النص المفهرس

صفحات 301-320

أكيدر
ثم إن رسولَ الله وَ ◌ّر دعا خالد بن الوليد، فبعثه إلى أُكَيْدِر دُومة، وهو أُكَيْدِر بن
عَبْد الملك، رجل من كِنْدة كان ملكًا عليها، وكان نصرانيًّا، فقال رسولُ الله ◌َّ لخالد:
((إنك ستجده يَصيد البَقَر)). فخرج خالد، حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة
مُقْمِرة صائِفة، وهو على سَطْح له، ومع امرأته، فباتت البقر تَحكّ بقرونها باب القصر،
فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قَطّ؟ قال: لا والله! قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا
أحد. فنزل فأمر بفرسه، فأَسْرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ يقال له:
حسَّان. فركب، وخرجوا معه بمطاردهم. فلما خرجوا تلقتهم خيلُ رسولِ اللهِ وَالَرَ،
فأخذته، وقتلوا أخاه؛ وقد كان عليه قبَاء من دِيباج مُخَوَّصٌ بالذَّهب، فاستلبَه خالد،
فبعث به إلى رسول الله وَل قر قبل قدومه به عليه.
قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك، قال:
رأيت قبَاء أُكيدر حين قدم به على رسولِ الله وََّ، فجَعَل المسلمون يَلْمِسونه بأيديهم،
ويتعجبون منه، فقال رسولُ الله وَالر: ((أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل
سعد بن مُعاذٍ في الجنّة أحسن من هذا)).
أُكيدر والكتاب الذي أُرسل إليه
فصل: وذكر كتابه لأُكَيْدِر دُومَة. وودُومة بضم الدال هي هذه، وعرفت بدُومِي بن
إسماعيل فيما ذكروا، وهي دُومةُ الجَنْدَلِ، ودُومة بالضم أُخْرَى، وهي عند الحِيرَة، ويقال
لما حولها: النَّجَفَ، وأما دَوْمَة بالفَتْح فأُخرى مذكورة في أَخْبار الرِّدَّة.
وذكر أنه كتب لأُكَيْدِر دُومَة كتابًا فيه عهدٌ وأمانٌ، قال أبو عبيد: أنا قرأته، أتاني به
شيخٌ هنالك في قَضِيم، والقضِيم الصَّحِيفَةُ، وإذا فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم من مُحَمَّدٍ
رسولِ الله لأُكندر حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام مع خالد بن الوليد سيف
الله في دُومَة الجَنْدَلِ وأكنافها، إن لنا الضَّاحِيَةَ من الضَّخل والبَوْرَ والمَعَامِيَ، وأَغْفَالَ الأرضِ
والحَلَقَةَ والسِّلاحِ والحافِرَ والحِصْنَ ولكم الضَّامِنة من النَّخل والمعين من المعْمُور لا تُعْدَلُ
سارِحَتُكم، ولا تُعَدُّ فارِدَتُكم ولا يُخظرُ عليكم النباتُ، تقيمون الصلاةَ لوقتها، وتُؤْتُون الزَّكَاة
بحقّها، عليكم بذلك عهدُ الله والميثاق، ولكم بذلك الصدقُ والوفاءُ. شهد الله، ومَنْ حَضَر
من المسلمين)) الضَّاحِيةُ: أطرافُ الأَرْضِ، والمَعَامِي: مَجْهُولها، وأغفال الأرض: ما لا أَثَر
لهم فيه من عمارة أو نحوها، والضَّامِنة من النَّخْل: ما داخل بَلَدَهم، ولا يُخظَرُ عليكم
النباتُ، أي: لا تُمْنَعون من الرَّعي حيث شئتم، ولا تُعْدَلُ سارِحَتُكم، أي: لا تُخْشر إلى
٣٠١

قال ابن إسحاق: ثم إن خالدًا قدم أُكَيْدر على رسولِ الله وَّر، فحقن له دمه،
وصالحه على الجزية، ثم خلَّى سبيله، فرجع إلى قريته، فقال رجل من طيىء: يقال له
بُجَيْرُ بن بُجَرَة، يذكر قولَ رسولِ الله وَلَه لخالد: إنك ستجده يَصيد البقر، وما صنعت
البقر تلك الليلة حتى استخرجته، لتصديق قول رسول الله وجل - :
رأيْتُ الله يَهْدي كلّ هادٍ
تبارَكَ سائِقُ البقراتِ إني
فإنَّا قد أُمِزْنا بالجهادِ
فمَن يكُ حائدًا عن ذي تَبوكٍ
فأقام رسولُ الله وَلَّهِ بتَبوكَ بضع عشرة ليلة، لم يُجاوزها ثم انصرف قافلاً إلى
المدينة .
حدیث وادي المشقق ومائه:
وكان في الطريق ماءً يخرج من وَشَل، ما يُزْوِي الراكبَ والراكبَيْن والثلاثة، بواد
يُقال له: وادي المُشَفَّق؛ فقال رسولُ الله وَر: ((من سَبقنا إلى ذلك الوادي فلا يستقين منه
شيئًا حتى نأتِيَه)). قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين، فاستقوا ما فيه؛ فلما أتاه رسولُ
اللهِ وَلّه وقف عليه، فلم يَر فيه شيئًا. فقال: ((من سبقنا إلى هذا الماء؟)) فقيل له: يا
رسول الله، فلان وفلان؛ فقال: ((أولم أنههم أن يستقوا منه شيئًا حتى آتيه!)) ثم لعنهم
المُصَدِّق وإنما أَخَذَ منهم بعض هذه الأرضين مع الحَلَقَة، وهي السلاحُ، ولم يَفْعَل ذلك مع
أهل الطائف حين جاؤوا تائبين، لأن هؤلاء ظهر عليهم وأخذ مَلِكهم أَسِيرًا، ولكنه أبقى لهم
من أموالهم ما تضمَّنَه الكتابُ، لأنه لم يقاتلهم، حتى يأخذهم عَنْوَةً كما أخذ خَيْبَر، فلو كان
الأمرُ كذلك لكانت أموالُهم كلّها للمسلمين، وكان له الخيارُ في رقابهم كما تقدّم ولو جاؤوا
إليه تائبين أيضًا قبل الخُروج إليهم، كما فَعلت ثَقِيفُ ما أَخَذَ من أموالهم شيئًا.
الكتاب إلى هرقل :
ولم يذكر ابن إسحق في غزوة تَبُوك ما كان من أمر هرقلٍ، فإن النبيَّ وَّـ ـ كتب إليه
من تبوك مع دِخْيَةَ بن خَلِيفَةً، ونصّه مذكور في الصِّحاح مشهور، فأمَر هِرَقْلُ مُناديًا ينادي:
ألا إن هِرَقْلَ قد آمن بمحمد واتَّبعه، فدخلت الأجنادُ في سلاحها، وأطافت بقصره تريد قتله،
فأرسل إليهم: إني أردت أن أخْتَبِرَ صلابتكم في دينكم، فقد رَضِيت عنكم فَرَضُوا عنه، ثم
كتب كتابًا، وأرسله مع دِخْيَة يقول فيه للنبيّ ـ نَّهَ ـ إني مُسْلِمٌ، ولكني مَغْلُوبٌ على أمري،
وأرسل إليه بهديّة، فلما قرأ النبيُّ بَّر كتابه، قال: ((كذب عدوّ الله ليس بمسلم، بل هو على
نَصْرَانِیَّته».
٣٠٢

رسولُ اللهِ وَّر، ودعا عليهم. ثم نزل فوضع يده تحتّ الوشل، فجعل يصبّ في يده ما
شاء الله أن يَصُبّ ثم نَضَحه به، ومَسَحه بيده، ودعا رسولُ اللهِ وَلَه بما شاء الله أن يدعو
له، فانخرق من الماء - كما يقول من سمعه - ما إنّ له حسًّا كحسّ الصواعق، فشرب
الناس، واستقوا حاجتهم منه. فقال رسولُ اللهِ وَلّ: ((لئن بقيتم أو من بقي منكم لتسمعنَّ
بهذا الوادي، وهو أخصب ما بین یدیه وما خلفه)).
قيام الرسول على دفن ذي البجادين:
قال: وحدّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمي، أن عبد الله بن مسعود كان
يحدّث، قال: قُمْت من جوف الليل، وأنا مع رسولِ الله وَّر في غزوة تبوك، قال:
فرأيت شُعلة من نار في ناحية العسكر، قال: فاتَّبعتها أنظر إليها، فإذا رسولُ اللهِ وَ لَه وأبو
بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسولُ
اللهِ وَّ في حفرته، وأبو بكر وعمر يُدَلِيانه إليه، وهو يقول: أذنِيا إليّ أخاكما، فدَلّياه
إليه، فلما هيأه لشِقُّه قال: اللهم إني أمسيت راضيًا عنه، فارض عنه. قال: يقولُ
عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحُفْرة.
موقفه ويطلق من بعض الهدايا:
وقيل: هديّته، وقسمها بين المسلمين، وكان لا يقبل هديّة مُشْرِكٍ مُحَارِب، وإنما قبل
هذه لأنها فَيْءٌ للمسلمين، ولذلك قسمها عليهم، ولو أتته في بيته كانت له خالصة، كما
كانت هديّة المُقَوْقِس خالصةً له، وقَبلها من المُقَوْقِس؛ لأنه لم يكن مُحاربًا للإسلام، بل كان
قد أظهر الميل إلى الدخول في الدين، وقد ردّ هديّة أبي بَرَاءِ مُلاَعِبِ الأسِنَّةِ، وكان أَهْدَى
إليه فَرَسًا، وأرسل إليه: إني قد أصابني وَجَعْ أحسبه قال: يقال له: الدُّبَيْلَةِ(١)، فابْعَثْ إليَّ
بِشَيْءٍ أتداوى به، فأرسل إليه النبيُّ - وَهَ - بِعُكَّةٍ (٢) عَسَلٍ، وأمره أن يَسْتَشْفِيَ به ورَدَّ عليه
هدِيَّته، وقال: ((إني نُهيتُ عن زيد المشركين))(٣)، وبعضُّ أهل الحديث ينسب هذا الخبر
لعامر بن الطُّفيْلِ عَدُوّ الله، وإنما هو عَمُّه عامرُ بن مَالِكِ. وقوله عليه السلام عن زَبْدِ (٤)
المشركين، ولم يقل: عن هديّتهم يدلّ على أنه إنما كره مُلاَيَنَتَهُمْ ومُدَاهَنَتَهُم، إذا كانوا
حَرْبًا، لأن الزَّبْدَ مُشْتَقٌ من الزُّبْد، كما أن المُدَاهَنَة مُشْتَقَّةٌ من الدُّهْنِ، فعاد المعنى إلى معنى
اللين والمُلاَيَنَةِ، ووجود الجِد في حَرْبهم والمُخَاشَنة. وقد رَدَّ هَدِيّة عياضٍ بن حَمَّاد
:
(١) الدبيلة: خرّاج يظهر بالجوف.
(٢) العكّة: وعاء من جلد.
(٣) أخرجه أبو داود والترمذي (١٥٧٧) والطبراني (٣٦٤/١٧) وانظر الفتح (٢٣١/٥).
(٤) الزبد: العطاء.
٣٠٣

لِمَ سُمّي ذو البجادين؟
قال ابن هشام: وإنما سُمّي ذو البِجادين، لأنه كان ينازع إلى الإسلام، فيمنعه قومه
من ذلك، ويُضيقون عليه، حتى تركوه في بجاد ليس عليه غيره، والبِجاد: الكساء الغليظ
الجافي، فَهَرَب منهم إلى رسول الله بَّرَ، فلما كان قريبًا منه، شقّ بجاده باثنين، فاتّزر
بواحد، واشتمل بالآخر ثم أتى رسولَ الله وَلَّ، فقيل له: ذو البِجادين لذلك، والبجاد
أيضًا: المِسْح، قال ابن هشام: قال امرؤ القيس:
كأنّ أبانًا في عَرانين وَذْقه
كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمّلٍ
المُجاشِعي قبل أن يُسلِم، وفيها قال: إني نُهيتُ عن زَبْدِ المشركين. وأهدى إلى أبي سُفيان
عَجْوَةً واسْتَهْدَاه أدمًا فأهداه أبو سُفيان وهو على شِرْكه الأدم، وذلك في زمن الهُذْنَةِ التي
كانت بينه وبين المسلمين في صُلْحِ الحُدَيْبِيَّةَ، وقد رُوي أن هِرَقْلَ وضع كتاب رسول
الله - رَّ﴿ - الذي كتب إليه في قصبَةٍ من ذَهَبٍ تعظيمًا له، وأنهم لم يزالوا يتوارثُونه كابرًا عن
كابر في أرفع صِوانٍ، وأَعَزِّ مكان حتى كان عند ((إذفونش)» الذي تَغَلَّب على طُلَيْطُلَةَ، وما
أخذ أخذها من بِلاَد الأندلس، ثم كان عند ابن بنته المعروف ((بالسليطين)) حدثني بعض
أصحابنا أنه حدّثه من سأله رؤيته من قواد أجنادِ المسلمين كان يعرف بعبد الملك بن سعيد،
قال: فأخرجه إليّ فاسْتَعْبَرْتُهُ وأردت تقبيله، وأخذَه بيدي، فمنعني من ذلك صِيانَةً له وضَنَّا به
عَلَيَّ. ويقال: هرَقْل وهِزْقِل.
حول قصّة البكائين:
فصل: وذكر البَكْائِين، وذكر فيهم عُلْبَةَ بن زَيْدٍ، وفي رواية يونس أن عُلْبَةَ خرج من
الليل فصلّى ما شاء الله، ثم بكى، وقال: ((اللهم إنك قد أمرت بالجهاد، ورغّبت فيه، ثم لم
تَجْعَلْ عندي، ما أتقَوَّى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يَحمِلني عليه، وإني
أتصدّق على كُلِّ مُسْلِم بكل مَظْلَمَةٍ أصابني بها في مالٍ أو جسدٍ أو عِرْضٍ)) ثم أصبح مع
النّاس، وقال النبيّ وَّهِ: ((أين المُتَصَدُق في هذه الليلة؟)) لم يقم أحد، ثم قال: ((أين
المتصدّق في هذه الليلة فلْيَقُمْ، ولا يَتَزَاهَدُ ما صنع هذه الليلة؟)) فقام إليه، فأخبره، فقال
النبيّ وَّر: ((أَبْشِرْ فوالذي نفسُ محمد بيدِهِ، لقد كُتِب في الزّكاة المتقبَّلة))(١). وأما سالم بن
عُمَّيْرٍ وعبد الله بن المغفَّل، فرآهما يامِينَ بن كَعْبٍ يبكيان، فزوّدهما، وحملهما، فلحقا
بالنبيّ ◌َهآر.
١
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل (٢١٩/٥) وانظر الإصابة (٤٩٣/٢).
٣٠٤

أبو رهم في تبوك:
قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري، عن ابن أُكَيْمَةَ اللَّيثي، عن ابن أخي
أبي رُهُم الغِفاري، أنه سمع أبا رُهْم كُلْثومَ بن الحُصَين، وكان من أصحاب رسول
الله ﴿ الذين بايعوا تحت الشجرة، يقول: غزَوْتُ مع رسولِ اللهِ وَلَ غزوة تَّبُوكَ، فسرت
ذات ليلة معه ونحن بالأخضر قريبًا من رسولِ الله وَّرَ وألقى الله علينا النعاس فطَفِقْتُ
أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة رسولِ الله وََّ، فيُفْزِعني دنوها منه، مخافة أن أصيب
رجله في الغَزْزِ، فطفقت أحُوزُ راحلتي عنه، حتى غلبتني عيني في بعض الطريق، ونحن
في بعض الليل، فزاحمت راحلتي راحلةَ رسولِ اللهِ وَّه ورجلُه في الغَرْز، فما استيقظت
إلاّ بقوله: ((حَسٌ))، فقلتُ: يا رسول الله، استغفر لي. فقال: ((سر))، فجعَل رسولُ
الله ◌َلهُ يسألني عمَّن تخلّف عن بني غفار، فأخبره به؛ فقال وهو يسألني: ((ما فعل النَّفَر
الحُمْرِ الطّوال الثّطاط)». فحدَّثته بتخلُّفهم. قال: ((فما فعل النَّفر السود الجعاد القصار؟»
قال: قلت: والله ما أعرف هؤلاءِ منا. قال: ((بلى الذين لهم نَعَم بشَبَكة شَدَخ؛ فتذكَّرتهم
في بني غِفار، ولم أذكُرْهُم حتى ذكرتُ أم لهم رهط من أسلم كانوا حُلفاء فينا»، فقلت:
يا رسول الله، أولئك رهط من أسلم، حلفاء فينا؛ فقال رسولُ الله وَلّر: ((ما منع أحد
أولئك حين تخلَّف أن يحمل على بعير من إبله امرأً نشيطًا في سبيل الله؟ إن أعزَّ أهلي
عليّ أن يتخلَّف عني المهاجرون من قُريش والأنصارُ وغفارٌ وأسْلَمُ)).
معنى كلمة حسّ :
فصل: وقوله خَبَرًا عن أبي رُهُم: أصابت رِجْلي رجلَ رسولِ الله وَّهِ ورجلُه في الغَزْز
فما استيقظْتُ إلاَّ بقوله: ((حَسٌ. الغَرْزُ للرَّحْلِ كالرُّكاب للسَّرْج))، وحَسٌ: كلمةٌ تقولها العربُ
عند وجود الألم، وفي الحديث أن طَلْحَةً لما أصيبت يدُه يوم أُحُدٍ، قال: حَسْ، فقال
النبيّ - نَّهِ - لو أنه قال: بِسْم الله، يعني مَكَانَ حَسٌ، لدخل الجنَّة، والناسُ ينظرون، أو
كَلاَمًا هذا معناه، وليست حَسُّ باسْم ولا بفِعْلٍ، إنها لا مَوْضِعَ لها من الإعراب، وليست
بمنزلة صَهْ، ومَه، ورُوَيْد، لأن تلك أسماءُ سُمِّي الفعل بها وإنما حَسٌ صوتٌ كالأنين الذي
يُخْرجه المتألم نحو آه، ونحو قول الغُراب: غَلَقٍ، وقد ذكرنا قبل في أفٌ وجهين، أحدهما:
أن تكون من باب الأصوات مَبْنِيَّة، كأنه يحكي بها صوت الثّفخ، والثاني أن يكون مَعْرِفَة مثل
تَبَّا يُراد به الوَسَخُ.
وقوله: السُودُ الّطاط جمع: ثَطْ، وهو الذي لا لَحْيَةً له. قال الشاعر:
كهَامَةِ الشيخِ اليَمَانيّ الشَّطّ
الروض الأنف/ ج ٤/ ٢ ٢٠
٣٠٥

أمر مسجد الضرار عند القفول من غزوة تبوك
قال ابن إسحاق: ثم أقبل رسولُ الله وَّهر حتى نزل بذي أوان، بلد بينه وبين المدينة
ساعةٌ من نهار، وكان أصحابُ مسجد الضِّرار قد كانوا أتَوْه وهو يتجهَّز إلى تَبوك،
فقالوا: يا رسول الله، إنَّا قد بنينا مسجدًا لذي العلَّة والحاجة والليلة المَطيرة والليلة
الشاتية، وإنَّا نُحبُّ أن تأتينا، فتصلّي لنا فيه؛ فقال: ((إني على جَناح سَفر، وحال شُغل))،
أو كما قال ◌َله: (ولو قد قدمنا إن شاء الله لأتيناكم، فصلَّيْنا لكم فيه)).
فلما نزل بذي أوان، أتاه خبرُ المسجد، فدعا رسولُ اللهِ وَّرَ مالكَ بن الدُّخشم أخا
بني سالم بن عوف، ومَعْن بن عديّ، أو أخاه عاصم بن عديّ، أخا بني العَجْلان،
فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه، فاهدماه وحرّقاه. فخرجا سريعَيْن حتى أتّيا
بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدُّخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى
أخرج إليك بنارٍ من أهلي. فدخل إلى أهله، فأخذ سَعفًا من النخل، فأشعل فيه نارًا، ثم
خرجا يشتدّان حتى دخلاه وفيه أهله، فحرّقاه وهدّماه، وتفرّقوا معه عنه، ونزل فيهم من
القرآن ما نزل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بينَ المُؤْمِنِينَ﴾ ... إلى آخر
القصّة .
ونحو منه: السِّنَاط، ومن المحدِّثين مَنْ يرويه: الشّطَاط، وأحْسَبُه تَصْحِيفًا.
وقوله: شبكة شَدَخٍ: موضعٌ من بلاد غِفَارٍ .
أصحاب مسجد الضرار
فصل: وذكر المنافقين الذين اتخذوا مَسْجِدًا ضِرَارًا.
وذكر فيهم جارية بن عامر، وكان يُعْرَف بحمَارِ الدار، وهو جارية بن عامر بن
مُجَمِّع بن العَطَّاف.
وذكر فيهم ابنَه مُجَمِّعًا، وكان إذ ذاك غلامًا حَدَثًا قد جمع القرآن فقدّموه إمامًا لهم،
وهو لا يعلم بشيءٍ من شَأْنِهم، وقد ذكر أن عمر بن الخطّاب في أيَّامه أراد عَزْله عن
الإمامة، وقال: أليس بإمام مسجد الضّرارِ، فأقسم له مُجَمِّع أنه ما علم شيئًا من أمرهم، وما
ظنّ إلاّ الخير، فصدّقَه عُمَرُ، وأقرّه، وكانت مساجدُ المدينة تسعةً سوى مسجدٍ رسول
الله - رَ﴿ - كلّهم يصلّون بأذان بِلالٍ، كذلك قال بكير بن عبد الله الأشْجُّ فيما روى عنه أبو
داود في مَراسِيله، والدَّارَقُطْنِي في سُنَنِهِ، فمنها مَسْجِدُ راتِجٍ، ومَسْجد بني عبد الأشهَل،
ومسجد بني عَمْرو بن مَبْذول، ومسجد جُهَيْنَة وأسْلَم، وأحسبه قال: ومسجد بني سَلمة،
٣٠٦

وكان الذين بنوه اثْنَي عشر رجلاً: خِذَام بن خالد، من بني عُبَيْدٍ بن زَيْد، أحد بني
عَمرو بن عَوْف، ومن داره أُخرج مسجد الشّقاق، وثَعْلَبَة بن حاطب من بني أُمَيَّة بن
زيد، ومُعَثَّب بن قُشَير، من بني ضُبَيْعَةَ بن زيد، وأبو حَبِيبَة بن الأزْعَرِ، من بني
ضُبَيْعَة بن زيد، وعَبَّاد بن حُنَيْفٍ، أخو سَهْل بن حُنيف، من بني عمرو بن عوف،
وجارية بن عامر، وابناه مُجَمِّع بن جارية، وزَيْد بن جارية، ونَبْتَل بن الحارِثِ، من
ضُبَيْعَةَ، وبخْزَج، من بني ضُبَيْعَةَ، وبِجَاد بن عثمان، من بني ضُبَيْعَةً، ووَدِيعَة بن ثابت،
وهو من بني أمية بن زيد رهط أبي لُبَابَة بن المُنْذِر.
وكانت مساجد رسول الله وَلّ فيما بين المدينة إلى تَبوك معلومةً مسماة: مسجدٌ
بتَبُوك، ومسجد بثَنِيَّة مذْرَان، ومسجد بذات الزِّرَابِ، ومسجد بالأخْضَرِ، ومسجد بذات
الخِطْمِيِّ، ومسجد بألاَء، ومسجد بطَرَف البَتْراءَ، من ذنب كَوَاكِب، ومسجد بالشّق، شِقٌ
تارا، ومسجد بذي الجِيفَة، ومسجد بَصَدْر حَوْضَي، ومسجد بالحِجْر، ومسجد بالصَّعِيد،
ومسجد بالوادي، اليوم، وادي القُرَى. ومسجد بالرُّقْعة من الشّقّة، شِقة بني عُذْرَةَ،
ومسجد بذي المَرْوة، ومسجد بالفَيْفاء، ومسجد بذي خُشُبٍ.
أمر الثلاثة الذين خلفوا وأمر المعذرين في غزوة تبوك
وقدم رسولُ الله وَ لِّ المدينة، وقد كان تخلّف عنه رهطْ من المنافقين، وتخلّف
أولئك الرهطَ الثلاثة من المسلمين من غير شكّ ولا نفاق: كعب بن مالك، ومُرارة بن
وسائرها مذكور في السُّنَنِ، وذكر ابن إسحاق في المساجد التي في الطريق مسجدًا بذي
الخِيفَةِ، كذا وقع في كتاب أبي بَحْرِ بالخاء مُعْجَمَة، ووقع الجِيفَة بالجيم في كتاب قُرِىء
على ابن أبي سراج، وابن الإقليلي وأحمد بن خالد.
عن الثلاثة الذين خُلْفوا(١)
فصل: وذكر الثلاثة الذين خُلُّفوا، ونَهي الناس عن كلامهم، وإنما اشتدّ غضبُه على مَنْ
تَخَلَّفَ عنه ونَزَل فيهم من الوعيد ما نَزَل حتى تاب الله على الثلاثة منهم، وإن كان الجهادُ
من فُروض الكِفَايَةِ، لا من فروض الأعيانِ، لكنه في حَقِ الأنْصَار كان فرضَ عَيْنٍ، وعليه
بايعوا النبيَّ وَّر، ألا تَرَهم يقولون يوم الخَندَقِ، وهم يَرْتَجِزُون:
ن الذين بايعوا مُحَمَّدًا على الجِهادِ ما بَقِينَا أَبدا
(١) انظر البخاري (٨٦/٨) ومسلم في التوبة (٢٧٦٩).
٣٠٧

الربيع، وهلال بن أُميَّة؛ فقال رسولُ اللهِ وَّةَ لأصحابه: ((لا تكلُّمُنَّ أحدًا من هؤلاء
الثلاثة))، وأتاه من تخلّف عنه من المنافقين فجعلوا يَخلفون له ويعتذرون، فصفح عنهم
رسولُ اللهَ وَله ولم يعذِرهم الله ولا رسولُه. واعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة.
حديث كعب عن التخلّف:
قال ابن إسحاق: فذكر الزهريّ محمد بن مسلم بن شهاب، عن عبد الرحمن بن
عبد الله بن كعب بن مالك: أن أباه عبد الله، وكان قائد أبيه حين أصيب بصره، قال:
سمعت أبي كعب بن مالك يحدّث حديثه حين تخلّف عن رسولِ اللهِ وَّر في غزوة تبوك،
وحديث صاحبيه، قال: ما تخلَّفت عن رسولِ الله وَّرَ في غزوة غزاها قطّ، غير أني كنت
قد تحلّفت عنه في غزوة بدر، وكانت غزوة لم يعاتب الله ولا رسولُه أحدًا تخلّف عنها،
وذلك أن رسولَ الله ◌َّ إنما خرج يريد عير قريش، حتى جمع الله بينه وبين عدوّه على
غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ الله وَّر العقبة، وحين تواثَقْنا على الإسلام، وما أُحبّ
أنّ لي بها مشهدَ بدر، وإن كانت غزوةُ بدر هي أذكر في الناس منها. قال: كان من
خبري حين تخلَّفتُ عن رسولِ اللهِ وَ لَّ في غزوة تبوك أني لم أكن قطّ أقْوَى ولا أيسر
مني حين تخلّفت عنه في تلك الغزوة، ووالله ما اجتمعت لي راحلتان قطّ حتى اجتمعتا
في تلك الغزوة، وكان رسول الله وَل﴿ قلّما يُريد غزوةً يغزوها إلاّ ورّى بغيرها، حتى
كانت تلك الغزوة، فغزاها رسولُ اللهِ وَّر في حرّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، واستقبل
غزو عدوّ كثير، فجلَّى للناس أمرَهم ليتأهَّبوا لذلك أُهبته وأخبرهم خبره بوجهه الذي
يريد، والمسلمون من تبع رسول الله وكيل كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ، يعني بذلك
الديوان، يقول: لا يجمعهم ديوان مكتوب.
قال كعب: فقَلَّ رجل يريد أن يَتَغَيِّبَ إلاّ ظنّ أنه سيخفى له ذلك، ما لم ينزل فيه
وحي من الله، وغزا رسولُ الله وَّلته تلك الغزوة حين طابت الثمار وأُحِبَّت الظّلال،
فالناس إليها صُغْر؛ فتجهّز رسول الله وَّه، وتجهّز المسلمون معه، وجعلت أغدو لأتجهّز
معهم، فأرجع ولم أقض حاجة، فأقول في نفسي، أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل
ذلك يتمادى بي حتى شمّر الناس بالجدِّ، فأصبح رسولُ الله وَّر غاديًا، والمسلمون معه،
ولم أقضٍ من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهّز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحق بهم، فغدوت
ومَنْ تخلّف منهم يوم بدر إنما تخلّف، لأنهم خرجوا لأَخْذِ عيرٍ، ولم يظنّوا أنْ سيكون
قتالٌ، فكذلك كان تخلَّفهم عن رسولِ اللهِ وََّ في هذه الغَزَاةِ كبيرةً لأنها كالنّكث لِبَيْعَتِهِم،
كذلك قال ابن بَطَّال رحمه الله في هذه المسألة: ولا أعرف لها وجهًا غير الذي قال، وأما
٣٠٨

بعد أن فصلوا لأتجهّز، فرجعت ولم أقض شيئًا، ثم غدوت فرجعت ولم أقضٍ شيئًا،
فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا، وتَفَرَّط الغزو، فهممتُ أن أرتحل، فأدركهم،
وليتني فعلتُ، فلم أفعل، وجعلت إذا خرجت في الناس بعدَ خروج رسول الله وَّر،
فطفتُ فيهم، يحزنني أني لا أرى إلاّ رجلاً مغموصًا عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر
الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسولُ اللهِ وَ لّ حتى بلغَ تبوك، فقال وهو جالس في القوم
بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سَلِمة: يا رسول الله، حبسه بُزداهُ،
والنَّظر في عِطْفيه؛ فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما عَلمنا منه
إلاّ خيرًا؛ فسكت رسولُ اللهِ وَلَد.
فلما بلغني أن رسولَ الله ﴿ قد توجَّه قافلاً من تبوك، حَضرني بَثي، فجعلت
أتذكَّر الكَذِب وأقول: بماذا أخرج من سَخْطة رسولِ الله وَِّ غدًا وأستعين على ذلك كلّ
ذي رأي من أهلي؛ فلما قِيل إن رسولَ الله وَ﴿ قد أظلّ قادمًا زاح عنّي الباطلُ، وعرفت
أني لا أنجو منه إلاّ بالصدق، فأجمعتُ أن أصدقه، وصبَّح رسولُ الله وَلَّ المدينة، وكان
إذا قَدِم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك،
جاءه المخلَّفون، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فيقبل منهم
رسولُ اللهِ وَّرِ علانيَتهم وأَيْمانَهم، ويستغفر لهم، ويَكِل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى
جئتُ فسأَّمتْ عليه، فتبسّم تبسّم المُغضَب، ثم قال لي: ((تعاله))، فجئت أمشي، حتى
جلست بين يديه، فقال لي: ((ما خلَّفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟)) قال: قلت: إني يا
رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه
بعذر، ولقد أُعطيت جَدلاً، لكن والله لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديثًا كذِبًا لترضينّ
عني، وليُوشكنّ الله أن يُسْخطك عليّ، ولئن حدثتك حديثًا صِدقًا تَجد عليّ فيه، إني
لأرجو عُقْباي من الله فيه، ولا والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر
مني حين تخلَّفت عنك. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أمَّا هذا فقد صدقت فيه، فقُمّ حتى يَقْضي
الله فيك))، فقُمت، وثار معي رجالٌ من بني سَلِمة، فاتَّبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك
كنتَ أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزتَ أن لا تكون اعتذرت إلى رسولِ الله وَل و بما
الثلاثة فهم كَعْبُ بن مالك بن أبي كعب، واسم أبي كعب عَمْرُو بن القَيْنِ بن كَعْب بن
سَوَاد بن غَثْم بن كَعْبُ بن سَلِمَةَ بن سَعْدٍ بن عَلِيّ بن أَسَد بن سَارِدَةً بن يَزِيدَ بن جُشَم بن
الخَزْرَج الأنصاري السُّلَمِي، يكنى: أبا عبد الله، وقيل: أبا عبد الرحمن، [وقيل: أبا بشير]
أَمه: ليلى بنت زَيْد بِن ثَعْلَبَةَ من بني سَلِمَة أيضًا، وهلال بن أُميّة، وهو من بني واقف،
ومُرَارَة بن رَبِيعةَ، ويقال: ابن الرَّبيع العُمَرِي الأنصاري من بني عُمَر بن عَوْف.
٣٠٩

اعتذر به إليه المخلَّفون، قد كان كافيك ذنبك استغفارُ رسولِ الله ◌َّ لك، فوالله ما
زالوا بي حتى أردتُ أن أرجع إلى رسولِ الله وَّرَ، فَأُكذّب نفسي، ثم قلت لهم: هل
لقي هذا أحد غيري؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل مقالتك، وقيل لهما مثل ما قيل
لك؛ قلت: من هما؟ قالوا: مُرارة بن الرَّبيع العَمْري، من بني عمرو بن عوف،
وهلال بن (أبي) أُميَّة الواقفي؛ فذكروا لي رجلين صالحين، فيهما أسوة، فصمَتُ حين
ذكروهما لي، ونهى رسولُ اللهِ وَّ عن كلامنا أيُّها الثلاثة، من بين من تخلّف عنه،
فاجتَنَبَنَا الناسُ، وتغيّروا لنا، حتى تنكّرتْ لي نفسي والأرضُ، فما هي بالأرض التي
كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا، وقعدا في بُيوتهما،
وأما أنا فكنتُ أَشَبَّ القوم وأجلَدهم، فكنت أخرج، وأشهد الصلوات مع المسلمين،
وأطوف بالأسواق، ولا يكلّمني أحد، وآتي رسول الله وَلِّر، فأسلم عليه وهو في
مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي، هل حَرَّكُ شَفَتيه بردّ السلام عليّ أم لا؟ ثم
أصلّي قريبًا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إليّ، وإذا التفتُّ نحوَه
أعْرض عني، حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المُسلمين، مشَيتُ حتى كوّرت جدار
حائط أبي قَتادة. وهو ابن عمِّي، وأحبُّ الناس إليّ، فسلمت عليه، فوالله ما ردَّ عليّ
السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلم أني أُحبّ الله ورسوله؟ فسكت.
فعدت فناشدته، فسكت عني، فعُدت فناشدته فسكت عني، فعدت فناشدته، فقال: الله
ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، ووثبت فتسوّرت الحائط، ثم غدوت إلى السُّوق، فبينا
أنا أمشي بالسُّوق، إذا نَبَطيّ يسأل عني من نَبَط الشام، مما قَدِم بالطعام يبيعه بالمدينة،
يقول: من يدلّ على كَعْب بن مالك؟ قال: فجعل الناس يُشيرون له إليّ، حتى جاءني،
فدفع إليّ كتابًا من ملك غسان، وكتب كتابًا في سَرَقة من حرير، فإذا فيه: ((أما بعد،
فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هَوان ولا مَضْيعة، فالحق بنا
نُواسِك. قال: قلت حين قرأتها: وهذا من البلاء أيضًا، قد بلغ بي ما وقعت فيه أن
طمع فيّ رجلٌ من أهل الشرك. قال: فَعَمَدتُ بها إلى تَنْور، فَسَجَرْته بها. فأقمنا على
ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسولُ رَسولِ الله يأتيني، فقال: إن
رسولَ الله وَلل يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: قلت: أُطلقها أم ماذا؟ قال: لا، بل
اعتزلها ولا تَقْرَبها، وأرسل إليّ صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك،
زاح عني الباطل :
فصل: وذكر قول كعب: زاح عنّي الباطل، يقال: زاح وانْزَاح: إذا ذَهَب، والمصدر
زُبُوحًا وزَيَحَانًا، إحداهما عن الأصْمَعي، والأخرى عن الكسائي.
٣١٠

فكوني عندهم حتى يَقْضي الله في هذا الأمر ما هو قاض. قال: وجاءت امرأةٌ هلال بن
أَمَيّ رسولَ الله وََّ، فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أَميَّة شيخٌ كبيرٌ ضائع لا خادم
له، أفتكره أن أخدمَه؟ قال: ((لا، ولكن لا يَقْرَبنّك))؛ قالت: والله يا رسول الله ما به
من حَرَكة إليّ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، ولقد
تخوّفت على بصره. قال: فقال لي بعضُ أهلي: لو استأذنتَ رسولَ الله لامرأتك، فقد
أذن لامرأة هلال بن أُميَّة أن تخدُمه؛ قال: فقلت: والله لا أستأذنه فيها، ما أدري ما
يقول رسولُ اللهَ وَّل﴿ لي في ذلك إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، قال: فلبثنا بعد
ذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة، من حين نَهَى رسولُ الله ◌َّر المسلمين عن
كلامنا، ثم صلّيت الصبح، صبح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا، على الحال
الذي ذكر الله منَّ، قد ضاقت علينا الأرضُ بما رحُبَت، وضاقت عليّ نفسي، وقد كنت
ابتنيت خَيْمة في ظهر مبلغ، فكنت أكون فيها إذ سمعت صوت صارخ أوفى على فهو
سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن
قد جاء الفَرَج.
قال: وآذن رسولُ الله وَله الناسَ بتَوْبة الله علينا حين صلّى الفجر، فذهب الناس
يُبشّروننا، وذهب نحو صاحبيّ مبشِّرون، وركض رجل إلى فرسًا. وسَعى ساع من أسلم،
حتى أوفى على الجبل، فكان الصوت أسرَع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوتَه
يبشّرني، نزعت ثوبيّ، فكسوتهما إيّاه بشارة، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت
ثوبين فلبستهما، ثم انطلقت أتيمّم رسولَ الله وَّ، وتلقّاني الناس يبشَرونني بالتّوْبة،
يقولون: لِيَهُنِكَ توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، ورسولُ الله ◌َّلير جالس حوله
الناسُ، فقام إليّ طلحة بن عُبيد الله، فحيَّاني وهنَّأني، ووالله ما قام إليّ رجل من
المهاجرين غيرُه. قال: فكان كعب بن مالك لا ينساها لطلحة.
وقوله: فقام إليّ طلحةُ بن عُبَيْد الله يُهَنِّئني، فكان كعبٌ يَرَاها له، فيه: جواز السرور
بالقيام إلى الرجل كما سُرَّ كعب بقيام طلحة إليه، وقد قال عليه السلام في خَبَرِ سعد بن
مُعاد: ((قوموا إلى سيّدكم))(١)، وقام هو وَلَّ إلى قوم، منهم: صَفْوَانُ بن أُمَيَّةَ حين قدم
عليه، وإلى عدي بن حاتم، وإلى زيد بن حارثة حين قدم عليه من مكّة وغيرهم، وليس هذا
بمعارضٍ لحديث معاوية عنه - وَ ل﴿ - أنه قال: ((مَن سَرَّه أن يَمْثُل له الرجالُ قِيامًا فَلْيَتَبَوَّأ
(١) أخرجه البخاري (٨١/٤) ومسلم في الجهاد (٦٤) وأبو داود (٥٢١٥ - بتحقيقي) والترمذي (٨٥٦)
وأحمد (٢٢/٣).
٣١١.

قال كعب: فلما سلَّمتُ على رسولِ اللهِ وَِّ قال لي، ووجهه يَبرُق من السرور:
(أبشر بخير يوم مرّ عليك منذُ ولدتك أُمُّك))، قال: قلت: أَمِن عندك يا رسولَ الله أَم من
عند الله؟ قال: ((بل من عند الله)). قال: وكان رسولُ الله وَله إذا استبشر كأن وجهه قطعة
قمر. قال: وكنّا نعرف ذلك منه. قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن
من توبتي إلى الله عزّ وجلّ أن أنخلع من مالي، صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسولُ،
الله وَليّ: ((أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك)). قال: قلت: إني مُمْسك سَهْمي
الذي بخيبر؛ وقلت: يا رسول الله، إن الله قد نجَّاني بالصدق، وإن من توبتي إلى الله أن
لا أحدّث إلاّ صدقًا ما حييت، والله ما أعلم أحدًا من الناس أبلاه الله في صِدْق الحديث
منذ ذكرتُ لرسول الله وَّ ر ذلك أفضلَ مما أبلاني الله، والله ما تعمّدت من كَذْبة منذ
ذكرتُ ذلك لرسولِ الله وَ﴿ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي.
وأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ والمُهاجِرِينَ والأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
فِي ساعَةِ العُسْرَةِ مِنْ بَعْدٍ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ
رَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلُّقُوا﴾ ... إلى قوله: ﴿وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[التوبة: ١١٧ - ١١٩].
قال كعب: فوالله ما أنعم الله عليّ نعمةً قطّ بعد أن هداني للإسلام كانت أعظمَ في
نفسي من صدقي رسولَ الله و ◌ّ يومئذ، أن لا أكون كذبته، فأهلِك كما هَلك الذين
كذبوا، فإن الله تبارك وتعالى قال في الذين كذبوه حين أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد،
قال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَغْرِضُوا عنهم إِنّهُمْ رِجْسٌ
وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا
يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥، ٩٦].
مَقْعَده من النار))(١) ويُروى: يَسْتَجِمَّ له الرجالُ؛ لأن هذا الوعيد إنما توجّه للمُتَكَبِّرين، وإلى
مَنْ يَغْضَب، أو يَسْخَطُ ألا يُقَامَ له، وقد قال بعضُ السَّلَفِ: يقام إلى الولد بِرًّا به، وإلى
الولدٍ سُرُورًا به، وصدق هذا القائل، فإن فاطمة رضي الله عنها كانت تقوم إلى أبيها وَّل برًّا
به، وكان هو ◌َّهِ يقوم إليها سُرُورًا بها رضي الله عنها، وكذلك كل قيام أثمره الحبُّ في الله،
والسرور بأخيك بنعمة الله، والبرّ بمن يحب بِرَّه في الله تبارك وتعالى، فإنه خارج عن حديث
النهي والله أعلم.
(١) أخرجه أحمد (١٠٠/٤) والبخاري في الأدب المفرد (٩٧٧) وأبو نعيم في تاريخ أصفهان
(٢١٩/١).
٣١٢

قال: وكنّا خُلْفنا أيها الثلاثةُ عن أمر هؤلاء الذين قَبِل منهم رسولُ الله ◌َلِّر، حين
خَلفوا له فعذرهم، واستغفر لهم، وأرجأ رسولُ الله وَلّ أمرَنا، حتى قَضى الله فيه ما
قضى، فبذلك قال الله تعالى: ﴿وَعلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ .
وليس الذي ذكر الله من تخليفنا لتخلفنا عن الغزوة ولكن لتخليفه إيّانا، وإرجائه
أمرنا عمن حلَف له، واعتذر إليه، فقبل منه.
أمر وفد ثقيف وإسلامها في شهر رمضان سنة تسع
قال ابن إسحاق: وقدم رسولُ اللهِ وَّ المدينةَ من تَبوَكَ في رمضانِ، وقدم عليه في
ذلك الشهر وفدُ ثقيف.
وكان من حديثهم أن رسولَ الله ◌َ ﴿﴿ لما انصرف عنهم، اتبع أثره عُروة بن مسعود
الثقفي، حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام،
فقال له رسولُ اللهِ وَّر، كما يتحدّث قومه: إنهم قاتلوك، وعرف رسولُ اللهِ وَلّ أنّ فيهم
نخوة الامتناع الذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله أنا أحبَّ إليهم من أبكارهم.
قال ابن هشام: ويقال: من أبصارهم.
قال ابن إسحاق: وكان فيهم كذلك محبّبًا مطاعًا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام
رجاء أن لا يخالفوه، لمنزلته فيهم؛ فلما أشرف لهم على عِلْية له، وقد دعاهم إلى
الإسلام، وأظهر لهم دينه، رمَوْه بالنَّل من كلّ وجه، فأصابه سهم فقتله. فتزعُم بنو
مالك أنه قتله رجلٌ منهم، يُقال له: أوس بن عَوْف، أخو بَني سالم بن مالك، وتزعمُ
الأحلاف أنه قتله رجل منهم، من بني عتَّاب بن مالك، يقال له: وهب بن جابر، فقيل
إسلام ثقيف
فيه قول النبيّ وَّه فِي عُرْوَةَ بن مَسْعُودٍ حين قُتِل: مثله كمثلٍ صاحبٍ یاسین في قومه،
يحتمل قوله 183، كمثل صاحب ياسين أن يريد به المذكور في سورة ياسين، الذي قال
لقومه: ﴿اَّبِعوا المرسلين﴾ فقتله قومُه، واسمه حَبِيبُ بن مُرِّي، ويحتمل أن يريد صاحب
إلياسَ، وهو الْيَسَعَ، فإن إلياس يقال في اسمه: ياسين أيضًا، وقال الطبري: هو إلياس بن
يَاسِين، وفيه قال الله تبارك وتعالى: ﴿سَلامٌ على آلْ ياسِين﴾ [الصافات: ١٣٠] فالله أعلم؛
وقد بينًا في التعريف والإعلام معنى إلياس وإِلْيَاسِين وآلٍ ياسِين بيانًا شافيًا، وأوضحنا خطأ
قول من قال إن إلياسِين جمع كالأشْعَرِين، وضعف قول من قال: إن ياسين هو محمد اَلقوله
فلْيُنظر هنالك.
٣١٣

لعُروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامةٌ أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ، فليس فيّ
إلاّ ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسولِ الله وَلير قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم،
فدفنوه معهم، فزعموا أن رسولَ اللهِ وَّ قال فيه: ((إن مثلَه في قومه لكَمَثَل صاحب
یاسین في قومه)).
ثم أقامت ثَقيف بعد قتل عُروة أشهرًا، ثم إنهم اثْتَمَرُوا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة
لهم بحرب مَنْ حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا.
حدّثني يعقوب بن عُثْبَةَ بن المُغِيرَة بن الأخْنَسِ: أن عَمْرَو بن أُميَّة، أخا بني
عِلاَج، كان مُهاجرًا لعبدٍ يالِيلَ بن عمرو، الذي بينهما سيىء، وكان عمرو بن أُمَيَّة من
أَذْهَىَ العرب، فمَشى إلى عبد يالِيلَ بن عمرو، حتى دخل داره، ثم أرسل إليه أن
عَمْرَو بن أمية يقول لك: أخرج إليّ، قال: فقال عبدُ يالِيلَ للرسول: وَيْلك! أَعَمْرو
أرسلك إليّ؟ قال: نعم، وها هو ذا واقفًا في دارك، فقال: إن هذا الشيء ما كنت أظنُّه،
لَعَمْرو كان أمنع في نفسه من ذلك، فخرج إليه، فلما رآه رحّب به، فقال له عمرو: إنه
زوج عروة:
وكانت تحت عُزْوَةَ مَيْمُونَةً بنت أبي سُفْيان، فولدت له أبَا مُرَّةً بن عُرْوَةَ، وبنت أبي
مُرَّةَ هي: ليلى امرأة الحسين بن عَلِيَّ عليهما السلام ولدت للحُسَيْنِ عَلِيًّا الأكبر قتل معه
بالطّفُ (١)، وأما عليَّ الأَصْغَرُ فلم يُقْتَل معه، وأُمُّه: أُم وَلَدٍ، واسمها سُلاَفَةُ، وهي بنت
كِسْرَى بن يَزْدَجِرْدَ، وأُخْتُها الغَزَالُ هي أُم أبي بَكْرِ بن عبد الرحمن بن الحارِبِ بن هِشَامٍ.
حول هدم اللات:
فصل: وذكر إسلام ثقيف وعدم طاغِيتهم، وهي الَّلات، وأن المُغِيرَةَ وأبا سُفْيَانَ هما
اللذان هَدَمَاها وذكر بعض مَنْ ألَّف في السِّير أن المغيرة قال لأبي سُفيان حين هدمها: ألا
أُضْحِكَكَ من ثقيف؟ فقال: بَلَى، فأخذ المِعْوَلَ، وضرب به اللاتَ ضَرْبة، ثم صاح وخَرَّ
على وجهه، فارْتَجَّتْ الطائفُ بالصياحِ سُرورًا بأن الَّلاتَ قد صَرَعَت المغيرةَ، وأقبلوا
يقولون: كيف رأيتها يا مُغِيرَةُ دُونَكَهَا إن اسْتَطَعْتَ، ألم تَعْلَم أنها تُهْلك مَنْ عاداها، ويُحَكُمْ
ألا تَرَوْنَ ما تَصْنَع؟ فقام المغيرةُ يضحك منهم، ويقول لهم: يا خُبَشَاءُ والله ما قَصَدْتُ إلاّ
أُلْهُزْأَ بكم، ثم أقبل على هَدْمِها، حتى اسْتَأْصَلها، وأقبلت عجائزُ ثَقِيفٍ تَبْكِي حَوْلها،
وتقول: أسْلَمَها الرُّضَّاعُ، إذْ كَرِهُوا المِصَاعِ، أي: أسلمها الْلَامُ حين كَرِهوا القِتال.
(١) الطف: موضع بالكوفة.
٣١٤

قد نزل بنا أمر ليست معه هِجْرة إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، قد أسلمت
العربُ كلها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا في أمركم: فعند ذلك ائتمرت ثقيف
بينها، وقال بعضُهم لبعض: أفلا ترون أنه لا يأمن لكم سِرْب، ولا يخرج منكم أحد إلاّ
اقْتُطِع، فاتَمَرُوا بينهم، وأجمعوا أن يُرسلوا إلى رسولِ الله وَّه رجلاً، كما أرسلوا عُزْوَةَ،
فكلَّموا عَبْدَ يالِيلَ بن عمرو بن عُمير، وكان سنّ عروة بن مسعود، وعرضوا ذلك عليه،
فأبى أن يفعل، وخشي أن يُصنع به إذا رجع كما صُنِعِ بعُرْوَةَ. فقال: لست فاعلاً حتى
تُرسلوا معي رجالاً، فأجمعوا أن يبعثُوا معه رجلين من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك،
فيكونوا ستة، فبعثوا مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتِّب، وشُرَحبيل بن
غَيلان بن سَلِمة بن معتِّب، ومن بني مالك عثمان بن أبي العاص بن بِشر بن
عبد دُهمان، أخا بني يسار، وأوس بن عوف، أخا بني سالم بن عوف ونُمَير بن
خَرَشة بن ربيعة، أخا بني الحارث. فخرج بهم عبدُ ياليل، وهو نَابُ القوم وصاحبُ
أمرهم، ولم يخرج بهم إلاّ خشية من مثل ما صُنع بعُزْوَة بن مسعود، لكي يشغل كلّ
رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رَهْطه ..
فلما دنَوْا من المدينة، ونزلوا قناة ألْفَوْا بها المُغيرة بن شعبة، يرعَى في نَوْبَتة رِكابَ
أصحاب رسولِ اللهِ وَّ﴿، وكانت رِغيتها نُوَبًا على أصحابه وَله، فلما رآهم تركَ الركاب
عند الثَّقَفيين، وضبر يشتدّ، ليبشّر رسولَ الله وَل﴿ بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصدّيق
قبل أن يدخل على رسولِ الله وَلقر، فأخبره عن ركب ثقيف أن قد قدموا يريدون البَيْعة
والإسلام، بأن يَشْرُط لهم رسولُ اللهِ وَيِ شُروطًا، ويكتبوا من رسولِ الله وَّل كتابًا في
قومهم وبلادهم وأموالهم، فقال أبو بكر للمُغيرة: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى
رسول الله وَلجر، حتى أكون أنا أُحدّثه؛ ففعل المغيرة. فدخل أبو بكر على رسول
الله ◌َّ، فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المُغيرة إلى أصحابه، فرَوّح الظّهر معهم
وعلَّمهم كيف يحيُّون رسولَ اللهِ وَّرَ، فلم يفعلوا إلاّ بتحيَّة الجاهلية، ولمَّا قَدِموا على
رسولِ الله وَلل ضرب عليهم قُبَّة في ناحية مسجده، كما يزعمون، فكان خالد بن
سعيد بن العاص، هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله وَله، حتى اكتتبوا كتابهم. وكان
فقه حديث كتاب النبيّ لثقيف:
فصل: وذكر كتابه وَلّ لثقيف، وذكره أبو عبيد كما ذكره ابن إسحق، وذكر فيه شهادة
عَلِيٍّ وابنيه الحَسَنِ والحُسَيْنِ، قال: وفيه من الفقه شهادة الصِّبْيَان، وكتابة أسمائهم قبل
البُلُوغ، وإنما تُقْبَل شهادتُهم إذا أَذَّوْهَا بعد البلوغ، وفيه من الفِقه أيضًا شهادةُ الابن مع شَهَادَةٍ
أبيه في عقد واحد.
٣١٥
.

خالد هو الذي كتب كتابهم بيده، وكانوا لا يَطْعمون طعامًا يأتيهم من عند رسولِ الله وَل
حتى يأكل منه خالد، حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم، وقد كان فيما سألوا رسول الله واله
أن يدع لهم الطاغية، وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسولُ اللهِ وَلِّ ذلك
عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم حتى سألوا شهرًا واحدًا بعد مَقْدَمهم،
فأبى عليهم أن يدَعها شيئًا مسمّى، وإنما يزيدون بذلك فيما يُظهرون أن يتَسَلَّموا بتركها
من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يُروعوا قومَهم بهدمها حتى يدخلهم
الإسلام: فأبى رسولُ اللهِ وَّر إلاّ أن يبعث أبا سُفيان بن حرب والمُغيرة بن شعبة
فيهدماها، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يُعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا
أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله مَلغير: «أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنُعفيكم منه، وأما
الصلاة، فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه))، فقالوا: يا محمد، فسنؤتيكها، وإن كانت
دناءة .
فلما أسلموا وكتب لهم رسولُ الله ◌َله كتابَهم، أمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص،
وكان من أَحدَثهم سنًّا، وذلك أنه كان أحرصهم على التفقُّه في الإسلام وتعلّم القرآن.
فقال أبو بكر لرسول الله وَله: يا رسول الله، إني قد رأيتُ هذا الغلام منهم من أحرصهم
على التفقه في الإسلام، وتعلّم القرآن.
قال ابن إسحاق: وحدّثني عيسى بن عبد الله بن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفي،
عن بعض وفدهم. قال: كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصُمنا مع رسول اللّه وَّر ما بقي من
رمضان، بفطرنا وسَحُورنا من عند رسول الله وَله، فيأتينا بالسَّحور، وإنا لنقول: إنا لنرى
الفجر قد طلع، فيقول: قد تركت رسولَ الله وَله يتسخّر، لتأخير السُّحور، ويأتينا بفطرنا،
وإنا لنقول: ما نرى الشمس كلّها ذهبت بعد. فيقول: ما جئتكم حتى أكل رسولُ
الله ◌َّر، ثم يَضع يده في الجَفْنة، فيلتقم منها.
قال ابن هشام: بفَطُورنا وسَحورنا.
قال ابن إسحاق: وحدّثني سعيد بن أبي هند، عن مُطَرّف بن عبد الله بن الشّخِّير،
عن عثمان بن أبي العاص، قال: كان من آخر ما عهد إليّ رسولُ اللهِ وَّ حين بعثني
وذكر في الكتاب: وَجَّا، وأنهْ حَرَامٌ عِضَاهُهُ وشَجَرُه، يعني حَرَامًا على غير أهله
كتحريم المدينةِ ومكّة. وَوَجُ هي أرض الطائف، وهي التي جاء فيها الحديثُ: إن آخر وَطأةً
وطِئها الرَّبُّ بِوَجٌّ، ومعناها عند بعضهم: آخر غَزْوَةٍ وَوَقْعَةٍ كانت بأرض العرب بوَجِّ، لأنها
آخرُ غَزَوَاتِه - وَ﴿ ـ إلى العرب، وقد قيل في معنى الحديث غير هذا، مما ذكره القُتَّبِيُّ،
ونحن نضرب عن ذكره، لما فيه من إبهام التشبيه، والله المُسْتعَانُ.
٣١٦

على ثَقيف أن قال: يا عثمان، تجاوز في الصلاة، واقدُر الناس بأضعفهم، فإن فيهم
الكبيرَ، والصغير، والضعيف، وذا الحاجة.
قال ابن إسحاق: فلما فرغوا من أمرهم، وتوجّهوا إلى بلادهم راجعين، بعث
رسولُ اللهِ وَ﴿ أبا سُفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، في هدم الطاغية، فخرجا مع
القوم، حتى إذا قَدِموا الطائف أراد المُغيرة بن شعبة أن يُقَدّم أبا سُفيان، فأبى ذلك أبو
سُفيان عليه، وقال: أدخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله بذي الهَدْم؛ فلما
دخل المغيرة بن شعبة علاها يَضربها بالمِعول، وقام قومه دونه، بنو مَعَتِّب، خشية أن
يُرمى أو يُصاب كما أُصيب عُروة، وخرج نساء ثقيف حُسَّرًا يَبْكين عليها ويقلن:
لتُبْككَينَّ دُفَّاعِ أسْلَمها الرُّضَّاعِ
لم يُحسِنوا المِصـاع
قال ابن هشام: (لَتَبْكِينَ)) عن غير ابن إسحق.
قال ابن إسحاق: ويقول أبو سُفيان والمغيرةُ يَضْربها بالفأس: واها لك! آها لك!
فلما هدمها المُغيرة، وأخذ مالَها وحُلِيَّها أرسل إلى أبي سُفيان وحليها مجموع، ومالها من
الذهب والجَزْع.
وقد كان أبو مُلَيح بن عروة وقارِب بن الأسود قَدِما على رسولِ اللهِ وَّ ر قبل وفد
ثقيف، حين قُتل عروة، يريدان فراق ثقيف، وأن لا يجامعاهم على شيء أبدًا، فأسلما؛
فقال لهما رسولُ الله: ﴿ تولَّيا من شئتما؛ فقالا: نتولى الله ورسوله، فقال رسولُ
اللهِ وَله: ((وخالَكما أبا سفيان بن حرب))، فقالا: وخالَنا أبا سُفيان بن حرب.
وج:
وقد قيل في وَجِّ هي الطائفُ نفسُها، وقيل: هو اسمٌ لوادٍ بها، ويَشْهَد لهذا القول قول
أُميَّةَ بنِ الأسْكَرِ :
إذ يَبْكي الحمامُ بِبَطٍُ وَجُّ على بيضاته بَكَيَا كِلاَبًا
وقال آخر:
كأنى لا أراك ولا تَرَانِي
أتُهْدِي لي الوعيدِ بِبَطْنٍ وَجْ
وقد ألفيت في نسخة الشيخ وجا بتخفيف الجيم والصواب تشديدها كما تقدّم وقال
أُميَّةُ بن أبي الصَّلْتِ:
دارُ قومي بِرَبْوَةٍ وزُتُوقٍ
إن وَجًّا وما يلي بَطْنَ وَجْ
٣١٧

فلما أسلم أهلُ الطائف ووجه رسولُ الله ◌َ﴿ أبا سفيان والمُغيرة إلى هدم الطاغية،
سأل رسولَ الله وَّ أبو مُليح بن عروة أن يَقضي عن أبيه عُروة دينًا كان عليه من مال
الطاغية، فقال له رسولُ اللهِ وَلَر: (نعم))، فقال له قارب بن الأسود، وعن الأسود يا
رسول الله فاقضه، وعروة والأسود أخوان لأب وأم، فقال رسولُ اللهِ وَلَه: ((إن الأسود
مات مشركًا)). فقال قارب لرسول الله وَلجر: يا رسولَ الله، ولكن تَصِل مسلمًا ذا قرابة،
يعني نفسه، إنما الدَّين عليّ، وإنما أنا الذي أُطلبُ به، فأمر رسولُ اللهِ وَلَ أبا سُفيان أن
يَقْضي دَينَ عُروة والأسود من مال الطاغية، فلما جمع المُغيرة مالها قال لأبي سُفيان: إن
رسولَ الله وَ ﴿لقد أمرك أن تقضي عن عُروة والأسود دَينَهما، فقضى عنهما.
وكان كتاب رسول الله ◌َّر الذي كتب لهم:
((بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد، النبيّ، رسول الله، إلى المؤمنين: إنّ عِضَاهَ
وَجْ وصَيْدَه لا يُعْضَدُ، من وُجد يفعل شيئًا من ذلك، فإنه يُجلَد وتُنزَع ثيابه، فإن تعدّى
ذلك فإنه يُؤخذ فيبلغ به إلى النبيّ محمد، وإن هذا أمر النبيّ محمد، رسول الله)).
وكتب خالد بن سعيد: بأمر الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعدّه أحد، فيظلم
نفسه فيما أمر به محمد رسول الله وَله.
حجّ أبي بكر بالناس سنة تسع
واختصاص النبيّ وَّهه عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه
بتأدية أول براءة عنه وذكر براءة والقصص في تفسيرها
قال ابن إسحاق: ثم أقام رسولُ الله وَّر بقيَّة شهر رمضان وشوّالاً وذا القعدة، ثم
بعث أبا بكر أميرًا على الحجّ من سنة تسع، ليُقيم للمسلمين حجّهم، والناس من أهل
الشرك على منازلهم من حَجْهم، فخرج أبو بكر رضي الله عنه ومن معه من المسلمين.
وسُمِيتِ وَجًّا فيما ذكروا بِوَجٌ بن عَبْدِ الحَيِّ من العَمَالِقَّةِ، ويقال: وَجّ، وأجّ بالهمزة،
قاله يعقوب في كتاب الإبدال، وكتابه وَ ل # لأهل الطائف أطول مما ذكره ابن إسحق بكثير،
وقد أورده أبو عبيد بكماله في كتاب الأموال.
إنزال سورة براءة
كان رسولُ اللهِ وَل﴿ حين قَدِم من تَبُوك، فذكر مُخَالَطَة المشركين للناس في حَجْهم،
وتَلْبِيَّتَهم بالشّرْك وطوافَهم عُرَاةً بالبيت، وكانوا يقصدون بذلك أن يَطُوفوا كما وُلِدوا بغير
٣١٨

ونزلت براءة في نقض ما بين رسولِ الله وَل وبين المشركين من العهد، الذي كانوا
عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يصَدّ عن البيت أحدٌ جاءه، ولا يخاف أحد في الشهر
الحرام. وكان ذلك عهدًا عامًّا بينه وبين الناس من أهل الشرك، وكانت بين ذلك عهود
بين رسول الله وَل وبين قبائل من العرب خصائص، إلى آجال مسماة، فنزلت فيه وفيمن
تخلَّف من المنافقين عنه في تبوك، وفي قول من قال منهم، فكشف الله تعالى فيها سرائر
أقوام كانوا يَسْتَخْفون بغير ما يُظهرون، منهم مَنْ سُمّي لنا، ومنهم مَنْ لم يُسمَّ لنا، فقال
عزّ وجلّ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أي لأهل العهد
العام من أهل الشرك ﴿فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَاعْلَمُوا أَنَّكم غيرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأَنَّ
اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ وأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجّ الأكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ
المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾: أي: بعد هذه الحِجَّة ﴿فإن تُبْتُم فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا
أَنَّكُمْ غيرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشْرِ الَّذِينِ كَفَرُوا بعَذَابٍ أليم إلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾:
أي: العهد الخاصّ إلى الأجل المُسمى ﴿ثُمَّ لَمْ يُظاهرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأْتِمُوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ
إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾: يعني الأربعة التي ضَرب
لهم أجلاً ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاخْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُم كُلَّ
مَرْصَدٍ فإنْ تَابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ أَحَدٌ
مِنَ المُشْرِكِينَ﴾: أي: من هؤلاء الذين أمرتك بقَتْلهم ﴿اسْتَجَارَكَ فَأَجِزْهُ حتى يَسْمَعَ كُلامَ
اللَّه ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأمَنَهُ ذلكَ بأنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾.
الثياب التي أذنبوا فيها، وظَلَموا، فأمْسَك - بَّهَ ـــ عن الحَجِّ في ذلك العام، وبعث أبا بكر
- رضي الله عنه - بسورة براءةً لِيَنْبِذَ إلى كل ذي عهد عهدَه من المشركين إلاَّ بعضَ بني بَكْر
الذين كان لهم عهدٌ إلى أجل خاصٍّ، ثم أردف بعليٍّ رضي الله عنه، فرجع أبو بكر
للنبيّ ◌َّه، وقال: يا رسول الله هل أُنْزِل فيَّ قرآنٌ؟ قال: ((لا))، ولكن أردت أن يبلغَ عني
مَنْ هُو من أَهْلِ بَيْتِي، قال أبو هريرة: فَأَمَرَنِي عَلِيٍّ - رضي الله عنه - أنْ أطوفَ في المنازل
مِنْ منّى بِبَرَاءة، فكنت أصيح حتى صَحَلَ حَلْقي، فقيل له: بم كنت تنادي؟ فقال: بأربع:
ألاَّ يدخلَ الجنَّةَ إلاَّ مؤمنٌ، وألاَّ يَحُجَّ بعد هذا العام مُشْرٌِ، وألاَّ يَطُوفَ بالبيت عُزْيَانٌ، ومن
كان له عَهْدٌ، فله أجلُ أربعة أشهر ثم لا عَهْدَ له، وكان المشركون إذا سمعوا النداءَ ببراءَةً
يقولون لعليٍّ: سَتَرَوْنَ بعد الأزْبَعَةِ أَشْهُر، بأنه لا عَهْدَ بيننا وبين ابنِ عَمّك إلاّ الطَّعْنِ
والضرب، ثم إن النّاسَ في ذلك المدّة رَغِبوا في الإسلام حتى دخلوا فيه طَوْعًا وكَرْهًا،
وحجّ رسولُ اللهِ بَ ◌ّه في العام القابل، وحَجَّ المسلمون، وقد عاد الذين كلُّه واحدًا لله رَبِّ
العالمين .
٣١٩

ثم قال: ﴿كَيْفَ يَكُونُ للْمُشْرِكِينَ﴾ الذين كانوا هم وأنتم على العهد العام أن لا
يخيفوكم ولا يخيفوهم في الحرمة، ولا في الشهر الحرام ﴿عَهدَ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إلاَّ
الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحرَامِ﴾، وهي قبائل من بني بكر الذين كانوا دخلوا في عَقد
قريش وعهدهم يوم الحديبية، إلى المدّة التي كانت بين رسول الله وَّل0ه وبين قريش، فلم
يكن نَقَضَها إلاّ هذا الحيّ من قريش؛ وهي الدّيل من بني بكر بن وائل، الذين كانوا
دخلوا في عقد قريش وعهدهم. فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض من بني بكر إلى
مدّته ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فاستَقِيمُوا لَهُم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: أي: المشركون الذين لا عهد لهم
إلى مدة من أهل الشرك العام ﴿لا يَزْقُبُوا فِيكُمْ إلَّ وَلا ذِمَّةٌ﴾ .
تفسير ابن هشام لبعض المفردات :
قال ابن هشام: الإلّ: الحِلْف. قال أوس بن حَجَر، أحد بني أُسَيِّد بن عمرو بن
تمیم :
ومالكٌ فيهمُ الآلاء والشَّرفُ
لولا بَنو مالك والإلّ مَزْقبةٌ
وهذا البيت في قصيدة له وجمعه: آلال، قال الشاعر:
فلا إلى من الآلال بَيْني
وبينكُم فَلا تَأْلُنَ جُهْدا
والذمَّة: العهد. قال الأجدع بن مالك الهَمْداني، وهو أبو مَسْروق بن الأجدع
الفقيه :
وكان علينا ذمَّةٌ أن تُجاوِزوا من الأرض معروفًا إلَينا ومُشكرا
وهذا البيت في ثلاثة أبيات له وجَمْعها: ذِمم.
﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وتَأْبَى قُلُوبُهُم وأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً
فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلاَّ وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ
المُعْتَدُونَ﴾ أي: قد اعتدوا عليكم ﴿فإن تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكاةَ فإخْوانُكُمْ فِي
الدّينِ ونُفَصّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
وأما النداء في أيّام التَّشْرِيفِ بأنها أيامُ أكل وشُرْبٍ، وفي بعض الروايات أكل وشرب
وبعَال(١)، فإن الذي أمر أن يُنادي بذلك في أيّام التشريق هو كَعْب بن مالك وأَوْس بن
(١) بعال: أي مباشرة الزوجة.
٣٢٠