النص المفهرس

صفحات 361-380

فقلت: يا رسولَ الله، هَلك الوالد، وغاب الوافد فامْنُنْ عليَّ، منَّ الله عليك؛ فقال ◌َ:
«قد فعلتُ، فلا تعجلي بخروج حتى تجدِي من قومك من يكون له ثِقة، حتى يبلغك إلى
بلادك، ثم آذنيني)). فسألت عن الرجل الذي أشار إليّ أن أكلمه، فقيل: عليّ بن أبي
طالب رضوان الله عليه، وأقمت حتى قدم ركب من بَليّ أو قُضاعة، قالت: وإنما أريد أن
آتِيَ أخي بالشام. قالت: فجئت رسولَ الله وَ له فقلت: يا رسول الله، قد قَدِم رَهْط من
قومي، لي فيهم ثِقة وبلاغ. قالت: فكساني رسولُ اللهِ وَّهِ، وحَمَلني، وأعطاني نفقة،
فخرجت معهم حتى قَدِمت الشام.
قال عديّ: فوالله إني لقاعد في أهلي، إذ نظرت إلى ◌َعينة تَصُوب إليَّ تؤمنا،
قال: فقلت ابنةُ حاتم، قال: فإذا هي هي، فلما وقفت عليّ انسحلت تقول: القاطع
الظالم، احتملتَ بأهلك وولدك، وتركت بقيَّة والدِك عورتَك، قال: قلت: أيْ أُخَيَّة، لا
تقولي إلّ خيرًا، فوالله ما لي من عُذر، لقد صنعتْ ما ذكرت. قال: ثم نزلتْ فأقامت
عندي، فقلت لها: وكانت امرأة حازمة، ماذا تَرَين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله
أن تَلْحق به سريعًا، فإن يكن الرجل نبيًا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملِكًا فلن تَذِلّ في
عزّ اليمن، وأنت أنت. قال: قلت: والله إن هذا الرأي.
إسلام عديّ
قال: فخرجتُ حتى أقْدَم على رسول الله بَّر المدينة، فدخلت عليه، وهو في
مسجده، فسلمت عليه، فقال: ((مَنِ الرجل؟)) فقلت: عديّ بن حاتم؛ فقام رسولُ
الله ◌ََّ، فانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامدٌ بي إليه، إذ لَقيته امرأة ضعيفة كبيرة،
قدوم عديّ بن حاتم(١)
وهو عَدِيُّ بن حاتم بن عَبْد الله بن سَعْد بن حَشْرِج بن امْرِىء القَيْس بن عِدَيُ بن
رَبِيعَة بن جَرْوَلِ بن ثُعَلٍ بن عَمْرو بن الغَوْثِ بن طيىء يكنى أبا ظريف، وحديث إسلامه
صحيحٌ عجيب خَرَّجه الترمذي، وأخته التي ذكر إسلامَها أحسب اسمَها سَفَّانَةً، لأني
وجدت في خبر عن امرأةٍ حاتم تذكر فيه من سَخَائِه قالت: فأخذ حاتمٌ عَدِيًّا يُعَلِّله من الجوع،
وأخذت أنا سَفَّانَةً، ولا يعرف لَعِديٍّ ولدا نقرض عقبُه، ولحاتم عقب من قبل عبد الله بن
حاتم، ذكره القُتَبِيُّ، ولا يعرف له بنتٌ إلاَّ سَفَّانة، فهي إذًا هذه المذكورةُ في السِّيرة والله
(١) له ترجمة في الإصابة (٤٩٨/٢) الاستيعاب (١٧٨١/٣) تاريخ الصحابة (١٠٥١) الطبقات (٢٢/٦)
التهذيب (١٦٦/٧).
٣٦١

فاستوقفته، فوقف لها طويلاً تُكلِّمه في حاجتها؛ قال: قلت في نفسي: والله ما هذا
بملك؛ قال: ثم مضى بي رسولُ الله وَ﴿ حتى إذا دخل بي بيته، تناول وسادة من أدّم
مَخْشوَة ليفًا، فقذفها إليّ؛ فقال: اجلس على هذه، قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها،
فقال: بل أنت، فجلست عليها، وجلس رسول الله بَّر بالأرض؛ قال: قلت في نفسي:
والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: ((إيه يا عدي بن حاتم! ألم تك ركُوسِيًّا؟)) قال: قلت:
بلى، (قال): ((أو لم تكن تسيرُ في قومك بالمِزباع؟)) قال: قلت: بلى، قال: ((فإن ذلك
لم يكن يَجِل لك في دينك))؛ قال: قلت: أجَل والله، وقال: وعرفت أنه نبيّ مُرْسَل،
يعلم ما يُجْهَل، ثم قال: ((لعلّك يا عديّ إنما يَمنعك من دخُولٍ في هذا الدين ما تَرَى من
حاجتهم، فوالله لَيُوشِكَنَّ المالُ أن يَفيض فيهم حتى لا يُوجَد من يأخذه؛ ولعلّك إنما
يمنعك من دخولٍ فيه ما ترى من كثرة عدوّهم وقلّة عددهم، فوالله ليُوشِكَنَّ أن تسمع
بالمرأة تخرج من القادسيَّة على بعيرها (حتى) تزور هذا البيت، لا تخاف؛ ولعلّك إنما
يمنعك من دخولٍ فيه أنك ترى أن المُلك والسلطان في غيرهم، وأيْمُ الله ليوشكنّ أن
تسمع بالقُصور البيض من أرض بابل قد فُتحت عليهم))؛ قال: فأسلمت.
وقوع ما وعد به الرسول عديًا :
٠٫٠٠
وكان عدي يقول: قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونَنّ، قد رأيت القصور
البيض من أرض بابلَ قد فُتحت، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسيَّة على بعيرها لا
تخاف حتى تحجّ هذا البيت، وأيْمُ الله لتكوننّ الثالثة، ليَفِيضَنّ المالُ حتى لا يُوجد
من يأخذه.
قدوم فروة بن مسيك المرادي :
قال ابن إسحاق: وقَدم فَرْوَةُ بن مُسَيْك المُرادي على رسول الله نَّهِ مفارقًا لملوك
كِندة، ومباعدًا لهم، إلى رسول الله وَلته .
وقد كان قُبيل الإسلام بين مُراد وهَمْدان وقعة، أصابت فيها همدان من مرادَ ما
أرادوا، حتى أثْخَنُوهُمْ في يوم كان يقال له: يوم الرَّدم، فكان الذي قاد هَمْدان إلى مراد
الأجدعُ بن مالك في ذلك اليوم.
أعلم، وأُم حاتم: عِنَبَةُ بنتُ عفيف [بن عمرو بن عبد القيس] كانت من أكرم النّاس وهي
التي تقول:
فآليتُ ألاّ أَخْرِمِ الذَّهْرَ جائعا
لَعَمْرِي لَقد ما عَضَّنِي الجوعُ عَضَّةً
والسَّفَّانَةُ: الدُّرَّة، وبها كان يُكْنی حاتم.
٣٦٢

قال ابن هشام: الذي قاد هِمْدان في ذلك اليوم مالك بن حَرِيم الهَمْداني.
قال ابن إسحاق: وفي ذلك اليوم يقول فَروة بن مُسيك:
ينازعن الأعِنَّةَ يَنْتَحِينا
وإن نُغْلَبِ فغيرُ مُغَلَّبينا
مَنايانا وطُعْمَةُ آخَرِينا
مَرَرْنا علَى لُفاةَ وهنَّ خوص
فإنْ نَغْلِبْ فِغَلاَّبون قِدْما
وما إن طِبُّنا جُبْن ولكن
كَذاكَ الدَّهْرِ دَوْلُهُ سِجالٌ
تكُرُّ صُروفُه حِينًا فحينا
ولو لُبِسَت غَضَارته سنِينا
فبَينا ما نُسَرّ بِهِ ونَرْضَى
إِذِ انْقَلَبَتْ بِهِ كَرَّاتْ دَهْرٍ (١)
فمَنْ يُغْبَطْ بريْب الذَّهرِ منهم
فَلَوْ خَلَدِ المُلوكِ إذنْ خَلَدنا
فأفنى ذلك سَرَواتِ(٢) قَوْمي
فألقيتَ الأُلى غُبطوا طَحِينا
يَجِدْ رَيْبَ الزَّمانِ لِه خَثُونا
ولو بقي الكِرامُ إذَنْ بِقِينا
كمّا أفنى القُرونَ الأوّلينا
قال ابن هشام: أوّل بيت منها، وقوله: ((فإن نَغلب)) عن غير ابن إسحق.
قدوم فروة على الرسول وإسلامه:
قال ابن إسحاق: ولما توجّه فَرْوَةُ بن مُسَيْك إلى رسولِ اللهِوَّهِ مفارقًا لملوك
کِندة، قال :
كالرّجل خان الرجلَ عرق نَسائها
لما رأيتُ ملوك كِنْدَة أعرضَتْ
أرْجُو فَوَاضِلَها وحُسْن ثَرائها
قَرَّبْتُ راحلتي أَؤُمُّ مُحَمَّدًا
قال ابن هشام: أنشدني أبو عبيدة:
أرجو فواضله وحُسن ثنائها
قال ابن إسحاق: فلما انتهى إلى رسول الله نَ﴿، قال له رسولُ اللهِ وَ لقتله، فيما
بلغني: ((يا فروة، هل ساءك ما أصاب قومك يوم الرَّدم؟)) قال يا رسول الله: مَنْ ذا
يصيب قومَه مثل ما أصاب قومي يوم الرَّدْم لا يَسوؤه ذلك! فقال رسولُ اللهِ وَ﴾ له: ((أمَا
إن ذلك لم يزد قومَك في الإسلام إلاّ خيرًا)).
(١) كرّات الذّهر: مرّة بعد مرّة.
(٢) سروات: السادة.
٣٦٣

واستعمله النبيّ وَّ﴿ على مراد وزُبَيْد ومَذْحِجَ كلّها، وبعث معه خالد بن سعيد بن
العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفّي رسولُ الله ◌َلتر .
قدوم عمرو بن معد یکرب في أُناس من بني زبید:
وقَدِم على رسولِ الله وَ ﴿ عمرو بن معد يكرِبَ في أُناس من بني زُبيد، فأسلم؛
وكان عمرو قد قال لقيس بنِ مَكْشُوح المُرَادِيّ، حین انتهى إليهم أمر رسول الله چ: یا
قيس، إنك سيّدُ قومك، وقد ذُكر لنا أن رجلاً من قريش يقال له: محمد قد خرج
بالحجاز، يقول إنه نبيّ، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيًّا كما يقول فإنه لن
يخفى عليك، وإذا لقيناه اتّبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا عِلمه، فأبى عليه قيس ذلك،
وسفَّه رأيه، فركب عمرو بن مَعْدِ يكربَ حتى قَدِم على رسول الله بََّ، فأسلم، وصدَّقه،
وآمن به.
فلما بلغ ذلك قيس بنَ مكشوح أوعد عَمْرًا، وتحطّم عليه، وقال: خالفني وترك
رأيي؛ فقال عمرو بن معد یکربَ في ذلك:
ء أمْرًا بادِيَا رَشَدُه
أمَرْتُكَ يَوْمَ ذِي صَنْعا
ـهِ والمَعْرُوف تَتَّعِدّه
أمَرْتُك باتّقاءِ اللـ
خرَجْتُ مِنَ المُنَى مثلَ الـ
تمُنَّاني على فَرَسٍ
عَليّ مُفاضَةٌ كالشَّهْـ
تردّ الرُّمْح مُنْثني السِّـ
فلو لاقيتّني لَلقِيـ
تُلاقي شَنْجَئًا شَثْن الْـ
يُسامي القِرْنَ إن قِزْنٌ
فيأخُذه فَيرفعهُ
فَيَدْمَغُهُ فِيَخِطَمُهُ
ظَلوم الشَّرك فيما أخـ
ـحُمَيْر غَرّه وَتِدُه
عَلَيْهِ جالِسَا أسْدُه
ـي أخْلَص ماءه جَددُهُ
ـنان عوائرًا قِصّدُه
ـتُ لَيْئًا فوقَه لِبَدُهْ
بَرائِن ناشِزًا كَتَدُه
تَيَمَّمه فَيَعْتَضِدُهْ
فيَخْفِضُه فيَقْتصدةْ
فِيَخْضِمِهِ فَيزدردُه
ـرزتْ أنْيابُه ويَدُه
٣٦٤

قال ابن هشام: أنشدني أبو عُبيدة:
ءَ أَمْرًا بَيْنَا رَشَدُه
أمَرْتُكَ يَوْمَ ذي صَنْعا
ـهِ تأتيه وتَتَّعِدُه
أمَرْتُكَ باتِقاءِ اللَّ
رَهُ ممَّا بِهِ وَتِدُهْ
فكنت كذي الحُمَيِّرِ غَرّ
لم يعرف سائرها.
ارتداده وشعره في ذلك:
قال ابن إسحاق: فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زبيدة وعليهم
فروة بن مُسيك. فلما تُوفي رسولُ اللهِ وَلَرَ ارتدّ عمرو بن معد يكربَ، وقال حين ارتدّ:
حِمارًا سافَ مُنْخرُهُ بِثَفْرٍ
وجَدْنا مُلْك فَروة شرَّ مُلْك
وكنتَ إذا رأيتَ أبا عُمَير
ترَى الحُوَلاء من خَبَثٍ وغَذْر
قال ابن هشام: قوله: ((بثَفر)) عن أبي عبيدة.
قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة:
قال ابن إسحاق: وقَدِم على رسولِ اللهِ وَ ﴿ الأشعثُ بن قيس في وفد كِندة،
فحدّثني الزهريّ بن شِهاب أنه قَدِم على رسول الله وَّ في ثمانين راكبًا من كِنْدة، فدخلوا
على رسول الله بَّرَ مسجده وقد رَجَّلوا جُمَمَهُم وتكَخَّلوا، وعليهم جُبَبُ الحِبَرة، وقد
كفَّفوها بالحَرير، فلما دخلوا على رسول الله وَّر قال: ((ألم تُسْلِموا؟)) قالوا: بلى، قال:
((فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟)) قال: فشقّوه منها، فألقَوه.
ثم قال له الأشعث بن قيس: يا رسول الله: نحن بنو آكل المُرَارِ، وأنت ابن آكل
المُرَارِ، قال: فتبسّم رسولُ اللهِ وََّ، وقال: ناسِبُوا بهذا النسب العباسَ بن عبد المطّلب،
وربيعةً بن الحارث))، وكان العباس وربيعة رجلين، تاجرين وكانا إذا شاعا في بعض
العرب، فسُئلا ممن هما؟ قالا: نحن بنو آكل المُرَارِ، يَتَعَزَّزان بذلك، وذلك أن كِندة
كانوا ملوكًا. ثم قال لهم: لا، بل نحن بنو النَّضْر بن كنانة، لا نَقْفو أُمَّنا، ولا ننتفي من
أَبينا، فقال الأشعث بن قيس: هل فرغتم يا معشر كندة؟ والله لا أسمع رجلاً يقولها إلاّ
ضربته ثمانين.
٣٦٥

قال ابن هشام: الأشعث بن قَيْس من ولد آكل المُرار من قِبَل النساء، وآكل
المُرار: الحارث بن عمرو بن حُجْر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن مُعاوية بن
ثور بن مُرَتْع بن معاوية بن كِنْدِيّ، ويقال كِنْدة، وإنما سمّي آكل المُرار، لأن عمرو بن
الهَبولة الغسَّاني أغار عليهم، وكان الحارث غائبًا، فغنم وسبى، وكان فيمن سبى أُمُّ
أُناس بنت عوف بن مُحَلَّم الشَّيباني، امرأة الحارث بن عمرو، فقالت لعمرو في مسيره:
لكأني برجل أذلَمْ أسود، كأن مشافرَه مشافر بعير آكل مُرَارٍ قد أخذ برقبتك، تعني:
الحارث، فسُمّي آكل المُرار، والمُرار: شجر. ثم تبعه الحارث في بني بكر بن وائل،
فلحقه، فقتله، واستنقذ امرأته، وما كان أصاب. فقال الحارث بن حِلْزة اليَشْكُريُّ
لعمرو بن المُنذر وهو عمرو بن هند اللخميّ :
ـذِرِ كَزْهَا إِذْ لا تُكال الدّماء
وأَقَدْناكَ رَبَّ غَسَّانَ بالمُتْـ
لأن الحارث الأعرج الغسَّاني قتل المنذرُ أباه، وهذا البيت في قصيدة له. وهذا
الحديث أطول مما ذكرت، وإنما منعني من استقصائه ما ذكرت من القَطْع. ويقال: بل
آكل المُرار حُجر بن عمرو بن معاوية، وهو صاحب هذا الحديث، وإنما سُمّي آكل
المُرار، لأنه أكل هو وأصحابه في تلك الغزوة شجرًا يقال له: المُرار.
قدوم صرد بن عبد الله الأزديّ(١):
إسلامه :
قال ابن إسحاق: وقَدِم على رسولِ اللهِ وَهِ صُردُ بن عبد الله الأزديّ، فأسلم،
وحسن إسلامه، في وفد من الأزد، فأمَّره رسولُ اللهِ وَّر على من أسلم من قومه. وأمروه
أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك، من قِبَل اليمن.
قتاله أهل جرش:
فخرج صُرد بن عبد الله يسير بأمر رسولِ اللهِ وَّرَ، حتى نزل بجُرِش، وهي يومئذ
مدينة معلّقة، وبها قبائل من قبائل اليمن، وقد ضَوت إليهم خَثْعَم، فدخلوها معهم حين
سَمِعوا بسير المسلمين إليهم، فحاصروهم فيها قريبًا من شهر، وامتنعوا فيها منه، ثم إنه
رجع عنهم قافلاً، حتى إذا كان إلى جبل لهم يقال له: شَكر، ظنّ أهل جُرَشَ أنه إنما
(١) انظر الطبقات (٧١/٢/١) البداية (٨٤/٥) الطبري (١٣٠/٣) المنتظم (٣٨١/٣).
٣٦٦

ولَّى عنهم منهزمًا، فخرجوا في طلبه، حتى إذا أدركوه عَطَف عليهم، فقتلهم قتلاً
شدیدًا.
إخبار الرسول وافدي جرش بما حدث لقومها :
وقد كان أهل جُرَش بعثوا رجلين منهم إلى رسولِ الله # بالمدينة يرتادان
وينظران؛ فبينما هما عند رسولِ الله وَّرَ عشيَّةً بعد صلاة العصر، إذ قال رسولُ الله عَليه:
(بأيّ بلاد الله شَكْر؟)) فقام إليه الجُرشيان فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جبل يقال له:
كَشْر؛ وكذلك يسميه أهلُ جُرَش، فقال: ((إنه ليس بكُشْر، ولكنه شَكْ))؛ قالا: فما شأنه
يا رسول الله؟ قال: ((إن بُدْنَ الله لتُنْحر عنده الآن)»، قال: فجلس الرجلان إلى أبي بكر
أو إلى عثمان، فقال لهما: ويحكما! إن رسول الله وَ لَهَ ليَنْعَى لكما قومكما، فقوما إلى
رسول الله رَ ح18، فاسألاه أن يدعوَ الله أن يرفع عن قومكما؛ فقاما إليه، فسألاه ذلك،
فقال: اللهمّ ارفع عنهم، فخرجا من عند رسولِ الله وَ لَ راجعَيْن إلى قومهما، فوجدا
قومهما قد أصيبوا يومَ أصابهم صُرَد بن عبد الله، في اليوم الذي قال فيه رسولُ الله ◌ِاله
ما قال، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر.
إسلام أهل جرش :
وخرج وفدُ جُرَش حتى قَدِموا على رسول اللهِ وََّ، فأسلموا، وحَمَى لهم حِمَى
حول قريتهم، على أعلام معلومة، للفرس والراحلة وللمثيرة، بقرة الحَزْث، فمن رعاه
من الناس فمالهم سُختْ. فقال في تلك الغزوة رجل من الأزد: وكانت خَثْعَم تُصِيب من
الأزد في الجاهلية، وكانوا يَعْدُون في الشهر الحرام:
فِيها البِغالُ وفيها الخَيْلِ والحُمُرُ
يا غَزْوَةً ما غَزَوْنا غيرَ خائِبَةٍ
وجَمْعُ خَثْعَمَ قد شاعَتْ لها النُّذُرُ
حتى أتَيْنا حُمَيْرًا في مَصانعها
فمَا أُبالي أدَانُوا بَعدُ أُم كَفَرُوا
إذا وضعْتُ غَلِيلاً كنتُ أحمِلهُ
قدوم رسول ملوك حمير بكتابهم:
قدوم رسول ملوك حمیر:
وقَدِم على رسولِ اللهِ وَّهَ كتابُ ملوك حِمْيَر، مَقْدَمَه من تَبوكَ، ورسولهم إليه
بإسلامهم، الحارث بن عبد كُلال، ونُعَيم بن عبد كُلال. والنُّعمانُ قيلِ ذي رُعين ومَعافرَ
٣٦٧

وهَمْدان؛ وبعث إليه زُرعة ذو يَزَنِ مالك بن مرّة الرَّهَاوي بإسلامهم، ومُفارقتهم الشرك
وأهله .
كتاب الرسول إليهم:
فكتب إليهم رسولُ الله الآتى:
((بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله النبيّ، إلى الحارث بن
عبد كُلال، وإلى نعيم بن عبد كُلال، وإلى النُّعمان، قَيلِ ذي رُعين ومَعافرَ وهَمْدان.
أما بعد ذلكم، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو، أما بعد، فإنه قد وقع بنا
رسولُكم مُنْقَلَبَنَا من أرض الرّوم، فلقينا بالمدينة، فبلَّغ ما أرسلتم به، وخبَّرنا ما قبلكم،
وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهُداه، إن أصلحتم وأطعتم الله
ورسوله، وأقمتم الصّلاة، وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خُمُس الله، وسهمَ الرسول
وصَفيه، وما كُتب على المؤمنين من الصَّدقة من العَقار، عُشر ما سَقت العين وسقت
السماء، وعلى ما سقى الغَرْب نصف العشر: وأن في الإبل الأربعين ابنة لَبون، وفي
ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفي كلّ خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل
شاتان، وفي كلّ أربعين من البقر بقرة؛ وفي كلّ ثلاثين من البقر تَبيع، جَذَع أو جذّعة؛
وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها، شاة، وأنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين
في الصدقة؛ فمن زاد خيرًا فهو خير له، ومن أدّى ذلك وأشهد على إسلامه، وظاهر
المؤمنين على المشركين، فإنه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وله ذمَّة الله
وذمَّة رسوله، وإنه من أسلم من يهُوديّ أو نصرانيّ، فإنه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه
ما عليهم؛ ومن كان على يهوديّته أو نصرانيَّته، فإنه لا يُرَدّ عنها، وعليه الجزية، على كلّ
حال ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد، دينارٌ واف، من قيمة المعافر أو عِوَضُه ثيابًا، فمن أدَّى
ذلك إلى رسولِ الله وَ ﴿ فإن له ذمَّة الله وذمَّة رسوله، ومن منعه فإنه عدوّ لله ولرسوله.
أما بعد، فإن رسول الله محمدًا النبيّ أرسل إلى زُرعة ذي يزن أنْ إذا أتاكم رُسُلي
فأُوصيكم بهم خيرًا: مُعاذُ بن جَبل، وعبدُ الله بن زيد، ومالكُ بن عُبادة، وعُقبة بن
نمر، ومالك بن مُرّة، وأصحابهم وأن اجمعوا ما عندكم من الصدّقة والجِزْية من
مخاليفكم، وأبْلِغوها رُسلي، وأن أميرهم معاذ بن جبل، فلا يَنْقَلِبَنَّ إلاَّ راضِيًا. أما بعد.
فإن محمدًا يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالكَ بن مرَّة الرَّهاوي قد
حدّثني أنك أسلمتَ من أوّل حمير، وقتلتَ المشركين، فأبشر بخير وآمرك بحمير خيرًا،
ولا تخونوا ولا تخاذلوا، فإنّ رسولَ الله وَ طِّ هو وليُّ غنيّكم وفَقيركم، وإن الصدقة لا
٣٦٨

تحلّ لمحمد ولا لأهل بيته، إنما هي زكاة يُزَكَّى بها على فُقراء المسلمين وابن السبيل،
وإن مالكًا قد بلَّغِ الخَبَر، وحفِظِ الغَيب، وآمركم به خيرًا، وإني قد أرسلتُ إليكم من
صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم، وآمرك بهم خيرًا، فإنهم منظور إليهم،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)).
وصيّة الرسول معاذًا حين بعثه إلى اليمن:
بعث الرسول معاذًا على اليمن وشيء من أمره بها:
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدّث: أن رسول الله وَلّ حين
بَعَث مُعاذًا، أوصاه وعَهِد إليه، ثم قال له: ((يَسِر ولا تعسِّر، وبَشِّر ولا تنفّر، وإنك
ستقدَم على قوم من أهل الكتاب، يَسْألونك ما مِفْتاح الجنّة؛ فقل: شهادة أن لا الله إلاّ
الله وحده لا شريك له))، قال: فخرج معاذ، حتى إذا قَدِم اليمن قام بما أمره به رسولُ
الله وَله، فأتته امرأة من أهل اليمن، فقالت: يا صاحب رسول الله، ما حقُّ زوج المرأة
عليها؟ قال: وَيْحَكِ! إن المرأة لا تقدر على أن تؤدّيَ حقّ زوجها، فأجهدي نفسك في
أداء حقّه ما استطعت، قالت: والله لئن كنت صاحبَ رسولِ الله وَّهَ إنك لتعلم ما حقّ
الزوج على المرأة. قال: ويحك! لو رجعت إليه فوجدته تنثعب منخراه قيحًا ودمًا،
فمصصت ذلك حتى تُذْهبيه ما أدّيت حقّه.
إسلام فروة بن عمرو الجذامي
إسلامه :
قال ابن إسحاق: وبعث فروةُ بن عمرو النافرة الجُذامي، ثم النُّفائي، إلى رسول
اللهِ وَلّ رسولاً بإسلامه، وأهدى له بغلةً بيضاء، وكان فروة عاملاً للرُّوم على مَن يَليهم
من العرب، وكان منزله مُعان وما حولها من أرض الشام.
حبس الزوم له وشعره في محبسه:
فلما بلغ الرّومَ ذلك من إسلامه، طَلَبوه حتى أخذوه، فحَبسوه عندهم، فقال في
مخبسه ذلك:
والرُّومُ بين البابِ والقِرْوَانِ
طرقتْ سُلَيْمَى مَوهِنًا أصحابي
حديث فروة ((معنى قرو))
وذكر ابن إسحق حديث فَرْوَةً وقوله:
طَرَقَتْ سُلَيْمِى مَوْهِنًا أصحابي
والرّوم بين الباب والقزوَان
الروض الأنف/ ج ٤/ م ٢٤
٣٦٩

وهمَمْتُ أنْ أُغْفِي وقد أبْكانِي
صَدَّ الخيالُ وساءَهُ ما قد رَأى
لا تَكحَلِنّ العينَ بعدِيَ إثمِدًا
ولقَدْ عَلِمْتَ أبا كُبَيْشَةَ أنني
سَلْمَى ولا تَدِينَّ للإِثْيانِ
وَسْطَ الأعِزّة لا يُحَص لِساني
ولئن بَقيتُ لتَعْرِفْنّ مَكانِي
فلَئِن هَلَكتُ لتَفْقِدُنَّ أخاكم
مِنْ جَوْدَة وشَجاعَة وبَيانٍ
ولقد جمَعْتُ أجَلَّ ما جمَع الفتى
فلما أجمَعت الرّوم لصلبه على ماءٍ لهم، يقال له: عَفْراء بفِلَسْطين، قال:
على ماء عَفْرا فوق إحدى الرَّواحل
ألا هَل أتى سَلْمَى بأنّ حَلِيلَها
مُشَذَّبَةٌ أطْرَافُها بالمَناجِلِ
عَلى ناقَةٍ لم يَضْرب الفَخلُ أُمَّها
مقتله :
فزعم الزهريُّ بن شهاب، أنهم لما قَدَّموه ليقتلوه. قال:
بَلَغْ سَرَاةَ المُسْلِيمِنَ بأنَّني سَلْمٌ لربّي أعْظُمِي ومَقامي
ثم ضربوا عنقه، وصلبوه على ذلك الماء، يرحمه الله تعالى.
القزوَانُ: يجوز أن يكون جَمْع قَرْو، وهو حوض الماء مثل صِنْوَان، ويجوز أن يكون
جمع: قَرِيِّ مثل صَلِيب وصُلْبَان. وأصَحُّ ما قيل في القَرْوِ: إِنَّه حُوَيْضُ من خَشَبِ تُشْقى فيه
الذَّوَابّ، وتَلِغِ فيه الكلابُ، وفي المثل: ما فيها لاَعِي قَرْوٍ، أي: ما في الدارَ حَيّوانٌ،
وأراد: بلاعي قرْوٍ، لاحِق قَرْوٍ، وقلب القاف الأولى ياء للتَّضْعيف.
إبدال آخر حرف في اسم الفاعل:
وحَسّنَ ذلك أنه اسم فاعِل، وقد يُبْدلون من آخر حَرْفٍ في اسِم الفاعل ياءً، وإن لم
يكن ثَمّ تَضْعِيف، كقولهم في الخامس: خَامِيهم، وفي سادسهم سَّادِيهم، وكذلك إلى
العاشر، ونَحوّ منه: ما أنشد سِيبَوَيْه.
ولضَفَادِي جَمِّه نَقَانِقُ
أي: لِضَفَادِعِ جَمِّه، وأنشد:
مِنَ الثَّعَالِي وَوَخْزٌ من أرَانِبِها
أراد الثعالبَ وأرانَبِها، وإذا كان هذا معروفًا فَلاَعِي قَرْوٍ أحقُّ أن يُقْلبَ آخرُه ياءَ كراهَةً
اجتماعٍ قَافَيْن.
٣٧٠

إسلام بني الحارث بن كعب على يديّ خالد بن الوليد لما سار إليهم
دعوة خالد الناس إلى الإسلام وإسلامهم(١)
قال ابن إسحاق: ثم بعث رسولُ اللهَ﴿ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو
جمادى الأولى، سنة عشر، إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى
الإسلام قبل أن يُقاتلهم ثلاثًا، فإن استجابوا فأقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتِلهم. فخرج
خالدٌ حتى قَدِم عليهم، فبعث الرُّكبان يَضْربون في كلّ وَجْه، ويدعون إلى الإسلام،
ويقولون: أيها الناس، أسلموا تسلموا. فأسلم الناسُ، ودخلوا فيما دُعوا إليه، فأقام فيهم
خالد يعلمهم الإسلام وكتابَ الله وسنّة نَبيه وَّه، وبذلك كان أمره رسولُ اللهِ وَّ إن هم
أسلموا ولم يقاتلوا.
ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله وَّر، من خالد بن الوليد، السلام عليك يا
رسولَ الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو، أما بعد، يا
رسول الله صلّى الله عليك، فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم
ألاّ أُقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا أقمت فيهم، وقبلت منهم،
وعلَّمتهم معالمَ الإسلام وكتابَ الله وسنّة نبيّه، وإن لم يسلموا قاتلتهم. وإني قَدِمت
عليهم فدعَوتُهم إلى الإسلام ثلاثةَ أيّام، كما أمَرني رسولُ اللهُ بَّهِ، وبعثت فيهم رُكبانًا،
قالوا: يا بني الحارث، أسلموا تسلموا، فأسلموا ولم يُقاتلوا، وأنا مُقيم بين أظهرُهم،
وذكر قُدومَ وفد كِنْدَةَ، وفيه قوله عليه السلام: ((لا نَقْفُو أُمَّنا، ولاَ نَنْتَفِي من أبينا))(٢)،
. وفي هذا ما يدلّ على أن الأشْعَثَ قد أصاب في بعض قوله: نحن وأنت بَنُو آكِل المُرَارِ،
وذلك أن في جَدَّات النبيّ نَّهِ مَنْ هي من ذلك القَبِيلِ، منهن: دَعْدُ بنت سرير بِن ثَعْلَبَةَ بن
الحارثِ الكِنْدِيِّ المذكور، وهي أُم كِلاَبِ بن مُرَّة، وقيل: بل هي جَدَّةِ كِلابٍ أُم أُمه هند،
وقد ذكر ابن إسحق مِنْدًا هذه، وأنها ولدت کِلابًا .
قدوم وفد بني الحارث بن كعب
ذكر فيهم يزيدَ بن عبد المَدَانِ، واسم عَبْدَ المَدَانِ عَمْرو بن الدَّيَّانِ، والدَّيَّانُ اسمه:
يزيد بن قَطَّنِ بن زيَادٍ بن الحارثِ بن مَالِكِ بن رَبِيعة بن كَعْب بن الحارث بن كُغْبٍ
الحارثي.
(١) انظر البداية (٨٨/٥) الطبري (١٢٦/٣) الطبقات (٧٢/٢/١) المنتظم (٣٧٩/٣).
(٢) أخرجه الطبراني (٣٢١/٢) وانظر الفتح (٢٨٣/١٣).
٣٧١

آمُرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الإسلام وسنّة
النبيّ وَّهِ حتى يكتب إليّ رسولُ اللهِ وَله. والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله
وبر كاته.
كتاب الرّسول إلى خالد يأمره بالمجيء:
فكتب إليه رسولُ الله ◌ِلی:
((بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد النبيّ رسول الله إلى خالد بن الوليد. سلام
عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو. أما بعد، فإن كتابك جاءني مع رسولك
تخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تُقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه
من الإسلام، وشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً عبد الله ورسوله، وأن قد هداهم
الله بهُداه، فبشّرهم وأنذرهم، وأقْبِلْ وليُقْبِلْ معك وفدُهم، والسّلام عليك ورحمة الله
وبر كاته)).
قدوم خالد مع وفدهم على الرّسول:
فأقبل خالد إلى رسولِ الله وَّرَ، وأقبل معه وفدُ بني الحارث بن كعب، منهم
قيس بن الحُصَين ذي الغُصّة، ويزيد بن عبد المَدان، ويزيد بن المحجَّل، وعبد الله بن
قُرد الزيادي؛ وشدّاد بن عبد الله القَناني، وعمرو بن عبد الله الضبَابِي.
وذكر فيهم أيضًا ذا الغُصَّة، واسمه الحُصَيْنُ بن يَزِيدَ بن شَدّادِ الحارثي، وقيل له: ذو
الغُصَّة، لِغُصَّةٍ كانت في حَلْقِه لا يكاد يَبِين منها، وذكره عُمر بن الخطّاب يومًا، فقال: لا
تُزَاد امرأةٌ في صَدَاقِها على كذا وكذا، ولو كانت بنت ذي الغُصَّة.
وذكر فيهم عَمْرَو بن عبد الله الضِّبَابي، وهو ضِبَابُ بكسر الضاد في بني الحارث بن
كعب بن مَذْلِج، وضِبَاب أيضًا في قُرَيْشٍ وهو ابن حُجَيْر بن عَبْد بن مَعِيص بن عامر أخو
حَجَرٍ بن عَبْد، وفي حَجَرٍ وحُجَيْرٍ يقول الشاعر:
ومن حُجَيْرٍ بِلا ذَنْبٍ أَرَاغوني
أُنْبِثْتُ أَنَّ غُواةً من بني حَجْرٍ
ويا حُجَيْرُ إليكم لاَ تُبورُوني
أَغْنُوا بني حَجَرٍ عنا غُوَاتَكُم
والضّبَابُ في بني عامر بن صَعْصَعَةَ، وهم ضِبَابٌ ومُضِبُّ وحِسْلٌ وحُسَيْلٌ بنو
معاوية بن كِلاَبٍ، وأما الضَّبَابُ بالفَتْح، ففي نسب النابغة الذُّنْيانِيّ ضَبَابُ بن يَرْبُوع بن غَيْظِ،
وأما الضُّبَابُ بالَضّم فَزَيْدٌ ومنجا ابنا ضُبَابٍ من بني بَكْرٍ، ذكره الدَّارَقُطْني.
٣٧٢

حديث وفدهم مع الرسول:
فلما قَدِمُوا على رسولِ الله وَّرِ فرآهم، قال: ((من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال
الهند؟)) قيل: يا رسول الله، هؤلاء رجال بني الحارث بن كعب، فلما وقفوا على
رسولِ اللهِ وَ﴾ سلَّموا عليه، وقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأنه لا إله إلاّ الله؛ قال
رسولُ الله ◌ِّهِ: ((وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله))، ثم قال رسولُ
الله وَله: ((أنتم الذين إذا زُجروا استقدموا؟)) فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها
الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها
الرابعة، فقال يزيد بن عبد المَدان: نعم، يا رسول الله، نحن الذين إذا زُجروا
استقدموا، قالهَا أربَع مِرار؛ فقال رسولُ الله وَّر: ((لو أن خالدًا لم يكتب إليّ أنكم
أسلمتم ولم تُقاتلوا، لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم))؛ فقال يزيد بن عبد المَدان: أما
والله ما حَمِدناك ولا حمدنا خالدًا، قال: ((فمن حَمِدتم؟)) قالوا: حمدنا الله عزّ وجلّ
الذي هدانا بك يا رسول الله؛ قال: ((صدقتم)). ثم قال رسول الله ◌َّر: ((بِمَ كنتم
تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟)) قالوا: لم نكن نغلب أحدًا؛ قال: ((بلى، قد كنتم
تغلبون مَنْ قاتلكم))؛ قالوا: كنا نغلب مَنْ قاتلنا يا رسول الله إنا كنا نجتمع ولا نَفْترق،
ولا نبدأ أحدًا بظلم؛ قال: ((صدقتم))، وأمَّر رسولُ الله وَّر على بني الحارث بن كعب
قيسَ بن الحُصَين.
فرجع وفدُ بني الحارث إلى قومهم في بقيّة من شوّال، أو في صدر ذي القعدة،
فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومِهم إلاّ أربعة أشهر، حتى تُوفّيَ رسول الله وَّل، ورحم
وبارك، ورضي وأنعم.
بعث الرّسول عمرو بن حزم بعهده إليهم:
وقد كان رسولُ اللهِ وَِّ بعث إليهم بعد أن ولّى وفدُهم عمرو بن حزم، ليفقُّههم
في الدين، ويعلّمهم السنّة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتابًا عهد
إليه فيه عَهده، وأمره فيه بأمره. ((بسم الله الرحمن الرحيم: هذا بيان من الله ورسوله،
يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، عهد من محمد النبيّ رسول الله لعمرو بن حَزْم، حين
بعثه إلى اليمن، أمرَه بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم
محسنون، وأمره أن يأخذ بالحقّ كما أمره الله، وأن يبشّر الناس بالخير، ويأمرهم به،
ويُعَلّم الناس القرآن، ويفقّههم فيه، وينهى الناس، فلا يمسّ القرآن إنسان إلاّ وهو
٣٧٣

طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويلينَ للنَّاس في الحقّ، ويشدّ عليهم
في الظلم، فإن الله كرِهِ الظلم، ونَهَى عنه، فقال: ﴿ألا لَعْنَةُ الله على الظَّالِمِينَ﴾
[هود: ١٨]، ويبشّر الناس بالجنَّة وبعملها، ويُنْذِر الناس النارَ وعملَها، ويستألِف الناس
حتى يُفَقَّهوا في الدّين، ويعلم الناس معالم الحجّ وسنّته وفريضته، وما أمر الله به،
والحجّ الأكبر: الحجّ الأكبر، والحجّ الأصغر: هو العُمرة؛ ويَنْهى الناس أن يصلّي أحدٌ
في ثوبٍ واحد صغير، إلاّ أن يكون ثوبًا يثني طرفيه على عاتقيه؛ وينهى الناس أن
يحتبى أَحد في ثوب واحد يُفْضي بفَرْجه إلى السماء، وينهى أن يعقص أحد شعر رأسه
في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هَيْج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن
دعواهم إلى الله عزّ وجلّ وحده لا شريك له، فمن لم يَدْع إلى الله، ودعا إلى القبائل
والعشائر فَلْيُقْطَفُوا بالسيف، حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر
الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين ويمسحون
برؤوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصّلاة لوقتها، وإتمام الركوع والسجود والخشوع،
ويُغَلِس بالصبح، ويهَجِّر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في
الأرض مُذبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا يؤخّر حتى تبدوَ النجوم في السماء،
والعِشاء أوّل الليل، وأمر بالسَّعي إلى الجمعة إذا نودِيَ لها، والغَسْلِ عند الرّوَاح إليها،
وأمره أن يأخذ من المغانم خُمُس الله، وما كُتب على المؤمنين في الصَّدقة من العَقار
عُشْرُ ما سَقَت العين وسقت السماء، وعلى ما سَقَى الغُرْبُ نصف العُشر، وفي كلّ
عَشر من الإبل شاتان، وفي كلّ عشرين أربع شياه، وفي كل أربعين من البقر بقرة،
وفي كل ثلاثين من البقر تَبيع جَذَع أو جَذَعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها
شاة، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرًا فهو خير
له، وأنه من أسلم من يهوديّ أو نصرانيُّ إسلامًا خالصًا من نفسه، ودان بدين الإسلام،
فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو
يهوديَّته فإنه لا يُرَدُّ عنها، وعلى كلّ حالم: ذكر أو أنثى، حُرّ أو عبد، دينارٌ وافٍ أو
عوَضُه ثيابًا.
فمن أدَّى ذلك فإن له ذمَّة الله وذمَّةً رسوله، ومن منع ذلك، فإنه عدوّ لله
ولرسوله وللمؤمنين جميعًا، صلوات الله على محمد، والسلام عليه ورحمة الله
وبر کاته» .
٣٧٤

قدوم رفاعة بن زيد الجذامي
إسلامه وحمله كتاب الرّسول إلى قومه:
وقَدِم على رسول الله وَّ في هُدنة الحُدَيْبية، قبل خيبر، رِفَاعة بن زَيْد الجُذاميّ ثم
الضُّبَيْبِيّ، فأهدى لرسول الله وَّوَ غلامًا، وأسلم، فَحَسُن إسلامُه، وكتب له رسولُ
الله وَلَ كتابًا إلى قومه. وفي كتاب: ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد
رسول الله، لرفاعة بن زيد. إني بعثته إلى قومه عامَّة، ومن دخل فيهم، يدعوهم إلى الله
وإلى رسوله، فمن أقبل منهم ففي حزب الله وحزب رسوله، ومن أدبر فله أمان شهرين)).
فلما قدم رفاعة على قومه أجابوا وأسلموا، ثم ساروا إلى الحَرّة: حَرَّة الرَّجْلاء.
ونزلوها.
قدوم وفد همدان
أسماؤهم وكلمة ابن نمط بين يديّ الرّسول:
قال ابن هشام: وقَدِم وفد هَمدان على رسول الله وَّر، فيما حدّثني من أثق به،
عن عمرو بن عبد الله بن أذينة العبدي، عن أبي إسحق السَّبيعي، قال: قَدِم وفد هَمْدَان
على رسولِ الله - وَلَّ ـ منهم: مالك بن نَمَط، وأبو ثَوْرٍ، وهو ذو المِشْعار، ومالك بن
أيْفع وضِمَامُ بن مالك السَّلَماني وعَمِيرَةُ بن مالك الخارفيّ، فَلَقُوا رسولَ اللهِوَلَه مَرْجِعَه
من تبوك وعليهم مُقَطّعات الحَبرات. والعمائم العدنية، برحال الميْس على المَهْريَّة
والأرْحَبيَّة ومالك بن نَمَط ورجل آخر يَرْتَجِزَان بالقوم، يقول أحدهما:
لَيْسَ لَهَا في العالَمِينَ أمْثالْ
هَمْدَانُ خَيْرٌ سَوْقَةٌ وأقْيالْ
لَهَا إِطابَاتٌ بِهَا وآكالْ
مَحَلُّها الهَضْب ومنها الأبطال
وفود رفاعة
فصل: وذكر وفود رفاعة الضبَيْيِي، وأنه أهدى لرسول الله وَ ل﴿ غلامًا، وذلك الغُلام هو
الذي يقال له: مِذْعَم، وقع ذكره في الموطأ.
وذكر وفد هَمْدَانَ، ومالك بن نَمَطِ الهَمْدَانِيّ الذي يقال له: ذو المِشعَارِ، وكُنْيَتُه: أبو
ثَوْرٍ وقع في النُّسخة، وفي أكثر النُّسَخِ: وأبو ثَوْرٍ بالواو، كأنه غيره، والصواب سقوط الواو،
لأنه هو هو، وقد يخرج إثبات الواو على إضمار، هو، كأنه قال: وهو أبو ثور ذُو المِشْعَارِ،
وقد ذكره ابن قُتَيْبَةَ، فقال في غريب الحديث: مالك ذو المِشْعَارِ، وذكره أبو عُمَر فقال: هو
٣٧٥

ويقول الآخر:
في هَبَوات الصَّيفِ والخَرِيفِ
إِلَيْكَ جاوَزْنَ سَوادَ الرّيفِ
مُخَطِّماتٍ بِحِبالِ اللَّيفِ
فقام مالكُ بنُ نَمَطٍ بين يديه، فقال: يا رسول الله نَصِيَّةٌ من هَمْدان، من كلّ
حاضِرٍ وبَادٍ، أَتَوْك على قُلُصٍ نَوَاجِ، مُتَّصِلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومةٌ
لائم، من مِخْلافٍ خَارِفٍ ويَام وشَاكرِ أهلِ السُّود والقُودِ، أجابوا دعوة الرسول، وفارقوا
آلِهَاتِ الأنْصَاب عهدهم لا يُنْقَضَ ما أَقامتَ لَعْلَع، وما جرى اليَعْفُور بصُلَّعٍ.
فكتب لهم رسولُ الله ◌َلتر كتابًا فيه:
((بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ من رسول الله محمد، لِمِخلاف خَارِفٍ وأهل
جَنَابِ الهَضْب وحِقَافُ الرمل، مع وفدِها ذي المِشْعار مالك بن نَمَط ومَنْ أسلم من
قومه، على أنَّ لهم فِراعَها ووِهاطَها، ما أقاموا الصّلاة وآتَوْا الزّكاةَ، يأكلون عِلافَها
وَيَرْعون عافِيَها، لهم بذلك عهدُ الله وذِمام رسوله، وشاهِدُهم المُهاجرون والأنصار)).
فقال في ذلك مالك بن نّمَطٍ :
ونحنُ بأغلى رَخْرَحانَ وصَلْدَدِ
ذكرْتُ رَسُولَ الله في فَخمة الدُّحَی
برُكُبانها في لاحِبٍ مُتمدّدٍ
وهُن بِنا خُوصٌ طَلائِحُ تَعْتلي
ذُور المِشْعَارِ يكُنّى: أبا ثور، وفي الكتاب الذي كتبه له رسولُ اللهِ وَلّ: ((هذا كتابٌ من
محمد رسول الله إلى مِخْلاَفِ خارِفٍ ويَام وأهلِ جِنَابِ الهَضْب وحِقاف الرَّمْلِ مع وافِدِها ذِي
المِشْعَارِ مَالِكِ بن نَمَطٍ))، فهذا كله يدلّ على أن الواو في قوله: وأبو ثور ذو المِشْعار لاَ
مَعْنَی له.
وقوله: عليهم مُقَطَّعَاتِ الحِبّراتِ: المُقَطَّعاتُ من الثياب في تفسير أبي عُبَيْدٍ، هي
القِصار، واحتجّ بحديث ابن عباس في صلاة الضحى إذا انْقَطَعَتْ الظُّلالُ، أي: قَصُرت،
وبقولهم في الأراجيز: مُقَطَّعَات، وخطأه ابنُ قُتَيْبَةَ في هذا التأويلِ، وقال: إنما المُقَطَّعَاتُ
الثّابُ المَخِيطَةُ كالقُمُصِ ونحوها، سُمّيت بذلك، لأنها تُقَطَّع وتُفَصَّل ثم تُخَاط، واحتجٌ
بحديثٍ رواهُ عن بعضٍ ولدٍ عبد الملك بن مَرْوَان، وفيه أنه خرج وعليه مُقَطَّعَاتٌ يجرّها،
فقال له شيخٌ من بني أُمَيَّة: لقد رأيت أباك، وكان مُشَمِّرًا غير جَرَّارٍ لثيابه، فقال له الفتى: لقد
هَمَمْتُ بتقصيرِها، فمنعني قولُ الشاعر في أبيك:
لشر قرَّيْشٍ فِي قُرِيْشٍ مُركّبًا
قَصِيرِ الثّابِ فَاحِشٌ عند ضَيْفِهِ
٣٧٦

على كل فَتْلاءِ الذّراعين جَسْرَةٍ
حَلَفْتُ برَبّ الرّاقِصَاتِ إلى مِنَّى
بأنّ رسُولَ اللهِ فِينا مُصَدَّقُ
فمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَخلِها
وأعْطَى إذا ما طالِبُ العُرْف جاءه
تَّمُرّ بِنا مَرّ الهَجَفِّ الخَفَيْدَدِ
صَوادرَ بالرّکبان من هَضْب قَرْدَدِ
رسولٌ أتى مِن عِند ذي العَزْش مهتدي
أشَدَّ على أعدائِهِ مِنْ مُحَمَّدٍ
وأمْضَى بحَدّ المَشْرفيّ المهنَّد
ذكر الكذّابين مسلينة الحنفي والأسود العنسيّ:
قال ابن إسحاق: وقد كان تكلّم في عهد رسول الله وَلّ الكذّابات مُسَيْلِمة بن
حَبيب باليمامة في حنيفة، والأسود بن كعب العَنْسي بصَنعاء.
رؤيا الرّسول فيهما:
قال ابن إسحاق: حدّثني يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن عطاء بن يسّار أو أخيه
سليمان بن يسار، عن أبي سعيد الخُذريّ، قال: سمعت رسول الله وَّل وهو يخطب
الناس على مِنْبره، وهو يقول: ((أيُّها الناس، إني قد رأيت ليلة القدر، ثم أُنسيتها، ورأيت
في ذراعيّ سِوارين من ذهب، فكرِهتهما، فنفختُهما فطارا، فأوَّلْتهما هذين الكذّابين:
صاحب الیمن، وصاحب اليمامة)).
حديث الرّسول عن الدجالين:
قال ابن إسحاق: وحدّثني من لا أتّهم عن أبي هُريرة أنه قال: سمعت رسول
الله وَ﴾ يقول: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجّالاً كلهم يدّعي النبوّة))(١).
خروج الأمراء والعمّال على الصدقات:
الأمراء وأسماء العمّال وما تولّوه:
قال ابن إسحاق: وكان رسولُ اللهِ وَلّهِ قد بعث أُمراءه وعمّاله على الصدقات، إلى
كلّ ما أوطأ الإسلام من البُلْدان، فبعث المهاجرَ بن أبي أُميَّة بن المغيرة إلى صَنعاء،
والظاهرُ في قولِه عليهم مُقَطّعاتِ الحِبْرَاتِ ما قاله ابن قُتَيْبَةَ، ولا معنى لوصفِها بالقِصَرِ
في هذا الموطِنِ. والمَهْريَّة مَنْسُوبَةٌ إلى مَهْرة بن حَيْدَان بن الحَافِ بن قُضَاعَةَ. والأزْحَبِيّة:
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٣٤ - ٤٣٣٥ - بتحقيقي) وأحمد (٢/ ٤٥٠) والبغوي في شرح السنة (٤٠/١٥).
٣٧٧

فخرج عليه العَنْسيّ وهو بها، وبعث زيادة بن لَبيد، أخا بني بَياضَة الأنصاري، إلى
حضرَمَوْتَ وعلى صدقاتها؛ وبعث عديّ بن حاتم على طيىء وصدقاتها، وعلى بني أسد،
وبعث مالك بن نُويرة - قال ابن هشام: اليربوعي - على صدقات بني حنظلة، وفرّق
صدقة بني سعد على رجلين منهم، فبعث الزّبرقان بن بدر على ناحية منها، وقيس بن
عاصم على ناحية، وكان قد بعث العلاء بن الحضرميّ على البحرين، وبعث عليَّ بن أبي
طالب رضوان الله عليه إلى أهل نَجران، ليجمع صدقَتهم ويَقْدَم عليه بجِزْيَتِهمْ.
كتاب مُسيلمة إلى رسول الله والجواب عنه:
وقد كان مُسَيْلِمة بن حبيب، قد كتب إلى رسول الله وَّو: ((من مُسَيْلِمة رسول الله،
إلى محمد رسول الله: سلام عليك، أما بعد، فإني قد أُشركت في الأمر معك، وإن لنا
نصفَ الأرض، ولقُريش نصف الأرض ولكن قُرَيشًا قوم يَعْتدون.
فقَدِم عليه رسولان له بهذا الكتاب.
قال ابن إسحاق: فحدّثني شيخ من أشجع، عن سَلَمة بن نُعيم بن مسعود
الأشجعيّ، عن أبيه نعيم، قال: سمعتُ رسولَ الله وَل يقول لها حين قرأ كتابه: ((فما
تقولان أنتما؟)) قالا: نقول كما قال، فقال: ((أما والله لولا أن الرُّسل لا تقتل لضربت
أعناقكما)» .
ثم كتب إلى مسيلمة: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من حمد رسول الله، إلى مُسيلمة
الكذّاب: السلام على من اتّبع الهُدى. أما بعد، الأرض لله يُورثها من يشاء من عباده،
والعاقبة للمتقين)).
منسوبة إلى أَرْحَبَ بَطْن من هَمْدَان. ويامٌ هو يامُ بن أُصْبَى، وخَارِفُ بن الحارِث بَطْنَان من
هَمْدَانَ يُنْسَب إلى يام: زُبَيْد [بن الحارث بن عبد الكريم] اليَامِيِّ المُحَدِّث، وأهل الحديث
يقولون فيه: الأيَّامِيّ: والفِرَاعُ: ما علا من الأرض. والوِهَاطُ: ما انخفض منها، واحدها:
وخطٌ، ولَعْلَعْ: اسم جَبَلٍ. والصُّلَّعُ: الأرض الملساء. والخَفَيْدَهُ: ولد النَّعَامَةِ. والهِجَفُّ:
الضَّخَمُ.
وذكر حديث عَمْرو بن مَعْدِ يكَرِبَ، وقيسٍ بن مَكْشُوح.
وذكر في الشعر:
تُلاَقِ شَتْبَئًا شَثْنَ الـ ـبَرَائِنِ نَاشِزًا قَتَدَهْ
٣٧٨

وذلك في آخر سنة عَشْر.
أَلْفَيْتُ بخط الشَّيْخ أبي بَحر على هذا البيت قال: قال القاضي: لا أعرف شَنْبَئًا الآن،
ولعلهُ تلاقٍ شَرْ نَبَثًا، وجزم تُلاَقٍ لما في قوله:
فلو لاَقَيْتَني من قُوَّة الشَّرْط، فكأنه أراد: إن لاقيتني تُلاَقٍ.
٣٧٩

حجّة الوداع
تجهّز الرّسول واستعماله على المدينة أبا دجانة:
قال ابن إسحاق: فلما دخل على رسولِ اللهِوَ* ذو القعدة، تجهَّز للحجّ، وأمر
الناس بالجهاز له.
قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد، عن
عائشة زوج النبيّ بََّ، قالت: خرج رسولُ اللهِ وَّو إلى الحجّ لخمس ليال بقين من ذي
القعدة .
قال ابن هشام: فاستعمل على المدينة أبا دجانة الساعدي، ويقال: سباع بن عُرْفُطَة
الغفاريّ.
(١)
حجة الوداع
ذكر فيها حديث عائشة وقولها: فأهْلَلْنَا بالحَجِّ وما نَذْكر إلا أمْرَ الحَجِّ، وهذا يدل على
أنهم أفردوا، وقد بيّن ذلك جابرٌ في حديثه أن رسول الله وَّرَ أفرد الحجّ، وهذا هو الصحيح
في حديث جابر، وقد رُوِيَ من طُرُق فيها لِينٌ عن جابر أنه قال قَرَن رسولُ اللهِ وَّرُ بين
الحَجْ والعُمْرَة، وطاف لهما طَوَافًا واحدًا، وسعى لهما سَعْيًا واحدًا، رواه الدَّارَقُطْنِي(٢)،
ورُوي أيضًا أن جابرًا قال: حجّ رسولُ اللهِ وَّرُ ثلاثَ حِجَّاتٍ، حِجَّتَيْن قَبْل الهجرة، وحِجَّتُه
التي قَرَنَها بعُمْرَتِهِ(٣)، وأما حديثُ ابن عباس فصحيح، وقال فيه: (طاف رسولُ اللهِوَلَ عن
(١) انظر البداية (٩٩/٤) المنتظم (٥/٤).
(٢) أخرجه الدار قطني (٢٥٩/٢ - بتحقيقي) وأخرجه مسلم من الحجّ (١٨٢) من ابن عمر مرفوعًا.
(٣) أخرجه الترمذي (٨١٥) وابن ماجة (٣٠٧٦).
٣٨٠