النص المفهرس

صفحات 261-280

ومن بني مخزوم: عبد الله بن أبي أُميَّة بن المغيرة، ومن رمية رُمِيَها يومئذ.
ومن بني عديّ بن كَعْب: عبد الله بن عامر بن ربيعة، حليف لهم.
ومن بني سهم بن عمرو: السائب بن الحارث بن قَيْس بن عديّ، وأخوه
عبد الله بن الحارث.
ومن بني سعد بن ليث: جُلَيحة بن عبد الله.
واستُشهد من الأنصار: من بني سَلِمة: ثابت بن الجَذَّع.
ومن بني مازن بن النَّجار: الحارث بن سَهْل بن أبي صعصعة.
ومن بني ساعدة: المنذر بن عبد الله.
ومن الأوس: رُقَيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لَوذان بن معاوية.
فجميع من استُشهد بالطائف من أصحاب رسول الله وَلّاثنا عشر رجلاً، سبعة من
قريش، وأربعة من الأنصار، ورجل من بني ليث.
قصيدة بجير في حنين والطائف
فلما انصرف رسولُ اللهِ وَ ل﴿ عن الطائف بعد القِتال والحِصار، قال بُجَير بن
زُهَير بن أبي سُلْمَى يذكر حُنَيْنَا والطائف:
وغداةً أوْطاسٍ ويوْمَ الأبْرَقِ
كانت عُلالَةِ يوْمَ بطنٍ حُنَيٍ
من نسب بجير بن زهير:
وذكر شعر بُجَيْر بن زُهَيْر بن أبي سُلْمَى، واسم أبي سُلْمَى: رَبيعةُ، وهو من بني
لاِمٍ بن عُثْمَانَ، وهي مُزَيْنَةُ، عرفوا بأُمّهم، وقد قدمنا أنها بنت كلب بن وَبْرَةَ، وأن أختَها
الحَوَبُ، وبها سُمِّي ماءُ الحَوْأَب، وعُثْمان هو ابن أُدِّ بن طابِخة.
حول شعر بجير
وقوله :
كانت عُلاَلَة يومَ بِطْنٍ حُنَيْنٍ
هذا من الإقواء الذي تقدّم ذكرهُ، وهو أن ينْقُص خَرْفًا من آخر القَسِيم الأوّل من
الكامل، وهو الذي كان الأصْمَعِيُّ يسمّيه المُقْعَد.
٢٦١

جَمَعَتْ بِاغْواءٍ هَوَازِنُ جَمْعَها
لم يَمْنَعُوا مِنَّا مَقَامًا وَاحِدًا
ولقَدْ تَعَرَّضْنا لكيما يَخْرُجُوا
ترتد حَسْرانًا إلى رَجْرَاجَةٍ
مَلُمومَةٍ خَضْرَاءَ لو قَذَفُوا بها
مَشْيَ الضُّراءِ على الهَرَاسِ كأنَّنا
في كلّ سابغة إذا ما استَخصَنت
جُدُلْ تَمَسّ فُضُولَهُنَّ نعالَنا
فتَبَدَّدُوا كالطَّائر المتمزّقِ
إلّ جِدَارَهُمُ وبطنَ الخَتْدَقِ
فتَحَصَّنوا مِنَّا ببابٍ مُغْلَقٍ
شَهْباءَ تَلمَعُ بالمَنايا فَيْلَقِ
حَضَنًا لظلّ كأنَّه لم يُخْلَق
قُدُرْ تَفَرَّقُ في القياد وتَلْتقي
كالنَّهْي هَبَّتْ ربحهُ المترَقْرِقِ
منْ نَسْجِ داود وآلِ مُحَرِّقٍ
وقوله: كانت عُلاَلَة. العُلاَلَة: جَزْيٌ بعد جَرْي، أو قِتَالٌ بعد قِتَالٍ، يريد: أن هَوَازِنَ
جمعت جَمْعَها عُلاَلَةٌ في ذلك اليوم، وحذف التنوين من عُلاَلَة ضرورةً، وأضْمر في كانت
اسمَها، وهو القصّة، وإن كانت الرّوايةُ بخفض يوم، فهو أولى من التزام الضَّرُورة القبيحة
بالنَّصْب، ولكنْ ألفَيْتُه في النسخة المقيدة، وإذا كانَ اليومُ مخفوضًا بالإضافة جاز في عُلاَلَة
أنْ يكون منصوبًا على خبر كان، فيكون اسمُها عائدًا على شيء تقدّم ذكره، ويجوز الرفع
في عُلالَة مع إضافتها إلى يوم على أنْ تكون كان تامَّةً مكتفيةً باسم واحدٌ، ويجوز أن
تجعَلها اسمًا عَلَمًا للمصدر مثل بَرَّة وفجارٍ، وينصب يومُ على الظرف كما تقيّد في
النُّسخة.
وقوله: ترتدّ حَسْرَانًا، جمع: حَسِير وهو الكَلِيلُ. والرَّجْرَاجة: الكَتِيبةُ الضَّخْمَةُ من
الرَّجْرَجَةِ، وهي شِدَّةُ الحركة والاضطراب. وفَيْلَقُ: من الفِلْقِ، وهي الداهية. والهَرَاسُ:
شَوْكٌ معروف والضّراءُ: الكلاب، وهي إذا مَشَت في الهَرَاسِ ابتغت لأيديها موضعًا، ثم
تضع أرجلَها في موضع أيديها، شَبَّه الخيل بها. والفُدُرُ: الوُعول المُسِنَّةُ. والنَّهيءُ: الغَدِيرُ،
سمّي بذلك، لأنه ماء نَهَاهُ ما ارتفع من الأرض عن السَّيَلان فوقف.
وقوله: جُدُلٌ: جمع جَذْلاَء، وهي الشديدة الفَتْلِ، ومن رَوَاه: جَدْلٍ، فمعناه: ذات
جذلٍ .
وقوله: وآل مُحَرَّقٍ يعني عُمَرَ بن هِنْدِ ملكَ الحِيرَةِ، وقد تقدّم في أوّل الكتابِ سَبَبُ
تَسْمِيته بمُحَرِّقٍ، وفي زمانه وُلِد رسولُ اللهِ وَ ل﴿ فيما ذكروا - والله أعلم.
٢٦٢

أمر أموال هوازن وسباياها وعطايا المؤلفة قلوبهم منها
وإنعام رسول الله آلي فيها
ثم خرج رسولُ اللهِ وَلّ حين انصرفَ عن الطائف على دَخْنا حتى نزل الجغرانة
فيمَنْ معه من الناس، ومعه من هوازن سبيّ كثير وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظَعَن
عن ثقيف: يا رسول الله، ادع عَلَيهم؛ فقال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((اللَّهُمَّ اهْدِ ثقيفًا وأتِ
بهم»(١) .
ثم أتاه وَقْد هوازن بالجغْرانة، وكان مع رسولِ الله ◌َّ من سَبْي هوازن ستة آلاف
من الذّراريّ والنساء، ومن الإبل والشَّاءِ ما لا يُذْرَى ما عِدَّتُه.
قال ابن إسحاق: فحدّثني عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو: أنّ
وقْد هوازِنَ أتَوْا رسولَ الله وَ له وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول، إنا أصلٌ وعشيرة، وقد
أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنْن علينا، مَنَّ الله عليك. قال: وقام رجل من
هوازنَ، ثم أحدُ بني سعد بن بكر، يُقال له: زُهير، يكنى أبا صُرَد، فقال: يا رسول الله،
دحنا ومسح ظهر آدم
فصل: وذكر انصراف النبيّ وَّر عن الطائف على دَخْنَا. ودَحْنَا هذه هي التي خُلِق من
تُزْبِها آدمُ صلّى الله على نبينا وعليه، وفي الحديث: ((إن الله خلق آدم من دَخْنا، ومسح ظَهْرَه
بِنَعْمَان الأرَاكِ))(٢) رواه ابنُ عبَّاس، وكان مسحُ ظهرِ آدمَ بعد خروجِه من الجنّة باتفاقٍ من
الروايات، واختلفت الروايةُ في مسح ظهره، فروي ما تقدّم، وهو أصحّ، ورُوي أن ذلك كان
في سماء الدنيا قبل هبوطه إلى الأرض، وهو قول السدي، وكلتا الروايتين ذكرهما الطبري.
وقوله: حتى نزل الجِعْرَانَةَ، بسكون العين فيها هو أَصح الروايتين، وقد ذكر الخطابي
أن كثيرًا من أهل الحديث يشدّدون الراء، وقد ذُكر أن المرأة التي نَقَضْت غَزْلهَا من بعد قُوَّةٍ
كانت تُلَقَّب بالجِعْرَانة، واسمها: رَيْطَةُ بنت سَعْد، وأن الموضع يسمّى بها، والله أعلم.
حول قول زهير أبي صرد:
فصل: وذكر زُهَيْرًا أبا صُرَدٍ، وقوله للنبيّ وَّهِ: ولو أنَّا مَلَخْنَا للحارث بن أبي شَمِرٍ،
(١) أخرجه البخاري (٣٦/٨) ومسلم في الجهاد (١٧٧٨) وأحمد (٣٤٣/٣) والترمذي (٣٩٣٧) وابن
سعد في الطبقات (١٥٩/٢).
(٢) لا صحّة له.
٢٦٣

.
إنما في الحظائر عمَّاتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كنّ يكفُلْنك، ولو أنَّا مَلَخنا
للحارث بن أبي شمر، أو النعمان بن المنذر، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به، رجونا
عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين.
قال ابن هشام: ويُروى: ولو أنا مالَخْنا الحارث بن أبي شِمر، أو النُّعمان بن
المنذر.
قال ابن إسحاق: فحدّثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو،
قال: فقال رسولُ الله وَلهر: «أبناؤكم ونساؤكم أحبُّ إليكم أم أموالكم؟)) فقالوا: يا رسول
الله، خَيَّرْتَنا بين أموالِنا وأحسابنا، بل تَرُدُّ إلينا نساءَنا وأبناءَنا، فهو أحبّ إلينا؛ فقال لهم:
((أما ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم، وإذا ما أنا صلَّيت الظُّهر بالناس، فقوموا
فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا
ونسائنا، فسأُعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم))، فلما صلَّى رسولُ اللهِ وَّ بالناس الظُّهر،
قاموا فتكلَّموا بالذي أمرهم به، فقال رسولُ الله ◌َّير: ((وأما ما كان لي ولبني عبد المطَلِب
فهو لكم)). فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله وَّر. وقالت الأنصار: وما كان
لنا فهو لرسول الله وَله. فقال الأقرعُ بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عُيَيْنةُ بن
حِصْن: أما أنا وبنو فَزَارَةَ فلا. وقال عباس بن مِزْداس: أما أنا وبنو سُلَيم فلا فقالت بنو
سليم: بلى، ما كان لنا فهو لرسول الله وَله .
قال: يقول عباس بن مِزْداس لبني سُلَيم: وَهَّنْتُمُوني ..
أو للنعمان بن المُنْذِرِ، وقد تقدّم في أوّل الكتاب التعريفُ بالحارثِ وبالنعمان، ومَلَحْنا:
أرضعنا، والمِلْحُ: الرضاع قال الشاعر:
دِ والمِلْحِ مَا وَلَدَتْ خَالِدَة
فلا يُبْعِدُ الله رَبُّ العِبا
مِ والكاسِرُ والليلةِ البارِدَة"
همُ المِطْعِمُو الضَّيفِ شَخْم السَّنَا
بالخَيْلِ تُطْرَد أو طَارِدَة
وهُم يَكْسِرون صُدُورَ القَنا
فلِلْمَوْتِ ما تَلِد الوَالِدة
فإن يكن الموتُ أفناهم
وأما زُهَيْرٌ الذي ذكره فهو ابن صُرَدٍ يُكْنَى أبا صُرَدٍ، وقيل: أبا جَزُولٍ، وكان من رؤساء
بني جُشَم، ولم يذكر ابن إسحق شعره في النبيّ وَّر ذلك اليوم في رواية البكائي وذكره في
رواية إبراهيم بن سعد عنه وهو:
فإنك المرءُ نرجوه ونّنْتَظِر
أُمْثُنْ علينا رَسُولَ اللهِ في كَرَمَ
٢٦٤

فقال رسولُ الله ◌َله: ((أمَّا من تمسَّك منكم بحقه من هذا السبي فله بكلّ إنسان
سِتُّ فرائض، من أوّل سبي أصيبُه، فرُدُّوا إلى النَّاس أبناءهم ونساءهم)).
قال ابن إسحاق: وحدّثني أبو وَجْزَة يزيد بن عُبيد السَّعديّ: أن رسولَ اللهِ وَله
أعطَى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه جارية، يُقال لها: رَيْطة بنت هِلال بن حَيَّان بن
عُمَيرة بن هِلال بن ناصرة بن قُصَيَّة بن نصر بن سعد بن بكر، وأعطَى عثمان بن عفَّان
جارية، يُقال لها: زينب بنت حَيَّان بن عمرو بن حَيَّان، وأعطَى عمرَ بن الخطّاب جارية،
فوهها لعبد الله بن عُمَر ابنه.
أُمْنُنْ على بَيْضَةٍ قد عاقها قَدَرٌ
يا خَيْرَ طِفْلِ ومَوْلودٍ ومُنْتَخَبٍ
إن لم تَدَارَكْهُم نَعْمَاءُ تَنْشُرها
امنُن على نِسْوَةٍ قد كنت تَرْضَعُها
إذا كنتَ طفلاً صَغِيرًا كنتَ تَرْضَعُها
لا تجعلنا كمن شَالت نعامَتُه
يا خَيْرَ من مرحت كُمْتُ الچِیَاد به
إنّا لنشكُر آلاءَ وإن كُفِرَتْ
إنا نَؤْمِّل عفوًا منك تُلْبِسُه
فاغْفِر عفا الله عما أنت راهِبُه
من أحكام السبايا:
مُمَزِّقٌ شَملَها في دَهْرِها غِيَرُ
في العالمين إذا ما حُصِّل البشرُ
يا أرجّحَ النّاس حِلْما حين يُختَبر
إذْ فوك تملأه من مَخْضِها الدِّرَرُ
وإذ يزيّنُك ما تأتي وما تَدَرُ
واسْتَبْقٍ منا منه مَعْشَرٌ زُهُرُ
عند الهِيَاجِ إذا ما اسْتُوْقِدَ الشَّرَرُ
وعندنا بعد هذا اليوم مُدَّخَّر
هذي البَرِيَّةَ إذْ تَعْفو وتَنْقَصر
يومَ القيامة إذ يُهْدَى لك الظّفَرُ
فصل: وذكر رَدِّ السَّبَايَا إلى هَوَازِن، وأنه مَنْ لم تَطِبْ نفسه بالردّ عَوَّضه مما كان
بيده، واستطاب نفوس الباقين، وذلك أن المَقاسِمَ كانت قد وقعت فيهم، ولا يجوز للإمام
أن يَمُنَّ على الأسرى بعد القَسْم، ويجوز له ذلك قبل المَقَاسِم، كما فعل النبيَّ - رَّــ بأهل
خَيْبَرَ حين مَنَّ عليهم، وتركهمَ عُمَّالاً للمسلمين في أرضهم الّتي افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً، كذلك قال
أبو عُبَيْدٍ، قال: ولا يجوز للإمام أن يَمُنَّ عليهم، فيردَّهم إلى دارِ الحرب، ولكن على أن
يؤدوا الجِزْيَةً، ويكونوا تحت حُكْم المسلمين، قال: والإمام مُخَيَّر في الأسرى بين القتل
والفِداء والمَنِّ والاسْتِرْقَاق والفِداء بالنفوس لا بالمال كذلك، قال أكثرُ الفقهاء هذا في
الرجال، وأما الذَّرَارِي والنّساء، فليس إلاّ الاسْتِرْقَاق، أو المُفَادَاةِ بالنفوس دون المال كما
تقدّم.
٢٦٥

قال ابن إسحاق: فحدّثني نافع مولى عبد الله بن عُمَر، عن عبد الله بن عُمَر، قال:
بعثتُ بها إلى أخوالي من بني جُمَح، ليُصْلِحُوا لي منها، ويهيئوها، حتى أطوف بالبيت،
ثم آتيهم، وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها. قال: فخرجت من المسجد حين فَرَغْتُ،
فإذا النَّاس يَشْتَدُّونَ؛ فقلت: ما شأنكم؟ قالوا: ردّ علينا رسولُ اللهِ وَ له نساءنا وأبناءنا؛
فقلت: تلكم صاحبتُكم في بني جُمَح، فاذهبوا فخذوها، فذهبوا إليها، فأخذوها.
وذكر الجارية التي أُعْطِيهَا عبد الله بن عمر، وأنه بعث بها إلى أخواله من بني جُمَح
ليُصلحُوا له منها كي يصيبها، وهذا لأنها كانت قد أسلمت، لأنه لا يجوز وَطْءُ وَثَنِيَّةٍ ولا
مَجُوسِيَّةٍ بِمِلْكِ يَمينٍ، ولا بنكاح حتى تُسْلِم، وإن كانت ذاتَ زَوْج، فلا بد أيضًا من
اسْتِبْرائها، وأما الكتابيَّات، فلا خلاف في جوازِ وَطْئهنَّ بمِلْكِ اليمينِ، وقد رُوي عن طائفة
من التابعين منهم عَمْرو بن دينار إباحةُ وَطْءِ المجوسية والوثنية بملك اليمين، وقول الله
تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحوا المُشْرِكَاتٍ حتى يُؤْمِنَ﴾ [البقرة: ٢٢١] تحريم عام إلاّ ما خَصَّصَتْه آيَةُ
المائدة من الكتابِيَّاتِ، والنكاحُ يقع على الوطء بالعَقْدِ والمِلكِ.
حول سبي حنين:
وكان سبْيُ حُنَينٍ ستةَ آلاف رأسٍ، وكان النبيَّ - ◌َ ◌َّ - قد وَلَّى أبا سفيان بن حرب
أمرهم، وجعله أمينًا عليهم، قاله الزبير، وفي حديثٍ آخر ذكره الزبير بإسناد حَسَنٍ أن أبا
جَهْم بن حُذَيفَةَ العَدَويّ كان على الأنفال يوم حُنَيْن، فجاءه خالدُ بن البَرْضَاءِ، فأخذ من
الأنفال زمامَ شَعْرٍ فمانعه أبو جَهْم، فلما تمانعا ضربه أبو جَهْم بالقَوْس فشَجَّهُ مُتَقِّلَةٌ(١)،
فاستعدى عليه خالدّ رسولَ الله - و14َ - فقال له: خذ خمسين شاةً ودَغْه، فقال: أَقِذْنِي منه،
فقال: خذ مائة، ودَغْه، فقال: أَقِذْنِي منه، فقال: خذ خمسين ومائةً ودعه، وليس لك إلاّ
ذلك، ولا أُقِصَّك مِنْ وَالٍ عليك، فقُوَّمت الخَمسُون والمائة بخمسَ عَشْرَةً فَرِيضَةً من الإبل،
فمن هنالك جعلت دِيّةُ المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً.
إعطاء المؤلّفة قلوبهم من الغنائم:
فصل: وأما إعطاءُ رسولِ الله - وَلَ﴿ المؤلِّفةِ قلوبُهم من غنائم حُنَيْنٍ حتى تكلّمت
الأنصارُ في ذلك، وكثرت منهم القالَة، وقالت: يُعْطِي صَنَادِيدَ العَرَبِ ولا يُعْطِينا، وأسيافُنا
تَقْطُر من دمائِهم، فللعُلَمَاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أنه أعطاهم من خُمْسٍ
الخُمْسِ، وهذا القول مَرْدُودٌ لأن خُمْسَ الخُمْسِ مِلْكٌ له ولا كلامَ لأحَدٍ فيه.
(١) المنقلة: الشجة أو الضربة التي تنقل العظم.
٢٦٦

قال ابن إسحاق: وأما عُيَيْنَةُ بن حِصْن، فأخذ عجوزًا من عجائز هوازِنَ، وقال حين
أخذها: أرى عجوزًا إني لأحسِب لها في الحيّ نسبًا، وعسى أن يعظُم فِدَاؤها فلما ردّ
رسولُ اللهِ وَلَ السَّبايا بستّ فرائض، أبى أن يَردَّها، فقال له زُهَير أبو صُرَد: خُذها عنك،
فوالله مافُوها ببارِدٍ، ولا تَذْيُهَا بناهِدٍ، ولا بطنها بوالِدٍ، ولا زوجُها بواجد، ولا دَرُّها
بماكِدٍ. فردّها بسِتٌّ فرائضَ حينَ قال له زُهَير ما قال؛ فزعموا أن عُيَيْنةَ لِقِيَ الأقرَع بن
حابس، فشكا إليه ذلك، فقال: إنك والله ما أخذتها بيضاءَ غَريرة، ولا نَصَفا وَثِيرَة.
القول الثاني: أنه أعطاهم من رأس الغنيمة، وأن ذلك خصُوصٌ بالنبيّ وَلّ لقوله تبارك
وتعالى: ﴿قُل الأنفالُ لله والرّسول﴾ [الأنفال: ١] وهذا القولُ أيضًا يردّه ما تقدّم من نَسْخِ
هذه الآية، وقد تقدّم الكلامُ عليها في غزوة بدر، غير أن بعضَ العلماء لهذا القول بأنَ
الأنصار لما انهزموا يوم حُنَيْنِ فأيَّد الله رسولَه وأمدَّه بملائكته، فلم يرجعوا حتى كان الفتحُ،
ردّ الله تعالى أمرَ المغانم إلى رسوله من أجل ذلك فلم يعطهم منها شيئًا وقال لهم: ((ألا
تَرْضَوْنَ يا مَعْشَر الأنصار أن يذهبَ الناسُ بالشّاةِ والبَعِير، وتَرْجِعُوا برسول الله إلی رحَالِكم))،
فطيِّب نفوسَهم بذلك بعد ما فعل ما أمر به.
والقول الثالث: وهو الذي اختاره أبو عُبَيْدٍ أن إعطاءهم كان من الخُمْس حيث يرى أن
فيه مصلحةً للمسلمين.
فصل: ومما لم يذكر ابن إسحق يوم حُنَيْن أن خالدَ بن الوليد أثقل بالجراحة يومئذ،
فأتاه النبيُّ ◌َ﴿ يقول: ((مَنْ يَدلْني على رَحْلِ خالدٍ حتى دُلَّ عليه))، فوجده قد أُسْند إلى
مُؤَخّرة رحله، فنفث على جُرْجِه فَبَرِىءَ» (١)، ذكره الكَشّي.
وصف عجوز ابن حصن:
فصل: وذكر عُيَيْنَةَ بن حِصْنٍ، وقولَ زُهَيْر بنِ صُرَدٍ له في العَجُوز التي أخذها: ما .
فُوها بِبَارِدٍ، ولا تَذْيُها بناهِدٍ، ولا دَرُّها بماكِدٍ، ويقال أيضًا: بناكِدٍ، يريد: ليست بغَزِيرَةٍ
الدَّرٌ، والنُّوقُ النُّكْدُ: الغَزيراتُ اللَّبَنِ، وأحسبه من الأضداد، لأنه قد يقال أيضًا نَكِدَ لبنُها إذا
نقص، قاله صاحب العين، والصحيح عند أكثرهم أن النُّكْد هي القليلات اللبن من قوله
عزّ وجلّ: ﴿لا يَخْرُجُ إلاَّ نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] وأن المُكْدَ بالميم هي الغزيراتُ اللبن،
قال ابن سراج، لأنه من مَكّد في المكان إذا أقام فيه، وقد يقال أيضًا: نَكِدَ في معنى مَكدَ،
أي: ثَبَت.
(١) أخرجه أحمد (٣٥١/٨٨/٤) والحميدي (٨٩٧) والبيهقي في الدلائل (١٤٠/٥).
٢٦٧

وقال رسولُ الله وَالرّ لوفد هوازن، وسألهم عن مالك بن عوف ما فعل؟ فقالوا: هو
بالطائف مع ثقيف، فقال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((أخبروا مالكًا أنه إن أتاني مُسلمًا رددتُ عليه
أهله وماله، وأعطيته مائةً من الإبل))(١)، فأَتِيَ مالكٌ بذلك، فخرج إليه من الطائف. وقد
كان مالك خاف ثقيفًا على نفسه أن يَعْلَموا أن رسولَ الله وَلّر قال له ما قال، فيحبسوه،
فأمر براحلته فهُيِّئَتْ له، وأمر بفرس له فأُتِيَ به إلى الطائف، فخرج ليلاً، فجلس على
فرسه، فركضه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تُخْبَس، فركبها، فَلَحِق برسول اللهِ وَّهه
فأدركه بالجِعْرانة أو بمكّة، فرد عليه أهله وماله، وأعطاه مِائةً من الإبل، وأسلم فحسُن
إسلامه؛ فقال مالك بن عوف حين أسلم:
في النَّاس كُلِهِم بمثل محمَّدٍ
ما إن رأيتُ ولا سمِعْتُ بمِثْله
ومَتى تَشْأُ يُخْبركَ عما في غد
أوْفى وأعطَى للجزِيل إذا اجْتُدِي
بِالسَّمْهَرِي وضَرْب كُلّ مُهَنَّدٍ
وإذا الكَتِيبةُ عرَّدَت أنيابُها
وسْط الهَباءَةِ خادرٌ في مَرْصَدٍ
فكأنَّهُ لَيثٌ على أشْبالِهِ
فاستعمله رسولُ اللهِ وَّر على من أسْلم من قومه؛ وتلك القبائل: ثُمَالَةُ، وسَلِمةُ،
الأقرع بن حابس :
وذكر الأقرعَ بن حابس، وكان من المؤلّفة قلوبُهم، ثم حَسُن إسلامُه بعد، وهو الذي
قال لرسول الله وَلقول حين نزلت: ﴿ولِلَّه على النَّاس حِجُّ البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] أفي كلٌ
عام يا رسول الله؟ قال: ((لو قُلْتُها لَوَ جَبَتْ))(٢)، وهو الذي قال للنبيّ وَّهِ حين أَقْطَعَ أَبْيَضَ بن
حَمَّالِ الماء الذي بمأربٍ: أتدري ما أقطعتَه يا رسول الله؟ إنما أقطعته الماء العِدَّ، فاسترجعه
النبيَّ - وََّ(٣) وهو حديث مَشْهُورٌ، غير أنه لم يُسَمِّ قائل هذا الكلام فيه إلاّ الدَّارَقُطْنِي في
روايته، وزاد فيه أيضًا: قال أبيض: على أن يكون صَدَقَّةٌ مني يا رسول الله على المسلمين،
فقال: ((نعم))، وأما نَسَبُ الأَقْرَع بن حَابِسٍ، فهو ابن حابِس بن عِقَالٍ بن محمد بن
سُفْيَان بن مُجَاشعٍ [بن دارِمِ] التَّمِيمِيّ المُجَاشِعِيِّ الدَّارِمِيِّ، وأما عُيَيْنَةُ، فاسمه: حُذَيْفَةُ بن
حِصْنٍ بن حُذَيْفَةً بَن بَدْرِ الفَزَارِيّ، وقد تقدّم ذكره.
مالك بن عوف:
فصل: وذكر تولية النبيّ رَّهِ مالِكَ بن عَوْفٍ على ثُمَّالَةَ وبني سَلِمَةَ وفَهْم. وثمالة هم
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل (١٩٨/٥).
(٢) أخرجه مسلم في الحجّ (٤١٢) والدار قطني (٢٧٩/٢ - بتحقيقي) والحاكم (٤٧٠/١).
(٣) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في الكبرى والدارقطني.
٢٦٨

وفَهْم، فكان يُقاتل بهم ثقيفًا، لا يخرج لهم سَرْحٌ إلا أغار عليه، حتى ضيَّق عليهم؛ فقال
أبو مِحْجَن بن حَبيب بن عمرو بن عُمَير الثَّقفي:
ثُم تَغْزُونا بنو سَلِمَة
هابَتِ الأغْدَاءُ جانِبَنا
ناقِضًا للْعهْدِ والحُرُمة
وأتانا مالكٌ بِهِم
ولقد كنّا أُولِي نَقِمَة
وأَتَوْنا في مَنازِلنا
قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسولُ اللهِ وَ﴿ من ردّ سبايا حُنين إلى أهلها، ركب،
واتَّبعه الناس يقولون: يا رسول الله، أقسِم علينا فَيئَنا من الإبل والغنم، حتى ألْجَعُوه إلى
شجرة، فاختطفت عنه رداءه؛ فقال: أدُّوا عليّ ردائي أيُّها النَّاس، فوالله أن لو كان لكم
بعدد شجر تِهامَة نَعَما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جبانًا ولا كذّابًا، ثم قام
إلى جنب بعير. فأخذ وَبَرَة من سَنامه، فجعلها بين أَصْبَعَيْه، ثم رفعها، ثم قال: أيها
الناس، والله مالي من فَيْئكم ولا هذه الوبرة إلاّ الخُمُس، والخُمُس مردود عليكم. فأدُّوا
الخِياط والمُخْيَطِ، فإنّ الغُلُولَ يكون على أهله عارًا ونارًا وشَنارًا يوم القيامة. قال: فجاء
رجل من الأنصار بكُبَّةٍ من خُيوط شعر، فقال: يا رسول الله، أخذت هذه الكُبَّة أعملُ بها
بَرْذَعة بَعيرٍ لي دَبِر؛ فقال: أما نصيبي منها فلك! قال: أمَّا إذ بَلَغَتْ هذا فلا حاجة لي
بها، ثم طَرَحَها من يده.
بنو أسلم بن أَخجن أُمُّهم: ثُمَالَةُ، وقول أبي مِخْجٍَ فيه:
ثم تَغْزُونا بنو سَلِمَة
هابت الأعْدَاءُ جانِبَنَا
هكذا تقيّد في النسخة بكسر اللام، والمعروف في قبائل قَيْسٍ: سَلَمَةُ بالفتح إلاّ أن
يكونوا من الأَزْدِ، فإن ثُمَالَة المذكورين مَعَهم حَيٍّ من الأَزْدِ وفَهْم من دَوْس، وهم من الأزد
أيضًا، وأُمهم: جَدِيلَةُ وهي من غَطَفَان بن قَيْس بن غَيْلان، على أنه لا يُعْرف في الأزد سَلِمَة
إلاّ في الأنصار، وهم من الأزْد وسَلِمَةُ أيضًا في جُعْفَى هم، وسَلِمَةُ بن عَمْرٍو بن ذُهْلٍ بن
مُرَّانِ بن جُعْفِيّ، وسَلِمَةُ في جُهَيْنَةَ أيضًا سَلِمَةُ بن نَصْر بن غَطَفَان بن قَيْس بن جُهَيْنَةً وجُعْفِيٌّ
من مَذْحِج، وجُهَيْنَةُ من قُضَاعَةً.
وأما مِحْجَنُ، فاسمُه: مالك بن حَبِيب، وقيل: عبد الله بن حَبِيب بنِ عَمْرِو بن
عُمَيْر بن عَوْفٍ بن عُقْدَةَ بن غِيرَةَ بن عَوْف بن قَيْسِ الثَّقَّفي، وقد تقدّم نَسَبُ أَحْجَن عند
ذكرنا لَهَب بن أُخْجَن قبل باب المبعث.
وذكر أبا السَّنَابِل بن بَعْكُك، واسمه: حَبَّةُ أحد بني عَبْدِ الدّار، وكان شاعرًا وحديثُه مع
سُبَيْعَةَ الأُسْلَمِيَّة حين آمَتْ من زَوْجِها مَذْكُورٌ في الصِّحَاحِ.
٢٦٩

قال ابن هشام: وذكر زيد بن أسْلَم، عن أبيه: أن عَقِيل بن أبي طالب دخل يوم
حُنين على امرأته فاطمة بنت شَيْبة بن ربيعة، وسيفه متلطّخ دمًا، فقالت: إني قد عرفت
أنك قد قتلت، فماذا أصبت من غنائم المشركين؟ فقال: دونكِ هذه الإبرةَ تَخيطينَ بها
ثيابَك، فدفعها إليها، فسمعَ مُنادِيَ رسولِ الله وَل# يقول: ((من أخذ شيئًا فليردَّه، حتى
الخِياط والمُخْيَط)). فرجع عَقيل، فقال: ما أرَى إبرتِك إلّ قد ذهبت، فأخذها، فألقاها
في الغنائم.
قال ابن إسحاق: وأعطى رسولُ اللهِ وَّةِ المُؤَلَّفةَ قُلُوبهم، وكانوا أشرافًا من أشراف
الناس، يتألَّفهم ويتألَّف بهم قومَهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير، وأعطَى ابنه
معاوية مائة بعير، وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير، وأعطى الحارث بن الحارث بن
كَلَدة، أخا بني عبد الدّار مائة بعير.
قال ابن هشام: نَصير بن الحارث بن كَلَدة، ويجوز أن يكون اسمه الحارث أيضًا.
قال ابن إسحاق: وأعطى الحارثَ بن هشام مائة بعير، وأعطى سُهَيْل بن عمرو مائة
بعير، وأعطى حُوَيطِب بن عبد العُزَّى بن أبي قَيْس مائة بعيرٍ، وأعطى العَلاء بن جارية
الثَّقفي، حَليف بني زُهرة مائة بعير، وأعطى عُيينة بن حِصْن بن حُذيفة بن بَذْر مائة بعير،
وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة بعير. وأعطى مالك بن عوف النَّصْريّ مائة بعير،
وأعطى صفوان بن أميَّة مائة بعير، فهؤلاء أصحاب المئين.
وأعطى دون المائة رجالاً من قُرَيش، منهم مَخْرَمة بن نوفل الزُّهريّ، وعُمَير بن
وهب الجُمَحِيّ، وهشام بن عَمْرو أخو بني عامر بن لُؤَيّ، لا أحفظ ما أعطاهم، وقد
عرفت أنها دون المائة، وأعطى سعيد بن يربوع بن عَنْكَثَةَ بن عامر بن مخزوم خمسينَ
من الإبل، وأعطى السَّهْمِيّ خمسين من الإبل.
قال ابن هشام: واسمه عديّ بن قیس.
قال ابن إسحاق: وأعطى عبَّاسَ بن مِرْداس أباعرَ فسَخِطها، فعاتب فيها رسولَ
الله اَله، فقال عباس بن مِزْداس يُعاتب رسولَ الله وَل:
بكّرّي على المُهْرِ في الأجْرَعِ
كانَتْ نِهَابَا تَلافَيْتُها
إذا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ أَهْجَع
وإيقاظِيَ القَوْمَ أنْ يَرْقُدُوا
ـدِ بينَ عُييْنَةَ والأقْرّع
فَأَصْبَحِ نَهْبِي ونَهْبُ العُبَيْ
٢٧٠

فَلَمْ أُعْطَ شَيئًا وَلْمْ أُمْنَعِ
وقد كنتُ في الحزبِ ذَا تُذْرَإِ
إلاَّ أفائِلَ أُعْطِيُهَا
عَديدَ قَوائِمها الأزْبَعِ
وما كانَ حِصْنٌ وَلا حابِسٌ
يفوقانَ شَيْخِيَ في المَجْمَعِ
ومَنْ تَضَعِ اليومَ لا يُزْفَعٍ
وما كنتُ دون امرىء منهما
قال ابن هشام: أنشدني يونُسُ النَّخوي:
يَفُوقان مِرْداس في المَجْمَعِ
فمَا كانَ حِصْنْ وَلا حابِسٌ
قال ابن إسحاق: فقال رسولُ اللهِ وَّر: ((اذهبوا به، فاقطعوا عني لسانَه))(١)، فأعطوه
حتى رَضِيَ، فكان ذلك قطعَ لسانه الذي أمر به رسولُ اللهِ إِله.
قال ابن هشام: وحدّثني بعض أهل العلم: أن عبَّاس بن مرداس أتى رسولَ
اللهِ وَله، فقال له رسول الله وَله: أنت القائل ليه:
((فأصبح نَهْبي ونهبُ العُبَيْد بين الأقْرِع وعُيَيْنة))؟
فقال أبو بكر الصدّيق: بين عُيينة والأقرع؛ فقال رسولُ اللهِ وَل ◌ٍ: ((هما واحد))؛
فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يَس: ٦٩].
قول النبيّ ◌َللد لمرداس:
فصل: وذكر قول النبيّ ◌َ﴿ لعباس بن مِزْداسٍ أنت القائل: فأصبح نَهْبي ونَهْبُ العُبَيْدِ
بَيْنِ الأَقْرَع وعُبَيْنَةَ(٢)؟
فقال أبو بكر الصدّيق: بين عُبَيْنَة والأفْرَع، فقال رسولُ اللهِ وَلاير: ((هما واحد)»، يعني
في المعنى، وأما في الفصاحة، فالذي أُجْرِي على لسانه وَ لغير هو الأفصح في تنزيل الكلام
وترتيبه، وذلك أن القَبْلِيَّة تكون بالفَضْل نحو قوله تعالى: ﴿من النَّبِيِّينِ والصِّدِيقين﴾
[النساء: ٦٩] وتكون بالرّتبة نحو قوله تعالى حين ذكر اليهود والنصارى، فقدم اليهود
المجاورتهم المدينة، فهم في الرتبة قبل النصارى، وقَبْلِيَّة بالزمان نحو ذكر التَّوْرَاة والإنجيلِ
بعدَه ونوحًا وإبراهيم، وقَبْلِيَّة بالسَّبَب، وهو أن يَذْكُر ما هو عِلَّةُ الشيءِ وسَبَبُ وجوده، ثم
يُذْكَرِ المُسَيَّب بعده، وهو كثير في الكلام مثل أن يَذْكر معصيةً وعقابًا أو طاعةً وثوابًا فالأجود
في حكم الفَصَاحَةِ تقديمُ السبب.
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل (١٨٣/٥) والطبري في تاريخه (١٧٥/٢).
(٢) أخرجه البيهقي في الدلائل (١٨٣/٥).
٢٧١

قال ابن هشام: وحدّثني من أثق به من أهل العلم في إسناد له، عن ابن شهاب
الزهري، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس، قال: بايع رسول الله وَل
من قريش وغيرهم، فأعطاهم يوم الجغرانة من غنائم حنّين.
من بني أُميَّة بن عبد شمس: أبو سفيان بن حرب بن أُميَّة، وطليق بن سُفيان بن
أُميَّة، وخالد بن أُسيد بن أبي العِيص بن أُميّة .
ومن بني عبد الدار بن قصَيّ: شَيْبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العُزّى بن
عثمان بن عبد الدّار، وأبو السَّنابل بن بَعْكك بن الحارث بن عَمِيلَةَ بن السَّبَّاق بن
عبد الدّار، وعِكْرِمة بن هاشم بن عبد مَناف بن عبد الدّار.
ومن بني مخزوم بن يقظة: زُهَير بن أبي أُميَّة بن المُغيرة، والحارث بن هشام بن
المغيرة، وخالد بن هشام بن المغيرة، وهشام بن الوليد بن المغيرة، وسُفيان بن
عبد الأسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والسَّائب بن أبي السائب بن عائذ بن
عبد الله بن عمر بن مخزوم.
ومن بني عديّ بن كَعْب: مطيع بن الأسود بن حارثة بن نَضْلة، وأبو جهم بن
حُذيفة بن غانم.
ومن بني جَمحَ بن عمرو: صفوانُ بن أُميَّة بن خلف، وأُحَيحة بن أُميَّة بن خَلف،
وعمير بن وهب بن خَلَف.
ومن بني سَهُم: عديّ بن قيس بن حذافة.
ومن بني عامر بن لؤيّ: حُوَيْطِبْ بن عبد العُزئَّ بن أبي قَيس بن عبد وُدّ هشام بن
عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حُبَيِّب.
ومن أفناء القبائل: من بني بكر بن عبد مناة بن كنانة: نوفل بن معاوية بن
عروة بن صَخْر بن رَزْن بن يَعْمَر بن نُفَائَةَ بن عديّ بن الدِّيل.
القبلية بين الأقرع وعيينة:
والأقرع وعُيَيْنَةُ من باب قَبْليَّة المَرْتَبَةِ، وقَبْلِيَّة الفَضْل، أما قَبْلَيَّة الرُّتبة فإنه من خِئْدِفَ،
ثم من بني تميم، فهو أقرب إلى النبيِّ وَّ من عُيَيْنَةَ، فترتب في الذكر قَبْلَه، وأما قَبْلِيَّةُ
الفَضْل، فإن الأقْرَعَ حَسُن إسلامُه وعُيَيْنَةُ لم يزل مَعْدُودًا في أهل الجَفَاءِ حتى ارتَدَّ وآمن
بِطُلَيْحَةَ، وأُخِذٍ، أسِيرًا فجعل الصِّبْيَانُ يقولون له - وهو يساق إلى أبي بكر - وَيُحَك يا عَدُوَّ
٢٧٢

ومن بني قَيْس، ثم من بني عامر بن صعصعة، ثم من بني كلاب بن ربيعة بن
عامر بن صعصعة: علقمة بن عُلاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب،
ولَبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب.
ومن بني عامر بن ربيعة: خالد بن هَوْذَّة بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن
عامر بن صعصعة، وحرملة بن هَوْذَة بن ربيعة بن عمرو.
ومن بني نصر بن معاوية: مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع.
ومن بني سُلَيْم بن منصور: عباس بن مِزْداس بن أبي عامر، أخو بني الحارث بن
بُهْتَة بن سُلَیم.
ومن بني غطفان، ثم من بني فزارة: عُيَينة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر.
ومن بني تميم ثم من بني حنظلة: الأقرعُ بن حابس بن عِقال، من بني
مجاشِع بن دارم.
قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ: أن قائلاً قال
لرسول الله وَ﴿ه من أصحابه: يا رسول الله، أعطيت عُيَيْنَةَ بن حِصن والأقرعَ بن حابس
مِائَةً مِائَةً، وتركت جُمَيْل بن سُرَاقَة الضَّمْرِي! فقال رسُول الله وَطِّ: ((أما والذي نفس
محمد بيده لَّجُعَيْل بن سُراقة خيرٌ من طِلاَعِ الأرضِ، كُلّهم مثل عُيَيْنة بن حِصْن
والأقرع بن حابس، ولكني تألفتهما ليُسْلِما، ووَكَلْتُ جُعَيْل بن سُرَاقَةَ إلى إسلامه))(١).
قال ابن إسحاق: وحدّثني أبو عُبيدة بن محمد بن عَمَّار بن ياسِرٍ، عن مِقْسَم أبي
القاسم، مَوْلَى عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: خرجت أنا وتَلِيد بن كلاب اللَّيثيّ،
حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو يطوف بالبيت، معلّقًا نعلَه بيده، فقلنا له:
هل حَضَرْتَ رسولَ اللهِ وَهِ حين كلّمه التميميّ يومَ حُنَين؟ قال: نعم، جاء رجل من بني
الله ارتَدَدْتَ بعد إيمانك، فيقول: والله ما كنت آمنت، ثم أسلم في الظاهر، ولم يزل جافيًا
أحْمَقَ حتى مات، وبحَسْبِك تَسْمِية النبيِّ وَِّ له: ((الأَحْمَقِ المُطاع)) ومما يذكر من جَفَائِه أن
عَمْرو بن مَعْدِي كَرِب نزلَ به ضيفًا، فقال له عُيَيْنُة: هل لك في الخمر نَتَنَادَمُ عليها؟ فقال
عمرو: أَلَيْسَت مُحَرَّمَةٌ في القرآن؟ فقال عُبَيْنَةُ: إنما قال: فهل أنتم مُنْتَهُون، فقلنا نحن: لا،
فَشَرِبًا .
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل (١٨٣/٥).
الروض الأنف/ ج ٤/ م ١٨
٢٧٣

تميم، يقال له: ذو الخُوَيْصِرَة، فوقف عليه وهو يعطي الناس، فقال: يا محمد قد رأيتُ
ما صنعتَ في هذا اليوم؛ فقال رسولُ اللهِ وَّر: ((أجل، فكيف رأيت؟)) فقال: لم أرك
عَدَلْتَ؛ قال: فغضِب النبيُّ وََّ، ثم قال: ((وَيْحَكَ! إذا لم يكن العَدْلُ عندي، فعند مَنْ
يكون؟!)) فقال عمر بن الخطّاب: يا رسول الله، ألا أقتلُه؟ فقال: ((لا، دَعْه فإنه سيكون
له شيعةٌ يتعمَّقُون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السَّهْمُ من الرَّمِيَّةُ، يُنظر في
النَّصْل، فلا يوجد شيء، ثم في القِذْح، فلا يوجد شيء، ثم في الفُوقِ، فلا يوجد
شيء، سَبَق الفَرْثَ والدَّمَ)) .
قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن عليّ بن الحسين أو جعفر بمثل حديث أبي
عُبيدة، وسماه ذا الخُوَيْصرَة.
شعر حسَّان في جرمان الأنصار
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي نَجيح، عن أبيه بمثل ذلك.
قال ابن هشام: ولما أعطَى رسولُ اللهِ وَلَهُ ما أعطَى قريش وقبائلِ العرب، ولم يعطِ
الأنصارَ شيئًا، قال حسَّان بن ثابت يعاتبه في ذلك:
حديث ذي الخويصرة(١):
وذكر حديثَ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيميّ، وما قال فيه النبيُّ عليه السلام وفي شيعته، وقال
في حديث آخر: ((يَخْرُج من ضِئْضِئِه قومٌ تحقرون صلاتكم إلى صَلاتِهم، وصيامكم إلى
صِيَامِهِمْ يَمْرُقُون من الدين كما يَمْرُق السَّهُمْ من الرَّمِيَّة)) الحديث، فكان كما قال - وَه ـ
وظهر صِدْقُ الحديث في الخوارج، وكان أوّلهم من ضِئْضِئِي ذلك الرجلِ، أي: من أَضْلِه،
وكانوا من أهل نَجْدِ التي قال فيها النبيّ ◌َّهِ: ((منها يَطْلعِ قَرْنُ الشّيْطَانِ))، فكان بدؤُهم من
ذي الخُوَيْصِرَةِ، وكان آيتهم ذو الثُّدَيَّة الذي قَتَله عليٍّ رضي الله عنه، وكانت إحدى يديه
كَتَذْي المرأة، واسم ذي الثُّدَيَّة نافع، ذكره أبو داود، وغيره يقول اسمه: حُزْقُوص [بن زهير]
وقول أبي داود أصحُ، والله أعلم.
شعر حسَّان في عتابه اَل 9
وذكر شعر حسَّان وفيه:
(١) أخرجه البخاري (٢١/٩) ومسلم والبيهقي (١٧١/٨).
٢٧٤

زادَتْ هِمُومٌ فماءُ العينِ مُنْحَدِرٌ
وَجْدًا بشمَّاءَ إذْ شَمَّاءُ بَهْكَنَةٌ
دَعْ عنك شَمَّاءَ إذ كانت مودّتُها
وأْتِ الرَّسول فقُل يا خيرَ مؤْتَّمَنٍ
علامَ تُذْعَى سُلَيْمٌ وَهْي نازِحةٌ
سَمَّاهُمُ الله أنْصَارًا بِنَصْرِهِم
وسارعوا في سبيلِ اللهِ واعترفُوا
والناس ألْبٌ علينا فيك ليس لنا
نجالِدُ النَّاسَ لا نُبْقَي على أحَدٍ
ولا تَهِرّ جُناةُ الحَرْب نادِیَنا
كما ردَذْنا ببَذْرٍ دون ما طَلَبُوا
ونحن جُنْدُك يوم النَّعْف من أُحُد
فمَا وَنِينا وما خِمْنا وما خَبَرُوا
سَحا إذا حَفَلَتْهُ عَبْرَةٌ دِرَر
هَيْفاءُ لا ذَنَنّ فيها ولا خَوَر
نَزْرًا وشرٌّ وَصَالِ الواصِلِ النَّزر
للمُؤمنين إذا ما عُدّدَ البَشَر
قُدَّامَ قوم ◌ُمُ آوَوْا وهُمْ نصرُوا
دينَ الهُدَى وعَوَانُ الحرب تسْتَعِرُ
للنَّائبات وما خامُوا وما ضجِرُوا
إلّ السَّيوفَ وأطْراف القَنا وَزَرُ
ولا تُضَبِعُ ما تُوحِي بِه السُّوَرُ
ونحنُ حين تَلَظَّی نارُهَا سُعُرُ
أهلَ النّفاق وفينا يُنْزَلُ الظَّفَرُ
إذْ حزَّبتْ بطَرًا أحزابها مُضَر
مِنَّا عِثارًا وكلّ الناس قد عَثرُوا
قال ابن هشام: حدّثني زياد بن عبد الله، قال: حدّثنا ابن إسحق: قال: وحدّثني
عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبِيد، عن أبي سعيد الخُذْرِيّ، قال: لما أغطى
رسولُ اللهِ وَّ ما أعْطَى من تلك العَطايا، في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في
الأنصار منها شيءٌ، وجَد هذا الحيَّ من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة
حتى قال قائلهم: لَقَدْ لَقَى والله رسولُ اللهِ وَ لَّ قومَه، فدخل عليه سعد بن عُبادة، فقال:
يا رسول الله، إنّ هذا الحيّ من الأنصارِ قد وَجَدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في
هذا الفيء الذي أصبتَ، قَسَمْت في قومك، وأعطيت عَطَايا عِظامًا في قبائل العرب، ولم
يَكُ في هذا الحيِّ من الأنصارِ منها شيء. قال: ((فأين أنت مِنْ ذلك يا سعد؟)) قال: يا
رسول الله، ما أنا إلاّ من قومي، قال: ((فاجْمَغْ لي قومك في هذه الحظيرة)). قال:
فخرج سعد، فجمع الأنصارَ في تلك الحَظِيرَةِ قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم،
هَيْفَاء لا ذَننّ فيها ولا خَوَرُ
الذَّنَنُ: الغَدْرُ والتَّفْلُ، والذَّنِينُ المخاط، والذَّنَنُ أيضًا ألاَّ ينقطع حَيضُ المرأة، يقال:
امرأة دَنَّاءُ، ولو رُوي بالدال المهملة لكان جَيِّدًا أيضًا، فإن الدَّنَنَ بالدال هو قِصَرُ العُنْقِ
وتَطَامُنِها، وهو عَيْبٌ. والبَهْكَنَةُ: الضَّحْمَةُ.
٢٧٥

فدخلوا، وجاء آخرون فردّهم فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحيُّ
من الأنصارِ، فأتاهم رسولُ اللهِ وَّر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهلُه ثم قال: ((يا مَعْشَرَ
الأنصارِ: ما قالَةٌ بلغتني عنكم، وجِدَةٌ وَجَدْتُموها عَلَيَّ في أنفسكم؟ ألم آتِكُم ضُلاّلاً
فهداكم الله، وعَالَةً فأغناهم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم!)) قالوا: بلى، الله ورسوله
أمَنُّ وأفْضَلُ، ثم قال: ((ألا تُجيبونني يا مَعْشَرَ الأنصار؟)) قالوا: بماذا نجيبك يا رسول
الله؟ لله ولرسوله المَنَّ والفَضْلِ. قال ◌َ ◌ّهِ: ((أما والله لو شئتم لقلتم، فَلَصَدَقْتُمْ وَلَصُدُقْتُمْ:
أتَيْتَنا مُكَذَّبًا فصدَّقناك، ومَخْذُولاً فَتَصَرْنك، وطريدًا فَآوَيْنَاك، وعائلاً فآسَيْنَاك. أَوَجَدْتم یا
مَعْشَر الأنصار في أنفسكم في لُعَاعَةٍ من الدّنيا تألَّفْتُ بها قوْمًا ليُسْلِموا، ووكلتكم إلى
إسلامِكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناسُ بالشاة والبعير، وترجعوا
برسول الله إلى رِحالكم؟ فوالذي نفسُ محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار،
ولو سلك الناس شِعْبًا وسَلَكت الأنْصَارُ شِعْبًا، لسلكْتُ شِعْبَ الأنصار. اللَّهُمَّ ارْحَم
الأنصارَ، وأبناءَ الأنصارِ، وأبناء أبناء الأنصار)).
قال: فبكى القوم حتى أخْضَلُوا لِحاهُمْ، وقالوا: رضينا برسول الله قَسْمًا وحظًا. ثم
انصرف رسولُ اللهِ وَ ل﴿، وتفرّقوا.
حول عتاب النبيّ للأنصار:
فصل: وذكر قول النبيِّ - وَه - للأنصار: «مَا قَالٌ بلغتني عنكم وجِدَةٌ وجدتموها في
أنفسكم، هكذا الرواية: جِدَةٌ والمعروف عند أهل اللغة: مَوْجِدَة إذا أردت الغَضَب، وإنما
الجِدَةُ في المال.
وقوله عليه السلام: في لُعَاعَةٍ من الدنيا تألّفتُ بها قومًا، ليُسْلِموا. الْلِعَاعَةُ بَقْلةٌ ناعمة،
وهذا نحو من قوله عليه السلام: ((المالُ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ))(١)، والَّلعَةُ من هذا المعنى، وهي
المرأة المليحة العَفيفة، والَّعْلَعُ: السَّرَابُ، ولُعَاعُهُ: بَصِيصُه.
جعيل بن سراقة:
وذكر جُعَيْلَ بِنْ سُرَاقَة، وقول النبيّ - وَهــ فيه: ووكَلْتُ جُعيْل بن سُرَاقَةً إلى إسلامه.
نسب ابنُ إسحق جُعَيْلاً إلى ضَمْرَةَ، وهو معدود في غِفَارٍ، لأن غِفارًا، هم بنو مُلَيْل بن
ضَمْرَةً من بني لَيْث بن بَكْر بن عَبْدِ مَنَةً بن كِنَانَةً. وأما حديث التَّمِيمي الذي قال للنبيّ ◌َِّ
(١) أخرجه الطبراني (١٩/ ٣٥٠) وأبو نعيم في الحلية (٦٤/٢) والحميدي (٧٤٠) وعبد الرزاق (٦٩٦٢)
بلفظ ((الدنيا)) وانظر (٢٤٦/١١).
٢٧٦

عمرة الرسول من الجعرانة واستخلافه عتاب بن أسيد على مكّة، وحجَ عتاب
بالمسلمين سنة ثمان:
اعتمار الرسول واستخلافه ابن أسيد على مكّة:
قال ابن إسحاق: ثم خرج رسولُ الله وَلجر من الجِغْرانة معتمرًا، وأمر ببقايا الفيء
فحُبِس بمَجَنَّة، بناحية مَرّ الظَّهْران، فلما فرغ رسولُ الله وَلِّ من عُمْرته انصرف راجعًا إلى
المدينة واستخلف عَتَّاب بن أسِيدٍ على مكّة، وخَلَّف معه مُعاذ بن جَبَل، يفقِّه الناس في
الدين، ويعلمهم القرآن، واتُّبع رسولُ اللهِ وَلّ ببقايا الفيء.
قال ابن هشام: وبلغني عن زيد بن أسلم أنه قال: لما استعمل النبيُّ وََّ عَتَّابَ بن
أسيد على مكّة رزقه كلَّ يوم درهمًا، فقام فخطب الناسَ، فقال: أيها الناس، أجاعَ الله
كَبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسولُ اللهِ وَطِّ درهمًا كلّ يوم، فليست بي حاجة
إلى أحد.
وقت العُمرة:
قال ابن إسحاق: وكانت عُمرة رسول الله ﴿ في ذي القَعْدة، فقدم رسولُ الله ◌َِل
المدينة في بقيّة ذي القعدة أو في ذي الحِجَّة.
قال ابن هشام: وقَدِم رسولُ اللهِ وَرَّ المدينة لست ليالٍ بقين من ذي القعدة فما
زعم أبو عمرو المدني.
حين أُغْطَى المؤلفة قلوبُهم: لم أرك عدلت، فغضب النبيُّ بِِّ، ثم قال: ((إذا لم يكن العَدُل
عندي، فعند مَنْ يكون؟)) وقال أيضًا: ((إني أرى قِسْمَةً ما أُريد بها وَجْهُ الله))، فقال ◌ٍَّ:
((أيأمَنُني الله في السماء، ولا تَأْمَنُوني))، أو كما قال ◌ََّ، فالرجل هو ذو الخُوَيْصِرَة، كذلك
جاء ذكره في الحديث.
ويذكر عن الواقدي أنه قال: هو حُزْقُوصُ بن زُهَيْرِ السَّعْدي من سَعْدٍ تميم، وقد
كان لحُرْقُوصِ هذا مشاهد محمودة في حَرْب العراق مع الفُرس أيّام عُمَر، ثم كان خارجيًا،
وفيه يقول نحيبة الخارجي:
حتى أُلاقي في الفِزْدَوْس حُزْقُوصًا
ولذلك قال فيه النبيّ وَله: ((إنه سيكون من ضِتْضِئِه قوم تحقرون صلاتكم إلى
صلاتهم))، وذكر صفة الخوارج، وليس ذو الخُوَيْصِرَة هذا ذا النّدَيَّة الذي قتله عليٍّ بالنّهْر،
وأن ذلك اسمُه نافعٌ، ذكره أبو داود، وكلام الواقدي حكاه ابن الطلاّع في الأحكام له.
٢٧٧

قال ابن إسحاق: وحجّ الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحجّ عليه، وحجّ
بالمسلمين تلك السنة عَتَّابُ بن أسيد، وهي سنة ثمان، وأقام أهل الطائف على شِرْكِهِمْ
وامتناعهم في طائفهم، ما بين ذي القَعدة إذ انصرف رسولُ اللهِ وَّ إلى شهر رمضان من
سنة تسع .
أمر كعب بن زهير بعد الانصراف عن الطائف
ولما قدم رسولُ اللهَ وَّهُ من مُنْصَرَفِه عن الطائف كتب بُجَير بنُ زُهَير بن أبي سُلْمَی
إلى أخيه كَعْب بن زُهير يُخبره أن رسولَ الله وَّر قتل رجالاً بمكّة، ممن كان يهجوه
ويؤذيه، وأن من بقي من شُعراء قريش، ابنُ الزَّبَعْرَى وهُبَيْرَة بن أبي وَهْب، قد هربوا في
كلّ وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة، فطِرْ إلى رسول الله وَّرَ، فإنه لا يقتل أحدًا
جاءه تائبًا، وإن أنت لم تفعل فانجُ إلى نجائك من الأرض؛ وكان كَعْب بن زُهَير قد
قال :
فهل لكَ فيما قلتُ وَيْحِكَ هَلْ لَكا؟
ألا أبْلِغا عَنّي بُجَيْرًا رِسالةً
عَلى أيّ شيءٍ غيرِ ذلك دَلَّكا
فَبَيِّن لنا إنْ كنتَ لستَ بفاعِلٍ
عَلَيْهِ وما تُلْفِي عَلَيْهِ أَبًا لَكا
على خُلُقٍ لم أُلْفِ يَوْمًا أبالَهُ
ولا قائل إمَّا عَثِرْتَ لَعًا لَكا(١)
فإن أنتَ لم تفعل فلست بآسفٍ
فأنهَلكَ(٢) المأمونُ منها وعَلَّكَا(٣)
سَقاكَ بِها المأمونُ كأْسًا رَوِيَّةً
قال ابن هشام: ويُروى ((المأمور)). وقوله: ((فبين لنا)) عن غير ابن إسحق.
شعر بجير وكعب ابني زهير
فصل: وذكر قصَّةَ بُجَيْر بن زُهَير بن أبي سُلْمَى، واسم أبي سُلْمى: ربيعة بن رِيَاح
أحد بني مُزَيْنَةً .
وفي شعر کعب إلى أخيه بجير:
سَقَاكَ به المأمونُ كَأْسّا رَوِيَّةً
ويُروى: المحمودُ في غير رواية ابن إسحق، أراد بالمحمود: محمدًا - وَله - وكذلك
المأمون والأَمين كانت قريشْ تسمّى بهما النبيَّ ◌َّه قبل النبوّة.
(١) لعاً لك: كلمة تقال للعائر، وهي دعاء له أن يقوم.
(٢) النهل: الشرب الأول.
(٣) العلك: الشرب الثاني.
٢٧٨

وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر وحديثه:
فهل لكَ فيما قلتُ بالخَيْف هل لَكا
مَنْ مُبْلِغْ عَنّي بُجَيْرًا رسالةً
فأنهَلكَ المأمونُ منها وعَلَّكا
شَرِبتَ معَ المأمون كأسًا رَوِيَّة
على أيّ شيءٍ وَيْبَ غيرِك دَلَّكا
وخالفتُ أسبابَ الهُدَى وانَّبعتَه
عليه ولم تُذْرِك عليه أخًا لَكا
على خُلُقٍ لم تُلْفِ أُمَّا ولا أبًا
ولا قائلٍ إِمَّا عَثْتَ لَعّا لَكا
فإن أنتَ لم تفعل فلستُ بآسف
قال: وبعث بها إلى بُجَير، فلما أتَتْ بُجيرًا كَرِه أن يكتُمَها رسولَ الله وَّرَ، فأنشده
إيّاها، فقال رسولُ اللهِ وَّو لما سمع ((سقاك بها المأمون)). صدق وإنه لكَذوب، أنا
المأمون: ولما سمع: ((على خُلُق لم تُلْفِ أُمَّا ولا أبًا عليه)) قال: أجل، لم يُلْف عليه أباه
ولا أُمَّه.
ثم قال بُجَير لكعب:
تلوم عليها باطلاً وهيَ أخزَمُ
مَنْ مُبْلِغ كعْبًا فهلْ لكَ في التي
فتنجو إذا كان النَّجاء وتَسلمُ
إلى الله (لا العُزَّى ولا اللاتِ) وخدَه
من النَّاس إلاّ طاهرُ القَلْبِ مُسْلِم
لَدَى يَوْم لا ینْجُو وليس بمُفْلِتٍ
ودين أبي سُلْمَى عليَّ مُحَرَّم
فدينُ زُهير وهو لا شيءَ دينُه
وقوله لأخيه بُجیْر:
على خُلُقٍ لم تُلْفِ أُمَّا ولا أبًا عليه، ولم تُذْرِك عليه أخّا لَكّا
إنما قال ذلك، لأن أُمهما واحدةٌ، وهي كَبْشَةُ بنت عَمَّار السُّحَيْمِيَّة فيما ذكر ابن
الأعرابي عن ابن الكُلْبِي.
وقوله: إمَّا عَثَرْتَ لَعًا لَكًا، كلمة تقال للعاثر دعاء له بالإقالة، قال الأغشى:
مِنْ أنْ يُقَال لَعَالَها
فالتَّغْسُ أَذْنّى لَهَا
وأنشد أبو عُبَيْد:
فلا لَعَا لبني فعلان إذا عَثَرُوا
وقول بجير:
ودين زُهَيْر وهو لا شَيءَ دينُه
٢٧٩

قال ابن إسحاق: وإنما يقول كعب: ((المأمون))، ويقال: ((المأمور)) في قوله ابن
هشام: لقول قريش الذي كانت تقوله لرسول الله وَ ال.
قدوم كعب على الرسول وقصيدته اللاميّة
قال ابن إسحاق: فلما بلغ كَعْبًا الكتابُ ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه،
وأرجف به مَنْ كان في حاضره من عَدُوّه، فقالوا: هو مقتول: فلما لم يجد من شيء
بُدًّا، قال قصيدته التي يمدح فيها رسولَ اللهِ وَّه، وذكر فيها خوفَه وإرجاف الوشاة به
روايةٌ مستقيمة، وقد رواه القالي، فقال: وهو لا شيء غيره، وفسَّره على التقديم
والتأخير أراد: ودين زهير غيره، وهو لا شيء. ورواية ابن إسحق أبعد من الإشكال
وأصحّ، والله أعلم.
وكعب هذا من فحول الشعراء هو وأبوه زُهَيْرٌ، وكذلك ابنه عُقْبَةُ بن كَعْبٍ بن زُهَيْر
يُعْرَفِ عُقْبَةُ بالمُضَرَّب، وابن عُقْبَة العَوَّامِ شاعرٌ أيضًا، وهو الذي يقول:
مَلاَحةُ عَيْنَيْ أُمْ عَمْرٍو وجِيدُها
ألا لَيْتَ شِغْرِي هل تَغَيَّر بعدنا
أَلاَ حَبَّذَ أخلاقُها وجَدِيدُها
وهل بَلِيَتْ أَثوابُها بعد جِدَّةٍ
ومما يُسْتَحْسَن ويُسْتَجاد من قول كَعْبٍ:
سَعْيُّ الفَتَى وهو مَخْبُوءٌ له القَدَرُ
لو كنت أَعْجَبُ من شَيْءٍ لأعْجَبَني
فالنَّفْسُ واحدةٌ والهَمْ مُنْتَشِرُ
لا تنتهي العَيْنُ حتى ينتهي الأثَرُ
يسعى الفتى لأمور ليس يُذرکها
والمرءُ مَا عَاشَ مَمْدودْ له أَمَلٌ
وقوله:
· كنت لا تَرْهَبُ ذَمِّي
فاخْشَ سُكُوتِي إذ أنا مُنْصِتٌ
فالسّامعُ الذَّمّ شريكٌ له
مقالةُ السُّوءِ إلى أهلِها
ومَنْ دعا الناس إلى ذَمْه
لِمَا تَعْرِف من صَفْحِي عن الجاهِلِ
فيك لِمَسْمُوع خّنَا القائِلِ
ومُطْعَم المأكُولِ كالآكِلِ
أَسْرَع من مُنْحَدر سَائِل
ذَمُّوه بالحَقِّ وبالباطِل
قصيدة بانت سعاد
وذكر قصيدته:
٢٨٠