النص المفهرس

صفحات 121-140

أمراء رسول الله وَ ل# بكى؛ فقالوا: ما يُبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: أَمَا والله ما بي حُبُّ
الدنيا ولا صَبابة بكم، ولكني سمعتُ رسولَ الله وَله يقرأ آية من كتاب الله عزّ وجلّ،
يذكر فيها النار ﴿وإنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُها كانَ على رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، فلستُ
أدري كيف لي بالصَّدَر بعد الورود، فقال المسلمون: صَحِبَكم الله ودفع عنكم، وردّكم
إلينا صالحين؛ فقال عبدُ الله بن رواحة:
وضربة ذات فَرْغ تقذفُ الزَّبَدَا
لكنَّنِي أسألُ الرَّحمْنَ مَغْفرةٌ
بِحَزْبة تُنْفِذ الأحشاءَ والكَبِدا
أو طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرّانَ مُجْهِزَةٌ
أرشدَه الله من غازٍ وقد رَشَدًا
حتى يُقال إذا مَرُّوا على جَدثي
قال ابن إسحاق: ثم إن القوم تهيَّئوا للخروج، فأتى عبدُ الله بن رواحة رسولَ
الله ◌َ ثير فودّعه، ثم قال:
تَثْبِيتَ موسى ونَصْرًا كالذي نُصروا
فثبَّتَ الله ما آتاك من حَسَنٍ
الله يعلم أني ثابتُ البَصَر
إني تفرُستُ فيكَ الخيرَ نافِلةً
والوجْهُ منه فقد أزرى به القَدرُ
أنتُ الرَّسُول فمَن يُحرَم نَوافلَه
تفسير ﴿وإن منكم إلاّ واردها﴾:
ذكر في هذه الغزوة قول عبدِ الله بن رَوَاحَةَ حين ذكر قول الله تعالى: ﴿وإنْ منكم إلاَّ
وَارِدُها﴾ [مريم: ٧١] فلست أدري كيف لي بالصَّدَرَ بعد الوُرُودِ، وقد تكلّم العلماء فيها
بأقوال، منها أن الخطاب متوجّه إلى الكفّار على الخصوص، واحتجّ قائلوا هذ "مقالة بقراءة
ابن عباس: وإن منهم إلاّ واردها، وقالت طائفة: الورود ههُنا هو الإشراف عليها ومُعَايَنَتها،
وحَكَوْا عن العرب: ورَذْتُ الماءَ، فلم أشرب. وقالت طائفة: الورود ههنا هو المُرورُ على
الصِّراط، لأنه على مَتْنٍ جَهَنَّمَ أعاذنا الله منها، وروي أن الله تَبَارَك وتَعَالى يجمع الأوَّلين
والآخرين فيها، ثم ينادي مناد: خذِي أَصحابَك ودَعِي أصحابي، وقالت طائفة: الورود أن
يأخذ العبدُ بخطّ منها، وقد يكون ذلك في الدنيا بالحُمِّيَّاتِ، فإن النبيّ وََّ، قال: ((الحُمَّى
كِيرٌ من جَهَنَّم، وهو خَظُ كل مؤمنٍ من النار))(١).
(١) أخرجه أحمد (٢٥٢/٥) والبخاري في التاريخ (٦٣/٧) والطحاوي في المشكل (٦٨/٣) والبيهقي
في الآداب (٩٥٠ - بتحقيقي). وقيل إن الورود هو: الإشراف فقط وليس الدخول فيها - تحلة
القسم - كما في قوله تعالى: ﴿ولما ورد ماء مدين﴾. فموسى عليه السلام لم يدخل في الماء أو
البئر، وإنما أشرف على ماء مدين ..
١٢١

قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالشعر هذه الأبيات:
والوَجْهَ منهُ فِقَد أزْرَى به القَدَرُ
أنتَ الرَّسولُ فمَن يُحرَم نوافِلَه
في المرسلين ونصرًا كالذي نُصِرُوا
فثبَّت الله ما آتاك مِن حَسَنٍ
فراسةً خالفتْ فيكَ الذي نظروا
إني تفرَّست فيك الخير نافلةً
يعني المشركين؛ وهذه الأبيات في قصيدة له.
قال ابن إسحاق: ثم خرج القومُ، وخرج رسولُ اللهِ وَلّل، حتى إذا وذَّعهم وانصرف
عنهم، قال عبد الله بن رواحة:
خَلَف السَّلامُ على امْرىء ودّعته
في النَّخْلِ خيرَ مُشَيِّع وخليلٍ
ثم مضوا حتى نزلوا مَعان، من أرض الشام، فبلغ الناسُ أن هرقلَ قد نزل مآب،
من أرض البلقاء، في مائة ألف من الرّوم، وانضمّ إليهم من لخم وجُذام والقَيْن وبَهْراء
وَبِليّ مائة ألف منهم، عليهم رجل من بليّ ثم أحدُ إرَاشة، يقال له: مالك بن زافلة.
فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على مَعان ليلتين يفكّرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى
رسولِ الله وَّرَ، فنخبرُه بعدد عدوّنا، فإما أن يمُدّنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره،
فنمضي له.
قال: فشجَّع الناسَ عبدُ الله بن رواحة، وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون،
للَّتِي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة لا كثرة، ما نقاتلهم إلاّ بهذا
الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلِقُوا فإنما هي إحدَى الحُسنيين، إما ظهور وإما شهادة.
قال: فقال الناس: قد والله صدق ابنُ رواحة. فمضى الناسُ، فقال عبد الله بن رواحة في
مخبسهم ذلك:
جلبنا الخَيلَ مِن أَجَا وَفَرْعٍ
تُغَرُّ مِن الحَشيش لها العُكُومُ
شرح شعر ابن رواحة:
وذكر شِعر عبدِ الله بن رَواحَةً وفيه:
تقرّ من الحشيش لها العُكُوم
تقرّ: أي يجمع بعضها إلى بعض، والعُكوم: جمع عِكُم(١).
(١) العكوم: ما شُدَّ وجمع به.
١٢٢

حَذَوْناها مِنَ الصَّوَّانِ سِبْئًا
أقامَت لَيلَتَيْن على مَعَانٍ
فرُخنا والجِياد مُسَوَّمات
فَلا وأبي مآَبَ لَنَأْتِيّنُها
فَعَبَّأْنا أعِنَّتَها فَجَاءَتْ
بذي لَجَبٍ (١) كأنَ الَبْيضَ فيه
فَرَاضِيَةُ المَعِيشَةِ طَلَّقَتْها
أزلَّ كأنْ صَفْحتَه أدِيمُ
فأعقبّ بعدَ فترتها جُمُومُ
تَنَفَّسُ في مَناخِرها السَّمُومُ
وإن كانت بها عَربٌ ورُومُ
عَوابسَ والغُبارُ لَهَا بَرِيم
إذا بَررتْ قوانِسُها(٢) النُّجُومُ
أسئَتها فتَنْكِحُ أو تَثِيمُ(٣)
وفيه :
من الغبار لها بريم
البريمُ: خيطٌ تَخْتَزِمُ به المرأةُ، والبريم أيضًا: لفيفُ الناسِ، وأخلاطُهم، ويقال: هم
بَرِيمَانِ، أي: لَوْنَان مُخْتَلطَان.
وفيه :
أقامتْ لَيْلَتَيْنِ على مَعَانٍ
قال الشيخ أبو بحر: مُعَان بضم الميم، وجدته في الأصلين، وأصلحه علينا القاضي
- رحمه الله - حين السماع: مَعان بفتح الميم، وهو اسم مَوْضع، وذكره البكري بضم الميم،
وقال: هو اسم جَبَلٍ، والمَعان أيضًا: حيث تُخْبَس الخيل والركاب، ويجتمع الناس، ويجوز
أن يكون من أَمْعَنْتُّ النظر، أو من الماء المَعِين، فيكون وزنُه فَعَالاً، ويجوز أن يكون من
العَوْن، فيكون وزنه مَفْعَلا، وقد جَنَّس المَعَرِّي بهذه الكلمة، فقال:
تُجِيبُ الصاهلاتِ بها القِيانِ
مَعَانٌ مِن أَحِبَّتِنا مَعَانُ
وقوله :
فَرَاضِيةُ المَعِيشَةِ طَلَّقَتْها
أي: المعيشة المَرْضِيَّة، وبناها على فاعلة، لأن أهلَها راضُون، لأنها في معنى
صَالِحة، وقد تقدّم طَرَفٌ من القول في هذا المعنى.
(١) لجب: طريق واسع.
(٣) تنيم: تقتل الرجال.
(٢) قوانسها: أعلى بيضات الدروع.
١٢٣

قال ابن هشام: ((ويُروى: جلبنا الخيل من آجام قُرح))، وقوله: ((فعبأنا أعنّتها)) عن
غير ابن إسحق.
قال ابن إسحاق: ثم مضى الناسُ، فحدّثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدِّث عن
زيد بن أرقم، قال: كنت يتيمًا لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك
مُزْدِفي على حَقيبةِ رَحله، فوالله إنه ليسير ليلةً إذا سمعته وهو ينشد أبياته هذه:
مسيرةً أربعٍ بعدَ الحِساء
إذا أذَّيْتني وحملتٍ رَخلي
ولا أرجغ إلى أهلي ورائي
قشأنُك أنعُمْ وخلاكِ ذمّ
بأرض الشام مُشْتَهِيَ الثَّوَاءِ
وجاء المُسلمونَ وغادَروني
إلى الرحمن مُنْقطعَ الإخاء
وردّك كلُّ ذي نسب قَريب
ولا نَخْلٍ أسافلُها رِوَاء
هنالك لا أبالي طَلْعَ بَعْلٍ
وقوله: وخَلاَك ذَمُّ، أي: فارقك الذَّمُّ، فلست بأهل له، وقد أحسن في قوله:
فَشْتُكِ أَنْعُمْ وَخَلاَكَ ذَمِّ
بعد قوله: إذا بَلَّغْتِي، وأحسن أيضًا مَن اتَّبَعه في هذا المعنى، كقول أبي نُواس:
وإذا المَطِيُّ بنا بَلَغْنَ مُحَمَّدًا
فَظُهُورُهُنَّ على الرِّجالِ حَرَامُ
وكقول الآخر (١):
نَجَوْتٍ من حَلِّ ومن رِخْلةٍ
يا نَاقُ إن قَرَّبْتِنِي من قُثَمْ
وقد أساء الشّمَّاغُ حيث يقول:
عَرَابَةَ فاشْرَقِي بدمّ الوَتِين
إذا بلّغتِني وحَمَلْتِ رَخلِي
ويذكر عن الحَسَنِ بن هَانىٍ أنه كان يَشْنَؤُه إذ ذكر هذا البيت، وذكر مُهَلْهِلُ بن
يَمُوت بن المزرع عن أبي تَمَّام أنه قال: كان الحسن يَشْنَؤُ الشَّمَّاخ، وأنا ألعنُه من أجل قوله
هذا.
وقول النبيّ نَّه للغِفَارِيَّة: بئس ما جَزَيْتِيها يَشْدُّ الغرضَ المُتَقَدِّم، ويشهد لصحته.
وقوله: مستنهي الثَّوَاءِ: مُسْتَفْعِل من النّهاية والانتهاء، أي: حيث انتهى مَثْوَاهُ، ومن
رواه: مُشْتَهِيَ الثَّواء، أي: لا أريد رجوعًا.
(١) هو داود بن سليم التميمي. انظر الأمالي للقالي (١٢٩/٢).
١٢٤

فلما سمعتُهنّ منه بكيت. قال: فخَفَقَني بالدِّرَّةِ، وقال: ما عليك يا لُكَع أن يرزقني
الله شهادةً وترجع بين شُغبتي الرّخل!
قال: ثم قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز:
يا زيدُ زِيدَ اليَعْمَلات الذُّبَّلِ
تطاول الَّليلُ هُدِيتَ فانزِلِ
لقاء الزّوم:
قال ابن إسحاق: فمضى الناسُ، حتى إذا كانوا بتُخوم البلقاء لقيتهم جموع هِرَقْل،
من الرّوم والعرب، بقرية من قُرى البلقاء يقال لها: مَشارف، ثم دنا العدوّ، وانحاز
المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناسُ عندها، فتعبَّأ لهم المسلمون، فجعلوا
على ميمنتهم رجلاً من بني عُذرة، يقال له: قُطْبة بنُ قَتادة، وعلى ميسرتهم رجلاً من
الأنصار يقال له: عُباية بن مالك.
قال ابن هشام: ويقال: عُبادة بنُ مالك.
وقوله :
حَذوْنَاهَا من الصَّوَّانِ سِبْتًا
أي: حَذَوْنَاهَا نِعَالاً من حَدِيد جَعَلَه سِبْتًا لها، مَجَازًا(١). وصَوَّان من الصَّوْن، أي:
يصون حَوافِرَها، أو أخفافها، إن أراد الإبِلَ، فهو فَعَّال من الصَّون، فقد كانوا يَحْذُونَها
السَّرِيحَ وهو جلد يصون أخفافَها، وأظهر من هذا أن يكونَ أراد بالصَّوَّان يَبيس الأرض، أي:
لا سِبْتَ له إلاّ ذلك، ووزنه فَعَلان من قولهم: نَخْلَةٌ خاوية أي: يابسة، وأنشد أبو علي:
[مهما تُصِبْ أفقًا من بارق تَشِم]
قد أُوِيَتْ كُلِّ مَاءٍ فَهْيَ صَاوِيَةٌ
ويشهد لمعنى الصَّوَّان هنا قول النابغة الذُّنْيَاني:
[فَهُنَّ لِطافٌ كالصُّعَادِ الذَّوابِل]
يَرَى وَقَعُ الصِّوَّانِ حَدَّ نُسُورِها
وعينُ الفِعل في صَوَّان ولامِه واو، وأدخَل صاحبُ العين في باب الصاد والواو والياء
هذا اللفظ، فقال: صَوِيّ يَصْوِي: إذا يَبِس، ونَخْلَةٌ صاوِيَةٌ، ولو كان مما لامه ياء، لقيل:
فِي صَوَّان صَيَّان، كما قيل: طَيَّان ورَيَّان، ولكن لما انقلبت الواوُ ياءَ من أجلِ الكَسْرة تَوَهُّم
الحرف من ذَوَاتِ الیاءِ.
(١) سبتًا لها: يعني النعال السبتية، وهي نعال تُصنع من الجلد المدبوغ.
١٢٥

مقتل ابن حارثة :
قال ابن إسحاق: ثم التقى الناسُ واقتتلوا، فقاتلَ زيدُ بن حارثة براية رسولِ اللهِ وَ ه
حتى شاط في رماح القوم.
إمارة جعفر ومقتله
ثم أخذها جعفر فقاتل بها. حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء،
فَعَقَّرها، ثم قاتَل القوم حتى قُتِل. فكان جعفرُ أوّلَ رجل من المسلمين عَقَر في الإسلام.
وحدّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبّاد، قال: حدّثني أبي
الذي أرضعني، وكان أحد بني مُرّة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مُؤْتة قال:
والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحَمَ عن فَرس له شقراءَ، ثم عَقرها ثم قاتَل حتى قُتل
وهو يقول :
طَيِّبَةً وباردًا شرابُها
يا حبّذا الجنَّةُ واقترابُها
كافرةٌ بعيدةٌ أنسابُها
والرُّومُ رومٌ قد دنا عذابُها
عليَّ إن لاقيتُها ضِرابُها
وقول عبد الله:
هَلْ أنت إلاَّ نُطْفَةٌ فِي شَئَّةٍ
النُّطْفَةُ: القليلُ في الماءِ، والشّنَةُ: السِّقَاءُ البالي، فيُوشِكُ أنْ تُهْراقَ النُّطْفَةُ، ويَنْخَرِق
السِّقَاءُ، ضَرَب ذلك مَثَلاً لنفسِه فِي جَسَدِه.
عقر جعفر فرسه ومقتله
وأما عَقْرُ جَعْفَرٍ فرسَه، ولم يَعِبْ ذلك عليه أحدٌ، فدلّ على جواز ذلك إذا خِيف أن
يأخذها العَدُوُّ، فيقاتل عليها المسلمين، فلم يَدخُل هذا في باب النّهي عن تعذيب البهائم،
وقعِلها عَبَثًا غير أن أبا دَاوُدٍ خَرَّج هذا الحديثَ، فقال: حدّثنا النُّفَيْلي قال: حدّثنا محمد بن
مَسْلَمَةً عن محمد بن إسحاق عنِ ابن عَيَّد يعني: يحيى بن عَبَّاد عن أبيه عَبَّاد بن عَبْدِ الله بن
الزُّبَيْرِ، قال: حدثني أبي الذي أَرْضَعَني، وهو أحد بني مُرَّة بن عَوف، وكان في تلك الغَزَاةِ
غَزَاةٍ مُؤْتة، قال: ((والله لكأني أنظر إلى جَعْفَرٍ حين اقْتَحَم عَنْ فَرَسٍ له شَقْرَاءَ فَعَقَرها، ثم
قاتل القومَ حتى قُتِل))(١).
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٧٣) والبيهقي في الكبرى (٨٧/٩) وأبو نعيم في الحلية (١١٨/١).
١٢٦

قال ابن هشام: وحدّثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر بن أبي طالب أخذ
اللواء بيمينه فقُطِعت، فأخذه بشماله فقُطعت، فاحتضنه بعَضُدَيه حتى قُتل رضي الله عنه
وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنّة يطير بهما حيث شاء.
ويقال: إن رجلاً من الرُّوم ضربه يومئذ ضربة، فقطعه بنصفين.
قال أبو داود: وليس هذا الحديثُ بالقوي، وقد جاء فيه نَهْيٌ كثيرٌ عن أصحاب
النبيّ ◌َلتر .
وذكر قول النبيّ وَلّ في جعفر: ((فأثابه الله بذلك جَنَاجَين في الجنّة بطير بهما حيث
شاء))(١). ورَوَى عِكْرَمةُ عن ابن عَبَّاس أنَّ النبيّ وَّ عليه وقال: ((دخلتُ الجنّة البارِحَة،
فرأيتُ جعفرًا يطير مع الملائكة، وجناحاه مُضَرَّجَان بالدّم))(٢). وعن سَعِيد بن المُسَيِّب، قال:
قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مُثَل لي جَعْفَرٌ وزيدٌ وعبدُ الله بن رَوَاحَة في خيمة من درّ على أَسِرَّةٍ،
فرأيت زيدًا وعبدَ الله وفي أعناقِهما صُدُودٌ، ورأيت جعفرًا مستقيمًا. فقيل لي: إنهما حين
غَشِيَهُما الموتُ أعرضا بوجوههما، ومضى جعفر، فلم يُغْرض))(٣)، وسمع النبيّ - وَلّ -
فاطمة حين جاء نعيُّ جعفر تقول: واعَمَّاهُ، فقال: على مِثْلِ جَعْفَرٍ، فَلْتَبْكِ البواكي. وكان
أبو هريرة يقول: ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا بعد رسولِ اللهِ وَلّ أفضلُ من جَعْفَرٍ.
وقال عبد الله بن جعفر: كنت إذا سألت عليًّا حاجَةً، فمنعني أُقْسِم عليه بحَقٌ جَعْفَرٍ
فيعطيني(٤).
معنى الجناحين:
ومما ينبغي الوقوفُ عليه في معنى الجناحين أنهما ليسا كما يَسْبِقِ إلى الوهم على مثل
جَنَاحَيْ الطائِرِ وريشه، لأن الصورة الآدمية أشرفُ الصَّوَرِ، وأكملُها، وفي قوله عليه السلام:
(إن الله خَلَق آدمَ على صُورَته))(٥) تشريفٌ له عظيمٌ، وحاشا لله من التشبيه والتمثيل، ولكنها
عبارةٌ عن صِفَةٍ مَلَكيّة وقوة رُوحانية، أُعْطِيَها جعفرُ كما أُعْطَيْتها الملائكةُ، وقد قال الله تعالى
(١) أخرجه الحاكم (٢١٠/٣).
(٢) أخرجه الحاكم (١٩٦/٣) والطبراني (١٠٦/٢) والبغوي في شرح السنة (٧/١٣).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٩٥٦٢) عن سعيد بن المسيّب مرسلاً. وفيه ابن جدعان وهو ضعيف.
(٤) من المقرّر في عقيدة المسلم أن من حلف بغير الله فقد أشرك، وعليه فلا يجوز أن يحلف المسلم
فيقول مثلاً: بحق فلان عليك، أو بحق ما بيننا من أخوّة وما شابه ذلك، وعليه فلا تصحّ هذه
الرواية عن علي أو عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما.
(٥) أخرجه مسلم في البرّ والصلة (١١٥) وأحمد (٢٤٤/٢) والحميدي (١١٢٠). وانظر الفتح (٣/١١).
١٢٧

استشهاد جعفر وابن رواحة :
قال ابن إسحاق: وحدّثني يحيى بن عَبَّد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه عبَّاد قال:
حدّثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مُرّة بن عوف، قال: فلما قُتل جعفر أخذ
عبد الله بن رَوَاحة الراية، ثم تقدّم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردّد
بعض التردّد، ثم قال:
لَتَنْزِلِنَّ أوْ لِتُكْرَهِنَّة
أَقْسَمْتُ يا نفسُ لَتَنْزِلنَّة
ما لي أراكِ تَكرهين الجَنَّة
إن أجْلَب الناسُ وشدّوا الرَّنَّة
هل أنتِ إلا نُطْفة في شَئَّة
قد طالَ ما قد كنتِ مُطمئنة
لموسى: ﴿اِضْمُمْ يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٣٣] فعبّر عن العُضُدِ بالجَنَاحِ توسُّعًا، وليس ثُمَّ
طيرانٌ، فكيف بمن أُغطي القوةَ على الطيران مع الملائكةِ أَخْلِقْ به إذًا: أن يُوصَفَ بالجناح
مع كمَالَ الصورة الآدميّة وتمام الجَوارحِ البَشَرِيّة، وقد قال أهلُ العلم في أجنحةِ الملائكةِ
ليست كما يُتَوَهِّمُ من أجنحَةِ الطَّيْرِ، ولكنها صفاتٌ مَلَكِيَّةٌ لا تُفْهَم إلاّ بالمُعَايَنَةِ، واحتجّوا
بقوله تعالى: ﴿أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ ورُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] فكيف تكون كأجنحة الطَّيْرِ على
هذا، ولم يُرَ طائرٌ له ثلاثةُ أجنحةٌ، ولا أربعة، فكيف بستمائة جَنَاح، كما جاء في صِفَة
جِبْرِيلَ عليه السلام، فدلّ على أنها صِفَاتٌ لا تَنْضَبطُ كيفيتُها لِلْفِكر، ولاّ وَرَد أيضًا في بیانِها،
خبرٌ، فيجب علينا الإيمان بها، ولا يفيدنا علمًا إعمال الفِكرِ في كَيْفِيَّتها، وكل امرىءٍ قريبٍ
من مُعَايَنَةٍ ذلك.
فإمَّا أنْ يكونَ من الذين ((تَتَنَزَّلُ عليهم الملائكةُ أن لا تَخَافُوا ولا تَحْزَنوا وأَبْشِروا بالجنّة
التي كنتم توعدون))، وإما أن يكون من الذين تقول لهم الملائكةُ، وهم باسِطوا أيديهم:
(أَخْرِجُوا أنفسكم اليومَ تُجْزَوْنَ عذابَ الهُونِ)).
فضل ابن رواحة:
وأما عَبْدُ الله بن رَوَاحَةَ فقد ذكر ابن إسحقٍ ما ذكر من فضائله.
وذكر قولَه للنبيّ والر:
تثبيت موسى ونّصْرًا كالذي نُصِروا
فتثبت الله ما آتاك من حَسنٍ
ورَوى غيره أنه عليه السلام قال له: قل شعرًا تَقْتَضِبُه اقتضابًا، وأنا أنظر إليك، فقال
من غير رَوِيَّةٍ :
إني تَفَرَّسْتُ فيك الخير
١٢٨

وقال أيضًا:
هذا حِمام المَوْت قد صَليتٍ
يا نَفْسُ إلاَّ تُقْتَلي تموتي
إن تفعلي فِغلهما هُذِيتِ
وما تمنّيتِ فقد أُغْطِيتِ
يريد صاحبيه: زيدًا وجعفرًا؛ ثم نزل. فلما نزل أتاه ابن عمّ له بعَرْق من لحم
فقال: شُدّ بهذا صلبَك، فإنك قد لقيتَ في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده ثم
انتَهَس منه نَهْسةً، ثم سمع الحَطْمَة في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من
يده، ثم أخذ سيفه فتقدّم، فقاتل حتى قُتل.
عمل خالد:
ثم أخذ الراية ثابتُ بن أقرم أخو بني العَجْلان، فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا
على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد،
فلما أخذ الراية دافع القوم، وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس.
تنبؤ الرسول بما حدث:
قال ابن إسحق: ولمَّا أُصيب القوم قال رسولِ اللهِ وَلتر، فيما بلغني: ((أخذ الراية
زيد بن حارثة، فقاتل بها حتى قُتل شهيدًا؛ ثم أخذها جعفرٌ فقاتل بها حتى قُتل شهيدًا))؛
قال: ثم صمت رسولُ الله ◌َّ حتى تغيّرت وجوه الأنصار، وظنُّوا أنه قد كان في
عَبْدِ الله بن رَوَاحَةَ بعضَ ما يكرهون، ثم قال: ((ثم أخذها عبدُ الله بن رواحة، فقاتل بها
حتى قُتِل شهيدًا))؛ ثم قال: ((لقد رُفِعوا إليَّ في الجنَّة، فيما يرى النائم، على سُرُر من
ذهب، فرأيت في سرير عبدِ الله بن رواحة ازْوِرَارًا عن سريري صاحبَيْه، فقلت: عمّ هذا؟
فقيل لي: مَضيا وتردّد عبدُ الله بعض التردّد، ثم مضى)).
حزن الرسول على جعفر:
قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر، عن أُمّ عيسى الخزاعية، عن أُمّ
جعفر بنت محمد بن أبي طالب، عن جدّتها أسماء بنت عُميس، قالت: لما أُصِيب جعفرٌ
وأصحابُه دخل عليّ رسولُ اللهِ وَّهِ، وقد دَبغْتُ أربعين منا - قال ابن هشام: ويُروى:
الأبيات، حتى انتهى إلى قوله:
فثبَّت الله ما آتَاكَ من حَسَنٍ
فقال له النبيّ وَّهِ: ((وأنتَ فَبَّتَك الله يا ابن رَوَاحَةَ)).
١٢٩
الروض الأنف/ ج ٤/ م ٩

أربعين منيئة - وعجنت عجيني، وغسلت بنيٍّ ودَهنتهم ونظّفتهم. قالت: فقال لي رسولُ
الله وَّر: ((ائتيني ببني جعفر))، قالت: فأتيته بهم، فتشمَّمهم وذَرفت عيناه، فقلت: يا
رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما يُبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: ((نعم،
أُصيبوا هذا اليوم)). قالت: فقُمت أصيح، واجتمعتْ إليّ النساء، وخرج رسولُ الله وَله
إلى أهله، فقال: ((لا تُغْفِلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعامًا فإنهم قد شُغِلوا بأمر
صاحبهم))(١).
وحدّثني عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، عن أبيه، عن عائشة زوج النبيّ وَّر،
قالت: لما أتى نَعْي جعفر عَرَفنا في وجه رسول الله وَّر الحزن. قالت: فدخل عليه رجل
فقال: يا رسول الله، إن النساء عَّيْننا وفَتنَّنا، قال: ((فارجع إليهن فأسْكِتَهُن)). قالت:
فذهب ثم رجع، فقال له مثل ذلك - قال: ((تقول وربما ضرّ التكلّف أهله)) - قالت: قال:
فاذهب فأسكِتُهُن، فإن أبينَ فاحثُ في أفواههنّ التراب، قالت: وقلت في نفسي: أبعدك
الله! فوالله ما تركتَ نفسك وما أنت بمُطيع رسول الله وَّر قالت: وعرفت أنه لا يقدر
على أن يَخْثِي في أفواههن التراب.
قال ابن إسحاق: وقد كان قُطْبة بن قتادة العُذْريّ، الذي كان على مَيْمنة المسلمين،
قد حمل على مالك بن زافلة فقتله، فقال قُطبة بن قتادة:
ش برُمح مضَى فيه ثم انْحَطَم
طعنتُ ابنَ رافلةَ بنِ الإرا
فمال كما مال غصنُ السَّلَمْ
ضربْتُ على جيدِهٍ ضَرْبَةً
غداة رقُوقَيْنَ(٢) سَوْقَ النَّعَمْ
وسُقْنا نساء بني عمّه
قال ابن هشام: قوله: (ابن الإراش)) عن غير ابن إسحق.
والبيت الثالث عن خَلاّد بن قُرة؛ ويقال: مالك بن رافلة.
فضل زيد:
وأما زَيْدٌ فقد تقدّم التعريفُ به وبجُمْلَةٍ من فضائله في أحاديثِ المَبْعَثِ، وحَسْبُك بذکْرٍ
الله له باسمه في القرآن، ولم يُذَكر أحدٌ من الصَّحَابَةَ باسمِه سواه، وقد بيّنَا النُّكْتَة في ذلك
في كتاب التَّعْرِيفِ والأعلام، فَلْيُنظَر هنالك.
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٣٧٠) والبيهقي في الدلائل (٤/ ٣٧٠).
(٢) رقوقین: أي سبایا.
١٣٠

كاهنة حدس:
قال ابن إسحاق: وقد كانت كاهنةٌ من حَدَس حين سمعت بجيش رسول الله وَله
مقبلاً، قد قالت لقومها من حَدَس - وقومُها بطن يقال لهم: بنو غَثْم - أُنذركم قومًا
خُزْرًا - ينظرون شَزْرًا، ويقودون الخيل تَتْرى، ويُهرِيقون دمّا عَكْرًا. فأخذوا بقولها،
واعتزلوا من بين لخم؛ فلم تزل بعدُ أثري حدّس. وكان الذين صَلُّوا الحرب يومئذ بنو
ثعلبة، بطن من حدَس، فلم يزالوا قليلاً بعدُ. فلما انصرف خالد بالناس أقبل بهم
قافلاً.
كيف تلقى الجيش؟!
قال ابن إسحاق: فحدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال:
لما دنوا من حول المدينة تلقّاهم رسولُ الله ◌ِّهِ والمسلمون، قال: ولقيهم الصبيانُ
يشتدُّون، ورسولُ اللهِ وَلَ مُقبل مع القوم على دابة، فقال: ((خذوا الصبيان فأحملوهم،
وأعطوني ابنَ جعفر)). فأَتِي بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه. قال: وجعل الناس يحثُون
على الجيش التراب، ويقولون: يا فُرّار، فررتم في سبيل الله؟ قال: فيقول رسولُ
اللهِ وَجُ: ((ليسوا بالفُرّار، ولكنهم الكُرّار إن شاء الله تعالى)).
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر، عن عامر بن عبد الله بن الزبير،
عن بعض آل الحارث بن هشام: وهم أخواله، عن أُمّ سلمة زوج النبيّ وَّر، قال: قالت
أُمُّ سَلَمَةَ لامرأةٍ سَلَمَةَ بن هشام بن العاص بن المُغِيرة: ما لي لا أرى سَلَمة يحضر الصلاة
رجوع أهل مؤتة
فصل: وذكر رجُوعَ أهلٍ مُؤْتَّةً، وما لقُوا من الناس، إذ قالوا لهم: يا فُرَّارُ، فَرَرْتُم في
سبيلِ الله، ورواية غير ابنِ إسحق أنهم قالوا للنبيّ - وَ ﴿ ◌ِ نَخْنُ الفَرَّارُونَ يا رَسولَ الله؟
فقال: ((بل أنتم الكرَّارُون))، وقال لهم: ((أنا فِئَتْكُمْ))(١)، يريد: أن مَنْ فَرَّ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةِ
المسلمين، فلا حَرَجَ عليه، وإنما جاء الوعيد فيمن فَرَّ عن الإمام، ولم يتحيّز إليه، أي: لم
يلجأ إلى حَوْزَته، فيكون معه، فالمُتَحَيِّزُ مُتَفَيْعِلٌ من الحَوْزِ، ولو كان وزنُه مُتَفَعِّلاً، كما يظن
بعضُ الناس لقِيل فيه: مُتَحَوِّز. ورُوى أن عُمَرَ رضي الله عنه حين بلغه قتلُ أَبِي عُبَيْد بن
مَسْعُودٍ وأصحابه في بعض أيّامِ القَادِسِيَّة، قال: هلاّ تَحَيَّزُوا إلينا، فإنَّا فيئة لكل مُسْلِمٍ.
(١) أخرجه أبو داود والترمذي (١٧١٦) وأحمد (١١١/٢) وابن سعد (١٠٧/١/٤) وسعيد بن منصور
(٢٥٣٩) وانظر الفتح (٥٦/١١).
١٣١

مع رسولِ الله وَّر ومع المسلمين؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، كلما خرج صاح به
الناس يا فُرّار، فَرَرْتم في سبيل الله، حتى قعد في بيته فما يخرج.
شعر قيس في الاعتذار عن تقهقر خالد:
قال ابن إسحاق: وقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد ومُخاشاته بالناس
وانصرافه بهم، قَيْسُ بن المُسَخَّر اليَغْمري، يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس:
على مَوْقفي والخيل قابعةٌ قُبْلُ
فوالله لا تَتْفَكُ نفسي تلُومني
ولا مانِعًا مَنْ كان حُمّ له القَتْل
وَقَفْتُ بها لا مُسْتَجِيرًا فنافِذًا
ألا خالدٌ في القوم لَيْس له مِثْل
على أنني آسَيْتُ نَفْسي بخالدٍ
بمُؤْتَّة إذ لا يَنْفع النابَلِ النَّبْل
وجاشت إليَّ النفسُ من نحو جعفر
مهاجِرةٌ لا مُشركون ولا عُزْل
وضمَّ إِلَیْنا حَجْزَتَيْهم کلیهِما
فبين قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره، أن القوم حاجزوا (١) وكرهوا
الموت، وحقّق انحياز خالد بمن معه.
وذكر ابنُ إسحق مُخَاشَاةَ خالد بن الوليد بالناس يوم مؤتة. والمُخَاشَاةُ: المُحَاجَزَةُ،
وهي: مُفَاعَلَةٌ من الخَشْيَة، لأنه خشِي على المسلمين لقّة عددهم، فقد قيل: كان العدو
مائِتَيْ ألفٍ من الرّوم، وخمسين ألفًا من العرب، ومعهم من الخيول والسلاح ما ليس مع
المسلمين، وفي قول ابن إسحق: وكان العدوُّ مائةَ ألفٍ وخمسين ألفًا، وقد قيل: إن
المُسلمين لم يبلغ عددُهم في ذلك اليوم ثلاثَةَ آلاف، ومن رواه: حاشى بالحاء المهملة، فهو
من الحَشَى، وهي الناحية، وفي رواية قاسم بن أَصْبَغَ عن ابن قُتَيْبَةً في المعارف أنه سُئل عن
قوله: حَاشَى بهم، فقال: معناه: انحاز بهم، وشعر قطبة بن قتادة يدلّ على أنه قد كان ثَمَّ
ظَفَرٌ ومَغْنَمْ لقوله:
غَدَاةَ رَقُوقَيْنِ سَوْقَ النَّعَمْ
وسُقْنَا نِسَاءَ بنى عَمُه
وفي هذا الشعر أنه قتل رئيسًا منهم وهو مالك بن رافلة، وقد اختلف في ذلك كما ذكر
ابن إسحق، فقال ابن شهاب: فأخذ خالدٌ الرايةً حتى فَتَحَ الله على المسلمين، فأخبر أنه قد
كان ثَمَّ فَتْحٌ، وفي الراية الأخرى حين قيل لهم: يا فُرَّارُ، دليلٌ على أنه قد كان ثَمَّ مُحَاجَزَةٌ،
وتَرْكٌ للقتال، حتى قالوا: نحن الفرّارون، فقال لهم النبيّ وَّر ما تقدّم، فالله أعلم.
(١) حاجزوا: أي نفروا.
١٣٢

قال ابن هشام: فأما الزهري فقال فيما بلغنا عنه: أمَّر المسلمون عليهم خالدَ بن
الوليد، ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى قفل إلى النبيّ وَّل.
شعر حسَّان في بكاء قتلى مؤتة
قال ابن إسحاق: وكان مما بُكَى به أصحاب مُؤْتة من أصحاب رسول الله وَ ط هو قول
حسَّان بن ثابت :
وهَمّ إذا ما نَوَّمَ الناسُ مُسْهِرُ
تأوَّيني ليلٌ بيثرب أعْسَرُ
سَفُوحًا وأسبابُ البكاء التَّذَكْر
الذِكرَى حبيبٍ هيَّجثْ لي عَبرَة
وكمْ من كريمٍ يُبْتَلى ثم يَضْبر
بَلى إن فقدانَ الحبيبِ بليَّةٌ
شَعُوبَ وخَلْفًا بعدُهمْ يتأخّر
رأيتُ خيارَ المُؤْمنينَ تَوَارَدُوا
بِمُؤْتةً منهم ذو الجناحین جَعْفر
فلا يُبْعِدنَّ الله قتلى تَتابَعُوا
جميعًا وأسبابُ المنيَّةِ تَخْطِر
إلى الموت ميمونُ الثَّقيبة أزْهَر
وزيدٌ وعبد الله حين تَتابَعُوا
غداةً مضَوا بالمؤمنين يقودُهم
طعام التعزية وغيرها:
فصل: وذكر أن رسولَ الله - رَ ﴿ه ـ أمر أن يُصْنَع لآلِ جَعفَرٍ طَعامٌ، فإنهم قد شُغِلوا
بأمر صاحبهم، وهذا أصلٌ في طَعام التَّعْزِيَةِ وتُسَمِيهِ العَرَبُ الوَضِيمَة، كما تُسَمَّى طعام العُرسِ
الوليمة، وطعام القادم من السفر: النَّقِيعَةَ، وطعام البناء الوَكِيرَة، وكان الطعامُ الذي صُنِعَ لآلٍ
جَعْفَرِ فيما ذكر الزبير، في حديث طويل عن عبدِ الله بن جَعْفرِ قال: فَعَمَدَت سَلْمَى مَولاة
النبيِّ وَّرَ إلى شَعِيرٍ، فطحنته، ثم آدَمَتْهُ بزيت، وجعلت عليه فُلْفُلاً، قال عبدُ الله: فأكلت
منه، وحبسني النبيُّ وَّه مع إخوتي في بيته ثلاثة أيّام.
من شعر حسَّان في رثاء جعفر
وذكر قول حَسَّان يَرْثِي جَعْفَرًا :
تَأَوَّبَنِي لِيلٌ بِيَثرِبَ أَغْسَرُ
أعسَر: بمعنى: عَسِر، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨]، وفيه أيضًا: ﴿عَسِيرٌ﴾
والمعنى متقارب، فمن قال: عَسْرُ [يعْسُر] قال: عَسِير بالياء، ومن قال: عَسِرَ يَعْسَر، قال
في الاسم: عَسِرٌ وأَغْسَزْ، مثل حَمِقٌ وأَحْمَقُ.
١٣٣

أبيّ إذا سِيمَ(١) الظُلامَةَ مِجْسَر
أغرُّ كضوء البدر من آل هاشم
فطاعن حتى مال غير مُوَسَّد
فصار مَع المُستَشْهِدِينَ ثَوَابَهُ
وكنّا نرَى في جعفر من محمَّد
فما زَال في الإسلام من آل هاشم
لمُعتركٍ فيه قَنا مُتَكَسْر
جِنانٌ وملتفّ الحَدائقِ أخْضَر
وفاءً وأمْرًا حازمًا حين يَأْمُر
دعائمُ عزّ لا يَزُلْن ومَفْخَر
رِضامٌ(٢) إلى طَوْرٍ يَروق ويقْهَر
هُم جبلُ الإسلامِ والناسُ حولهم
بهاليْلُ منهم جَعْفر وابن أُمُّه
عليٍّ ومنهُم أحمدُ المتخيّر
وفي هذا الشعر قوله:
بَهَالِيلُ منهم: جَعْفَرٌ وابنُ أُمِّه عَلِيٍّ ومنهم أَحْمَدُ المُتَخَيَّرُ
البهالِيلُ: جَمْعُ بَهْلُولٍ، وهو الوَضيءُ الوجْهِ مع طولٍ.
وقوله: منهم أحمد المتخيّر، فدعا به بعض الناس لما أضاف أحمد المتخيّر إليهم،
وليس بعيبٍ؛ لأنها ليست بإضافةٍ تعريفٍ، وإنما هو تشريف لهم حيث كان منهم، وإنما ظَهَر
العيبُ في قول أبي نواس:
مَنْ رَسُولُ اللهِ مِنْ نفرِهِ
كيف لا يدنيك من أملٍ
لأنه ذكر واحدًا، وأضاف إليه، فصار بمنزلة ما عيب على الأغْشَى:
شَتَّان ما يَوْمِي على كُورِها
ويومُ حَيَّانَ أخي جابر
وكان حَيَّنُ أَسَنَّ من جابر، وأشرَفَ، فغضب على الأعشى حيث عرفه بجابر، واعتذر
إليه من أجل الرَّوِيِّ، فلم يقبل عُذْرَه، ووجدت في رسالة المهلهل بن يَمُوت بن المزرع،
قال: قال علي بن الأصْفَر، وكان من رُواة أبي نُواسٍ قال: لما عمل أبو نواس:
أيّها المُخْتَابُ على عُفُره
أنشدنيها فلما بلغ قوله:
كيف لا يُذْنيكَ مِنْ أَمَلٍ مَنْ رَسُولُ اللهِ مِنْ نَفَرِه
وقع لي أنه كلام مُسْتَهُجَنْ في غير موضعه، إذ كان حَقُّ رسولِ الله - وَِّ - أن يُضَاف
(١) سيم: أثار.
(٢) رضام: صخور عظيمة.
١٣٤

عَقِيلٌ وماءُ العود من حيثُ يُعْصَر
وحمزة والعبَّاس منهُم ومنهمُ
عماسٍ (٢) إذا ما ضاق بالناس مَصدَر
بهم تُفْرَج الّلأواءُ(١) في كلّ مَأْزِقٍ
عليهم وفيهم ذا الكتاب المُطهّر
هُمُ أولياءُ الله أنزل حُكمَه
شعر كعب في بكاء قتلى مؤتة
وقال كعب بن مالك:
سَخَّا كما وكَفَ الطِّبَابُ المُخْضِلُ
قام العُيونُ ودَمعُ عَيْنك يَهْمُلُ
إليه، ولا يُضَاف إلى أحَدٍ، فقلت له: أعرفت عيب هذا البيت؟ قال: ما يعيبه إلاّ جاهل
بكلام العرب، وإنما أردت أن رَسولَ الله - بَّر - من القبيل الذي هذا الممدوح مِنْهُ، أما
سمعت قول حسَّان بن ثابت شاعرِ دين الإسلام:
دعائمُ عِزْ لا نُرَامُ ومَفْخَزْ
وما زال في الإسلام من آلٍ هاشم
عَلِيٍّ ومنهم أحمدُ المُتَخَيُز
بِهَاليلُ منهم جَغْفرٌ وابنُ أُمْهَ
وقوله :
بهم تُفْرَجُ اللَّواءُ في كل مَأْزِق عَمَا
.
.
المأزِق: المَضِيقُ من مَضَائِقِ الحرب والخصومة، وهو من أَزَقْتُ الشيءَ إذا ضَيَّقْتُه،
وفي قصّة ذي الرُّمَّة، قال: سمعت غلامًا يقول لِغِلْمَةٍ، قد أَزِقْتُم هذه الأَوَقَّةَ حتى جَعَلْتُموها
كالميم، ثم أدخل مَنْجِمَه، يعني: عَقِبَة فيها، فَنَجْنَجَه، حتى أُفْهَقَها، أي: حَرَّكه حتى
وَسِعها. والعَمّاسُ: المظلم، والأعمس: الضعيف البصر، وحُفرة مُعَمَّسة، أي: مُغَطَّة، قال
الشاعر :
مُعَمَّسةٍ لا يُسْتَبَانِ تُرابُها
فإنك قد غَطَّيْتَ أَزْجاءَ هُوَّةٍ
فجئتُ إليها سَادِرًا لا أهابُها
بثوبِك في الظَّلماء، ثم دَعَوْتني
أنشده ابن الأنبَارِيِّ في خبر لزٌرَارَةَ بن عُدُسٍ.
حول شعر كعب
وذكر شعر كَعْبٍ وفيه:
سَحًا كما وَكَفَ الطِّبَابُ المُخْضِلُ
(١) اللأواء: الشدّة.
(٢) عماس: مظلم.
١٣٥

فِي لَيْلَة وَرَدَتْ عَليَّ هُمُومُها
واعتادني حُزْنٌ فَبِتَ كأنني
وكأنَّمَا بينَ الجَوانِحِ والحَشَى
وجدًا على النَّفَرِ الذِينَ تَتَابَعُوا
صَلّى الإِلَهُ عَلَيهِمُ مِنْ فِتْيَةٍ
صَبَروا بمؤتَّةً للإِلهِ نُفوسَهُمْ
فمَضوا أمامَ المُسلمين كأنهُمْ
إِذْ يَهْتَدُون بجَغْفرٍ ولوائِه
طورًا أَخِنُّ وتارَةً أتمَلْمَل
ببناتٍ نَعْشٍ والسّماكِ مُوَكَّل
مما تأوّبَني شِهاب مُذْخّل
يومًا بمُؤْتة أُسْندوا لم يُنْقَلُوا
وسَقى عِظامهمُ الغَمامِ المُسْبِل
حَذَرَ الرَّدَى ومخافةً أن يَنْكُلُوا
فُنُقُ(١) عليهنّ الحديد المُزْفَلُ
قُدّام أوَّلِهِمْ فَنِعْمَ الأوّل
الطّبَابُ: جمع طِبَابةٍ، وهي سَيْر بين خَرَزَتَيْن في المَزَادَةِ، فإذا كان غير مُحكَم وَكَف
منه الماءُ، والطّبابُ أيضًا: جمع طُبَّةٍ، وهي شقة مستطيلةً.
وقوله: طَوْرًا أَخِنُّ. الخَنِينُ بالخاء المنقوطة حَنِينٌ بِبُكَاءِ، فإذا كان بالحاء المهمَلة،
فليس معه بكاءً ولا دَمْعٌ.
الاستقاء للقبور عند العرب:
وقوله :
وَسَقى عظامَهم الغَمامُ المُسْبِل
يردّ قول من قال: إنما استسقت العربُ لقبور أحبتها لِتَخْصَبَ أرضُها فلا يحتاجون إلى
الانتقال عنها لمطلب النُّجْعَة في البلاد. وقال قاسم بن ثابت في الدلائل: فهذا كَعْبٌ يَسْتَسْقِي
لعظام الشُّهَدَاءِ بمُؤْتَّةً، وليس معهم، وكذلك قول الآخر:
سَقَى مُطْغِيات المَخْلِ جُودًا ودِيمَةً
عظام ابن ليلى حيث كانَ رَمیمُها
فقوله: حيث كان رَمِيمُها يدلّ على أنه ليس مُقيمًا معه، وإنما اسْتِسْقاؤُهم لأهل القبور
استرحامٌ لهم، لأن السَّقْيَ رحمة، وضدّها عذاب.
وقوله: كأنهم فُتُقٌ، جمع: فَنِيق، وهو الفَخْل، كما قال الآخر، وهو طخيم:
إذا ما سرّت فيه المُدَامُرِ فَنْيَقُ
مَعِي كل فَضْفَاضِ الرِّداء كأنه
(١) فنق: أي كأنهم أصحاب راحة ونعيم بعد کرب وشدّة.
١٣٦

حتى تَفَرّجتِ الصُّفوفُ وجَغْفرٌ
فتغَيَّرِ القَمَرِ المُنبر لفَقْده
قَرْم عَلا بُنْيانُه من هاشمٍ
قَوْمٌ بِهِم عَصَمِ الإِلَهُ عِبادَهُ
فَضَلُوا المعاشِر عِزّة وتكرُّمًا
لا يُطْلِقون إلى السَّفاءِ حُباهُمُ
بيضُ الوجوه تُرَى بُطونُ أكفْهِمْ
وبهَذِيهِمْ رِضي الإله لخَلْقِهِ
حيثُ التَّقَى وغْثُ (١) الصُّفوف مجَدَّل
والشمسُ قد كسَفَتْ وكادتْ تَأْفِل
فَرْعًا أشَمَّ وسؤدُدًا ما يُنْقل
وعَليهِمُ نَزَل الكِتابِ المُنْزَل
وتَغَمَّدَتْ أحلامُهُمْ من يَجْهَل
ويُرَى خَطِيبُهُمُ بحقّ يَفْصِل
تندَى إذا اعتذرَ الزَّمانُ المُمْحِل
وبجَدّهمْ نُصِرَ النَّبِيُّ المُرْسَل
وقوله :
والشمسُ قد كُسِفَتْ وكادت تَأْفِلُ
فتغيَّر القمرُ المنِيرُ لفقده
قوله: حق، لأنه إن كان عنى بالقمر رسولَ الله ◌َّرَ، فجعله ثمرًا، ثم جعله شَمْسًا،
فقد كان تغيّر بالحُزْن لفقد جعفر، وإن كان أراد القمرَ نفسَه، فمعنى الكلام ومغزاه حَقٌّ
أيضًا، لأن المفهوم منه تعظيمُ الحزن والمصاب، وإذا فهم مَغْزَى الشاعر في كلامه، والمبالغ
في الشيء فليس بكَذِبٍ، ألا ترى إلى قوله عليه السلام: ((أما أبو جَهْم فلا يضع عَصَاهُ عن
عَاتِقه))(٢)، أراد به المبالغة في شِدَّةٍ أدبه لأهله، فكلامُه كلُّه حَقُّ - وَّر - وكذلك قالوا في
مثل قول الشاعر [طُفَيْلِ الغَنَوِي]:
إذا ما غَضِبْنَا غَضْبَةٍ مُضَرِيَّةً هتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ، أو قَطَرَت دَمًا
قال: إنما أراد فَعَلْنَا فِعَلةٌ شَنِيعَةً عظيمة، فضرب المثلَ بهَتْكِ حِجَابِ الشمس، وفهم
مقصده، فلم يكن كَذِبًا، وإنما الكذبُ أنْ يقول: فعلنا، وهم لم يفعلوا، وقتلنا وهم لم
يَقْتلوا .
(١) الوعث: كل أمر شديد شاق.
(٢) أخرجه مسلم في الطلاق (٤٧/٣٦) وأبو داود والنسائي والترمذي (١١٣٤) ومالك في الموطأ
(٥٨١) والشافعي في مسنده (٢٧٤) وأحمد (٤١٢/٦).
١٣٧

شعر حسّان في بكاء جعفر بن أبي طالب
وقال حسَّان بن ثابت بيكي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه:
ولقد بكيتُ وعَزَّ مُهْلَكُ جَعْفٍ
حَبِّ النَّبيّ على البريَّةِ كُلَّها
مَنْ للجِلاد لدى العُقاب وظلُها
ولقد جزِعت وقلت حين نُعِيتَ لي
ضَرْبًا وإنهالِ الرّماحِ وعَلُّها
بالبيضٍ حينَ تُسَّلّ من أغمادها
خَيْرِ البريَّة كلّها وأجلّها
بعدَ ابنِ فاطِمَةَ المُبارك جَعْفَرٍ
وأعَزَّها مُتَظَلِّمًا وأذلِّها
رُزْءًا(١) وأكْرَمها جميعًا مُختدًا
كَذِبًا وأنْداها يدًا وأقلُها
للحقّ حين ينوبُ غير تَنَحْلٍ
فُحشًا وأكثرِها إذا ما يُخْتَدَى
بالعُرف غيرَ محمَّدٍ لا مثلُه
فَضْلاً وأبْذلها نَدّى وأبَلِّها
حيٍّ من أحياء البريّة كلّها
من شعر حسَّان في رثاء جعفر
وذكر أبيات حَسَّان، وفي بعضها تضمينٌ، نحو قوله: وأَذلّها، ثم قال في أوّل بيت
آخر: لِلحَقِّ، وكذلك قال في بيت آخر: وأقلُها، وقال في الذي بعده: فُخْشًا، وهذا يسمّى
التَّضْمِین.
وذكر قُدَامَةَ في كتاب نَقْدِ الشِّعر أنه عَيْبٌ عند الشُّعَراءِ، ولَعَمْرِي إن فيه مَقَالاً، لأن
آخر البيت يوقف عليه، فيوهم الذَّمَّ في مثل قوله: وأذلِّها، وكذلك، وأقلُها، وقد غلب
الزِّبْرِقَانُ على المُخَبَّلِ السَّعْدِيِّ، واسمه: كعبٌ بكلمة قالها المخبَّل أشعر منه، ولكنه لما قال
یھجوه :
وأبي الجوادُ ربيعةُ بن قِتَال
وأبوك بَذْر كان يَنْتَهِزُ الخُضْيَ
وَصَل الكلامَ بقوله: وأَبِي، وأدركه بُهْرٌ أو سُعْلَةٌ، فقال له الزِّبْرِقَانُ: فلا بأس إذًا،
فضحك من المُخبَّل، وغلب عليه الزِّبْرِقَان، وإذا كان هذا مَعِيبًا في وَسَطِ البيت، فأخْرَى أنْ
يُعَابَ في آخره، إذا كان يوهم الذمَّ، ولا يندفع ذلك الوهم إلاّ بالبيت الثاني، فليس هذا من
التَّحْصِين على المعاني والتَّوَقّ للاعتراض.
(١) رزءًا: أي مصابًا.
١٣٨

شعر حسَّان في بكاء ابن حارثة وابن رواحة:
وقال حسَّان بن ثابت في يوم مُؤتة يبكي زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة:
عينٍ جُودي بدَمْعك المَنْزورِ
واذكُري مُؤْتَةً وما كان فيها
حين راحوا وغادَرُوا ثَمَّ زَيْد
حِبْ خَير الأنامِ طُرًّا جَمِيعًا
ذاكُم أحمدُ الذي لا سِواهُ
إن زَيْدًا قد كانَ مِنَّا بأمرٍ
ثم جُودي للخَزْرَجيّ بِدَمْع
قد أتانا مِن قَتْلِهِمْ ما كفانا
واذكُري في الرَّخاء أهل القبورِ
يومَ راحُوا في وقْعة الشَّغوير
نغْمَ مأوى الضَّرِيكِ(١) والمأسُور
سَيِّدَ النَّاسِ حُبُّهُ في الصُّدُور
ذاكَ حُزْني له معًا وسُروري
ليسَ أمْرَ المُكَذَّب المَغرور
سَيِّدًا كانَ تَمَّ غَيْرَ نَزُورٍ
فبحُزْن نِبِيت غير سُرور
وقول حسَّان:
عَيْنُ جُودِي بدمْعِك المنْزُورِ
النَّزْرُ: القليل، ولا يحسن ههنا ذكرُ القليل، ولكنه من نَزَرْتُ الرَّجُلَ إذا أَلَحَجْتُ عليه،
ونَزَرْتُ الشيء إذا اسْتَنْفَذْتُهُ، ومنه قولُ عُمَر - رحمه الله - نزَرْتُ رسولَ الله - نَليز - الأصحّ
فيه التَّخْفِيفُ، قال الشاعر:
فَخُذْ عَفْوَ مَنْ تَهُواه لا تَنْزُرَّنَّه فعند بلوغ الكَذْرِنْقُ المشَّارِبِ
وقوله:
يَوْم راحُوا في وَقْعَةِ الشَّغْوِير
هو مَصْدَرُ غَوَّرْت إذا تَوَسْطَ القائلة من النهار، ويقال أيضًا: أغْوَر فهو مُغْوِرٌ، وفي
حديث الإفك: مُغْوِرين في نَحْرِ الظَّهِيرة، وإنما صحّتِ الواو في مُغْوِر، وفي أَغْوَرَ من هذا،
لأن الفعل بُنِي فيه على الزَّوائد، كما يُبنى اسْتَحْوَذَ، وأَغْيَلَت المرأةُ، وليس كذلك أَغَارَ على
العَدُوّ، ولا أغارَ الحبلَ.
(١) الضريك: الأحمق.
١٣٩

وقال شاعر من المسلمين ممن رجَع من غزوة مؤتة:
وزَيد وعبدُ الله في رَمْسٍ أقْبُر
کفی حزّنًا أني رجعتُ وجعفر
وخُلْفْتُ للبَلْوَى مع المتغَبّر
قَضَوْا نحبَهمْ لما مَضَوْا لسَبيلهم
إلى وِرد مَكْروه من المَوْت أحمر
ثلاثة رَهْط قُدّمُوا فتقَدَّمُوا
شهداء مؤتة:
وهذه تسمية من استُشهد يوم مُؤتة:
من قريش، ثم من بني هاشم: جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وزيدٌ بن حارثة
رضي الله عنه .
ومن بني عديّ بن كعب: مسعود بن الأسود بن حارثة بن نَضْلة.
ومن بني مالك بن حِسْل: وَهْب بن سعد بن أبي سَرْح.
ومن الأنصار ثم من بني الحارث بن الخَزْرِج: عبد الله بن رواحة، وعبَّاد بن
قَیْس .
ومن بني غَنم بن مالك بن النجَّار: الحارث بن النُّعمان بن أساف بن نَضْلة بن
عبد بن عوف بن غنم.
ومن بني مازن بن النَّجار: سُراقة بن عمرو بن عطيَّة ابن خنساء.
قال ابن هشام: وممن استُشهد يوم مُؤتة، فيما ذكر ابن شهاب.
من بني مازن بن النَّجار: أبو كُلَيب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن
مبذول، وهما لأب وأُم.
ومن بني مالك بن أقصى: عمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عبَّاد بن
سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أقْصى.
قال ابن هشام: ويقال: أبو كلاب وجابر، ابنا عمرو.
وذكر فيمن استشهد بمُؤْتة أبَا كُلَيْبٍ بن أبي صَعْصَعَةَ. وقال ابن هشام: فيه أبو كِلاَبٍ،
وهو المعروف عندهم، وقال أبو عُمَّرُ: لا يعرفُ في الصحابة أحد يقال له: أبو كُلَيْب.
١٤٠