النص المفهرس
صفحات 221-240
وَبِثْسَ الأمْرُ أمْرُ بَنِي قَسِيّ أضَاعُوا أمْرَهُمْ ولكُلّ قَوْمٍ فَجِثْنا أُسْدَ غاباتٍ إليهِمْ يُؤُمّ الجَمعَ جمعَ بَنِي فَسِيّ وأُقْسِمُ لو هُمْ مِكَثوا لَسِزْنا فَكُنَّا أُسْدَ لِيَّةَ ثَمَّ حتى ويومٌ كانَ قَبْلُ لَدَى حُنَيْنِ مِنَ الأَيَّامِ لم تَسْمَع كَيومٍ قَتلْنا في الغَبار بني خُطَيْطٍ ولم يك ذو الخِمار رئيسَ قَوْم أقامَ بِهِمْ على سَنَنِ المَنايا فأقْلَتَ مَنْ نجا منهمْ حَرِيضًا (٦) وَلا يُغْنِي الأمُورَ أخُو الشَّواني أحانَهُمُ وحانَ وَمَلْكُوهُ بنو عوف تَمِيح(٧) بِهم جِيادٌ فلَوْلا قارِبٌ وبنو أبِيهِ ولكنّ الرياسَة عُمِّموها أطاعوا قارِبًا ولهم جدود فإنْ يُهْدَوْا إلى الإسْلامِ يُلْفَوا بوَجٌ(١) إذْ تُقُسْمَتِ الأُمُورُ أميرٌ والدَّوائرُ قد تَدُورُ جُنودُ اللهِ ضاحيةٍ تَسيرُ عَلى حَنَقِ(٢) نَكادُ له نّطيرُ إليهِمْ بالجُنود ولم يَغُوروا أبَخناها وأسْلِمَتِ النُّصُورُ فأقْلَعَ والدُّمَاء بِه تَمُورُ(٣) ولم يَسْمَغْ بِه قَوْمٌ ذُكُورُ على راياتها والخَيْلُ زُورُ(٤) لهم عَقْلٌ يُعاقب أو مَكِيرُ(٥) وقد بانتْ لِمُبْصِرِها الأُمُورُ وقُتّلَ منهمُ بَشَر كثيرُ ولا الغَلِقِ الصُّرَيْرَةُ الحَصُورُ أُمُورَهُمْ وَأَقْلَتَتِ الصُّقُورُ أُهِينَ لهَا الفَصافِص(٨) والشّعير تُقُسِمَتِ المزارع والقُصورُ على يُمْنِ أشار به المُشِيرُ وأحلام إلى عِزْ تصيرُ أُنُوفَ النَّاسِ ما سَمَر السَّميرُ وذلك أن إخال في معنى: أظن، وليس يريد أنه يظن فيما يُسْتَقْبل، وإنما يريد أن يَخَالَ الآن أنْ سيكون ذلك، وقوله : فإن يُهْدَوْا إلى الإسلام يُلْقَوا أُنُوفَ النَّاسِ ما سَمَر السَّمِيرُ (١) الوجّ: السرعة. (٣) تمور: تسيل: (٥) مكير: ذو مكر وفطنة. (٧) تميح: تتمايل. (٢) الحنق: الغيظ . (٤) زور: مشددة بالأعنة. (٦) حريضًا: لا يستطيع النهوض. (٨) الفصافص: ضرب من الأعشاب. ٢٢١ وإن لم يُسْلِمُوا فَهُم أذَانٌ كما حَكَّتْ بني سَعْدٍ وحَرْبٌ بحرب الله ليسَ لهُمْ نَصيرُ برَهْط بني غَزِيَّةَ عَنْقَفِيرُ(١) إلى الإسلامِ ضائنَةٌ(٢) نَخُورُ كأنَّ بني مُعاويةً بنِ بَكْرٍ وقد برأتْ مِنَ الإحَنِ (٣) الصُّدورُ فقُلنا أسْلِمُوا إِنَّا أخُوكُمْ كأن القومَ إذْ جاءُّوا إلينا مِنَ البَغْضاء بعد السِّلم عُورُ أنوفَ الناس انتصب على الحال، لأنه نكرة لم يتعرَّف بالإضافة، لأنه لم يرد الأنوفَ بأعيانها، ولكن أشْرَافًا، وهذا كقوله: بِمُنْجَرِدٍ فَيْدِ الأَوابِدِ لأنه جعله كالقيد، ومثله ما ذكرناه قَبْلُ في: نصب غمائم الأبْصَار، على الحال، وليس هذا من باب ما منعه سيبويه حين قال معترضًا على الخليل: لو قلت مررت بقصير الطويل، تريد: مثل الطويل، لم يجز، والذي أراده الخليل هو ما ذكرناه في غير موضع من استعارةٍ الكلمة على جهة التشبيه، نحو قيد الأوابد، وأنوفَ الناس تريد: أشرافهم، فمثل هذا يكون وَصْفًا لِلنَّكِرَة وحالاً من المعرفة، وقد ألحق بهذا البابِ: له صَوْتٌ صَوْتُ الحمارِ، على الصِّفة، وضعَّفه سيبويه في الحال، وهو في الصفة أقْبَحُ، وإنما ألحقه الخليل بما تنَكَّر، وهو مضاف إلى معرفة من أجل تكرّر اللفظ فيه، فحسن لذلك. وقوله: وأُسْلِمَت النَّصُورُ. ذكر البرقي أن النُّصور هاهنا جمع: ناصر، وليس هو عندي كذلك. فإن فاعَلا قَلَّ ما يجمع على فُعُول، وإن جُمَع فليس هو بالقياس المُطْرِدِ، وإنما هم بنو نَصْرٍ من هَوَازِنْ رَهْطٍ مالك بن عَوْفِ النَّصْرِيّ يقال لهم: النُّصُور، كما يقال لبَنِي المُهَلَّب: المَهَالِية، ولِبَنِي المُنْذِر: المَنَاذِرة، وكما يقال الأشْعَرُون، وهم بنو أشْعَر بن أُدَد، والتّوَتْيَاتُ لبني تُوَبْتِ بن أسَد. جمع أخ وابن: وقوله: إنا أخوكم، جمع أخًّا جمعًا مسلمًا بالواو والنون، ثم حذفت النون للإضافة، كما أنشدوا: وقَدَّيْنَنَا بالأبينا ولما تَبيَّنَّ أصواتنا بكين (١) عنقفير: عجوز داهية. (٣) الإحن: العلل. (٢) ضائنة: منقبضة. ٢٢٢ قال ابن هشام: غَيلان: غَيلان بن سَلَمة الثقفي، وعُروة: عروة بن مسعود النُّقَفي. مصرع دريد: قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون، أتَوا الطائف ومعهم مالك بن عَوف وعسكر بعضهم بأوطَاس، وتوجَّه بعضهم نحو نَخْلة، ولم يكن فيمن توجّه نحو نخلة إلاّ بنو غِيرَةَ من ثقيف، وتبعت خيلُ رسولِ الله وَّر من سلك في نخلة من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا . فأدرك ربيعة بن رُفَيْع بن أُهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع بن سمَّان بن عوف بن امرىء القيس، وكان يقال له ابن الدُّغُنَّة وهي أُمه، فغلبت على اسمه، ويقال: ابن لذْعَة فيما قال ابن هشام - دُرَيْد بن الصمّة، فأخذ بخطام جمله وهو يظنّ أنه امرأة، وذلك أنه في شِجَارٍ له، فإذا برجل، فأناخ به، فإذا شيخ كبير، وإذا هو دُرَيْدُ بن الصِّمَّة ولا يعرفه الغلام، فقال له دُرَيد: ما تريد بي؟ قال أقتلك. قال: ومن أنت؟ قال: أنا رَبيعة بن رُفَيْع السُّلَميّ، ثم ضربه بسيفه، فلم يُغْن شيئًا، فقال: بئس ما سَلَّحتك أُمك! خذ سيفي هذا من مؤخّر الرحل، وكان الرحل في الشّجار، ثم ضرب به، وارفع عن العظام، واخفض عن الدماغ، فإن كنت كذلك أضرب الرجال، ثم إذا أتيتَ أُمَّك فأخبرها أنك قتلت دُرَيْد بن الصِّمَّة، فرُبّ والله يوم قد منعتُ فيه نساءَك. فزعم بنو سليم أن ربيعة لما ضربه فوقع تكشّف، فإذا عِجانه وبطون فَخِذيه مثل القِرْطاس، من ركوب الخيل أعراء؛ فلما رجع ربيعة إلى أُمّه أخبرها بقتله إياه، فقالت: أما والله لقد أعتق أُمَّهات لك ثلاثًا. فقالت عَمْرَةُ بنت دُرَيد في قتْل رَبيعةَ دُريدًا: ببَطْنِ سُمَيرَةٍ جَيْش العَناق لعمْرُكَ ما خَشيتُ علی دُرَیْدٍ وعقّتْهُمْ بما فَعَلوا عَقاقٍ جَزَى عنه الإلهُ بني سُلَيْمٍ دِماءَ خِيارهم عند الثَّلاقي وأسْقانا إذا قُذْنا إليهم وقد بَلَغَتْ نفوسُهُم التّراقي فرُبّ عظيمة دافعتَ عنهمْ وأُخرَى قد فكَكْتَ من الوَثاقِ ورُبَّ كرِيمَةٍ أعتقتَ منهُمْ أجَبْتَ وقد دَعاكَ بلا رَماقٍ ورُبَّ مُنَوهٍ بِكَ مِن سُلَيم ويجوز أن يكونَ وَضَع الواحدَ موضعَ الجميع، كما تقدّم في قوله: أنتم الولدُ، ونحن الولدُ. ٢٢٣ فكانَ جَزَاؤُنا منهُمْ عُقُوقًا عَفَتْ آثار خَيْلك بعد أيْنٍ وقالت عَمْرة بنت دُرَيد أيضًا: وهَمَّا ماعَ منهُ مُخْ ساقي بِذِي بَقَرٍ إلى فَيْفِ النُّهاقِ فظلّ دمعِي على السزبالِ يَنْجدرُ قالوا قتلنا دُرَيدًا قلتُ قد صَدقوا رَأَت سُلَيْم وكَعْب كيف تأتمِرُ لَوْلا الَّذِي قَهرَ الأَقْوَامَ كُلَّهُمُ حيثُ استقرّتْ نواهُم جَحْفَلٌ ذَفِر إذَنْ لصَبَّحهم غِبًّا وظاهرَةً قال ابن هشام: ويقال اسم الذي قتل دُرَيدًا: عبد الله بن قُنَيْع بن أُهبان بن تَعْلبة بن ربيعة . مصرع أبي عامر الأشعري: قال ابن إسحاق: وبعث رسولُ اللهِ وَ﴿ في آثار من توجّه قِبَل أوطاسٍ أبا عامر الأشعري، فأدرك من الناس بعضَ من انهزم، فناوشوه القتال، فرُمِي أبو عامر بسهم فَقُتِل؛ فأخذ الراية أبو موسى الأشعريّ، وهو ابن عمه، فقاتلهم، ففتح الله على يديه، وهزمهم. فيزعمون أن سَلمَة بن دُرَيْد هو الذي رَمى أبا عامر الأشعري بسهم، فأصاب ركبته، فقتله، فقال: ابنُ سَمادِير لِمَنْ تَوَسَّمَة إن تَسألوا عنّي فإني سَلَمَة أضربُ بالسيّف رُؤوس المسْلِمَة وسمادير: أُمه. حال بني رئاب في المعركة: واستحرّ القتل من بني نَصْر في بني رِئاب، فزعموا أن عبد الله بن قَيْس - وهو الذي يُقال له ابن العَوْراء، وهو أحد بني وَهْب بن رئاب - قال: يا رسولَ الله، هلّكت بنو رِئَّاب، فزعموا أن رسول الله وَه قال: ((اللهمّ اخْبُر مُصيبتهم)) . موقف قوم مالك بن عوف: وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة، فوقف في فَوَارس من قومه، على ثَنِيَّةٍ من الطَّريق، وقال لأصحابه: قِفُوا حتى تمُضِي ضُعَفاؤُكم، وتَلْحق أَخراكم فوقف هناك حتى ٢٢٤ مضَى مَن كان لَحِق بهم من مُنْهزمة الناس؛ فقال مالك بن عَوْف في ذلك: لضاق على العَضاريط الطَّريقُ ولولا كَرَّتانِ على مُحاجٍ لدَى النَّخَلاتِ مُنْدَفَع الشّديق ولولا كَرُّ دُهْمانَ بن نَصْر خَزَايا مُخْقِبين على شُقُوق لآبَتْ جَعفَرٌ وبنُو هِلال قال ابن هشام: هذه الأبيات لمالك بن عَوْف في غير هذا اليوم. ومما يدلُك على ذلك قولُ دُرَيد بن الصّمَّة في صَذْر هذا الحديث: ما فعلت كغْب وكلاب؟ فقالوا له: لم يَشْهدها منهم أحد. وجعفرٌ بن كلاب. وقال مالك بن عوف في هذه الأبيات: ((لَآبَتْ جَعفرٌ وبنو هلال)» . قال ابن هشام: وبلغني أن خيلاً طلعت ومالك وأصحابه على الثَّنِيَّة، فقال لأصحابه: ماذا تَرون؟ فقالوا: نرى قومًا واضعي رِماحهم بين آذان خيلهم، طويلةً بوادُّهم؛ فقال: هؤلاء بنو سُلَيم، ولا بأسَ عليكم منهم، فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي. ثم طلعت خيل أخرى تتبعها، فقال لأصحابه: ماذا تَرَوْن؟ قالوا: نرى قومًا عارضي رِماحهم، أغْفالاً على خيلهم؛ فقال: هؤلاء الأوس والخزْرَج، ولا بأس عليكم منهم، فلما انتهَوْا إلى أصل الثّنيَّة سلَكوا طريق بني سُلَيم. ثم طلع فارس؛ فقال لأصحابه: ماذا تَرَوْن؟ قالوا: نرى فارسًا طويل البَادِ، واضعًا رمحه على عاتقه، عاصبًا رأسه بملاءة حمراء، فقال هذا الزُّبير بن العوَّام وأحلِف باللاَّت ليخالطَنَّكم، فاثبتوا له. فلما انتهى الزُّبير إلى أصل الثَّنِيَّة أبصر القوم، فصمَدَ لهم، فلم يزل يُطاعِنهم حتى أزاحهم عنها. شعر سلمة في قرارة: قال ابن إسحاق: وقال سَلَمَة بن دُرَيْد وهو يسوق بامرأته حتى أعجزهم: ولقد عرفْتٍ غَداةَ نَعْف الأظْرُب نَسَّيْتِني ما كنتِ غيرَ مُصابَةٍ ومشيْتُ خلفَكِ مثل مشْيٍ الأنكَب أنّى مَنَعْتُكِ والرُّكُوبُ مُحبَّبٌ عَنْ أُمْه وخَليله لم يَعْقبِ إذ فرّ كلُّ مُهَذَّبٍ ذِي لِمَّةٍ من وصف الزَّبير: وقوله في صفة الزّبير: طويل البَادُ، أي: الفَخْرِ، والبَدَدُ: تباعُدُ ما بين الفَخِذَيْنِ. ٢٢٥ الروض الأنف/ ج ٤/ م ١٥ عود إلى حديث مصرع أبي عامر: قال ابن هشام: وحدّثني من أثق به من أهل العلم بالشعر، وحديثه: أن أبا عامرٍ الأشعريّ لقي يوم أوطاس عشرةً إخوة من المشركين، فحمل عليه أحدُهم، فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهمّ اشهد عليه، فقتله أبو عامر؛ ثم حمل عليه آخر، فحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهمّ اشهد عليه، فقتله أبو عامر. ثم جعلوا يحملون عليه رجلاً رجلاً، ويحمل أبو عامر وهو يقول ذلك، حتى قتل تسعة، وبقي العاشر، فحمل على أبي عامر، وحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الإسلام، ويقول: اللهمّ اشهد عليه؛ فقال الرجل: اللهمّ لا تشهد عليّ، فَكفّ عنه أبو عامر، فأفلت؛ ثم أسلم بعدُ فحسُن إسلامه. فكان رسولُ الله وَلَّ إذا رآه قال: «هذا شَريدُ أبي عامر)) ورمى أبا عامر أخوانٍ: العلاءُ وأوفى ابنا الحارث، من بني جُشَم بن معاوية، فأصاب أحدُهما قلبَه، والآخر رُكبته، فقتلاه وولِيَ الناسَ أبو موسى الأشعري فحمل عليهما فقتلهما، فقال رجل من بني جُشَم بن معاوية يرثيهما: وأوْفَى جَمِيعًا ولمْ يُسْنَدَا إنَّ الرَّزِيَّةَ قَتْلُ العَلاءِ وقد كان ذا هَبَّة أرْبَدَا هُما القاتِلانِ أبا عامِرٍ كأنّ على عِطْفه مُجْسَدَا هُما ترَكاه لدَى مَعْرَكِ أَقَلَّ عِثارًا(١) وأزمى يَدَا فلم تَرَ في النَّاسِ مُثْلَيْهِما النهي عن قتل الضعفاء قال ابن إسحاق: وحدّثني بعض أصحابنا: أن رسولَ الله وَلَه مرّ يومئذ بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد، والناس مُتَقَصَّفُون عليها، فقال: ((ما هذا؟)) فقالوا: امرأة قتلها خالد بن الوليد؛ فقال رسول الله وَلّ لبعض من معه: ((أدرِكْ خالدًا، فقل له: إن رسولَ الله ينهاك أن تقتل وَليدًا أو امرأة أو عسيفًا)). من أحكام القتال وقوله في المرأة المقتولة: أدرِكْ خالِدًا، فقل: إن رسولَ اللهِ وَلَه ينهاك أن تقتل وليدًا، أو امرأةً، أو عَسِيفًا العَسِيفُ: الأجيرُ، وهذا مُنْتزَع من كتاب الله تعالى، لأنه يقول: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقَاتِلُونَكم﴾ [البقرة: ١٩٠] فاقتضى دليلُ الخطاب ألاّ تُقْتَل المرأةُ إلاّ أن (١) العثار: الزلل. ٢٢٦ شأن الشيماء وبجاد: قال ابن إسحاق: وحدّثني بعض بني سعد بن بكر: أن رسول الله وَل* قال يومئذ: ((إن قَدَرتم على بِجادٍ، رجل من بني سعد بن بكر، فلا يَفْلِتَنْكم))، وكان قد أحدث حَدَثًا، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا معه الشَّيْماء، بنت الحارث بن عبد العُزَّى أختَ رسولِ الله وَّرَ من الرّضاعة، فعَنُفُوا عليها في السِّياق، فقالت للمسلمين: تعلّموا والله أني لأخت صاحبكم من الرّضاعة؛ فلم يصدّقوها حتى أتَوا بها إلى رسول الله څچلچ . قال ابن إسحاق: فحدّثني يزيد بن عُبيد السَّعديّ، قال: فلما انتُهيَ بها إلى رسول الله الَّ، قالت: يا رسول الله، إني أُختك من الرضاعة؛ قال: ((وما علامة ذلك؟)) قالت: عَضَّة عضضتنيها في ظهري وأنا مُتَوزكَتُك؛ قال: فعرف رسولُ الله وَّرَ العلامة، فبسط لها تقاتِلَ، وقد أخطأ من قاس مَسأَلة المُزْتَدَّةِ على هذا المسألةِ، فإن المرتدَّةَ لا تُسْتَرَقُّ ولا تُسْبَى، كما تُسْبَى نساءُ الحربِ وذَرَارِيهم، فتكون مالاً للمسلمين، فنهى عن قَتْلِهِنَّ لذلك. حکم رفع اليد في الدعاء: وذكر فيمن استشهد أبا عامر، واسمُه: عُبَيْدُ بن سُلَيْم بن حَصَّار، وهو عم أبي مُوسى عبدِ الله بن قيس الأشْعَرِيّ، وهو الذي اسْتَغْفَر له رسولُ الله - نَّهَ ـ حين قُتِل رافعًا يديه جِدًّا، يقول: ((الَّلهُمَّ اغفر لعبيد أبي عامر))(١) ثلاثًا، وفيه من الفقه رفعُ اليدين في الدعاء، وقد كرهه قوم، رَوى عبدُ الله بن عمر أنه رأى قومًا يرفعون أيديهم في الدعاء، فقال: أَوَقَدْ رفعُوها؟ قطعها الله، والله لو كانوا بأعْلَى شاهِقٍ ما ازدادوا من الله بذلك قُرْبًا، وذكر لمالك أن عامرَ بن عبد الله بن الزُّبَيْر كان يدعو بَأَثْرِ كلِّ صلاةٍ، ويرفع يديه، فقال: ذلك حَسَنٌ، ولا أرى أن يرفعهما جِدًّا. وحجّة من رأى الرفعَ أحاديثُ منها ما ذكرناه آنفا، ومنها حديثٌ تقدَّم في سَرِيَّةِ الغُمَيْصَاءِ حين رفعَ النبيُّ - صَ ل﴿ - يديه، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صَنَع خالد بن الوليد ثلاثَ مرّات ولكل شيءٍ وجهٌ، فمن كَرِهِ، فإنما كره الإفراطَ في الرفع كما كره رفعَ الصوت بالدعاء جدًا. قال ◌َّهِ: ((أَرْبِعُوا على أنفسِكم، فإنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا)»(٢)، وهو معنى قول مالك الذي قدمناه في رفع الیدین. (١) أخرجه البخاري (٤١/٤) ومسلم (١٩٤٤) وانظر الفتح (٤٢/٨). (٢) أخرجه البخاري (٦٩/٤) ومسلم في الذكر والدعاء (٤٤) وأحمد (٤٠٢/٤) والبيهقي في الصفات (٤٤٤ - بتحقيقي) وفي الكبرى (١٨٤/٢). ٢٢٧ رداءه، فأجلسها عليه، وخيَّرها، وقال: ((إن أحببتِ فعِندِي مُحَبَّةً مُكْرَمَة، وإن أُحْبَيْتِ أنْ أُمَتْعَك وترجعي إلى قومك فعلتُ))؛ فقالت: بل تمتّعُني وتردُّني إلى قومي، فمثَّعها رسولُ الله الَّ، وردّها إلى قومها. فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلامًا له يقال له مكحول، وجارية، فزوَّجت أحَدُهما الأُخرَى، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية (١). قال ابن هشام: وأنزل الله عزّ وجلّ في يوم حُنين: ﴿لَقَدْ نصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَذلكَ جَزَاءُ الكافِرِينَ﴾. شهداء يوم حنين: قال ابن إسحاق: وهذه تسمية من استُشْهِد يوم حُنين من المسلمين: من قريش ثم من بني هاشم: أيْمَن بن عُبيد. ومن بني أسد بن عبد العُزَّى: يزيد بن زَمَعَة بن الأسود بن المطّلب بن أسد، جَمَح به فرس له يقال له: الجناح، فقُتل. ومن الأنصار: سُرَاقةٌ بن الحارث بن عديّ، من بني العَجْلان. ومن الأشعريين: أبو عامر الأشعري. الحفنة وشاهت الوجوه: فصل: ومما ذُكِر في غَزْوةِ حُنَيْن من غير رواية ابن إسحق الحَفْنَةُ التي أخذها النبيّ وَله من البَطْحَاءِ، وهو على بَغْلَتِهِ، فرمى بها أوجه الكُفَّارِ، وقال: ((شاهت الوجوه))(٢)، فانهزموا. والمستقبلُ من شاهت: تَشَاهُ، لأن وزنه فَعِل، وفيه أنَّ البَغْلَة حَضَجَت به إلى الأرض حين أخذ الحَفْنَةَ، ثم قامت به، وفسّروا حَضَجَتْ، أي: ضربت بنفسها إلى الأرضِ، وألصقت بطنَها بالتراب، ومنه الحِضَاجُ، وهو زِقِّ مملوء قد أُسْنِد إلى شيء، وأُميل إليه، والبَغْلة التي كان عليها يَوْمَئِذٍ هي التي تُسَمَّى الْبَيْضَاءُ، وهي التي أهداها إليه فَرْوَةُ بنُ نُفَائَةَ، وقد تقدّم ذكر الأخرى، واسمها: دُلْدُلُ وذِكْرُ من أهداها إليه. نداء أصحاب الشجرة: وذكر نداءَ العباس: يا مَغْشَرَ أصحابِ السَّمُرَةِ، وكان العبَّاسُ صَيِّتًا جَهِيرًا. (١) انظر أسد الغابة (٧٠٤٩) الإصابة (٣٣٥/٤). (٢) أخرجه مسلم في الجهاد (٨١) وأحمد (٣٠٣/١) والدارمي (٢٢٠/٢) والحاكم في مستدركه (١٦٣/١) (١٥٧/٣) وابن منصور (٢٩١٣) وانظر الفتح (١٦٩/٧) والطبري في تاريخه (٣٤/٢). ٢٢٨ سبايا حنين يجمعون: ثم جُمِعتْ إلى رسولِ اللهِ وَ سَبايا حُنَيْن وأموالُها وكان على المغانم مسعودُ بن عمرو الغِفاريّ، وأمر رسولُ اللهِ وَّرَ وسلم بالسَّبايا والأموال إلى الجعْرَانة، فحُبِسَتْ بها. شعر بجير يوم حنين : وقال بُجَير بن زُهَير بن أبي سُلْمَى في يوم حُنَين : حين استخفَّ الرَّعبُ كُلَّ جَبانٍ لولا الإلهُ وعَبْدُه وَلَّيْتُم وسَوَابِحْ يَكْبُونَ للأذقانٍ بالجِزع يَوْمَ حَبّا لَنا أقْرَانُنا ومقطَّرٍ بسَنابكِ ولبَانِ مِنْ بينِ ساعٍ ثوبُهُ في كَفْهِ وأذَلَّهُمْ بعِبادَةِ الشَّيْطانِ والله أهْلَكَهُمْ وَفَرَّقَ جمْعَهُمْ قال ابن هشام: ويَزْوِي فيها بعضُ الرُّواة: يدعُون: لكَتيبةِ الإيمانِ إذْ قامَ عَمُّ نبِيْكم ووَلِيُّه يَوْمَ العُرَيض وبَيْعة الرّضْوانِ أين الذينَ هُمُ أجابوا ربَّهُمْ شعر لعباس بن مرداس في يوم حنين: قال ابن إسحاق: وقال عباس بن مِرداس في يوم حُنَين: وما يَتلو الرَّسولُ من الکتابِ إني والسَّوابح يومَ جَمْعٍ بجَنْبِ الشّعْب أمسَّ من العذاب لقد أحببتُ ما لَقِيتْ ثَقِيفٌ فقتلُهُم أَلَذُّ مِنَ الشَّرَابِ هُمُ رأسُ العدوّ من أهلِ نَجْدٍ وخگَّتْ بَزْگھا ببني رِئاب هَزَمْنا الجَمْعَ جمعَ بَني قَسِيّ بأوطاس تُعَفَّر بالتُّرَابِ وصِرْمًا(١) من هِلال غادرتهمْ لَقَامَ نِساؤُهم والنَّقْع كابي ولو لاقَيْنَ جمْعَ بنِي کِلابٍ ركَضْنا الخيلَ فيهم بين بُسّ إلى الأورال تَنْحِطُ بالنّهابِ وأصحاب السَّمُرَةِ: هم أصحابُ بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشِّجَرَةِ، وكانت الشجرةُ سَمُرَةً. (١) الصرم: الجماعة. ٢٢٩ كتِيبتَهُ تَعَرَّض للضُراب بذي لَجپٍ رسولُ الله فیھم قال ابن هشام: قوله: ((تُعَفَّر بالتراب)): عن غير ابن إسحق. ابن عفيف يردّ على ابن مرداس: فأجابه عطية بن عُفَيِّف النّصْريّ، فيما حدّثنا ابن هشام، فقال: وعبَّاس ابن رَاضِعةِ اللَّجابِ أفاخِرَةٌ رِفاعةُ في حُنَيْنٍ لرَبَّتها وترْفُلُ في الإهابِ فإنّكَ والفِجَارَ كَذَاتِ مِرْطٍ قال ابن إسحاق: قال عطية بن عُفيِّف هذين البيتين لمَّا أكثرَ عباسٌ على هَوَازِن في يوم حُنّين ورفاعة من جُهينة. شعر آخر لعباس بن مرداس : قال ابن إسحاق: وقال عبَّاس بن مرداس أيضًا: بالحقّ كلُّ هُدى السَّبیل ھُداکا يا خاتم النّبَاءِ إنّكَ مُرسَلٌ في خَلْقِه ومُحمَّدًا سَمَّاكا إنَّ الإِلَهُ بنى عليكَ محبَّةً جُندٌ بعَثْتَ عليهِمُ الضَّحَّاكا ثُمَّ الذينَ وَفَوْا بما عاهدتَهم لما تَكَنَّفَه العدُوُّ يَرَاكا رجُلاً به ذَرَبُ السّلاح كأنّه يبغي رِضَا الرَّحمن ثم رِضَاكا يغشى ذوي النَّسَب القَريب وإنما تحتَ العَجاجَة(١) يذْمَغُ الإشراکا أُنْبِيكَ أني قد رأيْتُ مَكَرّهُ الضخَّاك بن سُفيان: فصل: وذكر الضَّحَّاكَ بن سُفْيَان الكِلاَبِي، وهو الضَّحَّاكُ بن سُفْيَانَ بن عَوْف بن كَغْب بن أبي بكر بن كِلابِ الكِلائِيِّ، يكنى أبا سعيد، وكان يقوم على رأس النّبيِّ - اَلّ - مُتوشْحًا بالسيف، وكان يُعَدُّ وحدَه بمائة فارسٍ، وكانت بنو سُلَيْم يوم حُنَيْن تسعمائة، فأمَّره عليهم رسولُ اللهِ وَّهِ، وأخبره أنه قد تَمَّمَهُم به ألفًا، وإيّاه أراد عباس بن مِرْدّاسٍ بقوله: جُنْدٌ بعثتَ عليهم الضَّحَّاكَا (١) العجاجة: غبار المعركة. ٢٣٠ طَوْرًا يُعانِق باليَدَينِ وتارَةٍ يغشَى به هامَ الكماة(٢) ولو ترَى وبنو سُلَيْم مُعْنِقُون أمامه يَمْشُون تحتَ لِوَائِهِ وكأنَّهُمْ ما يَرْتَجُون مِن القَرِيبِ قرابة هذِي مَشاهدُنا التي كانَتْ لَنا وقال عباس بن مرداس أيضًا: إمَّا تَرَىْ يا أُمَّ فروةَ خَيْلَنا أوْهَى مُقارَعَة الأعادِي دمَّها فلربَّ قائِلَةٍ كَفاها وَقْعُنا لا وَقْدَ كالوَفْدِ الأُلَى عِقَدوا لنا وفد أبو قطّنٍ حُزابة منهُمُ والقائد المِئَة التي وفّى بها جمعتْ بنو عوْف ورهط مُخاشِن فهناك إذْ نُصِرَ النَّبِيُّ بِألْفِنا فُزْنا برايَتِه وأوْرَثَ عَقْدُه وغداة نحنُ مَع النَّبيّ جناحُه كانَتْ إجابَتُنا لدَاعي رَبِّنا يَفْرِي (١) الجماجِمَ صارمًا بَّاكا منه الذي عاينتُ كان شِفاكا ضَرْبًا وطَغْنًا في العدوّ دِراکا أُسْدُ العِرِينِ أرَدْنَ ثَمّ عِراكا إلاَّ لطاعة ربهِم وَهَوَاكا مَعْروفَةً وَوَلِيُّنا مَوْلاكا منها مُعَطَّلة نُقاد وظُلَّعَ فيها نَوافذُ مِن جِراحٍ تَنْبَعُ أزْمَ الحروب فسِرْبُها لا يُفْزَعُ سَبَبًا بِحَبْلٍ محمدٍ لا يُقْطع وأبو الغُيُوث وواسِعٌ والمِقْنع تسْعَ المِئين فَتمّ ألفٌ أُقْرَعُ سنًّا وأخلب من خُفافٍ أربعُ عقدَ النَّبِيّ لنا لوَاءٌ يَلْمَعُ مَجْدَ الحَياة وسُودَدًا لا يُنزَعُ بيِطاحِ مكّة والقَنا يَتهزَّعُ بالحَقّ منَّا حاسرٌّ ومُقَنَّعُ وقال البرقي: ليس الضَّخَّاكُ بن سُفيان هذا بالكِلابي، إنما هو الضخَّاك بن سُفْيَان السُّلَمِي. وذكر من غير رواية البكائي عن ابن إسحق نسبَه مرفوعًا إلى بُهْثَةَ بن سُلَيْمٍ، ولم يذكر أبو عُمَر في الصحابة إلاّ الأوّل، وهو الكِلابي، فالله أعلم. (١) يفري: يقطع. (٢) الكمأة: الأبطال. ٢٣١ في كُلّ سابِغَةٍ تخَيِّر سَزْدَها . ولَنا على بثري حُنيْن موكِبٌ نُصِرَ النَّبيّ بنا وكُنَا مَغْشَرًا ذُدْنا غداتَئذٍ هوازنَ بالقَّنا إذْ خافَ حَدَّهم النبيُّ وأسْندوا تُذْعَى بنو جُشَم وتُدعَى وَسْطه حتى إذا قالَ الرَّسولُ مُحَمَّدٌ رُخْنا ولولا نحنُ أجْحَفَ بأسَهُم وقال عباس بن مرداس أيضًا في يوم حُنَين: داودُ إذ نَسَجِ الحديدَ وتُبْعُ دَمِغَ النَّفاقَ وهَضبَةِ ما تُقْلَع في كُلّ نائبَةٍ نَضُرّ ونَتْفَعَ والخيْلُ يغْمُرُها عَجاجٌ يَسْطعُ جمعًا تكاد الشّمْسُ منه تَخشعُ أقْناءُ نَصْرٍ والأسِنَّةُ شُرَّعُ أَبَني سُلَيْم قد وَفيْتُمْ فازفَعوا بالمُؤمنين وأخْرَزُوا ما جَمَّعُوا فَمِطْلاَ أرِيكِ قد خَلا فالمصانع عفا مِجْدَلٌ من أهْلِه فَمُتالِعُ رخيُّ وصرف الدار للحَيّ جامعُ ديارٌ لنا يا جُمْل إذْ جُلُّ عيشِنا لِبَيْنٍ فهل ماض من العيش راجعُ حُبَيِّبَةٌ ألْوتْ بها غُزبة النَّوَى فإني وزيرٌ للنَّبِيِ وتابع فإن تبْتَغي الكُفَّارَ غيرَ ملومة قصيدة ابن مرداس العينية : وذكر شِغْرَ عباس بن مِزْدَاسٍ الذي أوّله: عفا مِجدلٌ من أَهْلِه فمُتَالِعُ المِجِدَلُ: القصر، وهو في هذا البيتِ اسمٌ عَلَمْ لكان. وفيه: فمِطْلاً أريكٍ. المِطْلُ: يُمَدُّ ويُقْصَر، وهي أرض تَعْقِل الرِّجْلَ عن المشي، فقيل: إنها مِفْعَال من الطِّلْي وهو الجري يُطْلَى، أي: تُعْقَل رِجْلُه، وقيل: إن المِطْلاَءِ فِعْلاَءُ من مَطَلْتُ إذا مَدَدْتُ، وجمعَه: مَطَال في الأمالي(١): أُمَا تَسْأَلان الله أن يَسْقِي الحِمَى ألاَ فَسَقَى الله الحِمَى فالمَطَالِیًا (١) انظر الأمالي (١/ ٢). ٢٣٢ دعانا إليهم خَيْرُ وفْد عَلِمتُهم فجِئنا بألفٍ من سُلَيْم عليهمُ نُبايعُهُ بِالأخْشَبَيْنِ وإِنَّمَا فجُسْنا معَ المهديّ مكّة عَنْوَةٌ عَدنيةٌ والخَيْلُ يَغْشَى مُتونها ويومَ حُنَين حين سارَت هَوازِن صَبَرْنا مع الضّحَّاك لا يستفِزّنا أمامَ رَسولِ اللهِ يَخْفِقُ فوقَنا عشيةً ضحاكُ بنُ سُفيانَ مغتصٍ نَذُود أخانا عن أخِينا ولو نَرَى ولكن دينَ الله دينُ محمَّدٍ خُزَيْمَةُ والمَرّار منهُم وواسعُ لَبُوسٌ لهم من نَسْجِ داوُدَ رائعُ يَدَ اللهِ الأخْشَبَينِ نُبايعُ بأسْيافنا والنّقْعُ کابٍ وساطعُ حميمٌ وآنٍ من دَمِ الجَوْف ناقع إلينا وضاقتْ بالنّفوس الأضَالعُ قِرَاعُ الأعادِي منهُم والوقائعُ لواءٌ كخُذْرُوف(١) السَّحابة لامعُ بسيفِ رسول اللهِ والموتُ كانعُ(٢) مَصَالاً(٣) لكُنَّا الأَقْرَبِينَ نتابعُ رضينا به فيه الهُدَى والشّرائعُ وفيه : مَصَالاً لكنَّا الأقْرَبِين نتابع تَذُود أخانا عن أخِينا، ولو نرى يريد أنه من بني سُلَيْم، وسُلَيْمٌ من قيس، كما أن هَوَازِن من قَيْسٍ، كلاهما ابن منصور بن عِكْرَمَةَ بن خَصَفَةَ بن قَيْسٍ، فمعنى البيت: نقاتِل إخوتنا، ونذودهم عن إخوتنا من سُلَيْمٍ، ولو نرى في حكم الدين مَصالاً مَفْعَلاَ من الصَّوْلَةَ، لكنا مع الأقربين هَوَازن: رضينا به في الهُدَى والشَّرَائِع ولكنَّ دِينَ اللهِ دينُ مُحَمَّدٍ وفيه قوله: خُزَيْمَةُ والمَدَّارُ منهم وواسِعُ دَعَانا إليه خيرُ وَقْدٍ عَلِمتُهم هؤلاء وفد بني سُلَيْم وفدوا على النبيّ - وَّرَ - فأسلموا، ثم دَعَوا قومهم إلى الإسلام، فذكر فيهم المَدَّار السُّلَميَّ، وواسعًا السُّلَمِيَّ، وخُزَيْمَةً، وهو خُزَيْمَةُ بن جَزِيٍّ أخو حِبَّنَ بن جَزِيٍّ، وكان الدَّارَقُطْنِي يقول فيه: جِزيٍّ بكسر الجيم والزاي. وفيها : يدَ الله بين الأخْشَبَيْنِ نُبايع (١) خذرف: سريع السير. (٣) مصالاً: اختيارًا. (٢) كانع: قريب. ٢٣٣ وليس لأمْرٍ حَمَّهُ الله دافِعُ أقامَ به بعد الضّلالةِ أمْرَنا من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُبايعُونَك إنما يُبَايعون الله يَدُ اللهِ فوقَ أيْدِيهم﴾ [الفتح: ١٠] أقامَ يدَ رسولِ اللهِوَّهَ مقام يدِه، كما قال - رَ ﴿هـ في الحَجَرِ الأسْوَدِ: ((هو يَمِينُ اللهِ فِي الأَرْضِ))(١)، أقامه في المُصَافحة والتَّقْبِيل مَقَّامَ يمين المَلِكِ الذي يُصافح بها، لأن الحاجَّ وافدٌ على المَلِك الأعْلَى وزائرٌ بيته، فجعل تقبيلَه الحَجَرِ مُصَافَحَةٌ له، وكما جُعِلت يمينُ السائل الآخذ للصدقة المتقبلة يمينَ الرحمن سبحانه تَرْغيبًا في الصَّدَقة، وتبشيرًا بقبولها، وتعظيمًا لحُرمَةِ مَنْ أُعْطِيت له، فإنما أعطاها المتصدِّق لله سبحانه، وإيّاه سُبْحَانَه أَفْرَضَ، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ويأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] وقال ◌َله: ((إنما يضعها في كفِّ الرحمن يُرَبِيها له))(٢) الحديث. شعر عباس الكافي: وقول عباس في الشعر الكافي : في خلقه ومُحَمَّدًا سَمَّاكًا إن الإلَهُ بَنى عليك مَحبَّةً معنى دقيق وغرض نبيل وتَفَطُّنْ لحكمة نَبَويَّةٍ قد بيَّنَّاها في غير موضع من هذا الكتاب وغيره في تسمية الله تعالى لنبيّه مُحَمَّدًا وأَخْمَد، وأنه اسم لم يكن لأحد من قومه قبله، وأنَّ أُمَّه أُمِرَتْ في المنام أن تسمّيه محمدًا، فوافق معنى الاسم صفَةً المسمَّى به موافقةً تامَّةً قد بينًا شَرْحَها هنالك، ولذلك قال: بَنَى عليكَ محبةً، لأن البناءَ تركيب على أُسِّ، فأسَّسَ له سبحانه مُقَدِّمَاتٍ لِنُبوَّته منها: تسميته بمحمد قبل أن يُولد، ثم لم يزل يدرجه في محامد الأخلاق وما تحبّه القلوب من الشّيم، حتى بلغ إلى أعلى المحامد مَرْتَبَةٌ، وتكاملت له المحبةُ من الخالق والخَلِيقة، وظهر معنى اسمِه فيه على الحقيقة، فهو الَّلبِنَةُ التي استتمّ بها البنَاءُ، كما أخبر عليه السلام، وهذا كلّه معنى بيت عباس، حيث قال: إن الإِلَّهَ بنى عليك، البيت. (١) أخرجه الخطيب في تاريخه (٣٢٨/٦) وابن عدي في الكامل (١٧/٢). وفيه إسحق بن بحر الكاهلي متّهم بالكذب والوضع. فالحديث باطل مرفوعًا، ورُوي موقوفًا على ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه ابن قتيبة في غريب الحديث (٩٧). وفيه إبراهيم الخوزي وهو متروك الحديث. وانظر مزيد فائدة وبيان مجموع الفتاوى لابن تيمية رحمه الله تعالى وجزاه الله عنّا كل خير (٣٩٨/٦). (٢) أخرجه البخاري (١٣٤/٢) ومسلم وأحمد (٣٣١/٢) والبيهقي في الصفات (٤٢٥ - بتحقيقي). ٢٣٤ وقال عباس بن مرداس أيضًا في يوم حُنَيْن: بعاقبة واستبدَلَتْ نِيَّةٌ خُلْفا تَقَطَّعَ باقي وَضْلٍ أُمّ مُؤَمَّلٍ فَمَا صَدقَت فيه ولا برَّت الحَلْفا وقد حَلَفَتْ بالله لا تقطَعُ القُوَى وتحتلّ في البادين وَجْرَةٍ(٢) فالعُزْفا خُفافِيَّةٍ(١) بَطْنُ العَقِيقِ مَصِيفُها فقد زوّدَتْ قلبي على نأيها شَغْفا فإنْ تَتْبَعِ الكُفَّارَ أُمْ مُؤَمَّلٍ وسوفَ يُنبِّيها الخَبِيرُ بأنّنا أَبَيْنا ولم نطلُبْ سِوَى رَبَّنا حِلْفا الداماء والدأماء: وقوله: في العَيْنِيَّةِ الأُخْرَى يصف الخيل: أو هي مَقَارَعةُ الأعادي دمُّها يريد شَخْمَها، يقال: أَدْمِمْ قِذْرَكَ بِوَدَكٍ، ودَمَمْتُ الشيءَ: طَلَيْتُه، ومنه: الدَّامَّاءُ أحد جُحْرَةٍ الْيَرْبُوعَ، لأنه يَدُّم بابه بقِشْرِ رقيق من الأرض، فلا يراه الصائد، فإذا طُلِب من القاصعاء أو الرَّاهطَاءِ أو النَّافِقاء أو العَاتُقاء، وهي الأبواب الأخر نَطَحَ برأسِه بابَ الذَّامَّاءِ فخرقَه، وأما الدَّأْماء بالتخفيف، فهو البحر وهو فَعْلاَءُ، لأنه يُهْمَزُ فيقال: دَأْمَاء، قاله أبو عبيد. شعر عباس الفاوي: وذكر شعر عبّاس الفاوي، وفيه: بعاقِبَةٍ واسْتَبْدَلَتْ نِيَّةً خُلْفًا النيّة: من النوى وهو البُعد. وخُلْفًا يجوز أن يكون مَفْعُولاً من أجله أي: فعلت ذلك من أجل الخُلْفِ، ويجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا للاستبدال، لأن استبدالها به خُلْفٌ منها لما وَعَدته به، ويقوِّي هذا البيتَ البيتُ الذي بعده: وقد حَلَفَتْ بالله لا تقطع القُوَى يعني: قُوَى الحَبْلِ، والحَبْلُ هنا: هو العَهْدُ، ثم قال: فما صَدَقَتْ فيه، ولا بَرَّتِ الحَلْفَا وهذا هو الخُلْفُ المتقدّمُ ذِكْرُه. (١) خفافية: نسبة إلى الخفين. (٢) وجرة: حفرة تقع فيها الماشية. ٢٣٥ وأنَّا مَعَ الهَادِي النَّبيّ محَمَّدٍ بِفِتْيان صِدْق من سُلَيْمٍ أعِزَّةِ خُفافٌ وذَكْوَانُ وعَوْفٌ تَخالهم كأن النَّسيجَ الشهْبَ والبيض مُلْبَسٌ بنا عَزَّ دينُ اللهِ غيرَ تَنَخُل بمكّة إذْ جِقنا كأنَّ لِوَاءَنا على شُخَّصٍ الأبصار تحسِبُ بينها غداة وَطِئْنا المُشْركين ولم نَجِدْ وفَينا ولم يستوفها مَعْشَرٌ ألفا أطاعوا فما يغصُون من أمرِه حَرْفا مَصَاعِبَ زافَتْ(١) في طَرُوقَتِها كُلْفا أسُودًا تلاقَتْ في مراصدها غُضْفا(٢) وزِذنا على الحَيّ الذي معهُ ضِعْفا عُقَابٌ أَرَادَتْ بعد تَحْلِيقِها خَطْفا إذا هِيَ جالت في مَرَاوِدها عَزْفا(٣) لأمرِ رسولِ الله عَذلاً ولا صَزْفا وقوله : وَفَيْنَا ولم يَسْتَوْفِها مَعْشَرٌ أَلْفًا أي: وفينا أَلْفًا ولم يَسْتَوْفها غيرُنا، أي: لم يَسْتَوْفِ هذه العدّةَ غيرُنا من القبائل. وقوله : إذا هي جالت في مَرَاودها عَزْفا يجوز أن يكون جمع مِرْوَدٍ وهو الوَتَد، كما قال الآخرُ يصف طَعْنةً: ومُسْتَنَّةٍ كاسْتِنَانٍ الخزو فِ قد قَطَعِ الحَبْلَ بالمِزْوَدِ والخروفُ هاهُنا في قول بعضهم: المُهْرُ، وقال آخرون: والفَرَسُ يسمّى خَروفًا، ومعناه عندي في هذا البيت أنها صِفة من خَرَفْتُ الثَمرةَ إذا جَنَيْتُها فالفرسُ خَرُوفٌ لِلشَّجَرِ والنِّبَاتِ، لا نقول: إن الفَرَسَ يُسَمَّى خُرُوفًا في عُرْف اللغة، ولكن خَرُوف في معنى أُكُولٍ، لأنه يَخْرُف، أي: يأكل، فهو صفة لكل من فعل ذلك الفعل من الدَّوَابِ، ويجوز أن يكون في مراودها جمع مَرَاد، وهو حيث تَرودُ الخيلُ تَذْهَبُ وتَجِيءٍ فَمَراد ومَرَاوِد، مثل مَقام ومَقَاوم، ومَنَار ومَنَاوِر. (١) زافت: تمايلت وتبخترت. (٣) عزفًا: أصوات الرياح. (٢) غضفًا: مائلة. ٢٣٦ بمعْتَرك لا يَسْمَعِ القَوْم وَسْطَه بِبِيضٍ نُطِيرُ الهامَ عن مُسْتَقَرّها فكائن تركُنا من قَتِيل ملَحَّبٍ ◌ِضَا الله نَنْوِي لا رضا الناس نبتغي وقال عباس بن مرداس أيضًا: لَنَا زَجمَة إلاّ التَّذامُرَ والنَّقْفا(١) ونَقْطِفُ أعناقَ الكُماة(٢) بها قَطْفا وأزمَلَةٍ تَذْعو على بَعْلها لَهْفا واللهِ ما يَبْدُو جميعًا ومَا يخفى ما بالُ عَيْنِكَ فيها عائرٌ(٣) سَهِرٌ مثلُ الحَماطةِ(٤) أغْضَى فوْقَها الشُّفُر (٥) وقوله : لنا زَجْمَةٌ إلاّ الثَّذامُرَ والثّقْفَا يقال: ما زَجَمُ زُجْمَةٌ، أي: ما نَبَس بكلمة، وقَوْسٌ زَجُومٌ، أي: ضعيفة الإزْنَان. وقوله: إلاّ التَّذَامُرَ، أي: يُذَمِّر بعضُنا بَعْضًا، ويحَرِّضُه على القتل والنَّقْف: كسر الرُّؤُوسِ، وناقِفُ الحَنْظَلِةِ: كاسِرُها ومُسْتَخْرِجُ ما فيها. النسب إلى حروف المعجم وتصغيرها: قال المؤلف: وإنما قلنا في هذه القصيدةِ وفي التي بعدها الغَاوِيَّة والرَّاويَّة، لأن النسب إلى حروف المعجَم التي أواخرها ألِفُ هكَذَا، هو بالواو، قاله أبو عُبَيْدٍ وغيرُه، وفي التصغير تُقْلَبُ ألفُها ياء، تقول في تصغير باء: بُيَّة، وخاء: خُيَيَّة، وما كان آخرهُ حرفًا سالمًا من هذه الحروف قُلِبت ألفُه واوًا في التصغير، فتقول في الذَّالِ: ذُوَيْلَة، وفي الضاد: ضُوَيْدَة، وكذلك قال صاحبُ العين، وقياسُ الواو في النحو أن تُصَغّر: أُوَيَّة بهمزة [في] أوّلها. القصيدة الراوية : وقول عباس في القصيدة الراوية: مِثْلُ الحَمَاطَةِ أَغْضَى فوقها الشُّفُرُ الحَمَاطَةُ من ورق الشجر: ما فيه خُشُونَةٌ وحُرُوشَةٌ وقال أبو حنيفة: الحَمَاطُ : وَرَقُ التّين الجَبَلِيّ. وقال أيضًا في باب القَطَانِي: الحَمَاطُ: تِبْنُ الذُّرَةِ، إذا ذُرِّيَتَ، وله أُكَالّ في (١) النقفا: ضرب السيوف. (٣) عائر: فيها قذى. (٥) الشفر: الشفاه. (٢) الكمأة: الأبطال. (٤) الحماطة: حرقة في الحلق. ٢٣٧ عَيْنٌ تأوَّبها مِنْ شَجْوِها أُرَق كأنَّه نَظْمُ دُرّ عندَ ناظِمَةٍ يا بُغْدَ مَنْزِلٍ مَنْ ترجو مَودَّتَه دَعْ ما تقدم من عهد الشّباب فِقَدْ واذْكُرْ بلاءَ سُلَيْمٍ في مواطنها قَوْمٌ هم نصَرُوا الرَّحمن واتَّبعوا لا يَغْرِسونَ فَسِيلَ النَّخلِ وَسْطَهم إلّ سَوابحَ كالعِقْبَانِ مِقْرَبةٌ تَدْعَى خُفافٌ وعَوْفٌ في جوانبها الضَّارِبونَ جُنود الشّرك ضاحِيَةً حتى ذَفَعْنا وقَتْلاهُمْ كأنَّهُمْ ونحنُ يومَ حُنَين كانَ مشهَدُنا إذ نركبُ المَوْتَ مخضَرًا بطائِنُه فالماءُ يَغْمُرِها طَوْرًا ويَنْحَدر تَقَطَّع السِّلكُ منه فهو مُثْتَثِرُ ومَنْ أتى دُونَه الصمَّانُ(١) فالحَفَرُ وَلّى الشَّبابُ وزارَ الشَّيْبُ والزَّعَرُ وفي سُلَيْم لأهل الفَخْرِ مُفْتَخر دِينَ الرّسول وأمرُ النَّاس مُشْتَجِر ولا تخاوَرُ في مَشتَاهُم البَقَر في دارَةٍ حَوْلها الأخْطارُ والعَكَرُ وحيَّ ذَكوانَ لا مِيلٌ ولا ضُجُر ببطْن مكّة والأرواحُ تَبْتَدِرُ نَخْلٌ بطاهِرَةِ البَطْحَاءِ مُنْفَعِر للدين عِزَّا وعندَ الله مُدَّخّر والخيْلُ ینجابُ عنها ساطعٌ حَدِر الجِلْدِ. والعائر: كالشَّيْءٍ يتنخَّس في العَين كأنه يَعُورُها، وجعله سَهرًا، وإنما السَّهِرُ الرجل، لأنه لم يَفْتُرْ عنه، فكأنه قد صَهِر، ولم يَنَمْ، كما قال آخر في وصف بَرْقٍ: لم يَنَّم باتت طِرَابًا وبات الليل حتى شئاها كليل موهمًا عمل شئاها: شاقها، يقال: شاه وشاءه بمعنى واحد، أي: شاقه، وأنشد: ولقد عهدت تشاء بالأظعان فتأمله فإنه بديع من المعاني. وقوله: الصَّمَّان والحَفَرُ: هما موضعان، وإليه ينسب أبو داود الحَفَرِي من أهل الحديث. والعَكَر: جمع عَكَّرَةٍ، وهي القِظْعَةُ الضَّحمَةُ من المال. وعَكَرةُ اللسانِ أيضًا: أصلُه، وما غلظ منه، وعَكَدَتُه أيضًا بالدال. (١) الصمّان: الصخور الشديدة. ٢٣٨ تحت اللواء مع الضحاك يقْدُمنا في مأزِقٍ من مَجَرّ الحزبِ كَلْكَلُها(٢) وقد صَبَرْنا بأوطاسٍ أسِنَّتَنا حتى تأوَّبَ أقْوَامٌ منازلهم فمَا تَرى مَغْشَر قَلُوا ولا كَثُرُوا وقال عبَّاس بن مِزْداس أيضًا: يا أيُّها الرَّجل الذي تَهْوِي به إمَّا أتَيْتَ على النَّبِيّ فقُلْ لَهُ يا خيرَ من رَكِبَ المطِيَّ ومنْ مَشَی كما مَشَى اللَّيثُ في غاباتِهِ الخَدِرِ(١) تكادُ تأفِلُ منه الشَّمُسْ والقَمَر لِهِ نَنْصُرُ مَنْ شِئْنا ونَخْتَصِرُ لولا المليكُ ولولا نحنُ ما صَدَرُوا إلاَّ قَدَ أصْبَحَ مِنَّا فِيهِم أثَر وخناهُ(٣) مُجْمَرَة المَناسمُ(٤) عِرْمِسُ (٥) حَقًّا عَلَيكَ إذا اطْمَأَنَّ المِجْلِسُ فوقَ التراب إذا تُعَدُّ الأَنْفُسُ قصيدة عباس السينية : وقوله في السِّينية: وَجْنَاءُ مُجْمَرَةُ المناسِمَ عِرْمِس وَجْنَاء: غليظة الوجنات بارزتها، وذلك يدل على غثور عينيها، وهم يصفون الإبل بغثور العينين عند طُول السفار، ويقال: هي الوَجْنَة في الآدميين، رَجُلٌ مُوجِنٌ وامرأةٌ مُوجِنَةٌ، ولا يقال: وَجْنَاءُ. قاله يعقوب. ومُجْمَرَةُ المناسِم، أي: نكبت مَنَاسِمَها الجمارُ، وهي الحِجارة، والعِرْمِسُ: الصَّخْرَةُ الصَّلْبَةُ، وتُشَبَّه بها الناقة الجَلْدة، وقد يريد بمُجْمَرَةٍ أيضًا أن مناسمَها مجتمعةٌ مُنْضَمَّةٌ، فذلك أقوى لها، وقد حكي أجمرت المرأةُ شَعْرَها إذا ظفرته وأجمر الأمير الجيش أي: حبسه عن القفول قال الشاعر: إلينا، وإما أَنْ نؤوب معاويا مُعَاوِيَ إمّا أن يُجَهَّز أهلُنا ومَنَّيْتَنَا حتى نَسِينا الأمانِيَا أَأَجْمَرْتَنا إجمَار کَسْرَى جُنُودَہ (١) الخدر: أُجُمة الأسد. (٣) وجناه: عظيمة الوجنات. (٤) المناسم: الخدين. (٥) عرمس: ناقة قويّة. (٢) كلكلها: غمارها .. ٢٣٩ إنا وَفَيْنا بالذي عامَدْتَنا إِذْ سالَ مِنْ أقْناء بُهْئَةَ كُلِّها حتى صَبَحْنا أهْلَ مكّةٍ فَيْلَقًّا من كلّ أغْلَبَ من سُلَيمٍ فوقَهُ يُروِي القناة إذا تجاسَر في الوَغَى يَغْشَى الكُتِيبَةَ مُعْلِمًا وبِكَفْه وعلى حُنَيْن قد وَفى مِن جمْعِنا كانُّوا أمامَ المُؤْمنين دَرِيئَةً نَمْضِي ويَخْرُسُنا الإلهُ بحِفْظِه ولقد حُبِسْنا بالمَناقِب مَخْبِسًا وغَدَاةً أوْطاس شدَدْنا شَدَّةً والخيلُ تُقْدَعُ(١) بالكُماة وتُضْرَس جمعْ تَظَلّ به المخارِمِ(٢) تَرْجُس شَهْبَاءَ يقدُمُها الهُمامُ الأشْوَسُ(٣) بيضاءُ مُحكمَة الدّخال وقَوْنَس(٤) وتخالُه أسَدًا إذا ما يَغْبِسُ عَضْبٌ(٥) يَقُدُّ به ولَذْنٌ مِدْعَسُ (٦) ألْفّ أُمِدَ به الرَّسُول عَرَنْدَس (٧) والشّمْسُ يومئذ عليهم أشمُس والله ليسَ بضائع من يَخرُسُ رَضِيَ الإلهُ بِهِ فَنِعْمَ المخبِسُ كفَتِ العدوّ وقيل منها يا احبسوا وقوله : كانوا أمامَ المؤمنين دَرِيئةٌ الدريئة: الحَلْقَة التي يتعلّم عليها الرمي، أي: كانوا كالدَّرِيئَةِ للرّمَاحِ وقوله: والشّمسُ يومئذ عليهم أَشْمَسُ يريد: لَمَعَانَ الشمسِ، في كل بَيْضَةٍ من بَيْضَاتِ الحديد، والسيوف، كأنها شَمْسٌ، وهو معنى صحيح وتشبيه مليح. وفيها قوله: والخيلُ تُقْرَعُ بالكُمَاةِ وتُضْرَس أي: تضرب أضراسُها باللجُم. تقول: ضَرَسْتُه، أي: ضربت أضراسه، كما تقول: رَأَسْتُه، أي: أَصَبْت رأسَه. (١) تقدع: تدفع. (٣) الأشوس: البطل وجمعها: أشاوس. (٥) عضب: حديد الرمح. (٧) عرندس: أسد ضخم. (٢) المخارم: الطرق الجبلية. (٤) القونس: بيضة الدرع. (٦) مدعس: طعَّان. ٢٤٠