النص المفهرس
صفحات 441-460
شأن العباس وعليّ: قال ابن إسحاق: قال الزهريّ: وحدّثني عبد الله بن كعب بن مالك، عن عبد الله بن عبَّاس، قال: خرج يومئذ عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه على النّاس من عند رسول الله وَ﴿، فقال له النّاس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسولُ اللهِ وََّ؟ ((قال: أصبح بحمد الله بارئًا، قال: فأخذ العبَّاس بيده، ثم قال: يا عليّ، أنت والله عبدُ العصا بعد ثلاث، أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله بشّر، كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطّلب، فانطلق بنا إلى رسول الله بَّر، فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، وإن كان في غيرنا، أمَرناه فأوصى بنا النّاس. قال: فقال له عليّ: إني والله لا أفعل، والله لئِن مُنعناه لا يؤتيناه أحد بعده. فَتُوُفّي رسولُ اللهِ وَّ حين اشتدّ الضُّحاء من ذلك اليوم. سواك الرّسول قبيل الوفاة قال ابن إسحاق: وحدّثني يعقوب بن عتبة، عن الزُّهريّ، عن عروة عن عائشة، قال: قالت: رجع إليّ رسولُ الله ◌َليل في ذلك اليوم حين دخل من المسجد، فاضْطَجَع في حِجري، فدخل عليَّ رجلٌ من آل أبي بكر، وفي يده سِواك أخضر. قال: فنظر رسولُ اللهَ وَّل إليه في يده نظرًا عرفت أنه يريده، قالت: فقلت: يا رسول الله، أتحبّ أن أعطيك هذا السّواك؟ قال: ((نعم))، قالت: فأخذته فمضغته له حتى ليَّنته، ثم أعطيته إيّاه، قالت: فاسْتَنَّ به كأشدّ ما رأيته يستنّ بسِوَاكِ قط، ثم وضعه، ووجدت رسول الله وَل السواك فصل: وذكر عن عائشة رضي الله عنها أنها ناولته السِّوّاك حين رأته ينظر إليه، فاسْتَاكَ به، وفيه من الفقه: التَّتَظْفُ والتّطَهُّر للموتِ، ولذلك يُستحب الاسْتِحدَادُ لمن اسْتَشْعَرَ القتل أو الموتَ كما فعل خُبَيْبٌ، لأن الميتَ قادمٌ على ربِّه، كما أن المصلّي مُنَاج لربِّه، فالنظافة من شأنهما، وفي الحديث: ((إن الله نظيفٌ يُحِبُّ النظافَةَ))، خَرَّجه التِّرْمِذِيُّ، وإن كان مَعْلُولَ السَّنَّدِ، فإن معناه صحيح، وليس النظيفُ من أسماء الربِّ، ولكنه حَسَنٌ في هذا الحديث، لازْدِوَاج الكَلام، ولقُرْب معنى النّظافة من معنى القُدْس، ومن أسمائه سبحانه: القُدُّوسُ، وكان السِّواكُ المذكورُ في هذا الحديثِ من عَسِيبٍ نَخْلٍ فيما رَوى بعضهم، ٤٤١ يَثْقل في حجري، فذهبت أنظرُ في وجهه، فإذا بصره قد شَخَص، وهو يقول: ((بل الرفيق الأعلى من الجنّة))، قالت: فقلت: خُيِّرت فاخترت والذي بعثك بالحقّ. قالت: وقُبض رسولُ الله ◌ِچ. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد. قال: سمعت عائشة تقول: مات رسولُ اللهِ وَلّ بين سَخري ونَخري وفي دَوْلتي، لم أظلم فيه أحَدًا، فمِنْ سَفَهِي وحَدَاثة سِنّي أن رسول الله وَّهِ قُبض وهو في حِجري، ثم وضعت رأسَه على وسادة، وقمت ألْتَدم مع النساء، وأضرب وجهي. والعربُ تَسْتَاكُ بالعَسيبِ(١)، وكان أَحَبّ السِّواك إلى رسولِ الله - ◌َّهِ - صُرْعُ الأَرَاكِ، واحدُها صَرِيعٌ وهو قضيب يَنْطَوي من الأرَاكَةِ حتى يبلغ الترابَ، فيبقى في ظِلْها فهو أَلْيَنُ من فَرْعِها. ومما رُوي من قول عائشةَ - رضي الله عنها - في معنى قولها: بين سَخْرِي ونَخرِي، أنها قالت: قبض رسولُ اللهَ وَلَّ بين حاقِنَتِي ودَاقِنَتِي، فالحاقِنَةُ الثُّغْرَةُ، والدَّاقِنِةُ: تَحَت الدَّقْنِ، ويقال لها: النُّونَةُ أيضًا. ورُوي أيضًا: بين شَجرِي - بالشين والجيم - ونَخري، وسئل عُمَارَةَ بن عقيل عن معناه، فشبَّك بين أصابع يديه، وضمّها إلى نحره. وغُسّل عليه السلام حين قبض من بِثْرِ لسعد بن خَيْثَمَةَ يقال لها: بئر الغَرْسِ. کرامات ومعجزات: فصل: وذكر أنهم كُلِّمُوا حين أرادوا نزع قميصِه للغَسْل، وكلهم سمع الصوتَ، ولم ير الشخصَ، وذلك من كراماته وَ ل*، ومن آيات نُبُوَّته بعد الموت، فقد كان له عليه السلام كراماتٌ ومُعْجِزَاتٌ في حياته، وقبل مولده وبعد موته. ومنها ما رواه أبو عُمَر رحمه الله في التمهيد من طُرقٍ صِحَاحِ: ((أن أهل بيته سَمِعوا وهو مُسَجَّى بينهم قائلاً يقول: السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاته يا أهل البيت إن في الله عِوَضًا من كل تالف، وخَلَفًا من كل هالك، وعَزَاءً من كل مُصِيبة، فاصبروا واخْتَسِبوا، إن الله مع الصابرين، وهو حَسْبُنا، ونعم الوكيل. قال: فكانوا يَرَوْنَ أنه الخَضرُ صلّى الله على نبينا وعليه))(٢) ومن ذلك أيضًا أن الفضل بن عباس كان يُغَسِّله هو وعَلِيٍّ، فجعل الفضلُ وهو يَصُبُّ الماءَ يقول: أَرِخْني أَرِخْنِي، فإني (١) العسيب: جريد النخل. (٢) تقدّم الكلام على خرافة بقاء الخضر حيًّا حتى وفاة النبيّ ◌َله، ومن باب أولى بقاءه حيًّا حتى اليوم كما يعتقد عوام الصوفيّة . ٤٤٢ مقالة عمر بعد وفاة الرّسول قال ابن إسحاق: قال الزهري: وحدّثني سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة، قال: لما تُوفي رسولُ اللهِ وَ ﴿ه قام عُمر بن الخطّاب، فقال: إن رجالاً من المُنافقين يزعمون أن رسول الله ہے قد تُوُفي، وإن رسولَ الله پر ما مات، ولكنه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات؛ ووالله ليرجعَنّ رسولُ اللهِ وَ لّ كما رجَع موسى، فلَيقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسولَ الله أَالتز مات. أجد شيئًا يَتَزَّل على ظَهْرِي. ومنها أنه عليه السلام لم يظهر منه شيء مما يظهر من الموتى، ولا تغيّرت له رائحةٌ، وقد طال مُكثُه في البيت قبل أن يُذْفَنَ، وكان موتُه في شَهْر أَيْلُولَ، فكان طَيًّا حَيَّ ومَيِّتًا، وإن كان عمُه العباس قد قال لعلي: إن ابن أخي مات لا شَكَّ، وهو من بني آدم يَأْسُنُ كما يَأْسِنُون، فوارُوه. وكان مما زاد العباسُ يقينًا بموته عليه السلام أنه كان قَد رأَى قبل ذلك بيسيرٍ كأنَّ القمَر رُفِع من الأرض إلى السماء بأشْطَانٍ، فقصَّها على نَبِيِّ اللهِ وَّ، فقال له: ((هو ابنُ أخيك)). ورَوى يونُس بن بَكِير في السِّيرة أن أُم سَلَمَة قالت: وضعتُ يدي على صَدْرِ رسولِ الله - وَلَهــ وهو مَيْتْ فمرَّت عليّ جُمَعٌ لا آكل ولا أَتَوَضَّأ إلاّ وجدت ربحَ المِسْكِ من يَدي، وفي روايته أيضًا: أن عَلِيًّا نُودي، وهو يُغَسِّله أن ارْفَعْ طَرْفَك إلى السماءِ. وفيها أيضًا أن عليًّا والفضل حين انْتَهَيَا في الغسْلِ إلى أسفله سَمِعوا مُناديًا يقول: لا تَكْشِفُوا عَوْرَةَ نَبِيِّكم عليه السلام. موازنة بين عمر وبين أبي بكر وأما جَزَعُ عمر رضي الله عنه وقولُه: والله ما مات رسولُ اللهِ وََّ، وَلَيَرْجِعَنَّ كما رَجَع موسى عليه السلام، حتى كَلَّمه أبو بكر رحمه الله، وذكَّره بالآيةِ، فَعَقِر حتى سَقَط إلى الأرض، وما كان من ثَبَاتِ جَأْشٍ أبي بكر وقوّته في ذلك المقام، ففيه ما كان عليه الصُّدِّيقُ رضي الله عنه من شدّة الثَّلَّهِ، وتعلُّق القلب بالإلله، ولذلك قال لهم: مَنْ كان يَعبُد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومَنْ كان يعبد الله، فإن الله حَيَّ لا يموت. ومن قُوّةِ تألْهِهِ - رضي الله عنه - حين أجمع أصحابُ رسول الله وَّر على رَدْ جَيْش أُسَامَةَ حين رأوا الرّدَّةَ قَد اسْتَعَرَتْ نارُها، وخافوا على نساءِ المدينة وذَرَارِيها، فقال: والله لو لعبت الكلابُ بخَلاَخِلِ نِسَاءِ المَدِينة، ما رَدَدْتُ جَيْشًا أنفذه رسولُ الله - نََّ - وكلَّمه عمرُ وأبو عُبَيْدَةَ، وسالمٌ مولى أبي حُذَيْفَةَ، وكان أشدّ شيءٍ عليه أن يُخالِفَ رأيُه رأي سالم، فكلّموه أن يدعَ للعربَ زَكَاةً ذلك العام تألّفًا لهم حتى يتمكن له الأمرُ، فقد كان رسولُ الله - وَلِّ - يتألّفُهم، وكلّمه عمر أنْ ٤٤٣ موقف أبي بكر بعد وفاة الرسول قال: وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وهو يكلّم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله وَّر في بيت عائشة، ورسولُ يُؤَلِّي مكان أُسَامَةَ مَنْ هو أَسَنُّ مِنْه، وأجْلدُ، فأخذ بلحيَةٍ عُمَرَ، وقال له: يا ابن الخَطَّابِ أَتأَمرني أن أكونَ أوّلَ حَالِّ عَقْدًا عَقَدَه رسولُ الله - وَّرِ والله لأن أَخِرَّ من السماء إلى الأرض، فتَخْطَفني الطيرُ أحَبّ إليَّ من أن أُمَالِئَكم على هذا الرأي، وقال لهم: والله لو أُفْرِذْتُ من جميعكم لقاتلتهم وَحدي حتى تَنْفَرِدَ سَالِفتي، ولو منعوني عِقَالاً، لجاهدتُهم عليه، أَوَ في شَكِّ أنتم، إنَّ وَعْدَ الله لَحَقٌّ. وإن قولَه لَصِدْقٌ، ولَيُظْهِرَنَّ الله هذا الدينَ، ولو كره المشركون. ثم خرج وحده إلى ذي القَصَّةٍ(١) حتى اتبعوه، وسمع الصوتَ بين يديه في كل قبيلة ألا إن الخليفةَ قد تَوجَّه إليكم الهَرَبَ الهَرَبَ، حتى اتّصل الصوتُ من يومه ببلاد حِمْيَر، وكذلك في أكثر أحوالِه رضي الله عنه، كان يلوح الفَرْقُ في الثَّأَلُّه بينه وبين عُمَرَ رضي الله عنهما، ألا ترى إلى قوله حين قال النبيّ وَّهِ: ((سمعتُك وأنت تَخْفِضُ مِنْ صوتك)) يعني في صلاة الليل، فقال: قد أسمعت مَنْ ناجيت، وقال للفاروق: سمعتك وأنت تَرْفَعُ مِنْ صوتك، فقال: كي أَطْرُدَ الشَّيطَانَ، وأوقظ الوَسْئَانَ. قال عبدُ الكَرِيم بن هَوَازِن القُشَيْري، وذكر هذا الحديثَ: انظروا إلى فَضْلِ الصِّدِّيق على الفَارُوق، هذا في مقام المُجَاهَذَة، وهذا في بسَاطِ المُشَاهَدَةِ، وكذلك ما كان منه يوم بَذْر، وقد ذكرنا مقالته للنبيّ عليه السلام ذلك اليوم، وهو معه في العَرِيش، وكذلك في أمر الصَّدَقة حين رَغِب رسولُ اللهِ وَلَه - فيها، فجاء عمر بنِصْفِ ماله، وجاء الصِّدِيقُ بجميع ماله، فقال له النبيّ عليه السلام: ((ما أبقيتَ لأهْلِك؟)) قال: الله ورسوله(٢)، وكذلك فعله في قَسْمِ الفَيْءٍ حِين سوَّى بين المسلمين، وقال: هم إخوة، أبوهم الإسلام، فهم في هذا الفَيْءِ أُسْوَةٌ، وأُجُورُ أهل السَّوابِقِ على الله. وفضل عُمَرَ في قَسْم الفَيْء بعضَهم على بعضٍ على حسب سوَابقهم، ثم قال في آخر عُمْرِه: لئن بقيتُ إلى قابِلٍ لأَسَوِّيَنَّ بين الناس، وأراد الرجوع إلى رأي أبي بَكرٍ، ذكره أبو عُبَيْد رضي الله عنه، وعن جميع أصحاب رسول الله - الهرم -. ما حدث للصحابة عقب وفاته وَليل ومن ذلك ما رُوي عن عائشة رضي الله عنها وغيرها من الصحابة أن النبيَّ وَلّ لما (١) مكان على بريد من مكّة. (٢) أخرجه أبو داود (١٦٧٨) والترمذي (٣٦٧٥) والحاكم (٤١٤/١) والبيهقي (١٨١/٤) وابن أبي عاصم (٥٩٧/٢). ٤٤٤ الله ◌َّرُ مُسجَّى في ناحية البيت، عليه بُرْد حِبَرة، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول اللهِ وَّهُ. قال: ثم أقبل عليه فقبّله، ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما المَوْتَةُ التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لَن تصيبك بعدها مَوْتَةٌ أبدًا. قال: ثم ردّ البُزد على وجه رسول الله، ثم خرج وعمر يكلِّم الناس، فقال: على رِسْلك يا عمر، أنصِت، فأبى إلاّ أن يتكلّم، فلما رآه أبو بكر لا يُنصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر؛ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها النّاس، إنه من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد ماتٍ، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت. قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَت مِنْ قَبْلِهِ الرَّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَائِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. قُبِضَ، وارتفعت الرَّنَّةُ وسجَّي رسولَ اللهِ وَيَ الملائكةُ، دُهِش الناسُ، وطاشت عقولُهم وأَقْحِمُوا، واختلطوا، فمنهم من خُبِلَ، ومنهم من أُصمِتَ، ومنهم من أُقْعِد إلى أرض، فكان عُمَّرُ ممن حُبِل وجَعَل يَصيح، ويَحْلف: ما مات رسولُ الله - وََّ ـ وكان مِمَّن أُخْرِس عثمان بن عُفَّان حتى جعل يُذْهَبُ به ويُجَاء، ولا يستطيع كلامًا، وكان ممن أُقَعِد: عَلِيٍّ، رضي الله عنه، فلم يستطع حَرَاكًا، وأما عَبْدُ الله بن أُنَيْسٍ، فَأُضْنِي حتى مات كَمَدًا، وبلغ الخبرُ أبا بَكْرٍ رضي الله عنه، وهو بالسُّنْحُ، فجاء وعيناه نَهْمُلاَن، وزَفَرَاتُهُ تَتَرَدَّد في صَدْرِهِ، وغُصَصُه ترتفع كقطع الجِرَّةِ، وهو في ذلك رِضْوَانُ الله عليهِ، جَلْدُ العَقْلِ والمَقَالَة، حتى دَخَل على رسولِ الله - بَّهَ - فَأَكَبَّ عليه، وكشف وجهَه ومَسْحَه وقَبَّل جبينَه، وجعل يَنْكِي، ويقول: بأبي أنت وأُمّي ◌ِطِبْتَ حَيَّ ومَيْتًا، وانقطع لموتِك ما لم يَنْقَطِعْ لموتِ أحدٍ من الأنبياء من النُّبُوَّةِ، فَعَظُمْتَ عن الصِّفة، وجَلَلْتَ عن البُكاء، وخصصت حتى صِرْتَ مَسْلاَةً، وعممت حتى صِرنا فيك سَوَاء، ولو أن مَوْتَك كان اختيارًا لجُذْنَا لموتِك بالنفوسِ، ولولا أنك نَهَيْتَ عن البُكاء لأنْفَدْنا عليك ماءَ الشؤون، فأما ما لا نستطيع نَفْيَه فَكَمَدُ وإِذْنَافٌ يتحالفان لا يَبْرَحَان، اللهم أبلغه عنا، اذْكُرْنا يا مُحَمَّد عند رَبِّك، ولنَكُنْ مِنْ بالك، فلولا ما خَلَّفتَ من السَّكَينة، لم نَقُم لما خَلَّفْتَ من الوَحْشَةِ، اللهم أبلغ نبيَّك عَنَّا، واحفظه فينا، ثم خرج لما قضى الناسُ غَمَرَاتِهم، وقام خطيبًا فيهم بخُطْبَةٍ جُلُها الصَّلاةُ على النبيّ محمد - رَّهِ - وقال فيها: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وَحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخاتم أنبيائه، وأشهد أن الكتابَ كما نزل، وأن الدين كما شرع، وأن الحديثَ كما حَدَّث، وأن القول كما قال، وأن الله هو الحقُّ المبين، في كلام طويلٍ، ثم قال: أيّها الناسُ مَنْ كَانَ يَعْبُد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حَيٍّ لم يَمُتْ، وأن الله قد تقدّم ٤٤٥ قال: فوالله لكأن النّاس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ؛ قال: وأخذها النّاس عن أبي بكر، فإنما هي في أفواههم؛ قال: فقال أبو هريرة: قال عمر والله ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر تلاها، فعَقِرت حتى وقعت إلى الأرض ما تَحمِلُني رجلاي، وعرفت أن رسول الله ◌َالقول قد مات. لكم في أمرِهِ، فلا تَدَعُوه جزعًا، وأن الله تبارك وتعالى قد اخْتَار لنبيّه عليه السلامُ ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلّف فيكم كتابَه وسُنَّة نبيّه، فمن أخذ بهما عَرَف، ومن فرّق بينهما أَنْكَر: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا كونوا قَوَّامِين بالقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] ولا يَشْغَلَنَّكُمْ الشيطانُ بموت نبيِّكم ولا يَلْفِتَنَّكم عن دينِكم، وعاجِلُوا الشيطانَ بالخِزْي تُعْجِزوه، ولا تَسْتَنْظِرُوه فَيَلْحَقَ بكم. فلما فرغ من خُطْبَتِهِ، قال: يا عُمَرُ أأنتَ الذي بلغني عنك أنك تقول على بَابِ نَبِيِّ اللهِ، والذي نفسُ عُمَرَ بيده: ما مات نبيَّ الله، أما عَلِمْتَ أن رَسُولَ الله - وَل﴿ - قال يوم كذا: كَذَا، وكَذا، وقال الله عَزَّ وجلَّ في كتابه: ﴿إِنك مَيِّتْ وإنهم مَيْتُون﴾ [الزمر: ٣٠] فقال عمر: والله لَكأنّي لم أسمع بها في كتاب الله تعالى قبل الآن لِمَا نَزَلَ بنا، أشهد أنَّ الكتابَ كما نزل، وأن الحديث كما حَدّث، وأن الله تَبَارَكُ وتَعَالى حَيٍّ لا يموت ﴿إِنَّا لله وإنّا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٦] صلواتُ الله على رسوله، وعند الله نَحْتَسِب رسوله. وقال عمر فیما كان منه: ولكنما أَبْدَى الذي قلتُه الجَزّع لَعَمْرِي لقد أيقَنْتُ أنك مَيِّتْ کما غاب موسى، ثم يرجع كما رَجغ وليس لحَيٍّ في بَقَا مَيْتٍ طَمَغْ إذا الأمْرُ بالجزع الموهب قد وَقَعْ أرُدُّ بها أهلَ الشَّماتَةِ والقَذَغْ وما آذن الله العِبادَ به يَقَغْ لها في حُلوق الشَّامِتِين به بَشَعْ إلى أَجَلٍ وافي به الوقت فانْقَطَّعْ ونُعطي الذي أعطى، ونَمْنَع ما مَنَعْ أكَفْكِفُ دَمْعي والفؤادُ قد انْصَدَعَ فجُودي به إن الشّجِيَّ لهُ دُفَعْ وقلت يَغِيبِ الوَخِيُّ عنا لفَقْدِهِ وكان هَوَايَ أن تطولَ حياتُه فلما كشفنا البُرْدّ عن حُرِّ وَجْهه فلم تَكُ لي عند المُصِيبة حِيلةٌ سِوَى آذَنَ الله في كتابه وقد قلت مِنْ بعد المقالةِ قَوْلةً ألا إنما كان النبيُّ محمدٌ ندين على العلاَّت منا بدينِه وولّيت مخزونًا بعين سَخِينَةٍ وقلت لعيني: كُلّ دَمْعٍ ذَخَّرِيّه وفي هذا الخبر أنَّ عمر قال: فَعِقِرت إلى الأرض، يعني حين قال له أبو بكر ما قال، يقال: عَقِرَ الرجلُ إذا سَقَط إلى الأرض من قامته، وحكاه يَعْقُوبُ عَفَرَ بالفاء كأنه من العَفَرِ. ٤٤٦ أمر سقيفة بني ساعدة: تفرّق الكلمة : قال ابن إسحاق: ولما قُبِض رسولُ اللهِ و ◌َ﴿ انحاز هذا الحيّ من الأنصار إلى سعد بن عُبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل عليّ بن أبي طالب والزُّبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقيّة المهاجرين إلى أبي بكر، وانحاز معهم أُسَيد بن حُضَير، في بني عبد الأشهل، فأتى آت إلى أبي بكر وعمر، فقال: إن هذا الحيّ من الأنصار مع سعد بن عُبادة في سقيفة بني ساعدة، قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر النّاس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرُهم، ورسولُ اللهِ وَّ في بيته لم يُفرغ من أمره قد أغلَق دُونه الباب أهلُه. قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، حتى ننظر ما هم عليه. ابن عوف ومشورته على عمر بشأن بيعة أبي بكر: قال ابن إسحاق: وكان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الأنصار، أن عبد الله بن أبي بكر، حدّثني عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عوف قال: وكنت في منزله بمنى أنتظره، وهو عند عمر في آخر حِجّة حجّها عمر، قال: فرجع عبد الرحمن بن عوف من عند عمر، فوجدني في منزله بمنى أنتظره، وكنت أُقرئه القرآن، قال ابن عباس، فقال لي عبد الرحمن بن عوف: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان يقول: والله لو قد مات عمر بن الخطّاب لقد بايعت فلانًا، والله ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فَلْتة فتمَّت. قال: فغضب عمر، فقال: إني إن شاء الله لقائم العشيَّة في النّاس، فمحذّرهم هؤلاء الذين يريدون أن يَغْصبوهم أمرهم، قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رِعاع النّاس وغَوغائهم، وإنهم هم الذين يغلبون على قُربك، حين تقوم في النّاس، وإني أخشى أن تقوم فتقول مقالة يَطِير بها أولئك عنك كلّ مطير، ولا يعوها، ولا يَضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدَم المدينةَ فإنها دار السُّنة، وتخلص بأهل الثقة وأشراف النّاس فتقول ما قلت بالمدينة متمكّنًا، فيعي أهل الفقه مقالتك، ويضعوها عَلى مواضعها، قال: فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومنّ بذلك أوّل مَقام أقومه بالمدينة. وهو التراب، وصَوَّب ابن كيسان الروايتين، وقالت عائشةُ - رضي الله عنها تُوفي رسولُ الله ◌َ﴿: فلو نزل بالجِنَال الصُّمِّ ما نزل بأبي لهَاضَها، ارْتَدّت العربُ واشْرَأَبَّ النّفاقُ، فما ٤٤٧ خطبة عمر عند بيعة أبي بكر: قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجّة، فلما كان يوم الجمعة عجّلت الرَّواح حين زالت الشمس، فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل جالسًا إلى رُكن المِنبر فجلست حذوه تمسّ رُكبتي ركبته، فلم أنشَب أن خرج عمرُ بن الخطّاب، فلما رأيته مُقبلاً، قلت لسعيد بن زيد: لَيقولنَّ العشيّة على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف؛ قال: فأنكر عليّ سعيد بن زيد ذلك، وقال: ما عسى أن يقول مما لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذّنون، قام فأثنى على الله بما هو أهل له، ثم قال: أما بعد، فإني قائل لكم اليوم مقالة قد قُدر لي أن أقولها، ولا أدري لعلّها بين يديّ أجلي، فمن عقلها ووعاها فليأخذ بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعيّها فلا يحلُّ لأحد أن يكذّب عليّ؛ إن الله بعث محمدًا، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعُلِمناها ووعيناها، ورجَم رسولُ الله ◌َُّ ورَجمْنا بعده، فأخشى إن طال بالنّاس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حقّ على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، وإذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف؛ ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: ﴿لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنِ آبَائِكُمْ﴾ ألا إن رسول الله وَّر قال: ((لا تُطروني كما أَطْرِي عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله)) (١)؛ ثم إنه قد بلغني أن فلانًا قال: والله لو قد مات عمر بن الخطّاب لقد بايعت فلانًا، فلا يغرَّن امرأ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فَلْتة فتمَّت، وإنها قد كانت كذلك إلاّ أن الله قد وَقى شرّها، وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، فمن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين، فإنه لا بَيْعة له هو ولا الذي بايعه تَغِرَّةً أن يقتلا، إنه كان من خبرنا حين تَوفى الله نبيّه ◌َّ ر أن الأنصار خالفونا، فاجتمعوا بأشرافهم في سَقيفة بني ساعدة، وتخلّف عنّا عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: اختلفوا في نُقْطَةٍ إلا طار أبي بحَظّها وغَنَائِها، ويُروى في بُقْطَةٍ بالباء، قاله الهَرَوِيُّ في الغَريبين، وفسّره باللَّمعة، ونحوها، واستشهد بالحديث في النَّهي عن بَقْطِ الأرض، وهو أن يُقْطَعِ شَجَرُها فتتخذَ بُقَعًا للزرع، وبَقْطُها ضَرْبٌ من المُخَابَرة قد فسّره. (١) أخرجه البخاري (٢٠٤/٤) ومسلم في القدر (٣٤) وأخرجه أحمد (٢٣/١) والبيهقي في الدلائل (٢٩٧/١) وانظر الفتح (٤٧٨/١٠). ٤٤٨ انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، وقال: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، قالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم. قال: قلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجلٌ مُزَمَّل فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ فقالوا: وجع. فلما جلسنا تشهَّد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفَّت داقّة من قومكم، قال: وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلّم، وقد زَوّرت في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يديّ أبي بكرٍ، وكنت أداري منه بعض الحَدّ، فقال أبو بكر: على رِسْلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه، فتكلّم، وهو كان أعلم مني وأوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تَزْويري إلاّ قالها في بَديهته، أو مثلها أو أفضل، حتى سكت؛ قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلّ لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا؛ وقد رضيتُ لكم أحد هذين الرجلين؛ فبايعوا أيّهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجرّاح، وهو جالس بيننا، ولم أكره شيئًا مما قاله غيرها، كان والله أن أقدّم فتُضرب عنقي، لا يُقَرّبُني ذلك إلى إِثْم، أحبّ إليّ من أن أتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر. قال قائل من الأنصار: أنا جُذيلها المُحَكِّك وعُذَيْقُها المُرَجَّب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. قال: فكثر اللّغَط، وارتفعت الأصوات، حتى تخوّفت الاختلاف، فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عُبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عُبادة: قال: فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. تعريف بالرجلين اللذين لقيا أبا بكر وعمر في طريقهما إلى السقيفة: قال ابن إسحاق: قال الزهري: أخبرني عُروة بن الزبير أن أحد الرجلين اللذين لَقوا من الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة عُويم بن ساعدة، والآخر معن بن عديّ، أخو بني العجلان. فأما عويم بن ساعدة، فهو الذي بلغنا أنه قيل لرسول الله وَ ط﴿ مَنِ الذين قال الله عزّ وجلّ لهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]؟ ٤٤٩ الروض الأنف/ ج ٤/ م ٢٩ فقال رسولُ اللهِ وَ له: ((نِعْم المزء منهم عُوَيم بن ساعدة))(١)؛ وأما مَعْن بن عديّ، فبلغنا أن النّاس بكَوْا على رسول الله وَ﴿ حين توفّاه الله عزّ وجلّ، وقالوا: والله لَوَدِذنا أنا متنا قبله، إنا نخشى أن نفتَتن بعده. قال معن بن عديّ: لكني والله ما أحبّ أني مثّ قبله حتى أصدّقه ميتًا كما صدّقته حيًّا؛ فقتل معن يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر، يوم مُسَيلمة الكذاب. خطبة عمر قبل أبي بكر عند البيعة عامة: قال ابن إسحاق: وحدّثني الزهريّ، قال: حدّثني أنس بن مالك، قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر، فتكلّم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيّها النّاس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدًا عهِدَ إليّ رسولُ الله ◌َله، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله وَ له سيدبِّر أمرنا؛ يقول: يكون آخرنا وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هَدى الله رسوله الله وَطير، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحِب رسول الله وَّر، ثاني اثنين إذ هما في النار، فقوموا فبايعوه، فبايع النّاس أبا بكر بيعة العامّة، بعد بيعة السقيفة. خطبة أبي بكر: فتكلّم أبو بكر، فحَمِد الله، وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: أما بعد أيّها النّاس، فإني قد وُلِيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قويّ عندي حتى أُريح عليه حقّه إن شاء الله، والقويّ فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحقّ منه إن شاء الله، لا يدَعُ قوم الجهاد في سبيل الله إلاّ ضربهم الله بالذُّلَ، ولا تشيّع الفاحشية في قوم قطُ إلاّ عَمَّهُمُ الله بالبلاءِ؛ أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعة لي علیکم. قوموا إلی صلاتکم یرحمكم الله. قال ابن إسحاق: وحدّثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: والله إني لأمشي مع عمر في خلافته وهو عامِد إلى حاجة له، وفي يده الدرّة وما معه (١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣١/٢/٣). ٤٥٠ غيري، قال: وهو يحدّث نفسَه، ويضرب وحشيَّ قدمه بدِرَّتِه، قال: إذا التفت إليّ، فقال: يا ابن عباس، هل تدري ما كان حملني على مقالتي التي قلتْ حين تُوفي رسولُ اللهِ وَلِّ؟ قال: قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين، أنت أعلم؛ قال: فإنه والله، إن كان الذي حملني على ذلك إلاّ أني كنت أقرأ هذه الآية: ﴿وَكَذَلكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فوالله إن كنت لأظنّ أن رسول الله وَّهُ سَيَبْقى في أَمَّته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فإنه للذي حملني على أن قلت ما قلت. جهاز رسول الله وَ﴾ ودفنه: من تولّى غسل الرّسول: قال ابن إسحاق: فلما بويع أبو بكر رضي الله عنه، أقبل الناس على جهاز رسول الله ◌َ﴿ يوم الثلاثاء، فحدّثني عبد الله بن أبي بكر وحُسين بن عبد الله وغيرهما من أصحابنا: أن عليّ بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطّلب، والفضل بن العباس وقُثَم بن العباس، وأسامة بن زيد، وشُقْران مولى رسول الله وَّر، هم الذين ولُوا غَسْله، وأنّ أوس بن خَوْلِيّ، أحد بني عوف بن الخزرج، قال لعليّ بن أبي طالب: أنشُدُك الله يا عليّ وحظّنا من رسول الله وَّر، وكان أوس من أصحاب رسول الله ◌َالر وأهل بدر، قال: ادخل، فدخل فجلس، وحضر غَسْل رسول الله مَ ل#، فأسنده عليّ بن أبي طالب إلى صدره، وكان العباس والفضل وقُثم يقلبونه معه وكان أسامة بن زيد وشُقران مولاه، هما اللذان يصبَّان الماء عليه، وعليٍّ يُغَسِّله، قد أسنده إلى صدره، وعليه قميصُه يدلّكه به من ورائه، لا يُفضي بيده إلى رسول اللهِ وَّه، وعلي يقول: بأبي أنت وأمي، ما أطيبك حيًّا وميتًا! ولم يُر من رسول الله وَلِّ شيء مما يُرَى من المَيْت. كيف غُسل الرّسول؟ قال ابن إسحاق: وحدّثني يحيى بن عَبَّد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عبَّاد، عن عائشة، قالت: لما أرادوا غَسْل رسول الله وَّ اختلفوا فيه. فقالوا: والله ما ندري، أنْجرّد رسول الله ◌َ﴿ من ثيابه كما نجرّد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه؟ قالت: فلما اختَلَفوا ألقَى الله عليهم النوم، حتى مأمنهم رجل إلاّ ذقتُه في صدره، ثم كلَّمهم مُكلّم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغُسِلوا النبيُّ وعليه ثيابه، قالت: فقاموا إلى ٤٥١ رسول الله مَ﴿، فغسَّلوه وعليه قميصُه، يصبُّون الماء فوق القميص، ويَدْلُكُونه والقميص دون أیدیھم. تكفين الرسول: قال ابن إسحاق: فلما فرغ من غسل رسول الله وَ ﴿ كُفْن في ثلاثة أثواب ثوبين صحارِيِّين وبُزد حَبرة، أُدرج فيها إدراجًا، كما حدّثني جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن الحسين والزهري، عن عليّ بن الحسين. حفر القبر: قال ابن إسحاق: وحدّثني حسين بن عبد الله عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله وَ*، وكان أبو عبيدة بن الجَرّاح يَضْرَح كحفر أهل مكّة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي يحفر لأهل المدينة، فكان يَلْحد، فدعا العبَّاس رجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة بن الجرّاح، وللآخر اذهب إلى أبي طلحة. اللهم خِزْ لرسول الله وَلغيره، فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحَد لرسول الله وَلچه . دفن الرّسول والصّلاة عليه فلما فُرِغ من جهاز رسول الله وَل# يوم الثلاثاء، وضع في سريره في بيته، وقد كان المُسلمون اختلفوا في دفنه. فقال قائلٌ: ندفنه في مسجده وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله وَلّر يقول: ((ما قُبِض نبيّ إلاّ دُفن حيث يُقْبض))(١)، فرفع فراش رسول الله وَ﴿ الذي تُوفي عليه، فحُفر له تحته، ثم دخل النّاس على رسول الله وَلَه يُصَلُّون عليه أزسالاً، دخل الرجال، حتى إذا فرغوا أُدخل النساء، حتى إذا فرغ النساء أُدخل الصبيان. ولم يَؤُم النّاسَ على رسول الله وَلّ أحد. كيف صُلِّي على جنازته عليه السلام؟ ذكر ابن إسحق وغيرُه أن المسلمين صَلُّوا عَليْه أَفْذَاذَا، لا يَؤُمُّهم أحدٌ، كلما جاءت طَائفةٌ صَلَّت عليه، وهذا خصوصٌ بِهِ وََّ، ولا يكون هذا الفعلُ إلاَّ عن توقيف، وكذلك رُوِي أنه أَوْصَى بذلك، ذكره الطَّبَريَّ مُسْنَدًا، ووجه الفِقْه فيه أن الله تبارك وتعالى افترض (١) أخرجه ابن ماجة (١٦٢٨) والترمذي (١٠١٨) بنحوه والبيهقي في الدلائل (٧/ ٢٦٠) وانظر الفتح (٥٢٩/١). ٤٥٢ ثم دُفن رسولُ اللهِ وَ لَه من وسط الليل ليلة الأربعاء. الصلاةَ عليه بقوله: ﴿صَلُّوا عليه وسَلَّموا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وحكَمُ هذه الصلاة التي تضمنتها الآيةُ ألاَّ تكونَ بإمام، والصلاةُ عليه عند موته داخلةٌ في لفظِ الآيةِ، وهي مُتَنَاوِلَةٌ لها، وللصلاة عليه على كل حال، وأيضًا فإن الربّ تبارك وتعالى، قد أخبره أنه يُصَلِّي عليه وملائكتُه، فإذا كان الربُّ تعالى هو المصلِّي والملائكة قَبْل المؤمنين، وجب أن تكون صلاة المؤمنين تَبَعًا لصلاةِ الملائكةِ، وأن تكون الملائكةُ هم الإمَامَ، والحديث الذي ذكرتُه عن الطَّبَري فيه طولٌ، وقد رَوَاه البَزَّار أيضًا من طريقٍ مُرَّة عن ابن مُسْعُود، وفيه أنه حين جمعَ أهلَه في بيتٍ عائشةَ - رضي الله عنها - أنهم قالوا: فمن يُصَلِّي عليك يا رسول الله؟ قال: فَهَلاً غفر الله لكم وجَزَاكم عن نَبِيِّكم خيرًا، فبكينا وبَكى النبيّ - صَلّ - فقال: «إذا غَسَّلْتُموني، وكَفَّنْتُموني، فَضَعُوني على سَرِيري في بيتي هذا على شَفِير قَبْرِي، ثم اخْرُجُوا عني سَاعةً، فإن أوّل من يصلِّ عليّ جَلِيسي وخَلِيلي جبريلُ، ثم ميكائيلُ، ثم إسْرافيلُ، ثم مَلَكُ الموت مع جنودِهِ، ثم الملائكةُ بأجمعها، ثم ادخلوا عليَّ فَوْجًا بعد فَوْج، فصلُوا عليَّ وسَلْموا، تَسْلِيمًا، ولا تُؤْذُوني بِتَزْكِيَةٍ، ولا ضَجَّةٍ، ولا رَنَّةٍ، وليبدأ بالصلاة عليّ رجالُ بيتي ثم نساؤهم، وأنتم بعد اقرؤوا أنفسَكم السَّلام مني، ومن غاب من أصحابي فاقرءوه مني السَّلام، ومن تابعكم بعدي على ديني، فاقرءوه مني السلام، فإني أُشهِدكم أني قد سَلَّمتْ على من تابعني على ديني من اليوم إلى يوم القيامة))، قلت: فمن يُدْخِلك قبرك يا رسولَ الله؟ قال: ((أهلي مع ملائكة كثير يرونكم من حيث لا تَرَوْنَهُم))(١) . موته عليه السلام كان خطبًا كالحًا: فصل: وكان موتُه عليه السلام خَطْبَا كالِحًا، ورُزْءًا لأهل الإسلام فادحًا، كادت تُهَدُّ له الجبال، وتَرْجُفُ الأرضُ، وتَكْسِفُ النَّرَات، لانقطاع خبر السماء، وفَقْد مَنْ لا عِوَضَ منه، مع ما آذن به موتُه - عليه السلام - من الفِتَنِ السُّخم، والحَوادثِ الوُهُم، والكُرَبِ المُذْلَهِمَّة، والهَزَاهِزِ المُضْلِعة، فلولا ما أنزل الله تبارك وتعالى من السَّكِينة على المؤمنين، وأَسْرَجَ في قلوبهم من نور اليقين، وشرح له صُدورَهم من فَهْم كتابه المبين لانْقَصَمَتْ الظهورُ، وضاقت عن الكُرَبِ الصدورُ، ولعاقهم الجزعُ عن تَذْبير الأمور، فقد كان الشيطان أَطْلَع إليهم رأسَه، ومدّ إلى إغوائهم مطامِعَه، فأوقد نارَ الشَّنآن، ونصب رايةَ الخِلاَفِ، ولكن أبى الله تبارك وتعالى إلاّ أن يُتمَّ نورَه، ويعلّي كلمتَه، ويُنْجِزَ موعودَه، فأطفأ نار الرِّدَّةِ، وحَسَم قادَةَ الخِلاَفِ والفِتْنَةَ على يد الصِّدِّيق رضي الله عنه، ولذلك قال أبو هُرَيْرَةَ: لولا أبو بكر لهلكت أُمَةُ (١) أخرجه الحاكم (٦٠/٣) والطبري في تاريخه (٢٢٨/٢). ٤٥٣ دفن الرسول : قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر، عن امرأته فاطمة بنت عُمارة، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة رضي الله عنها: جوف الليل من ليلة الأربعاء. محمد عليه السلام بعد نبيِّها، ولقد كان مَنْ قدم المدينةَ يومَئِذٍ من الناس إذا أشرفوا عليها سمعوا لأهلها ضَجِيجًا، وللبكاء في جميع أرجائها عَجيجًا، حتى صَحِلَتْ الحُلُوق، ونُزِفَتْ الدموعُ، وحقّ لهم ذلك، ولمن بعدهم، كما رُوي عن أبي ذُؤَيْب الهُذَلِيّ، واسمه: خُوَيْلِد بن خالد، وقيل: ابن مُحَرِّث قال: بلغنا أن رسول الله وََّ عليلٌ فاسْتَشْعَرْتُ حُزنًا وبتُ بأطْوَلِ ليلة لا يَنْجَابُ دَيْجُورُها، ولا يطلع نورُها، فظللت أقاسي طولها، حتى إذا كان قُرْب السَّحَر أَغْفَيْتُ، فهتف بي هاتف، وهو يقول: بين النَّخِيل ومَعْقِد الآطام خَطْبٌ أَجَلُ أَنَاخَ بِالإسْلاَم تُذْرِي الدُّمُوعَ عليه بالتَّسْجَامِ قُبِض النبيُّ محمدٌ فعيونُنَا قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومي فَزِعًا، فنظرت إلى السماء، فلم أر إلاّ سَعْد الذَّابح، فتفاءلت به ذبحًا يقع في العَرَب، وعلمت أن النبيَّ - بِّهِ - قد قُبِض، وهو ميّت من عِلَّتِهِ، فركبت ناقتي وسرت، فلما أصبحتُ طلبت شيئًا أزْجُرُ به، فعَنَّ لي شَيْهَمٌ، يعني: القُنْقُذَ قد قَبَض على صِلِّ، يعني: الحَيَّة، فهي تَلْتَوي عليه، والشَّيْهَمُ يَقْضَمُها حتى أكلها، فزَجَرْتُ ذلك، وقلت: شَيْهَمُ شَيْءٌ مُهِمٌّ، والتِوَاء الصِّلُ التِوَاءُ الناس عن الحق على القائم بعد النبيّ وَِّ، ثم أَكْلُ الشَّيْهَم إِيَّاها غلبةُ القائم بعده على الأمر. فَحثثْتُ ناقَتِي، حتى إذا كنتُ بالغَابَة زَجَرْتُ الطائرَ فأخبرني بوفاته، ونَعَب غُرَابٌ سانِحْ فنطق مثل ذلك، فتعوَّذْتُ بالله من شَرِّ ما عَنَّ لي في طريقي، وقدمت المدينةَ ولها ضَجِيجْ بالبكاء كضَجِيج الحَجيج، إذا أَهلُّوا بالإخرَام، فقلت: مَهْ؟ فقالوا: قُبِض رسولُ اللهِ وََّ، فجئت المسجد فوجدته خاليًا، فأتيتُ رسولَ اللهِ وَ ﴿، فأصبْتُ بابه مُرْتَجًا، وقيل: هو مُسَجَّى فدخلا به أهلُه، فقلت: أين الناسُ؟ فقيل: في سَقِيفَةِ بني ساعِدَة، صاروا إلى الأنصار، فجئت إلى السقيفة فأصبت أبا بَكرٍ وعُمَرّ وأبا عُبَيْدَة بن الجَرَّاحِ وسالمًا وجماعةً من قريش، ورأيت الأنصار فيهم سَعْد بن عُبَادَة، وفيهم شعراؤُهم حسَّاَنُ بن ثابت وكَعْب بن مالك ومَلاَ منهم، فآويت إلى قُرَيْش، وتكلّمت الأنصارُ، فأطالوا الخطابَ وأكثروا الصَّوابَ وتكلّم أبو بكر رضي الله عنه، فلِلَّه دَرُّه مِنْ رَجُلِ لا يُطيل الكلام ويعلم مواضع فصلِ الخِطَّاب، والله لقد تكلّم بكلام لا يسمعه سامعٌ إلاَّ انْقَاذَ له، ومال إليه، ثم تكلّم عُمَرُ، رضي الله عنه، بعده دون كلامِه، ومَدَّ يده، فبايعه وبايَعُوه، ورجع أبو بكر، ورجعت معه. قال أبو ذؤيب: فشهدت الصَّلاةَ على مُحَمَّدٍ وَّتِ، وشهدت ٤٥٤ من تولّی دفن الرّسول: وكان الذين نزلوا في قبر رسول الله وسل ◌ّر عليّ بن أبي طالب، والفضل بن عبَّاس، وقثم بن عباس، وشُقران مولى رسول الله وَّه. دفنَه، ثم أنشد أبو ذُؤَيْبٍ ببكي النبيَّ ◌َِّ: من بين مَلْحُودٍ له ومُضَرَّحٍ لما رأيتُ الناسَ في عَسَلاَنِهم نَصَّ الرِّقابِ لفقد أَبْيَضَ أَزْوَحِ مُتَبَادِرين لِشَرْجَعٍ بِأَكُفْهِمْ جَارَ الهُمُومِ يبيت غير مُرَوَّح فهناك صرت إلى الهموم، ومَنْ يَبِثْ وتَزَعْزَعَتْ آطامُ بَطْنِ الأَبْطَحِ كَسَفَتْ لمصرعه النجومُ وبَدْرُها ونخيلُها لحلول خَطْبٍ مُقْدِحٍ وتَزَعزَعَتْ أَجْبَالُ يَثْرِبَ كلُّها ولقد زَجَرْتُ الطيرَ قبل وفاته بمُصابه، وزَجَرْتُ سعد الأَذْبَحِ وقال أبو سُفيان بن الحارث بن عبد المطّلب يبكي رسولَ الله وَلّ: أرِقْتُ فبات لَيْلِي لا يَزولُ وأسْعَدَني البكاءُ وذاك فيما لقد عَظُمت مصيبَتْنَا وجَلَّت وأضحت أرضُنا مما عَرَاها فقَدْنا الوَحْيَ والتنزيلَ فينا وذاك أَحَقُّ ما سألت عليه نبيٍّ كان يجلُو الشّكَّ عنا ويَهدينا فلا نَخْشَى ضلالا أفاطِمُ إنْ جَزِعْت فذاك عذر فقبر أبيك سَيِّدُ كُلِّ قَبْرٍ دليلُ أخي المصيبةِ فيه طولُ أُصِيبَ المسلمون به قليلٌ عَشِيَّةَ قيل: قد قُبِضَ الرسولُ تكاد بنا جوانبُهَا تَمِيل يَرُوح به ويَغدُو جِبْرَئِيلُ نفوسُ الناس أو كَرَبت تَسِيل بما يُوحَى إليه وما يَقُول علينا والرسُولُ لنا دَلِيلُ وإن لم تَجْزَعِي، ذاكَ السَّبيل وفيه سَيِّدُ الناسِ الرَّسُولُ ولما تُوفي رسولُ اللهِ وَل فو ودفن ورجع المهاجرون والأنصار إلى رحالهم ورجعت فاطمة إلى بيتها اجتمع إليها نساؤها، فقالت: • اغْبَرَّ آفاقُ السماءِ وكُوَّرَتْ شمسُ النهار وأظلم العَصرّانِ أسَفًا عليه كثيرة الرَّجَفان فالأرض من بعد النبيِّ كئيبةٌ ٤٥٥ وقد قال أوس بن خَوْلِي لعليّ بن أبي طالب: يا عليّ، أنشدك الله، وحظّنا من رسول الله وَ﴾، فقال له: انزل، فنزل مع القوم وقد كان مولاه شُقران حين وضع رسول الله وَله في حُفرته وبنى عليه قد أخذ قطيفة، وقد كان رسول الله وسلّه يلبسها ويفترشها، دفنها في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك أبدًا. قال: فدُفنت مع رسول الله دَلته . أحدث النّاس عهدًا بالرّسول: وقد كان المُغيرة بن شعبة يدَّعي أنه أحدث الناس عهدًا برسول الله وَلهو يقول: أخذت خاتمي، فألقيته في القبر، وقلت: إن خاتمي سقط منّي، وإنما طرحته عمدًا الأمسّ رسول الله وَّر، فأكون أحدث الناس عهدًا به اَلـ قال ابن إسحاق: فحدّثني أبي إسحق بن يسار، عن مِقسم، أبي القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن مولاه عبد الله بن الحارث، قال: اعتمرت مع عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه في زمان عمر أو زمان عثمان، فنزل على أخته أم ولْتَبْكِه مُضَرّ وكُلُّ يَمَان فليَبْكهِ شرقُ البلاد وغربُها والبيت ذو الأستار والأركان ولْيَبْكِه الطَّوْدُ المعظمُ جَوُّه صَلَّى عليك مُتَزِّلُ القرآن يا خاتمَ الرُّسْل المبارَك ضَوْؤه ما وسَّدُوك وسادة الوسْنَان] [نفسي فداؤك ما لرأسك ماثلاً الاختلاف في کفنه: فصل: وأما الاختلاف في كفنه عليه السلام كم ثوبًا كان، وفي الذين أدخلوه قبرَه ونزلوا فيه، فكثير، وأصحُ ما رُوي في كفنِه أنه كُفْن في ثَلاثَةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُولِيَّة(١)، وكانت تلك الأثوابُ من كُرْسُفٍ(٢)، وكذلك قميصُه عليه السلام كان من قُّطْنٍ، ووقع في السيرة من غير رواية البَكّائِي أنها كانت إزارًا ورِداء، ولُفَافَةً، وهو موجود في كتب الحديث وفي الشّروحات، وكانت اللَّبِنُ التي نُضِدَت عليه في قبره تِسْعَ لَبِنَاتٍ. وذكر ابن إسحق فيمن أَلْحَدَه شُفْرَانُ مولاه، واسمه: صالح، وشهد بدرًا، وهو عبد قبل أن يُعْتَق، فلم يُسْهِم له، انقرض عقُبه فلا عَقِبَ له. (١) سحوليّة: نسبة إلى سحول، قرية باليمن. (٢) الكرسف: الفطن. ٤٥٦ هانىء بنت أبي طالب، فلما فرغ من عُمرته رجع فسُكب له غِسل، فاغتسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق، فقالوا: يا أبا حسن، جئنا نسألك عن أمر نحبّ أن تخبرنا عنه؟ قال: أظنّ المُغيرة بن شعبة يحدّثكم أنه كان أحدث النّاس عهدًا برسول الله وَلجر. قالوا: أجل، عن ذلك جئنا نسألك؛ قال: كذب، قال: أحدث الناس عهدًا رسول اللهر ◌َ﴿ قُثَم بن عباس. خميصة الرّسول: قال ابن إسحاق: وحدّثني صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عائشة حدّثته، قالت: كان على رسول الله وَّل خميصة سوداء حين اشتدّ به وجعه، قالت: فهو يضعها مرّة على وجهه، ومرّة يكشفها عنه، ويقول: قاتل الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يَحْذَرُ من ذلك على أُمَّته. قال ابن إسحاق: وحدّثني صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قالت: كان آخر ما عهد رسولُ اللهِ وَلَّ أن قال: ((لا يُترك بجزيرة العرب دينان)). افتتان المسلمين بعد موت الرّسول: قال ابن إسحاق: ولما تُوُفّي رسولُ اللهِ وَلَةٍ عَظُمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة، فيما بلغني، تقول: لما تُوفي رسول الله وَ لَهَ ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونَجَم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المَطِيرة في الليلة الشَّاتية، لفقد نبيّهِم ◌َّرَ، حتى جمعهم الله على أبي بكر. قال ابن هشام: حدّثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم أن أكثر أهل مكّة لمَّا تُوفي رسولُ اللهِ وَّرِ هِمّوا بالرجوع عن الإسلام، وأرادوا ذلك حتى خافهم عَتَّب بن أسِيد، فتوارى، فقام سهيل بن عمرو، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله وَلّره وقال: إن ذلك لم يَزِد الإسلام إلاّ قوّة، فمن رابنا ضَرَبْنا عُنقه، فتراجع النّاس وكَفُّوا عمّا همُّوا به، وظهر عتَّاب بن أسيد. فهذا المقام الذي أراد رسول الله بَّر في قوله لعمر بن الخطّاب: ((إنه عسى أن يقوم مقامًا لا تذمهُ)). ے ٤٥٧ شعر حسَّان بن ثابت في مرثيته الرّسول: وقال حسَّان بن ثابت يبكي رسولَ الله وَّر، فيما حدّثنا ابن هشام، عن أبي زيد الأنصاري : مُنِيرٌ وَقد تَعْفُو الرَّسُومُ وَتَهْمُدُ بِطَيْبَةَ رَسْمْ للرَّسُولِ وَمَعهَدْ بها منْبر الهادِي الذي كانَ يَصْعَدُ ورَبْعْ لَه فيهِ مُصَلَّى وَمَسْجِدُ منَ الله نُورٌ يُسْتَضَاءُ وَيُوقَدُ أتاها البِلَى فالآي منها تَجَدَّدُ وقبرًا بها وارَاهُ في التُرْبِ مُلْحِدُ عُيون وَمثلاها مِن الجفْنِ تُسعدُ لهَا مُخْصِيًا نَفْسِي فنَفْسِي تَبَلَّدُ فظلّت لِآَلاءِ الرَّسُولِ تُعَدَّد ولكِنْ لنَّفسِي بَعْدُ ما قد تَوَجَّدُ على طَلَلِ الَّذي فيهِ أحمَدُ بلادٌ ثَوَى فِيها الرَّشِيدُ المُسَدَّدُ عليه بناءٌ منْ صَفيحِ مُنَضَّدُ علَيهِ وقد غارَتْ بذلكَ أسْعُدُ عشيّة عَلَّوْهُ الثَّرَى لا يُوَسَّدُ وقد وهَنت منهم ظُهور وأعضُد ولا تمتحي الآياتُ من دار حُزْمةٍ وَوَاضَحُ آثارٍ وبَاقِي مَعالِمٍ بِها حُجُراتٌ كانَ ينزِلُ وَسْطَها مَعارِفُ لم تُطْمَسْ على العَهْدِ آيها عرفتُ بها رَسْمَ الرَّسُولِ وعَهِدَهُ ظللتُ بها أبكي الرَّسولَ فأسعدتْ يُذَكِّزْنَ آلاءَ الرَّسُولِ وَمَا أَرَى مُفَجَّعَةً قَدْ شَفَّها فَقْدُ أحمَد وَمَا بَلَغَتْ مِنْ كُلّ أَمْرٍ عَشيرَهُ أطالَتْ وُقوفًا تَذْرِفُ العينَ جُهْدَها فبُورِكْتَ يا قبرِ الرَّسولِ وبُورِكَتْ وبُورِكَ لَخْدٌ منكَ ضُمّن طَيِّبًا تَهِيلُ علَيْهِ التُربَ أيْدٍ وأعيُنٍ لقد غَيَّبوا حلمًا وَعلْمًا وَرَحمَةً وراحُوا بِحُزْنَّ ليس فيهِمْ نبيُهم وذكر ابن إسحق مَرَائِي حَسَّان في النبيّ وََّ، وليس فيها ما يُشْكل فنشرحُه، وقد رثاه كثيرٌ من الشعراء وغيرهم، وأكثرهم أفحمهم المصابُ عن القول، وأعجزتهم الصّفَّةُ عن التَّأْبِين، ولن يبلغ بالإطناب في مَذْح ولا رثاء في كُنه محاسنه عليه السلام ولا قَدْر مصيبة فقدِه على أهل الإسلام، فصلّى الله عليه وعلى آله صلاةً تَتَّصل مَدَى الليالي والأيامِ، وأحلَّه أعلى مراتب الرحمة والرضوان والإكرام، وجزاه عنا أفضلَ ما جَزَى به نَبِيًّا عن أُمته، ولا خالف بنا عن مِلَّتِهِ، إنه وَلِيَّ الطَّوْلِ والفَضْلِ والإنعام، وهو حسبنا ونعم الوكيلُ، والحمد لله رب العالمين. ٤٥٨ يَبكُونَ مَن تَبْكِي السَّمُواتُ يومهُ وَهَلْ عَذَلَتْ يَوْمًا رَزِيَّةُ هالِكِ تَقَطّع فيهِ منزِلُ الوَخيِ عنْهُمُ يدُلّ على الرَّحمْنِ مَن يَقتَدِي بِهِ إمام لهُم يَهْديهمُ الحَقَّ جاهِدًا عَفُوَّ عن الزَّلاتِ يَقْبل عُذْرَهم وإنْ نابَ أمْرٌ لم يقومُوا بحَمْلِهِ فبَيْنا هُمُ في نِعْمَةِ اللَّهِ بَيْئَهُم عزِيزٌ عليهِ أن يَجُورُوا عنِ الهُدَى عَطُوفٌ عليهم لا يُثَنِی جَناحَهُ فبينا هُمُ في ذلكَ النُّورِ إِذْ غَدَا فأصْبَحَ محمُودًا إلى اللهِ رَاجِعًا وأمسَتْ بلادُ الحُزْمِ وَحشًا بقاعُها قِفارًا سوَى مغمورَة الَّلحدِ ضافَها وَمَسْجِدهُ فالمُوحشاتُ لفَقْدِهِ وبالجَمْرة الكُبرَى له ثَمَّ أوْحَشَتْ فبَكى رَسُولَ اللهِ يا عَيْنُ عَبرَةً وَما لكِ لا تَبْكِينَ ذا النّعمَة التي فِجُودِي عليهِ بالدُّموعِ وأغْوِلي وما فَقَدَ المَاضُونَ مِثْلَ مُحَمَّدٍ أعَفَّ وأوْفَى ذِمَّةً بعْدَ ذِمَّةٍ وأبْذَلَ منْهُ للطَّرِيفِ وتالِدٍ وأكْرَم صِيتًا في البُيوتِ إذا انْتَمَى وأمنَعَ ذِروات وأثبت في العُلا وأثبتَ فَرْعًا في الفَرُوعِ وَمَثْبِئًا ومَن قد بكّتهُ الأرضُ فالنّاس أكمَدُ رَزِيَّةَ يَوْمِ ماتَ فيهِ مُحَمَّدُ وقد كانَ ذا نُورٍ يغور ويُنجدُ ويُنْقِذُ مِن هَوْلِ الخَزَايا ويُرْشِدُ معلّم صدْقٍ إِن يُطَيعوه يُسْعَدُوا وإن يُخسنوا فالله بالخير أجْوَدُ فمِنْ عِنْدِهِ تَيْسِيرُ ما يتشَدَّدُ دَليلٌ بِهِ نَهْجِ الطَّريقَة يُقْصدُ حرِيصٌ على أن يَسْتقيموا ويهْتَدوا إلى كَنَف يَحنو عليهم ويَمْهَدُ إلى نُورهم سَهم من الموتِ مُقْصِدُ يُبَكِّيهِ حَقّ المُرْسَلات ويُحْمَدُ لغَيْبة ما كانتْ مِن الوَخيِ تُغْهِدُ فقِيْدٌ يُبَكّيه بَلاطْ وَغَزْقِدُ خَلَاءٌ لَهُ فيهِ مَقامٌ وَمَفْعَدُ دِيارٌ وعَرْصات وَربْع ومولدُ ولا أعرفنك الذَّهر دَمعُك يجْمَدُ عَلَى النَّاسِ منها سابِعٌ يُتَغَمَّدُ لفَقْدِ الذي لا مثلُه الذَّهرَ يُوجَدُ ولا مِثْلُه حتى القِيامَة يُفْقَدُ وأقْرَبَ منه نائِلاً لا يُنَكَّدُ إذا ضَنّ مِعْطاءً بما كانَ يُثْلَدُ وأكْرَمَ جَدَّا أَبْطَحِيًّا يُسَوَّدُ دعائم عِزّ شاهِقات تُشَيَّدُ وعُودًا غذاهُ المُزْنُ فالعُودِ أغْيدُ ٤٥٩ على أكرَم الخيراتِ رَبِّ مُمَجَّدُ رَبّاهِ وَلِيدًا فاستتمَّ تمَامُهُ تَنَاهَتْ وَصَاةُ المُسْلِمينَ بِكَفْهِ أقولُ وَلا يُلْقَى لقَوْليَ عائِبٌ وليسَ هَوَايَ نازِعًا عَنْ ثَنائِه معَ المُضْطَفى أرْجو بذاكَ جِوَارهُ فلا العِلمُ مخبوسٌ ولا الرأيُ يُفْنَدُ مِن النَّاسِ إلاّ عازِبُ العقلِ مُبْعدُ لعلّي به في جَنَّةِ الخُلْدِ أخْلدُ وفي نَيْلِ ذاكَ اليَوْمِ أسعى وأجهَدُ وقال حسَّان بن ثابت أيضًا، يبكي رسولَ الله ◌َله: كُحِلَتْ مآقِيها بِكُخلِ الأزْمَدِ يا خيرَ من وَطِىء الحَصَى لا تَبْعَدِ غُيِّبْتُ قَبِلكَ في بَقيْعِ الغَرْقدِ فِي يَوْمِ الاثْنَينِ النَّبِيُّ المُهْتَدي مُثَلَدّدًا يا لَيْتَنِي لم أُولَدٍ يا لَيْتني صُبْحت سَمَّ الأسْوَدِ في رَوْحَةٍ مِن يَوْمِنا أو مِن غَدٍ مَخْضًا ضَرَائِبُهُ كَرِيمَ المَخْتِدِ وَلَدَتْهُ مُخصّئَةٌ بِسَعْد الأسْعُدِ من يُهْدِ للنُّورِ المُبارَكِ يَهْتَدِي فِي جَنَّةٍ تَثْنِي عُيُون الحُسَّدِ ياذَا الجَلالِ وَذَا العُلا والسُّودَدِ إلاّ بَكَيْتُ على النّبيّ محمَّدٍ بَعْدَ المُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ المَلْحَدِ سُودًا وُجُوهُهُمْ كِلَوْنِ الإثمِدِ وفُضُولَ نِعْمَته بنا لم نَجْحَدِ أنصارَه في كُلّ ساعَةٍ مَشْهَدٍ والطَّيْبُونَ على المُبارَكِ أحمَدٍ ما بالُ عَيْنِكَ لا تَنامُ كأنَّما جَزَعًا على المَهْدِيّ أصبَحَ ثاوِیًا وَجْهِي يقيكَ الثُّرْبَ لَهْفِي لَيْتِنِي بأبي وأُمي مَنْ شَهِدْتُ وَفاتَهُ فِظَلِلْتُ بَعدَ وَفاتِهِ مُتَبَلْدًا أأُقِمُ بَعْدَك بالمَدِينَةِ بینهُم أوْ حَلَّ أمْرُ اللهِ فِينا عاجِلاً فَتَقُومُ ساعَتُنا فَنَلْقَى طَيِّبًا يا بِكرَ آَمنَةَ المَباركَ بِكرُها نُورًا أضاءَ على البَّرِيَّة كلّها يا ربّ فاجمَعْنا مَعًا وَنَبِيَّنا في جَنّةِ الفِرْدَوْسِ فاكتُبها لَنا والله أسمعٍ ما بَقِنْتُ بِهالكِ يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيّ ورَهْطِهِ ضَاقَتْ بِالأنْصَارِ البِلادُ فأصْبَحوا وَلَقَدْ وَلَدْناهُ وَفِينا قَبْرُهُ والله أكرَمَنا به وهَدَى بهِ صَلَّى الإلهُ وَمَنْ يَحُفّ بعَرْشِهِ ٤٦٠