النص المفهرس

صفحات 201-220

النّسْوَة حتى أقضِي إليهنّ حاجة، ثم تردّني بعد، فتصنعوا بي ما بدا لكم؟ قال: قلت:
والله لَيسِيرٌ ما طلبت. فأخذت برمّته فقُدته بها، حتى وقف عليهنّ، فقال: اسْلَمى حُبَيْش،
على نَفَدٍ مِن العيش:
بحَلْيَةَ أو الْفَيْتُكُمْ بالخَوانِقِ
أرَيْتُك إذْ طالَبتُكم فوجَدْتُكُمْ
تكَلَّفَ إذلاجَ(١) السُّرَى وَالوَدائقِ(٢)
ألمْ يَكُ أهلاً أن يُنَوَّلَ عَاشِقٌ
أثِيبي بوُدّ قبل إحدَى الصَّفائِق
فلا ذنبَ لي قد قلت إذْ أهلُنا مَعا
ويَنْأَى الأميرُ بالحَبيبِ المُفارِق
أثيبي بوُدّ قبل أن تَشْحَطَ(٣) النَّوَى
ولا راقَ عَيْني عنك بعدَك رائِق
فإنّي لا ضَيَّعتُ سِرّ أمانَةٍ
عن الوُدّ إلاّ أن يكونَ الثَّوامُقِ(٤)
سَوى أنّ ما نال العشيرة شاغلٌ
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يُنكر البيتين الآخِرَيْن منها له.
قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عُتبة بن المغيرة بن الأخنس، عن الزهري
عن ابن أبي حَذْردِ الأسْلمي قالت:
وِتْرًا وثمانيًا تَتْرَى
وأنت فحُيِّيت سبعًا وعشرا
قال: ثم انصرفتُ به، فضُربت عُنُقه.
سميت بذلك من الوَذْق، لأن في ذلك الوقتِ يسيل لعابُ الشمس، وهو ما تراه العينُ
کالسّراب ونحوه، وقال الراجز:
اعتدل وسال للشمس لُعَابٌ فنزل
وقام ميزان النهار، فاعتدل
وقال: الأحول: يقال: وَدَقَ إذا دنا من الأرض، ويقال: هو وادق السرة إذا كانت
مائلة إلى جهة الأرض وأنشد:
وادِقًّا سُرَّاتُها
فعلى هذا تكون الوَدِيقَةُ من وَدَقَتْ الشمسُ إذا دنت من الأَفْق، فاشتدّ حَرُّها، والله
أعلم.
(١) إدلاج: السير بالليل.
(٣) تشحط: تبْعُد.
(٢) الودائق: شدّة الحر.
(٤) التوامق: الأحبّة.
٢٠١

قال ابن إسحاق: فحدّثني أبو فِرَاسٍ بن أبي سُنْبلة الأسلمي، عن أشياخ منهم،
عمن كان حضرها منهم، قالوا: فقامت إليه حين ضُربتْ عُنُقه، فأكبَّت عليه، فما زالت
تقبّله حتى ماتت عنده.
شعر جذيمي في الفتح:
قال ابن إسحاق: وقال رجل من بني جذيمة :
جزاءة بُؤْسَی حیث سارت وحلّت
جزَى الله عنا مُذلجًا حيث أصبحتْ
وقد نَهَلَتْ فينا الرّماح وعَلَّت
أقامُوا على أقْضَاضنا يَقْسِمُونَها
لقد هربت منهم خيُول فشلَّت
فوالله لَوْلا دينُ آل محمَّد
کرِجْل جَراد أرسلت فاشْمَعَلَّتِ
وما ضَرَّهم أن لا يُعينوا کتِيبة
فلا نحن نجزيهم بما قد أضَلَّتِ
فإمّا ينبوا أو يثُوبوا لأمْرِهمْ
وهب يردّ على الجذيمي:
فأجابه وهب، رجل من بني ليث، فقال:
دَعَوْنا إلى الإسْلامِ والحَقّ عامرًا
وما ذَنْبنا في عامِرٍ لا أبا لَهُمْ
وقال رجل من بني جذيمة:
فمَا ذَنْبُنا في عامِرٍ إذْ تَوَلْتِ
لِأَنْ سَفِهَت أحلامُهم ثم ضَلَّتِ
وأصحابِه إذْ صَبَّحتنا الكتائبُ
ليهنىء بني كَعْب مُقَدَّم خالد
وقد كنتَ مكفيًّا لو أنك غائبُ
ولا الداء من يوم الغُميصاءِ ذاهبٌ
فلا تِرة يسعَى بها ابن خُوَيْلد
فلا قومُنا يَنْهَوْن عنا غُواتَهُم
شعر غلام جذمي هارب أمام خالد:
وقال غلام من بني جذيمة، وهو يسوق بأمه وأُختين له وهو هارب بهنّ من جيش
خالد :
رَخّينَ أذيالَ المُرُوط وازْبَعَنْ مَشْيَ حَبِيَّاتٍ كأنْ لم يُفْزَعَنْ
إِن تُمْنَعِ اليومَ نِساءٌ تُمْنَعَنْ
وقوله: فَنَهَمَه خَالِدٌ، أي: زَجَرِه، ونَجَهَه، ورَوى النّسائِيُّ في قصّة المرأة التي ماتت
٢٠٢

ارتجاز بني مساحق حين سمعوا بخالد:
وقال غِلمة من بني جَذِيمة، يقال لهم: بنو مُساحِق، يرتجزون حين سمعوا بخالد
فقال أحدهم :
قد عَلمَتَ صفراءُ بيْضاءُ الإِلْ يَحُوزُها ذُو ثَلَّةٍ وَذُو إِبِلْ
لَأُغْنِيَنَّ اليوْمَ ما أغْنَى رَجُلْ
وقال الآخر :
قد علمتْ صفراءُ تُلهى العِزْسا. لا تملأُ الحَيزومَ منها نَهْسَا
ضَرْبَ المُحِلِينَ مَخاضًا قُعْسَا
لَأُضْرِبَنَّ اليوْمَ ضَرْبًا وغسَا
وقال الآخر :
شَئِنُ البَنانِ فِي غَدَاةٍ بَرْدَة
أَقْسَمْتُ ما إن خادِرٌ ذو لِبِدَة
يُرْزِمُ بِينَ أيْكةٍ وجَحْدَة
جهْمُ المُحيًّا ذو سِبال وَرْدَة
ضارٍ بتأكال الرجالِ وخدَة
بأصدقَ الغداةً مني نَجْدَة
مسير خالد بن الوليد لهدم العزى:
ثم بعث رسولُ اللهِوَ﴿م خالد بن الوليد إلى العُزَّى، وكانت بنَخْلَة، وكانت بيتًا
يعظّمه هذا الحيّ من قُريش وكنانة ومُضَر كلها، وكانت سَدَنتُها وحُجَّابها بني شيبان من
بني سُلَيم حلفاء بني هاشم، فلما سمع صاحبها السَّلْميُ بمسير خالد إليها، علَّق عليها
سيفه، وأسْنَد في الجبل الذي هي فيه وهو يقول:
على خالدِ ألْقى القِناع وشمري
أيا عُزَّ شُدّي شدَّة لا شَوَى لهَا
فبُوئي بإثمٍ عاجلٍ أو تَنَصَّري
يا عُزَّ إنْ لم تقتُلي المرءَ خالدًا
فلما انتهى إليها خالد هدمها، ثم رجع إلى رسول الله وَله .
مُكِبَّةً على الرجل المقتول قال: حدّثنا محمد بن عليّ بن حَرْب عن علي بن الحسين بن
وافد عن أبيه عن يَزِيدَ النَّحوِي عن عِكْرِمَةً عن ابن عباس أن النبيّ ◌َّهِ بعث سَرِيَّةً، قال:
فغنموا وفيهم رجل، فقال لهم: إني لست منهم، عشقت امرأة فلحقتها، فدعوني أنظر إليها
نظرة، ثم اصْنَعُوا بي ما بَدَا لكم، قال: فإذا امرأةٌ طويلة أدمَاءُ، فقال لها: اسْلَمِي حُبَيْشُ قبل
نَفَدِ العَيْشِ، وذكر البيتين الأوّلين من القطعة القافية أوّل هذا الخبر ناقصي الوزن، وبعدهما
قالت: نَعَمَ فَدَيْتُك، فقدَّموه فضَرَبوا عُنُقَه، فجاءت المرأةُ فوقفت عليه، فَشَهَقَتْ شَهْقَةً أو
٢٠٣

قال ابن إسحاق: وحدّثني ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن
عُتبة بن مسعود، قال: أقام رسول الله وَله بمكّة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصُر
الصلاة .
قال ابن إسحاق: وكان فتح مكّة لعشر ليالٍ بقين من شهر رمضان سنة ثمان.
شَهْقَتَيْن، ثم ماتت، فلما قدموا على النبيّ وَّ أخبروه الخبر، فقال النبيّ ◌َّ: ((أما كان فيكم
رجلٌ رحيم))(١). خَرَّجه النَّسَوِيُّ في باب قَتْلِ الأسارى من مُصَنَّفِه.
(١) أخرجه الطبراني (١١/ ٣٧٠) والبيهقي في الدلائل (١١٨/٥) وانظر الفتح (٥٨/٨).
٢٠٤

غزوة حنين في سنة ثمان بعد الفتح
قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازنُ برسول اللهِ وَل# وما فتح الله عليه من مكّة،
جمعها مالك بن عوف النَّصْري، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلّها، واجتمعت نَصْر
وُشَم كلُّها، وسعد بن بكر، وناس من بني هِلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس
عَيْلان إلاّ هؤلاء، وغاب عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، ولم يشهدها منهم
أحد له اسم، وفي بني جُشَم دُرَيْد بن الصمّة شيخ كبير ليس فيه شيء إلاّ التَّيمن برأيه
ومعرفته بالحرب، وكان شيخًا مُجَرّبًا، وفي ثقيف سيدان لهم. في الأحلاف قاربُ بن
الأسود بن مسعود بن مُعَتِّب، وفي بني مالك: ذو الخِمار سُبَيْع بن الحارث بن مالك،
وأخوه أحمر بن الحارث، وجِمَاعُ أمر الناس إلى مالك بن عوف النَّصْري. فلما أجمع
السير إلى رسول الله و لو حطّ مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس
ذكر غزوة حنين(١)
وحُنَيْنّ الذي عُرِف به الموضعُ هو: حُنَيْنُ بن قَانِية بن مِهْلاَبِل كذا قال البكري، وقد
قدمنا أنه قال في خَيْبر مثل هذا أنه ابن قانية، فالله أعلم.
من البلاغة النبوية:
ويقال لها أيضًا: غَزْوَة أوطاس سمّيت بالموضع الذي كانت فيه الوقعة وهو من وَطَسْتُ
الشيء وَطْسًا إذا كدرته، وأثّرت فيه. والوَطِيسُ: نُقْرَةٌ في حَجَرٍ توقد حوله النّار، فيطبخ به
(١) انظر البداية (٣٢٢/٤) الطبري في تاريخه (٧١/٣) الطبقات (١٠٨/١/٢) الكامل (١٣٥/٢) المنتظم
(٣٣١/٣) الاكتفاء (٣٢٢/٢) الواقدي (٨٨٥/٣) شرح المواهب (٢٠٨/١) ابن حزم (٢٨٣) الزاد
(٤٦٥/٣) ابن سيّد الناس (١٨٧/٢) وانظر البخاري (١٥٣/٥).
٢٠٥

اجتمع إليه الناس، وفيهم دُرَيْدُ بن الصِّمَّة في شِجَارٍ له يُقَاد به، فلما نزل قال: ((بأيّ وادٍ
اللحم، والوَطِيسُ التّنُور، وفي غزوة أَوْطَاسٍ قال النبيّ وَّرَ: ((الآن حَمِيَ الوَطِيسُ))(١)، وذلك
حين اسْتَعَرَتْ الحربُ، وهي من الكَلِم التي لم يُسْبَق إليها وَّرَ، فمنها هذه، ومنها: مات
حَتْفَ أنفِه، قالها في فضل مَنْ مات في سبيل الله في حديثٍ رواه عنه عبد الله بن عَتِيكِ،
قال: ابن عتيكِ: وما سمعت هذه الكلمةَ يعني: حَتْفَ أنفِه من أحدِ العربِ قبله - اِالأر -
ومنها: ((لا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُحْرٍ مَرْتَيْن)»(٢) قالها لأبي عَزَّةَ الجُمْحِيِّ يومٍ أُحُدٍ، وقد مضى
حدیثُه.
ومنها: ((لا يَنْتَطْحُ فيها عَنْزَان))(٣)، وسيأتي سببهما.
ومنها: قولُه عليه السلام: ((يا خَيْلِ اللهِ ارْكَبي)(٤)، قالها يوم حُنَيْنٍ أيضًا في حديث
خَرَّجِه مُسْلِمٌ، وقال الجاحظ في كتاب البَيّانِ(٥) عن يُونُس بن حبيبٍ: لَمْ يَبْلُغْنَا من روائعٍ
الكلام ما بلغنا عن النبيّ وَله، وغُلِّط في هذا الحديث، ونُسِب إلى التَّصْحِيفِ، وإنما قالَ
القائل: ما بلغنا عن البَتِّيِّ، يريد عثمان البَتِيَّ فصَحَّفه الجاحظُ، والنبيّ - نَّهِ - أَجَلُّ من أن
يخلط مع غيره من الفُصَحاء، حتى يقال: ما بلغنا عنه من الفصاحة أكثر من الذي بلغنا عن
غيرِه، كلامه أجلُّ من ذلك، وأعلى، صلوات الله عليه وسلامه.
ابن الصمة والخنساء:
فصل: وذكر دُرَيْدَ بنَ الصِّمَّةَ الجُشَمِي أحدَ بني جُشَم بن بكْرِ بن هَوَازن، وفيه تقول
الخَنْسَاءُ حين خطبها: ما كنت تاركةً بني عمّي، كأنهم صُدَورُ الرماح ومرتتة شيخًا من بني
جُشَم، وهو دُرَيَّد بن الصِّمَّة بن بكر بن عَلْقَمَةَ بن خُزَاعَةَ بن غَزِيَّةَ بن جُشَمِ بن مُعَاوِيَةً بن
بِكْرِ بن هَوازِنَ، يكْنى أبا قُرَّةٍ، ويُزْوَى عن ابن إسحق من غير رواية زياد يقال: كان يَوْمَئذٍ ابنَ
ستين ومائة، ورَوى أبو صالح كاتبُ الليث عن اللَّيث قال: كان دُرَيْدٌ يومئذ ابن عِشْرِين ومائة.
وقولُه: في شِجَارٍ له، الشِّجَارُ: مثلُ الهَوْدج، وفي العين: الشِّجَارُ خَشِب الهَوْدَج.
(١) أخرجه مسلم في الجهاد (٧٦) وأحمد (٢٠٧/١) وعبد الرزاق (٩٧٤١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٨/٨) ومسلم في الزهد (٦٣) وأبو داود (٤٨٦٢ - بتحقيقي) وابن ماجة (٣٩٨٢)
وأحمد (١١٥/٢).
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١٨/١/٢) والخطيب في تاريخه (٩٩/١٣) وابن الجوزي في العلل
المتناهية (١٧٥/١).
(٤) أخرجه مسلم وابن سعد في الطبقات (٥٨/١/٢) البيهقي في الدلائل (١٨٧/٣).
(٥) انظر البيان (١٨/٢).
٢٠٦

أنتم؟)) قالوا: بأوطاس، قال: ((نِعم مَجَالُ الخيل! لا حَزْنٌ ضَرِسْ، ولا سَهْلٌ دَهِس، ما لي
أسمع رُعاء البعير، ونُهَاق الحمير، وبُكاء الصغير، ويُعَار الشَّاءِ؟» قالوا: ساق مالك بن
عوف مع الناس أموالَهُم ونساءهم وأبناءهم. قال: ((أين مالك؟)) قيل: هذا مالك ودُعي له،
فقال: ((يا مالك، إنك قد أصبحتَ رئيس قومك، وإن هذا يوم كائنٌ له ما بعدَه من الأيَّام.
ما لي أسمع رُغاء البعير، ونُهاق الحمير، وبُكاء الصغير، ويُعار الشَّاء؟» قال: سُقْت مع
الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم، قال: ((ولمّ ذاك؟)) قال: أردت أن أجعل خَلْف كلّ رجل
منهم أهلَه ومالَه، ليُقاتل عنهم، قال: ((فَأَنْقَضَ به)). ثم قال: راعِيَ ضأنٍ والله! وهل يَرُدُ
المنهزمَ شيءٌ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلاّ رجل بسيفه ورُمحه، وإن كانت عليك
فُضِخت في أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلتْ كعبُ وكِلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد،
قال: ((غاب الحدُّ والجِد، ولو كان يومَ عَلاء ورِفعة لم تغب عنه كعب ولا كِلاب، ولوَدِدْتُ
أَنَّكُمْ فعلتم ما فعلتْ كعبٌ وكِلابٌ، فمن شهدَها منكم؟» قالوا: عمرو بن عامر،
وعوف بن عامر، قال: ((ذانَك الجَذَعان من عامر، لا ينفعان ولا يضرّان، يا مالك، إنك لم
تصنع بتقديم البَيْضَةِ بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئًا، ازْفَعْهُم إلى مُتمَنَّع بلادهم وعَليا
قومهم، ثم الْقَ الصُّبَّاءَ على مُتُون الخيلِ، فإن كانت له لَحق بك مَنْ وراءَك، وإن كانت
عليك ألفاكَ ذلك قد أحرزت أهلك ومالك))، قال: والله لا أفعل ذلك، إنك قد کبِرْت وکْبِرَ
عَقْلك. والله لتطيعثّني يا معشر هوازِن أو لأنّكِثَنَّ على هذا السَّيف حتى يخرج من ظهري.
وكره أن يكون لدُريدِ بن الصمّة فيها ذِكر أو رأي؛ فقالوا: أطعناك؛ فقال دُريد بن الصمّة:
هذا يوم لم أشهذه ولم يفُتْني :
أُخُبُ فيها وأضَغْ
يا لَيْتنِي فيها جَذَّعْ
كأنّها شاةٌ صَدَعْ
أَقُودُ وطُفاءَ الزَّمَغْ
قال ابن هشام: أنشدني غير واحد من أهل العلم بالشعر قوله:
((يا ليتني فيها جَذع))
وقوله: فَأَنْقَصَ به، أي: صَوَّت، بلسانه في فَمِه من النَّقِيض، وهو الصوت، وقيل:
الإنقاضُ بالإضْبَعِ الوُسْطَى والإنْهَام، كأنه يدفع بهما شيئًا وهو معنى قول البرقي.
وقوله: راعي ضَأْن، يُجَهِّله بذلك، كما قال الشاعر:
أَصْبَحْتُ هُزُءَ الرَاعِي الضَّأن أعجبه
ماذا يُرِيبُك مِنِّي رَاعِيَ الضَّانِ
وقال عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - لرجل: قم فما نَفَعَك صداغَ ولا راعي ضَأْنٍ.
والدُّرَيْدُ في اللغة: تصغير أَذْرَد، وهو تصغير الترخيم، والصِّمَّةُ: الشجاع، وجمعه: صِمَمْ.
٢٠٧

قال ابن إسحاق: ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكْسِروا جُفُون سيوفكم، ثم
شُدُوا شَدَّةَ رجل واحد.
قال: وحدّثني أُميَّة بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حُدّث: أنَّ مالك بن عوف
بعث عيونًا من رجاله، فأتوه وقد تفرّقت أوصالُهم، فقال: ويْلَكُمْ! ما شأنُكُمْ؟ فقالوا:
رأينا رجالاً بِيضًا على خيل بُلق، فوالله ما تماسكنا أن أصَابَنا ما ترى، فوالله ما ردَّه ذلك
على وجهه أن مَضَى على ما يريد.
قال ابن إسحاق: ولما سمع بهم نبيّ الله ◌َّل بعث إليهم عبدَ الله بن أبي حدرد
الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم.
فانطلق ابن أبي حدرد، فدخل فيهم فأقام فيهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من
حرب رسول الله وَّر، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى
رسول الله ﴿ فأخبره الخبر فدعا رسول الله وَل﴿ل عمر بن الخطّاب، فأخبره الخبر فقال
عمر: كذب ابن أبي حدرد؛ فقال ابن أبي حدرد: ((إن اكذبتني فربما كذبت بالحق يا
عمر، فقد كذبت من هو خير مني، فقال عمر: يا رسول الله ألا تسمع ما يقول ابن أبي
حدرد؟ فقال رسول الله وَالثير: ((قد كنت ضالاً فهداك الله يا عمر)).
استعارة أدرع صفوان:
فلما أجمع رسول الله وَلقر السير إلى هوازن ليلقاهم، ذكر له أن عند صفوان بن
أُميّة أدراعًا له وسلاحًا، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك، فقال: ((يا أبا أمية، أعرنا سلاحك
هذا نلق فيه عدوّنا غدًا))، فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ قال: ((بل عارية ومضمونة حتى
نؤديها إليك))، فقال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا
مالك بن عوف وابن حدرد:
وذكر مَالِكَ بن عَوْفِ النَّصْرِيّ رئيس المشركين يوم حُنَيْنٍ، وهو مالك بن عَوْفٍ بن
سَعْد بن ربِيعَةَ بن يَرْبُوعِ بن واثِلَة بن دُهْمَان بن نَصْرِ بن مُعَاوِيَة بن بَكْر بن هَوازِنِ النَّصْرِي.
وذكر بعث النبيِّ ـ رَّ ـ عبد الله بن أبي حَذْرَدٍ عيْنًا إلى هَوَازِن، وهو عبدُ الله بن
سَلَاَمة بن سَعْد، وسَلامةُ هو أبو حَذْردٍ، وهو من بنِي هَوَازِن بن أسلم بن أفْصَى بن حَارِثَة،
وهم إخوةُ الأُوسِ والخَزْرَج، أعني بني أَسْلَم بن أَفْصَى، مات عبدُ الله سنة إحدى وسبعين،
وهو العام الذي قُتِل فيه مُصْعَبُ بن الزَّبَيْرِ. شَهِد ابنُ أبي حَذْرَدٍ مع النبيّ - نَّهِ - الحُدَيْبِيَةَ،
وما بعدها، وفاته ما كان قبل ذلك.
٢٠٨

أن رسول الله وَ لير سأله أن يكفيهم حملها، ففعل. قال: ثم خرج رسول الله وج له معه
ألفان من أهل مكّة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه، ففتح الله بهم مكّة،
فكانوا اثني عشر ألفًا، واستعمل رسول الله وَّ عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة بن
عبد شمس ((على مكّة أميرًا على من تخلّف عنه من(١) الناس))، ثم مضى رسولُ اللهِ وَال
على وجهه يريد لقاء هَوازن.
قصيدة ابن مرداس
فقال عباس بن مِزْداس السُّلَمِيّ:
وَسْطَ البيوت ولَوْنُ الغُولِ ألوانُ
أصابتِ العامَ رِعْلاً غُولُ قوْمهمٍ
خيلُ ابن هَوْذَة لا تُنْهَى وإِنْسانُ
يا لَهْفَ أُمّ كِلابٍ إذ تُبَيِّئُهم
أنّ ابنَ عمِّكم سعدٌ ودُهْمان
لا تَلْفظُوها وشُدُّوا عَقْدَ ذِمَّتكم
حول قصيدة عباس النونية
وذکر شعر عباس وفيه: أصابتِ العامَ رغلا.
وهي قبيلة من سليم، وفي الحديث: ((قَنَتَ رسول اللهِ وَّ شَهْرين يدعو على رِغْلٍ
وذَكْوَانَ وعُصَيَّة))(٢)، وهم الذين غدروا بأصحاب بئر معونة.
وقوله :
! خَيْلِ ابنِ هَوْذَةً لا تُنْهَى وإنسان
إنسانُ: قبيلة من قَيْس، ثم من بني نَصْر، قاله البرقي، وقيل: هم من بني جُشَم بن
بَكْرٍ، ومن بني إنسان: شَيْطَانُ بن مُذْلَجِ صاحب حميدة وهي فَرَسٌ له تَضْرِب بها العربُ
المِثْلَ في الشُّؤْم، فيقال أشأم من حميدة، وسبب ذلك خبر يطول، ذكره الأصبهاني في
الأمثال.
سعد ودهمان:
وسعدٌ ودُهْمَان ابنا نَصْرٍ بن مُعَاوية بن بَكْر، كذا وجدتُه في بعض المُعَلَّقات،
والمعروف في قيس: دُهْمَان بن أَشْجَعَ بنِ رَيْثِ بن غَطَفَان والد نَصْر بن دُهمان الذي عاش
(١) ما بين القوسين ساقط من ط عبد الرحمن الوكيل.
(٢) أخرجه النسائي (٢٠٣/٢) . .
٢٠٩
الروض الأنف/ ج ٤/ م ١٤

لن تَرْجعوها وإن كانَتْ مُجَلِّلَة
شَتْعاء جُلْل من سَوآتها حَضَنٌ
ليسَتْ بأطْيَبَ مما يَشْتَوِي حَذَفٌ.
ما دام في النّعَم المأخُوذ ألْبانُ
وسالَ ذو شَوْغَرٍ منها وسُلْوانُ
إذْ قال :. كلُّ شواءِ العَيرِ جُوْفانٌ
مائة وتسعين سنة، حتى تقوّم ظهرُه بعد انحناء، واسْوَدَّ شعرُه بعد ابْيِضَاضٍ، فكان أعجوبة .
في العالم، وقال الشاعر:
وتِسْعِين حَوْلاً ثم قُوْم فانْصَاتا
لِنَصْرٍ بن دُهْمَانَ الهُنَيْدَة عاشها
ولكنه من بعد ذلك قد ماتا
وعاد سوادُ الرأسِ بعد ابْبِضَاضِه
وممن ذكر هذا الخبر أبو الحسن الدَّارَقُطْنِي رحمه الله.
وحُنَيْنٌ: اسم جَبَلٍ، ومنه المثل: أَنْجَدَ مَنْ رَأَى حُنَيْنًا.
وقوله: مِمَّا يَشْتَوِي حَذَفٌ. الحَذَفُ: غَنَمْ سُودٌ صِغارٌ تكون باليمن، وفي الحديث:
((سَوُوا صُفوفَكم، لا تَخَلَّلُكُم الشياطينُ كأنهَا بَناتُ حَذَفٍ (١) يعني في الصَّفِّ في الصلاة،
هكذا قال البرقي في تفسير هذا البيت، والذي أراد الشاعر: إنما هو رَجُلٌ، فلعلّه كان يسمى
بِحَذَفٍ، ولحَذَفُ هي الغَنَمُ السُّودُ التي ذكرنا.
وقوله: كُلُّ شِواءِ العَيْرِ جُوفَان.
يقال: إنه شُوي لهُ غُزْمُولُ حِمَارٍ، فأكله في الشَّوَاءِ فوجده أَجْوَفَ، وقيل له: إنه القُنْبُ، أي :
وعاءَ القَضِيب، فقال: كُلُّ شِوَاءِ العَيْرِ جُوفَانُ، فضُرب هذا الكلامُ مَثَلاً، وقيل: كان فَزَارِيٌّ
وتَغْلِيٍّ وكَلْبِيٍّ اجتمعوا في سَر، وقد اشْتَوَوا حِمَار وَخْشِ، فغاب الفَزاري في بعض حاجاتِهِ،
فأكل صاحبه العَيْرَ واخْتَباً له غُرْمُولَه، فلما جاء قالا له: هذا خَبْؤنا لك، فجعل يأكل، ولا
يُسيغه، فضحكا منه، فاخترط سَيْفَه، وقال: لأقْتُلَنَّكُما إن لم تَأْكُلاه، فأبى أحدُهما فضربَه
بالسيف، فأبان رأسَه، وكان اسمُه: مِزْقَمه، فقال صاحبُه طاحَ مِرْقَمَهْ، فقال الفَزَارِيّ، وأنت
إن لم تَلْقَمه أراد: تلْقَمُها، فَطَرح حَرَكَة الهاء على الميم، وحذف الألف كما قد قيل في
الحيرة أي رجال به أي بها، وقد عيّرت فزارة بهذا الخبر حتى قال سالم بن دارة:
على قَلُوصِكَ، واكْتُبْها بأَسْیَارِ
لا تأمَنَنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ به
بعد الذي امْتَلِّ أَيْرَ العَير في النّار
لا تَأْمَنَنْه ولا تَأْمَنْ بوائقَه
فلا سَقَاكُمْ إِلْهِي الخالقُ البَارِي
أَطْعَمْتُم الضَّيْفَ غُزْمُولاً مُخَاتَلَةً
(١) أخرجه أحمد (٢٣٤/٢).
٢١٠

وفي هوازِنَ قَوْمٌ غيرَ أن بهمْ
فيهم أخٌّ لو وَفَوْا أو بَرَّ عَهْدُهُمُ
أبْلِغْ هوازن أعْلاها وأسفَلها
أني أظُنُّ رسولَ الله صابِحَكُمْ
فيهم أخوكم سُلَيم غيرَ تارِكِكُمْ
وفي عِضَادته اليُمنى بنو أسدٍ
تكاد تَرْجُف منه الأرض رَهبتَه
قال ابن إسحاق: أوْس وعثمان: قَبِيلا مُزَيْنَة.
داءَ اليمانِي فإن لم يغدِرُوا خانُوا
ولو نَهَكْناهُمُ بالطّعنِ قد لانُوا
مِنِّي رسالَةَ نُصْح فيه تِبْيانُ
جَيْشًا لَهُ فِي فَضَاءِ الأرْضِ أركانُ
والمسلِمُونَ عِبادَ اللهِ غَسَّانُ
والأجْرَبان بنو عَبْسٍ وذُبْيان
وفي مُقَدَّمه أوْس وعُثمانُ
قال ابن هشام: من قوله: ((أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها)) إلى آخرها، في هذا اليوم،
وما قبل ذلك في غير هذا اليوم، وهما مفصولتان، ولكن ابن إسحق جعلهما واحدة.
ذات أنوط:
قال ابن إسحاق: وحدّثني ابن شهاب الزهريّ، عن سنان بن أبي سنان الدؤَلي، عن
أبي واقد الليثي، أن الحارث بن مالك، قال: ((خرجنا مع رسول الله وَّر إلى حُنين ونحن
حديثو عهد بالجاهلية، قال: فسرنا معه إلى حُنَّيْن، قال: وكانت كفَّار قريش ومَنْ سواهم
من العرب لهم شجرة عظيمة خضراء، يقال لها: ذات أنواط، يأتونها كلّ سنة، فيعلّقون
أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكُفون عليها يومًا. قال: فرأينا ونحن نسير مع
من كتاب الأمثال للأَصْبَهَانيّ. فهذا الفَزَارِيُّ هو حَذَفُ المذكور في البيت، والله أعلم.
وقوله :
والأَجْرَبانِ بنو عَبْسٍ وذُبْيانُ
سمّاهما بالأَجْرَبَيْن تشبيهًا بالأجْرَبِ الذي لا يُقْرَبُ، وقال مَجْذُومٌ من العَرَبِ:
بِأَيِّ فِعَالٍ رَبِّ أوتيتُ ما أَرَى أَظَلُّ كأنّي كُلَّمَا قُمْتُ أَجْرَبُ
أي: يُفَرُّ مني، وفي الخبر أن عُمَر لما نُهي الناسُ عن مُجَالَسَة ضَبِيغ بن عَسَلٍ كان
كُلَّما حلَّ موضعًا تفرّق الناسُ عنه كأنه بعيرٌ أَجْرَبُ، ومن رواه الأجْرَبانُ بضم النون، فهو
جائز في كل اثنين مُتَلاَزِمَيْنٍ كالجَلَمَيْن، يقال فيهما: الجَلَمانُ بضم النون، وكذلك القَمَرَانُ،
ورُوي أن فاطمةَ - رضي الله عنها - نادت ابنَيْها في ليلةٍ ظُلْمَةٍ: يا حَسنَانُ يا حُسَيْنانُ بضم
النون، قاله الهروي في الغريبين.
٢١١

رسول الله وَ سِذْرة خضراء عظيمة، قال: فتنادينا من جَنَبات الطَّريق: يا رسول الله،
اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال رسول الله وَله: الله أكبر، قلتم، والذي
نفس محمد بيده، كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَّهَا كَمَا لَهُم آلهةً قَالَ إِنَّكُمْ
قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ إنها السَّنَنُ، لتركُبنَّ سَننَ من كانَ قبلَكم))(١).
ثبات الرسول
قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر،
عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: لما استقبلْنا واديَ جُنين انحدرنا في وادٍ من أودية تِهامة
أجوف حَطُوط، إنما ننحدر فيه انحدارًا، قال: وفي عَماية الصُّبْحِ، وكان القومُ قد سبقونا
إلى الوادي، فَكَمَنُوا لنا فِي شِعابه وأحنائه ومَضايقه وقد أجمعوا وتهيَّئوا وأعدّوا، فوالله ما
راعنا ونحن منحطّون إلاّ الكتائبُ قد شَدّوا علينا شَدّة رجل واحد، وانْشَمر الناس
راجعين، لا يَأْوِي أحدٌ على أحد.
وانحاز رسولُ اللهِ وَ﴿ ذاتَ اليمين، ثم قال: «أين أيّها الناس؟ هَلُمُّوا إليّ أنا رسولُ
الله، أنا محمد بن عبد الله)). قال: فلا شيء، حَملَت الإبل بعضُها على بعض، فانطلق
الناس، إلاّ أنه قد بقي مع رسولِ الله وَّ نَّفَر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته.
الذين ثبتوا:
وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته عليّ بن أبي طالب
والعباسُ بن عبد المطّلب، وأبو سفيانَ بن الحارث، وابنُه، والفضلُ بن العباس،
وربيعةُ بن الحارث، وأُسامةُ بن زيد، وأيمَنُ بن عُبيد، قُتل يومئذ.
أنا ابن عبد المطّلب
فصل: وذكر قول النبيِّ - وَ * - أين أيّها النّاس؟! أنا محمد، أنا رسول الله، وفي غير
هذه الرواية :
أنا النبيّ لا كذِب
أنا ابنُ عبدِ المطّلب(٢)
(١) أخرجه أحمد (٢١٨/٥) والطبراني (٢٧٥/٣) وعبد الرزّاق (٢٠٧٦٣) والحميدي في مسنده
(٨٤٨).
(٢) أخرجه البخاري (٣٧/٤) ومسلم في الجهاد (٧٨ - ٨٠) وأبو داود (٤٨٧) والترمذي (١٦٨٨)
وأحمد (٢٦٤/١) والدارمي (١٦٦/١).
٢١٢

قال ابن هشام: اسم ابن أبي سُفيان بن الحارث جعفر، واسم أبي سُفيان المغيرة،
وبعض الناس يَعُدّ فيهم قُثَم بن العباس، ولا يعد ابنَ أبي سُفيان.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر،
عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء
في رأس رمح له طويل، أمام هوازنَ، وهوازن خلفه، إذا أذرَك طَعَن برمحه، وإذا فاته
الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتَّبَعوه.
الشماتة بالمسلمين :
قال ابن إسحاق: فلما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله وَ له من جُفاة أهل
مكّة الهزيمة، تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضّغْن، فقال أبو سفيان بن حرب:
لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لمَعهُ في كنانته. وصرخ جَبَلة بن الحنبل - قال
ابن هشام: كَلَدَةُ بن الحنبل - وهو مع أخيه صفوانَ بن أُميَّة مشرك في المدَّة التي جعل له
رسولُ اللهِ وَله: ألا بطل السِّخْرُ اليومَ! فقال له صفوان: اسكتْ فَضَّ الله فاكَ، فوالله لأن
يَرُبَّني رجلٌ من قُريش أحبُّ إليَّ من أن يَرُبَّنِي رجل من هَوازن.
شعر حسّان في هجاء كلدة:
قال ابن هشام: وقال حسَّان بن ثابت يهجو كَلَّدَة:
أبو حَنْبَلٍ ينزو على أُمَ حَثْبَل
رأيْتُ سَوادًا مِن بَعيد فراعني
ذراعُ قَلُوص من نِتاج ابن عِزْهِلٍ
كأنّ الذي ينزو به فَوْقَ بَطْنِها
أنشدنا أبو زيد هذين البيتين، وذكر لنا أنه هجا بهما صفوان بن أُميَّة، وكان أخا
كَلَدَة لأُمُّه.
وهو كلام موزون، وقد تقدّم الكلامُ في مثل هذا، وأنه ليس بشعرٍ حتى يقصد به
الشعر. وللخطابي في كتاب الأعلام تنبيه على قوله: أنا ابنُ عبدِ المُطَّلب، قال: إنما خصّ
عبدَ المطّلب بالذكر في هذا المقام، وقد انهزم الناسُ تشبيهًا لنبوَّته، وإزالة للشكّ لما اشتهر،
وعُرف من رُؤيا عبد المطّلب المبشّرة بالنبيّ وَّهِ، وقد تقدّم ذكرها، ولِمَّا أنبأت به الأحبارُ
والرُّهْبانُ، فكأنه يقول: أنا ذاك، فلا بدّ مما وُعِذْت به لئلاً يَنْهزموا عنه، ويظنّوا أنه مقتول
ومغلوب، فالله أعلم أأراد ذلك رسولُه أم لا .
٢١٣

شيبة بحاول قتل الرسول
قال ابن إسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، أخو بني عبد الدّار. قلت:
اليومَ أدركُ ثأري من محمد، وكان أبوه قُتل يوم أُحُد، اليوم أقْتُل محمدًا. قال: فأدَرْتُ
برسول الله لأقتله، فأقبل شيء حتى تَغَشَّى فؤادي، فلم أطق ذاك، وعلمت أنه ممنوع مني.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل مكّة، أن رسولَ الله وَ ◌ّ قال حين فَصَل من
مكّة إلى حُنين، ورأى كثرة من معه من جنود الله: ((لن نُغْلَبَ اليوْمَ مِن قَلَّةٍ)).
قال ابن إسحاق: وزعم بعض الناس أن رجلاً من بني بكر قالها.
الانتصار بعد الهزيمة:
قال ابن إسحاق: وحدّثني الزُّهْري، عن كَثير بن العبَّاس، عن أبيه العبَّاس بن
عبد المطّلب، قال: إني لَمَع رسولِ اللهِ وَلَوَ آخِذٌ بِحَكَمَة بغلته البيضاءِ قد شَجَرْتُها بها،
قال: وكنت امرأ جَسِيمًا شديد الصوت، قال: ورسولُ اللهِ وَلَه يقول حين رأى ما رأى
من الناس: ((أين أيها الناس؟)) فلم أَرَ الناس يَلْوُون على شيء، فقال: ((يا عباس، اضْرُخْ،
يا معشر الأنصار: يا معشر أصحاب السَّمُرَة)»، قال: فأجابوا: لَبَّيْكَ، لَبَّيْك! قال: فيذهب
الرجل ليثْني بعيرَه، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ دِرْعه، فيقذفها في عنقه؛ ويأخذ سيفه
وتُرسَه، ويقتحم عن بعيره، ويخلِّي سبيله، فيؤمّ الصوت، حتى ينتهيّ إلى رسولٍ
الله وَله. حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة، استقبلوا الناس، فاقتتلوا، وكانت الدّعوى أوّلَ
ما كانت: يا لَلْأَنصار. ثم خَلَصَت أخيرًا: يا لَلْخَزْرَجِ. وكانوا صُبُرًا عند الحرب، فأشرف
رسولُ اللهِ وَ﴿ في ركائبه. فنظر إلى مُجتَلَد القومَ وهم يَجْتلدون، فقال: ((الآنَ حَمِيَ
الوَطِیس» .
شيبة ومحاولة قتل الرّسول وله
وذكر قصّة شَيْبَةً بن عُثْمانَ حين أراد قَتلَ النبيّ وََّ، قال: فجاء شيءٌ حتى تَغَشَّى
فؤادي، وقد ذكر هذا الخبر أبو بكر بن أبي خَيْثَمَة في تاريخه، قال شيبة: اليوم آخذ بثأري،
فجئت النبيَّ ◌َ﴿ مِنْ خلفه، فلما هَمَمْتُ به حَالَ بيني وبينه خَنْدَقْ من نارٍ وسُورٌ من حديد،
قال: فالتفت إليَّ النبيُّ - صَلّهِ وتَبَسِّم، وعَرَف الذي أردت، فمسح صدري، وذهب عنّي
الشَّكُّ، أو كما قال، ذهب عنّي بعضُ ألفاظِ الحديث(١).
(١) انظر الإصابة (ت ٣٩٤٠).
٢١٤

قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه
جابر بن عبد الله، قال: بينا ذلك الرجل من هَوازن صاحبُ الراية على جمله يصنع ما
يصنع، إذ هوى له عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه ورجل من الأنصار يريدانه، قال:
فيأتيه عليّ بن أبي طالب من خلفه، فضرب عُزْقُوبَي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب
الأنصاريّ على الرجل، فضربه ضربة أطَنَّ قَدَمَه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله، قال:
واجْتَلد الناس، فوالله ما رجَعَتْ راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفَّين
عند رسول الله ێ .
قال: والتفت رسولُ اللهِ وَ ل﴿ إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، وكان
مُمن صَبَرَ يومئذ مع رسولِ اللهِ وَّ، وكان حَسَن الإسلام حين أسلم، وهو آخذ بثَفَر
بغلته، فقال: ((من هذا؟)) قال: أنا ابن أُمك يا رسول الله.
رأي أُم سليم
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله وَهَ التفت، فرأى أُمّ
سُلَيم بنت مِلْحان، وكانت مع زوجها أبي طَلْحَةَ وهي حازمة وسطها بِبُرد لها، وإنها
لحامل بعبد الله بن أبي طلحة، ومعها جملُ أبي طلحة، وقد خشِيت أن يَعُزَّها الجمل،
فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خِزامته مع الخِطام، فقال لها رسولُ اللهِ وَله: ((أُمَ
سُلَيم؟)) قلت: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، اقتُلْ هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما
تقتل الذين يُقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسولُ اللهِ وَلجه: ((أو يكفي الله يا أُمّ
سُلَيم؟)) قال: ومعها خِنْجَر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخِنْجَر معكِ يا أُمّ سُلَيم؟
قالت: خِنْجَر أخذته، إنْ دنا منّي أحدٌ من المُشْركين بَعَجْته به. قال: يقول أبو طلحة:
ألا تسمعُ يا رسول الله ما تقول أُمّ سُلَيم الرُّميْضَاء.
أُم سليم والفرار يوم حنين
وذكر أُمَّ سُلَيْم وهي مليكة بنت مِلْحَانَ، وقال في اسمها رُمَّيْلَة، ويقال: سُهَيْلَة،
وتعرف بالغُمَيْصَاءِ والرُّمَيْصاءِ لرَمَصٍ كان في عينيها، وأبو طلْحَة بعلُها هو زَيْد بن سَهْلٍ بن
الأسود بن حَرَامٍ وهو القائل:
وكل يوم في سِلاَحِي صَيْد
أنا أبو طلحَةً، واسمي: زيْد
وقول أُمّ سُلَيم: يا رسولَ الله اقْتُلْ هؤلاء الذين ينهزمون عنك.
٢١٥

شعر مالك بن عوف في الهزيمة
قال ابن إسحاق: وقد كان رسولُ اللهِ وَلَّ، حين وَجْه إلى حُنين، قد ضمّ بني سُلَيْم
الضحّاك بن سُفْيَانَ الكِلابي، فكانوا إليه ومعه، ولما انهزم الناس قال مالك بن عوف
يَرْتَجزُ بفرسه:
مِثْلي على مِثْلكَ يخمي ويَكُرّ
أقْدِمْ مُحاجُ إِنَّه يومٌ نُكُرْ
ثم احزألَّتْ(١) زُمَرٌ بعد زُمَرْ
إذا أُضيعَ الصَّفُ يَوْمًا والدّبُزْ
قد أطْعُن الطَّعنة تَقِذِي بِالسُّبُر(٢)
كتائبٌ يكلُّ فيهنَّ البَصَرْ
وأطعنُ النَّجلاءِ(٣) تَعْوِي وتَهِرْ
حين يُذَمُّ المُسْتكينُ المنجَحِزْ
إن قيل: كيف فرَّ أصحابُ رسولِ اللهِ وَّ عنه حتى لم يبقَ معه منهم إلاّ ثمانيةٌ،
والفرارُ من الزحف من الكبائر، وقد أنزل الله تعالى فيه من الوعيد ما أنزل. قلنا: لم يجمع
العلماء على أنه من الكبائر إلاّ في يوم بدر، وكذلك قال الحسن ونافع مولى عبد الله بن عُمَر
وظاهر القرآن يدلّ على هذا، فإنه قال: ﴿ومَن يُوَلِّهم يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] فيومئذ
إشارةٌ إلى يوم بدرٍ، ثم نزل التحقيقُ من بعد ذلك في الفارين يوم أُحُدٍ وهو قوله: ﴿ولقد
عفا الله عنهم﴾ [آل عمران: ١٥٥] وكذلك أنزل في يوم حنين: ﴿ويوم حُنَيْنِ إِذْ أَعجَبَتْكُم
كَثْرَتُكم﴾ إلى قوله: ﴿غفور رحيمٌ﴾ [التوبة: ٢٥] وفي تفسير ابن سلام: وكان الفرارُ من
الزحف يَوْمَ بَدْرٍ من الكبائر، وكذلك يكون من الكبائر في مَلْحَمَةِ الرُّوم الكُبْرى، وعند
الدَّجَّال، وأيضًا فإن المنهزمين عنه عليه السلامُ رجعوا لحينهم، وقاتلوا معه حتى فَتَحَ الله
علیھم.
حول رجز مالك
وقول مالك في وجزِه:
قد أطعَنِ الطّعْنَةَ تَقْذِي بالسُّبُر
السُّبُرُ: جمع سابر، وهو الفَتِيلُ الذي يُسْبَر به الجُرحُ أي: يُخْبَر.
-
(١) احزألَّت: اجتمعت.
(٢) السبر: الوجوه الحسنة. وقيل: الفتيل الذي يُسير به الجرح.
(٣) النجلاء: الواسعة.
٢١٦

لهَا مِنَ الجوْف رَشاشٌ مُنْهَمِزْ
وثعلبُ العامِلِ فيها مُنْكَسِزْ
قد نَفِد الضُرْسُ وقد طال العُمُز
أنّيَ قد أمْثالها غيرُ غَمِر(٢)
وقال مالك بن عوف أيضًا:
تَفْهَقُ(١) تاراتٍ وحينًا تنفَجِرْ
يا زَيْدُ يا ابن ھَمْهَم أيْنَ تفرّ
قد علم البيضُ الطَّويلاتُ الخُمُز
إذْ تُخْرَجُ الحاصنُ من تحت السُّتُرْ
ولا تَغُرَّنَّكَ رِجْل نادِرة
أقْدِمْ مُحاجُ إنّها الأساوِرَة
قال ابن هشام: وهذان البيتان لغير مالك بن عوف في غير هذا اليوم.
وقوله في الرَّجر الآخر:
أَقْدِم مُحَاجُ إنها الأسَاوِرَة
وقولُ ابن هشام: هما لغير مالك في غير هذا اليوم، يعني يوم القادسيّة، وكانت الدولةُ
فيه للمسلمين على الفُرْس، والأسَاوِرَةُ: مُلُوكُ الفرس، وقُتِل في ذلك اليوم رُسْتُمُ مَلِكُهم
دون الملِكِ الأكبر، وكان على المسلمين يومئذ سعد بن أبي وقّاص، وقد ذكرنا قبل: بم
سُمِّيت القادسيّة.
وذكر حديث أبي قَتَادَةَ في سَلَبِ القتيل(٣)، قال: فاشتريت بِثَمَنِهِ مَخْرِفًا فإنه لأَوَّلُ مال
اعتقدته، يقال: اعتقدت مالي، أي: اتخذت منه عُقدَةً، كما تقول: نُبْذَة، أو قِطْعة، والأصل
فيه من العَقْد، وأن من مَلَك شيئًا عقد عليه، وأنشد أبو علي [الفالي]:
عَلَيَّ وأَوْدَتَ بِالذِّخَائِرِ والعُقَدْ
ولما رأيتُ الدَّهْرَ أَنْحَتْ صُروفُه
إلى القُوتِ خَوْفًا أَنْ أُجَاء إلى أَحَدْ
حَذَفْتُ فُضُولَ العَيْشِ حتى رَدَدْتُها
ويُروى: تأثَّلْتُه، وهي رواية الموَطَّأ، ويقال: مَخْرَف بفتح الرّاء وكسرها، وأما كسر
المِيم فإنما هو للمِخْرَفِ، وهي الآلة التي تُخْتَرَفُ بها التَمْرَةُ أي: تُجْتَتَى بفتح الميم معناه .
البُسْتَان من النخل، هكذا فسّروه، وفسّره الحربي، وأجاد في تفسيره، فقال: المَخْرَفُ: نخلة
واحدة أو نخلات يسيرة إلى عشر، فما فوق ذلك، فهو بستان أو حديقة، ويقوى ما قاله
(١) تفهق: امتلأ.
(٢) غمر: غير مجرّب.
(٣) أخرجه البخاري (١١٢/٤) ومسلم في الجهاد (٤١) وأبو داود (٢٧١٧ - بتحقيقي) والترمذي
(١٥٦٢) والشافعي في مسنده (٢٢٣) ومالك في الموطأ (٤٥٤) والبيهقي في الكبرى (٢٢٠/٦).
٢١٧
.:

من قَتل قتیلاً فله سلبه
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر، أنه حُدّث عن أبي قتادة الأنصاري
قال: وحدّثني من لا أتّهم من أصحابنا، عن نافع مولى بني غِفار أبي محمد عن أبي
قتادة، قالا: قال أبو قتادة: رأيت يوم حُنَيْن رجلين يقتتلان: مسلمًا ومشركًا، قال: وإذا
رجل من المُشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم. قال: فأتيته فضربت يده
فقطعتُها، واعتنقني بيده الأخرى، فوالله ما أرسلني حتى وجدت ريح الدم. ويُروى: ربح
الموت، فيما قال ابن هشام: وكاد يقتُلني، فلولا أن الدم نزفه لقتلني، فسقط، فضربته
فقتلته، وأجهضني عنه القتال، ومرّ به رجل من أهل مكّة فسلبه، فلما وضعت الحرب
أوزارها وفرغنا من القوم، قال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((من قَتل قتيلاً فله سَلَبُه))، فقلت: يا
رسول الله، والله لقد قتلت قتيلاً ذا سَلَب، فأجهضني عنه القِتال، فما أدري مَن استلبه؟
فقال رجل من أهل مكة: صدق يا رسول الله، وسَلَبُ ذلك القتيل عندي، فأرضِه عني
مِنْ سَلَبه، فقال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه: لا والله، لا يرضيه منه، تَعْمِد إلى أسَدٍ
من أُسْدِ الله، يقاتل عن دين الله، تقاسمه سَلَبه! اردد عليه سَلَب قتيله، فقال رسولُ
اللهِ وَلّ: (صدق فاردد عليه سَلَبه)). فقال: أبو قتادة: فأخذته منه، فبعته، فاشتريت منه
مَخْرَفًا، فإنه لأوّلُ مالِ اعْتَقَدْتُه.
قال ابن إسحاق: وحدّثني من لا أتّهم، عن أبي سلمة، عن إسحق بن عبد الله بن
أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: لقد استلب أبو طلحة يومَ حُنَين وحدَه عشرين
رجلاً .
الحربي ما قاله أبو حنيفة، قال: المَخْرفُ: مثل الخَرُوفَة، والخَرُوفةُ: هي النخلة يخترفُها
الرجلُ لنفسه ولعيالِه، وأنشد:
مثل المَخَارِفِ مِنْ خيلان أو هَجَرًا
قال: ويقال للخَرُوفَةِ : خَرِيفَةٌ أيضًا.
السلب للقاتل
وفي هذا الحديثِ من الفقه أن السَّلَب للقاتل حُكْمًا شَرْعِيًّا جعل ذلك الإمامُ له، أو لم
يجعله، وهو قول الشافعي، وقال مالك: إنما ذلك إلى الإمام له أن يقولَ بعد مَعْمَعةِ
الحرب: مَنْ قَتَل قتيلاً فله سَلَبُه، ويكره مالكٌ رحمه الله أن يقول ذلك قبل القِتال لئلاّ يخالط
النّة غَرَضٌ آخرُ غير احتساب نفسِه لله تعالى، وقد ذكرنا في غَزْوَة بدرٍ في هذه المسألة ما هو
أكثر من هذا.
٢١٨

نزول الملائكة
قال ابن إسحاق: وحدّثني أبي إسحق بن يَسار، أنه حدّث عن جُبَيْر بن مُطْعِم،
قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم، والناس يَقْتَتِلون مثل البِجَادِ الأسْوَد، أقبل من السماء
حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت، فإذا نمل أسود مَبْثُوث قد ملأ الوادي، لم أشكّ
أنها الملائكة، ثم لم يكن إلّ هزيمة القوم.
هزيمة المشركين من أهل حنين:
قال ابن إسحاق: ولما هزم الله المشركين من أهل حُنين، وأمكن رسولَه ◌َّر منهم،
قالت امرأة من المسلمين :
قد غلبت خَيلُ اللهِ خَيْلِ اللَّتِ والله أحَقُ بالثّباتِ
قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالرواية للشعر:
غَلَبْتِ خيْلَ اللهِ خيْلَ اللَّتِ
وخَيْلُهُ أحَقُّ بالثَّباتِ
قال ابن إسحاق: فلما انهزمت هوازن استحَرَّ القتل من ثَقيف في بني مالك، فقُتل
منهم سبعون رجلاً تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن
حبيب، وكانت رايتهم مع ذي الخِمار فلما قُتِل أخذها عثمان بن عبد الله فقاتل بها حتى
قُتل.
قال ابن إسحاق: وأخبرني عامر بن وهب بن الأسود، قال: لما بلغ رسولَ الله وَلول
قتلُه، قال: ((أبعده الله! فإنه كان يُبْغضُ قريشًا)).
نزول الملائكة
وقول جُبَيْرِ بن مُطْعِم: لقد رأيت مثل البِجَاد، يعني الكِسَاءَ، من النمل مَبْثُوثًا، يعني
رآه ينزِل من السماء. قال: لم أَشك أنها الملائكة، وقد قدم ابنُ إسحق قول الآخر: رأيت
رجالاً بيضًا على خَيْلِ بُلْقِ، وكانت الملائكةُ فأراهم الله لذلك الهوازني على صُوَرِ الخيل
والرجال ترهيبًا للعدوّ، ورآهم جُبَيْرٌ على صورة النمل المبثوث إشْعَارًا بكثرة عددها، إذ
النمل لا يُستطاعِ عَدُّها مع أن النملَةَ يُضْرَب بها المثلُ في القوّة، فيقال: أقوى من النملة،
لأنها تحمل ما هو أكبر من جِزْمِها بأضْعَافٍ، وقد قال رجلٌ لبعض الملوك: جعل الله قوّتَك
قوّةَ الثَّمَلَةِ، فأنكر عليه، فقال: ليس في الحيوان ما يحمل ما هو أكبر منه إلاّ الثَّملة، وهذا
المثل قد ذكره الأصْبَهَاني في كتاب الأمثال مَقْرُونًا بهذا الخبر، وقد أُهْلِكَ بالنمل أُمةٌ من
الأمم، وهم ◌ُزْهُم.
٢١٩

قال ابن إسحاق: وحدّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس. أنه قُتل مع
عثمان بن عبد الله غلامٌ له نصرانيّ أغْرَلُ، قال: فبينا رجل من الأنصار يسلُب قَتْلى
ثقيف، إذ كشف العبدَ يسلُبُه، فوجده أغْزَلَ. قال: فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب:
يعلم الله أنَّ ثقيفًا غُزِل. قال المُغيرة بن شُعبةٍ: فأخذتُ بيده، وخشيت أن تذهب عنا في
العرب، فقلتُ: لا تقل ذاك، فَداك أبي وأمي، إنما هو غلام لنا نصراني. قال: ثم
جعلت أكشف له عن القتلى، وأقول له: ألا تراهم مختّنين كما ترى!
قال ابن إسحاق: وكانت راية الأحلاف مع قاربٍ بن الأسود، فلما انهزم الناس
أسند رايته إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمّه وقومه من الأحلاف، فلم يُقتل من الأحلاف
غيرُ رجلين: رجلٍ من غِيَرَة، يقال له: وهب، وآخر من بني كُبَّة، يقال له: الجُلاحِ؛
فقال رسولُ اللهَ وَّه حين بلغه قتل الجلاحِ: ((قُتِل اليوم سيّدُ شباب ثقيف، إلاَّ ما كان من
ابن هنيدة، يعني بابن هُنيدة الحارث بن أويس.
رائية ابن مرداس
فقال عبّاس بن مرداس السّلَمي يذكر قارب بن الأسود وفِرَارَه من بني أبيه وذا
الخمار وحَبْسه قومَه للموت:
وسَوْفَ - إخالُ - يأتيه الخَبِيرُ
ألا مِنْ مُبَلِّغِ غَيْلانَ عَنْي
وقَوْلاً غيرَ قولِكُما يَسيرُ
وعُزْوَةَ إِنَّمَا أُهْدِي جوَابًا
لربّ لا يَضِلُّ ولا يجوزُ
بأنَّ مُحمَّدًا عبدٌ رسول
فكلّ فَتَّى يُخابِرُهُ مخِير
وجدناه نَبِيًّا مثل مُوسَى
حول قصيدة ابن مرداس
فصل: وذكر قول عَبَّاس :
وسوف إخال يأتيك الخبيرُ
الفعل المستقبلُ: هو يأتيكَ، وإن كان حرفُ سوف داخلاً على إخال في اللفظ، فإن ما
يدلّ عليه من الاستقبال إنما هو الفعل الثاني كما قال:
وما أدري وسوف إخال أدري
٢٢٠