواز، وليس معه دليل يدل
على الخصوصية .
وممن وافق الأولينَ: أبو اليمن ابن عساكر، فقال عقب كلامه الأول
الماضي قريباً(١): هذا ما يتعلق بأحدنا إذا صلَّى عليه وَّه، وأما هو وَل
فله أن يصلِّي على من يشاء مفرِداً أو جامعاً، كما ورد في حديث ابن أبي
أوفى، لأنه حقُّه ومنصبه، فله التصرفُ فيه كيف يشاء، بخلاف أمته، إذْ
لیس لهم أن يؤثروا غيره بما هو له.
وقال البيهقي رحمه الله عقب حديث ابن عباس وقولِ الثوري بالمنع
ما نصُّه: وإنما أرادوا - والله أعلم - إذا كان ذلك على وجه التعظيم
والتكريم عند ذكره تحيةً، فإنما ذلك للنبي رَّ- خاصة، فأما إذا كان ذلك
على وجه الدعاء والتبرك، فإن ذلك جائز لغيره. انتهى. هذه عبارته في
(الشُّعَب))، وقال نحوه في ((السنن الكبرى))(٢).
قال ابن القيم: وفصل الخطاب في هذه المسألة: أن الصلاة على
(١) صفحة ١٣٦ - ١٣٧.
(٢) ((الشعب)) ٢١٩:٢ طبعة بيروت، ((السنن)) ١٥٣:٢.

١٤٠
غير النبي ◌َّ إما أن تكون على آله وأزواجه وذريته، أو غيرهم، فإن
كان الأول(١): فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي ◌َّهِ وجائزةٌ
مفردة، وأما الثاني: فإن كان الملائكة وأهل الطاعة عموماً الذين يدخل
فيهم الأنبياء وغيرهم: جاز ذلك أيضاً، كأن يقال: اللهم صل على
ملائكتك المقربين وأهل طاعتك أجمعين، وإن كان شخصاً معيناً أو
طائفة معينة: كُره، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه، ولاسيما إذا جعله
شعاراً له ومَنَع منه نظيره، أو من هو خير منه، كما تفعل الرافضة بعليّ
رضي الله عنه. أما إذا صلى عليه أحياناً بحيثُ لا يجعل ذلك شعاراً،
كما يصلَّى على دافع الزكاة، وكما صلَّى النبي ◌ِّر على المرأة وزوجها،
وكما رُوي عن عليّ من صلاته على عمر، فإنه دخل عليه وهو مسجىً،
فقال: صلَّى الله عليك، الحديثَ في ترجمة جابر، عن علي، من
مسنده: فهذا لا بأس به، وبهذا التفصيل تتفق الأدلة وينكشف وجه
الصواب، والله الموفق(٢) .
وروى البخاري في ((الضعفاء)) من جهة مغيرة بن مِقْسَم، عن سِماك
ابن سلمة قال: دخلت على كُدير الضبي أعوده، فوجدته يصلي وهو
يقول: اللهم صل على النبيّ والوصيّ، قال: فقلت: والله لا أعود أبداً.
وقد اختلفوا في السلام: هل هو في معنى الصلاة فيكره أن يقال: عن
علي عليه السلام، وماأشبه ذلك؟ فكرهه طائفة منهم أبو محمد
الجُويني، ومَنَع أن يقال: عن علي عليه السلام، وفرَّق آخرون بينه وبين
(١) من ج، د، و((جلاء الأفهام)). وهو الظاهر من اللِّحاق، وفي أ،ب، هـ: الآل.
(٢) هذا آخر كلام ابن القيم رحمه الله، وهو آخر كتابه ((جلاء الأفهام))، وقد أطال
النفَس في المسألة من ص٣٤٥ - ٣٦٦. سوى قوله: ((فإنه دخل عليه ... من
مسنده))، فإنه من زيادة المصنف.
والجملة المرادةُ: أخرجها الحاكم ٩٣:٣، وابن سعد ٣٦٩:٣ - ٣٧٠، وابن شَبّة
٩٣٧:٣-٩٣٨، وانظره لزاماً.