النص المفهرس
صفحات 141-160
ذكر الأسباب الموجبة المسير إلى مكّة وذكر فتح مكّة في شهر رمضان سنة ثمان قال ابن إسحاق: ثم أقام رسولُ الله وَله بعد بَعْثه إلى مُؤتة جمادى الآخرة ورجبًا. ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عَدَت على خُزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكّة يقال له: الوَتِير، وكان الذي هاج ما بين بني بكر وخُزاعة أنْ رجلاً من بني الحَضْرمي، واسمه مالك بن عبَّاد - وحلْف الحضرمي يومئذ إلى الأسود بن رَزْن - خرج تاجرًا، فلما توسَّط أرض خزاعة، عَدوا عليه فقتلوه، وأخذوا ماله، فعَدت بنو بكر على رجل من خُزاعة فقتلوه، فعدَت خزاعةُ قُبَيل الإسلام على بني الأسود بن رَزْن الدَّيلي - وهم مَنْخَرُ بني كنانة وأشرافهم - سَلْمى وكُلثوم وذُؤيب - فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم. قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من بني الدِّيِل، قال: كان بنو الأسود بن رِزْن يُؤْدَوْن في الجاهليّة ديّتين ديّتين، ونُودَى دِيّةً دِيّةً، لفضلهم فينا. بدء فتح مكة (١) ذكر في الأسوَد بن رَزْنِ الكَاني بفتح الرَّاء، وذكر الشيخ الحافظُ أبو بحر أن أبا الوليد أصلحه: رِزْنًا بكسر الرّاء، قال: والرِّزْنُ، نُقْرَةٌ في حجر يمسك الماء، وفي كتاب العين: الرِّزْنُ أَكَمَةٌ تمْسِك الماءَ، والمعنى متقارب، وذكر أن بَني رزن من بني بَكرٍ، وقد قيل فيه: الدُّئِلُ، وقد أشبعنا القول فيه في أوّل الكتاب، وما قاله اللغويون والنَّسَّابون، وذكرنا هنالك كُلِّ دِيلٍ في العَرَب، وكل دُولٍ والحمدُ لله. (١) انظر البداية والنهاية (٢٧٨/٤) والطبري (٣٨/٣) الطبقات (٩٦/١/٢) الكامل (١١٦/٢) الاكتفاء (٢٨٧/٢) الواقدي (٧٨/٢) المنتظم (٣٢٤/٣) ابن حزم (٢٦٧) شرح المواهب (١٩١/١) أنساب الأشراف (١٧٠/١) الزاد (٣٩٤/٣) والبخاري (١٤٥/٥). ١٤١ : قال ابن إسحاق: فبينا بنو بكر وخُزاعة على ذلك حَجَز بينهم الإسلام، وتشاغل الناس به. فلما كان صلحُ الحُديبية بين رسول الله وَل﴿ وبين قُرَيش، كان فيما شرَطوا لرسول الله وَو وشرَط لهم، كما حدّثني الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسوّر بن مَخْرمة ومروان بن الحكم، وغيرهم من علمائنا: أنه من أحبَّ أن يدخل في عَقْد رسولٍ اللهِ وَّهُ وعَهده فليدخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في ◌َقد قُرَيش وعهدهم فليدخل فيه، فدخلت بنو بكر في عَقد قُريش وعهدهم، ودخلت خُزاعة في عقد رسولِ اللهِ وَليه وعهده . قال ابن إسحاق: فلما كانت الهُدْنة اغتنمها بنو الدِِّل من بَنِي بَكْرٍ من خُزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منه ثأرًا بأولئك النفر الذين أصابوا منهم ببني الأسود بن رَزْن، فخرج نوفل بن معاوية الدّيلي في بني الدِيل، وهو يومئذ قائدهم، وليس كلّ بني بكر تابَعه حتى بَيَّت خُزاعة وهم على الوَتِير، ماء لهم، فأصابوا منهم رجلاً، وتحاوزوا واقتتلوا، ورفدت بني بكر قريشْ بالسلام، وقاتل معهم من قُريش مَن قاتل بالليل مستخفيًا، حتى حازوا خُزاعةَ إلى الحَرَم، فلما انتهَوْا إليه، قالت بنو بكر: يا نَوْفل، إنَّا قد دخلنا الحرم، إلهكَ إلهكَ، فقال: كلمة عظيمة، لا إله له اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتَسْرِقون، في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؛ وقد أصابوا منهم ليلة بيَّتوهم بالوَتير رجلاً يقال له منبه، وكان منبه رجلاً مفؤودًا خرج هو ورجل من قومه يقال له تميم بن أسد، وقال له منبه: يا تميم، انج بنفسك، فأما أنا فوالله إني لميِّت، قتلوني أو تركوني لقد أنبَتَّ فؤادي، وانطلق تميم فأفلت، وأدركوا مُنَبِهَا فقتلوه، فلما دخلت خُزاعة مكّة، لجؤوا! إلى دار بُدَيل بن ورقاء، ودار مولى لهم يقال له رافع؛ فقال تميم بن أسَد يعتذر من فراره عن مُنَبّه. شعر تميم في الاعتذار من فراره عن منبّه يَغْشَوْنَ كُلَّ وَتِيرَةٍ وحِجابٍ لَمَّا رأيْت بَني نُفَاثةَ أقْبَلُوا يُزْجُونَ كُلِّ مُقَلَّص خِنَّابِ صَخْرًا وَرَزْنًا لا عَرِيبَ سِوَاهُمُ فيما مَضَى مِنْ سالِف الأحقاب وذكرتُ ذَحْلاً عِندَنا مُتَقادِمًا حول شعر تميم وذکر شعر تميم بن أسد، وفيه: يُزْجُونَ كُلِّ مُقَلْصٍ خِتَّابٍ ١٤٢ ورهِبْتُ وَقْعَ مُهَنَّدٍ قَضَّاب لَخْمَّا لِمُجْرِية وشِلْوَ غُرَاب وطَرَحت بالمَثْنِ العَراء ثيابي عِلْجْ أقَبُّ مشمُر الأقْرَاب بَوْلاً يَبُلّ مَشافِرَ القَبْقاب عَن طِيبٍ نَفْسٍ فاسألي أصحابي ونَشَيْتُ ريحَ المَوْتِ مِن تِلْقائهم وعرفت أن مَنْ يَثْقُفوهُ يَتْرُكوا قوَّمتُ رِجْلاً لا أخافُ عِثارَها ونَجَوْتُ لا يَنْجو نَجائي أحْقَبٌ تَلْحَى ولو شَهِدَتْ لکان نکیرُها القَوْمُ أعلم ما تركْتُ مُنَبِّهَا قال ابن هشام: وتُروى لحبيب بن عبد الله (الأعلم) الهُذلي وبيته: ((وذكُرت ذَخْلاً عندنا مُتقادمًا)) عن أبي عُبيدة، وقوله: ((خناب)) و ((علج أقبّ مشمِّر الأقراب)) عنه أيضًا. شعر الأخزر في الحرب بين كنانة وخزاعة قال ابن إسحاق: وقال الأخْزَر بن لُغط الدّيلي، فيما كان بين كِنانة وخُزاعة في تلك الحرب : ألا هَلْ أتى قُضْوَى الأحابِيشِ أننا رَدَدْنا بني كَعْب بأفْوَق(١) ناصِلٍ الخِنَّابُ: الطويل من الخيل، وقع ذلك في الجَمْهَرَةِ، ويقال: الخِتَّابُ: الواسع المَنْخَرَيْن، والخِنَّابةُ جانبُ الأنف، وفي العين: الخِنَّابُ الرجل الضَّخمُ، وهو الأحمق أيضًا، والمُقَلَّصُ من الخيل المُنْضَمُّ البَطْنِ والقوائم، وإن قلت: المُقَلِّص بكسر اللام، فهو من قَلَصَتِ الإبلُ إذا شَمَّرَتْ، قاله صاحبُ العين. وفيه: ظِلُّ عُقَابٍ، وهي الرَّايَةُ، وكان اسمُ رايةِ النبيِّ - نَّهِــ العُقَاب، والدليل على أنه يقال لكل راية عُقَابٌ قَوْل قَطَرِي بن الفُجَاءَةِ ويُكْنَى أبا نَعَامَةَ رئيس الخوارج: مُهْرِي من الشَّمْسِ والأبْطَالُ تَجْتَلدُ يَا رُبَّ ظِلْ عُقَابٍ قد وَقَیْتُ بها وفيه: يَبْلُ مَشَافِرَ القَبْقَابِ، القَبْقَابُ: أراد به الفَرْجَ، والقَبْقَبُ والقَبْقَابُ: البَطْنُ أيضًا. حول شعر الأخرز وذكر قولَ الأخرز، وفيه: قَفاثَوْرِ حَفَّانِ النَّعَامِ الجَوافِلِ (١) أفوق: عظيم. ١٤٣ حَبَسْناهُمُ فِي دَارَةِ العَبْدِ رَافعٍ بِدَارِ الذَّليلِ الآخِذِ الضَّيْمِ(١) بعدَما حَبَسْنَاهُمُ حتى إذا طالَ يَوْمُهُمْ نُذَبِّخْهُمُ ذَبحَ الثُّيُوس كأنّنا وكانُوا لَدى الأنصاب أوَّلَ قاتل قَفَا ثَوْر حَفَّانُ النعامِ الجَوافلِ (٤) هُمُ ظَلَمونا واعتَدَوْا في مَسِيرِهم كأنهُمُ بالجِزْعِ إِذْ يطرُدونهم وعنْدَ بُدَيْلِ مَخبِسًا غير طائِلٍ شَفَيْنا النُفُوسَ منهُمُ بالمَناصِلِ نَفَخْنا لَهُمْ من كلّ شِغِيبٍ بَوابل(٢) أسودٌ تَبارَى فيهُمُ بِالقَوَاصِلِ(٣) قَفَاتَوْر، يعني: الجَبَل، وقَفَا ظرفٌ للفِعْلِ الذي قبله، وقال: قَفَاثور، ولم ينوِّن لأنه اسمٌ عَلَمْ مع ضرورة الشعر، وقد تكلّمنا على هذا فيما قبل، ولو قال: قَفَاتَوْرَ بنصب الراء، وجعله غير مُنْصَرِف، لم يبعد، لأن ما لا تَنْوِينَ فيه، وهو غير مُعْرَبٍ بألِفٍ ولام، ولا إضافة، فلا يدخله الخَفْضُ لئلا يُشبِهِ ما يُضيقه المتكلّمُ إلى نفسِه، وقَفَاتَوْر بهذا اللفظِ تَقَيَّد في الأصل، وظاهرٌ كلام البرقي في شَرْح هذا البيت أنه بِفَاتُورَ، لأنه قال: الفاثورُ سَبِيكة الفضَّة، وكأنه شَبَّه المكانَ بالفِضَّةِ لنقائهَ واسْتِوائه، فإن كانت لروايةُ كما قال، فهو اسمُ موضِعٍ، والفاتُورُ: خِوانٌ من فِضَّةٍ، ويقال: إبريق من فضّة، قيل ذلك في قول جَمِیل : وصَدْر كفَاتُورِ اللُّجَيْنِ وچِيدٌ وفي قول لَبِیدٍ : ومِسْكٌ وفاتُورِيَّةٌ وسُلاَسِلُ حقائبهُم راحٌ عَتِيقٌ ودَرْمَكٌ وكما قال البرقي: ألفيته في نسخ صحيحة سوى نُسْخة الشيخ، وإن صحّ، ما في نسخة الشيخ، فهو كلام حُذِف منه ومعناه: قَفَا فَاتُور، وحَسُن حذف الفاء الثانية، كما حسن حَذْف اللام الثانية في قولهم: عَلْمَاء بنِي فُلان، لا سِيَّما مع ضَرُورة الشعر، وترك الصَّرف، لأنه جعله اسم بُقْعَةٍ، ومن الشاهد على أن فاتُورَ اسمُ بُقْعَةٍ قول لبيد: ویوم طعنتم فاسْمَعَدَّتْ وُفودكم بأجْمَاد فاثور كريم مُصابر أي: أنا كريم مصابر، ولذلك قال البكري ولم يذكر فيه اختلافًا، وقال: هو اسم جبل يعني فاثور، وقال ابن مُقْبِل: حَيُّ مَحَاضِرُهُمْ شَتَّى وجَمعُهُمْ دَوْمُ الإِيَادِ، وفاتُورٌ إذا انْتَجَعُوا (١) الضيم: الظلم. (٣) قواصل: سيوف قاطعة. (٢) وابل: كثير العدد. (٤) الجوافل: الهاربة. ١٤٤ بديل يردّ على الأخزر فأجابه بُدَيْل بن عبد مَناة بن سَلَمة بن عمرو بن الأجبّ، وكان يقال له: بَديل ابن أُمَ أصرم، فقال: لهم سَيِّدًا يَنْدُوهُمُ غيرَ نافلٍ(١) تَفاقَد قَوْمٌ يَفْخَرُون ولم نَدَعْ أمِنْ خِيفَة القوم الأُلى تَزدَريھمُ وفي كلّ يَوْمِ نحنُ نَحبُو حِباءنا ونحن صبخنا بالثّلاعة دارَكُمْ تُجيز الوَتِير خائفًا غيرَ آبِل العَقْل ولا يُخْبَى لَنا في المَعاقِلِ بأسْيافنا يَسْبِقْنَ لَوْم العَواذل إلى خَيْف رَضْوَى من مَجَرّ القَنابل ونحنُ مَنَعْنا بين بَيْض وعِتْوَدٍ ويَوْمَ الغَميم قد تَكَفَّتَ ساعيًا أَإِنْ أجْمَرت في بيتها أُم بعضكم كذبْتُمْ وبيتِ اللهِ ما إنْ قَتَلْتُم عُبَيْسٌ(٢) فَجِعْناه بجَلْدٍ حُلاحل (٣) بجُعْمُوسِها (٤) تَنْزُونَ أنْ لم نُقاتِل ولكنْ تَركْنا أمْرَكم في بَلابل(٥) وقال لبيد: بين فَاثُورِ أَفَاقٍ فالدَّخَلْ وَلَدى الثُّعمَانِ مني مَوْطِنْ وحَفَّانُ النَّعامِ: صِغارُها، وهو مرفوع لأنه خبر كأنَّ. حول شعر بدیل وذكر شعر بُدَيْل ابن أُم أَصْرِم، وفيه: غير آيل، هو فاعل من آلَ إذا رجع، ولكنه قلب الهمزة التي هي بدل من الواو ياء، لئلاً تجتمع همزتان، وكانت الياءُ أولى بها لانكسارها. وفيه ذكر عُيَيْسٍ، ووقع في بعض روايات الكتاب عُبَيْس بالباء المنقوطة بواحدة من أسفل . وفيه : أإِنْ أَجْمَرَتْ في بيتها أُمُّ بعضكم بجُغْمُوسِها (١) نافل: أي آخذ من الغنائم. (٣) حلاحل: أسياد. (٥) بلابل: شدّة الهموم. (٢) عبيس: طالح الوجه شجاع. اسم رجل. (٤) الجعموس: النخل العذرة. ١٤٥ الروض الأنف/ ج ٤ / م ١٠ قال ابن هشام: قوله: ((غير نافل))، وقوله: ((إلى خيْف رَضوى)) عن غير ابن إسحق. شعر حسَّان في الحرب بين كنانة وخزاعة: قال ابن هشام: وقال حسّان بن ثابت في ذلك: لهم أحَدًا يَنْدُوهُمُ غيرَ ناقبٍ لَحا الله قومًا لم ندَغْ من سَراتِهم متى كنتَ مفلاحًا عدوّ الحقائِب أخُضيَيْ حِمارٍ ماتَ بالأمْس نَوْفلاً شعر عمرو الخزاعي للرسول يستنصره وردّه عليه قال ابن إسحاق: فلما تظاهرت بنو بكر وقُريش على خُزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونَقضوا ما كان بينهم وبين رسولِ الله وَلقر من العهد والميثاق بما استحلُّوا من خُزاعة، وكان في عَقْده وعهده، خرج عمرو بن سالم الخُزَاعِيُّ، ثم أحد بني كعب، حتى قَدم على رسول الله وَّر وسلم المدينةَ، وكان ذلك مما هاج فتح مَكْة، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظَهْرَانَي الناس، فقال: حِلفَ أبينا وأبيه الأتْلدا(١) يا رَبِّ إني ناشدٌ محمدًا ثُمَّتَ أسْلَمْنا فلَمْ تَنْزِعْ یدَا قذ كُنْتُمْ وُلْدًا وَكُنَّا وَالدّا وادعُ عِبادَ اللهِ يَأْتوا مدَدا فانْصُر هَداكَ الله نَصْرًا أعتَدا أي: رَمَتْ به بِسُرْعَةٍ، وهو كِنايةٌ عن ضَرْبٍ من الحَرْثِ يَسْمُجُ وَصْفُه." حول شعر عمرو بن سالم وذکر أبیات عمرو بن سالم، وفيها: قد كُنْتُمُ وُلْدًا وَكُنًا والدا يريد: أن بني عَبْدِ مَنَافٍ أُمُّهم من خُزَاعَة، وكذلك: قُصَيٍّ أُمُّه: فاطمة بنت سَعْد الخُزَاعِيَّة، والوُلْد بمعنى الوَلَّدِ. وقوله: ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا، هو من السَّلْم لأنهم لم يكونوا آمنوا بعد، غير أنه، قال: رِكْعًا وسُجَّدًا، فدلّ على أنه كان فيهم من صَلَّىَ الله، فقُتِل، والله أعلم. (١) الأتلد: صاحب الجاه. ١٤٦ فيهم رسولُ الله قد تجزدا في فَيْلق كالبحر یجْرِي مُزْبِدا ونَقَضُوا مِيثاقَك المُوَكَّدَا وزَعموا أنْ لستُ أدْعُو أحَدًا هُمْ بَيَّتُونا بالوَتِيرُ(٢) هُجَّدا(٣) يقول: تمتِلنا وقد أسلمنا. إن سِيم خَسْفًا وجهُه تَرَبَّدَا(١) إنْ قُريشًا أخلفوك المَوْعِدا وجَعَلُوا لي في كَدَاءِ رُصّدا وهُمْ أَذَلْ وأقَلّ عَدَدا وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا قال ابن هشام: ويُروى أيضًا: فانصر هداك الله نصرًا أيدا قال ابن هشام: ويُروى أيضًا: نحن ولدناك فكنت ولدا قال ابن إسحاق: فقال رسول الله وَله: ((نُصِرْتَ يا عمرو بن سالم))(٤). ثم عرض لرسول الله وَّ عَنَان من السَّماء، فقال: إن هذه السَّحابة لتَسْتَهِلَّ بنصر بني كعب. وذكر فيه الوَتِير، وهو اسم ماء معروف في بلاد خُزَاعَة، والوَتِيرُ في اللغةَ الوَزْدُ الأبيض، وقد يكون منه بَرِّيٌّ، فمحتمل أن يكون هذا الماء سُمِّي به، وأما الورد الأحمر فهو الخَوْجَمُ ويقال: للورد كُلِّه جَلٌّ قاله أبو حنيفة، وكأن لفظ الحَوْجَم من الحجمة وهي حُمْرَةٌ في العَيْنين، يقال: منه رجل أَخجُمُ. ما قال عمر لأبي سُفيان ومعناه: وذكر قول عمر رضي الله عنه: فوالله لو لم أَجدْ إلاَّ الذَّرَّ لجاهذْتُكُم به، وهو كلام مفهوم المعنى، وقد تقدّم أن مثل هذا ليس بكذِبٍ، وإن كان الذَّرْ لا يقاتل به، وكذلك قولُ عُمَّرَ في حديث المُوَطّأ: ((والله ليمرّن به ولو على بَطْنِك))(٥)، يعني الجَذْوَلَ، وهو من هذا القبيل لا يُعَدُّ كذبًا، لأنه جرى في كلامهم كالمثل. (٢) الوتير: الأرض البيضاء. (١) تربّدا: عبس. (٣) هجدًا: نائم أو قائم يصلّي. (٤) أخرجه الطبراني في الصغير (٢٢٢/١) بإسناد ضعيف. (٥) مالك في الموطأ (٣٣١). ١٤٧ ابن ورقاء يشكو إلى الرسول بالمدينة: ثم خرجٍ بُدَيل بن ورقاء في نفر من خُزاعة حتى قَدموا على رسول الله ◌َّهِ المدينة، فأخبروه بما أُصيب منهم، وبمُظاهرة قُريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكّة، وقد قال رسولُ الله وَ لخير للناس: ((كأنكم بأبي سُفيان قد جاءكم ليشُدّ العقد، ويَزيد في المُدة)). ومضى بُدَيل بن ورقاء وأصحابه حتى لقُوا أبا سُفيان بن حرب بعُسْفان، قد بعثته قريش إلى رسولِ اللهِ وَّ، ليشُدّ العقد، ويَزيد في المُدّة، وقد رَهِبوا الذي صنعوا. فلما لقي أُبو سُفيان بُدَيْل بن ورقاء، قال: من أين أقبلت يا بُدَيْل؟ وظنّ أنه قد أتى رسولَ الله وَّر؛ قال: تَسَيرت في خزاعة في هذا الساحل، وفي بطن هذا الوادي، قال: أَوَ مَا جئت محمدًا؟ قال: لا؛ فلما راح بُدَيْل إلى مكّة، قال أبو سُفيان: لئن جاء بُدَیْل المدينة لقد عَلف بها النَّوى فأتى مَبْرَك راحلته، فأخذ من بَعرها ففَتَّه، فرأى فيه النَّوى، فقال: احلف بالله لقد جاء بُدیل محمدًا. أبو سُفيان يحاول المصالحة ثم خرج أبو سُفيان حتى قَدِم على رسولِ اللهِ وَ﴿ المدينة، فدخل على ابنته أُمّ حَبِيبَةً بنت أبي سُفيان، فلما ذهب ليَجْلِس على فِراش رسولِ اللهِ وَلَّهِ طَوَتْه عنه، فقال: يا بُنيَّة، ما أدري أرغِبْتِ بي عنِ هذا الفِراش أم رَغِبْتِ به عني؟ قال: بل هو فِراش رسول الله - رَ﴿ - وأنت رجل مُشْرِكٌ نَجس، ولم أحبّ أن تجلس على فراش رسولِ اللهِ وَلّ؛ قال: والله لقد أصابكِ يا بُنيَّة بعدي شَرِّ. ثم خرج حتى أتى رسول الله وَلير فكلَّمه، فلم يردّ عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر، فكلَّمه أن يُكَلِّم له رسولَ الله وَلِّ؛ فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عُمَرَ بن الخَطَّاب فكلَّمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسولِ الله وََّ؟ فوالله لو لم أجد إلاّ الذَّرْ لجاهدتكم به. ثم خرج فدخل عَلَى عليّ بن أبي طالب رضوانُ الله عليه، وعنده فاطمة بنتُ رسولِ اللهِ وََّ ورضي عنها، وعندها حسنُ بن عليّ، غلامٌ يَدِبّ بين يديها، فقال: يا عليّ، إنك أَمَسُ القوم بي رَحمًا، وإني قد جئت في حاجة، فلا أرجعنّ كما جئت خائبًا، فاشفع لي إلى رسول الله، فقال: وَيُحَك يا أبا سُفيان! والله لقد عزَم رسولُ الله وَلِّ على أمر ما نستطيع أن نكلِّمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابْنَةً مُحَمَّد، هل لك أن تأمري بُنَيَّك هذا فيُجِيرَ بين الناس، فيكون سيِّدَ العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بنيَّ ذاك أن يُجير بين الناس، وما يُجير أحدٌ على رسولٍ شرح قول فاطمة لأبي سُفيان وذكر قول فاطمة: والله ما بلغ بُنَيَّ أن يُجِيرَ بين الناس، وقد ذكر أبو عبيد هذا مُخْتَجًا ١٤٨ اللهِ وَلّ، قال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدّت عليّ، فانصحني؛ قال: والله ما أعلم لك شيئًا يغني عنك شيئًا، ولكنك سيِّد بني كِنانة، فقُم فأجِزْ بين الناس، ثم الحق بأرضك؛ قال: أوَ تَرى ذلك مُغْنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله، ما أظنُّه، ولكني لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سُفيان في المسجد، فقال: أيها الناس، إني قد أجرتُ بين الناس. ثم ركب بعيرَه فانطلق، فلما قدم على قُريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جِئْتُ محمدًا فكلَّمته، فوالله ما ردّ عليَّ شيئًا، ثم جئتُ ابن أبي قُحافةَ، فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئتُ ابنَ الخطّاب، فوجدته أدنى العدو. قال ابن هشام: أعدى العدوّ. قال ابن إسحاق: ثم جئت عليًّا فوجدته ألينَ القوم، وقد أشار عليّ بشيء صنعتُه، فوالله ما أدري هل يعني ذلك شيئًا أم لا؟ قالوا: وبِمَ أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت؛ قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا، قالوا: ويلك! والله إنْ زاد الرجل على أن لعب بك، فما يُغني عنك ما قلت. قال: لا والله، ما وجدت غيرَ ذلك. به على من أجاز أمان الصَّبِيِّ وجِوَاره، ومن أجاز جِوَار الصَّبِيِّ إنما أجازه إذا عَقَلَ الصبي، وكان كالمُراهِقِ. وقولها: ولا يُجِير أحدٌ على رسول الله، وقد قال عليه السلام: ((يجير على المسلمين أدناهم))(١)، فمعنى هذا - والله أعلم - كالعَبْدِ ونحوه يجوز جوارُه، فيما قلَّ، مثل أن يُجير واحدًا من العدو، أو نفرًا يسيرًا، وأمَّا أن يجير على الإمام قَوْمًا يريد الإمامُ غزوَهم وحربَهم، فلا يجوز ذلك عليهم، ولا على الإمام، وهذا هو الذي أرادت فاطمةُ - رضي الله عنها - والله أعلم، وأما جِوارُ المرأة وتأمينها فجائز عند جماهير الفقهاءِ إلاّ سَحْنُونَ وابن المَاجِشُون، فإنهما قالا: هو موقوف على إجازة الإمام، وقد قال عليه السلام لأم هانىء: ((قد أَجَزْنا مَن أَجَرْتٍ يا أُمَّ هانىء)»(٢)، ورُوي معنى قولهما عن عَمْرو بن العاصي وخالد بن الوليد. وأما جِوارُ العبد، فجائز إلاّ عند أبي حنيفة، وقول النبيّ وَلّ يجير على المسلمين أدناهم يدخل فيه العبد والمرأة. (١) أخرجه ابن ماجة (١٩٧) والبيهقي (٩٥/٩) والطحاوي (٩١/٢) والعقيلي (٣٤٤/٢). (٢) أخرجه البخاري (١٠٠/١) ومسلم في المسافرين (٨٢) وأبو داود (٢٧٦٣) وأحمد (٣٤١/٦) والدارمي (٢٣٥/٢) ومالك (١٥٢) والحاكم (٥٣/٤٥/٤) وابن الجارود في المنتقى (١٠٥٥) وانظر الفتح (٤٦٩/١). ١٤٩ الرسول 383 بعد لفتح مكّة: وأمر رسولُ اللهِ وَ لَه بالجهاز، وأمر أهلَه أن يجهّزوه فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي الله عنها، وهي تحرّك بعض جهاز رسولِ اللهِ وَّه؛ فقال: أي بُنَيَّة: أأمركم رسولُ اللهِ وَ﴿ أن تجهزوه؟ قالت: نعم، فتجهّزْ، قال: فأين ترَيْنِه يُرِيد؟ قالت: (لا) والله ما أدري. ثم إن رسول الله وَلّم أعلم الناس أنه سائر إلى مكّة، وأمرهم بالجِدّ والتَّهيُّؤ، وقال: اللهمّ خذ العُيون والأخبار عن قُريش حتى نَبغَتها في بلادها. فتجهّز الناس. حسَّان يحرّض الناس: فقال حسَّان بن ثابت يحرّض الناس، ويذكر مُصاب رجال خُزاعة: رِجالُ بني كَغْبٍ تُحَزّ رِقابُها عَنانِي ولم أشْهَد ببطحاء مكّةٍ وقَتْلَی کثیرٌ لم تُجَنَّ ثیابُها بأيْدِي رِجالٍ لم يَسُلُوا سُيوفَهم سُهَيل بن عمرو وخزُها وعُقابُها ألا ليتَ شغري هل تنالنَّ نُصْرتي فهذَا أوانُ الحزب شُدَّ عصَابُها وصَفْوانُ عَوْدٌّ حَنَّ من شُفْرِ استه إذا احتُلِبت صرفًا وأعْصَل(١) نابُها لها وقعَةٌ بالموت يُفْتَحُ بابُها فَلا تَأْمَنَنَّا يا ابن أُمَ مُجالد ولا تَجْزَعوا منَّا فإنْ سيوفَنا قال ابن هشام: قول حسَّان: بأيدي رجال لم يَسُلُّوا سيوفَهم يعني قريشًا؛ ((وابن أُمّ مجالد)) يعني عكرمة بن أبي جهل. کتاب حاطب إلی قریش قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عُروة بن الزّبير وغيره حاطب بن أبي بلتعة وما كان في كتابه فصل: وذكر كتابَ حاطِب إلى قريش، وهو حاطب بن أبي بَلْتَعَةً مَوْلَى عبدِ الله بن حميد بن زُهَيْرِ بن أسد بن عَبْدِ العُزَّى، والبَلْتَعَةُ في اللغة التظرف، قاله أبو عُبَيْد، واسم أبي (١) أعصل: اشتدّ. ١٥٠ من عُلمائِنا، قالوا: لما أجمع رسول الله وَّ﴿ المسيرَ إلى مكّة كتب حاطبُ بن أبي بَلْتعة كتابًا إلى قُريش يُخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله وَلّر من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأةً، زعم محمدُ بن جعفر أنها من مُزَيْنَة، وزعم لي غيره أنها سارَة، مولاةٌ لبعض بني عبد المطّلب، وجعل لها جُعْلاً على أن تبلّغه قريشًا، فجعلته في رأسها ثم فَتلت عليه قُرونها، ثم خرجت به؛ وأتى رسولَ اللهِ وَ لَّهِ الخبرُ من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليَّ بن أبي طالب والزُّبَيْر بن العَوَّام رضي الله عنهما، فقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بَلْتعة بكتاب إلى قريش، يحذّرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم، فخرجا حتى أدركاها بالخُلَيْفَة، خليقة بني أبي أحمد، فاستنزَلاها، فالتمساه في رَخلها، فلم يجدا شيئًا، فقال لها عليّ بن أبي طالب: إني أحلف بالله ما كُذِب رسول اللهِ وَ﴿ ولا كُذِبنا؛ ولتُخرجنّ لنا هذا الكتابَ أو لنكشفَنَّك، فلما رأت الجِدّ منه، قالت: أعرِض؛ فأعرض، فحلَّت قُرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدعته إليه، فأتى به رسولَ اللهِوَ لَ. فدعا رسولُ اللهِ وَيُ حاطبًا، فقال: ((يا حاطب، ما حَملك على هذا»؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمنٌ بالله ورسوله، ما غيَّرت ولا بدّلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهلٌ، فصانعتهم بَلْتَعَةَ، عُمْرٌو، وهو لَخْمِيٍّ، فيما ذكروا، ومن ذُرِّيته: زيادُ بن عبد الرحمن [بن زياد] الأَنْدِلُسِيّ الذي رَوى المُوَطَّأَ عن مالكِ، وهو زياد شَبْطُون، وكان قاضي طُلَيْطُلَة، وكان شَبْطُونُ زَوْجًا لأُمِّه، فصُرِف به رحمه الله، وقد قيل: إنه كان في الكتابِ أن النبيَّ ◌َِّ قد توجّه إليكم بجيش كالَّليل يسير كالسَّيْل، وأُقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم فإنه مُنْجز له ما وَعَدَه، وفي تفسير [يحيى] بن سَلاَّم أنه كان في الكتابِ الذي كتبه حاطبٌ أن النبيَّ محمدًا قد نَفَر إمَّا إليكم وإمَّا إلى غيرِكم، فعليكم الحَذَّرَ. تصحيف هشيم لخاخ: وذكر أن عَلِيَّ بن أبي طالب والزُّبَيرَ والمِقْدَادَ أدرَكوها بروضة خَاخ بخاءين منقوطتين، وكان هُشَيْمٌ يرويه: حَاجِ بالحاء والجيم، وهو مما حُفِظ من تَصْحيفَ هُشَيم، وكذلك كان يَروي: سَدَّادًا من عُوْن [بن أبي شَدَّاداً بفتح السين والمغيرة بن أبي بُرْدَةً يقول فيه: بَرْزَةً بالزاي وفَتْح الباء في تَصْحِيف كثير، وهو مع ذلك ثَبْتُ مُتَّفَقٌ على عَدَالته، على أن البخاري، قد ذكر عن أبي عَوَانَةَ أيضًا أنه قال فيه: حَاج كما قيل عن هُشَيْم، فالله أعلم، وفي هذا الخبر من رواية الشيباني أن عائشةَ قالت: دخل عليّ أبو بكر وأنا أُغَزْبِل حِنْطَةٌ لِنَا، فسألني، وذكر باقي الحديث، وفيه من الفقه أكلُهم للبُرِّ، وإن كان أغلبَ أحوالهم أكلُ الشعير، ولا يقال: حِنْطَة إلاّ للبُرِّ. ١٥١ عليهم. فقال عمر بن الخطّاب، يا رسول الله، دَعْني فلأضرب عُنقه، فإن الرجل قد نافق؛ فقال رسولُ اللهِ وَطِّ: ((وما يُذْريك يا عمر، لعلّ الله قد اطّلع إلى أصحاب بدر يوم بدر))؛ فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم. فأنزل الله تعالى في حاطب: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَذَّةِ﴾ ... إلى قوله: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُراءُ مِنْكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والبَغْضَاءُ أَبَدًا حتى تُؤْمنُوا بالله وَخْدَهُ﴾ ... إلى آخر القصّة. الممتحنة. تفسير ﴿تلقون إليهم بالمودة﴾: فصل: وذكر قول الله عزَّ وجلَّ في حاطب ﴿تُلْقُونَ إليهم بالمَوَدَّةِ﴾ أي: تَبْذُلونها لهم، ودخولُ الباء وخروجُها عند الفَرَّاء سَوَاءٌ، والباء عند سيبويه لا تُزاد في الواجب، ومعنى الكلام عند طائفةٍ من البصريين: تُلْقون إليهم النَّصيحة بالمودّة، قال النَّخَّاسُ: معناه تُخْبِرُونهم بما يُخْبِرُ به الرجلُ أهل مودّتَه، وهذا التقدير إن نفع في هذا الموضع لم يَنْفَع في : مثل قول العرب: ألقى إليه بوسادة أو بثوب، ونحو ذلك، فيقال: إذًا إنَّ ألقيْتَ تنقسم قسمين، أحدهما: أن تريد وضع الشيء في الأرض، فتقول : : ألقيت السَّوْط من يده، ونحو ذلك، والثاني: أن تريد معنى الرَّمْي بالشيء، فنقول: ألقيت إلى زيد بكذا: أَزْمَيْتُه به، وفي الآية إنما هو إلقاءٌ بكتاب، وإرسال به، فعبَّرَ عن ذلك بالمَوَدَّة لأنه من أفعال أهل المودّة، فمن ثَمَّ حَسُنت الباءُ لأنه إرسال بشيءٍ فتأمَّلْه. قتل الجاسوس: وفي الحديث دليلٌ على قَتْلِ الجاسوس، فإن عُمَرَ - رضي الله عنه - قال: دغني فَلْأَضْرِبْ عُنْقَه، فقال له النبيِّ وَّهِ: (وما يُذْرِيك يا عُمَرُ لعلّ الله اطْلَعَ إلى أصحابٍ بَدْرٍ))(١)، الحديث، فعلّق حُكْمَ المنع من قَتْلِه بشهود بَذْرٍ، فدلّ على أن مَنْ فعل مثلَ فِعْله، وليس بِيَذْرِيَّ أنه يُقْتل. زاد البخاري في بعض روايات الحديث، قال: فاغْرُورَقَتْ عينا عُمَرَ - رضي الله عنه - وقال: الله ورسوله أعلم، يعني حين سمعه يقول في أهل بَدْرِ ما قال، وفي مُسْنَدٍ الحَارِث أن حاطبًا قال: يا رسول الله كنتُ عَزْيرًا في قُرَيْش، وكانت أُمّي بين ظَهْرَانيْهم، فأردت أن يحفظوني فيها، أو نحو هذا، ثم فَسَّر العَزِيزَ، وقال: هو الغريب. (١) أخرجه البخاري (٢٣٧/٧) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٩٤) وأبو داود (٢٦٥٠ - بتحقيقي) والترمذي (٣٣٠٢) وأحمد (٨٠/١). ١٥٢ خروج الرسول في رمضان: قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن مُسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مَسْعود، عن عبد الله بن عباس، قال: ثم مضى رسولُ الله وَل السَفَرِه، واستخلف على المدينة أبارُهم، كُلثوم بن حُصَين بن عُتبة بن خَلف الغفاريّ، وخرج لعَشْر مَضَيْن من رمضان، فصام رسولُ الله بَّ، وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكُدَيد، بين عَسْفان وأمَج أفطر. قال ابن إسحاق: ثم مضى حتى نزل مَرَّ الظهران في عشرة آلاف من المُسلمين، فسبَّعت سُليم، وبعضهم يقول: ألَّفت سُليم، وألَّفت مُزَيْنَة. وفي كلّ القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله وَ﴿ المُهاجرون والأنصار، فلم يتخلّف عنه منهم أحد، فلما نزل رسولُ اللهِ وََّ مَرَّ الظهران، وقد عُمِّيَت الأخبار عن قُريش، فلم يأتهم خبرٌ عن رسولِ الله وَّر، ولا يَذْرون ما هو فاعل، وخرج في تلك الليالي أبو سُفيان بن حَزْب، وحكيم بن حِزام، وبُدَيل بن وَزْقَاء، يتحَسَّسُون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرًا أو يسمعون به، وقد كان العبَّاس بن عبد المطّلب لقي رسولَ اللهِ وَ ل ببعض الطريق. قال ابن هشام: لقيه بالجُخفة مُهاجرًا بعياله، وقد كان قبل ذلك مُقِيمًا بمكّة على سِقايته، ورسولُ اللهِ وَّ عنه راضٍ، فيما ذكر ابنُ شهاب الزُّهري. قال ابن إسحاق: وقد كان أبو سُفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وعبد الله بن أبي أُميَّة بن المُغيرة قد لقيا رسولَ الله وَلِّ أيضًا بنِيق العُقَاب، فيما بين مَكّةً والمدينة، فالتمسا الدّخول عليه، فكلَّمته أُمّ سَلمَة فيهما، فقالت: يا رسول الله، ابن عمّك وابن عمّتك عن عبد الله بن أبي أُميّة: وذكر قول النبيِّ - وَّهِ - لِأُمُّ سَلَمَة حين استأذَنَتْه في أخيها عبدِ الله بن أُمَيَّة: وأمَّا ابنُ عَمَّتي وصِهْري فهو الذي قال لي بمكّة ما قال، يعني حين قال له: والله لا آمنتُ بك حتى تَتَّخِذَ سُلَّمًا إلى السماء، فَتَعْرُجَ فيه، وأنا أنظرُ ثم تَأْتي بصَكٌّ وأربعة من الملائكة يشهدون لك أن الله قد أرسلك، وقد تقدّمت هذه القصّةُ. وعبدُ الله بن أبي أُمَيَّة هو أخو أُمّ سَلَمَةَ لأبيها، وأُمه عاتكةُ بنت عبدِ المطّلب، وأُمُ سَلَمَةٍ أُمُّها عاتِكَةُ بنتُ جذْل الطِّعَانِ، وهو عامر بن قَيْس الفِرَاسِيِّ، واسم أبي أُمَيَّةَ حُذَيْفَةُ وكانت عنده أربع عَوَاتِك، قد ذكرنا منهن ههُنا ثِنْتثين. ١٥٣ وصِهْرك؛ قال: لا حاجةٍ لي بهما، أما ابن عمّي فهتك عَرضي، وأما ابن عمّتي وصِهْري فهو الذي قال لي بمكّة ما قال. قال: فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبي سُفيان بُنِيٍّ له. فقال: والله ليأذننّ لي أو لآخذنّ بيدي بنيّ هذا، ثم لنذهَبنّ في الأرض حتى نموت عطشًا وجُوعًا؛ فلما بلغ ذلك رسولَ اللهِ وَ ﴿ رقّ لهُما، ثم أذِن لهُما، فدَخلا علیه، فأسلما. وأنشد أبو سُفيان بن الحارث قوله في إسلامه، واعتذر إليه مما كان مَضَى منه، فقال : لِتَغْلِبَ خَيلُ الَّلاتِ خَيلَ محمّدٍ العَمْركُ إني يوم أحمِلَ رَايةٌ فهذا أواني حين أُهدي وأُهتدَى لكالمُذْلِجِ(١) الحيرانِ أَظْلمَ ليلُهُ هدانيّ هادٍ غيرُ نَفْسِي ونالَني أَصُدّ وأنأى جاهدًا عن محمد هُمُ ما هُمُ مَنْ لم يقُلْ بِهَواهُمُ أُريد لأرضِيهِم ولستُ بِلائطٍ (٢) فقُل لثَقِيفٍ لا أُريد قِتالِهَا فما كنت في الجيش الذي نال عامرًا مع الله مَنْ طرّدتُ كُلّ مُطَرّد وأدعى وإن لم أنتسب من محمَّد وإن كان ذا رأيٍ يُلَمْ ويُفَنَّد مع القوم ما لم أُهْدَ في كلّ مَقْعد وقل لثقيفِ تلك: غَيرِيَ أوعِدِي وما كان عن جَرًّا لساني ولا يَدِي عن أبي سُفيان بن الحارث وابنه وقصيدته: وقول أبي سُفْيانَ بن الحارثِ: أو لآخُذَنَّ بيدٍ بُنَيّ هذا، ثم لنَذْهَبَنَّ في الأرض. لم يذكر ابن إسحق اسمَ ابنِه ذلك، ولعلّه أن يكون جَعْفَرًا، فقد كان إذ ذاك غُلاَمًا مُذْرِكًا، وشهد مع أبيه حُنَيْنًا، ومات في خلافة معاويةً، ولا عَقِبَ له. وذكر الزُّبَيْرُ لأبي سُفْيَانَ ولدًا يُكْنَى أبا الهَيَّاج في حديث ذكره لا أدري: أهو جَعْفَرٌ أم غيره، ومات أبو سفيان في خلافةِ عُمَرَ رضي الله عنه، وقال عند موته: لاَ تَبْكُنَّ عليَّ، فإني لم أنتَطِفْ بخَطِيئَةٍ منذ أسلمت، ومات من تُؤْلُولٍ حَلَقه الحلاقُ في حَجِّ فقطعه مع الشعر فَتَزَف منه، وقيل في اسم أبي سُفْيَانَ: المُغِيرة، وقيل: بل المغيرة أخوه، قال القُتَّبِيُّ: إخوتُه: المغيرة ونَوْفَلٌ وعَبْدُ شَمْسٍ ورَبيعةُ بنو الحارث بن عَبْدِ المُطَلِب. (١) مدلج: أي سائر ليلاً. (٢) لائط: ملعون. ١٥٤ نزائعَ جاءت مِنْ سَهام وسُزْدَه(١) قَبائلُ جاءتْ مِن بِلاَدٍ بَعيدَةٍ قال ابن هشام: ويُروى ((ودَلّني على الحقّ من طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَّرد)). قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين أنشد رسولَ الله ◌ِّر قوله: ((ونالني مع الله مَنْ ظَرَّدْتِ كُلَّ مُطَرَّد)) ضرب رسولُ اللهِ وَّرَ فِي صَدْره، وقال: ((أنت طَرَّدْتَني كل مُطَرَّد))(٢) . قصّة إسلام أبي سُفيان على يد العباس فلما نزل رسولُ اللهِ وَّهِ مَرَّ الظّهران، قال العبّاس بن عبد المطّلب، فقلت: واصباح قُرَيش، والله لئن دخل رسولُ الله ◌ِّله مكّة عَنْوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قُريش إلى آخر الدهر. قال: فجلست على بغلة رسولِ الله وَّر البيضاء، فخرجتُ عليها. قال: حتى جئت الأراك، فقلت: لعلي أجد بعضَ الحطّابة أو صاحبَ لبن أو ذا وزن فعلل : وقوله : نَزَائِعَ جاءت من سَهَامٍ وسُزْدَد على وزن فَعَالٍ بفتح الفاء، وسُزْدَد بضم أوّله وإسكان ثانيه هكذا ذكره سيبويه ويعقوب، ويفتح الدال ذكره غيرهما، وهما موضعان من أرض عَكَّ، وذلك أن سيبويه من أصله أنه ليس في الكلام فُعْلَل بالفتح، وحكاه الكوفيون في جُنْدَب وسُزْدَد، وغيرهما، ولا ينبغي أيضًا على أصل سيبويه أن يمتنعَ الفتحُ في سُرْدَد، لأن إحدى الدالين زائدة من أجل الضعيف، وإنما الذي يمتنع في الأبنية مثل جعفر بضم أوّله وفتح ثانيه، فمثل سُرْدَدَ والسُّودَد والحُوَلَل جمع حائل، وما ذكره بعضهم من طُخْلَب ويُرْفَع وجُؤْذَر، فهو دخيل في الكلام، ولا يُجعل أصلاً، ولا يمتنع أيضًا جُنْدَب بفتح الدال، لأن النون زائدة. عود إلى أبي سُفيان وكان أبو سُفَيَان رَضِيعَ رسول الله - وَلَ - أرضعتهما حَلِيمةُ، وكان آلف النّاس له قبل النبوّة لا يفارقه، فلما نُبِّىءَ كان أبعدَ النّاس عنه، وأهجاهم له إلى أن أسلم، فكان أَصَحّ النّاسِ إيمانًا، وألزمَهم له وَّل، ولأبي سُفيان هذا قال النبيُّ ◌َ: «أنت يا أبا سُفْيَان، كما قيل: كُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الفَرَا))(٣)، وقيل: بل قالها لأبي سُفْيَانَ بن حَرْبٍ، والأوّل أصح. (٢) أخرجه البيهقي في الدلائل (٢٨/٥). (١) سردد: دروع. (٣) الفرا: الحمار الوحش. ١٥٥ حاجة يأتي مكّة، فيُخبرَهم بمكان رسولِ الله وَ لَوَ ليَخْرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عَنْوة. قال: فوالله إني لأسير عليها، وألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبي سُفيان ويُديل بن ورقاء، وهما يتراجعان وأبو سُفيان يقول: ما رأيت كاللَّيلة نيرانًا قطّ ولا عسكرًا قال: يقول بُدَيْل: هذه والله خُزاعة حَمَشَتْها الحرب. قال: يقول أبو سُفيان: خُزاعة أذلّ وأقلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها؛ قال: فعرَفت صوته؛ فقلت: يا أبا حنظلة فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قال: قلت: نعم؛ قال: ما لك؟ فداك أبي وأُمي؛ قال: قلت: وَيُحَك يا أبا سُفيان، هذا رسول اللهِ وََّ في الناس، واصَبَاحِ قُرَيْشٍ والله. قال: فما الحِيلة؟ فداك أبي وأمي؛ قال: قلت والله لئن ظَفر بك ليضربَنَّ عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسولَ الله وَّر فأسْتأمنه لك؛ قال: فركب خلفي ورجَع أصاحباه؛ قال: فجئت به، كلّما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله وَل﴿ وأنا عليها، قالوا: عمّ رسول الله وَلّ على بغلته، حتّى مررت بنار عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، فقال: من هذا؟ وقام إليّ، فلما رأى أبا سُفيان على عجز الدابة، قال: أبو سُفيان عدوّ الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عَقْد ولا عهد، ثم خرج يَشْتَدُّ نحو رسولِ اللهِ وََّ، وركضْتُ البغلَة، فسبقته بما تسبق الدابةُ البطيئةُ الرجلَ البطيء قال: فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسولِ الله وَّر، ودخل عليه عمرُ، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سُفيان قد أمكن الله منه بغير عَقْد ولا عهد، وقول بُدَيْل: حمَشَتْهُم الحربُ، يقال: حَمَشْتُ الرجل إذا أغضبْته، وحَمَشْتُ النارَ أيضًا إذا أوقذتها، ويقال: حَمَسْتُ بالسين. عن إسلام سُفيان بن حرب: وذكر عَبْدُ بن حميد في إسْلاَم أبي سُفْيَان بن حَرْبٍ أن العباسَ لما احتمله معه إلى قُبَّتِه، فأصبح عنده، رأى النّاس وقدَ ثاروا إلى ظُهورهم، فقال أبو سُفيَان: يا أبا الفضل ما للنّاس !! أأُمِرُوا فِيَّ بِشَيْءٍ؟ قال: لا، ولكنهم قاموا إلى الصلاة، فأمره العباس فتوضّأ، ثم انطلق به إلى النبيّ وَّ، فلما دخل عليه السلام في الصلاة كبّر فكبّر الناسُ بتكبيره، ثم ركع فركعوا، ثم رفع فرفعوا، فقال أبو سُفيان: ما رأيت كاليوم طاعَةَ قوم جمعهم من ههُنا وههُنَا، ولا فارِس الأُكَارِم، ولا الرّوم ذات القُرُون بأطْوَعَ منهم له، وفي حديثٍ عَبْد بن حميد أن أبا سُفيان قال للنبيّ وَّل، حين عرض عليه الإسلام: كيف أصنع بالعُزَّى؟ فسمعه عمرُ رضي الله عنه من وراء القُبَّة، فقال له: نَخْرًا عليها، فقال له أبو سُفيان: وَيُحَك يا عمر !! إنك رجل فاحِشٌ دعني مع ابن عَمِّي، فإِيَّاه ◌ُكَلِّم. ١٥٦ فَدَعْني فلأضرب عنقه؛ قال: قلت: يا رسول الله، أني قد أجرتُه، ثم جلستُ إلى رسولِ اللهِ وَلّ، فأخذتُ برأسه، فقلت: والله لا يُناجيه الليلةَ دوني رجل؛ فلما أكثر عمر في شأنه، قال: قلت: مهلاً يا عمر، فوالله أن لو كان من بني عديّ بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف؛ فقال: مهلاً يا عبَّاس، فوالله لإسلامُك يوم أسلمت كان أحبّ إليّ من إسلام الخطّاب لو أسلم، وما بي إلاّ أني قد عرفت أن إسلامك كان أحبّ إلى رسولِ اللهِ وَلّ من إسلام الخطّاب لو أسلم، فقال رسولُ اللهِ وَّر: ((اذهب به يا عبَّاس إلى رَخلك، فإذا أصبحتَ فأتِنِي بِه))، قال: فذهبت به إلى رحلي، فبات عندي، فلما أصبح غَذَوْتُ به إلى رسولِ اللهِ وَّرَ، فلما رآه رسولُ اللهِ وَّه قال: ((ويحك يا أبا سُفيان، ألم يَأْنٍ لك أن تعلم أنه لا إله إلاّ الله؟)) قال: بأبي أنت وأُمي ما أخلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئًا بعد، قال: ((ويحك يا أبا سُفيان! ألم يأنِ لك أن تعلم أني رسولُ الله؟)) قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئًا. فقال له العبّاس: ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن تُضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحقّ، فأسلم، قال العباس: قلت: يا رسول الله، إن أبا سُفيان رجل يحبّ هذا الفخر، فاجعل له شيئًا، قال: ((نعم، من دخل دار أبي سُفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن))، فلما ذهبَ لينصرفَ قال رسولُ اللهِ وَّر: ((يا عبَّاس، احبسه بمَضِيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمرّ به جنود الله فيراها)). قال: فخرجتُ حتى حبَسْتُه بمضيق الوادي، حيث أمرني رسولُ الله ◌َّر أن أخْبِسه. عرض الجيش : قال: ومرَّت القبائل على راياتها، كلما مرَّت قبيلة قال: يا عبَّاس، مَن هذه؟ فأقول: سُليم، فيقول: ما لي ولسُليم، ثم تمرّ القبيلة فيقول: يا عبَّاس، مَن هؤلاء؟ فأقول: مُزينة، فيقول: ما لي ولمُزينة، حتى نفدت القبائل، ما تمرّ به قبيلة إلاّ يسألني عنها، فإذا أخبرته بهم، قال: ما لي ولبني فلان، حتى مرَّ رسولُ اللهِ وَّر في كتيبته الخضراء. وذكر قول أبي سُفْيَان: لقد أصْبَحَ مُلْكُ ابن أخيك الغَدَاةَ عظيمًا، وقول العباس له: إنها النبوة، قال شيخنا أبو بكر رحمه الله: إنما أنكر العباسُ عليه أن ذكر الملك مُجَرَّدًا من الثّبُوَّةِ مع أنه كان في أوّل دخوله في الإسلام، وإلاّ فجائز أن يُسَمَّى مثل هذا مُلْكًا، وإن كان لِنَبِيِّ فقد قال الله تعالى في داود ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَه﴾ [ص: ٢٠] وقال سليمان: ﴿وَهْبْ لي ١٥٧ قال ابن هشام: وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها. قال الحارث بن حِلْزَة اليشكري: ولَهُ فَارِسِيَّة خَضْراء ثم حُجْرا أعني ابن أُمّ قَطامِ يعني الكتيبة، وهذا البيت في قصيدة له، وقال حسَّان بن ثابت الأنصاري: لمَّا رأى بَذْرًا تَسِیل چِلاهُهُ بكتيبة خضراء مِنْ بَلْخَزْرَج وهذا البيت في أبيات له قد كتبناها في أشعار يوم بدر. قال ابن إسحاق: فيها المهاجرون والأنصار، رضي الله عنهم، لا يرى منهم إلاّ الحَدق من الحديد، فقال: سبحان الله: يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسولُ الله ◌ََّ في المهاجرين والأنصار؛ قال: ما لأحد بهؤلاءِ قِبَلٌ ولا طاقة، والله يا أبا الفضل، لقد أصبح مُلك ابن أخيك الغداة عظيمًا، قال: قلت: يا أبا سُفيان، إنها النبوّة. قال: فنعم إذن. أبو سُفيان يحذّر أهل مكّة: قال: قلت: النجاءَ إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَل لكم به، فمن دخل دار أبي سُفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلُوا الحَمِيتَ الدَّسِمِ الأخمَس، قُبْحَ مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] غير أن الكراهية أظهر في تسمية حال النبيّ وَّرَ مُلْكًا لما جاء في الحديث أن النبيّ وَّهِ خُيِّر بين أن يكون نبيًّا عَبْدًا، أو نبيًّا مَلِكًا، فالتفت إلى جبريل، فأشار إليه أن تَوَضَغْ، فقال: بل نبيًا عَبْدًا أشبَع يَوْمًا، وأجوع يومًا، وإنكار العبّاس على أبي سُفيان يقوِّي هذا المعنى، وأمر الخلفاء الأربعة بعده يكره أيضًا أن يُسَمَّى ملكًا، لقوله عليه السلام في حديث آخر: (يكون بعده خُلَفَاء، ثم يكون أمراء، ثم يكون ملوك، ثم جَبَابرة))، ويُروى: ثم يعود الأمر بَزَيْزِيًّا، وهو تصحيف، قال الخطابي: إنما هو بِزْيزَي، أي: قَتْل وسَلْب. قول هند عن أبي سفيان: وقول هندٍ: اقتلوا الحَمِيَتَ الدَّسِمَ الأخْمَسَ. الحَمِيتُ: الزقُّ، نسبته إلى الضُّخْمِ والسِّمَنِ، والأَخْمَسُ أيضًا الذي لا خير عنده، من قولهم: عام أَحْمَسُ إذا لم يكن فيه مَطَرٌ، وزاد عَبْدُ بن حميد في حديثه أنها قالت: يا آل غَالِبِ اقتلوا الأحْمَقَ، فقال لها أبو سُفيان: ١٥٨ من طَلِيعة قوم! قال: وليكم لا تغرّنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قِبَل لكم به، فمن دخل دار أبي سُفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله! وما تُغني عنَّا دارُك، قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. وصول النبيّ أَّ إلى ذي طوى: قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله وَحلول لما انتهى إلى ذي طُوى وقف على راحلته مُعْتَجِرًا بشُقَّة بُرْدِ حِبَرة حمراء، وإن رسولَ الله وَّوَ ليضع رأسه تواضعًا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عُثنونه ليكاد يمسّ واسطة الرخل. إسلام والد أبي بكر قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جدّته أسماء بنت أبي بكر، قالت: لمَّا وقف رسولُ اللهِ وَّه بذي طُوى قال أبو قُحافة لابنة من أصغر ولده: أي بنيَّة، اظْهَري بي على أبي قبيس، قالت: وقد كُفَّ بصره، قالت: فأشرفت به عليه، فقال: أي بُنيَّة، ماذا تَرَيْن؟ قالت: أرى سَوَادًا مجتمعًا، قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلاً يسعى بين يدي ذلك مُقْبِلاً ومُذْبِرًا، قال: أي بُنَّة، ذلك والله لَتُسْلِمِنَّ أو لأَضْرِبَنّ عُنُقَكِ، وفي إسلام أبي سُفيان قبل هند وإسلامها قبل انقضاء عِدَّتها، ثم اسْتَقَرًّا على نكاحِهما وكذلك حَكِيم بن حِزَام مع امرأته حُجَّةٌ للشافِعِيِّ، فإنه لم يفرق بين أن تُسْلِم قبلَه، أو يسلم قبلها، ما دامت في العَدَّة. وفَرَّق مالكٌ بين المسألتين على ما في المُوَطَّأ وغيرِهِ. إسلام أبي قحافة وذكر إسلام أبي قُحَافَة، واسمه: عُثْمانُ بن عَامِرٍ، واسم أُمّه: قَيْلَةُ بنت أذَاة. وقوله لبنت له: وهي أصغر ولدِه، يريدِ والله أعلم أصغر أوْلاَدِه الذين لصُلْبِهِ، وأولادهم، لأن أبا قُحَافَةَ لم يعش له ولد ذَكَرٌ إلاّ أبو بكر، ولا تُعْرَفُ له بنت إلاّ أُمَّ فَزْوَةً التي أنكحها أبو بكر رضي الله عنه مِن الأشعث بن قيس، وكانت قَبْلَه تحت تَمِيم الدَّارِيّ، فهي هذه التي ذكر ابن إسحق والله أعلم. وقد قيل: كانت له بنت أخرى تُسَمَّى قُرَيْبَةً تَزَوَّجها قَيسُ بن سَعْدٍ بن عُبَادَةَ، فالمذكورة في حديث أبي قُحافة هي إحدى هاتينٍ على هذا، والله أعلم. ١٥٩ الوازع، يعني الذي يأمر الخيل ويتقدّم إليها، ثم قالت: قد والله انتشر السواد، قالت: فقال: قد والله إذن دُفِعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي، فانحطّت به، وتلقاه الخيلُ قبل أن يصلَ إلى بيته، قالت: وفي عنق الجارية طَوْقٌ من وَرِق، فتلقَّاها رجل فيقتطعه من عنقها، قالت: فلما دخل رسولُ اللهِ وَّر مكّة، ودخل المسجد، أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسولُ اللهِ وَّر قال: ((هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟)) قال أبو بكر: يا رَسول الله، هو أحقّ أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، قال: فأجلسه بين يديه، ثم مَسح صدره، ثم قال له: (أَسْلِمْ)) فأسلم، قالت: فدخل به أبو بكر وكأنّ رأسه ثَغَامَةٌ، فقال رسولُ الله ◌َِّ: (غَيِّرُوا هذا من شَغْرِه))، ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته، وقال: أنشد الله والإسلام طوق أختي، فلم يُجبه أحد، قالت: فقال: أي أُخَيَّة، احتسبي طوقك، إنّ الأمانة في الناس اليوم لقليل. وفي الحديث: وكان رأسُه ثَغَامَةً، والثَّغَامُ من نبات الجبال، وهو من الجَنَبةِ، وأشدّ ما يكون بيَاضًا إذا أمْحَلَ، والحَلِيُّ مِثْلُه يُشَبَّه به الشَّيْبُ، قال الراجز: ولِمَّتِي كأنّها حَلِيَّة حكم الخضاب: وقولُ النبيِّ - رَ - فِي شَيْبِ أبِي قُحَافَة ((غَيِروا هذا))(١) من شَعْرِه، هو على النَّذْب، لا على الوُجُوب، لما دلّ على ذلك من الأحاديث عنه عليه السلام أنه لم يُغيِّر شَيْبَه، وقد رَوى من طريق أبي هُرَيْرَة أنه خَضَبَ. وقال مَنْ جمع بين الحديثين: إنما كانت شَيْبَاتٍ يَسِيرَةً يغيِّرها بالطّيب. وقال أَنَسٌ: لم يبلغ النبيّ ◌َّهَ حَدّ الخِضَابِ، وفي البخاري عن عثمان بن مَوْهَب قال: أَرَتْني أُم سَلَمَةَ شَغْرًا من شَعْرِ رسول الله - وَ ﴿ - وفيه أيضًا عن ابن مَوْهَبٍ قال: بعثني أهلي بقدَح إلى أُمُّ سَلَمَة، وذكر الحديث: وفيه اطَّلَعْتُ في الجُلْجُل فرأَيت شَعَرَاتِ حُمْرًا، وهذا كَلاَمٌ مُشْكِلٌ وشرحه في مُسْتَد وَكِيع بن الجَرّاحِ قال: كان جُلْجُلاً من فِضَّة صُنِعِ صِيوَانًا لشَعَرَاتٍ كانت عندهم من شَغْرِ رسولِ الله ێے. فإن قيل: فهذا يَدُلُّ على أنه كان مَخْضُوبَ الشَّيْب، وقد صحّ من حديث أنَسٍ وغيره أنه عليه السلام لم يكن بلغ أن يَخْضِبَ إنما كانت شَعَرَاتٍ تُعَدُّ. (١) أخرجه أبو داود (٤٢٠٤ بتحقيق) والنسائي (١٣٨/٨) وأبو عوانة (٧٤/٢) والبيهقي في الآداب (٧٢١ - بتحقيقي) وأحمد (٣٤٩/٦) وابن حبان (١٧٠٠ - موارد). ١٦٠