النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ عنها، فعند ذلك أخذت في سبب التَّنْقير عن مدارك قصده، خشيةً للتنفير عن مُصادقته ووُدِّه، فإذا البحرُ عميق، والمَجْدُ عريق، ومقامُ النبوة بالفضائل حقيق! ومن قال، وجدَ مكان القول ذا سَعة، لكنْ أين اللسانُ المُطيق المِنْطيق، وأين العبارةُ التي تُذِيق طعم الشفاءِ ولا تَضيق(١)، غير أنها إضافةٌ ونسبةٌ، ورتبة في التصنيف دون رتبة، وعاجز وأعجز، ولو وَعَد أحدٌ من نفسه استيفاءَ هذا الباب لَمَا أنجز، لكنِ المرجوُّ من فضل الله ذي المنّ والجُود، أن يكون هذا التأليف إماماً في كثرة الجمع، وحائزاً لجُلِّ المقصود. وقد رتبته على مقدمة، وخمسة أبواب، وخاتمة. أما المقدمة: ففي تعريف الصلاة لغةً واصطلاحاً، وحُكمها، ومحلِّها، والمقصودِ بها، وختمتُها بنُبْذة من فوائدِ الآيةِ الشريفة التي هي أصل الباب. وأما الأبواب: فالباب الأول: في الأمر بالصلاة على رسول الله وَّهُ وكيفيةِ ذلك على اختلاف أنواعه. والأمرِ بتحسين الصلاة عليه. والترغيبِ في حضور المجالس التي يُصَلَّى فيها عليه. وأن علامة أهل السُّنَّة الكثرةُ منها. وأن الملائكة تصلَّي عليه على الدَّوام. وإمهار آدَمَ لحواءَ عليهما السلام الصلاةَ عليه. وأنَّ بكاء الصغير مدةً صلاةٌ عليه. والأمرِ بالصلاة عليه إذا صُلِّي على غيره من الرُّسل. وما ورد في الصلاة على غيره من الأنبياء والرُّسل. والخلافِ في ذلك. وختمته بفائدة حسنة في أفضل الكيفيّات في الصَّلاة، وفي غير ذلك، وفصولٍ سبعةَ عشَرَ مهمة. (١) تلميح بكتاب ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) وَل*، للقاضي عياض رحمه الله، وهنا يجب إثبات الهمزة في كلمة: الشفاء، أما في اسم الكتاب ((الشفا)» فلا، ليتمّ السجع الذي أراده مصنفه، (فهمزٌ) كتاب ((الشفا)) لا يجوز. ٤٢ والباب الثاني: في ثواب الصَّلاة على رسول الله وَل ◌َوَ لمن صلَّى عليه: من صلاةِ الله عزَّ وجلَّ وملائكتِهِ ورسولِهِ، وتكفيرِ الخطايا، وتزكيةِ الأعمال، ورفع الدرجات، ومغفرة الذنوب، واستغفارِها لقائلها، وكتابةٍ قيراطٍ مثلٍ أُحُدٍ من الأجرِ، والكيلِ بالمكيال الأَوْفى، وكفايةِ أمرِ الدنيا والآخرة لمن جعل صلاتَه كلَّها صلاةً عليه، ومَحْقِ الخطايا، وفضلِها في عتق الرِّقابِ، والنجاةِ بها من الأهوال، وشهادةِ الرسول بها، ووجوبِ الشفاعة، ورِضا الله ورحمته، والأمانِ من سخطه. والدخولِ تحتَ ظلِّ العرش، ورجحانِ الميزان، وورودِ الحوض، والأمانِ من العطش، والعتقِ من النار، والجوازِ على الصراط، ورؤيةٍ المقعد المقَرَّب من الجنة قبل الموت، وكثرة الأزواج في الجنة. ورجحانِها على أكثرَ من عشرين غزوةً، وقيامِها مَقَامَ الصَّدقة للمُعْسر، وأنها زكاةٌ وطهارةٌ، وينمو المال ببركتها، وتُقْضى بها مئة من الحوائج بل أكثر، وأنها عبادةٌ، وأحبُّ الأعمال إلى الله، وتُزَيِّنُ المجالسَ، وتَنْفي الفقر وضيق العيش، ويُلْتَمسُ بها مظانُّ الخير، وأَنَّ فاعلها أولى الناس به، وينتفع هو وولده وولد ولده بها، ومن أُهديت في صحيفته بثوابها، وتُقَرِّبُ إلى الله عز وجل وإلى رسوله، وأنها نور، وتنصرُ على الأعداء، وتطهِّرُ القلب من النفاق، ومن الصدأ، وتوجبُ محبةَ الناس، ورؤيةً النبي ◌َ ◌ّ في المنام، وتمنعُ من اغتياب صاحبها، وهي من أبركِ الأعمالِ وأفضلها، وأكثرِها نفعاً في الدِّين والدنيا. وغيرِ ذلك من الثواب المرَغِّب للفَطِن الحريصِ على اقتناء ذخائر الأعمال، واجتناء الثمرة من نضائر الآمال، في العمل المشتمل على هذه الفضائل العظيمة، والمناقب الكريمة، والفوائد الجَمَّة العميمة، التي توجد في غيره من الأعمال، ولا تُعْرَف لسواه من الأفعال والأقوال، ٤٣ صلَّى الله عليه وسلَّم تسليماً كثيراً. وختمته بفصول مهمة. والباب الثالث: في التحذير من ترك الصلاة عليه عندما يذكر بالدعاء بالإبعاد، والإخبار له بحصول الشقاء، ونسيان طريق الجنة ودخول النار، والوصف بالجَفاء، وأنه أبخل الناس، والتنفير من ترك الصلاة عليه لمن جلس مجلساً، وأَنَّ من لم يصلِّ عليه لا دِينَ له، وأنه لا يَری وجهَه الكريم، وغير ذلك. وختمته أيضاً بفوائد نفيسة. والباب الرابع: في تبليغه وَ ل﴿ سلامَ من يُسلِّم عليه، ورَدِّه السلام، وغير ذلك من الفوائد والتتمات. والباب الخامس: في الصلاة عليه وَلّر في أوقات مخصوصة: كالفراغ من الوضوء ونحوه، وفي الصلاة، وعند إقامتها، وعَقِبها، وتأكُّدٍ ذلك بعد الصبح والمغرب، وفي التشهد والقنوت، والقيام للتَّهُّد، وبعده، والمرورِ بالمساجد، ورؤيتها، ودخولها، والخروج منها، وبعد إجابة المؤذن، ويوم الجمعة وليلتها، وخُطبة الجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوفَين، وفي أثناء تكبيرات العيد، وعلى الجنازة، وعند إدخال الميتِ القبرَ، وفي رجب وشعبان. وعند رؤية الكعبة، وفوق الصفا، والمروة، والفراغ من التلبية، واستلام الحَجَر، وفي المُلْتَزَم، وعشية عرفة، ومسجدِ الخَيْف، وعند رؤية المدينةِ، وزيارة قبره، ووداعه، ورؤية آثاره الشريفة، ومواطئه، ومواقفه مثلٍ بدرٍ وغيرها، وعند الذبيحة، وعقد البيع، وكتابة الوصية، والخِطبة للتزويج. وفي طَرَفي النهار، وعند إرادة النوم والسفر، وركوب الدابة، ولمن قلَّ نومه، وعند الخروج إلى السوق، أو الانصراف من دعوة، ودخول المنزل، وافتتاح الرسائل، وبعد البسملة، وعند الهمّ والكرب، والشدائد والفقر، والغَرَق، والطاعون، وفي أوّل الدعاءِ وأوسطه وآخره، وعند ٤٤ طَنِين الأُذُن، وخَدَر الرِّجْل، والعُطَاس، والنسيان، واستحسان الشيء، ونَهيق الحمير، وأكل الفُجْل، والتوبة من الذنب، وما يَعْرِض من الحوائج، وفي الأحوال كلِّها. ولمن الُّهم وهو بريء، وعند لقاء الإخوان، وتفرّق القوم بعد اجتماعهم، وخَتم القرآن، ولحفظه، وعند القيام من المجلس، وفي كل موضع یُجتمع فیه لذكر الله، وافتتاح کل کلام، وعند ذِكْره، ونشر العلم، وقراءة الحديث، والإفتاءِ، والوعظِ، وكتابةِ اسمه رَّر وثواب كتابتها، وما قيل فيمن أغفله، وغير ذلك. صلى الله عليه وسلم. وفي أثناء ذلك فوائد حسنةٌ، وتنبيهاتٌ مهمة. ومن ذلك في الصلاة عليه عند العطاس: الإشارة إلى الأماكن التي تكره فيها. وأما الخاتمة: ففي جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وما يُشترط في ذلك، وفيها أمورٌ مهمة. ثم أسردُ أسماءَ الكُتبِ المصنفةِ في هذا الباب، وأبيِّن ما وقفت عليه منها، ثم أذكر أسماء بعض الكتب التي انتفعت بها في هذا التأليف، المرجوِّ حصول النفع به في الدارين . وقصدت بجعله خمسةَ أبوابٍ رجاءَ أن يحفظني الله تعالى في الحواسِّ الخمس، وسميته : القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع(١) (١) صلى الله عليه وسلم. ويستغرب من المصنف رحمه الله تعالى أن يكتب مصنَّفاً حافلاً في الصلاة والسلام على النبي وَّر، ويكون في تسميته مايستدعي الصلاة والسلام عليه، ولا يأتي بهما، كما تراه، نعم، جاء بهما في آخر سماع كتبه بقلمه على الأصل ب، كما تراه في ص ٣٠، ٤٨٤ . وحصل مثل ماحصل للمصنف هنا: من الإمام تقي الدين السبكي في كتابه ((السيف = ٤٥ والله أسأل أن ينفع به كاتبه، وجامعه، وناظره، وسامعه، وأن يَحُفَّني فيه بالإخلاص باطناً وظاهراً، ويكونَ لي في الشدائد والكُرَب عوناً وناصراً، ويحشُّرَني في الزمرة المحمدية، ويرزقني الفَهْمَ الصالح في الكتاب والسنة النبوية، بمنِّه وكرمه. وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليماً. المسلول على من سبَّ الرسول)) وَّه، انظر خطه بهذه التسمية ص٨٩ منه، مع أنه ألَّقه في الدفاع عن حرمته . = ٤٦ المقدمة في تعريف الصلاة لغةً واصطلاحاً وحكمها، ومحلها، والمقصود بها أما أصلها لغةً: فيرجع إلى معنيين: أحدهما: الدعاء والتبرك، فمنه: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِم إِنَّ صلاتَكَ سَكَنٌ لهم﴾ [التوبة: ١٠٣] وقولُه ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩] وقولُه ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحدٍ مِنهم﴾ [التوبة: ٨٤]. ومنه: الصلاة على الجنازة، أي الدعاء للميت. وأنشدوا(١): وصلَّى على دَنِّها وارتسمْ وقابَلَها الرِّيحُ فِي دَنِّهَا قال أبو عمر النَّمَري(٢): ومنه قول الأعشى: لها حارسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بيتَها إِذا ذُبحت صلَّى عليها وزَمْزَما (١) البيت للأعشى الكبير ميمون بن قيس، شاعر جاهلي، أدرك عشرين سنة من البعثة النبوية ولم يسلم، والبيت في ((ديوانه)) ص ٣٥ القصيدة الرابعة. (٢) في أ: النميري، واضح منقوط! وفي الأصول الأخرى و((الصِّلات والبُشَر)) ص ٥ النَّمَري، وهو الإمام ابن عبدالبر، وكلامه هذا في ((التمهيد)) ٤١:١٩، لكن هكذا سماه الفيروزأبادي، والمصنف يأخذ منه. و(بيتها)) من أ، و((الصلات والبشر))، و((التمهيد)) و((الديوان))، وفي الأصول الأخرى: يَنْهَهَا . و((إذا ذُبحت)): من الديوان ص٢٩٣ القصيدة ٥٥، وفي الأصول: ((إن ما دعت)). وعند الفيروزأبادي وابن عبدالبر: وإن ذبحت. ومعنى ((وارتسم)): ودعا، فهو كعطف تفسير على: وصلَّى. ٤٧ وسُمي الدعاء صلاةً، لأنَّ قصد الداعي جميعُ المقاصد الحسيّة الجميلة، والمواهب السنيّة الرفيعة، أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً، دِيناً ودنيا، بحسب اختلاف السائلين، ففيه معنى الجمعيّة، كما سيأتي، والله أعلم. والمعنى الثاني: العبادة، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا دُعِي أحدُكم إلى طعام، فإن كان صائماً فلْيُصلِّ)) وقد فسِّر بالمعنى الأول أيضاً، وهو الأكثر. وقيل: إن الصلاة في اللغة الدعاء، وهو على نوعين: دعاء عبادة. ودعاء مسألة. فالعابدُ داع كالسائل، وبهما فُسِّرَ قولُه تعالى: ﴿أُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فقيل: أطيعوني أَثِبْكم، وقيل: سَلوني أُعطِكم. وقولُهُ: ﴿أُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]. قال ابن القيم: والصواب أن الدعاء يعم النوعين، قال: وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاةِ الشرعيّة، هل هو منقولٌ عن موضوعه في اللغة؟ فيكون حقيقةً شرعيةً لا مجازاً شرعياً. فعلى هذا تكون الصلاة باقيةً على مسماها في اللغة، وهو الدعاء، والدعاءُ دعاءُ عبادة: ودعاء مسألةٍ، والمُصَلِّي من حين تكبيره إلى سلامه: بين دعاءِ العبادة، ودعاء المسألة، فهو في صلاة حقيقةً لا مجازاً ولا منقولةً، ولكن خُصَّ اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة، كسائر الألفاظ التي يخصُّها أهل اللغة والعرف ببعض مُسمّاها، كالدّابة والرأس ونحوهما، فهذا غايتُهُ تخصيصُ اللفظ وقصرُه على بعض موضوعه الأصلي. انتهى. ولما ذكر العلامة اللغويُّ مجدُ الدين - مصنف ((القاموسِ)) وغيرِه من التصانيف الجليلة - اختلافَ العلماء: هل هي الدعاء؟ أو مشتقة من الصِّلا - بالقصر - وهي النار؟، أو الملازمة، أو الترخُّم، أو التعظيم، أو ٤٨ غيرُ ذلك - كما سأذكره عن الحَلِيمي (١) - عقَّب ذلك بقوله: ونحن بتأييد الله وتوفيقه لا نعرِّج على شيء مما ذكروه، وعندنا فيها قولٌ هو القولُ إن شاء الله تعالى : وذلك أن مادة (ص ل و)، (ص ل ي) موضوعة لأصلٍ واحد، وملحوظةٌ لمعنى مفرد، وهو الضمّ والجمع، وجميعُ تفاريعها راجعة إلى هذا المعنى، وكذلك سائر تقاليبها كيفما تصرّفتْ وتقلّبتْ، كان مرجعها إلى هذا المعنى. وبيان ذلك أن (ص ل و): منها الصَّلا: وسط الظَهْر من الإنسان، ومن كل ذي أربع، وقيل: ما انحدر من الوَرِكَيْن، كل ذلك لما فيه الانضمام والاجتماع. ومنه صلاه بالنار: شَوَاه، لأنه ينضم وتجتمع أجزاؤه. وصلا يدَه: سخَّنها وأدْفأها، لانضمام الحرارة إليها. وصَلَاه: خاتَلَه وخدَعه، لأنه ينضم ويجتمع لخدعِه، كانضمام الصياد . ومنه الصِّلاية: لِمُدقِّ الطِّيب، يجمع فيه الطيب. والمُصَلّي: من أفراس الحَلْبةِ، يُجْمَع مع السابق. والصلوات: كنائس اليهود، لاجتماعهم فيها . ومنها (ص و ل) تقول منه: صال على قِرْنِهِ صَوْلاً، إذا سَطا عليه ووثَب إليه. (١) صفحة ٥٥. وكلام صاحب ((القاموس)) في كتابه ((الصِّلات واليُشَر)) ص٦ -١٠، وحذف منه المصنف بعض المناقشات. ٤٩ والمِصْول(١): المِكْنَسة، لأنه يُجمع بها الكُناسة. والصِّيْلة - بالكسر -: عقدةٌ في العَذَبة . والمِصْول: شيء يُجمع فيه الحنظل، ويُنقع لتذهب مرارته. والتصويل: كَنْس نواحي البَيْدر، أي جَمْع ما تفرَّق منها. والثالثة: (ل و ص) تقول: لاصَ لوصاً، إذا لُمِح من خَلل الباب كالمختفِي، وكذلك: لاص(٢) ملاوصَةً. واللَّوص واللَّوَاصُ والمُلَوَّصُ: الفالوذق، لانعقاده وانجماعه. واللَّواص أيضاً: العسل، لذلك، أو لاجتماعه في الخليّة. ولاَصَ: حاد عن الطريق، كأنه طلب الاختفاء والانجماع. وكذلك (لَ يَ صَ). والرابعة (ل ص و) وَ (ل ص ي) تقول: لصاهُ يَلصُوهُ، ولصا إليه: إذا انضم إليه لريبة. وكذلك لَصَى يَلصي، كَرَمَى يَزْمِي، وَلَصِي يَلْصَى، كرضِي يَرْضَى. والخامسة (و ص ل): وصَله وَصلاً، وصِلةً ووُصلةً: لأَمَه. ووصل الشيءَ، ووصل إلى الشيءٍ، وصولاً ووصلاً، وصِلةً: بلغه، واجتمع به، وانتھی إلیه. ومنه الوَصِيلة: للناقة التي وصلت بين عشرة أبطن، ومن الشاة التي (١) هكذا في الأصول، وفي ((القاموس)) و((الصلات)) ص٦: المصولة. (٢) من أ،ج، د، هـ، وفي ب، و((الصلات)) ص٦، و((القاموس)): لاوص ٥٠ ولدت سبعة أبطن عَناقين عَناقين. فظهر بذلك معنى الضمّ والجمع في جميع موادّ الكلمة. فسميت الأفعال المشروعة المخصوصة: ((صلاة)) لِمَا فيها من اجتماع الجوارح الظاهرة، والخواطر الباطنة، وإزاحة المصلي عن نفسه جميع المُفَرِّقات والمُكَدِّرات، وجمعِه جميعَ المهمّات المجمّعات للخاطر المسكِّنات، أو لاشتمالها على جميع المقاصد والخيرات، وكونها أصلَ العبادات وأمَّ الطاعات. انتهى. وتستعمل الصلاة بمعنى الاستغفار أيضاً، ومنه قوله وثر: ((إني بُعثت إلى أهل البقيع لأصلِّيَ عليهم)) فإنه فسِّر في الرواية الأخرى ((أُمِرت أن أستغفرَ لهم)). وتستعمل بمعنى البركة، ومنه قوله وَ له: ((اللهم صلِّ على آل أبي أَوْفی)» . وتستعمل أيضاً بمعنى القراءة، ومنه قوله: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تُخافِتْ بها﴾ [الإسراء: ١١٠]. وبمعنى الرحمة والمغفرة. وأما قول الأعشى: يُراوحُ من صلواتِ المَلِيـكِ طَوراً سُجوداً، وطوراً جُؤْارًا(١) فالمراد به الصلاة الشرعية التي فيها الركوع والسجود، والحوار هنا: (١) أثبتُ مافي ((الديوان)) ص٦٣ القصيدة الخامسة. وفسَّر ((جؤاراً)): دعاءً، مع أن المصنف كتب الكلمة الأخيرة: حوارا، ووضع تحت الحاء حاء صغيرة علامة على إهمالها، وفسَّرها بما تراه: الرجوع إلى القيام والقعود. وفي الأصول الأخرى مغايرات أخرى. ٥١ الرجوع إلى القيام والقعود(١). إذا تقرر هذا، فليعلم أن الصلاة تختلفُ حالها بحسب حال المُصَلِّي، والمُصلَّى له، والمصلَّى عليه. ففي البخاري عن أبي العالية: أن معنى صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه عند ملائكته، ومعنى صلاة الملائكة عليه: الدعاء له، وكذا رُوِّينا في أواخر ((الثامن من حديث الخراساني)) عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦] قال: صلاة الله عليه: ثناؤه عند ملائكته، وصلاة الملائكة عليه: الدعاء له، وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾ أُدعُوا له. وعند ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) عن سعيد بن جبير، ومقاتلٍ بن حيان ﴿هو الذي يصلي عليكم﴾ [الأحزاب: ٤٣]: يغفرُ لكم ويأمرُ الملائكة أن يستغفروا لكم. وعن ابن عباس أن معنى صلاة الملائكة: الدعاء بالبركة. وقد علَّق ذلك البخاري عنه فقال: وقال ابن عباس: يصلون يبرّكون. ونقل الترمذي عن سفيان الثوري وغيرٍ واحد من أهل العلم، قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار. وهو منقول عن أبي العالية والضحاك، إلا أنهما قالا: صلاة الملائكة الدعاء. وقال الضحاك بن المُزاحِم أيضاً: صلاة الله رحمته، وفي رواية عنه: مغفرته، وصلاة الملائكة: الدعاء، أخرجهما إسماعيل القاضي من طريقه، فكأنه يريد الدعاء بالمغفرة ونحوها. (١) هذه الخلاصة لمعاني الصلاة من ابن عبدالبر أيضاً في ((التمهيد))، والمصنف يأخذ بواسطة الفيروزأبادي، وما بعده مأخوذ منه أيضاً، وزاد عليه المصنف آثاراً كثيرة . ٥٢ ورجّح الشيخ شهاب الدين القَرافيُّ أن الصلاة من الله: المغفرة، وكذا فسرها الأُرْمَويُّ والبيضاوي. وقال الإمام فخر الدين الرازي والآمٍدي: إنها الرحمة. وروى ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) أيضاً عن الحسن: أن بني إسرائيل سألوا موسى: هل يصلِّي ربُّك؟ قال: فكأن ذلك كبُر في صدر موسى فأوحى الله إليه: أخبرهم أني أصلِّي، وأن صلاتي: إن رحمتي سبقت غضبي . وهو في معجمَي الطبراني ((الأوسط)) و((الصغير)) عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة رفعه «قلت: يا جبرائيل أَيُصَلِّي رِبُّك جلَّ ذِكره؟ قال: نعم، قلت: ماصلاتُه؟ قال: ستُوحٌ قدُّوسٌ، سبقتْ رحمتي غضبي)). وكذا رُوِّيناه في ((الأول من حديث ابن الشِّخِّير))، من حديث عمرو بن مُرَّة، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة - وقال مرة: عن جابر - رفعه: ((قلت: ياجبريلُ هل يصلي ربك؟)) وذَكَره. وعند ابن أبي حاتم أيضاً من طريق عطاءِ المذكور في قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ قال: صلاته تبارك وتعالى: سُّوحٌ قدُّوسٌ، سبقت رحمتي غضبي. وقال المبرّد: الصَّلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: رِقَّةٌ تَبْعث على استدعاء الرحمة . وتُعقّبَ: بأنَّ الله تعالى غايرَ بين الصلاة والرحمة في قوله تعالى ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾، وكذلك فهم الصحابة المغايرة من قوله: ﴿صلُّوا عليه وسلموا تسليماً﴾ حتى سألوا عن كيفية الصلاة مع ما تقدم من ذكر الرحمة في تعليم السلام، حيث جاء بلفظ: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وأقرَّهم النبي ◌َّ، فلو ٥٣ كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم: قد علَّمتم ذلك في السلام. وقد قال ابن الأعرابي: الصلاة من الله: الرحمة، ومن الآدميين وغيرهم من الملائكة والجن: الركوع والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطير والهوامّ: التسبيح، قال تعالى: ﴿كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه﴾ [النور: ٤١]. وقال ابن عطية: صلوات الله على عبيده: عفوُهُ ورحمته وبركته وتشريفُه إياهم في الدنيا والآخرة. وقال في قوله تعالى: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾ [الأحزاب: ٤٣]: صلاة الله على العبد: هي رحمتُه له، وبركتُه لديه، ونشرُه الثناءَ الجميل عليه، وصلاة الملائكة: دعاؤهم. وقال غيره: صلاة الملائكة رقةٌ ودعاءٌ. وقال الراغب: الصلاة في اللغة: الدعاء والتبريك والتمجيد، ومن الله: التزكية، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الناس الدعاء. وقال الزمخشري: لما كان من شأن المُصَلّ أن يتعطَّف في ركوعه وسجوده استُعير لمن يتعطَّف على غيره حُنُوّاً عليه وترؤّفاً، كعائدٍ المريض في انعطافه عليه، والمرأة في حُنُوِّها على ولدها، ثم كثُر حتى استعمل في الرحمة والترؤّف. ومنه قولهم: صلى الله عليك، أي ترحَّم وتَرَأَفَ. حكاه المجد اللغوي. وقال بعده: فإن قلتَ: هو الذي يصلي عليكم: إن فسرتَه بترخَّم وترأَّف فما تصنعُ بقوله تعالى: ﴿وملائكته﴾؟ قلت: هي مثل قولهم: اللهم صَلِّ على المؤمنين، جُعلوا لكونهم مستجابي الدعوة كأنهم فاعلون الرحمة والرأفة . وقال الماوَرْدي: هو اسم مشترك لمعانٍ: فمن الله - في أظهر الوجوه -: الرَّحمةُ، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء، ٥٤ وقال: إنما أكَّدها بالعطف مع اختلاف اللفظ لأنّه أبلغ. انتهى(١). وجوَّز الحَلِيمي أن تكون الصلاة بمعنى السلام عليه، قال شيخنا: وفيه نظر، وحديث كعبٍ وغيرِه - يعني من الأحاديث الآتية - يردُّ على ذلك. وأولى الأقوال: ما تقدم عن أبي العالية: أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه: ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكةِ وغيرِهم طلبُ ذلك له من الله تعالى، والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة. وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصةً وتكون عامةً، فصلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم الرحمة، فهي التي وَسِعت كل شيء. ونقل عياض عن بَكْر القُشَيري قال: الصلاة على النبي من الله تشريفٌ وزيادة تكرمة، وعلى مَن دون النبي رحمة. وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي ◌َّ وبين سائر المؤمنين، حيث قال الله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ وقال قبل ذلك في السورة المذكورة: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته﴾. ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ◌ّ من ذلك أرفعُ مما يليق بغيره، والإجماعُ منعقدٌ على أن في هذه الآية من تعظيم النبي صَلىالله والتنويهِ به ما ليس في غيرها. انتهى(٢). وجعل الحَليمي أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه تعظيمُه له، فقال (١) انتهى النقل عن المجد اللغوي في ((الصلات والبشر)) ص ١٢. (٢) هكذا ثبتت هذه الكلمة هنا في الأصول الخمسة، ومفادها أنه هنا انتهى النقل عن القاضي عياض، وليس في كتابه ((الشفا)) ٦٢٦:٢ إلا النقل عن بكر القشيري! وليس في شرحه على صحيح مسلم ٢: ٣٠١ فما بعدها شيء من هذا. ٥٥ في ((شُعَب الإيمان)) له (١): أما الصلاة في اللسان فهي التعظيم، وقيل للصلاة المعهودة صلاةٌ: لِمَا فيها من حَنْي الصَّلا - وهو وسَط الظهر - لأن انحناء الصغير للكبير إذا رآه تعظيماً منه له في العادات، ثم سَمَّوْا قراءتها أيضاً صلاةً، إذْ كان المرادُ من عامة ما في الصلاة من قيام وقعود وغيرهما تعظيمَ الرب، ثم توسَّعوا فسمَّوْا كل دعاء صلاة إذا كان(٢) الدعاء تعظيماً للمدعوّ بالرغبة إليه والتبؤُّس(٣) له، وتعظيماً للمدعو له بابتغاء ما يُبتغَى له من فضل الله تعالى وجميل نظره. وقيل الصلوات الله: أي الأذكارُ التي يُراد بها التعظيم المذكور(٤)، والاعتراف له بجلالة القدر وعلو الرتبةِ، وكلُّها لله تعالى، أي هو مستحقُّها لا تليق بأحد سواه، فإذا قلنا: اللهم صل على محمد، فإنما نريد: اللهم عظّم محمداً في الدنيا بإعلاءِ ذكره، وإظهارِ دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وإجزال أجره ومثوبته، وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود، وتقديمه على كافة المقرّبين والشهود. قال: وهذه الأمور وإن كان الله تعالى قد أوجبها للنبي صلّ فإن كان شيءٌ منها ذا درجاتٍ ومراتبَ، فقد يجوز - إذا صلَّى عليه واحدٌ من أمته فاستُجيبَ دعاؤه فيه - أن يُزاد للنبي وَّر بذلك الدعاء في كل شيء، مما سميناه رتبةً ودرجةً. ولهذا كانت الصلاة مما يُقصد بها قضاءُ حقِّه، ويُتقرَّب بأدائها إلى الله (١) ((المنهاج)) ١٣٣:٢، وفي مطبوعته تحريفات كثيرة. (٢) في هـ: إذ كان. (٣) كتب تفسيرها على حاشية ب، هـ: ((كناية عن شدة الحاجة)). (٤) في هـ: تعظيم المذكور. ومثله في ((المنهاج)). ٥٦ عز وجل، ويدلُّ على أن قولنا ((اللهم صلِّ على محمد)): صلاةٌ منا عليه: أنَّا لا نملك إيصالَ ما يَعْظم به أمرُه ويعلو به قدرُه إليه، إنما ذلك بيد الله تعالى، فصحّ أن صلاتَنا عليه الدعاءُ له بذلك، وابتغاؤه من الله جلّ ثناؤه. قال: وقد يكون للصلاة على رسول الله وَ له وجه آخر، وهو أن يقال: الصلاة على رسول الله مَلّة، كما يقال: السلام على رسول الله، والسلام على فلان، وقد قال الله عز وجل: ﴿أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة﴾ ومعناه: لِتكنْ، أو: كانت الصلاة على رسول الله وَليل، كما يقال: صلى الله عليه، أي كانت من الله عليه الصلاة، أو لتكن الصلاة من الله علیه . ووجه هذا: أن التمني على الله سؤال، ألا تَرَى أنه يقال: غفر الله لك ورحمك الله، فيقوم ذلك مقام: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، والله أعلم. انتهى كلام الحليمي. وقوله: إن معنى الصلاة عليه التعظيم: قال شيخنا (١): لا يعكِّر عليه عطف آله وأزواجه وذريته عليه، فإنه لا يمتنع أن يُدعى لهم بالتعظيم، إذ تعظيم كل أحدٍ بحسَب ما يليق به، وما تقدم عن أبي العالية أظهر(٢)، فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله تعالى وإلى ملائكته وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيده: أنه لا خلاف في جواز الترحّم على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، واختُلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا ((اللهم صلِّ على محمد)): (١) ذكر المصنف شيخه الحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى آخر الكتاب ص ٤٨٢ وقال: ((كلُّ ما جاء في هذا الكتاب ((شيخنا)»: فهو المراد)). قلت: وهو مراده في كتبه كلها، كما هو معلوم. (٢) ص ٥١ أول الأقوال. ٥٧ اللهم ارحمْ محمداً، أو ترحّمْ على محمدٍ، لجاز لغير الأنبياء، وكذا لو كانت بمعنى البركة، وكذا الرحمة: لسقط الوجوب في التشهد عند من يوجبه بقول المصلي في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويمكن الانفصال بأن ذلك وقع بطريق القصد فلا بدَّ من الإتيان به ولو سبق الإتیان بما يدلُّ علیه. فائدة: روِّينا في ((فضل الصلاة على النبي ◌َّة)) لإسماعيل القاضي عن محمد بن سيرين أنه كان يدعو للصغير - يعني الميت - ويستغفر، كما يدعو للكبير، فقيل له: إن هذا ليس له ذنب! فقال: النبي وَّ قد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، وقد أُمِرت أن أُصلِّيَ عليه . قلت: والحكمة في الثاني(١) تؤخذ مما قدمناه قريباً، وكذا مما سيأتي في المقدمة أيضاً قُبيل الكلام على تفسير الآية. وقد قال الفاكِهاني: إن الصلاة عليه عبادة لنا، وزيادة حسنات في أعمالنا، قال: وفيه نكتة أخرى بديعة، وهي أنه رَّ أحبُّ الخلق إلى الله تعالى، ونحن إنما نذكره بإذكار الله لنا، فهو الذاكر في الحقيقة، ومن أحبّ شیئاً أکثر من ذكره. انتهى. أو نقول: ونحن إذا صلينا عليه: صلى الله علينا، فيستلزم إكثارَ صلاته علينا، ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره. قاله شيخنا. والله أعلم. وأما الحكمة في طلب المغفرة للصغير مع أنه لا يلحقه إثم، فهي كما قال شيخنا رحمه الله إذْ سُئل عن قولهم في دعاء الجنازة ((اللهم اغفر لصغيرنا وكبيرنا)): يحتمل أوجهاً: (١) أي: في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وانظر صفحة ٨٣ ((المقصود بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)). ٥٨ أحدها: أن يكون المرادُ بطلبها له تعليقَها ببلوغه إذا بَلَغَ، وفَعَل ما يحتاج إليها . ثانيها: أن يكون طلبها له ينصرف إلى والديه، أو إلى أحدهما، أو إلی من ربّاه - مثلاً - . ثالثها: أنه ينصرف إليه برفع منزلته مثلاً، كما في البالغ الذي لا ذنب له إذا فُرِض، كمن مات بعد بلوغه بقليل، أو بعد إسلامه الخالص بقليل. رابعها: أنه يتخرَّج على أحد أقوال العلماء في الأطفال والمراهقين، وكذا من بلغ العشرَ من السنين، فإنّ كل ذلك محتمِل لأنّ المسألة اجتهادية، فيحسُن الدعاء لهم باعتبار ذلك، والله أعلم. ٥٩ [حكم الصلاة على النبي وَلِيرٍ](١) وأما حكمها: فقد قال شيخنا رحمه الله: إن حاصل ما وقفتُ عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب : أولها: قولُ ابن جرير الطبري وغيره: إنها من المستحبات. وادّعى الطبري الإجماع على ذلك(٢). واعتُرِض عليه في ذلك، وممن لمَّح بالاعتراض عليه أبو اليمن ابن عساكر حيث قال: وحملَ بعضهم ما ورد من الأمر بذلك في الآية على الندب لا على الوجوب، ولا يُسلَّم لهذا القائل قولُه، ولا يَسْلَم من الاعتراض عليه فيه، فإنه ادّعى على ذلك الإجماع، وهو محلُّ النزاع. انتھی . وقد أوَّل بعض العلماء هذا القول بما زاد على المرة الواحدة، وهو متعيِّن، والله أعلم. ثانيها: مقابلُه، وهو أنها واجبة في الجملة بغير حصر، لكنْ أقلُّ ما يحصُل به الإجزاء مرّةٌ، وادعى بعض المالكية الإجماع عليه، وعبارة ابن القصار منهم: المشهور عن أصحابنا أن ذلك واجب في الجملة على الإنسان، وفرضٌ عليه أن يأتيَ بها مرةً في دهره مع القدرة على ذلك. وذكر الفاكِهاني عقب هذا ما ملخَّصه: يَحتَمِل أن يكون احترز بقوله ((المشهور)) عن قول الطبري - يعني الماضي -، ويَحتمِل أن لا مفهوم (١) زيادة للتوضيح، وليست في الأصول، والنقل عن شيخه من ((فتح الباري)) ١١ :١٥٢- ١٥٣ (٦٣٥٧). (٢) زاد في أ: ((قلت: لم يُصب في ذلك، لكنْ هذه عادته)). وكأنه عدل عنها بعدُ. ٦٠ لذلك، وإنما أراد: اشتهر من قول الأصحاب، لا أنَّ ثَمَّ مخالفاً. وقال القاضي أبو محمد ابن نصر(١): الصلاة على النبي ◌ُّر واجبة في الجملة . وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء أن الصلاة على النبي ◌َّ فرض على كل مؤمن، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾. ثالثها: تجبُ مرّة في العمر في صلاةٍ أو في غيرها، وهي مثلُ كلمة التوحيد(٢)، وهو محکیّ عن أبي حنيفة، وقد صرح به من مقلدیه أبو بكر (١) هو القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي (٣٦٢-٤٢٢) رحمه الله، وهو المراد بـ((القاضي)) إذا أُطلق عند السادة المالكية. وهو الذي عناه أبو العلاء المعري بقوله : بلادنا، فحمِدنا النأي والسفَرا والمالكيُّ ابن نصر زار في سفرٍ وينشر الملِك الضُّلِّيل إن شَعرا إذا تفقَّه أحيا مالكاً جَدَلاً والملك الضليل: هو امرؤ القيس. (٢) جاء هنا على حاشية ج مقولتان بخط صاحب النسخة ومالكها العلامة المحقق المحدث الفقيه عمر بن عبد الوهاب العُرْضي الحلبي (٩٥٠-١٠٢٤) رحمه الله، وكتب المقولة الثانية بعد الأولى بزمن، وبقلم مغاير، قال أولاً: ((أقول: لم يظهر لي فرق بين هذا القولِ، والقولِ الذي قبله، وأنتَ إذا تأملتَهما وكنت منصفاً لم تجد بينهما فرقاً، فحكايتهما قولين ينبغي أن يعدّ سهواً من المصنف)). ثم كتب: ((وأقول: ثم إني بعد ما كتبت هذا ظهر لي الفرق، وهو أن القول الذي قبل هذا يقول: إن الواجب إيجاد ماهية الصلاة، فإن وجدت - قليلاً أو كثيراً - يقع ما وجد منها فرضاً، كمسح الرأس عند الشافعي، فإنه إن مسح منه شعرة أو مسح كله، يقع فرضاً. بخلاف هذا القول فإنه يعيِّن وجوب المرة، فإن وُجد أكثر منها كان ذلك نفلاً لا فرضاً، كالحج، فإن الفرض منه مرة واحدة، فإن زاد عليها كان الزائد نفلاً. فتأمله. كاتبه: عمر العُرْضي)). وفي هذا درس وتنبيه إلى ضرورة التأني وعدم التسرع.