النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
عن السلف لذلك مخالف، إلا ما أخرجه ابن أبي شيبة والطبري عن إبراهيم
النخعي أنه كان يَرى أن قول المصلِّي في التشهد «السلام عليك أيُّها النبي
ورحمة الله وبركاته)) يُجْزىء عن الصلاة، ومع هذا لم يخالف في أصل
المشروعية، وإنما ادّعى إجزاءَ السلام عن الصلاة، والله أعلم.
تاسعها: في كل مجلس مرَّةً ولو تكرر ذلك مراراً، حكاه
الزمخشري. وعن الأوزاعي: في الكتاب يكون فيه ذِكرُ النبي ◌َِّ مراراً،
قال: إن صليتَ عليه مرّة واحدةً أجزأك.
قلت: وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم قال: إذا صلى الرجلُ
على النبي ◌َّرِ مرَّة أجزاً عنه ما كان في المجلس. صلى الله عليه وسلم
تسليماً. انتهى.
وقد تقدم قريباً ما يأتي هنا، والله الموفق.
عاشرها: في كل دعاء أيضاً.
قلت: وقد اختلف في وجوب الصلاة عليه أيضاً في مواطن، ويتأتَّد
في أخرى، كما سنذكر جميع ذلك مبيناً في الباب الأخير إن شاء الله
تعالى.
٩- وروى ابن أبي شيبة في ((مصنَّفه)) (١٩٧٤٣) بتحقيقي، عن أنس، قصة نوم
النبي ◌َّ عند أم حرام بنت مِلْحان، ثم إنه استيقظ ◌َّ وهو يتبسَّم، فقالت له أم
حرام: يا رسول الله صلى الله عليك مِمَّ ضَحِكُكَ؟
وأصل الحديث رواه البخاري (٢٧٨٨، ٢٧٨٩)، ومسلم ٣: ١٥١٨ (١٦٠ -
١٦٢) وغيرهما، وليس عندهم قولها: ((صلى الله عليك))، لكن هكذا جاءت رواية
ابن أبي شيبة .

٨٢
ومما يستفاد هنا شيئان :
أحدهما: أن الصلاة على النبي ◌َّ تجب بالنذر، لأنها من أعظم
القُربات، وأفضل العبادات، وأجلّ الطاعات(١)، لقوله بَّ: ((من نذر أنْ
يطيعَ الله فليُطعْه))(٢).
الثاني: لو خاطب النبيُّ نَّه في عصره مصلِّياً لزِمه الجوابُ بالنطق في
الحال، لكنْ قال بعض المالكية: يحتمل أن يجيبه بقطع النافلة، أو يجيبه
بالصلاة عليه، أو بلفظ القرآن. وكلُّ ذلك خلاف الظاهر، والله الموفق.
لطيفة: هل يجب على النبي ◌َّ أن يصلِّيَ على نفسه أو لا؟
في بعض شروح ((الهداية)) أنه لا يجب، وعندنا أنها واجبة عليه في
الصلاة. وبالله التوفيق.
(١) ((وأجل)): من أ، وفي غيرها: وأجمل.
(٢) الحديث روته السيدة عائشة رضي الله عنها، رواه مالك في ((الموطأ)) ٤٧٦:٢ (٨)
عنها. ومن طريقه رواه البخاري (٦٧٠٠)، وأبو داود (٣٢٨٢)، والترمذي
(١٥٢٦)، والنسائي (٤٧٤٨، ٤٧٤٩)، وتمامه: ((ومن نذر أن يعصي الله فلا
یعصہ)) .

٨٣
[محلّ الصلاة على النبيِ وَلاَوَ](١)
وأما محلها: فيؤخذ مما أوردناه من بيان الآراء في حكمها، وكذا من
الباب الأخير.
[المقصود بالصلاة على النبي وَلَو](٢)
وأما المقصود بها: فقال الحَلِيمي: المقصود بالصلاة على النبي وَل
التقرُّبُ إلى الله تعالى بامتثال أمره، وقضاءُ حق النبي وَّ علينا. وتبعه
ابن عبد السلام فقال: ليست صلاتُنا على النبيِ مَّ شفاعةً منا له، فإن
مثلَنا لا يشفعُ لمثله، ولكن الله أمرنا بالمكافأة لمن أحسن إلينا، وأنعم
علينا، فإنْ عجَزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا الله لمَّا علِم عجزنا عن
مُكافأة نبينا إلى الصلاة عليه، لتكون صلاتُنا عليه مكافأةً بإحسانه إلينا
وإفضاله علينا، إذْ لا إحسانَ أفضلُ من إحسانه وَه .
وقال أبو محمد المَرْجاني: صلاتك عليه في الحقيقة لما كان نفعها
عائداً عليك، صرتَ في الحقيقة داعياً لنفسك.
وقال ابن العربي: فائدةُ الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلِّي عليه،
لدلالة ذلك على نصوح العقيدة، وخلوص النية، وإظهار المحبة، والمداومة
على الطاعة، والاحترام للواسطة الكريمة. انتهى.
وقال غيره: مِن أوجب شُعب الإيمان الصلاةُ على النبيِ وَّ محبةً له،
وأداءً لحقِّه، وتوقيراً له، وتعظيماً، والمواظبةُ عليها من باب أداء شكره
(١) زيادة مني للتوضيح.

٨٤
وَّه وشكرُه واجب، لِما عَظُم منه من الإنعام، فإنه سبب نجاتِنا من
الجحيم، ودخولِنا في دار النعيم، وإدراكِنا الفوزَ بأيسر الأسباب، ونيلنا
السعادةَ من كل الأبواب، ووصولنا إلى المراتب السنيّة والمناقب العليّة
بلا حجاب، و﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إذْ بعثَ فيهم رسولاً من
أنفسهم يتلو عليهم آياتِه ويزكِّيهم ويعلمُهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من
قبلُ لفي ضلال مبين﴾(١) [آل عمران: ١٦٤].
(١) لما تولى الإمام الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى مشيخة دار الحديث
الأشرفية بدمشق، جعل فاتحة دروسه فيها تفسير هذه الآية الكريمة، وأطال النفَس
فيها جداً، ودوَّن رحمه الله هذه المجالس وسجَّلها، وحُفظ بعضها، وفُقد بعضها
الآخر، والقسم المحفوظ مشوَّش الترتيب جداً، وقد أعانني الله تعالى - وله الحمد -
على ترتيبه قدر الطاقة، وتحقيقه وإخراجه عن أصل المصنف بخطه، وطُبع في ٥٥٠
صفحة بفهارسه .

٨٥
نبذة يسيرة
من فوائد قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي
يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾
*- هذه الآية مدنيّة، والمقصودُ منها أنَّ الله تعالى أخبر عباده بمنزلة
نبيه ◌َيّ عنده في الملا الأعلى، بأنه يُثْني عليه عند الملائكة المقرّبين،
وأن الملائكة يصلّون عليه، ثم أمر أهلَ العالمِ السُّفلي بالصلاة عليه
والتسليم، ليجتمع الثناء عليه من أهلِ العالَمَين العُلَّي والسُفْلي جميعاً:
حلَلْتَ بهذا حَلَّةً ثم حلَّةً بهذا، فطابَ الواديان كلاهما (١)
وفي ((الكشاف)): رُوي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته
يصلون على النبي﴾ قال أبو بكر: ما خصَّك الله يا رسول الله بشرفٍ إلا
وقد أشرَكَنا فيه، فنزلت. ولم أقف على أصله إلى الآن(٢).
* - والآية بصيغة المُضَارَعة الدالة على الدَّوام والاستمرار، لتدلَّ على
أنه سبحانه وتعالى وجميعَ الملائكة يصلون على نبينا وَلّ دائماً أبداً.
وغايةُ مطلوب الأولين والآخرين صلاةٌ واحدةٌ من الله تعالى، وأنَّى لهم
بذلك؟ !.
بل لو قيل للعاقل: أيُّما أحبُّ إليك: أن تكون أعمالُ جميع الخلائق
في صحيفتك، أم صلاةٌ من الله تعالى عليك؟، لَمَا اختار غيرَ الصلاة من
الله تعالى، فما ظنُّك بمن يُصلِّي عليه ربُّنا سبحانه وتعالى وجميعُ ملائكته
(١) (ثم حلَّة)) في ج، د: بعد حلَّة.
(٢) انظر كلام سفيان بن عيينة رضي الله عنه الآتي ص ٢٨٦، ولم أر هذا الكلام في
((الكشاف)) عند تفسير الآية الكريمة.

٨٦
على الدوام والاستمرار؟!، فكيف يَحْسُن بالمؤمن أن لا يُكثر من الصلاة
عليه، أو يغفُل عن ذلك؟! قاله الفاكهاني(١).
ولعله نَظَر في أول كلامه إلى أن ذلك سِيق مَسَاق الامتنان، أو إلى أنَّ
الجملةَ ذاتَ الوجهين، كما تدُل بخبرها على التجدُّد والحدوث، تدُل
بمبتدئها على الاستقرار والثبوت، فحينئذ الجمعُ بينهما يدل على ما
ذَكَر.
وقد ذكر أهل المعاني: أن الحكمةَ في العدول عن (مستهزىء) في
قوله تعالى: ﴿الله يستهزىء بهم﴾: قصدُ استمرارِ الاستهزاء وتجدُّدِه وقتاً
فوقتاً، والله أعلم.
وأفاد أيضاً(٢): أنه ليس في القرآن ولا غيره - فيما عَلِم - صلاةٌ من
الله على غير نبينا وَيلة، فهي خصوصيّة اختصه الله بها دون سائر الأنبياء.
انتھی .
قلت: يكفي(٣) قولُه ◌َّه: ((كما صليت على إبراهيم))، نعم، لم تَرَدْ
الكيفية فيما أعلم، والله أعلم.
* - وقد ذكروا في هذه الآية الشريفة فوائد:
١- منها: مارواه الواحدي عن أبي عثمان الواعظ سماعاً، سمعت
الإمام سهل بن محمد بن سليمان يقول: هذا التشريف الذي شرّف الله
(١) وأخذه منه ابن أبي حَجَلة في ((دفع النقمة)) ١٥/ ب، ولم ينسبه إليه.
(٢) هو الفاكهاني رحمه الله تعالى.
(٣) أي: يكفي في ردّ كلام الفاكهاني. وهذه المقولة زيادة من ج، د، وهي في ج بخط
المصنف على حاشية ٢٠/آ. وفي هذه السَّهوة من الفاكهاني وتصحيح المصنف لها:
عبرةٌ لنا في عدم التسرُّع بالنفي في أيّ مجال من مجالات العلم.

٨٧
تعالى به محمداً وَّل بقوله: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ الآية:
أتمُّ وأجمعُ من تشريف آدمَ عليه السلام بأمر الملائكة له بالسجود، لأنه
لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف. وقد أخبر الله
تعالى عن نفسه بالصلاة على النبي ◌َّ، ثم عن الملائكة، فتشريفٌ يَصدُر
عنه أبلغُ من تشريفٍ يختص به الملائكة من غير أن يكون الله تعالى معهم
في ذلك.
٢- ومنها: أن من كان قليلَ النوم يقرؤها عند منامه، فيقول: ﴿إن الله
وملائكته يصلون على النبي﴾ الآية. ذكر ابن بشكُوال عن عَبْدُوس الرازي
أنه وصفه لإنسان قليلٍ نومُه، وسيأتي ذكره في الباب الأخير أيضاً إن شاء
الله تعالى(١).
٣- ومنها: ماذكره ابن أبي الدنيا - ومن طريقه ابن بشكوال - (٢) عن
ابن أبي فُديك: سمعتُ بعض من أدركت يقول: بلغَنا أنه مَن وقف عند
قبر النبي وَل﴿ فتلا هذه الآية ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها
الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ ثم قال: صلى الله عليك
يا محمد، حتى يقولها سبعين مرة، ناداه ملك: صلى الله عليك، يا فلان
لم تسقط لك حاجة.
٤- ومنها: ما أسنده ابن بشكُوال عن أحمد بن محمد بن عمر اليمانيْ،
قال: كنت بصنعاءَ فرأيت رجلاً والناسُ مجتمعون عليه، فقلت: ماهذا؟
(١) ص ٤١١ .
(٢) والبيهقي في ((الشُّعب)) كما سيأتي ص ٤٠٤، وانظر ٤٠٥. وابن أبي فُديك: هو
محمد بن إسماعيل بن مسلم، روى عنه الإمامان الشافعي وأحمد وغيرهما، وهو من
رجال الكتب الستة، ووثقه ابن معين، وكانت وفاته سنة مئتين، فنقلُه يكون غالباً عن
رجال منتصف القرن الثاني للهجرة.

٨٨
قالوا: هذا رجل كان يؤمُّ بنا في شهر رمضان، وكان حسنَ الصوت
بالقرآن، فلما بلغ ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ قرأ: يصلُّون
على عليٍّ النبي!، فخرِسَ وجُذِم وبرِص وعَمِي وأُقعد، فهذا مكانه !!.
٥- ومنها: ما قاله القاضي عياض نقلاً عن بعض المتكلمين في تفسير
﴿كهيعص﴾: أن (الكاف) كافٍ، أي من كفاية الله تعالى لنبيه عليه الصلاة
والسلام، قال الله تعالى: ﴿أليس الله بكافٍ عبده﴾ [الزمر: ٣٦]. و(الهاء)
هدايته له، قال: ﴿ويهديَك صراطاً مستقيماً﴾ [الفتح: ٢]. و(الياء) تأييده
له، قال الله تعالى: ﴿هو الذي أيَّدك بنصره﴾ [الأنفال: ٦٢]. و(العين)
عصمته له، قال الله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧]
و(الصاد) صلاته عليه، قال: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾
الآية.
٦- ومنها: ماحكاه في ((الشِّفا)) أيضاً عن أبي بكر ابن فُؤْرَك أن بعض
العلماء تأوَّل قوله عليه الصلاة والسلام: ((وجُعِلت قرَّةُ عيني في الصلاة))
أي: في صلاة الله عليَّ وملائكته وأمرِهِ الأمّة بذلك إلى يوم القيامة،
فتكون الألف واللام على هذا واقعةً على معهود.
قلت: وعبارة الإمام أبي بكر في ((جزء)) أفرده في الكلام على هذا
الحديث: وقد اختلف في ذلك، فقيل: إن هذه الصلاة هي الصلاةَ
المفروضة التي هي التكبير والقراءة والركوع والسجود. وقيل: إنها هي
التي ذكرها في قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها
الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ .
فافتخر ◌َّيه بصلاة الله عز وجل عليه وصلاة ملائكته، وأتبعَهما بالأمر
للأمة بالصلاة عليه، والصلاةُ من الله عز وجل الرحمة، ومعنى الرحمة:
إرادة الإنعام والتمكين والتعظيم، فلما قطع الله عز وجل حكمه بالصلاة

٨٩
عليه، وأخبر عن ملائكته بمثله: تحقق وَي ذلك فاعتمده وقطع به،
وقرَّتْ عينُه فيها بأنه القطع(١) بما له عند الله من تمام معاني رحمته،
وكمال نِعمه لديه، وتوافر مِنَّنه عليه، وأياديه عنده.
ومنهم من قال: أراد بذلك أن قُرَّة عيني لم تُجعل في الطيب والنساء،
وإن كانا قد حُبًَّا إليّ، ولكن قُرَّة عيني فيما خصَّني بصلاته عليَّ وملائکتِهِ،
وبما أَمر الأمةَ أن يصلوا عليَّ إلى يوم القيامة في كل صلاةٍ فرضٍ فرضها
الله عليهم، لا تجوز لهم دون ذلك، هذا من قرة عيني، وقد جُعِلَت قرة
عينه فيه ليدلَّنَا وَّه أنه قد جُعل قرة عينه فيه، لا أنه في ذلك بنفسه مُدَّع
فيه أو ناظرٌ إليه من حيث هو، وإذا كان قد جُعل قرّة عينه فيه كان أبعدٌ
من أن يُعجب به أو يَسهو فيزلَّ أو يَعْدِل عن حق فيه، وكما أنه حبِّب إليه
من الدنيا ما حُرِس فيه، كذلك جُعِلت قرّة عينه فيما عُظُّم به، ليكونَ في
ظاهر الدنيا والدين جميعاً محروساً محفوظاً، منظوراً إليه مَكْلُوءاً مَحُوطاً
﴾. انتھی کلامه.
وهو مشعر بترجيح الأول، لتقديمه، بل في كلامه بعد ذلك ما
يقتضيه، ولذلك قال عياض أيضاً في ((المشارق)): إنَّ أكثر الأقوال
وأظهرها أنها الصلاةُ الشرعيةُ المعهودة، لِما فيها من المناجاة وكشف
المعارج وشرح الصدر. والله أعلم.
٧- ومنها: ما ذكرَ الواحدي بسنده عن الأصمعي قال: سمعت المهديَّ
على منبر البصرة يقول: إن الله أمركم بأمر عظيم بدأ فيه بنفسه، وثنَّى
بملائكة قُدسه، فقال تشريفاً لنبيه وتكريماً: ﴿إن الله وملائكته يصلون
على النبي يا أيها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليماً﴾ آثره بها من بين
(١) هكذا جاءت العبارة في أ،ج،د: وقرَّت عينه فيها بأنه القطع .. ، وفي ب، هـ:
وقرَّته عينه فيها بأنه القطع .

٩٠
الرسل الكرام، وأَتحفَكم بها من بين الأنام، فقابلوا نعمه بالشكر،
وأكثروا عليه من الصلاة في الذِّكْر. انتهى.
وكأن الخطباءَ سَلَكوا مسلكه في عادتهم الحسنة بإيراد ذلك في
خُطَبهم، ولو ذكروه تاماً لكان حسناً، والله الموفق.
٨- ومنها: أنه عبَّر فيها بـ(الله)) دون غيره من أسمائه، إما لأنه قيل(١):
إنه اسم الله الأعظم، ولم يتسمَّ به أحدٌ غير الله سبحانه، وبه فُسِّر قوله
تعالى: ﴿هل تعلمُ له سَمِياً﴾ [مريم: ٦٥]، وإما لغير ذلك، والله أعلم.
٩- ومنها: أنه عبَّر فيها بـ((النبي))، ولم يقل: على محمد، كما وَقَع
لغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كقوله ﴿يا آدمُ اسكُنْ أنت
وزوجُك الجنة﴾ [البقرة: ٣٥]، و﴿يا نوحُ اهبِط بسلام منا﴾ [هود: ٤٨]،
و ﴿يا إبراهيمُ قد صدَّقتَ الرؤيا﴾ [الصافات: ١٠٤-١٠٥]، و ﴿یا داود إنا
جعلناك خليفةً في الأرض﴾ [ص: ٢٦]، و ﴿يا عيسى إني متوفِيك ورافعُك
إليَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، و﴿يا زكريا إنا نُبُشِّرك بغلام﴾ [مريم: ٧]،
و ﴿يا يحيى خُذِ الكتاب بقوة﴾ [مريم: ١٢] وأشباهِ هذا، لِما في ذلك من
الفخامة والكرامة التي اختُصَّ بها عن سائر الأنبياء، إشعاراً بعلُوِّ المقدار،
وإعلاماً بالتفضيل على سائر الرسل الأخيار.
ولما ذَكر نبيَّنَا بََّ مع الخليل ذكر الخليل باسمه، وذكر الحبيب
بلقبه، فقال: ﴿إن أولى الناس بإبراهيمَ لَلذين اتَّبعوه وهذا النبيُّ﴾ [آل
عمران: ٦٨] وهذه فضيلة عظيمة، قد نوّه العلماء بذكرها وشرفها،
وجَعْلها من المراتب العليَّة، وكلُّ موضع سمّاه باسمه إنما هو لمصلحة
(١) هو قول الجمهور. وانظر مجالس ابن ناصر الدين في تفسير قوله تعالى: ﴿لقد منَّ
الله علی المؤمنین﴾ ص٦٣، وماعلقته علیه.

٩١
تقتضي ذلك، فافهمه.
والألف واللام فيه يَحتمل أن تكون للعهد، فقد تقدم ذكر النبي وَل
قبلُ، وفي هذا نظر، لكن الأولى أن تكون للغلبة، كالمدينة والنجم
والكتاب، فكأنه المعروفُ الحقيقُ به، المقدَّم على سائر الأنبياء صلوات
الله عليهم أجمعين، وآل كلٍّ، وسائر الصحابة أجمعين.
وهو - أعني لفظ النبي - (١) بترك الهمْز وبالهمْز، والأُولى أعلى، وقد
قُرىء بهما في السَّبعة، والكلمةُ إما من النبأ، وهو الخبر، والمعنى أن
الله تعالى أطلعه على غيبه وأعلمه أنه نبيه، قال تعالى: ﴿نبىءْ عبادي أني
أنا الغفور الرحيم﴾ [الحِجْر: ٤٩] فهو فعيل بمعنى فاعل، لأنه يُنبىءُ
الخلق، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول، قال تعالى: ﴿فلما نبأَها به قالت
من أنبأك هذا قال نبَّأَنيَ العليم الخبير﴾ [التحريم: ٣].
وقيل: اشتقاقه من النَّبْوَة، وهي الرِّفعة، سمِّي به لرفعة محلِّه، هكذا
قاله بعضهم. قال المجد اللغوي: وليس بشيء، وإنما الصواب النَّبْوَة
والنَّبَاوةُ: المكان المرتفع.
قلت: هكذا هو في ((الشفا)) حيث قال: وعند من لم يهمزه من النَّبْوَة،
وهو ما ارتفع من الأرض، معناه أن له رُتْبة شريفةً، ومكانةً نبيهةً عند
مولاه منیفة. انتهى.
ويحتمل أن يكون من النبيء(٢) الذي هو الطريق المستقيم. قال ابن
سِيْدَه: النبيء المخبرُ عن الله عز وجل. قال سيبويه: الهمز فيه لغةٌ رديئةٌ
(١) البحث الآتي كله من كتاب الفيروزأبادي ص١٢ فما بعدها.
(٢) هكذا بقلم المصنف في أ، ويؤيده ما في ((القاموس)) مادة (ن بء)، و((الصلات
والبشر» ص١٢. وفي الأصول الأخرى: النبإ، وليس ذلك في اللغة.

٩٢
لقلة استعمالها، لا لأن القياس يمنع من ذلك، ألا ترى إلى قول
رسول الله وَ﴿ وقد قال له أعرابي: يا نبيء الله - من قولهم: نبأتُ من
أرض إلى أرض: إذا أُخرجتَ منها إلى أخرى، والمعنى: يا من خَرَجَ
من مكة إلى المدينة - فأنكر عليه وَِّ الهَمْزَ، وقال: ((إنا معشرَ قريش
لا نَشْبِرُ)) ويروى ((لا تَنْبِر باسمي، فإنما أنا نبيُّ الله)) وفي لفظ ((لست نبيَ
الله، ولكن نبيُّ الله))(١).
قال ابن سِيْده: أنكر عليه السلام الهمز في اسمه، فردّه على قائله،
لأنه لم يدرِ ما سماه، فأشفق أن يمسك عنه مُبِيحَ محظورٍ أو حاظِرَ مباح.
والجمعُ أنبياءُ، ونُبَاءُ، وأنْبَاءُ. قال العباس بن مِرداس السُّلَمي:
(١) ((لا ننبر)): لا نظهر الهمزة، ولا ننطق بها، وكذلك كانت قريش لا تنطق بالهمزة.
وهذا الحديث روي عن أبي ذر، وابن عباس، وعن حُمران بن أعين مرسلاً.
فحديث أبي ذر: رواه الحاكم ٢٣١:٢ وصححه على شرطهما، فتعقبه الذهبي بأنه
(منكر لم يصح، وحمران بن أعين: قال النسائي: ليس بثقة .. )).
وحديث ابن عباس: رواه العقيلي في ((الضعفاء)) ٨١:٣ في ترجمة عبدالرحيم بن
حماد السندي، عن الأعمش، عن الشعبي، عن ابن عباس، ثم قال: له عن الأعمش
مناكير ومالا أصل له من حديث الأعمش .. ، وحديث الهَمْز روي بإسناد آخر لين)).
قلت: کأنه یرید رواية الحاكم؟ .
ومرسل حمران بن أعين: رواه ابن عدي في ((الكامل)) ٨٤٢:٢ من ثلاثة طرق إلى
حمزة الزيات، عن حمران، أن رجلاً من أهل البادية، فذكره.
وانظر ((غريب الحديث)) للخطابي ١٩٣:٣، و((تفسير القرطبي)) ٤٣١:١، وغيرهما.
وانظر حاشية المدابغي على شرح ابن حجر الهيتمي الأربعين النووية ص٢٠٣.
فقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله في ((كتاب النبوات)» ص٣٥٨: ((ما رأيت له إسناداً لا
مسنداً ولا مرسلاً، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث ولا السير المعروفة»: في
مقام المنع، نعم، هو كما قال في تمام كلامه ((لا يعتمد عليه)) لما ترى من ضعفه.

٩٢
بالحق كلُّ هُدى السبيلِ هداكا
يا خاتم النَُّآء إنك مرسَل
في خلقه، ومحمداً أَسْمَاكا(١)
إن الإله بنى عليك محبةً
إذا تقرر هذا فلم تزلْ تتشعَّب القالة في الاختلاف والنزاع، للفرق بين
النبي والرسول، فقال بعضهم: الرسول: الذي أُرسل للخلق بإرسال
جبريل إليه عِياناً ومحاورته شِفاهاً، والنبيُّ: الذي تكون نبوَّته إلهاماً
ومناماً، فكلُّ رسولٍ نبيٌّ، وليس كل نبي رسولاً، نقله الواحدي عن
الفرَّاء.
وقال النووي: في كلام الفراء نقص، فإن ظاهره أن النبوّة المجردة
لاتكون برسالة ملك، وليس كذلك. وحكى القاضي عياض قولاً أنهما
مفترقان من وجه، إذْ قد اجتمعا في النبوّة التي هي الاطلاع على الغيب
والإعلام بخواصِ النُّبوة أو الرِّفعة بمعرفة ذلك، وحَوْز درجتها، وافترقا
في زيادة الرسالة التي للرسول، وهو الأمر بالإنذار والإعلام.
قال: وذهب بعضهم إلى أنّ الرسول مَن جاء بشرع مبتدأ، ومن لم
يأت به: نبيٌّ غير رسول وإن أُمِرَ بالإبلاغ والإنذار. وقيل: الرسول من
كان صاحبَ معجزٍ، وصاحب كتاب، ونَسَخ شرع من قبله، ومن لم يكن
مجتمعاً فيه هذه الخصال فهو نبي غير مرسل.
وقال الزمخشري: الرسول مِن الأنبياء مَن جمع إلى المعجزة الكتابَ
المنزل عليه، والنبيُّ غيرُ الرسول من لم ينزِل عليه كتاب، وإنما أُمِرَ أن
يدعو إلى شريعة من قبله. كلُّ هذه الأقوال قد حكاها المجد اللغوي.
قال: وأنا لا أذكر في ذلك إن شاء الله تعالى إلا قولَ من هِجِّيراه
(١) ((إن الإله بنى ... )): هكذا في الأصول: بنى، إلا أفنقطَ النون فقط وأهمل الحرف
الأول، والشاهد جاء في ((لسان العرب)) ١٦٢:١ بلفظ: إن الإله ثنى ...

٩٤
التحقيق والتبيين، ودَيْدَنُه إزاحةُ القِناع عن وجوه الدقائق بالكشف
المبين :
قال ابن عبد السلام في ((قواعده)): فإن قيل: أيُّما أفضل النبوة أو
الإرسال؟ قلت: النبوة أفضل، لأن النبوة إخبار عما يستحقُّه الربُ
سبحانه من صفات الجلال ونعوت الكمال، وهي متعلقة بالله تعالى من
طرفيها، والإرسال دونها، لأنه أمر بالإبلاغ إلى العباد، فهو متعلِّق بالله
من أحدٍ طرفيه، وبالعباد من الطرف الآخر. ولا شك أن ما تعلق بالله من
طرفيه أفضلُ مما تعلق به من أحد طرفيه، والنبوة سابقة على الإرسال،
فإن قوله سبحانه لموسى: ﴿إني أنا الله ربِّ العالمين﴾ [القصص: ٣٠]
متقدم على قوله: ﴿اذهبْ إلى فرعونَ إنه طغى﴾ [طه: ٢٤]، فجميعُ
ما تحدَّث به قبلَ قوله: ﴿اذهب إلى فرعون﴾: نُبُوَّةٌ، وما أُمر به بعد ذلك
من التبليغ فهو إرسال.
والحاصل أن النبوة راجعةٌ إلى التعريف بالإله وبما يجب للإله،
والإرسال راجع إلى أمره الرسولَ بأن يبلغ عنه إلى عباده، أو إلى بعضهم
ما أوجبه عليهم من معرفته وطاعته واجتناب معصيته. انتهى، ويَحتاج إلى
تأمل.
١٠- ومنها: أنه عبَّر فيها بقوله: ﴿وملائكته﴾ ولم يقل: والملائكةَ،
لعدم الفرق بين الصيغتين، فإن كلاً منهما يفيد العموم، والأُولى تعرَّفت
بالإضافة، التي جاءت للتشريف والتعظيم، والثانية بأل. وقيل: إن في
الآية حذفاً تقديره: إن الله يصلِّي، وملائكته يصلون، والله أعلم.
والملائكة لا يحصي عدَدَها إلا اللهُ عز وجل، لأن منهم الملائكة
المقرَّبين، وحملةَ العرش، وسكانَ سبع سموات، وخزنةَ الجنة والنار،
والحَفَظة على الأعمال، وبني آدم، كما في قوله: ﴿يحفظونه من أمر

٩٥
الله﴾ [الرعد: ١١] والموكَّلين بالبحار والجبال والسحاب والأمطار
والأرحام والنُّطَف والتصوير، ونفخ الأرواح في الأجساد، وخلق النبات،
وتصريف الرياح، وجري الأفلاك والنجوم، وإبلاغ صلاتِنا على رسول الله
وَ الر، وكتابة الناس يوم الجمعة، والتأمين على قراءة المصلين، وقول:
ربَّنا ولك الحمد، والداعين لمنتظِر الصلاة، واللاعنين لمن هَجَرت فراشَ
زوجها، إلى غير ذلك مما وردت به الأحاديث الصحيحة وغيرها، وأكثرُ
ذلك موجود في كتاب ((العظمة)) لأبي الشيخ ابن حَيان الحافظ .
وفي ((تفسير الطبري)) من طريق كِنانة العدوي أن عثمان سأل النبيَّ
وَّ عن عدد الملائكة المؤكَّلين بالآدمي فقال: ((لكل آدمي عشَرةُ ملائكة
بالليل، وعشَرة بالنهار: واحد عن يمينه، وآخر عن شماله، واثنان من
بين يديه ومن خلفه، واثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلا الصلاةَ على
محمد، واثنان على جبينه، وآخرُ قابضٌ على ناصيته، فإنْ تواضع رفعه،
وإن تكبَّر وضعه، والعاشر يحرسه من الحيّة أن تدخل فاه)). يعني إذا نام.
وقيل: إنَّ كل إنسان معه ثلاث مئة وستون ملكاً، وليس في العالم
العلويّ والعالَم السُّفلي مكان إلا وهو معمور بالملائكة الذين لا يعصون
الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وقد ثبت في (المستدرك)) للحاكم من حديث عبدالله بن عمرو(١): إن
الله جزَّأ الخلْق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وجزءاً سائر
الخلْقِ .. الحديثَ.
وفي حديث المعراج المتفق على صحته أن البيت المعمور يصلِّي فيه
كلَّ يوم سبعون ألفَ ملَك إذا خرجوا لم يعودوا، آخرَ ما عليهم.
(١) موقوفاً عليه، وصححه ووافقه الذهبي ٤: ٤٩٠.

٩٦
وفي حديث أبي ذرّ عِند الترمذي وابن ماجه والبزار مرفوعاً: ((أَطَّتِ
السماء وحُقَّ لها أن تتِطّ، ما فيها موضعُ أربع أصابعَ إلا وعليه ملَكٌ
واضعٌ جبهتَه ساجدٌ .. )) الحديثَ.
وفي حديث جابر مرفوعاً عند الطبراني، ونحوه من حديث عائشة عند
الطبري: ((ما في السموات السبع موضعُ قدمٍ ولا شبرٍ ولا كفٍّ، إلا وفيه
ملكٌ قائمٌ، أو راکمٌ أو ساجدٌ)).
ومعلوم أن الجميع يصلون على سيدنا رسول الله وَله بنص القرآن
حيث كانوا وأين كانوا، وهذا مما خصه الله به دون سائر الأنبياء
والمرسلين.
وعن كعبٍ(١): أنه دخل على عائشة رضي الله عنها، فذكروا
رسولَ الله بَّه، فقال كعب: ما من فجرٍ إلا نَزَلَ سبعون ألفاً من الملائكة
حتى يحقُّوا بالقبر، يضربون بأجنحتهم، ويصلون على النبي ◌َّر، حتى
إذا أمسَوْا عَرَجوا، وهبط سبعون ألفاً، حتى يحقّوا بالقبر، يضربون
بأجنحتهم، فيصلون على النبي بَّه، سبعون ألفاً بالليل وسبعون ألفاً
بالنهار، حتى إذا انشقتْ عنه الأرض خرج في سبعين ألفاً من الملائكة
يزِقُّونه. وفي لفظ: يوقّرونه. رواه إسماعيل القاضي وابن بَشْكُوال
والبيهقي في ((الشُّعب))، والدارمي في باب ما أكرم الله تعالى به نبيه وَيه
بعد موته، من ((جامعه))(٢)، وابن المبارك في ((الرقائق)) له.
وقد كنت أثبتُّه في الباب الأول ثم رأيت أنه هنا أنسب.
١٢- ومنها أنه تعالى قال فيها: الذين آمنوا، ولم يقل: الناس، وإنْ
كان الكفار مخاطبين بالفروع الإسلامية على الصحيح، لأن الصلاة عليه
(١) هو كعب الأحبار.
(٢) يريد ((سننه)) المتداولة، وليس له كتاب آخر اسمه ((الجامع))، ولا ((المسند)).

٩٧
وَلَه من أجلِّ القربِ، فخُصَّ بها المؤمنون(١).
قلت: وقد استثنى شيخُ الإسلام البُلْقيني من قولهم الكفار مخاطبون
بفروع الشريعة، مسائلَ، منها: معاملتهم الفاسدة المقبوضة، ومنها:
أنكحتهم الفاسدة، ومنها: عدم الحدّ في شرب الخمر، ومنها: كلُّ
خطاب جاء فيه ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ لا يدخل الكفار فيه، والله أعلم.
تنبيهان :
أحدهما: قد كثُر السؤال عن الحكمة في تأكيد التسليم بالمصدر دون
الصلاة؟ وأجاب الفاكِهاني بما حاصله: أن الصلاة مؤكّدة بـ ((إن))، وكذا
بإعلامه تعالى أنه يصلِّي عليه وملائكته، ولا كذلك السلام، فحسُن
تأكيده بالمصدر، إذْ ليس ثَمَّ ما يقوم مقامه.
وأجاب شيخنا رحمه الله تعالى بجواب آخر ملخّصه: أنه لما وقع
تقديم الصلاة على السلام في اللفظ، وكان للتقديم مزية في الاهتمام:
حَسُن أن يؤكّد السلام لتأخر مرتبته في الذِّكر، لئلا يُتَوهمَ قلةُ الاهتمام به
لتأخُره.
ورأيت في كتاب ابن بَنُون(٢): أن السلام قد جاء مايقتضي تأكيده،
مثل قوله عليه السلام: ((إِنَّ لله ملائكةً سيّاحين يبلِّغوني عن أُمتي
السَّلام))، وقوله: ((إذا سلَّم عليَّ أحدٌ ردَّ الله عليَّ روحي)). وفي هذا
نظر. والعلم عند الله تعالى.
الثاني: سئل شيخنا عن إضافةِ الصلاة إلى الله تعالى وملائكته دون
السلام، وأمرِ المؤمنين بها وبالسلام؟ .
(١) قلت: ولم يقل: الناس، ليدخل مؤمِنُو الجنّ، فإنهم مخاطَبون مكلّفون أيضاً.
(٢) الضبط من ب، وتحرف في هـ إلى: ابن لِيُون، وسيذكره المصنف ويذكر اسم
كتابه في آخر الكتاب ص ٤٤٧ .

٩٨
فأجاب بأنه يَحتمل أن يقال: السلام له معنيان: التحية، والانقياد،
فأُمِرِ به المؤمنون لصحتهما منهم، واللهُ وملائكتُه لايجوز منهم الانقياد،
فلم يُضف إليهم دفعاً للإيهام. والله أعلم(١).
قلت: ويُنظر هذا مع ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿سلامٌ على
إبراهيم﴾ وما أشبهه، وقوله تعالى: ﴿والملائكةُ يدخلُون عليهم من كلِّ
باب* سلامٌ علیکم﴾ .
(١) قاله في ((فتح الباري)) ٨: ٥٣٣ الباب ١٠ من تفسير سورة الأحزاب. وأفاد رحمه الله
أن إضافة السلام إلى الله عزوجل أو إلى ملائكته الكرام أمر جائز حيثُ لا إيهام.
قلت: فما سيورده المصنِّف عقب هذا على كلام شيخه ابن حجر لا يَرِدُ، أما
قوله تعالى ﴿سلامٌ على إبراهيم﴾ وما أشبهه: فقد ذكر الراغب في ((مفرداته))
(س ل م) بعض الآيات الواردة من هذا القبيل وقال: ((كل ذلك من الناس:
بالقول، ومن الله تعالى: بالفعل، وهو إعطاء ما تقدم ذكره مما يكون في الجنة من
السلامة)). والذي تقدم ذكره في كلامه رحمه الله قوله: ((والسلامة الحقيقية ليست
إلا في الجنة، إذْ فيها بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذلّ، وصحة بلا
سقم)). فهذا واضح لا إيهام فيه أنه إكرام من الله تعالى لمن ذُكر من أنبيائه ورسله
عليهم الصلاة والسلام.
وأما قوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما
صبرتم ... ﴾: فواضح أن هذا سلام تحية وتهنئة، فلا إيهام أيضاً.
هذا، وكتب العلامة عمر بن عبدالوهاب العُرْضي على حاشية نسخته ج جواباً آخر
عن أصل السؤال فقال: ((وأقول: الذي يظهر لي أن سلام الله تعالى عليه وملائكته
أمر محقق، بدليل وقوعه لمن هو دونه في الرتبة، وأما الصلاة فهي أمر استبدَّ به
- يريد: انفرد به-، فلا جرمَ نصَّ عليها، ووكل أمر السلام إلى الأفهام، فإذا
سلّم الله تعالى على خديجة وأبي بكر وإبراهيم عليه السلام، فلأَنْ يُسلِّم على
أفضل خلقه بالطريق الأولى، بخلاف الصلاة، فنصَّ على مالا يُعلم، وترك ماهو
مقرر. لكاتبه العُرْضي)).

٩٩
الباب الأول
١ - في الأمر بالصلاة على رسول الله مَّ في أيِّ وقت كان.
٢ - وكيفية ذلك على اختلاف أنواعه. ٣ - والأمر بتحسين الصلاة عليه.
٤ - والترغيب في حضور المجالس التي يُصلَّى فيها عليه. ٥ - وأن
علامة أهل السنة الكثرة منها. ٦ - وأن الملائكة تصلِّي عليه على الدوام.
٧ - وإمهار آدمَ لحواء عليهما السلام الصلاةُ عليه. ٨ - وأن بكاء الصغير
مدةً صلاةٌ عليه. ٩ - والأمر بالصلاة عليه إذا صُلي على غيره من الرسل.
١٠ - وماورد في الصلاة على غير الأنبياء والرسل، والخلاف في ذلك.
١ - ذكر أبوذرّ - هو الهَرَويّ - فيما نَسَبه شيخنا إليه من غير عزو: أن
الأمر بالصلاة على النبي ولو كان في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: في
ليلة الإسراء، وفي ((فضل شعبان)) لابن أبي الصَّيف اليمني(١) بلا إسناد
أنه قيل: إن شعبان شهر الصلاة على محمد المختار، لأن آية الصلاة
عليه وَ ل﴾ نزلت فيه .
وعن ابن عُمر وأبي هريرة رضي الله عنهم قالا: قال رسول الله وَالهول
(١) هو مفتي الحرمين الشريفين أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن علي ابن أبي
الصيف اليمني المتوفى سنة ٦٠٩، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في ((التكملة
لوفيات النقلة)) للمنذري ٢(١٢٧٥)، و((العقد الثمين)) للفاسي ١: ٤١٥.
له «جزء في ذكر رغائب وردت في شعبان ليستعملها المريد فيه ارتياداً واحتراماً
لرمضان))، نسخته في مكتبة الشيخ عارف حكمت بالمدينة المنورة، وهي في ثمان
صفحات ونصف الصفحة، وبعدها أربع صفحات ونصف الصفحة فيها سماعات
له. وجُلُّه غرائب مما لا يعرف. والنص الذي حكاه المصنّف عنه جاء في أول
الصفحة الثانية منه.

١٠٠
((صلُّوا عليَّ، صلى الله عليكم)) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) والنُّمَيري
من طريقه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّ: ((صلُّوا عليَّ،
فإن صلاتكم عليَّ زكاةٌ لكم)). وسيأتي تخريجه في الباب الثاني(١) .
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما رفعه: ((صلُّوا عليَّ، فإنها لكم
أضعاف مضاعفة)) ذكره الديلمي بلا إسناد تَبَعاً لأبيه.
وعن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: أوصاني رسول الله وَّل أن أُصلِّيَها في
السفرِ والحضرِ - يعني صلاة الضحى -، وأن لا أنام إلا على وترٍ،
وبالصلاة على النبي ◌ََّ. أخرجه بَقِيّ بن مَخْلَد وابن بَشْكُوال من
طريقه، وفي سنده يعلى بن الأشدق وهو ضعيف.
ويُروى عنه بَّهُ -مما لم أقف على سنده - أنه قال: ((أَكثِروا من
الصلاة عليَّ، لأن أوَّل ماتُسألون في القبر عنّي)) صلى الله عليه وسلم.
قلت: ورأيت خطباء المدينة الشريفة يلازمون إيراد هذا في الخطبة
الثانية بجزْم العَزْو، فلا تغترَّ بهذا، وربما يُستدل له بثبوت السؤال للمرء
في القبر عن النبي ◌ُّرِ. والله أعلم.
٢ - وعن أبي مسعود الأنصاري البدري - واسمه عقبة بن عمرو رضي
الله عنه - قال: أتانا رسول الله وَله ونحن في مجلس سعد بن عبادة،
فقال له بَشير بن سعد: أَمَرنا الله أن نُصلِّيَ عليك يارسول الله ! فكيف
نُصلي عليك؟ قال: فسكت رسولُ اللهِ وَّةٍ حتى تَمنَّينا أنه لم يسأله، ثم
قال رسول الله وَلَهُ: ((قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمد،
كما صليت على آلِ إبراهيمَ، وبارِك على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما
باركتَ على آلِ إبراهيمَ، في العالمين إنك حميدٌ مجيدٌ. والسَّلامُ كما قد
(١) صفحة ٢٧٠.