النص المفهرس
صفحات 1-20
القول البَرِيعُ فِي الصَّلاَةَ عَلى الحَيْبِ الشّفْع (صَلَّ اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِلْإِمَامِ الْحَافِظِ المُؤَرَّخِ مَّدِبْن عَبْدِ الرَّحْمِنِ السّخَاوِيّ وُلْدَ سَنَة ٨٣٩هـ - وَثُونَيَّ سَنَة ٩٠٢ هـ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالى النَّصُّ الْكَامِلُ قَابَلَهُ بِأَصْلِ مُصَنَّفِهِ وَيَأَرْبَةِ أَصُولٍ أَخْرِى محمّد عوامة مؤسسة الريان القول البَّيع في الصَّلاَة عَلَى الجَيْبِ اللَّفِيعِ (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِلْإِمَامِ الْحَافِظِ المؤَّخِ مُحَدِبْن عَبْدِ الرَّمِنِ السَّخَاوِيّ وُلِدَ سَنَة ٨٣٩هـ - وَتُفَيَّ سَنَة ٩٠٢هـ رَحِمَهُ الله تعَالى النَّصُّ الْكَامِلُ قَابَهُ بِأَصْلِ مُصَنِّفِهِ وَيَأَرْبَةِ أُصُولٍ أُخْرِى محمّد غواية الإهداء إلى رُوح محي الدين والعلم، النَّطِى بَرَاهِين الكُتَابُ وَ السُّنة مَ أنَار القلوب والعقول وجمعَها على مجّهُ اللّه فَعَالى ورسوله صلى اللّه عليْه وَسَلّم العَلّامَةِ الرّيَّانيّ المَرَبّ الشيخ عبد اللّهَال ◌َرَاجِ الدّ تُوقِي إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عشَاءَ الاثنين٢٠ من ذي الِحِجَّة من عام ١٤٢٢ هـ من تلميذه محَمّد عوّامَة رَبَّنَا فَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ جَيْع حقوق الطّبْع محفوظة الطّبَعَّة الأولىُ ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م E_mail: m_ abulkhair @ hotmail. com أو: المملكة العربية السعودية - المدينة المنورة - ص. ب: ٤٦٧٥. ١ ٥ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين كما يحبُّ ويرضى، والشكر له على جزيل نعمائه وآلائه لتدوم علينا وتَتْرى، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا وحبيبنا محمد المبعوث رحمةً للعالمين، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، حجة الله على العالمين، وقائد الغُرّ المحجَّلين، سيد السادات، وصاحب الخصائص والمعجزات، والآيات الباهرات، مَن شَرَّف الله تعالى العالمين به، ورحمهم ببعثته، وكرَّمهم بشريعته . اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه كما تحبُّ وترضى له، وكما يحبّ ويرضى لنفسه، صلاةً وسلاماً وبركة نستنزل بها علينا من رضاك ورحمتك، وفيضك وإحسانك، ما تجعلنا به قرَّة عين لحضرته الكريمة، مع العافية من كل سوء ومكروه. وبعد: فإن الاشتغال بالصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وَله من أعظم القُرُبات إلى الله عز وجل، ومن أجلّ أسباب الخيرات والسعادات للعباد في الدنيا والآخرة، وهو الأمر الإلهى الذي أخبر سبحانه وتعالى أنه هو وملائكته الذين لا يحصي عددَهم أحدٌ سواه جل وعلا يفعلونه قبل تكليفه العبادَ به، وذلك من باب الحضّ لهم على المبادرة إلى تنفيذ هذا الأمر العظيم، فقال عز وجل: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلِّموا تسليماً﴾ . ولذلك عُني العلماء قديماً وحديثاً بإفراد هذا العمل المبارك في كتب - سوى ما ذكروه ضمن كتبهم الأخرى - فمنهم المطوِّل ومنهم ٦ المختصر. وقد عدَّ المصنف جملةً منها في آخر هذا الكتاب، ونقل كلامه العلامة المحبّ الشيخ يوسف النبهاني رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه ((سعادة الدارين))، وزاد عليه من كلام الإمام الزَّبيدي رحمه الله تعالى في ((شرح الإحياء)) (١)، ثم زاد عليهما، ولم يستوعب. كما تفنَّن العلماء باختيار جُمَل ينشئونها يرون أنها جامعة لمعانٍ كثيرة، في عبارات وجيزة، تحقَّق مرادهم في أنها أعمُّ وأقربُ، وقد جرى على هذا بعض السلف والخلف، كما ترى هذا فيما نقله المصنف عن بعضهم(٢)، وثَمَّةَ غيرهم كثير. فهذان مقصدان في الكتب المفردة في الصلاة على النبي ◌َّ، أولهما: ما جاء في الكتاب والسنة مما يتعلق بهذا الغرض، وثانيهما: الصلوات التي وردت عن بعض السلف ومن تبعهم من عباد الله الصالحين . وكتابنا هذا جامع للمقصد الأول، وطَرَف يسير من الثاني. ومِن آخر مَن كتب في هذا الباب: شيخنا وعمدتنا العلّامة الحجة فضيلة سيدي الأستاذ عبدالله سراج الدين حفظه الله تعالى وأمتع المسلمين به، في كتابه «الصلاة على النبي ◌َّر، أحكامها، فضائلها، فوائدها)) وقد سلك فيه مسلك تقريب الكتاب إلى كافة القراء، فاقتصر فيه على ما يهمُّ وينهض بالهمم للعمل، جزاه الله أحسن الجزاء. (١) ٣ :٢٨٩. (٢) صفحة ١١٣ عن ابن عمر، ١١٨-١١٩ عن عليّ، ١٢٢ عن ابن عباس والحسن البصري، ١٢٣ عن أبي الحسن ابن الكرخي صاحب معروف، ١٢٦ عن ابن مسعود، وغيرهم. ٧ والإمام السخاوي: شهير غني عن الترجمة المختصرة التي لا جديد فيها، والدراسةُ المطوّلة لا يحتملها هذا الكتاب. وأما كتابه هذا، فقد جاء في مقدمة مصنفه - وهو الإمام المطَّلع -: ((المرجوُّ من فضل الله ذي المنّ والجود، أن يكون هذا التأليف إماماً في كثرة الجمع، وحائزاً لجلِّ المقصود)). وقال قبل ذلك بقليل في بيان سبب تأليفه: ((سألني بعض الأصدقاء أن أجمع كتاباً في الصلاة على خير البشر .. يكون عمدة لمن رجع إليه .. ، غيرَ مطيل ذلك بالإسناد، ليسهل تحصيله لأولي التوفيق والسداد، ومعقِّباً كلَّ حديث بعزوه لمن رواه، مبيّاً - غالباً - صحتَه أو حسنه أو ضعفه لدفع الاشتباه، ذاكراً لنبذة يسيرة من الفوائد المأثورة، والنوادر المشهورة، والحكايات المسطورة .. سالكاً في ذلك كله مسلك الاختصار)). فهو كتاب علميّ حديثي جامع محقَّق مخرَّج، مع أخبار وطُرَف مرقِّقة للقلوب، محركة للعزائم، لتحقيق ما قصد إليه في تصنيف كتابه هذا، وهو تحريك اللسان، وتوجيه الجنان، للتعلّق بسيدنا رسول الله وَّية، فلم يَقصِر كتابه على إفادة أهل العلم والاختصاص، بل جَمَع بين الحُسْنَيين: إفادةِ الخاصة والعامة، وإن كان هذا قد لا يُرضي بعض الناس، فإرضاء الناس غاية لا تدرك. وقد لقي الكتاب من ثناء العلماء الفحول ما هو جدير به وحقيق، فقد قال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه ((الدر المنضود)) وقد أشار إلى إعراض الناس عن: ((كتب هذا المقصد الأسنى، لاشتمالها على بعض البسط وزيادة التأصيل والتفريع، ككتاب الحافظ السخاوي المسمى بـ((القول البديع))، هذا، مع أنه أحسنُها ٨ جمعاً، وأحكمها وضعاً، وأحقها بالتقديم، وأولاها بالإحاطة، لما فيه من التحقيق والتقسيم)). وقال الإمام الزبيدي في ((شرح الإحياء))(١): ((هو أحسن كتاب صُنِّف في الصلاة عليه، (وَ)). وقال شيخ شيوخنا العلامة النبهاني في ((سعادة الدارين))(٢): ((وأجمل هذه الكتب وأجمعها، وأفضلها في علم هذا الفن وأنفعها: القول البديع))، ثم نقل كلمة الزبيدي السابقة، وناهيك بثناء هؤلاء الثلاثة: جلالةً في العلم، واطلاعاً على المؤلفات. ومعرفة المقصود من كل عمل: هو أهم ما يسعى إليه العامل العاقل، وقد نقل المصنف رحمه الله فيما يأتي(٣) عن الحَليمي وغيره بيان المقصود من الصلاة على النبي ◌ّر، ومما نقله عن بعضهم قوله: ((من أوجب شعب الإيمان: الصلاة على النبي وَلّ محبةً له، وأداءً لحقه، وتوقيراً له وتعظيماً، والمواظبة عليها من باب أداء شكره وَثله، وشكرُه واجب، لِمَا عظُم منه من الإنعام، فإنه سبب نجاتنا من الجحيم، ودخولنا في دار النعيم، وإدراكنا الفوز بأيسر الأسباب، ونيلنا السعادةَ من كل الأبواب، ووصولنا إلى المراتب السنية والمناقب العلية بلا حجاب)) . (١) ٣ :٢٩٠. (٢) ص ٨. (٣) صفحة ٨٣ -٨٤. ٩ وقد شرح هذا المعنى وأسهب فيه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في ((جلاء الأفهام))، ومما قال(١): ((هو محمودٌ وَلّه بما ملأ الأرض من الهدى والإيمان، والعلم النافع، والعمل الصالح، وفتح به القلوب، وكشف به الظلمة عن أهل الأرض، واستنقذهم من أسْر الشياطين .. ، وليس في الأرض موضعُ قدم مشرق بنور الرسالة !.. فأغاث الله به البلاد والعباد، وكشف به تلكَ الظُلم، وأحيا به الخليقة بعد الموت، فهدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وكثَّر بعد القِلَّة، وأعز به بعد الذلَّةَ، وأغنى به بعد العَيْلة، وفتح به أعيناً عُمْياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلفاً ... وعرَّفهم الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يَدَع حسناً إلا أمرهم به، ولا قبيحاً إلا نهى عنه .. وعرَّفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتمَّ تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، حتى هدى الله به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأيُّ بشرِ أحقُّ بأن يُحمد: منه وَّهَ وجزاه عن أمته أفضل الجزاء ... ومما يُحمد عليه وَّ ما جَبَله الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشِّيم، فإن من نظر في أخلاقه وشِيَمه بَّ علم أنها خير أخلاق، فإنه وَلو كان أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة، وأصدقَهم حديثاً، وأجودهم وأسخاهم، وأشدَّهم احتمالاً، وأعظمهم عفواً ومغفرة، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً ... وكان أرحمَ الخلق وأرأفَهم بهم، وأعظم الخلق نفعاً لهم في دينهم ودنياهم، وأفصحَ خلق الله، وأحسنهم تعبيراً عن المعاني الكثيرة (١) ما سيأتي ص ١٦٩ فما بعدها. ١٠ بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد، وأصبرَهم في مواطن الصبر، وأصدقهم في مواطن اللقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشدَّهم تواضعاً، وأعظمهم إيثاراً على نفسه، وأشدَّ الخلق ذبّاً عن أصحابه وحماية لهم ودفاعاً عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، وأوصل الخلق لرحمه. فهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، ويحمده أهل السماء والأرض، ولكثرة خصائله المحمودة التي تفوت عدَّ العادّين، سمِّي باسمين من أسماء الحمد - محمد، وأحمد - يقتضيان التفضيل والزيادة في القدر والصفة)). انتهى. ((فلذا وجب أن يكون حظُّه وَلَّ من محبتنا أوفى وأزكى من محبتنا لأنفسنا وأولادنا، وآبائنا وأهلينا وأموالنا أجمعين، بل لو كان في كل مَنْبِت شعرة منا محبةٌ له صلوات الله وسلامه عليه دائماً: لكان بعضَ بعضٍ مايستحقه علينا، وقد علمتَ: أن من أحبَّ شيئاً أكثَرَ من ذكره. قال المحاسبي: علامة المحبين كثرة الذكر للمحبوب على الدوام، لا ينقطعون ولا يَمَلُّون ولا يفترون. فالمحبون قد اشتغلت قلوبهم بلزوم ذكر المحبوب عن اللذات، وانقطعت أوهامهم عن عارض دواعي الشهوات، وإن أولى وأعلى وأغلى، وأفضل وأكمل، وأبهى وأشهى، وأزهرَ وأنورَ ماذُكر به هذا المحبوب الكريم، والرسول العظيم: الصلاة والتسليم .. إذ هي من عقود الإيمان الذي لا يتمُّ إلا بها .. ))(١). (١) من مقدمة الإمام القسطلاني في ((مسالك الحنفا)) ص ٤٠-٤١ بعد ما نقل بعض ما نقلته عن ابن القيم. ١١ وإذا كان أثر رسول الله وسلّ على العباد، بل على العالمين كلهم، - وهو الأثر الذي خوَّله الله تعالى إياه وتفضل به عليه -: كما ذكر ابن القيم بعضه، ونقلتُ بعضه: فإن قول بعض أهل العلم: كلمة كذا، أو قول كذا فيه مبالغة في مدح النبي ◌ُّ: ما هو إلا سَهْوة قلم، لا يُوقف عندها، وأيُّ مبالغةٍ أمام قول الله عز وجل: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾؟! وأيُّ مبالغةٍ أمام قوله تعالى: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾؟! وأيُّ مبالغة أمام قول الله جلَّ شأنه: ﴿وإذْ أخذَ الله ميثاق النبيين لَمَا آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدِّق لِمَا معكم لتؤمِنُنَّ به ولتنصُرُنَّه﴾؟! وأي مبالغة أمام قول الله سبحانه: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾؟! وأمام آية: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾، وآية: ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم .. ﴾، وغير ذلك من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة. نعم، وأيّ مسلم يجاوز حدود قوله بَّه: ((لا تُطروني كما أَطْرَتِ النصارى عيسى ابن مريم))؟(١). وستأتي في أول الباب الثاني(٢) أحاديث كثيرة فيها البشارة بأن من صلَّى على النبي وَّ مرة صلَّى الله عليه بها عشراً، وغير ذلك من الفوائد والثمرات. ولكن ما هي حُظوة العبد بهذه الصلوات من الله الجليل العظيم؟ . قال الفاكهاني - فيما نقله عنه المصنف -(٣): ((غاية مطلوب الأولين (١) على أنَّ الذي أعنيه غير هذا، انظر مثلاً ص ١٩٦، وترجمة القسطلاني من ((الكواكب السائرة)) ١٢٧:١ . (٢) صفحة ٢٣٢. (٣) صفحة ٨٥- ٨٦. ١٢ والآخِرِين صلاةٌ واحدة من الله تعالى، وأنَّى لهم بذلك؟! بل لو قيل للعاقل: أيُّما أحبُّ إليك: أن تكون أعمال جميع الخلائق في صحيفتك، أم صلاةٌ من الله تعالى عليك؟: لَمَا اختار غير الصلاة من الله تعالى))(١) . ووردت بعض الأحاديث في فضيلة السلام على سيدنا رسول الله وليه كذلك: أنَّ من سلَّم عليه سلَّم الله عليه، وفي بعضها: أن من سلَّم عليه سلَّم الله عليه عشراً(٢)، وسترى قول المصنف رحمه الله - وهو الحافظ الناقد -: ((سلامٌ من الله عز وجل أفضل من مئة ألفِ ألفِ ألفٍ جنة!))(٣). وها هنا أمران نبّه إليهما الفاكهاني رحمه الله تعالى في تمام كلامه الذي نقلت طرفاً منه قبل أسطر، أحدهما: عِظَم مقام محمد بَّ عند ربه جل وعلا، وثانيهما: ما بالُ أحدِنا يَحرم نفسه من هذه المكارم؟! قال رحمه الله بعد قوله: ((لَمَا اختار غير الصلاة من الله تعالى)): ((فما ظنك بمن يصلِّي عليه ربنا سبحانه وتعالى وجميعُ ملائكته على الدوام والاستمرار؟! فكيف يحسُن بالمؤمن أن لا يكثر من الصلاة عليه، أو يغفل عن ذلك؟!)). أما الأمر الأول - وهو عِظَم مقام محمد مَّ عند ربه جل وعلا - فإن عقول البشرية كلها لا تستطيع إدراك ذلك، ولا أن يحوموا حول حماه. ذلك أن الفضل العظيم للصلاة الواحدة من الله تعالى على عبده هو (١) وكأن ذلك لأن الأعمال بين القبول والردّ، أما الصلاة من الله تعالى: فلا. (٢) انظر صفحة ٢٣٦، ٢٣٨، ٢٤٢. (٣) ص ٢٨٩. والمراد بهذا العدد الكثرة الكاثرة، لا التحديد الذي يفتقر إلى دلیل . ١٣ - كما يصوِّره الفاكهاني -: تقديم الصلاة الواحدة من الله تعالى على أن يكون ثواب أعمال جميع الخلائق في صحيفة العبد، فما بالك بالصلوات العشر؟ وما بالك بالصلوات الكثيرة التي يصليها المسلم في كل يوم؟ بل: في عمره كله؟ وما بالك بما أعدَّه الله تعالى للعبد الصالح الذي يكون هِجِّيراه هذا العمل المبارك؟ ثم ما تصوُّرك لما أعدَّه الله لملايين الملايين من المسلمين مقابل صلواتهم على حبيبه المصطفى وَلات؟ !!. وهكذا يقال في مكرُمة السلام من الله عز وجل على من يسلِّم على نبيه الحبيب: سلامٌ من الله عز وجل أفضلُ من مئة (مليار) جنة! فكيف بعشر سلامات منه سبحانه! فكيف بتسليم العبد في يومه كلِّه! وفي عمره كله! وكيف بتسليم عباد الله الصالحين المكثرين من الصلاة والسلام؟ وكيف بما أعدَّه الله لملايين الملايين من المسلمين - الإنس منهم والجن، فإنهم مكلّفون - مقابل تسليماتهم على رسول الله وَرَ؟؟ !!. هل تصل العقول البشرية كلها مجتمعةً إلى عظمة ذلك؟! اللهم لا، ولن. ثم إذا جمعنا بين هذا وذاك، فهل تستطيع العقول البشرية كلها لو اجتمعت أن تصل إلى عظمة هذه الأفضال والمكرمات، على من يصلّي ويسلّم على سيد السادات؟؟ اللهم لا، ولن، ولن. وهنا يرِدُ سؤال الإمام الفاكهاني رحمه الله ورضي عنه عن جلالة مقام المصطفى ◌َ﴿ وعظمته عند ربه جل ثناؤه: إذا كان هذا كلُّه من أجل محمد وَّ، فما هو مقام محمد ◌َّ إذن؟؟. وإذا كان هذا كله من أجل محمد صلوات الله وسلامه عليه، مضافاً إليه: صلاة الله تعالى عليه، وصلاة جميع ملائكته، من يوم أنْ صلَّى وسلم عليه إلى مالا نهاية له، فما هو مقام محمد نَّ؟؟ اللهم إن هذا ١٤ أمر موكول إليك، أنت ربُّه وخالقه الذي تفضّلت بذلك كله عليه، ورفعته إلى هذا المقام، فسبحانك أنت الكريم الوهاب. وإذا كان الأمر كذلك، أفلا ترى معي - أخي المسلم - أن أقل ما يقوله القائل ويخاطب به هذا الرسول العظيم: فداك روحي وأمي وأبي يا رسول الله! اللهم نعم، واشهد يا رب. وأما الأمر الثاني - وهو ما بالُ أحدنا يحرم نفسه من هذه المكارم -: فيؤخذ جوابه من الأمر الأول. فصلوات الله تعالى وتسليماته على هذا النبي العظيم الذي شرَّف الله تعالى به الوجود، صلاة وسلاماً دائمين أبداً في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله العظيم. ومن عظيم كرامة سيدنا رسول الله وَله على ربِّه جلَّ شأنه: ما قاله الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى(١): ((أخبر الله تعالى أنه يصلي على من صلى على رسوله عشراً، وذِكْر الله للعبد أعظمُ من الحسنة مضاعفةً، وتحقيق ذلك: أن الله تعالى لم يجعل جزاء ذكرِه إلا ذكرَه، كذلك جعل جزاء ذكر نبيّه وَّ ذكرَه لمن ذكره)). وزاد الحافظ العراقي على ذلك بقوله: ((بل لم يقتصر سبحانه وتعالى في الصلاة على نبيه بأن يصلِّي على المصلِّي عليه بالواحدة عشراً، بل زاده على ذلك رفعَ عشر درجات وحطّ عشر سيئات، وكتابة عشر حسنات)) . لكن نبّه العلامة العُرْضي - كما تراه في التعليق هناك - إلى نكتة أعلى من هذه وأجلّ فقال: ((بل أقول: لم يجعل الله جزاء الصلاة على نبيه (١) كما سيأتي ص ٢٨٥. ١٥ مجرَّد ذكرِ الله للمصلي، بل ذكرَه مع صلاة الله عليه، ولا يخفى أن صَلىالله وَسِلمُ صلاة الله على العبد معناها رحمة خاصة في مقابلة صلاته على نبيه، ولَعَمري إن هذا جزاء لا يعادله جزاء! وإذا تأملتَ علمت أنه أعظم جزاءً من جزاء الذكر، لأنه مجرد ذكر الله له، وأما جزاء الصلاة فهو ذكر مع ثناء ودعاء ورحمة من الله لا يعادلها رحمة. فافهمه)). فما على العبد المصلِّي والمسلِّم على النبي ◌َّ إلا أن يستحضر في قلبه شرافة عمله هذا، وأنه معروض على الله عز وجل وعلى النبي وَلاه، ليحصِّل هذه المآثر والمكارم على أكمل وجه، وفي أسرع وقت. قال المصنف رحمه الله(١): ((كفى بالعبد شرفاً أن يذكر اسمه بالخير بين يدي رسول الله وَالر، فقد قيل في هذا المعنى: ومن خطرتْ منه ببالك خطرة حقيقٌ بأن يسمو وأن يتقدَّما وقال الآخر: قولُ المبشِّر بعد اليأس بالفرج أهلاً بمن لم أكن أهلاً لموقعه ذُكرت ثَمَّ على ما فيك من عوج لك البشارة فاخلعْ ما عليك فقد فأكثر من ذكر نبيك بإحسان، وأَدِم الصلاة عليه بالجَنَان واللسان، فإن صلاتك تبلغه وهو في ضريحه، واسمك معروض على روحه. (وَ لٍّ)). والله تعالى أكرم مسئول وأكرم مجيب، وهو ولي التوفيق والإعانة، ويا سعادة الموفَّقين والمحبين. (١) صفحة ٣٣٢. ١٦ هذا، وقد كان من عون الله وتيسيره لإخراج هذا الكتاب المبارك: الحصولُ على خمس نسخ خطية منه، تعتبر كلُّ واحدة منها أصلاً بذاته من حيثُ الأصالةُ والصحة، لكنها كلَّها متممةٌ لبعضها؛ ففيها (مجموعةً) من الزيادات ما جعلني أقول: إن هذا هو النص الكامل لهذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ١- فالأصل الأول منها، ورمزه أ: هو نسخة المصنف بخطه وقلمه، وكانت أخيراً في حوزة العلامة مسند المغرب السيد محمد عبد الحي الكتاني رحمه الله تعالى، ثم أُدخلت المكتبة العامة بالرباط، وهي تامة في ١٢٨ ورقة متوسطة، ورقمت حديثاً بنظام ترقيم الصفحات، فهي في ٢٥٦ صفحة. وكان حصولي على صورة منها بمساعدة كريمة من شيخنا العلامة السيد عبد الله الصديق الغُمَاري رحمه الله تعالى وأجزل مثوبته. وكُتب على الصفحة التي قبل صفحة العنوان ثلاثة فوائد: الأولى: عن ((العهود المحمدية)) للعلامة الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى بواسطة كتاب آخر ((مجمع الفوائد ومعدِن الفرائد))، للشيخ عبد الكريم بن ولي الدين، ذكره إسماعيل باشا البغدادي في ((ذيل كشف الظنون)) وقال: ((هو جامع الأحاديث الواردة في فضل الصلاة على النبي ◌ََّ))، وأرَّخ وفاته سنة ١١٠٠ هـ. والفائدة الثانية والثالثة من ((مسالك الحنفا)) للعلامة القسطلاني شارح البخاري وصاحب ((المواهب اللدنية)) وغيرهما، نقلهما أيضاً بواسطة ((مجمع الفوائد)). وهذا الأصل - مع أنه بقلم مصنفه - يختلف كثيراً عن الأصول الأخرى ببعض ألفاظه، وبنقصٍ نقولٍ كثيرة، وتخريجات حديثية، وفوائد علمية، ذلك أنه ألّفه وهو في مقتبل شبابه: في الثانية والعشرين من عمره، فقد كانت ولادته سنة ٨٣٩، وتاريخ تأليفه له سنة ٨٦١، وتناقلَه عنه أصحابه، ١٧ والنسخةُ التي طُبعت في الهند سنة ١٣٢١ هـ، وعنها أُخذت طبعة المكتبة العلمية بالمدينة المنورة: تتفق مع هذا الأصل من حيث الجملة(١). ثم إنه أضاف إلى ما كتبه آنذاك إضافاتٍ كثيرة لعلها تعدل ربع الكتاب الأول، كما سيأتي. وكنت أعتقد أن هذا الأصل هو الإخراج الأول للكتاب، إلى أن استوقفتني المبشِّرة التي حكاها المصنف عن كتابه هذا، وهي في هذا الأصل الذي بخطه، قال: ((وقد أخبرني بعض الثقات من أصحاب الشيخ أحمد بن رسلان وغيره من الأولياء المعتبرين - ختم الله لنا وله بالصالحات - أنه رأى رسول الله ﴿ في المنام، وأنه أحضر إليه هذا الكتاب، ووضعه بين يديه، وأقرَّه رَّ على ذلك، في منام طويل)). فقوله ((أحضر إليه هذا الكتاب)): يحتمل القسمَ الذي كان أنجزه المصنف، فتكون الرؤيا أثناء تصنيفه له، ويكون هذا هو الإخراج الأول، ويحتمل أنه أحضر الكتاب كاملاً، فتكون البشارة حصلت بعد نَجَاز تأليفه الأول، وحكاية المصنف لها في هذا الأصل الذي أصفه دليل على أنه الإخراج الثاني له، والله أعلم. ويرشِّح هذا الاحتمال الثاني: أنه جاء تاريخ تأليف الكتاب بقلم (١) وسوف يرى القارىء الكريم في التعليق على ص ٢٢٤، ٢٤٢، ٤٥٣ ثلاث إضافات جاءت في هاتين الطبعتين ليست في الأصول الخمسة التي اعتمدتها، وغالب ظني أنها زيادات من قارىء لنسخةٍ ما، كتبها على حاشية النسخة، وجاء ناسخَ آخر بعده فأدخلها على نص الكتاب. يدل على ذلك أمران: أولهما: ما كتبه مصحح الطبعة الهندية على الزيادة الأولى، وقد نقلته هناك ص ٢٢٤. ثانيهما: أن إقحام الزيادة الثالثة في موضع غير مناسب يدل دلالة واضحة على أنها ليست من صنيع المصنف. والله أعلم. ١٨ المصنف هنا سنة ٨٦١، مع أنه جاء تاريخ تأليفه في آخر الأصل د، هـ والطبعتين السابقتين: سنة ٨٦٠، فيحتمل أن هذا تاريخ التأليف الأول، أما (٨٦١) فتاريخ الإخراج الثاني، وإن كنت أستبعد جداً أن يكون عام واحد بين الإخراجين. وذكر المصنف قبيل الباب الأول(١) أثر كعب الأحبار في أن الله تعالى يُنزِل صباحَ كل يوم، ومساءَ كلِّ ليلة سبعين ألفَ ملكٍ يحقُّون بالقبر الشريف، يصلّون على النبي ◌َّ، وختمه بقوله: ((وقد كنتُ أثبتُّه في الباب الأول، ثم رأيت أنه هنا أنسب)). جاء هذا الكلام والترتيب في الأصول الأربعة المتأخرة، أما في أصل المصنف هذا فإنه جاء - كما قال - في الباب الأول، بعد أكثر من ثلاثين صفحة، جاء قبل قوله ((٨- وعن ابن عمر رفعه ... ))(٢). ٢- والأصل الثاني، رمزه ب: وهو نسخة مقروءة على المصنف في ستة مجالس، وعليها خطُّه فيها كلِّها، وفي الأخير إجازته لصاحب النسخة بالكتاب وبسائر مروياته، وأن يجيز من يراه أهلاً لذلك. وعلى الورقة الأولى: ((وقف الملا عثمان الكردي)) ثم ختم على الورقة الثانية - وهي أول الكتاب - من أعلاها وأسفلها بختم فيه ما نصه: ((تنفيذاً لوصية المحدث الأكبر السيد محمد بدر الدين الحسني أعاد هذا الكتاب إلى الوقف حفيده السيد محمد فخر الدين محمد عصام، غفر الله لهم. سنة ١٣٩٥))، وتكرر هذا الختم على أوراق أخرى أثناء الكتاب، وآلت أخيراً إلى مكتبة الأسد بدمشق. (١) صفحة ٩٦. (٢) صفحة ١٣١. ١٩ وخطها نسخي واضح كبير، والضبط فيها كثير، وعلى حواشيها بعض الفوائد، وهي في ١٥٠ ورقة من القطع الكبير، وكلها بخط ناسخها أبي بكر بن أحمد بن إبراهيم الحلبي الباحَسِيتي، نسبة إلى محلة باحَسِيتا بحلب، وهي ملاصقة للشارع المشهور فيها باسم باب الفرج من جهته القبلية، ترجمه المصنف في ((الضوء اللامع))(١)، وأَرَّخ ولادته سنة إحدى عشرة وثمان مئة، أو آخر التي قبلها، وأرّخ وفاته سنة تسعين وثمان مئة، أو التي تليها، وهو من تلامذة الإمام سبط ابن العجمي بحلب، ثم ابن ناصر الدين الدمشقي بدمشق، ثم ابن حجر بالقاهرة، رحمهم الله جميعاً. وتاريخ كتابته لهذه النسخة سنة ٨٨٢، أي بعد واحد وعشرين عاماً من تأليف الكتاب وإخراجه الأول، فجاء فيه زيادات كثيرة على الأصل السابق. ٣- والأصل الثالث رمزه ج: وهو نسخة بخط أحد تلامذة المصنف بالقاهرة، واسمه أبو بكر بن رجب الحسيني، وهي في ١٨٣ ورقة متوسطة، إلا أن الصورة التي عندي تنقص الورقة ٤٠، ١٧٤، ١٧٥، وخطها نسخي واضح، جاء في آخرها: ((قال مؤلفه أمتع الله الوجود بوجوده، وأفاض عليه ملابس كرمه وجوده: آخر كتاب ((القول البديع))، وكان الفراغ من نسخه على يد أفقر عباد الله وأحوجهم لمغفرته: أبو بكر ابن رجب الحسيني سَكَناً، ختم الله [له] بخير في عافية أجمعين. آمين)). وله ترجمة عند المصنف في ((الضوء اللامع))(٢)، قال: ((أبو بكر بن رجب بن رمضان .. القاهري الحسيني سكناً الشافعي .. ، ولد سنة ٨٢٩ .. ، تميَّز في الفرائض، وأكثر التردّد إليَّ، وسمع مني أشياء رواية (١) ١١ : ١٧ . (٢) ١١ : ٣١. ٢٠ ودراية، بل حجّ معي في سنة خمس وثمانين .. مات بالطاعون في جمادى الثانية سنة سبع وتسعين، رحمه الله)). والمراد بقوله ((الحسيني سكناً)): أنه منسوب إلى حيّ الحسينية بالقاهرة، لا أنه من الأشراف المنسوبين إلى سيدنا الحسين رضي الله عنه، كما قاله في ((الضوء)) أيضاً(١) ،ولعل العيّ هذا هو حي مرسيكنا الحين المعروف الآن. وعلى هذه النسخة إضافة بعض الجُمَل بخط المصنف في موضعين منها: الورقة ٢٠،١٧، أثبتُّها في مكانها، وفيها زيادات أخرى على الأصل السابق نبهت إليها أحياناً، ثم نُقلت هذه النسخة من القاهرة إلى حلب، فقد جاء على الورقة الأولى منها: ملكه الفقير عمر بن عبد الوهاب العُرْضي الشافعي. والعُرْضي هذا من أسرة علمية بحلب، وكان هو من كبار علمائها، وابن أحد علمائها، فأبوه عبد الوهاب بن إبراهيم، وعمه محمد بن إبراهيم كانا من كبار علماء حلب، وتدرَّج عمه محمد في القضاء إلى أن كان (أقضى القضاة) فيها. ولعمر بن عبد الوهاب ترجمة عالية في ((إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء» للعلامة الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله تعالى (٢)، وأرخ ولادته سنة ٩٥٠، ووفاته سنة ١٠٢٤، ومن أهم مؤلفاته شرح كبير على (١) ١٩٨:١١. وعرَّف بهذا الحيّ الدكتور عبد الفتاح الحلو رحمه الله في تعليقه على الترجمة (٤٩٦) من ((الطبقات السنيّة)) للتميمي فقال: ((حارة كبيرة واقعة خارج سور القاهرة، تجاه باب الفتوح، ويتوسطها اليوم من الجنوب إلى الشمال شارع الحسينية، وشارع البيومي من باب الفتوح إلى ميدان الجيش (ميدان الأمير فاروق سابقاً).)). (٢) ٦ : ١٩١.