النص المفهرس
صفحات 281-300
من عدوّه، ثم خرج حتى قَدِم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة، من ◌ُهينة، كما ذُكر لي، فغدا به إلى رسول الله وَّوَ حين صلّى الصبح، فصلّى مع رسولٍ اللهِ وَّ، ثم أشار له إلى رسولِ الله وَّل، فقال: هذا رسولُ الله، فقم إليه فاستأمنه. فذُكر لي أنه قام إلى رسول الله بَّ، حتى جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان رسول الله وَّوَ لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زُهَير قد جاء ليستأُمِنَ منك تائبًا مُسلمًا، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله وَلير: (نعم))؛ قال: أنا یا رسول الله کعب بن زُهَیر. قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه وثب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، دعني وعدوَّ الله أضرب عنقه؛ فقال رسولُ اللهِ وَلّى: ((دعه عنك، فإنه قد جاء تائبًا، نازعًا (عما كان عليه)) فقال: فغضب كعبٌ على هذا الحيّ من الأنصار، لِمَا صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلّم فيه رجل من المهاجرين إلّ بخير، فقال في قصيدته التي قال حين قَدِم على رسول الله وَلّه: مُتَيَّمٌ(٢) إِثْرَها لم يُفْدَ مَكْبُولُ(٣) بأنَتْ سُعادُ فِقَلْبِي اليوْمَ مَثْبُولُ (١) إلاّ أغَنُّ(٤) غَضِيضُ (٥) الطَّرْفِ مَكْحول وما سُعادُ غداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا لا يُشْتَكَى قِصَرٌ منها ولا طُولُ هَيْفاءُ(٦) مُقْبلةً عَجْزَاءُ(٧) مُذْبِرَةً كأَنَّه مُنْهَلَّ (١١) بالرَّوْحَ(١٢) مَعْلُولُ تَجْلو (٨) عوارضَ (٩) ذي ظَلْمُ(١٠) إذا ابتسمتْ صَافٍ بأبطحَ(١٤) أضْحَى وهُوَ مَشْمُولُ (١٥) شُجَّتْ بذي شَيَمٍ من ماءِ مَحْنِيةٍ(١٣) بأنَتْ سُعَادُ فقِلْبي اليومَ مَثْبُولُ وفيها قوله: شُجَّتْ بذي شَبم. يعني: الخَمْرَ، وشُجَّت كُسِرت من أعلاها لأنَّ الشَّجَّة لا تكون إلاّ في الرأس، والشَّبَمُ (١) متبول: هالك. (٣) مكبول: مقيّد. (٥) غضيض: فاتر الطرف. (٧) عجزاء: عظيمة العجيزة. (٩) العوارض: الأسنان. (١١) منهل: مسقى. (١٣) محنية: منتهى الوادي. (١٥) مشمول: هبّت عليه ريح الشمال. (٢) متّم: أي مُعَبد. (٤) أغنّ: الظبي الصغير. (٦) هيفاء: ضامرة البطن. (٨) تجلو: تصقل. (١٠) الظلم: شدّة بريق الأسنان (١٢) الرزح: الخمر. (١٤) أبطح: موضع سهل. ٢٨١ من صَوْبٍ غاديةٍ بيضٌ يَعالِيلُ(١) بوَغدها أوْ لَوَ أنَّ النَّصحَ مَقْبولُ فَجْعْ ووَلْعُ وإِخْلافٌ وَتَبْدِيلُ كما تَّلَوّنُ في أثْوابها الغُولُ تَنْفِي الرّياحُ القَذَى عنهُ وأقْرَطَهُ فَيَا لهَا حُلَّةً لو أنها صَدَقَتْ لكنها خُلَّة قَذْ سِيط من دَمِها فمَّا تَدومُ على حالٍ تكونُ بها إلاّ كما يُمْسك الماءَ الغرَابيلُ وما تمَسَّك بالعهد الذي زعمت فلا يغرَّنْكَ مَا مَنَّتْ وَمَا وَعَدَت إنّ الأمانيَّ والأخلامَ تَضْليلُ البَرْدُ، وأَفْرَطه: أي: مَلَأَه. والبيض اليَعَالِيلُ: السَّحَابُ، وقيل: جبال ينحدر الماءُ من أعلاها، واليَعَالِيلُ أيضًا: الغُذْرَانُ، واحدُها يَعْلُولٌ؛ لأنه يُعِلُّ الأرضَ بمائه. وقوله: يا وَيْحِهَا خُلَّةٌ قد سِيطَ من دَمِها أي: خِلطَ بلحمها ودمها هذه الأخلاقُ التي وصفها بها من الوَلع وهو الخُلْف، والكذبِ، والمَطْل، يقال: ساط الدمَ والشرابَ إذا ضرب بعضه ببعض. وقال الشاعر يصف عبد الله بن عباس: وفَتَّاقُ أَبْكَارِ الكَلامِ المُخَتِّمِ صَمُوتٌ إذا ما زَيَّنَ الصَّمْتُ أهلَه وسيِطَت له الآدابُ باللَّخمِ والدمِ وَعَى مَا حَوَى القرآنُ من كُلِّ حِكْمَةٍ والغُول: التي تَتَراءى بالليل. والسِّعْلاةُ ما تراءى بالنَّهَار من الجنّ، وقد أبطل رسولُ اللهِ وَِّ حكم الغُول حيث قال: ((لا عَذْوَى ولا غُولَ))(٢)، وليس يعارضُ هذا ما رُوِي من قوله عليه السلام: ((إذا تَغَوَّلت الغِيلانُ فارْفَعُوا أصواتكم بالأذان))(٣)، وكذلك حديث أبي أيوب مع الغول حين أخذها، لأن قوله عليه السلام: ((لا غُولَ إنما أَبطل به ما كانت الجاهليةُ تتقوله من أخبارِها وخُرافاتِها معها)). (١) اليعاليل: الرغوة التي تعلو الماء. (٢) أخرجه مسلم في السلام (١١٤) وأحمد (٣٢٨/١) وأبو داود (٣٩١٢ - بتحقيقي) والبيهقي (١٣٥/٧) وانظر الفتح (١٥٨/١٠). (٣) ((ضعيف)). أخرجه أحمد (٣٠٥/٣/ ٣٨٢) وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥١٧) وعبد الرزاق (٩٣٥٢) وأورده الذهبي في الميزان (٦٤٠٤). ٢٨٢ كانتُ مواعيدُ عُرقوبٍ لِهَا مَثَلاً أرجو وآمُلُ أنْ تَدْنو مَودَّتُها أمْسَتْ سُعادُ بأرضٍ لا يُبلُغها ولن يُبَلْغَها إلاّ عُذَافِرَةٌ(٢) من كلّ نَضَّاحة(٥) الذّفْرَى(٦) إذا عَرِقت ترمي الغُيُوبَ بعَيْنَيْ مُفردٍ لَهَقٍ ضَخْمْ مُقَلَّدها فَعْمٌ مقيَّدها غَلْبَاءُ وَجْناءُ عُلْكُومٌ مُذَكَّرَة وجِلْدُها مِن أطُومٍ ما يؤيِّسه وما مواعيدُها إلاّ الأباطِيلُ وما إخال لَدَيْنا مِنْكِ تَنْوِيل إلا العِتاقُ النَّجِيبات المَراسيلُ(١) لهَا على الأَيْنِ(٣) إزقالٌ وَتَبْغيلُ(٤) عُزْضَتُها(٧) طامِسُ (٨) الأعْلامِ مَجْهُولُ إذا تَوَقَّدَتِ الحِزَّانُ والمِيلُ في خَلْقِها عن بناتِ الفَحلِ تَفضيلُ في دَفَّها سَعَةٌ قُدَّامُها مِيلُ طِلْح بضَاحِيَة المَثْنَيْنِ مَهْزُولُ وقوله : كانت مواعيدُ عُزْقُوبٍ لها مَثَلاً هو: عُزْقُوبُ بن صَخْر من العَمَالِيقِ الذين سكنوا يَثْرِبَ، وقيل: بل هو من الأوسِ والخَزْرَجِ، وقصَّتُه في إخلاف الوعد مشهورة حين وَعَد أخاه بجَنَا نَخْلةٍ له وَعْدًا من بعد وَعْدٍ، ثمَ جَذَّها لَيْلاً، ولم يُعطه شيئًا. والتَّبْغِيلُ: ضرب من السَّيْر سَرِيع، والحِزَّان جمع حَزْن وهو ما غَلُظ من الأرض. والمِيلُ ما اتّسع منها: وقوله: ترمي النِّجَادَ، وأنشده أبو علي: تَزْمي الغُيُوبَ، وهو جمع غَيْب، وهو ما غار من الأرض، كما قال ابنُ مِقْبل: لَزْمُ الغُلاَمِ وَرَاءَ الغَيْبِ بالحجر وقوله : حَزْفٌ أبوها أُخوها من مُهَجِّنَةٍ وعَمُّها خالُها قَوْدَاءُ شِمْلِيلُ (١) المراسيل: السريعة . (٣) الأين: الإعياء. (٥) نضّاخة: يرشح عرقها. (٧) عرضتها: الشيء يُقوى عليه. (٢) عذافرة: ناقة ضخمة. (٤) الإرقال والتبغيل: ضربان من السير. (٦) الذفرى: عظم من أصل الأذن. (٨) طامس: متغير. ٢٨٣ حَزْف أخُوها أبُوها مِنْ مُهَجَّنةٍ يَمْشِي القُرادُ علَيها ثم يُزْلِقُهُ عَيْرانةٌ قُذِفتْ بالنّحض عن عُرُضٍ كأنَّمَا فاتَ عَيْئَيها ومَذْبَحها تمُرِّ مثلَ عَسِيب النَّخْل ذا خُصَلٍ قَنْوَاءُ في حُرْتَيْها للْبَصِير بِها تَخْدِي على يَسَرَاتٍ وَهْيَ لاحِقَةٌ سُمْرِ العُجايات(١) يتركْنَ الحصَى زِيَمًا (٢) وعمّها خالُهَا قَوْداءُ شِمْليلُ مِنْها لَبانٌ وأقْرَابٌ زَهاليلٌ مِرْفَقُها عَنْ بَناتِ الزَّوْرِ مَفْتولٌ من خَطْمِها ومِن اللَّخيَيْنِ بِزْطيل في غارِز لم تَخَوَّنهُ الأحالِيلُ عِثْق مُبِينٌّ وفي الخذَّيْن تَسْهِيلُ ذَوَابِلٍ مَسْهُنَ الأرضَ تحليلُ لم يَقِهِنَّ رُؤُوسَ الأُكُمِ تَتْعيلُ القَوْدَاءُ: الطَّيلةُ العُثُقِ. والشِمْلِيل: السريعة. والحَرْفُ: الناقة الضامر. وقوله: من مُهَجََّةٍ، أي: من إبل مُهَجََّةٍ مُسْتَكْرمة هِجانٍ. وقوله: أبوها أخوها أي: إنهما من جنس واحد من الكَرَم، وقيل: إنها من فَحْل حَمَلَ على أُمّه فجاءت بهذه الناقة، فهو أبوها وأخوها، وكانت للناقة التي هي أُمُّ هذه بنت أخرى من الفحل الأكبر، فعَمُّها خالها على هذا، وهو عندهم من أكْرَم النتاج، والقول الأوّل ذكره أبو علي القَالي عن أبي سعيد، فالله أعلم. وقوله: أَقْرَابٌ زَهَالِيل، أي: خَواصِر مُلْسَ، واحدُها: زُهْلُول والبِرْطِيلُ: حَجَرٌ طَويلٌ، ويقال: للمِعْوَل أيضًا: برطيلُ. وقوله : ذَوَابِل وَقْعُهُنَّ الأرضَ تَخليلُ تحليل، أي: قليلٌ. يقال: ما أقام عندنا إلاَّ كتَخْلِيل الألِيَّة، وكتَحِلَّة المقسِم، وعليه حمل ابن قُتَيْبة قوله عليه السلام: ((لن تمسَّه النارُ إلاَّ تَحِلَّة القَسَم))، وغلَّط أبا عبيد حيث فسّره على القَسَم حَقِيقَةً. قال القُتَبِيُّ: ليس في الآية قَسَمٌ لأنه قال: ﴿وإنْ مِنْكُم إلاّ وارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] ولم يُقْسِم. قال الخطابي: هذه غَفُلةٌ من ابن قُتَيْبَةً فإن في أوّل الآية: ﴿فَوَرَبُّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشياطينَ﴾ وقوله: ﴿وإن منكم إلاَّ وَارِدُها﴾ داخلٌ تحت القسم المتقدّم. (١) العجايات: جمع عجاية: وهي عظمة بالحافر. (٢) زيم: منكسر. ٢٨٤ كأنَّ أَوْبَ ذِراعَيها وقد عَرِقَتْ يَوْمًا يظلّ به الحِزْباءُ مُصْطَخِدًا وقال للقَوْمِ حادِيهِمْ وقد جعلت شَدَّ النهارِ ذرَاعا عَيْطلٍ نَصَف نَوَّاحة رِخْوَة الضَّبْعين(١) ليسَ لهَا تَفْرِي اللَّبانَ بِكَفَّيْها ومِذْرَعُها تَسْعَى الغُواة جَنابَيها وقوْلُهم وقد تَلفَّع بالقُورِ العَساقيلُ كأنَّ ضَاحِيَهُ بالشَّمْسِ مَمْلُولُ وُزْقُ الجَنادِبِ يَركُضْنِ الحَصا قِيلوا قامت فجاوَبها نُكْدٌ مَثاكِيلُ لَمَّا نَعَى بِكْرِها النَّاعون مَعقولُ مُشَفَّقٌ عن تَراقيها رَعابيلُ(٢) إنّك يا ابنَ أبي سُلْمَى لَمَقْتُولُ وقوله: بالقُور العَسَاقِيل. القُورُ: جمع قَارَة، وهي الحِجَارَةُ السُّودُ. والعَسَاقِيلُ هنا السَّرابُ، وهذا من المقْلُوب، أراد وقد تَلفَّعَتْ القودُ بالعَسَاقِيل. وفيها قوله: تَمْشِي الغُوَاةُ بِجَنْبَيْها، أي: بجَنْبَيْ ناقتهِ . عن القول والقيل إعرابًا ومعنى: و قوله: إنك يا ابن أبي سُلْمَى لمَقْتُول ويُزوى: وقَيْلُهم، وهو أحسن في المعنى، وأولى بالصَّواب؛ لأن القِيلَ هو الكلام المَقُولُ فهو مُبْتَدأ، وقوله: إنك يا ابن أبي سُلْمَى لمَقْتُول: خبرٌ، تقول: إذا سئلت ما قِيلُك؟ قيلي: إن الله واحدٌ، فقولك: إن الله واحدٌ هو القيلُ، والقَوْلُ مصدر كالطّحن والذَّبْح، والقِيلُ اسُمْ لِلْمَقُولِ كالطّخن والذَّبح بكسر أوّله، وإنما حَسُنت هذه الروايةُ، لأن القَوْلَ مصدَرٌ فيصير: إنك يا ابن أبي سُلْمَى في موضع المَفعول فيه، فيبقى المبتدأ بلا خَبَر إلاَّ أن تجعل المَقُول هو القَول على المَجار، كما يُسَمَّى المخلوقُ خَلْقًا، وعلى هذا يكون قوله عزّ وجلّ: ﴿وقيلِه يَا رَبْ﴾ [الزخرف: ٨٨] في مَوْضع البَدَل من القِيل، وكذلك قوله: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا﴾ [الواقعة: ٢٦] مُنْتَصِبٌ بفعل مُضْمَرٍ، فهو في موضع البَدَلِ من قِيلاً وكذلك قوله: ﴿ومَنْ أَصْدَقُ من الله قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] أي: حديثًا مَقُولاً، ومن هذا البابِ مسألةٌ من النحو ذكرها سِيبَوَيْهِ، وابن السراج في كتابه، وأخذ الفارسي منهما، أو من ابن السراج، فكثيرًا ما ينقل من كتابه بلفظه غير أنه أفسد هذه المسألة، ولم (١) الضبعين: لحمتا العضدين. (٢) رعابيل: قطع متفرّقة. ٢٨٥ وقالَ كلُّ صَدِيقٍ كُنتُ آمُلُه فقُلتُ خَلّوا سَبيلي لا أبالكمُ كلُّ ابنٍ أُنثى وإن طالت سلامتُه نُبِئْتُ أنَّ رسولَ اللهِ أو عَدني مَهْلاً مَداك الذي أعطاك نافِلَةَ الـ لا تأخُذَنّي بأقْوَال الوُشاة وَلَمْ لقَد أَقُومُ مَقامًا لو يقُومُ به لظَلّ يَرْعَدُ إلاّ أنْ يكون له حتى وضَعتُ يمينِي ما أُنازِعُه لا أُلْهِيَنْكَ إني عنكَ مَشْغُولُ فكُلُّ ما قَدَّرِ الرَّحمنُ مَفْعُول يَوْمًا على آلةٍ حَذْباء مَخمولُ والعَفْو عند رسولِ اللهِ مأْمُول ـقرآن فيها مَواعيظٌ وتَفْصِيلُ أُذْنِب ولو كَثُرتْ فيَّ الأقاوِيلُ أرَى وأسمعُ ما لو يَسْمعُ الفِيلُ مِنَ الرَّسول بإذْنِ اللهِ تَتْوِيلُ في كفّ ذي نَقِماتِ قِيلُه القيلُ يفهم ما أراد بها، وذلك أنهما قالا: إذا قلت أوّل ما أقولُ: إني أحمد الله، بكسر الهمزةِ، فهو على الحكاية، فظنّ الفارسيّ أنه يريد على الحكاية بالقَوْل، فجعل إني أحمد الله في موضع المفعول بأقول، فلما بقي له المبتدأ بلا خَبَر تكلّف له تقديرًا لا يعقل، فقال: تقديرُه أوّل ما أقول: إني أحمد الله موجود أو ثابت، فصار معنى كلامه: إلى أن أَوَّلَ هذه الكلمة التي هي إني أحمد الله موجودٌ أي: أوَّلُ هذه الكلمة مَوْجُودٌ، فآخرها إذًا مَعْدُومٌ، وهذا خُلْفٌ من القَوْل، كما ترى، وقد وافقه ابنُ جِنِّي عليه، رأيته في بعض مسائله، قال: قلت لأبي عَليٍّ لم لا يكون: إني أحمد الله في موضع الخبر، كما تقول: أوّل سورة أقرأها: ﴿إِنا أَعْطَيْنَاكِ الكَوْثَرِ﴾ [الكوثر: ١] أو نحو هذا ولا يحتاج إلى حذف خبر، قال: فسكت ولم يجد جوابًا، وإنما معنى هذه المسألة أوّل ما أقول، أي: أوّل القيلِ الذي أقوله إني أحمد الله على حكاية الكلام المَقُول، وهذا الذي أراد سيبويه، وأبو بكر بن السراج، فإن فتحت الهمزة من أنَّ صار معنى الكلام أوّلُ القول لا أوّل القِيل، وكانت ما واقعةً على المصدر، وصار معناه: أوّل قولي الحمدُ إذ الحمدُ قولٌ ولم يُبَيّن مع فتح الهمزة كيف حَمد الله، هل قال: الحمد لله بهذا اللفظ، أو غيره، وعلى كسر الهمزة قد بيّن كيف حمد حين افتتح كلامَه، بأنه قال: إني أحمد الله بهذا اللفظ، أو غيره وعلى كسر الهمزة قد بيّن كيف حمد حين افتتح كلامَه، بأنه قال: إني أحمد الله بهذا اللفظ لا بلفظ آخر، فقف على هذه المسألة، وتدبرها إعرابًا ومعنى، فقلّ: من أَحْكمَها وحسْبُك أنَّ الفارِسِيَّ لم يفهم عَمَّن قبله، وجاء بالتخليط المتقدّم، والله المستعان. ٢٨٦ فَلَهْوَ أخوفُ عندي إذْ أكلْمُه منْ ضَيْغَم بضَراء الأرضُ مِخْدَرُهُ يَغْدُو فَيَلْحَمُ ضِرْغامين عِيشُهما إذا يُساوِر قِرْنًا لا يَحِلّ لهُ منه تَظَلّ ◌ِباع الجوْ نافرةً ولا يزَالُ بوَاديه أخُو ثِقَةٍ إنّ الرَّسول لنُورٌ يُسْتَضاءُ به في غصُبةٍ من قُريشٍ قال قائلُهم زالُوا فمَا زال أنْكاسٌ ولا كُشُف شُمُّ العرانين أبطال لَبُوسُهُم بِيضٌ سَوَابغ قد شُكَّت لهَا خَلَق وقيلَ إِنَّكَ مَنْسوبٌ ومَسْؤُولُ في بَطْن عَثَّر غِيلٌ دونهُ غيلُ لَخمّ من النَّاسِ مَعْفُورٌ خَراديلٌ أن يترُك القِزْن إلاّ وهو مَفْلُولُ ولا تَمشي بواديه الأراجيلُ مُضَرَّجُ البزّ والدُّزْسانِ مَأكول مُهَنَّدٌ من سُيوف الله مَسلول ببَطن مكَّة لمَّا أسْلَمُوا زُولُوا عند اللقاء ولا مِيل مَعازِيلُ من نَسْجِ داوُد في الهَيْجا سَرَابيلُ كأنها حَلَقِ القَفْعاء مَجْدُولٌ عود إلى بانت سعاد: والخراديل: القِطع من اللحم، وفي الحديث في صفة الصِّراط: فمنهم المُوبَقُ بعَمله، ومنهم المُخَرْدَلُ، أي: تُخَرْدِلُ لَحْمَه الكلاليبُ التي حَوْل الصِّرَاط، سمعت شيخَنا الحافظَ أبا بكر رحمه الله يقول: تلك الكَلاَليبُ هي الشَّهِوات، لأنها تجذب العبدَ في الدنيا عن الاسْتِقامة على سواءِ الصَّراطِ، فَتُمَثّل له في الآخرة على نحو ذلك. وقوله: بضَرَاءِ الأرضِ. الضَّرَاءُ: ما وَارَاك من شَجَرٍ، والخَمَرُ: ما واراك من شَجَرٍ وغيره . وقوله: بواديه الأراجِيلُ، أي: الرَّجَّالة، قيل: إنه جَمْعِ الجَمْع، كأنه جَمع الرَّجْلَ، وهم الرَّجَّالة على أرجُل، ثم جمع أَرْجُلا على أَرَاجِل، وزاد الياء ضَرُورةً. والدَّرْسُ: الثوبُ الخَلَقُ. والفَقْعاءُ: شجرة لها ثمر كأنه حِلِقٌ. ويُروى أن النَّبِيَّ - ◌َل ـ ـ حين أنشده كعب: إن الرسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِه مُهَنَّدٌ من سيُوفِ الله مَسْلُولُ نظر إلى أصحابه كالمعجب لهم من حسن القول وجودة الشعر. ٢٨٧ قَوْمًا وليسُوا مجَازِيعًا إذا نيلوا ليسُوا مَفارِيح إن نالت رِماحُهُم ضَرْبٌ إذا عَرَّد السُّودُ التَّنابِيلُ يَمْشُونَ مَشْيَ الجمال الزُّهْرِ يَعصِمهم وما لَهُم عَن حياض الموت تهليل لا يَقَع الطَّعْنُ إلاّ في نُحورهمُ قال ابن هشام: قال كعب هذه القصيدة بعد قدومه على رسول الله وسلم المدينة وبيته: ((حَرْف أخوها أبوها)) وبيتُه: ((يمشي القُرَاد)) وبيته (عَيْرَانَةٌ قُذِفَتْ))، وبيته: ((تُمِرُّ مثلَ عَسِيبِ النَّخْلِ))، وبيته: (تَقْرِي اللَّبان) وبيته: ((إذا يُساوِرُ قِرْنًا)) وبيته: ((وَلا يزال بواديه)): عن غير ابن إسحق. استرضاء كعب الأنصار بمدحه إياهم: قال ابن إسحاق: وقال عاصم بن عُمَر بن قَتَادَة: فلما قال كعبٌ: ((إذا عرَّد السُّودُ التَّنابيل))، وإنما يريدُنا معْشَر الأنصارِ، لِمَا كان صاحبنا صنَعَ به ما صنع، وخصَّ المهاجِرِين من قريش من أصحاب رسول الله وَ﴿ بمِدحته، غضِبَت عليه الأنصار؛ فقال بعد أن أسْلم يَمْدَحُ الأنصار، ويذكر بلاءهم مع رسول الله ◌َّهُ، وموضِعَهُم من الْيَمَن: في مِقْنَب من صالحي الأنصارِ مَن سَرّهُ كرمُ الحياةِ فلا يزَلْ إنَّ الخِيارَ هُمُ بنُو الأخيارِ ورِقُوا المَكارِمَ كابِرًا عَن كابرٍ كَسَوَالِف الهِنديّ غير قِصار المُكْرِهين السَّمْهريُّ بأذرعِ كالجَمْر غير كَليلة الأبصارِ والنَّاظِرِينَ بِأَعْيُنٍ مُحمَرَّةٍ وقوله : ليس لهم عن حياض الموت تَهْليلُ التهليلُ: أي يَنْكصُ الرجلُ عن الأمر جُبْنًا . وقوله في الأنصار: ضَرَبُوا عليًّا يوم بَذْرٍ ضَرْبةً بنو علي: هم بنو كِنَانَةً، يقال لهم: بنو عَليَّ لما تقدّم ذكره في هذا الكتاب، وأراد: ضربوا قريشًا لأنهم من بني كنانة. وقوله: إذا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيل: جمع تِنْبَالٍ وهو القصير، وقوله: عَرَّدَ، أي: هرب. قال الشاعر : ويَنْبُشُ عنه كلبُه وهو ضارِبُه يُعَرِّد عنه صحبُه وصديقه ٢٨٨ والبائعينَ نُفوسَهُم لنبيُّهم والقائدينَ النَّاسَ على أذْيانِهمْ يتطهَّرُون يَرَوْنَهُ نُسْكًا لَهُم "دَرِبوا كما دَرِبَتْ ببطن خَفِيَّة وإذا حَلَلْتَ لِيَمْنَعوك إليهِمُ ضَرَبُوا عَلِيًّا يَوْمَ بَدْرٍ ضَرْبَةً لو يعلمُ الأقوامُ عِلْمِيَ كلَّه للْمَوْتِ يومَ تعانُقٍ وكِرَارٍ بالمَشْرَفِيّ وبالقَنا الخَطَّارِ بدِماء مَنْ عَلِقُوا مِنَ الكُفّارِ غُلْبُ الرقاب من الأسود ضَوَارِي أصْبَحْتَ عند مَعاقل الأعمارِ دانَتْ لوَقْعَتِهِا جمیعُ نِزَارِ فيهمْ لصَدَّقني الذين أُمارِي للطّارِقِينِ الثَّازِلينَ مَقاري قومٌ إذا خوَتِ النُّجومُ فإنهم في الغُرُّ مِن غسَّانَ من جُرْثومةٍ أَغْيَتْ مَحَافِرُها على المِنْقَارِ قال ابن هشام: ويقال إن رسول الله وسل﴿ل قال له حين أنشده: ((بانت سُعادُ فقلبي اليوم متبول)): لَوْلا ذكرت الأنصار بخير، فإنهم لذلك أهل، فقال كعب هذه الأبيات، وهي في قصيدة له. علّة السواد في أهل اليمن وشرح بيت لحسَّان: وجعلهم سُودًا لمَا خَالطَ أهل اليمن من السُّودان عند غَلَبة الحَبَشَةِ على بلادهم، ولذلك قال حسَّان في آل جَفْنَةً : أولاد جَفْئَةً حَوْل قبر أبيهم بيضُ الوُجوه من الطّرازِ الأوَّل يعني بقوله: من الطّرازِ الأوّل، أن آل جَفْنَةً كانوا من اليَمَن، ثم اسْتَوْطُوا الشام بعد سَيْلِ العَرِم، فلم يخالطهم السُّودان كما خالطوا مَنْ كان من اليمن، من الطّراز الأوّل الذي كانوا عليه في ألوانهم وأخلاقهم. وقوله: حول قبر أبيهم، أي: إنهم لعِزْهم لم يَجْلُوا عن منازلهم قَطّ، ولا فَارقوا قبر أبیھم. مدح آخر لكعب: ومما أجاد فيه كعب بن زُهَيْرِ قولُه يمدح النبيِّ ◌َّ: ـم بالبُرْدِ كالبَدْرِ جَلْى ليلَةِ الظُّلَـ تُخدِي به الناقةُ الأَدْمَاءُ مُعْتَجرًا الروض الأنف/ ج ٤/ م ١٩ ٢٨٩ قال ابن هشام: وذكر لي عن عليّ بن زيد بن جُدْعان أنه قال: أنشد كَعْب بن زُهَير رسولَ الله ◌َّ في المسجد: ((بانَتْ سُعادُ فقلبي اليومَ مَثْبول)» فَفِي عَطَافَيْه أو أَثْنَاءِ بُرْدَتِه ما يعلم الله من دِينٍ ومِنْ كُرِم ٢٩٠ غزوة تبوك في رجب سنة تسع التهيؤ لتبوك: قال: حدّثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحق المطلبي، قال: ثمَّ أقام رسولُ اللهِ وَ لَه بالمدينة ما بين ذي الحِجَّة إلى رجب، ثم أمر الناسَ بالتَّهَيُّؤِ لغزو الرّوم وقد ذكر لنا الزهري ويزد بن رُومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم من علمائنا، كلّ حدث في غزوة تبوكَ ما بلغه عنها، وبعضُ القوم يحدّث ما لا يحدّث بعض: أن رسولَ الله وَلَل أمر أصحابه غزوة تبوك (١) سُمِّيَتْ بعين تَبُوك، وهي العين التي أمر رسولُ الله - وَّر ◌ِ الناسَ ألاّ يَمَسُوا من مائها شَيْئًا، فسببق إليها رجلان، وهي تَبِضُ بشيء من ماءٍ، فجعلا يدخلان فيها سَهْمَيْن ليكثر ماؤُها، فسبَّهما رسولُ اللهِ وَ لَّ، وقال لهما: ((ما زلتُما تُبُوكَانِها منذ اليوم))(٢) فيما ذكر القتّبيُّ، قال: وبذلك سُمِّيت العينُ تَبُوك، والبَوْكُ كالنَّقْشِ والحفر في الشيء، ويقال منه: باكَ الحمارُ الأتانَ يَبُوكها إذا نَزا عليها. ووقع في السّيرة: فقال: ((مَنْ سَبَقَنا إلى هذا؟)) فقيل له: يا رسول الله، فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ، وقال الواقدي: فيما ذكر لي، سبقه إليها أربعة من المنافقين مُعَتِّبُ بنُ قُشَيْر، والحارثُ بن يَزِيد الطّائِيّ، ووَدِيعَةُ بن ثَابِتٍ، وَزَيْدُ بن لُصَيْتٍ. (١) انظر البداية (٢/٥) الطبري (١٠٠/٣) الطبقات (١١٨/١/٢) الكامل (١٤٩/٢) المنتظم (٣٦٢/٣) الواقدي (٩٨٩/٣) شرح المواهب (٦٢/٣) الزاد (٥٢٦/٣) ابن سيد الناس (٢١٥/٢). (٢) انظر الفتح (١١١/٨). ٢٩١ بالتَّهيُّؤْ لغزو الرّوم، وذلك في زَمان من عُسْرة الناس، وشِدّة من الحَرّ، وجذبٍ من البلاد: وحين طابت الثمار، والناس يُحبُّون المُقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشُّخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه؛ وكان رسولُ الله وَلِّ قَلَّما يخرج في غزوة إلا كَنّى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يَضْمُدُ له، إلاّ ما كان من غزوة تَبَوكَ، فإنه بيَّنِها للناس، لِيُعد الشُّقَّة، وشدّة الزمان، وكثرة العدوّ الذي يضمُد له، ليتأهّب الناس لذلك أُهْبَته، فأمر الناسَ بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الزّوم. شأن الجدّ بن قيس: فقال رسُول الله وَّ ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجدّ بن قيس أحد بني سَلِمَة: ((يا جَدّ، هل لك العَامَ في جِلاَد بني الأصفر؟)) فقال: يا رسول الله، أوَ تأذنُ لي ولا تفْتِنِّي؟ فوالله لقد عَرَف قومي أنه ما من رجل بأشدّ عُجْبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيتُ نساءَ بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسولُ اللهِ وَلِّ وقال: ((قد أذنتُ لك)). ففي الجَدِّ بن قيس نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اثْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي إلاّ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطَوا وَإِنَّ جَهَنَّم لَمُحِيطَةٌ بالكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩]. أي إن كان إنما خشي الفتنة من نساء بني الأصفر، وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة أكبر، بتخلّفه عن رسولٍ الله وَهُ، والرغبة بنفسه عن نفسه، يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمِنْ وَرَائِهِ﴾. المنافقون المثبطون: وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تَنْفِروا في الحرّ، زهادة في الجهاد، وشكّا في الحقّ، وإرجافًا برسولِ الله وَّرَ، فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الحَرّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءٌ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨١، ٨٢]. وذكر الجَدَّ بن قَيْسٍ، وقولَ النبيّ وََّ له: ((يا جَدُّ هل لك العَامَ في جِلاَد بني الأصفر)) (١)، يقال: إن الرّومَ قيل لهم بنو الأصفر، لأن عيصو بن إسحق كان به صُفْرَةٌ، وهو جَدُّهم، وقيل: إن الرُّومَ بن عيصو هو الأصفر، وهو أبوهم، وأُمُّه نَسْمَةُ بنت إسماعيل، وقد ذكرنا في أوّل الكتاب مَنْ وَلَدت من الأمم، وليس كلُّ الرّوم من ولد بني الأصْفَرِ، فإن الرّومَ الأُوَّلَ هم فيما زعموا من ولد يُونَان بن يَافِثِ بن نُوحٍ، والله أعلم بحقائق هذه الأشياء وصحّتها. (١) انظر الترمذي (٣٧٠٢) وأحمد (٦٣/٥). ٢٩٢ شعر الضحَّاك في تحريق بيت سويلم: قال ابن هشام: وحدّثني الثقة عمن حدّثه، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة، عن أبيه، عن جدّه، قال: بلغ رسولَ اللهِ وَلَّ، أنّ ناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت سُوَيْلِم اليهوديّ، وكان بيته عند جاسومَ، يُثَبِّطونَ النَّاسَ عن رسول اللهِ وَّهَ في غزوة تَبُوكَ، فبعث إليهم النبيُّ ◌َّل طلحةً بن عُبيد الله في نفر من أصحابه، وأمَرهُ أن يُحَرِّق عليهم بيت سُوَيْلِم، ففعل طلحة. فاقتحَم الضَّحاكُ بنُ خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجلُه، واقتحم أصحابه، فَأَقْلَتُوا. فقال الضحاك في ذلك: يَشِيطُ بها الضَّحَّاكُ وابنُ أُبَيْرِقِ كادَتْ وبَيْتِ الله نارُ محمَّدٍ أنوءُ على رجلي كَسِيرًا ومِرْفَقي وظَلْتُ وقد طبَّقتُ كِبْسَ سُوَيْلِمٍ أخاف ومن تَشْمَلْ به النارُ يُخْرَقِ سَلامٌ علَيكم لا أعودُ لمِثْلِها حضّ أهل الغنى على النفقة: قال ابن إسحاق: ثم إن رسولَ اللهِ وَ ◌ّرَ جَدّ في سفره، وأمَر الناس بالجهاز والانكماش، وحضّ أهلَ الغنى على النَّفقة والحُمْلان في سبيل الله، فحَمَل رجالٌ من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفقَ عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة، لم يُنْفِقِ أحدٌ مثلَها. قال ابن هشام: حدّثني من أثق به: أن عثمان بن عفَّان أنفق في جيش العُسْرَة في غزوة تَبُوك ألف دينار، فقال رسولُ الله ◌ِّر: ((اللهم ارضَ عن عثمان، فإني عنه راضٍ))(١). قصّة البكّائين والمعذرين والمتخلّفين : قال ابن إسحاق: ثم إن رجالاً من المسلمين أتَوْا رسولَ الله وَّر، وهم البكاءون، وهم سبعةُ نفَر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عَوْف: سالم بن عُمَير، وعُلْبَة بن زيد، أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كَعْب، أخو بني مازن بن النَّجَّار، وذكر يونسٍ بِأَثْرٍ حديث الجَدِّ بن قَيْس عن عَبْد الحميد بن بَهْرَامَ عن شَهْر بن حَوْشَبٍ عن عَبْدِ الرحمن بن غَنْم أن اليهود أَتَوا النبيّ وَلّ يومًا، فقالوا: يا أبا القاسم إن كنتَ صادقًا أنك نبيّ فالْحَقْ بالشَّام، فإن الشامَ أرضُ المَحشَرِ وأرض الأنبياء، فصدّق (١) انظر البداية (٤/٥) والكنز (٣٨٤٢) وجمع الجوامع (٩٧٨٨) والإرواء (٢٣١/١). ٢٩٣ وعمرو بن حُمام بن الجَموح، أخو بني سَلَمَةَ، وعبد الله بن المغفّل المُزَنيّ - وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله الفَزَاريّ. فاستحملوا رسولَ اللهِ وَّرَ، وكانوا أهْلَ حاجة، فقال: ((لا أجد ما أخمِلُكم عليه))، فتولَّوْا وأعينهم تفيض من الدّمع حَزَنًا ألا يجدوا ما يُنفِقون. قال ابن إسحاق: فبلغني أنَّ ابن يامين بن عُمَيْر بن كَعْب النَّضْري لَقيَ أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد الله بن مُغَفَّل وهما یبکیان، فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسولَ الله وَل و ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوّى به على الخروج معه؛ فأعطاهما ناضِحًا له، فارتحلاه، وزوّدهما شيئًا من تمر، فخرجا مع رسول . الله وَجلاء. قال ابن إسحاق: وجاءه المعذّرون من الأعراب، فاعتذروا إليه، فلم يَعذِرهم الله تعالى. وقد ذُكر لي أنهم نَفَرٌ من بني غفار. ثم استَتَبّ برسول الله وََّ سفره، وأجمَع السيرَ، وقد كان نفرٌ من المسلمين أبطأت بهم النيةُ عن رسول الله وَّر، حتى تخلّفوا عنه، عن غير شكّ ولا ارتياب: منهم: كعبُ بن مالك بن أبي كعب، أخو بني سَلمة، ومُرارة بن الربيع، أخو بني عمرو بن عوف، وهلالُ بن أَميَّة، أخو بني واقف، وأبو خيثمة، أخو بني سالم بن عوف. وكانوا نفر صِدق، لا يتهمون في إسلامهم. فلما خرج رسولُ اللهِ وَّرَ ضرب عسكَرَه على ثَنِيَّة الوداع. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة محمد بن مَسْلَمةَ الأنصاريّ. وذكر عبد العزيز بن محمد الدَّراوَزديّ عن أبيه: أن رسول الله وَّ استعمل على المدينة، مَخْرَجه إلى تَبوكَ: سباعُ بن ◌ُزْفُطَة . ، المنافقون المتخلّفون: قال ابن إسحاق: وضرب عبد الله بن أبيّ معه على حِدَةٌ عسكرَه أسفل منه، نحو ذُباب، وكان فيما يزعمون ليس بأقلّ العسكرين. فلما سار رسولُ اللهِ وَّر تخلّف عنه عبد الله بن أبيّ، فيمن تخلَّف من المنافقين وأهل الرَّيْب. النبيّ - نَّ﴿ - ما قالوا فغزا غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يريد إلاّ الشَّامَ، فلما بلغ أنزل الله تعالى عليه آيات مِنْ سُورَة بني إسرائيل بعد ما خُتِمَتْ السورةُ ﴿وإن كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك من الأرض ليُخْرِجُوك منها وإذًا لاَ يَلْبَثُون خلافك﴾ - إلى قوله -: ﴿تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٦، ٧٧]. ٢٩٤ إرجاف المنافقين بعليّ: وخَلْفِ رسولُ اللهِ وَّرَ عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، على أهْلِهِ، وأمَرَه بالإقامة فيهم، فأرجَف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلاّ استثقالاً له، وتخفُّفًا منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسولَ الله ◌َّ وهو نازل بالجُرْف، فقال: يا نبيّ الله، زَعَم المنافقون أنّك إنَّما خلّفتني أنك استَثْقَلْتني وتخفّفْتَ مني؛ فقال: ((كذبوا، ولكنني خَلْفْتك لما تركتُ ورائي، فارجع فاخْلُفنِي في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّ بمنزلة هارون من موسى؟ إلاّ أنه لا نبيّ بعدي))، فرجع عليّ إلى المدينة؛ ومَضَى رسولُ اللهِ وَلَ على سفره(١) . قال ابن إسحاق: وحدّثني محمدُ بن طلحة بن يَزيد بن رُكانة، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه سعد: أنه سمع رسولَ الله وَّه يقول لعلي هذه المقالة. قال ابن إسحاق: ثم رجع عليّ إلى المدينة، ومضى رسولُ اللهِ وَ لّ على سفره. قصّة أبي خيثمة: ثم إنّ أبا خَيثمة رجع بعد أن سار رسولُ الله ◌َّ أيّامًا إلى أهله في يوم حارّ، فوجَد امرأتين له في عريشين لَهُما في حائِطه، قد رشَّت كلُّ واحدة منهما عريشها، وبرَّدت له فيه ماءً، وهيّأت له فيه طعامًا. فلما دخل، قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسولُ اللهِ وَّر في الضَّحّ والرّيح والحرّ، وأبو خيثمة في ظلّ بارد، وطعام مهيَّأ، وامرأةٍ حسناء، في ماله مقيم، ما هذا بالنَّصَف! ثم قال: والله لا أدخُلُ عريش واحدة منكما حتى ألحَق برسول الله وَّ، فهيّئا لي زادًا، ففعلتا. ثم قدَّم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسولِ الله وَّر حتى أدركه حين نزل تَبوك. وقد كان أدرك أبا خيثمة عُمَيرُ بن وهب الجمحيّ في الطريق، يطلب رسولَ اللهِ وَّر، فترافقًا، حتى إذا دنَوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبًا، فلا عليك أن تَخلَّفَ عني حتى آتي رسولَ اللهِ وَرَ، ففعل، حتى إذا دنا من رسولِ اللهِ وَّه وهو نازل بتبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق مُقْبل؛ فقال رسولُ الله وَلَه: ((كن أبا خيثمة))؛ : فأمره بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها مَحْيَاكَ، وفيها مَمَاتُك، ومنها تبعث، ثم قال: ﴿أَقِم الصلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ إلى قوله: ﴿مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨، ٧٩] فرجع النبيّ ◌َّ (١) انظر البخاري (٨٦/٨) ومسلم (٢٤٠٤). ٢٩٥ فقالوا: يا رسول الله هو والله أبو خيثمة. فلما أناخ أقبل فسلَّم على رسولِ الله وَّ؛ فقال له رسولُ اللهِ وَّ: ((أولى لكَ يا أبا خيثمة)). ثم أخبر رسولَ الله وَّر الخبر؛ فقال له رسولُ اللهِ وَلّل خيرًا، ودعا له بخير. قال ابن هشام: وقال أبو خيثمة في ذلك شعرًا، واسمه مالك بن قَيْس: أتيتُ التي كانَتْ أعَفَّ وأكْرَما لَمَّا رأيتُ النَّاسَ في الدين نافَقُوا فلم أكتسِب إِثْمًا ولم أغْشَ مَخْرَما وبايَعْتُ باليُمْنَى يدي لمُحَمَّد صَفايا كِرَامًا بُسْرُها قد تحمَّما تركتُ خضِيبًا في العَريش وصِرمَة إلى الدين نفسي شطره حيثُ يمَّما وكنت إذا شكّ المنافقُ أسمَحَتْ مرور النبيّ ◌َّ بالحجر: قال ابن إسحاق: وقد كان رسولُ اللهِ وَلَ﴿ حين مرّ بالحِجْر نزلها، واستقَى الناسُ من بئرها، فلما راحوا قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((لا تَشْرَبُوا من مائها شيئًا، ولا تَتَوَضّؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلِفُوه الإبلَ، ولا تأكلوا منه شيئًا، ولا يخرُجنَّ أحد منكم الليلة إلاّ ومعه صاحب له))، ففعل الناس ما أمرهم به رسولُ اللهَ وَّر، إلاّ أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدُهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خُنق على مَذْهبه؛ وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح، حتى طرحته بجبلي طيىء. فأخْبِر بذلك رسولِ الله وَله، فقال: ((ألم أنهكم أن يخرج منكم أحدٌ إلّ ومعه صاحبه)). ثم دعا رسولُ اللهِ وَّرَ للَّذِي أُصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر الذي وقع بجبلي طيىء، فإن طيّئًا أهدته لرسولِ الله وَّ حين قَدِم المدينة. والحديث عن الرجلين عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباس بن سَهل بن سعد السَّاعديّ، وقد حدّثني عبدُ الله بن أبي بكر أن قد سمَّى له العبَّاسُ الرجلين، ولكنه استؤْدَعه إياهما، فأبى عبد الله أن يسمِّيَهُما لي. قال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مرّ رسولُ اللهِ وَ لَ﴿ بالحِجْر سجَّى ثوبه على وجهه، واستحَثَّ راحلته، ثم قال: ((لا تدخلوا بيوتَ الذين ظلموا إلاّ وأنتم باكون، خوفًا أن يُصيبكم مثلُ ما أصابهم)) . قال ابن إسحاق: فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكّوْا إلى رسولِ الله وَلَرَ، فدعا فأمره جبريلُ، فقال: سَلْ رَبَّك، فإن لكل نبيّ مَسْأَلَةً، وكان جبريلُ عليه السلام له ناصحًا، وكان محمد رَّه له مُطَيعًا، فقال: ما تأمرني أن أسأل؟ قال: ﴿قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ ٢٩٦ رسولُ اللهِ وَلَّ، فأرسل الله سبحانه سحابةً فأمطرت حتى ارْتوَى الناس، واحتملوا حاجَتهم من الماء. قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل، قال: قلت لمحمود: هل كان الناس يعرفون النِّفاق فيهم؟ قال: نعم والله، إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمّه وفي عشيرته، ثم يَلبسُ بعضهم بعضًا على ذلك. ثم قال محمود: لقد أخبرني رجالٌ من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقُه، كان يسير مع رسولِ الله وَّر حيث سار؛ فلما كان من أمر الناس بالحِجر ما كان، ودعا رسولُ اللهِ وَلّ حين دعا، فأرسل الله السَّحابةَ، فأمطَرت حتى ازْتَوى الناس، قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويُحَك، هل بعد هذا شيء! قال: سحابةٌ مارّة . مقالة ابن الْلصّيت: قال ابن إسحاق: ثم إن رسولَ الله ◌َ و سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلَّتْ ناقته، فخرج أصحابُه في طلبها، وعند رسول الله وَ﴿ رجل من أصحابه، يُقال له: عُمارة بن حزم، وكان عَقَبِيًّا بَذْرِيًّا، وهو عمّ بني عمرو بن حزم، وكان في رَحْله زيدُ بن الْلَصَيْتَ القَيْنُقاعي، وكان منافقًا. قال ابن هشام: ويقال: ابن لُصيب، بالباء. قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل، قالوا: فقال زيد بن الْلصَيت، وهو في رحل عمارة، وعمارة عند رسول الله وَالر: أليس محمد يزعم أنه نبيّ، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسولُ اللهَ وَّل وعمارة عنده: إن رجلاً قال: هذا محمَّدٌ يخبركم أنه نبيّ، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله ما أعلم إلاّ ما علّمني الله وقد دلّني الله عليها، وهي في هذا الوادي، في شِعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلِقُوا حتى تأتوني بها، فذهبوا، فجاءوا بها. فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال: والله لَعجَب من شيء حَدَّثَنَاه رسولُ اللهِ وَّهِ آنفًا، عن مقالة قائل أخبره الله صِدْقٍ وأخرجني مُخْرِج صِدْقٍ واجْعَلْ لي من لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ وهؤلاء نزلن عليه في رَجْعَتِه من تَبُوكَ (١) (١) أخرجه الترمذي. ٢٩٧ عنه بكذا وكذا، للذي قال: زيدُ بن لُصَيْت؛ فقال رجل ممن كان في رحل عُمارة ولم يحضُر رسول الله وَله: زيدٌ والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي. فأقبل عُمارة على زيد يجافي عُنقه ويقول: إليَّ عباد الله، إنَّ في رحلي لداهيةً وما أشعر، أَخْرُجْ أَيْ عدوَّ الله من رحلي، فلا تَضْحبْني. قال ابن إسحاق: فزعم بعضُ الناس أن زيدًا تاب بعد ذلك؛ وقال بعض الناس: لم يزل مُتَّهِمًا بِشَرّ حتى هَلك. إبطاء أبي ذرّ ثم مضى رسولُ اللهِ وَ لَ سائرًا، فجعل يتخلَّفُ عنه الرجُل، فيقولون: يا رسول الله، تخَلَّف فلان، فيقول: ((دعوه، فإن يك فيه خير فسيُلْحِقُه الله تعالى بكم، وإن يَكُ غير ذلك فقد أراحكم الله منه)»، حتى قيل: يا رسول الله، قد تخَلَّف أبو ذَرّ، وأبطأ به بعيرُه؛ فقال: ((دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقُه الله بكم، وإن يك غيرُ ذلك فقد أراحكم الله منه))؛ وتلوَّم أبو ذرَّ على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعَه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثَّرَ رسولِ اللهِ وَ لَّ ماشيًا. ونزل رسولُ الله في بعض منازله، فنظر ناظرٌ من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده؛ فقال رسولُ اللهِ وَلّ: (كُنْ أبا ذر)). فلما تأمَّله القومُ قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذَرّ، فقال رسولُ الله ◌َلجر: ((رحم الله أبا ذرّ يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده)). إيطاء أبي ذرّ فصل: وذكر أبا ذَرِّ الغِفَاري، وإبطاءَه. واسمُه: جُنْدُبُ بن جُنَادَةَ، هذا أصحّ ما قيل فيه، وقد قيل فيه: بَرِيرُ بن عِشْرِقَةَ، وجُنْذُب بن عَبْد الله، وابن السكن أيضًا. وقول النبيّ وَّهِ: (كُنْ أبا ذَرِّ)(١)، وفي أبي خَيْئَمَةَ: ((كن أبا خَيْئَمَةَ))(٢)، لفظُه لفظُ الأمر، ومعناه الدعَاءُ، كما تقول: أَسْلِمْ سَلَّمَكَ الله. إعراب كلمة وحده: وقوله في أبي ذَرِّ: ((رحم الله أبا ذَرِّ يمشي وَحْدَه، ويموت وَحْدَه))(٣)، أي: يموت (١) أخرجه الحاكم (٥٠/٣) والبيهقي في الدلائل (٢٢٢/٥) والطبري في تاريخه (١٧٤/٢) البخاري (٨٦/٨). (٢) أخرجه البخاري (٨٦/٨) ومسلم في التوبة (٥٣) والبيهقي في الدلائل (٢٢٣/٥) والطبري في تاريخه (٢٢/٢) والطبراني في الكبير (٣٨/٦) وانظر الفتح (١١٩/٨). (٣) أخرجه الحاكم (٣/ ٥٠). ٢٩٨ . وقال ابن إسحق: فحدّثني بُرَيْدَة بن سفيانَ الأسلميّ، عن محمد بن كَعب القُرظي، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما نفى عثمانُ أبا ذرّ إلى الرّبَذَةِ، وأصابه بها قدَره، لم يكن معه أحدٌ إلاّ امرأتُه وغلامه، فأوصاهما أن اغسلاني وكفّناني، ثم ضَعاني على قارعة الطَّريق، فأوّل رَكْب يمرّ بكم فقولوا: هذا أبو ذرّ صاحبُ رسولِ اللهِ وَّرَ، فأعينونا على دفْنِهِ. فلما مات فعلا ذلك به. ثم وضعاه على قارعة الطريق: وأقبل عبدُ الله بن مسعود في رَهْطِ من أهل العراق عُمَّار، فلم يَرُغهم إلاّ بالجنازة على ظهر الطَّريق، قد كادت الإبل تَطؤُها، وقام إليهم الغلام. فقال: هذا أبو ذرّ صاحب رسولِ الله وَّرَ، فأعينونا على دفنه. قال: فاستهلّ عبد الله بن مسعود يبكي ويقول: صدق رسولُ اللهِ وَّل، تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتُبْعَث وحدك. ثم نزل هو وأصحابه فوارَوهُ، ثم حدّثهم عبد الله بن مسعود حديثه، وما قال له رسولُ الله وَّر في مسيره إلى تبوك. تخذيل المنافقين للمسلمين وما نزل فيهم: قال ابن إسحاق: وقد كان رَهْطٌ من المنافقين، منهم وديعة بن ثابت، أخو بني عمرو بن عوف، ومنهم رجل من أشجع، حلف لبني سَلمة، يقال له: مُخَشِّن بن حُميِّر - قال ابن هشام: ويقال: مَخْشيٍّ - يُشيرون إلى رسولِ اللهِ وَ له وهو منطلق إلى تَبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسِبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا! والله لكأنًا بكم غدًا مُقَرّنين في الحبال، إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين، فقال مُخَشِّن بن حُمَيِّر: والله لودَذْت أني أقاضيَ على أن يُضْرب كل رجل منَّا مائة جَلْدَةٍ، وإنَّا نَنْقَلِتُ أن يَنْزِل فينا قرآن لمقالتكم هذه. وقال رسولُ اللهِ وَّر - فيما بلغني - لعَمَّار بن ياسر: ((أدرك القوم، فإنهم قد اخترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقُل: بلى، قلتم كذا وكذا)). فانطلق إليهم عمَّار، فقال ذلك لهم: فأتوا رسول الله ◌َّلتر يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت، ورسول الله وَّه واقف على ناقته، فجعل يقول وهو آخذ بحَقَبها: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب؛ فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَلَئِنْ سألْتَهُمْ لَيَقُولُنْ إنَّ كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]. وقال مُخَشَّن بن حُمَيِّر: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي، وكأن الذي عُفِي عنه في هذه الآية مُخَشِّن بن حُمَيِّر، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله تعالى أن يقتله شهيدًا لا يُعْلَم بمكانه، فقُتل يوم اليمامة، فلم يوجد له أثر. منفردًا، وأكثر ما تستعمل هذه الحالُ لنفي الاشتراك في الفعل نحو كلّمني زيدٌ وحده، أي: منفردًا بهذا الفعل، وإن كان حاضرًا معه غيره، أي: كلّمني خصوصًا، وكذلك لو قلت: ٢٩٩ الصلح مع صاحب أيلة: ولما انتهى رسولُ اللهِ وَّهِ إلى تَبُولَ، أتاه يُحَنَّةُ بن رُؤْبَةً، صاحب أيْلة، فصالح رسولَ الله وَله، وأعطاه الجِزْية، وأتاه أهل جَرباء وأذْرُح، فأعطوه الجزية، فكتب رسولُ الله وَلخر لهم كتابًا، فهو عندهم. كتاب الرسول لصاحب أيلة: فكتب ليُحَنَّةَ بن رؤبة: بسم الله الرحمن الرحيم: هذه أمَنَةٌ مِنَ اللهِ ومحمدٍ النبيّ رسول اللهِ وَّهَ ليُحَنَّةَ بن رُؤبة وأهل أيلة، سُفنهم وسيَّارتهم في البرّ والبحر: لهم ذمَّة الله، وذمَّة محمد النبيّ، ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حَدَثًا، فإنه لا يحول ماله دُونَ نفسه، وإنه طَيِّبٌ لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحلّ أن يُمْنَعوا ماء يَردونه، ولا طريقًا يُريدونه، من برّ أو بحر. كلّمته من بينهم وَحْدَه، كان معناه خصوصًا كما قرّره سيبويه، وأما الذي في الحديث، فلا يتقدَّر هذا التقدير، لأنه من المحال أن يموت خصوصًا، وإنما معناه: مُنْفَرِدًا بذاته، أي: على حِدّتِه، كما قال يونُس، فقول يونْسَ صالحٌ في هذا الموطنٍ، وتقدير سيبويه له بالخصوص يصلُح أن يُحمَل عليه في أكثرِ المواطن، وإنما لم يتعرّف وَحْدَه بالإضافة، لأن معناه كمعنى لا غير، ولأنها كلمة تُنْبىءُ عن نَفْي وعَدَم، والعَدَمُ ليس بشيء فضلاً عن أن يكون مُتَعَرِّفًا مُتَعَيّنًا بالإضافة، وإنما لم يُشْتَق منه فِعْلٌ، وإن كان مصدرًا في الظاهر لما قدّمناه من أنه لفظ ينبىء عن عَدَم ونَفْي، والفعلُ يدلّ على حَدَثٍ وزمانٍ، فكيف يشتقّ من شيء ليس بحدث إنما هو عبارة عنّ انتفاء الحدَثِ عن كل أحد إلاّ عن زيد، مثلاً إذا قلت: جاءني زيد وَحْدَه، أي: لم يجىء غيره، وإنما يقال: انعدم وانتفى بعد الوجود لا قَبْلَه، لأنه أمر مُتَجَدِّد كالحَدثِ، وقد أَطْنَبْنا في هذا الغرضِ، وردناه بيانًا في مَسْأَلَة سبحان الله وبحمده وشرحها . أجا وسلمى: فصل: وذكر الرجل الذي طرحته الريح بجبَلَيْ طَيىء، وهما أجأ وسَلْمَى وعُرِف أجأ بأجأ بن عبد الحَيِّ كان صُلِب في ذلك الجَبَل، وسَلْمَى صُلِبَتْ في الجَبَلِ الآخر، فعرف بها، وهي سَلْمَى بنت حَامٍ فيما ذكر والله أعلم. ٣٠٠