النص المفهرس
صفحات 1-20
دَارُ الكُبُ وَالوَثائِقْ القَوْمِيَّةُ مركز تحقيق التراث كِتَابُ فيه مَعْنَى الزُّهْدِ وَالمِقَالات وَصِّفَةِ الّاهِدِينْ لأبى سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشربْن الأعرابيّ الشهير بأبى سعيد الأعشرالى المتوفى عام ٣٤٠ هـ دراسة وإشراف ومراجعة الأستاذ الدكتور عامر النجار تحقيق خديجة محمَّد كامل باحث أول بمركز تحقيق التراث مَطِبَعَةٌ دَار الكتب المصرية بالقاهرة ١٩٩٨ بِدَارُ الكُبُهُ وَالوَثائِقِ القَوِيَّةُ مركز تحقيق التراث كِتَابُ فِيم ◌َعْنَى الشَّهْدِ وَالمقالات وَصَفَةِ الزّاهِدِين لأبى سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشربين الأعرابى الشهير بأبى سعيد الأعرابى (المتوفى عام ٣٤٠ هـ) دراسة وإشراف ومراجعة الأستاذ الدكتور عامر النجار تحقيق خدعجم محمّد كامل باحث أول بمركز تحقيق التراث مَطَعَةَّ دَار الكتب المصرية بالقاهرة ١٩٩٨ الله 3 تنويه موضوع الزهد فى الإسلام من الموضوعات التى تشغل بال كثير من الناس فى عالمنا العربى والإسلامى . وفى هذا المؤلف لأبى سعيد الأعرابى نجد طرحا علميا للموضوع من خلال الكتاب والسنة ، وسيرة السلف الصالح المهتدين بالآثار الصحيحة عن صحابة رسول الله وإنى أتقدم بوافر الشكر والتقدير لكل من ساعدنى فى أخراج هذا الكتاب بهذه الصورة الطيبة . وأخص بالذكر الآنسة مرفت عبد الرءوف صالح الباحثة بمركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية والأستاذ السيد حسن عرب مدير مركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية ، الذى قدم لنا سائر التسهيلات نحو نشر وطباعة هذا المخطوط ، فله منى عظيم الثناء . وأتقدم أيضا بوافر الشكر للأستاذ على أحمد خليفة مدير الإدارة العامة للمطابع والأستاذ عصام أحمد خليفة رئيس قسم الكمبيوتر بدار الكتب المصرية . وتحية خالصة صادقة لكل من عاون على إخراج هذا الكتاب وطباعته ، وأعترف بالفضل لكل ذى فضل ، والله تعالى يقول ﴿وَلا تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ . وبعد .. فإنه قبل أن نتعرف على أبى سعيد بن الأعرابى - مؤلف هذا الكتاب - وفكره ، لابدلنا من وقفة متأنية ، ودراسة دقيقة ، لنتعرف على حقيقة الزهد فى الإسلام ونبين مدى مشروعيته . الزَّهُزُ فِي الإِسْلامِ الزهد فى الإسلام أ .د.عامر النجار تعريف الزهد : الزهد معناه فى اللغة : عدم الرغبة ، والزهادة فى الشئ خلاف الرغبة فيه ، وتزهّد: أى صار زاهدا ، والزاهد: العابد(١) . وقال الإمام ابن عجيبة الصوفى: ((إن الزهد هو خلو القلب من التعلق بغير الرب ، أو برودة الدنيا من القلب، وعزوف النفس عنها))(٢). والزهد هو أول مقامات السالكين لطريق الله تعالى. يقول الإمام الرفاعى: (( الزهد أساس الأحوال المرضية ، والمراتب السنية ، وهو أول قدم القاصدين إلى الله عز وجل، والمنقطعين إلى الله والراضين عن الله ، والمتوكلين على الله ، فمن لم يُحكم أساسه فى الزهد ، لم يحصل له شئ مما بعده من المقامات))(٣). والزاهد: هو ((من ترك كل شئ يشغل عن الله)) (٤) ، فلابد للزاهد من ترك حب الدينا وإخراجها من قلبه بحيث لا يشغله شئ سوى الحق . عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله طل: ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)) (مسلم) . قال الإمام المناوى: (( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، لأن المؤمن ممنوع من شهواتها المحرمة فكأنه فى سجن والكافر عكسه ، وقيل : كالسجن للمؤمن فى جنب ما أعد له فى الآخرة من الثواب والنعيم المقيم، وكالجنة للكافر فى . جنب ما أعد له فى الآخرة من العقوبة والعذاب الأليم))(٥) (١) المعجم الوجيز ، ص٧. (٢) ابن عجيبة الشاذلى، معراج التشوف إلى حقائق التصوف ، طبعة مكتبة الاعتدال بسوريا ، ١٩٣٧. (٣) الشعرانى، عبد الوهاب: الطبقات الكبرى، طبعة مكتبة محمد على صبيح، القاهرة ١٣٤٣، ج ١، ص ١٢١. (٤) الرفاعى ، أحمد: الحكم ، طبعة شرف موسى، القاهرة، ١٣٠١ هـ، ص ٥٧ . (٥) المناوى ، فيض القدير شرح الجامع الصغير، طبع دار إحياء السنة النبوية، جـ٣ ص٥٤٧. ١٢ كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين مشروعية الزهد : لقد وجد الزهاد الأوائل فى آيات القرآن الكريم حثا على عدم إيثار الحياة الدنيا ، لأن فى ذلك هلاك المرء .. يقول تعالى: ﴿فَأُمَّا مَن طَغَى (٣٧) وَآَثَر الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٦) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات ٣٧: ٤١). ويقول تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالِأَوْلادِ كَمَثَلٍ غَيْثٍ أَعْجَبِ الْكُفَّارِ نَّبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: ٢٠). لقد كان الخوف من عذاب الله فى ناره الضارمة يوم القيامة ، سببا فى زهد الأوائل عن دنيا لا تساوى عند الله تعالى جناح بعوضة ﴿وإن يستغيثوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلٍ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف :٢٩) . ويقول تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صِلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحْضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (الحاقة : ٣٠ - ٣٤). ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أشد الناس خوفا من الله ، إذا ارتكب أحدهم أى شئ ، فإنه يشعر كأنه ارتكب أكبر الكبائر. مرَّ ثعلبة بن عبدالرحمن الأنصارى خادم رسول الله يوما بباب رجل من الأنصار، فبصر بامرأة الأنصارى وهى تغتسل ، فكرر النظر إليها . ولما أحس بذنبه خرج هائما عمربن على وجهه إلى جبال بين مكة والمدينة . فبعث رسول الله الخطاب وسلمان الفارسى فى طلبه ، فلقيهما راع من رعاة المدينة . فقال له عمر: هل لك علم بشاب بين هذه الجبال؟ قال : فلعلك تريد الهارب من جهنم . قال عمر: وما علمك بأنه هرب من جهنم؟ قال : لأنه إذا كان نصف الليل ، خرج علينا من الشعب واضعا يديه على أم رأسه يبكى وينادى : ياليتك قبضت روحى بين الأرواح، وجسدى بين الأجساد ، ولا تجردنى ليوم القضاء . ١٣ لأبى سعيد الأعرابى سأله : ما الذى غيبك عنى؟ قال : فلما أُتی به إلى رسول الله ذنبى ، قال : أفلا أعلمك آية تمحو الذنوب والخطايا؟ قال : بلى يارسول الله . قال: ((قل اللهم آتنا فى الدنيا حسنة ، وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) قال إن : ذنبى أعظم من ذلك. قال رسول الله صل: بل كلام الله أعظم ، وأمره بالانصراف إلى منزله . فانصرف ومرض ثلاثة أيام. فأتى سلمان النبى 8 وقال : إن ثعلبة عليه ، فأخذ برأسه ووضعه على حجره . فأزال لمائت . فدخل رسول الله ـي* فقال له رسول الله عليه: لم أزلت رأسك عن رأسه عن حجر النبى : جُ: ((ما تجد؟)) قال : حجرى؟ قال: لأنه ملآن من الذنوب. فقال رسول الله أجد مثل دبيب النمل بين جلدى وعظامى . قال : فماذا تشتهى؟ قال : مغفرة فقال : يا أخى إن ربك يقرئك السلام ربى . قال : فنزل جبريل على النبى : ويقول : ((لولقينى عبدى بقراب الأرض خطيئة ، للقيته بقرابها مغفرة)) قال ﴿ ذلك ، فصاح صيحة فمات . فأعلمه رسول إننا لا نستطيع أن ننكر أن القرآن الكريم ، كان مصدرا للزهاد الأوائل فى الإسلام ، فقد وجدوا فيه أصلا لزهدهم ، ولقيامهم الليل وكثرة تبتلهم وتحنثهم وقنوتهم . يقول تعالى ﴿ أمَّن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه﴾ (الزمر: ٩). ويقول تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعَّا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ (السجدة: ١٦). : ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ تُلُغَيِ وقال تعالی مخاطبا رسوله اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلْتَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾ (المزمل: ٢٠). ولقد زهد العُباد فى الدنيا خشية عذاب الآخرة ، فلقد صور القرآن الكريم جهنم تصويرا رهيبا ، وكأنها لم تخلق إلا لهم ، فاستولى على نفوسهم الرقيقة الرهبة والخوف من عذاب الله ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِقَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرٍ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعٌ ﴾ (غافر : ١٨). ١٤ كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين ويقال إن صالح بن بشير المرى [وهو من كبار القصاصين الوعاظ الزهاد]،« توفى عام ١٧٦هـ))، سمع رجلا فى مجلسه يقرأ هذه الآية ، فقطع صالح القراءة وقال : وكيف يكون للظالمين حميم أوشفيع والطالب لهم رب العالمين . والله لو رأيت الظالمين وأهل المعاصى، يساقون فى السلاسل والأغلال إلى الجحيم ، جفاة ، عراة ، مسودة وجوههم ، مزرقة عيونهم ، ذابلة أجسامهم ، ينادون: ياويلاه .. ياثبوراه . ماذا بنا؟ ماذا حل بنا ؟ أين يذهب بنا؟ ماذا يراد بنا؟ والملائكة تسوقهم بمقامع النيران ، فمرة يجرون على وجوههم ، ويسحبون عليها متكئين ، ومرة يقادون إليها عنوة مقرنين ، من بين باك دما بعد انقطاع الدموع ، ومن بين صارخ طائر القلب مبهوت . إنك والله لو رأيتهم على ذاك، لرأيت منظرا لا يقوم له بصرك ، ولا يثبت له قلبك، ولا يستقر لفظاعة هوله على فرار قدمك ، ثم نحب وصاح : ياسوء منظراه وياسوء منقلباه ، وبكى وبكى الناس)) (١). ويقول تعالى ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٥). : يقول الزاهد الكبير إبراهيم بن أدهم (ت١٦٢) ((ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك ، ذم مولانا الدنيا فمدحناها ، وأبغضها فأحببناها ، وزهدنا فيها فأثرناها ، ورغبنا فى طلبها، وعدكم خراب الدنيا فحصنتموها ، ونهيتم عن طلبها فطلبتموها ، وأنذركم الكنوز، فكنزتموها . دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها ، فأجبتم مسرعين مناديها ، خدعتكم بغرورها ومنتكم ، فانقدتم خاضعين لأمنيتها تتمرغون فى زهواتها ، وتتمتعون فى لذاتها ، وتتقلبون فى شهواتها ، وتتلوثون بتبعاتها ، تنبشون بمخالب الحرص علَّى خزائنها ، وتحفرون بمعاول الطمع فى معادنها ، وتبنون بالغفلة فى أماكنها ، وتحصنون بالجهل فى مساكنها))(٢). (١) الشعرانى: الطبقات الكبرى، جـ١، ص٧١. (٢) الأصبهانى: حلية الأولياء، ج٨، ص ٣٤. ١٥ لأبى سعيد الأعرابى ولقد وجد الزهاد الأوائل فى كتاب الله تعالى مدخلا لزهدهم ، فعاشوا بين آيات الرجاء والخوف ، والرغبة والرهبة ، ووجدوا أنهم لابد من الفرار إليه ، والإنابة إليه . ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (الذاريات: ٥٠) وأكثروا من عبادة الله وذكره ﴿وَاذْكُرِ رَبَّك كَثِيرًاً وَسَبِحَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ (آل عمران: ٤١). وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبّك وتبتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ (المزمل : ٨). ووجدوا الزهاد الأوائل فى عزلة رسول الله ﴾ فى غار حراء، قبل مبعثه ، إشارة إلى جواز العزلة والاعتكاف للعبادة والتبتل وذكر الله . ووجدوا فى سيرة الخلفاء الراشدين ونماذج الصحابة والتابعين ، القدوة الصالحة لزهدهم ، ونجد فى هذا الكتاب أقوال أئمة الزهد من لدن رسول الله ي حتى معاصرى أبى سعيد الأعرابى. وأى قارئَّ لكتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل يستطيع بسهولة أن يكتشف أن ابن الأعرابى اعتمد اعتمادًا كليًّا على هذا الكتاب . مشروعية الزهد فى السنة المطهرة : عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: أخذ رسول الله صل بمنكبي فقال : كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ، وكان ابن عمر رضى الله عنهما يقول : إذا أمسيت فلاتنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلاتنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك ﴿البخارى﴾. وكان رسول الله له نموذجا للزهد الحقيقى، ويعتبر أن الدنيا ظل زائل لا قيمة لها ، لأن متعها سريعة الزوال ، وفناؤها حتمى . فعن ابن مسعود رضى الله عنه قال: نام رسول ﴿﴿ على حصير، فقام وقد أثّر فى جنبه ، . فقلنا : يا رسول الله، لو اتخذنا له وطاء. فقال: ((ما لى وللدنيا، ما أنا فى الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)). (أخرجه الترمذى). ويبين رسول الله له منزلة الدنيا ومدى حقارتها فيقول: ((لو كانت الدينا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها شربة ماء)) (رواه الترمذى) . ١٦ كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين إن زهد رسول # وزهد الصحابة أمر معروف تناولته كتب الأحاديث والسير، فعن نافع قال : سمعت ابن عمر رضى الله عنهما يقول: ((والله ما شمل النبى * فى بيته ولا خارج بيته ثلاثة أثواب ، ولا شمل أبا بكر فى بيته ثلاثة أثواب ، غير أنى كنت أرى كساهم إذا أحرموا ، كان لكل واحد منهم مئزر ومشمل، لعلها كلها بثمن درع أحدكم ، والله لقد رأيت النبى ﴿3﴾ يرقع ثوبه ، ورأيت أبا بكر تخلل بالعباءة ، ورأيت عمرا يرقع جبته برقاع من أدم، وهو أمير المؤمنين)»(١) . ـل *: عرض علىَّ ربى وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله بطحاء مكة (٢) ذهبا ، فقلت : لا يارب ، ولكنى أجوع يوما ، وأشبع يوما ، فإذا شبعت حمدتك وشكرتك ، وإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك [رواه الترمذى ، وأبو الشيخ] . وروى الشيخان ، وأبو الحسن بن الضحاك عن عمر بن الخطاب رضى ﴿ فإذا هو متكئ على رمال حصير قد أثّر الله عنه قال: دخلت على رسول الله ثـ فى جنبه ، فرفعت رأسى فى البيت ، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر ، إلا أهب ثلاثة معلقة ، وصبرة (٣) من شعير، فدمعت عينا عمر، فقال رسول الله ◌َيُ: مالك؟ فقلت : يارسول الله أنت صفوة الله من خلقه، وكسرى وقيصر فيما هما فيه؟ فجلس محمرا وجهه ، فقال : أفى شك أنت يا ابن الخطاب؟ ثم قال : أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم فى حياتهم الدنيا ، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة، قلت : بلى ، يا رسول الله ، قال : فاحمد الله عز وجل . زاد أبو الحسن الضحاك : ياعمر لو شاء أن يسير الجبال الراسيات معى ذهبا ، لسارت . (١) ابن الجوزى، تاريخ عمر بن الخطاب ، ص ١٠٢ . (٢) البطحاء، مسيل واسع فيه دقاق الحصى، وبطحاء مكة سيل واديها: تاج العروس جـ٢، ص١٢٤. (٣) صُبره: أى بلا وزن وكيل، مختار الصحاح، ص ٣٥٥. وفى لسان العرب ما جمع من الطعام بلا كيل ولا وزن بعضه فوق بعض ، (لسان العرب: مادة صبر) . ١٧ لأبی سعید الأعرابی وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال : كان رسول الله له يبيت الليالى المتتابعة طاويا، وأهله لا يجدون عشاء، وكان عامة خبزهم الشعير . وروى الإمام أحمد والترمذى عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : اضطجع رسول الله ◌َه على حصير فأثّر فى جنبه ، فلما استيقظ جعلت أمسح عنه ، فقلت : يا رسول الله ، ألا أذنتنا فبسطنا شيئا يقيك منه ، تنام عليه ، فقال : ما لى وللدنيا ، ما أنا والدنيا إلا كراكب سار فى يوم صائف ، فقالٌ تحت شجرة ، ثم تركها . وروى الإمام أحمد، وابن عساكر عن عمرو بن العاص ◌َاش قال - وهو يعظ : لقد أصبحتم وأمسيتم ترغبون فيما كان رسول الله ﴾ يذهد فيه ، طاو ليلة من زهده إلا كان الذى عليه أكثر من والله ما أتت على رسول الله الذى له . ويرحم الله الإمام البوصيرى حين قال فى بردته : عن نفسه فأراها أيمًّا شَمم وراودته الجبال الشمم من ذهب إن الضرورة لا تعدو على العُصُم وأكدت زهده فيه ضرورته لولاه لم تخرج الدنيا من العدم وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من وروى ابن الجوزى عن عائشة رضى الله عنها قالت : ((ما رفع رسول الله عشاء لغداء ، ولا غداء لعشاء ، ولا يتخذ من شئ زوجين ، لا قميصين ، ولا رداءين، ولا إزارين، ولا من النعال، ولا رئی فارغا قط فى بيته ، إما يخصف نعلا لرجل مسكين ، أو يخيط ثوبا لأرملة (١) . (١) ابن الجوزى ، كتاب الوفا بأحوال المصطفى ، جـ٢، ص ٤٧٦. ١٨ كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: دخل رسول الله ◌َ يوم فتح مكة على أم هانئ بنت أبى طالب ، وكان جائعا فذكر الحديث ، وفيه قال رسول الله له: هل عندك طعام آكل؟ فقالت : إن عندى لكسرة يابسة وإنى أستحى أن أقدمها ، قال : هلميها ، فكسرها فى ماء ، وجاءته بملح ، فقال : ما من أدم ؟ فقالت : ما عندى يا رسول الله إلا شئ من خل ، فقال : هلميه ، فلما جاءت صبه على طعامه، وأكل ، ثم حمد الله تعالى، ثم قال : نعم الأدم الخل ، يا أم هانئ ، لا يفتقر بيت فيه خل . وروى أن حبان والبيهقى عن أم سلمة رضى الله عنها قالت : دخل علىّ رسول الله ) وهو ساهم الوجه، قالت : حسبت ذلك من وجع، قلت : ما لى أراك صلى الله عليك ساهم الوجه؟ قال : من أجل الدنانير السبعة التى أتتنا بالأمس ، ولم نقسمها . قال الحافظ ابن عبد الله البجلى: سألت نعيم بن حماد قلت : جاء عن ** أنه لم يشبع فى يوم من خبز مرتين ، وجاء عنه أنه كان يعد رسول الله لأهله قوت سنة ، فكيف هذا؟ قال : كان يعد لأهله قوت سنة ، فتنزل النازلة ، فيقسمه ، فيبقى بلا شئ . وقال الحافظ ابن كثير: المراد أنه كان لا يدخر شيئا مما يسرع إليه الفساد ، كالأطعمة ونحوها ، لماثبت فى الصحيحين عن عمر رضى الله عنه . مما لم قال : كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله تعالى على رسول الله يوجف(١) المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فكان يعزل نفقة أهله سنة ، ثم يجعل ما بقى من الكراع(٢) والسلاح عدة فى سبيل الله عز وجل (٣). (١) الوجيف، ضرب من سير الإبل، ويقال أوجف فأعجف. وقال الله تعالى: ﴿فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾، أى ما أعملتم . (مختار الصحاح، ص ٧١١) . (٢) الكراع: اسم يجمع الخيل (مختار الصحاح ، ص ٥٦٧). (٣) ابن يوسف الصالحى الشامى، محمد: سبل الهدى والرشاد، تحقيق: د.على حسن محمود حبيبة، جـ ٧، ص١٤١، ص١٤٢. ١٩ لأ بی سعید الأعرابی زهد صحابة رسول الله : صاغرة دانية ، لكنهم لقد جاءت الدينا إلى صحابة رسول الله وضعوا خزائنها وذهبها فى سبيل الله تعالى . فقد خرج أبو بكر رضى الله عنه : ((ما تركت لأهلك؟ قال : عن ماله كله فى سبيل الله ، فقال له رسول الله تركت الله ورسوله)» (رواه أبو داود) . وكان عمر ، فى الزهد ، أمة وحده ، يلبس من الثياب الخشن ، ويأكل أقل طعام وأبسطه ، قالت ابنته حفصة ، رضى الله عنها، لأبيها عمر : (( يا أمير المؤمنين ، لو لبست ثوبا هو ألين من ثوبك ، وأكلت طعاما هو ألين من طعامك ، وقد وسع الله من الرزق وأكثر من الخير ، فقال: إنى سأخصمك إلى نفسك ، ألا تذكرين ما كان رسول الله تَ يلقى من شدة العيش، فما زال يذكّرها حتى أبكاها ، فقال : أما والله لئن استطعت لأشاركها فى مثل عيشها الشديد لعلى أدرك معها عيشها الرخى))(١) . لقد كان عمر بن الخطاب مضرب الأمثال فى الزهد ، فعن قتادة رضى الله عنه أن عمر بن الخطاب أبطأ عن الناس يوم الجمعة ، قال : ثم خرج فاعتذر إليهم فى احتباسه وقال : (( إنما حبسنى غسل ثوبى هذا، كان يغسل ، ولم يكن لی ثوب غيره))(٢) . إن الزاهد الحق فرَّغ قلبه تماما من الدنيا وشهواتها ، وامتلأ قلبه بأنوار الآخرة. فأصل الزهد فى القلب. يقول عمرو بن عثمان المكى: ((اعلم أن رأس الزهد وأصله فى القلوب هو احتقار الدنيا واستصغارها ، والنظر إليها بعين القلة ، وهذا هو الأصل الذى يكون منه حقيقة الزهد))(٣) . (١) ابن الجوزى، تاريخ عمر بن الخطاب، ص ١٠٤. (٢) المرجع السابق ، ص ١٠٢ . (٣) السلمى ، طبقات الصوفية . ٢٠ كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين زهد أهل الصفة من صحابة رسول الله : يروى عن ابن عباس رضى الله عنه، عن النبى ◌َ الله، قال: ((وقف رسول الله له على أصحاب الصفة ، فرأى فقرهم وجهدهم ، وطيب قلوبهم ، فقال:(أبشروا ياأصحاب الصفة ، فمن بقى من أمتى على النعت الذى أنتم عليه ، راضيا بما فيه ، فإنه من رفاقى فى الجنة)) (١) . ويقول عنهم الأصبهانى فى حلية الأولياء : ((هم قوم أخلاهم الحق من الركون إلى شئ من العروض ، وعصمهم من الافتتان بها عن الفروض ، وجعلهم قدوة للمتجردين من الفقراء ، لا يأوون إلى أهل ولا مال ، ولا يلهيهم عن ذكر الله تجارة ولاحال»(٢). وكان رسول الله ﴾ يحثهم على عدم الإقبال على الدنيا وزينتها ، والاشتغال بالعلم وذكر الله تعالى. فعن موسى بن على قال: سمعت أبى ونحن فى الصفة ، يحدث عن عقبة بن عامر ، قال : خرج إلينا رسول الله ◌َـ فقال: ((أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان والعقيق فيأتى منه بناقتين كوماوين فى غير إثم ولا قطيعة رحم؟)) فقلنا : يارسول الله كلنا نحب ذلك. قال : ((أو لا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله تعالى خير له من ناقتين وثلاث وأربع ، خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل؟)). ويعلق على هذا الحديث الأصبهانى فيقول : ((حديث عقبة يصرح بأن النبى ، كان يردهم عند العوارض الداعية إلى تمنى الدنيا والإقبال عليها، إلى ما هو أليق بحالهم ، وأصلح لبالهم ، من الاشتغال بالأذكار، وما يعود عليهم من منافع البيان والأنوار ، ويعصمون به من المهالك والأخطار ، ويستروحون إليه مم يرد من الأمانى على الأسرار)» (٣). (١) الهجويرى ، كشف المحجوب ، ط. دار النهضة العربية، بيروت، ١٩٨٠، ج١، ص ٢٨٥. (٢) الأصبهانى، الحلية، جـ١ ص٣٣٧. (٣) المرجع السابق ، ص ٣٤١ .