النص المفهرس

صفحات 341-360

فنَنْحَرِ الكُومِ عُبْطًا في أرُومَتنا
فلا تَرَانا إلى حَيّ نُفاخِرُهُم
فمَنْ يُفاخِرنا في ذاكَ نَعْرِفه
إِنَّا أَبَيْنا ولا يأبى لَنا أحَدٌ
قال ابن هشام: ويُروى:
للنازلين إذا ما أُنْزلوا شَبعوا
إلا اسْتَفادوا فكانوا الرأسَ يُقْتطعُ
فَيَرْجعُ القَوْمُ والأخبارُ تُسْتمعُ
إنا كذلكَ عِنْدَ الفَخْرِ ترْتَفْعُ
منَا المُلوكُ وفينا تُقسم الرّبَعُ
ويُروى :
مِنْ كلّ أرضٍ هَوَانا ثُم نُتَّبَعُ
رواه لي بعض بني تميم، وأكثر أهل العلم بالشعر يُنكرها للزبرقان.
شعر حسَّان في الردّ على الزبرقان
قال ابن إسحاق: وكان حَسَّان غائبًا، فبعث إليه رسولُ اللهِ وَ لَ. قال حسَّان: جاءني
رسولُه، فأخبرني أنه إنما دعاني لأجيبَ شاعر بني تميم، فخرجت إلى رسول الله وَ له وأنا
أقول :
على أنْف راضٍ من مَعَدّ وراغمٍ
مَنَغْنا رسول الله إذ حلّ وسْطَنا
بأسيافِنا مِنْ كلّ باغٍ وظالمٍ
مَنَعْناهُ لمَا حَلَّ بين بُيُوتنا
بجابِيَّةِ الجَوْلاَنِ وَسْطَ الأعاجِمِ
ببَيْتٍ حَرِيدٍ عِزُّه وثَرَاؤُه
القَمَر. قال الشاعر:
عليها مِثْلِ ضَوْءِ الزُّبْرقَانِ
تَضِيء به المنابرُ حينَ يرْقَى
والزّبْرِقَانُ أيضًا: الخفِيفُ الغارضين، وكانت له ثلاثةُ أسماء: الزّبْرِقَانُ والقَمَرُ
والحُصَيْن، وثلاثُ كُنَى: أبو العَبَّاس، وأبو شَذْرَةَ، وأبو عَيَّاش، وهو الزّبْرِقَانُ بن بَذْرٍ بن
امْرِىءِ القَّيْسِ بن خَلَفِ بن بَهْدَلَةَ بن عَوْفٍ بن كَعْبٍ بن سَعْد بن زَيْدَ منَاة بن تَميم.
شعر حسّان في الردّ على الزبرقان في الميمية والعينية
وقول حسّان:
ببيتٍ حَرِيدٍ عِزُّهُ وثَرَاؤُه
٣٤١

وجاهُ المُلوكِ واحتمالُ العَظَائِمِ
هل المجدُ إلاّ السُّودَدُ العَوْدُ والنَّدَى
قال: فلما انتهيتُ إلى رسولِ اللهِ وَّر، وقام شاعر القوم، فقال ما قال، عرضت في
قوله، وقلت على نحو ما قال. قال: فلما فرغ الزّبْرِقَان، قال رسولُ اللهِ وَلَه لحسَّان بن
ثابت: ((قُم يا حسَّان، فأجب الرجلَ فيما قال)). فقام حسَّان فقال:
قد بَيَّنُوا سُنَّةً للنّاسِ تُتَّبَعُ
إنّ الذَّوائبَ مِنْ فِهْرٍ وإخوتهم
تَقْوَى الإلهِ وكلَّ الخیر یَصْطنِعُ
يَرْضَى بهم كلُّ من كانت سَريرتُه
أو حاولوا النّفْع في أشْياعهم نَفعوا
قَوْمٌ إذا حارَبوا ضرُّوا عدوَّهُمُ
إن الخلائق فاعلم شرُّها البِدَعُ
سَجيّة تلك مِنْهم غيرُ مُحُدثَة
فكلّ سَبْق لأدنى سبقهم تّبعُ
إنْ كان في النَّاس سبَّاقون بعدَهم
عند الدّفاع ولا يُوهون ما رَقعوا
لا يَرْقع الناس ما أَوْهَت أكفُّهُمُ
يريد: بيتٍ شَرَفُهُمْ من غَسَّانَ وهم ملوك الشام، وهم وسط الأعاجم، والبيت الحَرِيدُ:
المنفردُ عن البيوت، كما انفردت غَسَّانُ، وانقطعت عن أرض العرب، وكان حسَّان يضرب
بلسانه أَزْنَبَةَ أنْفِه هو وابنُه وأبوه وجَدُّه، وكان يقول: لو وضعته يعني لسانَه على حَجَر لَفَلَقه،
أو على شَعْرٍ لَحَلَقَه، وما يسرّني به مِقْوَلٌ من مَعَدُ.
وقول حسَّان: يخاض إليه السَّمُّ والسَّلَع.
السَّلَعُ: شَجر مر. قال أُمَيَّة [بن أبي الصَّلْت]:
عُشَرٌ مَا وَفَوْقه سَلَحْ ما عائِلٌ مَا، وعالت البَيْفُورًا(١)
يريد أنهم كانوا إذا استَسْقَوْا في الجاهلية رَبَطوا السَّلَع والعُشَرَ في أذْنَابِ الْبَقَر.
وقوله: شَمَعُوا، أي: ضَحِكوا ومَزَحُوا. قال الشاعر [المتنخل الهذلي] يصف
الأضیاف :
وأبدؤهم بمَشْمَعةٍ وأثْنِي بِجُهْدِي من طَعَامِ أو بِسَاطٍ
وفي الحديث: مَنْ تَتَبَّع المشْمَعَة شَمَّعَ الله به. يريد مَنْ ضَحِك مِنَ الناس وأَفْرَطَ في
المَزْحِ.
(١) البيقورا: اسم جمع للبقر.
٣٤٢

إن سابَقوا النَّاس يومًا فاز سَبْقُهُمُ
أعِفَّة ذُكِرَتْ في الوَخي عفَّتهم
لا يَبْخَلُونَ على جارٍ بفَضْلهم
إذا نَصَبْنا لِحَيٍّ لم نَدِبَّ لَهُمْ
نَسْمُو إذا الحَرْبُ نالَتْنا مَخالِبُها
لا يَفْخَرُونَ إذا نالُوا عَدُؤَّهم
كأنهم في الوَغَى والمَوْتُ مُكْتَنِعْ
خُذْ منهُمُ ما أَتَى عَفْوًا إذا غَضِبُوا
فإنَّ في حَرْبهم فاترُكْ عَداوَتهم
أكرِمْ بِقَوْمٍ رسولُ الله شيعَتُهم
أهدَى لهُم مِذْحتي قلبٌ يُؤازِرُه
فإنهُم أفضَلُ الأحياءِ كلْهِم
قال ابن هشام: أنشدني أبو زيد:
يَرْضَى بها كل مَن كانت سَرِيرَتُه
شعر آخر الزبرقان:
أو وَازنوا أهلَ مجدٍ بالندى مَتّعوا
لا يَطْبَعُونَ ولا يُردِیهِمُ طَمَعُ
ولا يَمَسُهُمُ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ
كما يدُبُّ إلى الوَخْشِيَّةِ الذَّرعُ
إذا الزَّعانُفُ مِنْ أظفارها خَشَعوا
وإن أُصيبُوا فلا خُورٌ ولا مُلُعُ
أُسْدٌ بِحَلْيَةَ في أرْساغها فَدَعُ
ولا يكن هَمّكَ الأمرَ الذي مَنَعُوا
شَرًّا يُخاضُ عليهِ السَّمُّ والسَّلَعُ
إذا تفاوَتَت الأهواءُ والشَّيَعُ
فيما أُحِبّ لسانٌ حائِكٌ صَنَعُ
إن جدَّ بالنَّاس جِدُّ القول أو شَمَعوا
تقْوَى الإلهِ وبالأمر الذي شَرَعوا
قال ابن هشام: حدّثني بعضُ أهل العلم بالشعر من بني تميم: أنّ الزبرقان بن بدر
لمَّا قدم على رسولِ الله وَّل في وفد بني تميم قام فقال:
إذا احتفلوا عند احتضَارِ المواسِمِ
أَتَيْنَاكَ كيما يغْلَم النَّاسُ فضْلَنا
وأن ليس في أرضٍ الحجازِ كدارم
بأَنَّا فُرُوعُ النَّاسِ في كل موْطٍِ
ونضرب رأس الأصْيَدِ المُتفاقِمِ
وأنا نَذُود المُعلِمِينَ إذا انتَخَوْا
نُغِيرُ بنَجْدٍ أو بِأرضِ الأعاجِمِ
وأنَّ لَنا المِزباعَ في كل غارةٍ
وقوله :
أو وَازَنُوا أهلَ مَجْدٍ بالنَّدَى متَعُوا
أي: ارتفعوا، يقال: متَع النهارُ إذا ارتفع.
٣٤٣

شعر آخر لحسَّان في الردّ على الزبرقان
فقام حسَّان بن ثابت فأجابه، فقال:
هلِ المجد إلّ السُّودَدُ العَوْدُ والنَّدى
نَصَرْنا وآوَيْنا النَّبيَّ محَمَّدًا
بحَي حَرِيدٍ أضْلُهُ وثَراؤه
نَصَرْناهُ لما حَلَّ وسْط دِیارِنا
جَعَلْنا بَنِينا دُونَه وبناتنا
ونحن ضرَبْنا النَّاسَ حتى تَتابَعُوا
ونحن وَلَذْنا مِن قُرَيش عَظيمَها
بني دارِمٍ لا تفْخَرُوا إِنْ فَخْرَكُمْ
هَبِلْتُمْ عَلَيْنا تَفْخَرُونَ وأنْتُم
فإنْ كُنْتُمْ جِئتم لِحَقْنِ دِمائِكُمْ
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نَذَّ وأسْلِمُوا
وجاهُ المُلوكِ واحتمال العَظائمِ
على أنْف راضٍ من مَعَدّ وراغمٍ
بجابية الجَوْلانه وَسْطِ الأعاجمِ
بأسْيافنا منْ كُلّ باغٍ وظالمٍ
وطِبْنا لَهُ نَفْسًا بِفَيْءِ المغانمِ
على دينهِ بالمُرْهَفاتِ الصَّوَارِمِ
ولدنا نبي الخَيْرِ مِن آلِ هاشِمٍ
يَعُودُ وَبالاً عندَ ذِكْرِ المَكَارِمِ
لَنا خَوَلٌ ما بينَ ظثْرٍ وخادِم
وأموالكم أن تُقْسَمُوا في المّقاسِمِ
وَلا تلْبَسوا زِيًّا كزِي الأعاجمِ
إسلامهم وتجويز الرسول إياهم:
قال ابن إسحاق: فلما فرغ حسّان بن ثابت من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبي،
إن هذا الرجل لَمُؤَتّى له، لخَطيبُه أخطب من خطيبنا، ولَشاعره أشعر من شاعرنا،
ولأصواتهم أحلى من أصواتنا. فلما فرغ القوم أسْلموا، وجَوَّزَهُمْ رسولُ الله ◌َّرَ، فأحسن
جوائزهم.
شعر آخر لحسَّان في الردّ على الزبرقان
وقول حسَّان:
وطِبْنا له أنفسًا بِفَيْء المغَانِم
يريد: طِيبَ نفُوسِهم يوم حُنَيْنِ حين أعطى رسولُ اللهِ وَّهِ المؤَلَّفَةَ قلوبُهم، ولم يُغْطِ
الأنصار شيئًا .
٣٤٤

شعر ابن الأهتم في هجاء قيس لتحقيره إيّاه
كان عمرو بن الأهتم قد خَلَّفه القوم في ظهرهم، وكان أصغَرَهم سِنَّا، فقال
قيس بن عاصم، وكان يُبغض عمرو بن الأهتم: يا رسول الله، إنه قد كان رجل منّا في
رجالنا، وهو غلام حَدَث، وأزْرى به، فأعطاه رسولُ الله بَّرَ مثلَ ما أعطى القوم، فقال
عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيسًا قال ذلك يهجوه :
عندَ الرَّسول فلم تَصْدُقْ ولم تُصِبِ
ظَلِلْتُ مُفْتَرِشَ الهَلْباء تَشْتُمُنِي
بادٍ نَوَاجِذُهُ مُقْعٍ على الذَّنَبِ
سُدْناكُم سُودَدَا رَهْوَا وسُودَدُكُمْ
قال ابن هشام: بقي بيت واحد تركناه، لأنه أقذع فيه.
قال ابن إسحاق: وفيهم نزل من القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِين يُنادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَات
أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤].
شرح قول ابن الأهتم لابن عاصم
فصل: وذكر قولَ عمرو بن الأهتَم لقيس بن عاصم:
ظَلِلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْبَاءِ تَشْتُمُنِي
عند النبيّ فلم تَصْدُقْ ولم تُصِب
الهَلْبَاءِ: فَعْلاَءَ من الهُلْبِ وهو الخَشِينُ من الشّعْر، يقال منه: رجل أَهْلَبُ، ومنه قول
الشّعْبِي في مُشْكِلَةٍ نزلت: هلبَاءُ زَبَّاءُ ذَاتُ وَبَرٍ، كأنه أراد بمُفْتَرِشِ الهَلْبَاءِ، أي: مُفْتَرِشًا
لِحْيَتَه، ويجوز أن يريد بمفترش الهَلْبَاءِ، يعني امرأةً. وقيل: الهَلْبَاء، يريد بها هاهنا دُبُرَه،
فإن كان عنى امرأةً، فهو نَصْب على النِّداء.
ما نزل في وفد تميم من الحجرات:
وذكر ما أنزل الله تبارك وتعالى فيهم في سُورة الحُجُراتِ، وقد كان عُمَرُ وأبو بكر
اختلفا في أمر الزّبْرِقان وعَمْرِو بن الأهْتَم، فأشار أحدُهما بتقديم الزِّبْرقان، وأشار الآخرُ
بتقديم عَمْرو بن الأَهْتَم حتى ارتفعت أصواتُهما، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا لا
تُقَدِّموا بين يَدَى الله ورسوله واتَّقُوا الله﴾ إلى قوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أصواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾
فكان عُمَرُ بعد ذلك إذا كلّم النبيَّ عليه السلام لا يُكلِّمه إلاّ كأخي السِّرَارِ.
إن من البيان لسحرًا:
وفي هذا الوفد جاء الحديث أن رجلين قَدِما من نَجْدٍ فخطبا، فعجب الناسُ لبيانهما،
٣٤٥

قصّة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس في الوفادة عن بني عامر
بعض رجال الوفد:
وقَدِم على رسولِ اللهِ وَّ وفدُ بني عامر فيهم عامر بن الطُّفيل وأربد بن قَيَسْ بن
جَزء بن خالد بن جعفر، وجَبَّار بن سَلْمَى بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء الثلاثةُ
رؤساء القوم وشیاطینھم.
تدبیر عامر للغدر بالرسول:
فقَدِم عامرُ بن الطُّفَيْلِ عدوُّ الله، على رسول اللهِ وََّ، وهو يريد الغدرَ به، وقد
قال له قومه: يا عامر، إن النَّاس قد أسلموا فأسلم، قال: والله لقد كنتُ آليتُ أن لا
أنتهيَ حتى تَتْبع العربُ عَقِبي، أفأنا أتْبعُ عَقِبَ هذا الفتى من قُرَيش! ثم قال لأرْبَدَ: إذا
قَدِمنا على الرجل، فإني سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلتُ ذلك فاعله بالسيف، فلما
فقال النبيّ وَّ: ((إن من البيان لَسِخْرًا))(١)، وأدخله مالك في باب ما يُذَمُّ من القولِ، من
أجل أن السِّخْرَ مذمومٌ شَرْعًا، وغيره يذهب إلى أنه مَدْحْ لهما بالبيان واستمالَةِ القلوب
كالسِّخر، وكان من قولهما. إن عَمْرًا قال للنبيّ وََّ فِي الزَّبْرِقَانِ: إنه مُطَاعٌ فِي أَذْنَيْهِ سَيِّدٌ في
عَشِيرته، فقال الزّبْرِقانُ: لقد حَسَدني يا رسول الله لِشَرَفي، ولقد علم أفضل ممَّا قال. قال:
فقال عَمْرو: إنه لَزَمِرُ المُرُوءَةِ ضَيْقُ العَطَنِ لئيمُ الخالِ، فَعَرَف الإنكار في وَجْه رسول
اللهِ وَّ، فقال: يا رسول الله رضيتُ فقلتُ أحَسَن ما عَلِمتُ، وسَخِطْتُ فقلتُ أقبح ما
علمت، ولقد صَدَقْتُ في الأولى وما كَذَبْتُ في الثانية، فحينئذٍ قال النبيّ ◌َِّ: ((إن من البيان
لَسِحرًا))، وقوله: لئيم الخال، قيل: إن أُمه كانت من بَاهِلَةَ، قاله ابن ثابت في الدلائل، وقد
أُنْكِر هذا عليه، وممن أنكره عليه أبو مَرْوَانَ بن سراج، فالله أعلم، لأن أهل النسب ذكروا
أن أُمَ الزُّبْرِقَانِ عُكْلِيَّةٌ من بني أُقَيْشَ، وعُكْلٌ وإن كانت تجتمع مع تميم في أدّ بن طَابخَةً لكنَّ
تميمًا أشرفُ منهم، ولا سيّما بني سَعْدٍ رهْطِ الزِّبْرِقَانِ، فلذلك جعله عَمْرٌو لئيم الخال.
خبر عامر وأربد
فصل: وذكر خبر عامر بن الطفيل وأَرْبَد، وأن أَرْبَدَ قال لعامر: ما هَمَمْتُ بقتلِ
مُحَمَّدٍ إلاّ رَأَيْتُك بَيْني وبينه أفأقتلك؟! وفي غير رواية ابن إسحق: إلاّ رأيت بيني وبينه
(١) أخرجه أبو داود (٥٠١١ - ٥٠١٢ - بتحقيقي) وأحمد (٢٦٣/٤) ومالك (٩٨٦) والحاكم (٦١٣/٣)
وانظر الفتح (٢٠١/٩) (٢٣٧/١٠).
٣٤٦

قَدِمُوا على رسول الله وَلَه قال عامر بن الطُّفَيل: يا محمد، خالنِي، قال: ((لا والله
حتى تؤمن بالله وحده)). قال: يا محمد خالنِي. وجعل يكلِّمه وينتظر من أَرْبَدُ ما كان
أمره به فجعل أربد لا يُحيرُ شيئًا، قال: فلما رأى عامرٌ ما يصنع أَرْبَدَ، قال يا محمد
خالنِي قال: ((لا، حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له)). فلما أبى عليه رسولُ الله وَه
قال: أما والله لأمْلأنَّها عليك خَيْلاً ورجالاً، فلما وَلَّى قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((اللهمْ
اكفني عامرَ بن الطُّفَيل)). فلما خرجوا من عند رسول الله وَّ، قال عامر لأربد: وَيْلَكَ
يا أَزْبَدُ أين ما كنتُ أمرأتك به؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي
على نفسي منك. وأيْمُ الله لا أخافك بعد اليوم أبدًا. قال: لا أبَالك! لا تَعْجَل عليّ،
والله ما هَمَمْت بالذي أمرتني به من أمره إلاّ دَخَلْتَ بيني وبين الرجل، حتى ما أرى
غيرك، أفأضربك بالسيف؟
موت عامر بدعاء الرسول عليه:
وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على
عامر بن الطُّفَيل الطاعون في عُنُقه، فقتله الله في بيت امرأة من بني سَلُول، فجعل يقول:
يا بني عامر، أغُدَّة كَغْدَّة الإبل، وموتًا في بيت سَلُوليَّةِ!
قال ابن هشام: ويقال: أغُدَّةً كغدة الإبل، وموتًا في بيت سلولية.
سُورًا من حديد وكذلك في روايةٍ غيرِهِ، قال عامر: لأَمْلأَنَّها عليك خَيْلاً جُزْدًا، ورجالاً
مُرْدًا، ولأزْبِطَنَّ بِكُلُ نَخْلَةٍ فَرَسًا، فجعل أُسَيْدُ بن حُضَيْرٍ يضرب في رؤوسهما ويقول:
اخرُجا أيّها الهِجْرسَانِ، فقال له عامرَ: ومَنْ أنت؟ فقال: أُسَيْدُ بن حُضَير، فقال:
أَحُضَيْر بن سِمَاكٍ؟ قال: نعم، قال: أبوك كان خيرًا منك، فقال: بل أنا خيرٌ منك، ومن
أبي، لأن أبي كان مُشْرِكًا، وأنت مُشْرٌ. وذكر سيبويه قول عامر: أُعدَّةً كغُدَّة البَعِير،
وموتًا في بيت سَلُوليَّة، في باب ما يَنْتَصِبُ على إضمار الفعل المتروك إظهارُه، كأنه قال:
أُغَدُ غُدَّةَ، والسَّلُولية امرأةٌ منسوبة إلى سَلُول بن صَعْصَعَةً وهم بنو مُرَّةً بن صَعْصَعَةَ،
وسَلُولُ أُمهم، وهي بنت ذُهل بن شَيْبَان، وكان عامر بن الطَّفَيُل من بني عامر بن
صَعْصَعَةَ، فلذلك اختصّها لقربِ النَّسبِ بينهما، حتى مات في بيتها. وأما أشعارُ لَبيد في
أَرْبَدَ ففيها قوله:
وَوِتْرًا والزَّعَامَةُ للغُلام
تُطِير عَدَائِد الأَشْرَاكِ شَفْعًا
٣٤٧

موت أربد بصاعقة وما نزل فيه وفي عامر:
قال ابن إسحاق: ثم خرج أصحابه حين وَارَوه، حين قَدِموا أرض بني عامر شاتين،
فلما قَدِموا أتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أزبد؟ قال: لا شيء والله، لقد دعانا إلى
عبادة شيء لوَدِذْتُ أنه عندي الآن فأرمِيه بالنّبل حتى أقْتُلَهُ، فخرج بعد مقالته بيوم أو
يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل الله تعالى عليه وعلى جمله صاعقة، فأخرَقتهما. وكان
أربدُ بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لأُمُّه.
قال ابن هشام: وذكر زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، قال:
وأنزل الله عزّ وجلّ في عامر وأربد: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَما تَغِيضُ الأرْحامَ
ومَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨] ... إلى قوله: ﴿وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَال﴾.
قال: المُعَقِّباتُ: هي من أمر الله يحفظون محمدًا. ثم ذكر أربد وما قتله الله به،
فقال: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ﴾ [الرعد: ١٣] إلى قوله: ﴿شَدِيدُ
المِحالِ﴾ .
شعر لبيد في بكاء أربد:
قال ابن إسحاق: فقال لبيد يبكي أَزْبَد:
ما إن تُعَدِّي المَنونُ مِنْ أحَدٍ
أُخْشَى على أزبَدَ الحُتوفَ ولا
فعَيْنِ هَلَأَّ بَكِيتِ أزْبَدَ إذْ
إِنْ يَشْغَبُوا لا يُبالِ شَغْتَّهُمُ
خُلْوٌ أرِيبٌ وفي حَلاوَتِهِ
وعَيْنِ هَلأَّ بَكِيتٍ أرْبَدَ إذْ
لا وَالِدِ مُشْفِقٍ وَلا وَلَدِ
أزْهَبُ نَوْءَ السَّلْمَاكِ والأسَدِ
قُمْنا وقامَ النّساءُ في كُبَدِ
أوْ يَقصِدُوا في الحُكُومِ يَقْتَصِد
مُرّ لَطِيفُ الأخشاءِ والكَبِدِ
ألْوَثْ رِياحُ الشّتاءِ بالعَضَدِ
الزَّعَامَةُ: الرِّياسة، وقيل: أراد بالزَّعَامَةِ هنا بَيْضَةَ السِّلاح، والأَشراكُ: الشُّركاءُ،
والعَدَائِدُ: الأَنْصِبَاءُ مأخوذٌ من العَدَدِ، ويقال: إن أَرْبَدَ حين أصابته الصاعقةُ أنزل الله تبارك
وتعالى على محمد بَّ: ﴿ويُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بها مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣] يعني أَرْبَدَ
والله أعلم. وعامرٌ وأربدُ يجتمعان في جَعْفَرِ بنِ كلابٍ بن ربيعةً بن عامِرٍ، وأُمُّهما واحدةٌ،
وسائرُ شعر لبيد في أرْبَدَ مرغوبٌ عن الاشتغال بشَرحه بناءً على أصلنا المتقدّم، والله وليُّ
التوفيق.
٣٤٨

وأصبَحَتْ لاقِحًا مُصَرَّمَةً
أشْجَعُ مِن لَيْثِ غابةٍ لَحِمٍ
لا تَبْلُغُ العَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِها
الباعِثُ النَّوْحَ في مآتمِهِ
فَجَعني البَرقُ والصَّوَاعِقُ بالـ
والحارِب الجابرِ الحَرِيبَ إذَا
يَعْفُو على الجَهْدِ والسُّؤَالِ كمّا
كُلّ بني حُرَّةٍ مَصِيرُهُمُ
إِنْ يُغْبِطُوا يُهْبَطُوا وَإِنْ أُمِرُوا
حتى تَجَلَّتْ غَوابِرُ المُدَدِ
ذو نَهْمَةٍ في العُلا ومُنْتَقَدٍ
ليْلَةَ تمْشي الجِيادُ كالقِدَدِ
مثْلَ الظُّباءِ الأبْكارِ بالجِرَدِ
ـفارسٍ يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَّجُدِ
جاء نَكِيبًا وَإِنْ يَعُدْ يَعْدِ
يُنْبِتُ غَيثُ الرَّبيع ذو الرَّصَدِ
قُلِّ وإنْ أَكْثَرَتْ مِنَ العَدَدِ
يَوْمًا فَهُمْ للهَلاكِ والنَّفَدِ
قال ابن هشام: بيته: ((والحارب الجابر الحريب)) عن أبي عُبيدة، وبيته: ((يعفو على
الجهد»: عن غير ابن إسحق.
قال ابن إسحاق: وقال لبيد أيضًا يبكي أزبد:
ومَانعُ ضيْمها يومَ الخِصَامِ
ألا ذَهَبَ المُحافِظُ والمحامي
تُقُسِّم مالُ أزْبَدَ بالسهامِ
وأيْقَنتُ الثَّفَرُّقَ يومَ قالُوا
وَوِتْرًا والزَّعامةُ للغُلامِ
تُطِيرُ عَدَائِدَ الأَشْرَاكِ شَفْعًا
وقلّ وَدَاعُ أرْبَدَ بِالسَّلامِ
فوقع بالسَّلام أبا حُرَيْزٍ
وكانَ الجَزْعُ يُخْفَظُ بِالنّظامِ
وكُنْتَ إمامَنا وَلَنا نِظامًا
عن لبيد:
على أنَّ لَبِيد رحمه الله قد أسلم وحَسُن إسلامُه، وعاش في الإسْلام ستِّين سَنَةً، لم
يقل فيها بيتَ شِعْرٍ، فسأله عمرُ عن تَزكه الشعر، فقال: ما كنتُ لأقول شِعْرًا بعد أن عَلَّمني
الله البقرةَ وآل عِمْرَان، فزاده عُمَرُ في عطائه خمسمائة درهم، من أجل هذا القول، فكان
عطاؤه ألفين وخَمْسِمائةٍ، فلما كان معاويةٌ، أراد أن ينقصه من عطائه الخمسمائة، وقال له:
ما بَالُ العِلاوَةِ فوق الفَوْدَيْنِ؟ فقال له لبيد: الآن أموت، وتصير لك العِلاَوَةُ والفَوْدَانِ، فَرَقَّ
له معاويةُ وتركها له، فمات لبيد إثر ذلك بأيام قليلة، وقد قيل: إنه قال بيتًا واحدًا في
الإسلام:
حتى اكْتَسَيْتُ من الإسلامِ سِرْبَالا
الحمد لله إذا لم يأتِنِي أَجَلِي
٣٤٩

وأرْبَدُ فارِسُ الهَيْجا إذَا ما
إِذَا بَكَرَ النِّساءُ مُرَدَّفاتٍ
فَوَاءَلَ يَوْمَ ذلكَ مَنْ أتاهُ
ويَحْمَدُ قِدْرَ أرْبَدَ مَنْ عَراها
وجارتُهُ إذَا حَلَّتْ لَدَيْهِ
فإنْ تَقْعُذْ فمُكْرَمَةٌ حَصَانٌ
وهلْ حُدِّثْتَ عن أخَوَيْنِ داما
وإلاَّ الفَرْقَدَيْنِ وآلَ نَعْشٍ
قال ابن هشام: وهي في قصيدة له.
تَقَعَّرَتِ المشاجِرُ بِالفِئامِ
حَوَاسِرَ لا يُجِثْنَ على الخِدَامِ
كما وَألَ المُحِلُّ إلى الحَرَامِ
إذا ما ذُمَّ أزبابُ اللّحامِ
لهَا نَفَلْ وحَظّ مِنْ سَنامِ
وإنْ تظْعَنْ فمُحسِنَةُ الكلامِ
على الأيّامِ إلَّ ابْنَيْ شَمَّامٍ
خَوَالدَ ما تُحَدَّثُ بانُهِدَامٍ
قال ابن إسحاق: وقال لبيد أيضًا يبكي أربد:
انْعَ الكَرِيمَ للكَرِيمِ أزْبَدًا
يُخذِي ويُعْطِي مالَهُ ليُحمّدا
السَّابِلَ الفَضْلِ إذا ما عُدّدَا
رِفْها إذا يأتي ضَرِيكٌ وَرَدًا
يَزْدادُ قُرْبًا مِنْهُمُ أنْ يُوعَدَا
غِبًا وَمالاً طارِقًا وَوَلَدَا
وقال لبيد أيضًا:
أنْعَ الرَّئيسَ واللَّطيفَ كَبِدَا
أُذما يُشَبَّهْنَ صُوَارًا أَيُّدَا
ويَمْلأُ الجَفْنَةَ مَلْئًا مَدَدَا
مِثلُ الذي في الغِيلِ يَقْرُو جُمُدَا
أوْرَثْتَنا تُرَاثَ غَيْرِ أَنْكَدَا
شَرْخَا صُقُورًا يافِعًا وأمْرَدَا
لَنْ تُفْنِيا خَيْرَاتِ أزْ
قُولاَ هُوَ البَطَلُ المُحا
وَيَصُدُّ عَنَّا الظَّالِمـ
بِدَ فابْكِيا حتى يَعُودَا
ميَّ حِينَ يَكْسُونَ الحَديدًا
چِن إذَا لَقِينا القَوْمَ صِيدًا
وفد جرش :
فصل: وذكر وَفْدَ جُرَشٍ، وأن خَثْعَم ضَوَتْ إليها حين حاصرهم صُرَدُ بن عبد الله،
وأنشد :
حتى أتينا حُمَيْرًا في مَصانِعها
وجَمْعِ خَثْعَمَ قد صَاغَتْ لها النُّذُرُ
٣٥٠

فاعتاقَهُ رَبّ البَرِيَّـ
فَنَوَى وَلَمْ يُوجَعِ ولَمْ
وقال لبيد أيضًا:
ـةٍ إذْ رأى أنْ لا خُلُودَا
يُوصَبْ وكانَ هُوَ الفَقِيدَا
ألدَّ تخالُ خُطَّته ضِرَارًا
يُذكّرني بأربدَ كُلّ خَصْم
وإنْ جارُوا سَوَاء الحَق جارًا
إِذَا اقْتَصَدُوا فمُقْتَصدْ كَرِيمٌ
دَليلُ القَوْمِ بِالمَوْماة حارًا
ويَهْدِي القَوْمَ مُطَّلعًا إذا ما
قال ابن هشام: آخرُها بيتًا عن غير ابن إسحق.
قال ابن إسحاق: وقال لبيد أيضًا:
وبعد أبي قَيْس وعُرُوة كالأجَب
أصبحتُ أمُشِي بعد سَلْمى بن مالك
حِذارًا على باقي السَّناسن والعَصَبْ
إذا ما رأَى ظلَّ الغُراب أَضجّهُ
قال ابن هشام: وهذان البيتان في أبیات له.
قدوم ضمام بن ثعلبة وافدًا عن بني سعد بن بكر
قال ابن إسحاق: وبعث بنو سعد بن بكر إلى رسول الله وَ لجر رجلاً منهم، يُقال له:
ضِمَامُ بِن ثَعْلَبَة .
ويُزْوَى خُمَيْرًا بالخاء المُعْجَمة، وفي حِمْير حمير الأَذْنَى، وهو حِمْيَر بن الغَوْثِ بن
سَعْد بن عَوْفٍ بن عَدِيٌّ بن مالك بن زيد بن شُدَد بن زُرعَةَ وهو حِمْير الأَصْغرُ بن سَبَأ
الأَصْغَرِ بن كَعْب كَهْفِ الظُّلْم بن زَيْد الجمهور بن عَمْرو بن قَيْس بن مُعَاوِية بن جُشَم بن
عَبْد شَمْس بن وَائِل بن الغَوْثِ بن حَيْدَان بن قَطَنِ بن عَرِيب بن زُهَيْر بن الهَمْيَسع بن حِمْيَر
الأكْبَر وهو العَرَنْججُ، وقال الأَبْرَهِيُّ: وهو من علماء حمير بالنسب وهو منسوب إلى
أبرهة بن الصُّبَاحِ الحِمْيرِيِّ في حِمْيرِ الأَذْنَى المبدوء بذكره حِمْير، وعلى هذا القول تَصِحُ
رواية الخَاءِ المنقوطة، ومن رواه بالحاء المهملة فهو تصغير حِمْير تصغير التَّرْخيم، والعَرَنْجَجُ
في لغةٍ: حِمْير العَتِيق.
حديث ضمام
فصل: وذكر حديث ضِمام بن ثَعْلَبَة، وهو الذي قال فيه طَلْحَةُ بن عُبَيْد الله: جاءنا
أعرابي من أهل نَجْدٍ ثائر الرأس يُسْمَع دَوِيُّ صوته، ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو
٣٥١

سؤاله الرسول أسئلة ثم إسلامه :
قال ابن إسحاق: فحدّثني محمد بن الوليد بن نُونْفِع عن كُريب، مولى
عبد الله بن عباس، عن ابن عباس، قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضِمامَ بن ثعلبة وافدًا
إلى رسولِ الله وَّر، فقدم عليه، وأناخ بعيرَه على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل
المسجد ورسولُ اللهِ وَّر جالس في أصحابه؛ وكان ضِمَامُ رجلاً جَلْدًا أشعرَ ذَا
غَديرَتين، فأقبل حتى وقف على رسولِ الله وَّرَ في أصحابه، فقال: أيّكم ابنُ
عبد المطّلب؟ قال: فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أنا ابن عبد المطّلب)). قال: أمحمد؟ قال:
(نعم)؛ قال يا ابن عبد المطّلب، أني سائلك ومُغلِّظ عليك في المسألة، فلا تَجِدَنَّ
في نفسك، قال: لا أجد في نفسي، فَسَلْ عمّا بدا لك. قال: أنشدُك الله إلهك
وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولاً؟ قال: ((اللَّهمَّ
نعم))؛ قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله
أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نُشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان
آباؤنا يعْبدون معه؟ قال: ((اللهمّ نعم))، قال: فأنشدك الله إلهك وإلله من كان
قبلك، وإلله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلّيَ هذه الصلوات الخمس؟
قال: ((اللهمّ نعم))؛ قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة.
الزكاة والصيام والحجّ وشرائع الإسلام كلها، يَنْشُدُه عند كلّ فريضة منها كما ينشُده
في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن
محمدًا رسول الله؛ وسأؤدّي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا
أنقص، ثم انصرف إلى بعيره راجعًا. قال: فقال رسولُ اللهِ وَ له: ((إن صدق ذو
العَقِيصتين دخل الجنة)).
يَسألُ عن الإسلام، الحديث، رواه مالك في المُوَطَّأِ عن عَمُه عن جَدِّه عن طَلْحَةً، وقد
تَرْجَم عليه أبو داود لما فيه من دُخُول المشرك المسجِدَ(١).
وذكر معه حديث اليَهُودِ حين دَخَلوا المسجدَ، وذكروا أن رجلاً منهم، وامرأةً زَنيا،
وقال به الشافعي، وكره مالك دخول الذِّمّي المسجد، وخصّص أبو حنيفة المسجد الحرام
لقول الله تبارك وتعالى: ﴿إنما المُشْرِكون نَجَسٌ فلا يَقْرَبُوا المسجِدَ﴾ [التوبة: ٢٨] الآية،
وتعلق مالكٌ بالعلّة التي نبهت عليها الآية، وهي التَّنْجِيسِ، فَعَمَّ المساجدَ كُلَّها.
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٦ - ٤٨٧ - ٤٨٨) جمعناه.
٣٥٢

دعوته قومه للإسلام:
قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قَدِم على قومه، فاجتمعوا إليه
فكان أوّل ما تكلّم به أن قال: بئست اللات والعُزى! قالوا: مه يا ضِمام اتّق
البَرَص، اتّق الجُذام، اتّق الجُنون! قال: ويلكم! إنهما والله لا يضرَّان ولا ينفعان، إن
الله قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا
إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما
أمركم به وما نهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجلٌ ولا
امرأة إلاّ مسلمًا.
قال: يقول عبد الله بن عبَّاس: فمَا سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضِمام بن
ثعلبة .
قدوم الجارود في وفد عبد القيس
قال ابن إسحاق: وقَدِم على رسول الله وَل# الجارود بن عمرو بن حَنش أخو
عبد القَيْس.
قال ابن هشام: الجارود بن بشر بن المُعَلَّى في وفد عبد القيس وكان نصرانيًا .
قال ابن إسحاق: حدّثني من لا أتّهم، عن الحسن، قال: لما انتهى إلى رسول
اللهِ وَّ كلَّمه، فعَرَض عليه رسولُ اللهِ وَّر الإسلام، ودعاه إليه، ورغَبه فيه، فقال: يا
محمد، إني قد كنت على دين، وإني تارك ديني لدينك، أفتضمن لي دَيني؟ قال: فقال
رسولُ اللهِ وَّر: ((نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه)) قال: فأسلم وأسلم
أصحابه، ثم سأل رسولَ اللهِ وَ ◌ِّ الحُمْلان، فقال: ((والله ما عندي ما أحملكم عليه)).
قال: يا رسولَ الله، فإن بيننا وبين بلادنا ضَوالٌ من ضوالّ الناس: أفنتبلّغ عليها إلى
بلادنا؟ قال: ((لا، إيّاك وإيّاها، فإنما تلك حَرَق النار)).
حول حديث الجارود
فصل: وذكر الجارودَ العَبْدِيّ، وهو بِشْر بن عَمْرو بن المُعَلَّى، يُكنى أبا المُنْذِرِ، وقالِ
الحاكمُ: يُكْنَى أبا غِيَّاتٍ وأبا ◌ِتَابٍ، وسُمّي الجَارُودَ، لأنه أغار على قَوْمٍ من بَكْرٍ، فَجَرَّدهم
قال الشاعر :
ودُسْنَاهم بالخَيْلِ من كُلِّ جَانِبٍ كما جَرَّد الجَارُودِ بَكْرَ بن وَائلٍ
الروض الأنف/ ج ٤/ م ٢٣
٣٥٣

موقفه من قومه في الردّة:
فخرج من عنده الجارود راجعًا إلى قومه، وكان حسن الإسلام، صُلْبًا على دينه،
حتى هَلك وقد أدرك الردّة، فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الأوّل مع
الغَرُور بن المنذر بن النُّعمان بن المنذر، قام الجارود فتكلَّم، فتشهَّد شهادة الحق، ودعا
إلى الإسلام فقال: أيّها الناس، إني أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا عبده ورسوله،
وأكفّر من لم يشهد.
قال ابن هشام: يُروى: وأكفي من لم يشهد.
إسلام ابن ساوى :
قال ابن إسحاق: وقد كان رسولُ الله ◌َ له بعثَ العَلاء بن الحَضْرميّ قبل فتح مكّة
إلى المنذر بن ساوَى العَبْدي، فأسلم فحَسُن إسلامه ثم هَلك بعد رسولِ الله وَلّر قبل ردّة
أهل البَخرين، والعلاء عنده أميرًا لرسول الله وَّر على البَخرين.
قدوم وفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذّاب
وقَدِم على رسول الله وَّل وفد بني حَنيفة، فيهم مُسيلمة بن حَبِيب الحنفيّ الكذّاب.
قال ابن هشام: مُسَيلِمة بن ثُمامة، ويكنّى أبا ثمامة.
وذكر في آخر حديث الجارُودِ الغَرُور بن النُّعْمَانِ بن المُنذِر، وكان كِسْرَى حين قَتَل
النُّعْمَانَ صَيَّر أمر الحِيرَة إلى هانىء بن قَبِيصَة الشَّيْبَانِي، ولم يبق لآل المُنْذر رَسْمٌ ولا أَمْرٌ
يذكَر حتى كانت الرَّدَّة، ومات هانىء بن قَبِيصَة فأظهر أهلُ الرِّدَّة أمر الغَرُور بن النُّعمان،
واسمه: المُنْذِر، وإنما سُمّي الغَرُور، لأنه غَرَّ قومَه في تلك الرِّدَّة، أو غَرُّوه واستعانوا به
على حَرْبهم فَقُتِل هنالك، وزعم وثِيمةُ بن موسى أنه أسلم بعد ارتداده، والله أعلم.
وفد بني حنيفة ونسب مسيلمة(١)
فصل: وذكر وَفْدَ بني حَنِيفَةَ، واسمُ حَنِيفَةَ أُثَال بن لُجَيمْ بن سَعْد بن عَلِي بن بَكْر بن
وائل مع مُسَيْلِمَةَ على النبيّ وَّةِ، وهو مُسَيْلِمَةُ بن ثُمَامَةَ بن كَبِير بن حُبَيْبٍ بن الحارث بن
عَبْدِ الحارث بن هِفَّانِ بن ذُهْلٍ بن الدُّول بن حَنِيفَة يكنّى أبا ثُمَامَةَ، وقيل: أبا هارون، وكان
(١) انظر البداية (٤٥/٥) المنتظم (٣٨٢/٣) الطبري (١٣٧/٣).
٣٥٤

ما كان من الرسول لمسيلمة :
قال ابن إسحاق: فكان منزلهم في دار بنت الحارث امرأة من الأنصار، ثم من بني
النجَّار، فحدّثني بعضُ علمائنا من أهل المدينة: أن بني حنيفة أتت به رسولَ الله وَلهم
تستره بالثّياب، ورسولُ اللهِ وَ﴿ جالس في أصحابه. معه عَسِيب من سَعَف النخل في
رأسه خُوصات؛ فلما انتهى إلى رسولِ الله وَّر؛ وهم يَسترونه بالثياب، كلّمه وسأله،
فقال له رسولُ اللهِ وَجر: ((لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه)).
يسمَّى بالرَّحمن فيما رُوي عن الزُّهْرِي قبل مَوْلد عبدِ الله والدِ رسولِ الله - وََّ - وقُتِل وهو
ابن مائةٍ وخَمْسين سَنَةً، وكانت قُريْشٌ حين سمعت بسم الله الرحمن الرحيم، قال قائلهم:
دق فُوكَ، إنما تَذكُر مُسَيْلِمَة رَحْمَان اليَمَامَةِ، وكان الرَّحَّال الحَنَفِي، واسمه نَهَار بن عُنْفُوَة،
والعُنْفُوَةُ يابس الحَلِيّ، وهو نبات، وذكره أبو حنيفة، فقال فيه: عُنْتُوَ بالثاء المثلَّثة، وقال:
هو يابس الحَلِيِّ، والحَلِيُّ: النَّصِي، وهو نَّبْت - قدم في وَقْد اليَمَامة على النبيِّ ◌َّ فأمن
وتعلّم سُوَرًا من القرآن، فرآه النبيُّ - وَّر - يومًا جالسًا مع رجلين من أصحابه، أحدُهما
فُراتٌ بن حَيَّان، والآخر: أبو هُرَيرَة، فقال: ((ضِرْسُ أحدِكم في النار مثلُ أُحُدٍ))(١)، فما زالا
خائفين حتى ارْتَدَّ الرَّحَّالُ، وآمن بمُسَيْلِمَةَ وشهد زُورًا أن النبيَّ - وَّهــ قد شَرِكَه معه في
النّبُوَّة، ونسب إليه بعضَ ما تعلّم من القرآن، فكان من أقوى أسباب الفِتنة على بَنِي حَنِيفةً،
وقتله زيدُ بن الخَطَّاب يوم اليَمَامة، ثم قتل زَيْدَ بن الخطّاب سَلَمةُ بن صُبَيْحِ الحَنَّفيّ، وكان
مُسَيْلِمَةُ صاحب نيْرُوجَاتٍ (٢) يقال: إنه أوّل من أدخَلَ البَيْضَة في القَارُورة، وأوّل من وصل
جناح الطائر المَقصُوص، وكان يَدَّعي أنَّ ظَبْيَةً تأتيه من الجَبَل، فيحلب لبنهَا، وقال رجل من
بني حنيفة یرئیه:
لَهَفي على رُكُنِي شَمامة"
لَهَفِي عَلَيْكَ أبا ثُمَامَة
كالشَّمس تطلع من غَمَامَة
كم آيةٍ لك فيهم
وكَذَب بل كانت آيَاتُه مَنْكُوسَةٌ، تَفَل في بئر قَوْم سألوه ذلك تَبَرُّكًا فَمَلُحَ مَاؤُها، ومسح
رأسَ صَبِيٍّ فَقَرِعَ قَرَعًا فاحشًا، ودعا لرجل في ابنيْن له بالبَرَكَة، فرجع إلى منزله فوجد
أحدهما قد سقط في البئر، والآخر قد أكله الذئبُ، ومسح على عيني رجل استشفى
بمسحه، فابيَضَّت عيناه.
(١) أخرجه مسلم في الجنّة (٤٤) والترمذي (٢٥٧٩) وأحمد (٣٣٤/٢) بلفظ: ((خرس الكافر في النّار))
نعوذ بالله من النّار ومن حرِّ النّار.
(٢) ضرب من السحر والدجل.
٣٥٥

قال ابن إسحاق: وقد حدّثني شيخٌ من بني حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان
على غير هذا. زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسولَ الله وَله، وخلَّفوا مُسَيلِمة في رحالهم،
فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خَلَّفنا صاحبًا لنا في رحالنا وفي
ركابنا يحفظها لنا، قال: فأمر له رسولُ الله وَّر بمثل ما أمر به للقوم، وقال: أمّا إنه ليس
بشرّكم مكانًا، أي: لحفظه ضَيْعة أصحابه، وذلك الذي يريد رسولُ اللهِ وَله.
مؤذنا مسيلمة وسجاح :
واسم مُؤَذِّنه: حُجَيْر، وكان أوّل ما أمر أن يذكر مُسَيْلِمَةُ في الأَذان توقف، فقال له
مُحَكِّمُ بن الطُّفَيْلِ: صَرِّح حُجَيْر، فذهبت مثلاً. وأمَّا سَجَاح التي تَنَبَّأَت في زمانه وتزوّجها،
فكان مؤذِّنُها جَنَبَةُ بن طَارِقٍ، وقال القِتَبِيُّ: اسمه: زُهَيُر بن عَمْرو، وقيل: إن شِبْثَ بن
رِيْعِيِّ أَذِّن لها أيضًا، وتُكْنى أُمَّ صادِرٍ، وكان آخرُ أمرها أن أسلمت في زمان عُمَرَ، كل هذا
من كتاب الواقدي وغيره. وكان مُحَكَّم بن طُفَيْلِ الحَنفِيّ، صاحبَ حَرْبه ومُدَبِّر أَمْرِه، وكان
أشرفَ منه في حَنِيفَةً، ويقال فيه: مُحَكِّم ومُحَكُم، وفيه يقول حسَّان بن ثابت:
يا مُحكم بن طُفَيْلٍ قد أُتيح لكم لِلَّهِ دَرْ أبيكم حَيَّة الوَادِي
وقال أيضًا:
يَخْبِطن بالأيْدِي حِياض مُحَكُم
امرأة مسيلمة :
وقوله ابن إسحق: انزلوا، يعني وفدَ بني حَنِيفَةً بدارِ الحارِثِ. الصواب: بنت
الحارثِ، واسمها: كَيْسَة بنت الحارث بن كُرَيْزِ بن حَبِيب بن عَبْد شمس، وقد تقدّم في
غزوة قُرَيْظَة الكلام على كَيْسَة: وكَيْسَةُ بالتخفيف، وأنها كانت امرأة لمُسَيْلِمة قبل ذلك،
فلذلك أنزلهم بدارها وكانت تحت مُسَيْلِمَةَ، ثم خلف عليها عبد الله بن عامر، وذكرنا هنالك
أن الصوابَ ما قاله ابن إسحق أنَّ اسم تلك المرأة زينبُ بنت الحارثِ، كذا وقع في رواية
يونس عن ابن إسحق، والمذكورة هاهنا كَيْسَةُ بنتُ الحارثِ، وإيّاه عنى رسولُ اللهِ وَ لّ حين
خَطَبَ، فقال: أريتُ في يدي سوارين من ذَهَب فكرهتُهما، فنفخت فيهما فطارا فأوَّلْتُهما
كذّابُ الْيَمَامَةِ والعَنْسِي، صاحب صنعاء، فأما مُسَيْلِمَة فقتله خالد بن الوليد، وأفنى قومه قَتْلاً
وسَبْیًا.
مسعود العنسي :
وأما مسعود بن كَعْب العَنْسِي، وعَنْس من مَذحِج، فاتبعته قبائل من مَذْحِج واليمن
٣٥٦

ارتداده وتنبؤه :
قال: ثم انصرفوا عن رسولِ الله وَله: وجاءوه بما أعطاه، فلما انتهوا إلى اليمامة
ارتدّ عدوّ الله وتنبأ وتكَذَّب لهم، وقال: إني قد أُشْرِكْتُ في الأمر معه. وقال لوفده
الذين كانوا معه: ألم يقلٍ لكم حين ذكرتموني له: أما إنه ليس بشرّكم مكانًا؛ ما ذاك
إلاّ لما كان يعلم أني قد أَشرِكت في الأمر معه، ثم جعل يَسْجع لهم الأساجيع، ويقول
لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: ((لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى،
من بين صِفاق وحَشَى)) وأحلّ لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع ذلك
يشهد لرسول الله ◌َ﴿ بأنه نبيّ، فأصْفَقَتْ معه حنيفة على ذلك، فالله أعلم أيُّ ذلك
کان.
على أمرِهِ، وغلب على صَنْعَاءَ، وكان يُقال له ذو الخِمار، ويلقّب: عَيْهَلَة، وكان يَدَّعي أن
سَحِيقًا وشَرِيقًا يأتيانه بالوحي، ويقول: هما مَلَكان يتكلَّمان على لساني، في خدع كثيرة
يُزَخْرِف بها، وهو من وَلَدِ مالك بن عَنْسٍ، وبنو عَنْسٍ جُشَمٌ وجُشَيْم ومالك وعامر
وعَمْرو، وعزيز ومُعاوية وعَتِيكَةُ وشِهَابُ والقِرِّيَّة ويَام ومن ولد يام بن عَنْسٍ عَمَّار بن
ياسر، وأخواه عبد الله وحُوَيْرِثْ ابنا ياسِرٍ بن عُمَر بن مالك، قتله فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِي،
وقيس بن مكْشُوحٍ ودَاذوَيْهِ رَجُلٌ من الأبناء دَخلوا عليه من سِرْبٍ صنعته لهم امرأةٌ كان قد
غَلَب عليها من الأبناء، فوجدوه سَكْرَانَ لا يَعْقِل من الخَمْرِ، فخبطوه بأسيافهم وهم
يقولون :
ضَلَّ نَبِيٍّ مات وهوَ سَكْرَان
والناسُ تَلْقَى جُلَّهُمْ كالذْبَّانْ
النور والنار لَدَيْهِمْ سِيَّانْ
ذكره الدَّوْلاَبي، وزاد ابن إسحق في رواية يونس عنه أن امرأته سَقَّتْه البَنْجَ في شَرَابه
تلك الليلةَ، وهي التي اختَفَرَت السِّرْبَ للدخول عليه، وكان اغْتَصَبها، لأنها كانت من أجمل
النساءِ، وكانت مُسْلِمَةً صالحة، وكانت تُحَدِّث عنه أنه لا يغتسل من الجَنَابَة، واسمها
المَرْزُبَانَةُ، وفي صورة قَتْله اخْتِلاَفٌ.
وقوله وَله: ((أُرِيتُ سِوَارَيْن من ذَهَبٍ، فنفختهما فطارا»، قال بعضُ أهل العلم
بالتعبير: تَأْوِيل نفخه لهما أنهما بِريحهِ قُتِلًا، لأنه لم يغزُهما بنفسه، وتأويل الذهب أنه
زُخْرَفٌ، فدلّ لفظُه على زَخْرَفَتِهما، وكذبهما، ودلّ الإسْوَارَان بلفظهما على مَلِكين لأن
الأساورة هم الملوك، ومعناهما على التضييق عليه لكون السِّوار مُضَيّقًا على الذراع.
٣٥٧

قدوم زيد الخيل في وفد طییء
إسلامه وموته :
قال ابن إسحاق: وقَدِم على رسولِ اللهِ وَ لّ وفد طيىء، فيهم زيد الخيل، وهو
سيّدهم؛ فلما انتهوا إليه كلَّموه، وعرض عليهم رسولُ اللهِ وَّرَ الإسلام، فأسلموا، فحسُن
إسلامهم، وقال رسولُ الله وَّ، كما حدّثني من لا أتّهم من رجال طيىء؛ ما ذُكِر لي
رجلٌ من العرب بفضل، ثم جاءني، إلاّ رأيته دون ما يُقال فيه، إلاّ زيد الخيل: فإنه لم
يبلغ كلّ ما كان فيه، ثم سمّاه رسولُ اللهِ وََّ زِيدَ الخير، وقطع له فَيْدًا وأَرَضِينَ معه،
وكتب له بذلك. فخرج من عند رسول الله وَ ﴿ راجعًا إلى قومه؛ فقال رسولُ الله وَلات :
((إن يَنْجُ زَيْد من حُمَّى المدينة))، فإنه قال: قد سمّاها رسولُ اللهِوَ﴿ باسم غير الحمّى،
زيد الخيل
فصل: وذكر زيد الخيل، وهو زَيْدُ بن مُهَلْهل بن زيد بن مُنْهِبٍ، يكنّى: أبا مُكْنِف
الطَّائِيٌّ، واسم طيىء أُدَدّ، وقيل له: زَيْدُ الخَيْلِ لخمس أَفْرَاسِ، كانت له، لها أسماءُ أعلام
ذهب عني حِفْظُها الآن.
وذكر قوله وَّهِ: ((إن يَنْجْ زيدٌ من حُمَّى المدينة)).
أسماء الحمى:
قال الراوي: ولم يُسَمِّها باسمها الحُمَّى، ولا أُمّ مَلْدَم، سمّاها باسم آخر ذهب عني،
والاسم الذي ذهب عن الرَّاوي مِنْ أسماء الحمى، هو أُم كُلْبَة، ذكر لي أن أبا عُبَيْدَةَ ذكره
في مَقاتِل الفرسان، ولم أره، ولكن رأيت البكري ذكره في باب أفرده من أسماء البلاد، ولها
أيضًا اسمٌ سِوى هذه الأسْمَاءِ ذكره ابن دُرَيْدٍ في الجَمْهَر، قال: سَبَاطِ، من أسماء الحُمَّى
على وزن رَقَاشِ، وأما أُم مَلْدَم، فيقال: بالدَّال، وبالذال وبكسر الميم وفتحها، وهو [من]
اللدم وهو شدّة الضرب، ويحتمل أن يكون أُم كُلْبَةَ هذا الاسم مُغَيَّرًا من كُلْبَة بضمّ الكاف،
والكُلْبَةُ شِدَّةِ الرِّعْدة، وكُلَبُ البَرْدِ مدائده، فهذه أُم كُلْبَةَ بالهاء، وهي الحُمَّى، وأما أُم كُلْبٍ،
فَشَجَرةٌ لها نَوْرٌ حَسَنٌ، وهي إذا حُرِّكت أَنْتَنُ شَيْءٍ، وزعم أبو حنيفة أن الغنم إذا مسَّتها لم
تستطع أن تقرب الغنم ليلتها تلك من شِدَّة إنتانها.
خیر زيد في رواية أخرى:
وذكر في خبر زيد الخيل في رواية أبي علي البَغْدادِيِّ ما هذا نَصُّه: خَرَجَ نفر من طيىء
يريدون النبيَّ ◌َ ﴿ بالمدينة وُفُودًا، ومعهم زَيْد الخَيْل، ووَزَرِ بن سُدُوسِ النَّبْهَانِيّ وقَبِيصَةُ بن
٣٥٨

وغير أُمّ مَلْدَم، فلم يثبته - فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه، يقال له: فَردة،
أصابه الحُمّى بها فمات، ولما أحسّ زيد بالموت قال:
أَمُرْتَحِلٌ قومي المشارقَ غُذْوَةً وَأَتْرَكُ في بيت بفَردةَ منجدٍ
الأسْوَدِ بن عامر بن جُوَيْن الجِزْمِيّ، وهو النصراني، ومالك بن عبد الله بن خَيْبَرِيّ بن
أَقْلَت بن سلسلة وقُعَيْن بن خُلَيْفِ الطَّرِيفِيّ رجل من جَدِيلة، ثم من بني بَوْلاَن، فعقلوا
رواحِلهم بفِنَاءِ المسجد، ودخلوا، فجلسوا قريبًا من النبيّ - وَّره ـ حيث يسمعون صوتَه، فلما
نظر النبيُّ - رََّ - إليهم، قال: ((إني خَيْرٌ لكم من العُزَّى، ولاتها، ومن الجَمَلِ الأَسْوَدِ الذي
تَعْبُدُون من دون الله، ومما حازت مَنَاعٍ، من كل ضارٍ غير نَفَّاع، فقام زيد الخيل، فكان من
أعظمهم خَلْقًا وأَحْسَنِهِم وَجْهَا وشغْرًا،َ وكان يركب الفرسَ العظيم الطويل فَتَخط رِجْلاه في
الأرض كأنه حِمَارٌ، فقال له النبيّ وَ الإرهـ وهو لا يعرفه: «الحمدُ لله الذي أتى بك من سَهْلِك
وحَزْنك، وسَهَّل قلبكَ للإيمان))، ثم قبض على يده، فقال: ((مَنْ أَنْتَ؟)) فقال: أنا زَيْدُ
الخَيْلِ بن مُهَلْهِل، وأنا أشهد أن لا إلَهَ إلاّ الله، وأنك عبد الله ورسوله، فقال له: ((بل أنت
زَيْدُ الخَيْر))، ثم قال: ((يا زيد ما خُبُرْتُ عن رجل شيئًا قَطّ إلاّ رأيتُه دون ما خُبِّرْتُ عنه
غيرك))(١)، فبايَعه، وحسُن إسلامُه، وكتب له كتابًا على ما أراد، وأطعمه قُرّى كثيرةً، منها:
فَيْد، وكتب لكل واحدٍ منهم على قومه إلاَّ وَزَرَ بن سُدُوسٍ، فقال: إني لأرى رجلاً لَيَمْلِكَنَّ
رقابَ العَرَبِ، ولا والله لا يملك رَقَبَتِي عَرَبِيٍّ أبدًا، ثم لَحِقَ بالشام، وتَنَصَّر وحلق رأسه،
فلما قام زيد من عند النبيّ وَّر، قال: أي فتى لم تدركه أم كُلْبَةَ، يعني: الحُمَّى، ويقال: بل
قال: إن نجا من آجام المدينة، فقال زيد حين انصرف:
وعَشْرًا يُغنِّي فوقها الليلَ طائرٌ
أُنِيختْ بآجام المدينة أَرْبَعًا
وخَطَّ كتابًا في الصحيفة سَاطِر
فلما قضت أصحابُها كُلَّ بُغْيَةٍ
من الدّرس والشّعْرَاء والبَطْن ضامِرُ
شَدَدْتُ عليها رَحْلَها وشَلِيلها
الدَّرْسُ: الجَرَبُ. والشَّعْرَاءُ: ذُبَابٌ. قال أبو الحسن المدائني في حديثه: وأهدى زيدٌ
لرسول الله وَ﴿ مَخْذُومًا والرَّسُوب، وكانا سَيْفَيْن لِصَنم بلى الفلس، فلما انصرفوا قال رسول
الله ◌ََّ: ((ما قَدَم عليَّ رجلٌ من العَربُ يُفَضِّله قومُهَ إلاّ رأيتُه دون ما يقال إلاّ ما كان من
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١٠٩/٤) وابن عساكر في تهذيبه (٣٧/٦) وانظر ابن الجوزي في زاد
المسير (١٢٩/٧).
٣٥٩

عوائدُ من لم يُبْرَ منهنّ يجهْدَ
ألا رُبّ يومٍ لو مَرِضتُ لعادَنِي
فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان معه من كُتبه، التي قطع له رسولُ اللهِ وَرَ،
فحرّقتها بالنار.
أمر عدي بن حاتم:
وأما عديّ بن حاتم فكان يقول، فيما بلغني: ما من رجل من العرب كان أشد
كراهية لرسول الله وٍَّ﴾ حين سمع به مني، أما أنا فكنت امرءًا شريفًا، وكنتُ نَصْرانيًا،
وكنت أسيرُ في قومي بالمِزْباع، فكنتُ في نفسي على دِين، وكنت مَلكًا في قومي، لما
كان يُصنع بي. فلما سمعت برسول الله وَّل كرهته، فقلت لغلام كان لي عربيّ، وكان
راعيًا لإبلي: لا أبالك، أعدِذ لي من إبلي أجمالاً ذُللا سمانًا، فاحتبسْها قريبًا مني، فإذا
سمعتَ بجيش لمحمد قد وطىء هذه البلاد فآذني، ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة، فقال:
يا عديّ ما كنت صانعًا إذا غشيتك خيل محمد، فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات،
فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش محمد. قال: فقلت: فقرّب إليّ أجمالي، فقرّبها،
فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألْحَق بأهل ديني من النَّصارى بالشام فسلكتُ
الجَوْشية، ويقال: الحوشية، فيما قال ابن هشام - وخلفت بنتًا لحاتم في الحاضر، فلما
قَدِمت الشام أقمت بها.
وتُخالفني خيلٌ لرسول الله وَّهِ، فَتُصيب ابنةً حاتم، فيمن أصابت، فقُدِم بها على
رسولِ اللهِ وَ﴾ في سبايا من طيىء، وقد بلغ رسولَ اللهِ وَّل هربي إلى الشام، قال:
فجُعِلَتْ بنت حاتم في حظيرة بباب المسجد، كانت السَّبايا يُخْبَسْن فيها، فمرّ بها رسولُ
اللهِ وَلَّ، فقامت إليه، وكانت امرأة جَزْلة، فقالت: يا رسول الله، هَلك الوالد، وغاب
الوافد، فامْنُنْ عليَّ، مَنَّ الله عليك. قال: ((وَمَنْ وافدك؟)) قالت: عَدِيّ بن حاتم. قال:
((الفارّ من الله ورسوله؟)) قالت: ثم مضى رسولُ الله وَليل وتركني، حتى إذا كان من الغد
مرّ بي، فقلت له مثل ذلك، وقال لي مثل ما قال بالأمس. قالت: حتى إذا كان بعد الغد
مرّ بي وقد يئست منه، فأشار إليّ رجل من خلفه أن قومي فكلِّميه؛ قال: فقمت إليه،
زَيْدٍ، فإن يَتْجُ زَيْدٌ من حَمَّى المدينة فَلَأَمْرِ مَا هو)). وقوله:
أَلاَ رُبَّ يَوْمٍ لو مَرِضْتُ لعَادَنِي
عوائدُ من لم يُبْرَ منهن يَجْهَدِ
وبعده :
وليت الَّلواتي غِبْنَ عَنِّي شِهَّدِي
فليت الَّلواتي عُذْنَنِي لم يَعُدْنَنِي
٣٦٠