النص المفهرس
صفحات 421-440
قال: ثم ضرب به ضربة أُخرى، فلَمعت تحته برقة أُخرى؛ قال: ثم ضرب به الثالثة، فَلَمعت تحته برقة أُخرى. قال: قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما هذا الذي رأيت لَمَع تحت المِعول وأنت تضرب؟ قال: ((أَوَقد رأيت ذلك يا سَلْمان)»؟ قال: قلت: نعم؛ قال: ((أمّا الأوّل فإنّ الله فَتَحَ عليَّ بها اليمن؛ وأمّا الثانية فإنّ الله فتَح عليّ بها الشام والمغرب، وأمّا الثالثة فإن الله فتح عليّ بها المشرق)). قال ابن إسحاق: وحدّثني من لا أتّهم عن أبي هُريرة أنه كان يقول، حين فُتحت هذه الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فوالذي نفسُ أبي هُريرة بيده، ما افتتحتم من مدينة ولا تَفْتَتِحونها إلى يوم القيامة إلاّ وقد أعطى الله سبحانهُ محمدًاً وَله مفاتيحها قبل ذلك. قال ابن إسحاق: ولمَّا فرغ رسولُ الله وَلّر من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رُومة، بين الجُرُف وزَغَابَة في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومَنْ البرقات التي لمعت: وذكر أنه لَمَعَتْ له من تلك الصَّخْرةِ برقة بعد برقة، وخَرَّجه النَّسَوِيُّ من طريق البَرَاءِ بن عَازِبِ بأَتَّمَّ مما وقع في السيرةِ، قال: لما أمرنا رسولُ اللهِ وَلَّ - أن نَحْفِرِ الخَنْدَق عَرَضَ لنا حَجرٌ لا يأخُذُ فيه المَعْوَلُ، فأخذ المِعْوَلَ، وقال: ((بسم الله))، فَضَرَبَ ضَرْبةٍ فَكْسَر ثُلُثَ الصَّخْرَةِ، وقال: ((الله أكبر أُعْطِيتُ مفاتيحَ الشام، والله إني لأَبْصِر قصورَها الحُمْرَ من مكان هذا))، قال: ثم ضَربَ أُخْرِى، وقال: ((بسم الله))، وكسر ثُلثًا آخر، قال: ((الله أكبر أُعْطِيتُ مفاتيحَ فارِس، والله إني لأَبْصِر قَصْرَ المَدَائِنِ الأبيض الآن))، ثم ضرب ثالثة، وقال: (بسم الله))، فقطع الحجَر، وقال: ((الله أكبر أُعْطِيتُ مِفاتيح اليَمَنِ، والله إني لأَبْصِرُ بابَ صَنْعَاءَ [من مكانِيَ هذا الساعة](١)). وقوله: ((فأسًا ولا مِسْحَاةً)). المِسْحَاةُ: مِفْعَلَةٌ من سَحَوْتَ الطينَ، إذا قَشَرْته، ويقال لحدٌ الفأْسِ والمِسْحَاة: الغُرَاب، ولنصلَيهما: الفِعَال بكسر الفاء، قاله أبو عُبَيْدٍ في حديثٍ سلمان التَّيْمِيِّ عن أبي عُثْمان النَّهْديِّ أنه عليه السلامُ حين ضرب في الخندقِ قال: حَبَّدا رَبًّا وحَبَّذا دِینا ولو عَبَدْنا غيره شَقينا تحقيق اسم زغابة: بِسْمِ الله وبه بَدِينَا وقوله: حتى نزلوا بين الجُرُفِ وزَغَابَة. زَغَابةُ اسمُ موضع بالغين المنْقُوطَةِ والزَّاي (١) أخرجه أحمد (٣٠٣/٤) وابن أبي شيبة (٤٢٢/١٤) والبيهقي في الدلائل (٤٢١/٣). ٤٢١ تَبِعهم من بَني كِنانة وأهلٍ تِهامة، وأقبلَت غَطَفان ومَن تَبِعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذَّنبِ نَقْمَى، إلى جانب أُحد. وخرج رسولُ الله ◌َّرَ والمُسلمون، حتى جعلوا ظُهورهم إلى سَلْع، في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عَسْكَره، والخَنْدق بينه وبين القوم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابنَ أُمّ مكتوم. قال ابن إسحاق: وأمر بالذّراري والنساءُ فجُعلوا في الآطام. تحریض حيي بن أخطب لکعب بن أسد: وخرج عدوّ الله حُييّ بن أخطب النَّضَريّ، حتى أتى كَعْب بن أسد القُرَظي، صاحب عَقْد بني قريظة وعَهْدهم، وكان قد وادَع رسول الله وَّر على قومه، وعاقده على ذلك وعاهده؛ فلما سمع كَعْبُ يُحيّى بن أخْطَبَ أغلق دونه باب حِصْنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يَفْتَح له، فناداه حُييّ: وَيْحَكَ يا كَعْبُ! افتح لي، قال: ويحك يا حُيَيُّ: إنك امرؤْ مَشْؤُومٌ، وإني قد عاهدتُ محمدًا، فلستُ بناقضٍ ما بيني وبينه ولم أرَ منه إلا وفاء المفتوحة: وذكره البَكْرِي بهذا اللفظ بعد أن قدم القول بأنه زُعَابَةَ بضم الزاي والعين المهملة، وحكي عن الطَّبَرِيِّ أنه قال في هذا الحديثِ بين الجُرُفِ والغَابَةِ، واختار هذه الروايةَ وقال: لأن زَغَابَةَ لا تُعْرَفُ. قال المؤلّف: والأغْرَفُ عندي في هذه الروايةِ روايةٌ مَنْ قال: زَغَابةَ بالغَيْنِ المنقوطة، لأن في الحديث المسند أنه عليه السلام، قال في ناقةٍ أهداها إليه أَغْرَابِي، فكافأه بِتُ بَكَراتٍ، فلم يرض، فقال عليه السلام: ((أَلاَ تَعْجَبُون لهذا الأَغْرابي! أَهْدَى إِلَيَّ نَاقَةً أَعْرِفُها بعينها، كما أعرف بعضَ أهلي ذهبت مني يوم زَغَابَةَ، وقد كافأته بسِتُ فَسَخِط)). الحديث، وقال: ((ذَنَبِ نُقْمِ ونَقَمَى معًا)). يقتل في الذروة والغارب: وذكر حُيّيَّ بن أَخْطَب، وما قال لكعب، وأنه لم يَزَلْ يَفْتِل في الذِّرْوَةِ والغَارِبِ. هذا مَثَلٌ، وأصله في البعير، يَسْتَصْعِبُ عليك فتأخذُ القُرَادَ من ذرْوَته وغَاربٍ سِنَامِه، وتَفْتِل هُناك، فَيَجِد البعيرُ لَذَّةً فَيَأْنَسُ عند ذلك، فضُرِب هذا الكلامُ مَثَلاً في المُرَاوَضَةِ والمُخَاتَلَةِ، وكذلك جاء في حديثٍ ابن الزُّبَيْرِ حين أراد عائشةَ على الخروج إلى البَصْرةِ، فأبت عليه، فجعل يَفْتِل في الذِّزْوَةِ والغَارِب حتى أجابته. وقال الحطيئة: إذا نُزِعِ القُرادُ بمُستَطَاعِ لَعَمْرُكَ ما قُرَادُ بني بَغِيضٍ يريد: أنهم لا يُخْدَعُون ولا يِسْتَذَلُون. ٤٢٢ وصِدْقًا؛ قال: وَيْحَكَ افتح لي أُكَلِّمْكَ؛ قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دوني إلا تخوّفت على جَشِيشَتِك(١) أن آكلَ معها منها، فَأَحْفَظَ الرَّجلَ، ففتح له، فقال: وَيْحَكَ يا كَغْب، جِئْتُك بعزِ الدهر وبَبَخْر طَام، جئتك بقُريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلْتُهم بِمُجْتمع من رُومة، وبغَطَفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذَنَب نَقَّمَى إلى جانب أُحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لاَ يَبْرَحُوا حتى نستأصِلَ محمدًا ومن معه. قال: فقال له كعب: جثْتَنِي والله بِذُلّ الدهر، وبجَهَام(٢) قد هَرَاق مَاءَه، فهو يُرعد ويُبْرِق، ليس فيه شيء، ويحك يا حُييّ! فدَغْني وما أنا عليه، فإني لم أرَ من محمد إلا صِدْقًا ووفاء. فلم يزل حُييّ بكعب يَفْتِله في الذُّرْوَةِ والغارِبِ، حتى سَمَح له، على أن أعطاه عهدًا من الله وميثاقًا: لئن رجعتْ قريش وغطفان، ولم يُصيبوا محمدًا أن أدخلَ معك في حصنك حتى يُصيبني ما أصابك. فنقض كَعبُ بن أسد عَهْده، وبَرىء مما كان بينه وبين رسول الله له. التحرّي عن نقض كعب للعهد فلما انتهى إلى رسول الله ◌َ﴿ الخبرُ وإلى المسلمين، بعث رسولُ اللهِ وَلّ سعدَ بن معاذ بن النعمان، وهو يومئذ سيِّد الأوس، وسعدَ بن عُبادة بني دُلَيم، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيِّد الخزرج ومعهما عبدُ الله بن رواحة، أخو بني الحارث بن الخزرج، وخَوَّات بن جُبير، أخو بني عمرو بن عوف؛ فقال: انطلقوا حتى تنظروا، أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًّا فالْحَنُوا لي لَحْنًا أعرفه، ولا تَفْتُّوا في أغضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجْهَرُوا به للناس. اللحن (٣) (٣) وذكر قول النبيّ - وَّهِ - الْحَنُوا لِي لَحُنَا أَغْرِفُه، ولا تَفْتُوا فِي أَعْضَادِ الناس. الَّلخنُ: العُدول بالكلام على الوَجْهِ المعْرُوفِ عند الناس إلى وَجْهَ لا يعرفه إلا صاحبُه، كما أن الَّلخن الذي هو الخَطأ عُدُولٌ عن الصَّواب المعروف. (١) جشيشتك: طعام يُصنع من القمح. (٢) جهام: سحاب لا ماء فيه. (٣) لحن: اللام والحاء والنون له بناءان يدل أحدهما على إمالة شيء من جهته، ويدل الآخر على الفطنة والذكاء. فأما اللّحن بسكون الحاء فإمالة الكلام من جهته الصحيحة من العربية يقال: لَحَنْ لحنًا. وهذا عندنا من الكلام المولّد؛ لأن اللحن محدث، لم يكن من العرب العاربة الذين تكلموا بطباعهم السليمة. والأصل الآخر اللَّحَن: وهي الفطنة. يقال: لَحِنَ يَلْحَنُ لحنًا وهو لحن ولاحن. مقاييس اللغة (٢٣٩/٥). ٤٢٣ قال: فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، نالوا من رسول الله وََّ، وقالوا: مَن رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. فشاتمهم سعدُ بن مُعَاذٍ وشاتموه، وكان رجلاً فيه حِدّة، فقال له سعدُ بن عُبَادَةَ: دع عنك مُشَاتَمَتَهم، فما بيننا وبينهم أَزْبَى من المُشائمة. ثم أقبل سَعْدٌ وسعدٌ ومن معهما، إلى رسول الله وَله فسلَّموا عليه، ثم قالوا: عَضَلٌ والقَارَةُ، أي كغدر عَضَل والقارة بأصحاب الرجيع، خُبَيب وأصحابه، فقال رسولُ الله وَالر: ((الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين)). قال السيرافي: ما عَرَفتُ حقيقة معنى النَّخوِ إلاَّ من معنى الَّلخنَ الذي هو ضِدُّه، فإن الَّلخنَ عدول عن طريقِ الصوابِ، والنَّخو قَصْدٌ إلى الصَّوَابِ، وأمَا الَّلحَنُ بفتح الحاء، فأصله من هذا إلاّ أنه إذا لحْنَ لك لِتَفْهَم عنه، ففهمت سُمِّي ذلك الفَهْم لَحَنًا، ثم قيل لكل من فَهِمَ قد لَحِنَ بكسر الحاءِ، وأصله ما ذكرناه من الفَهْم عن اللاحن قال الجاحظ في قول مالك بن أسماء [بن خارجة الفزاري]: نّا وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْنَا مَنْطِقٌ صائِبُ وتَلْحَنُ أخْيَا أراد أنَّ الَّلخنَ الذي هو الخَطأُ قد يُسْتَمْلَحُ، ويُسْتَطَابُ من الجارِيةِ الحديثةِ السِّنِّ، وخُطِىء الجاحظُ في هذا التأويلِ (١)، وأُخْبِر بما قاله الحجاجُ بن يُوسُفَ لامرأته: هِنْد بنتِ أسْماء بن خَارِجة، حين لَحَنَتْ، فأنكر عليها، اللحنَ فاحتجت بقول أخيها مالك بن أسماء: وخَيْرُ الحديثِ ما كان لَحنًا فقال لها الحجاجُ: لم يُرِد أخوك هذا، إنما أراد الْلخنَ الذي هو الثَّوْرِيَةُ والألْغَازُ، فسكتت، فلما حُدِّث الجاحظُ بهذا الحديث، قال: لو كان بلغني هذا قبل أن أُؤْلّف كتابَ البيان ما قلت في ذلك ما قلت، فقيل له: أفلا تُغَيِّره؟ فقال: كيف وقد سارت به البِغال الشَّهَبُ وأَنْجَدَ في البلادَ وغَار. وكما قال الجاحظ في معنى تَلْحَن أحيانًا قال ابن قتيبة مثله أو قريبًا منه. وقوله: يَفْتُّ في أعْضَادِ الناسِ، أي: يكسِر من قُوَّتهم ويُوهِنُهم، وضرب العَضُدَ مثلاً، والفَتّ: الكَسْر، وقال: في أعضادهم ولم يقل: يفُتُّ أعضادَهم، لأنه كنايةٌ عن الرُّغْب الداخل في القلب، ولم يُرِذ كَسْرًا حَقِيقيًّا، ولا العُضُدَ الذي هو العُضْوُ، وإنما هو عبارة عما يَدْخُل في القلب مِن الوَهَنِ، وهو من أفصح الكلام. (١) انظر البيان والتبيين (٢٢٥/١٤٧/١). ٤٢٤ ظهور نفاق المنافقين واشتداد خوف المسلمين : وعظم عند ذلك البلاء، واشتدّ الخوف، وأتاهم عدوّهم من فَوقهم ومن أسفلَ منهم، حتى ظنّ المؤمنون كلّ ظَنّ، ونَجَم النّفاق من بعض المنافقين، حتى قال مُعَثِّب بن قُشير، أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يَعِدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحَدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. أكان معتب منافقًا؟ قال ابن هشام: وأخبرني من أثق به من أهل العلم: أن مُعّب بن قُشير لم يكن من المنافقين، واحتجّ بأنه كان من أهل بدر. قال ابن إسحاق: وحتى قال أَوسُ بن قَيْظِيّ، أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله، إن بيوتنا عَوْرة من العدوّ، وذلك عن ملأ من رجال قومه، فأذن لنا أن نخرج فَنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة. فأقام رسولُ اللهِ وَّه وأقام عليه المشركون بضعًا وعشرين ليلة: قريبًا من شَهْر، لم تكن بينهم حرب إلاّ الرَّمِيا بالنبل والحِصار. قال ابن هشام: ويقال الزّمْيا. الهمّ بعقد الصلح مع غطفان فلما اشتدّ على الناس البلاء، بعث رسولُ الله - وَلّر - كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم، عن محمد بن مُسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري - إلى وذَكر أَوْسَ بن قَيْظِيّ، وهو القائل: ﴿إِنْ بُيُوتَنَا عَوْرَةٍ﴾(١) وابنه: عَرَابَةُ بن أَوْسٍ كان سَيِّدًا، ولا صُحبَةً له، وقد قيل: له صحبة، وقد ذكرناه فيمن اسْتُصْغِر يوم أُحُدٍ، وهو الذي يقول فيه الشّمَّاخُ : تَلَقَّاها عَرَابَةُ باليمينِ إذا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ ولِعَرَابَةِ أَخْ اسمه: كَبَاثَةُ مذكور في الصحابة أيضًا. مصالحة الأحزاب فصل: وذكر ما هَمَّ به النبيُّ وَّهِ مِن مُصَالَحةِ الأحزاب على ثُلُثِ تَمْرِ المَدِينَةِ، وفيه من الفقه جوازُ إعطاء المالِ للعَدُوِّ، إذا كان فيه نَظَرٌ للمسلمين وحِيَاطَةٌ لهم، وقد ذكر أبو عبيد (١) سورة الأحزاب آية رقم (١٣). ٤٢٥ عُيَيْنَةَ بن حِصْنٍ بن حُذَيْفَةَ بن بذْرٍ، وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المُرِّي، وهما قائدا غَطَفان، فأعطاهما ثُلثَ ثمار المدينة على أن يَرْجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كَتبوا الكِتاب، ولم تقع الشهادةُ ولا عزيمة الصُّلح، إلا المُرَاوضَة في ذلك. فلما أراد رسولُ الله ◌ََّ أن يفعل، بعث إلى سَعْدٍ بن مُعَاذٍ وسَعْدِ بن عُبَادَة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله، أمرًا نُحبه فنَصنعه، أم شيئًا أمرك الله به، لا بدّ لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟ قال: ((بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلاّ لأنني رأيت العَرب قد رَمتْكم عن قَوْس واحدة، وكالبوكم من كلّ جانب، فأردت أن أكْسِر عنكم من شَوْكتهم إليّ أمرٍ مَّا))؛ فقال له سَعْد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشّرك بالله وعِبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه. وهم لا يَطْمُعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرَى أو بيعًا، أَفَحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزّنا بك وبه، نُعْطِيهم أمْوالنا! (والله) ما لنا بهذا مِن حاجة، والله لا نُغطيهم إلا السَّيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم؛ قال رسولُ الله ◌َله: ((فأنت وذاك)). فتناول سعدُ بن مُعاذ الصَّحيفة، فمحا ما فيها من الکِتاب، ثم قال: لیجهدوا علينا. عبور نفر من المشركين الخندق: قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله وَله والمسلمون، وعدوّهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عَبْد وُدّ بن أبي قَيس، أخو بني عامر بن لُؤَيّ. - قال ابن هشام: ويقال: عمرو بن عَبد بن أبي قَيس -. قال ابن إسحاق: وعِكْرمة بن أبي جهل، وهُبيرة بن أبي وهب المخزوميان، وضِرار بن الخطّاب الشاعر ابن مرداس، أخو بني محارب بن فِهر، تلبّسوا للقتال، ثم خرجوا على خَيْلهم، حتى مرّوا بمنازل بني كنانة، فقالوا: تهيّئوا يا بني كنانة للحرب، فستَعلمون مَنِ الفُرسان اليوم، ثم أقْبلوا تُعْنِق بهم خيلُهم، حتى وقفوا على الخَندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمَكيدة ما كانت العربُ تکِیدها. هذا الخبر، وأنه أَمْرٌ مَعْمُولٌ به، وذكر أن مُعَاوِيَةَ صالحَ ملِكَ الرُّومِ على الكَفِّ عن ثُغور الشام بمالٍ دفعه إليه، قيل: كان مائة أَلفِ دينارٍ، وأخذ من الرومَ رُهُنّا، فغدرت الرومُ، ونقضت الصلحَ، فلم ير معاويةُ قَتْل الرَّهَائِن، وأطلقهم، وقال: وفاءٌ بغدرٍ خيرٌ من غَدْرٍ بغَذْرٍ، قال: وهو مَذْهَبُ الأَوْزَاعِيّ وأهل الشام ألاَّ تُقْتَل الرَّهَائِنُ، وإن غَدَرَ العَدُوُّ. ٤٢٦ سلمان وإشارته بحفر الخندق قال ابن هشام: يقال: إن سلمان الفارسي أشار به على رسول الله وَله . وحدّثني بعض أهل العلم: أن المهاجرين يوم الخندق قالوا: سَلمان منَّا؛ وقالت الأنصار: سلمان منَّا، فقال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((سلمان منّا أهلَ البَيت)). مبارزة عليٍّ لعمرو بن عبد ودّ قال ابن إسحاق: ثم تيمَّموا مكانًا ضيقًا من الخندق، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السَّبْخَةِ بين الخَنْدَقِ وسَلْع، وخرج عليّ بن أبي طالب عليه السلام في نفر معه من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثّغرة التي أَقْحَمُوا منها خَيْلَهم وأقبلت الفُرسان تُعْنِقِ نحوَهم، وكان عمرو بن عَبْدٍ وُدّ قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم يَشْهد يوم أحد؛ فلما كان يوم الخندق خرج مُعْلِمًا ليُرَى مكانُه. فلما وقف هو وخَيْلُهُ، قال: مَنْ يُبارز؟ فبرز له عليّ بن أبي طالب فقال له: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألاّ سلمان منّا وذكر قوله عليه السلام: ((سَلْمَانُ مِنَّا أهلَ البيت))(١) بالنصب على الاختصاص أو على إضمار أعني، وأما الخفض على البدَل، فلم يره سيبويه جائزًا من ضمير المتكلّم، ولا من ضمير المخاطب، لأنه في غاية البيان، وأجازه الأخفش. حول مبارزة ابن أُدٌّ لعليّ فصل: وذكر خبر عمرو بن أُدِّ العامِرِيِّ، ومبارَزَته لعليٍّ إلى آخر القصّة، ووقع في مغازي ابن إسحق من غير رواية ابن هشام عن البَكّائي فيها زيَادة حسَنَةٌ، رأيت أن أوردها هُنا تَتْمِيمًا للخبر. قال ابن إسحاق: إن عَمْرو بن أَدِّ خرج فنادى: هل من مُبارِزٍ؟ فقام عليٍّ - رضي الله عنه - وهو مُقنَّعْ بالحديد، فقال: أنَا له يا نَبِيَّ الله، فقال: ((إنه عَمْرو اجلس))، ونادى عَمْرٌو ألاَ رَجُل يؤَنِّبُهُم، ويقول: أين جَنَّتُكُمْ التي تزعمون أنه مَنْ قُتِلَ منكم دَخَلهَا، أفلا تُبْرِزون لي رجلاً، فقام عليٍّ، فقال: أنا يا رسول الله، فقال: ((اجلس إنه عَمْرو))، ثم نادى الثالثة وقال: ءِ بِجَمْعِكُمْ هَلْ مِنْ مُبَارِزْ؟ ولقد بَحَحتُ من النّدا (١) أخرجه الحاكم (٥٩٨/٣) والطبراني (٢٦١/٦) والطبري في تاريخه (٩٢/٢) وابن سعد (٥٩/١/٤). ٤٢٧ يدعوك رجل من قُريش إلى إحدى خَلَّتين إلا أخذتَها منه، قال له: أجَل؛ قال له عليّ: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله، وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى النّزال، فقال له: لِمَ يا ابن أخي؟ فوالله ما أحبّ أن أقتلك، قال له عليّ: لكني والله أحبّ أن أقتلك، فحَمِي عمرو عند ذلك، فاقتحَم عن فرسه، فعَقره، وضَرب وجهه، ثم أقبل على عليّ، فتنازلا وتجاولا، فقتله عليّ رضي الله عنه. وخرجت خيلهم مُنهزمة، حتى اقتحمت من الخَندق هاربةٌ. ـجَّعُ مَوْقِفَ القِرْنِ المُنَاجزْ وَوَقَفْتُ إِذْ جَبُنَ المُشَـ مُتَسَرْعًا قبل الهَزَاهِزْ(١) وكذاك إني لم أَزَلْ إن الشِّجَاعَةَ في الفَتَّى والجودَ مِنْ خَيْرِ الغَرَائِز فقالم عليَّ، فقال يا رسول الله، أنَا لَه فقال: ((إنه عَمْرو))، فقال: وإن كان عَمْرًا، فَأذِن له النبي - څے ـ فمشى إليه عليَّ، حتى أتاه وهو يقول: ك مُجِيبُ صَوْتِك غيرَ عاجِزْ لا تَعْجَلَنَّ فقد أتا والصُذْقُ مُنْجي كُلَّ فائز ذُونِيَّةٍ وبَصِيرَةٍ ـيم عليك نائِحةَ الجَنّائِزْ إني لأرجو أن أقــ ـقَى ذكرُها عند الهَزَاهِزْ مِنْ ضَرْبَةٍ نَجْلاَءَ يَبْـ فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا عليّ، قال: ابن عَبْدِ مناف؟ قال: أنا ابنٍ أبي طالبٍ، فقال: غَيْرِك يا ابن أَخِي مِنْ أَعْمَامِكَ مَنْ هو أَسَنَّ مِنْك، فإني أكره أنْ أُهْرِيقَ دَمَك، فقال له عليّ رضي الله عنه: ولكني والله لا أكره أنْ أُهْرِيقَ دَمَك، فغضِب ونَزَل فَسلَّ سَيْفَه، كأنه شُغْلة نارٍ، ثم أقبل نحو عَلِيِّ مُغْضَبًا، وذكر أنه كان على فَرَسِه، فقال له عليٍّ: كيف أُقاتلك وأنت على فَرَسِك، ولكن انْزِلْ معي، فنزل عن فَرَسِه، ثم أقبل نحو عليٍّ: واستقبله عليَّ - رضي الله عنه - بَدَرقتِهِ، فَضَربِه عَمْرو فيها فَقَدِّها وأثبت فيها السيفَ، وأصاب رأسَه فَشَجَّه، وضربه عليٍّ على حَبْلِ العاتِق، فسقط، وثار العَجَاجُ، وسمع النبيُّ وَّر التكبير، فَعَرَف أن عليًّا - رضي الله عنه - قد قتله، فَثَمَّ يقول عليٍّ رضي الله عنه: عني وعنه أَخَّرُوا أصحابي أُعَلَيَّ تَقْتَحِمُ الفوارسُ مكَذا ومُصَمّمٌ في الرأسٍ ليس بنَابي فاليوم تَمْنَعُني الفرَارَ حَفِيظتي (١) الهزاهز: الفتن. ٤٢٨ قال ابن إسحاق: وقال عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه في ذلك: ونَصَرْتُ ربَّ محمَّد بصَوابي نَصَر الحِجارةَ مِن سَفاهةٍ رأيهِ كالجِذْعِ بین دَكادِكٍ (٢) وروابي فصَددت حين تَرَكْته متجَدّلاً(١) كنْتُ المُقَطِّر بَزْنِي أثوَابي وعَففت عن أتوابه ولو أنَّنِي لا تَخْسِبُنَّ الله خاذلَ دِينِه ونَبِيُّه يا مَعْشَر الأخزَاب قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يشكّ فيها لعليّ بن أبي طالب. صَافي الحديدةِ يستفيض ثوابي أدى عُمَيْرٌ حين أُخْلِص صَفْلُه عَضْبٍ مع البَشراءِ في أقْرَابٍ فَغَدَوْتُ أَلْتَمِسُ القَرَاعَ بِمُرْهَفٍ وحَلَفْتُ فاستمعوا من الكذَّاب قال ابنُ عَبْدٍ حينٍ شَدَّ أَلِيَّةً رَجُلان يَلْتَقِيَانِ كُلِّ ضِرَابٍ(٣) أَلاَّ يفِرَّ ولا يُهلْلَ فالتقى وبعده: نصر الحجارة إلى آخر الأبيات، إلاّ أنه روي: عَبَدَ الحِجَارَةَ، وعَبَدْتُ رَبَّ مُحَمَّد، ورُوي في موضعٍ: ولقد بَحختُ: ولقد عَجِبْتُ، ويروى: فالتقى أسدان يَضْطَرِبَانِ كُلَّ ضِرَابٍ، وفيه إنصاف من عليَّ - رضي الله عنه - لقوله: أسدان، ونسبه إلى الشَّجَاعَة والنَّجْدَةِ. وقوله: أدّى عمير إلى قوله: ثوابي، أي: أدّى إليَّ ثوابي، وأَخْسَن جزائي حين أخلص صقله، ثم أقبل نحو النبيُّ ◌َ ﴿، وهو مُتَهلُلٌ، فقال له عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: هَلاَّ سَلَبْتَهُ دِرْعَه، فإنه ليس في العرب دِرْعٌ خير منها، فقال: إني حين ضربته استقبلني بَسَوْأَتَه، فاسْتَحْيَيْتُ ابن عمّي أن أسْتَلِبَه، وخرجت خيلُهم مُنْهَزِمَةٌ، حتى اقتحمت الخندقَ هاربةً، فمن هنا لم يَأْخُذْ عَلِيٍّ سَلَبَه، وقيل: تنزّه عن أخذها، وقيل: إنهم كانوا في الجاهليَّة إذا قتلوا القتيل لا یسلبونه ثيابه. وقول عَمْرو لعليٍّ: والله ما أحب أن أقْتُلَكَ، زاد فيه غيره: فإن أباك كان لي صديقًا، قال الزبير: كان أبو طالب يُنَادِمُ مُسَافرَ بن أبي عَمْرو، فلما هلك اتّخذ عَمْرو بنِ وَدِّ نديمًا، فلذلك قال لعليّ حین بارزه ما قال. (١) متجدّلاً: مرميًا. (٢) دكادك: الأرض الصعبة. (٣) أخرجه الحاكم (٣٢/٣) والبيهقي (١٣٢/٩) ومن الدلائل له (٤٣٨/٣). ٤٢٩ شعر حسَّان في عكرمة قال ابن إسحاق: وألقى ◌ِكْرِمة بن أبي جهل رُمْحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو، فقال حسَّان بن ثابت في ذلك: لعَلَّك عَكْرِمَ لم تَفْعَل فرَّ وَأَلْقَى لَنا رُمْحَه ما إن تَجور عن المَعْدِل ووَلَّيْتَ تَعدو كعَذْو الظَّليم كأن قَفاك قَفا فُرْعُل ولم تَلق ظَهْرَك مُسْتأنِسًا قال ابن هشام: الفُرْعُل: صغير الضباع، وهذه الأبيات في أبيات له. شعار المسلمين يوم الخندق : وكان شعار أصحاب رسول الله وَله يوم الخندق وبني قريظة: حمّ، لا يُنصرون. حدیث سعد بن معاذ: قال ابن إسحاق: وحدّثني أبو ليلى عبد الله بن سَهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري، أخو بني حارثة: أن عائشة أمّ المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أخرز حصون المدينة. قال: وكانت أم سعد بن مُعاذ معها في الحصن؛ فقالت عائشة: وذلك قبل أن يُضرب علينا الحجاب، فمرّ سعد وعليه درع له مُقلَّصة، قد خرجت منها ذراعه كلُّها، وفي يده حربته يَرْفُل بها ويقول: لا بأس بالمَوت إذا حان الأجل لَبِّثْ قليلاً يَشْهَدِ الهَيْجا جَمَل الفرعل وقول حسَّان في عكْرمَةً: كأن قَفَاكَ قَفا فُزْعُل الفُرْعُلُ: وَلَدِ الضَّبْعِ. وذکر قول سعد: ' لَيِّثْ قليلاً يَلْحَقِ الهَيْجَا حَمَلْ هو بيت تمثّل به عُني به حَمَلَ بن سَعْدَانة بن حَارِثة بن مَعْقِل بن كَعْبٍ بن عُلَيْم بن جَنَابِ الكلْبِيِّ. وقوله: يَرْقَدُّ بالحربة أي: يُسرع بها، يقال: ازْقَدَّ وازْمَدَّ بمعنى واحد. قال ذو الرُّمَّة: يَرْقَدُ في أَثْر عَرَاضٍ وتَتْبَعُه صَهْبَاءُ شَامِيَّةٌ عُثْنُونُها حَصِبُ ٤٣٠ قال: فقالت له أُمه: الحق: أي بني، فقد والله أخّرت؛ قالت عائشة: فقلت لها: يا أُمَ سعد، والله لودِذت أن دِرْع سعد كانت أَسْبَغ مما هي، قالت: وخِفْتِ عليه حيث أصاب السَّهمُ منه، فرُمِي سعدُ بنُ معاذ بسهم، فقطع منه الأكْحَلُ، رماه كما حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، حِبَّان بن قَيْس بن العَرِقة، أحد بني عامر بن لُؤَيّ، فلما أصابه، قال: خُذْها مني وأنا ابن العَرِقَةِ، فقال له سعد: عَرَّق الله وجهك في النار، اللهمّ إن كنتَ أبقيتَ من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحبّ إليّ أن أجاهدهم من قوم آذَوْا رسولك وكذّبوه وأخرجوه، اللهمّ وإن كنت قد وضعت الحربَ بيننا وبينهم فاجّعله لي شهادة، ولا تُمِتني حتى تُقرّ عيني من بني قريظة. مَن قاتل سعد؟: قال ابن إسحاق: وحدّثني مَنْ لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول: ما أصاب سعدًا يومئذ إلاّ أبو أسامة الجُشَمي، حليف بني مخزوم. يعني الريح. ابن العرقة وأم سعد: وابن العَرِقَةِ الذي رَمَى سَعْدًا هو حِبَّانُ بن قَيْسٍ بن العَرِقَةِ، والعَرِقَةُ هي قِلاَبةُ بنت سُعَيْد بن سَعْدٍ بن سَهْم [بن سَهْم بن عمرو بن هُصَيْص بن كعب بن لؤي] تُكَثَى أُمُّ فاطمة، سُمِّيَتْ العَرِقَةُ لطيب ريحها، وهي جَدَّةُ خديجةَ أُمُّ أُمِّها هالَةَ، وحبَّانُ هو ابنُ عبدِ مَنَافٍ بن مُنْقِدٍ بن عَمْرو بن مَعِيصَ بن عامر بن لُؤَيٍّ. وأُمُ سَعْد اسمها: كَبْشَةُ بنتُ رافع [بن عبيد]. حول اهتزاز العرش: وحديث اهتزاز العرش ثابت من وُجُوهُ (١)، وفي بعض ألفاظِه أن جبريلَ عليه السلامُ نَزَل حين ماتَ سعْدٌ مُعْتَجِرًا بعِمَامَةٍ من اسْتَبْرَقٍ، فقال: يا محمد من هذا المَيِّتُ الذي فُتِحَتْ له أبوابُ السماء، واهتزّ له العرشُ؟ وفي حديث آخر: قال عليه السلام: ((لقد نزل لموت سَعْدٍ بن مُعَاذٍ سبعون أَلْفَ مَلَكِ ما وطؤوا الأرض قبلها)»، ويذكر أن قبرَه وُجد منه رائحةُ المسك، وقال عليه السلام: ((لو نجا أحد من ضَغْطَةِ القبر لنجا منها سعد))(٢)، وفي كتاب (١) أخرجه البخاري (٤٤/٥) ومسلم في فضائل الصحابة (١٢٤) وابن ماجة (١٥٨) والبيهقي في الصفات (٣٩٧ - بتحقيقي) والحاكم (٢٠٦/٣) وغيرُهم من غيرِهم. (٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤٠٦/١٠). ٤٣١ وقد قال أبو أسامة في ذلك شعرًا لعِكرِمة بن أبي جهل: فداك بآطام المَدينَة خالدُ أعِكْرَمَ هلأَّ لُمْتني إذْ تقول لي لها بين أثناء المَرَّافِق عائد ألستُ الذي ألزمتُ سَعدًا مُرِشَةً عليه مع الشّمْطِ العَذَارَى النَّواهُد قَضَى نَخبه منها سُعَيد فَأَعْوَلت عُبيدةُ جمعًا منهُم إذ يُكابد وأنتَ الذي دافعتَ عنه وقد دَعا وآخر مَرْعُوب عن القَصْد قاصد على حين ما هُم جائر عن طَريقه (والله أعلم أيّ ذلك كان). قال ابن هشام: ويقال: إن الذي رَمى سعدًا خفاجة بن عاصم بن حبَّان. الحدیث عن جُبن حسَّان قال ابن إسحاق: وحدّثني يحيى بن عبَّد بن عبد الله بن الزُبير، عن أبيه عباد قال: الدَّلائل أن النبيّ وَّ ر جلس على قبر سعد حين وضع فيه، فقال: ((سبحان الله لهذا العبد الصالح ضُمَّ في قبره ضَمَّة، ثم فرّج عنه))، وأما ضَغْطةُ القبر التي ذكر في الحديث، فقد رُوي عن عائشة - رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، ما انتفعتُ بشيء مُنْذُ سمعتك تذكر ضَغْطَة القبر، وضَمَّته [وصوتَ مُنكَرٍ ونكيراً فقال: ((يا عائشة، إن ضَغْطَة القَبْر على المؤمن أو قال: ضَمَّة القبر على المؤمن كضَمَّةِ الأُمّ الشَّفِيقة يَدَيها على رأسٍ ابنها، يشكو إليها الصُّدَاعَ، وصوت مُنْكر ونَكِير كالكُحْل في العَيْن، ولكن يا عائشةُ وَيْلٌ للشاكين [في الله] أولئك الذين يُضْغَطُون في قبورهم ضَغْط البَيْضٍ على الصَّخْر). ذكره أبو سعيد بن الأعرابيّ في كتاب المعجم(١). وذكر ابن إسحق في رواية [يونس] الشَّيْباني عنه، قال: حدّثني أُميَّةُ بن عبدِ الله، قال: قلت لبعض أهل سعد بن مُعاذٍ: ما بلغكم في هذا، يعني: الضَّمَّةَ التي انْضَمَّها القبرُ عليه؟ قال: كان يُقَصِّر في بعضِ الطُّهُور من البَوْل بعض النَّقْصِير. أكان حسَّان جبانًا؟ فصل: وذكر حديث حسَّان حين جُعِل في الآطام مع النساء والصِّبيان، وما قالت له صِفيَّةُ في أمر اليهودي حين قتلته، وما قال لها، ومَحْمَلُ هذا الحديث عند الناس على أن (١) أخرجه البيهقي في (٣٦١/٣). ٤٣٢ كانت صفيَّة بنت عبد المطّلب في فارع، حِصْن حسَّان بن ثابت؛ قالت: وكان حسَّان بن ثابت معنا فيه، مع النساء والصّبيان، قالت صفيَّة: فمرّ بنا رجلٌ من يهود، فجعل يُطِيفُ بالحِصْن، وقد حاربتْ بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسولِ اللهِ وَ*، وليس بيننا وبينهم أحد يَذْفع عنّا ورسولُ اللهِ وَّر والمسلمون في نحور عدوّهم، لا يستطيعون أن يَنْصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آتٍ. قالت: فقلت: يا حسَّان، إن هذا اليهوديّ كما ترى يُطِيفُ بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يَدُلّ على عَوْرتنا مَنْ وراءنا من يهود، وقد شغِل عنَّا رسولُ اللهِ وَّه وأصحابه، فانزل إليه فاقتله؛ قال: يَغْفِر الله لكِ يا ابنة عبد المطّلب، والله لقد عرفتٍ ما أنا بصاحب هذا: قالت: فلما قال لي ذلك، ولم أر عنده شيئًا، احتجزت ثم أخذت عَمودًا، ثم نزلت من الحِضْنِ إليه، فضربتُه بالعَمود حتى تقتله. قالت: فلما فرغت منه، رجعتُ إلى الحِضْن، فقلت: يا حسَّان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يَمْنعني من سلبِهِ إلاّ أنه رجل؛ قال: ما لي بسَلْبه من حاجة يا ابن عبد المطّلب. نعيم يخذّل المشركين : قال ابن إسحاق: وأقام رسولُ اللهِ وَلير وأصحابه، فيما وصف الله من الخوف والشدّة، لتظاهر عدوّهم عليهم، وإتيانهم إيّاهم من فَوْقهم ومن أسفل منهم. قال: ثم إن نُعيم بن مَسْعود بن عامر بن أُنَّيف بن ثعلبة بن قُنْفد بن هِلال بن خَلاوة بن أشْجع بن رَيْث بن غَطفان، أتى رسول الله وَلَّ، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمتُ، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمُرْني بما شِئْت، فقال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((إنما أنت فينا رجلٌ واحد، فخِذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة»، فخرج نُعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديمًا في الجاهليَّة، فقال: يا بني قريظة، قد عَرفتم ودّي إياكم، وخاصَّة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت، لست عندنا بمتَّهم، فقال لهم: إنّ قريشًا وغَطفَان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تَحوّلوا منه إلى غيره، وإنّ قريشًا وغطفان قد جاءوا لحرب محمَّد حَسَّانًا كان جبانًا شديدَ الجبن، وقد دَفَعَ هذا بعضُ العلماء، وأنكره؛ وذلك أنه حديث مُنْقَطِعُ الإسناد، وقال: لو صحّ هذا لَهُجِي به حَسَّانُ، فإنه كان يهاجي الشعراءِ كَضِرارٍ وابن الزِّبَغْرى، وغيرهما، وكان يناقِضُونه ويَرُدُّون عليه، فما عَيَّرِه أحدٌ منهم بجُبْنٍ، ولا وَسَمَه به، فدلّ هذا على ضعف حديث ابن إسحق، وإن صحّ فلعلّ حَسَّانَ أن يكون مُغْتلاً في ذلك اليوم بعِلّةٍ من شُهود القتال، وهذا أولى ما تأوّل عليه، وممن أنكر أن يكون هذا صحيحًا أبو عُمَرَ رحمه الله في كتاب الدُّرر له. ٤٣٣ الروض الأنف/ ج ٣/ م ٢٨ وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدُهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نُهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقُوا ببلادهم وخلّوْا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خَلا بكم، فلا تُقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رُهُنّا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدًا حتى تُناجزوه، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي. ثم خرج حتى أتى قُريشًا، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عَرفتم ودّي لكم وفِراقي محمدًا، وإنه قد بَلغني أمرٌ قد رأيت عليّ حقًّا أن أبلغكموه، نُضْحًا لكم، فاكتموا عَنّي؛ فقالوا: نفعل، قال: تعلَّموا أن معشر يهود قد نَدِموا على ما صَنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنّا قد نَدِمنا على ما فَعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القَبيلتين، من قُریش وغطفان رجالاً مِن أشْرافهم فتُعطيكهم، فتضربَ أعناقهم ثم نكون معك على من بَقِي منهم حتى نَسْتأصلَهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثتْ إليكم يهودُ يلتمسون منكم رُهُنّا من رجالِكم فلا تَذْفعوا إليهم مِنْكم رجلاً واحدًا. ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصْلِي وعشيرتي، وأحبّ الناس إليّ، ولا أراكم تتَّهموني، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا يثَّهم، قال: فاكتموا عنّي، قالوا: نفعل، فما أمرك؟ ثم قال لهم مثلَ ما قال لقريش وحذّرهم ما حذّرهم. فلما كانت ليلة السَّبت من شوّال سنة خمس، وكان من صُنع الله لرسوله وَالقر أن أرسل أبو سُفيان بن حَرْب ورؤوس غَطفان إلى بني قريظة ◌ِكْرِمة بن أبي جهل، في نَفر من قُريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخفّ والحافر، فاغدُوا للقِتال حتى نُناجز محمدًا، ونَفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وهو (يوم) لا نعمل فيه شيئًا، وقد كان أحدَث فيه بعضُنا إحدَثًا، فأصابه ما لم يخفَ عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نُقاتل معكم محمدًا حتى تُعطونا رُهُنّا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدًا، فإنا نخشى إن ضَرّستكم الحرب، واشتدّ عليكم القتال أن تَنْشمروا إلى بلادكم وتَتْركونا، والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسُل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدّثكم نُعيم بن مسعود لحقّ، فأرسِلوا بني قريظة: إنا والله لا نَدفع إليكم رجلاً واحدًا من رجالنا، فإن كنتم تُريدون القتال فاخرُجوا فَقاتلوا، فقالت بنو قُرِيظة، حين انتهت الرسلُ إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نُعيم بن مَسْعود لحَقْ، ما يريد القوم إلا أن يُقاتلوا، فإن ٤٣٤ رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غيرَ ذلك انشمروا إلى بلادهم. وخلّوا بينكم وبين الرجل في بلدكم، فأرسِلوا إلى قريش وغطفان: إنّا والله لا نُقاتل معكم محمدًا حتى تُغْطونا رُهُنَّا، فأبَوْا عليهم وخذَّل الله بينهم، وبعث الله عليهم الرّيح في ليالٍ شاتِية باردة شديدة البرد، فجعلت تَكْفأ قدورَهم، وتطرح أبنيتهم. تعرّف ما حلّ بالمشركين : (قال): فلما انتهى إلى رسول الله وَ﴿ ما اختلف من أمرهم، وما فرّق الله من جماعتهم، دعا حُذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم، لينظر ما فعل القوم ليلاً. قال ابن إسحاق: فحدّثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرَظيّ، قال: قال رجل من أهل الكوفة لحُذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسولَ الله وَلآم وصحبتموه؟ قال: نعم، يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال: فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحمَلناه على أعناقنا. قال: فقال حذيفة: يا ابن أخي، والله لقد رأيتُنا مع رسول الله وَّر بالخندق، وصلّى رسول الله ◌َ﴿ هُوِيًّا من اللّيل، ثم التفت إلينا فقال: ((مَنْ رَجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسولُ الله وَلّر الرّجعة - أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنّة؟)) فما قام رجل من القوم، من شدّة الخوف، وشدّة الجوع، وشدّة البرد، فلما لم يقم أحد، دعاني رسولُ اللهِ وَلِّ، فلم يكن لي بدّ من القيام حين دَعاني، فقال: ((يا حُذيفة، اذهب فادخُل في القوم، فانظُر ماذا يصنعون، ولا تُحدِثَنَّ شيئًا حتى تأتينا)). قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجُنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تُقرّ لهم قِدْرًا ولا نارًا ولا بناء. فقام أبو سُفيان. فقال: يا معشر قريش: لينظر امرؤ مَنْ جَليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: فلان ابن فلان. أبو سُفیان ینادي بالرحیل: ثم قال أبو سُفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصْبَحتم بدار مُقام، لقد هَلك الكُراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نَكره، ولَقينا من شدّة الريح ما تَرَوْن، ما تطمئنّ لنا قِدْر، ولا تقوم لنا نار، ولا يَسْتمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جَمله وهو مَعْقول، فَجَلس عليه، ثم ضَربه، فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلاّ وهو قائم، ولولا عَهْد رسولِ اللهِ وَلّل إلي: ((أن لا تُحدث شيئًا حتى تأتيني)) ثم شئت، لقتلته بسهم. ٤٣٥ قال حُذيفة: فرجعتُ إلى رسولِ اللهِ وَ ﴿﴿ وهو قائم يصلّي في مرط لبعض نسائه، مراجل. قال ابن هشام: المراجل: ضرب من وشي اليمن. فلما رآني أدخلني إلى رِجليه، وطَرح عليّ طَرَف المرط، ثم ركع وسجَّد، وإني لفِيه، فلما سلّم أخبرته الخبر، وسمعت غَطفان بما فعَلت قُريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم. الانصراف عن الخندق : قال ابن إسحاق: ولما أصبح رسولُ الله وَلور انصرف عن الخندق راجعًا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح. غزوة بني قريظة في سنة خمس الأمر الإلهي بحرب بني قريظة فلما كانت الظّهر، أتى جبريلُ رسولَ اللهِ وَللغير، كما حدثني الزهري، معتجرًا بعمامة من استبرق، على بَغْلة عليها رِحالة، عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوَقَدْ وضعتَ السلاح يا رسول الله؟ قال: ((نعم)»، فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلاّ من طلب القَوم، إن الله عزّ وجل يأمرك يا محمد بالمَسيرِ إلى بني قريظة، فإني عامدٌ إليهم فمزلزل بهم. فأمر رسولُ اللهِ وَالتّ مؤذّنًا، فأذن في الناس، من كان سامعًا مُطيعًا، فلا يصلّينّ العصرَ إلا ببني قريظة. واستعمل على المدينة ابنَ أُم مكتوم، فيما قال ابن هشام. عليَّ يبلغ الرسول ما سمعه من بني قريظة: قال ابن إسحاق: وقَدّم رسولُ الله وَّ عليّ بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة، وابتدرها الناسُ. فسار عليّ بن أبي طالب، حتى إذا دنا من الحُصون سمع منها مقالةً قبيحةً لرسول الله وَل﴿، فرجع حتى لَقي رسولَ الله وَ له بالطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث، قال: ((لِمَ؟ أظنك سمعت منهم لي أذى؟)) قال: ٤٣٦ نعم يا رسول الله، قال: ((لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئًا)). فلما دنا رسُول الله وَل من حُصونهم. قال: ((يا إخوان القِرَدة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟» قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولاً . جبريل في صورة دحية ومرَّ رسولُ اللهِ وَلَهَ بِنَفَر من أصحابه بالصَّوْرَيْن قبل أن يصل إلى بني قريظة، فقال: ((هل مَرَّ بكم أحد؟)) قالوا: يا رسول الله، قد مَرَّ بنا دِخية بن خليفة الكلبي، على بَغْلة بيضاء عليها رِحالة، عليها قَطيفة ديباج. فقال رسولُ اللهِ وَّر: ((ذلك جِبْريل، بُعث إلى بني قُريظة يُزلزل بهم حُصونهم، ويقذف الرعبَ في قلوبهم)). ولما أتى رسولُ الله وَل﴿ بني قريظة نزل على بئر من آبارها من ناحية أموالهم، يقال لها بئر أنا. قال ابن هشام: بئر آنّى. الحديث عن الصورين ودحية فصل: وذكر خروج النبيّ وَّه إلى بني قُرَيْظَة حين مرّ بالصَّوْرَيْن، والصَّوْرُ القِطعة من النخل، فسألهم، فقالوا: مَرَّ بنا دَخْيَةُ بن خَلِيفَة الكَلْبِيُّ. هو: دَخْيَةُ بفتح الدال، ويقال: دِخْيَةُ بكسر الدال أيضًا، والدَّخْيَةُ بلسان اليمن: الرَّئيسُ، وجمعه دِحَاء، وفي مقطوع الأحاديث أن النبيّ - وَّ -رأى البيتَ المعمورَ يدخله كُلَّ يوم سَبْعُون ألفَ دِخْيَةٍ، تحت يد كُلٌ دِخْيَةٍ سبعون ألف مَلَكِ، ذكره القُتَبِيُّ، ورواه ابن سُنْجُرٍ في تفسيره مُسْنَدًا إلى عبدِ الله بن الهُذَيْل، رواه عنه أبو التَّيَّحِ، وذكر أن حَمَّاد بن سَلَمَة قال لأبي التَّيَّح حين حدّثه بهذا الحديث: ما الدِّخْيَةُ؟ قال: الرئيس، وأما نَسَبُ دِخْيَةً فهو ابن خَليفَة بن فَرْوةَ بن فَضَالَةً بن زَيْد بن امْرِىءِ القَيْس بن الخزرج، والخَزْرَجُ العَظِيمُ البَطْن ابن زَيْد مَناةً بن عامر بن بَكْر بن عامر الأكْبَرِ بن عَوْف بن عُذْرَةَ بن زَيْد اللأَّتِ بن رُقَيْدَةَ بن ثَوُرِ بن كَلْبِ يُذْكَر من جَمَالِه أنه كان إذا قَدِمِ المَدِينَةَ لم تَبْق مُعْصِرٌ، وهي المُرَاهِقَةُ للحَيْضِ ألا خَرَجَت تنظر إليه. فقه لا يصلّين أحدكم العصر إلاّ في بني قريظة .. وذكر قوله عليه السلام: ((لا يُصَلْيَنَّ أحدُكم العصرَ إلاّ في بني قُريْظَةَ))(١)، فغربت عليهم الشمس قبلها، فصَلّوا العصرَ بها بعد العشاء الآخرة، فما عابهم الله بذلك في كتابه، (١) أخرجه البخاري (١٩/٢) ومسلم في الجهاد (٦٩). والبيهقي (١١٩/١٠). ٤٣٧ تلاحق الناس بالزّسول: قال ابن إسحاق: وتلاحق به الناس فأتى رجالٌ منهم من بعد العشاء الآخرة، ولم يصلّوا العَصر، لقول رسول الله وَالجر: ((لا يصلّينّ أحدٌ العصرَ إلا ببني قريظة))، فشغَلهم ما لم يكن منه بدّ في حَرْبهم، وأبَوْا أن يصلُّوا، لقول رسول الله وَالر: ((حتى تأتوا بني قريظة)). فصلَّوْا العصر بها، بعد العشاء الآخرة، فما عَابهم الله بذلك في كتابه، ولا عنّفهم به رسولُ اللهِ وَ ﴿. حدّثني بهذا الحديث أبي إسحقُ بن يسار، عن مَعبد بن كَعْب بن مالك الأنصاري. الحصار: (قال): وحاصرهم رسولُ اللهِ وَ ليهِ خمسًا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذفَ الله في قلوبهم الرعبَ. وقد كان حُيّيّ بن أخطب دخل مع بني قريظة في حضنهم، حين رجعت عنهم قُريش وغطفان، وفاءً لكَغْب بن أسد بما كان عاهده عليه. ولا عنَّفهم به رسولُه وَ لَّ، وفي هذا من الفِقه أنه لا يُعَابُ على من أخذ بظاهِر حديثٍ أو آيةٍ، فقد صَلَّت منهم طائفةٌ قبل أن تغربَ الشمسُ، وقالوا: لم يُرِدِ النبيُّ - رَّ - إخراج الصلاة عن وقتها، وإنما أراد الحثّ والإعجال، فما عُنّف أحدٌ من الفريقين، وفي هذا دليل على أن كل مُخْتَلفين في الفروع من المجتهدين مصيب، وفي حكم داود وسليمان في الحرث أصلٌ لهذا الأصل أيضًا، فإنه قال سبحانه: ﴿فَفَهَّمْنَاها سُلَيْمانَ وَكُلاَّ آتينا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، ولا يستحيل أن يكون الشيءُ صَوَابًا في حقٌّ إنسانٌ وخَطَأَ في حَقٌّ غيره، فيكون من اجْتَهَدَ في مَسْألة فأدّاه اجتهادُه إلى التحليل مصيبًا في استحلاله، وآخر اجتهد فأدَّاه، اجتهادُه ونظره إلى تحريمها، مُصيبًا في تحريمها، وإنما المُحَالُ أن يُحكم في النازلة بحُكْمَين مُتَضَادَيْن في حَقْ شَخْص واحد، وإنما عسر فهمُ هذا الأصل على طائفتين: الظَّاهِرِيَّة والمُعْتَزلة، أما الظَّاهِريَّةُ فإنهم عَلَّقُوا الأحكام بالنُّصوصِ، فاستحال عندهم أن يكون النصُّ يأتي بحظُرٍ، وإباحَةٍ مَعًا إلا على وَجْه النَّسْخِ، وأما المعتزلة، فإنهم عَلَّقوا الأحكامَ بتقبيح العقلِ وتحسينه، فصار حُسْنُ الفعل عندهم أو قُبْحُه صِفَةً عَيْن، فاستحال عندهم أن يَتْصِفَ فعلٌ بالحُسْنِ في حَقْ زَيْدٍ والقبح في حَقْ عَمْرو، كما يستحيل ذلك في الألوان، والأكوان وغيرهما من الصفات القائمة بالذوات، وأما ما عَدا هاتين الطائفتين من أرباب الحقائق، فليس الحَظْرُ والإباحة عندهم بصفاتِ أعيانٍ، وإنما هي صفات أحكام، والحكم ٤٣٨ نصيحة كعب بن أسد لقومه: فلما أيقنوا بأن رسولَ اللهِ وَلَه غير مُنْصرف عنهم حتى يُناجزهم، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالاً ثلاثًا، فخُذوا أيها شئتم، قالوا: وما هي؟ قال: نُتابع هذا الرجل ونصدّقه فوالله لقد تبَيِّن لكم أنه النبيِّ مُرْسَل، وأنه للذي تَجِدونه في كتابكم، فَتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارقُ حكمَ التَّوراة أبدًا، ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم عليَّ هذه، فَهَلُمّ فلنقتُلْ أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالاً مُضْلتين السيوفَ، لم نترك وراءَنا ثَقلاً، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نَهْلِك نهلك، ولم نترك وراءَنا فَلا نخشى عليه، وإن نَظهر فلعمري لنجدنَّ النساء والأبناء، قالوا: نقتُل هؤلاء المساكين! فما خير العيش بعدهم؟ قال: فإن أبيتم عليَّ هذه، فإن اللَّيلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلّنا نُصِيب من محمد وأصحابه غِرّة، قالوا: نُفْسد سَبْتنا علينا، ونُحدّث فيه ما لم يحدّث مَنْ كان قبلنا إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يخْف عليك من المَسخ! قال: ما باتَ رجل منكم منذ ولَدته أُمه ليلة واحدة من الدهر حازمًا. قصّة أبي لُبابة ثم إنهم بعثوا إلى رسولِ الله وَّهِ: أن ابعث إلينا أبا لُبَابَةَ بن عبدِ المُنْذر، أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حُلفاء الأوس، لنَسْتَشيره في أمرنا، فأرسله رسولُ اللهِ وَلَه إليهم، من الله تعالى يَحْكُم بالحظر في النازلة على من أدّاه واجتهادُه إلى الحظر، وكذلك الإباحة والنَّذْبُ والإيجابُ والكَرَاهَةُ، كلُّها صفاتُ أحكام، فكُلُّ مجتهد وافق اجتهادُه وَجْهًا من التأويل، وكان عنده من أدوات الاجتهاد ما يترفّع بَه عن حَضِيضِ التقليد إلى هَضَبَةِ النَّظرِ، فهو مُصِيبٌ في اجتهاده مُصِيبُ للحكم الذي تَعَبَّد به، وإن تعبد غيره في تلك النازلة بعينها بخلافٍ ما تَعبَّد هو به، فلا يُعَدُّ في ذلك إلاّ على من لا يعرف الحقائق أو عَدَل به الهوى عن أوْضَح الطَّرَائق(١). حول قصة أبي لبابة فصل: وذكر أبا لُبَابَةُ واسمه رفَاعَةُ بن عَبْدِ المُنْذِر بن زنبر وقيل: اسمه مُبَشر، وتَوْبَتَّه (١) انظر مزيد بيان بالفتح (١٣٠/٢). ٤٣٩ فلما رأوه قام إليه الرجال، وجَهَش إليه النساء والصبيان يَبْكون في وجهه، فرقٌ لهم، وقالوا له: يا أبا لُبابة! أترى أن ننزل على حُكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حَلقه، إنه الذبح. قال أبو لُبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفتُ أني قد خبتُ الله ورسوله وَّه، ثم انطلق أبو لُبابة على وجهه، ولم يأت رسولَ الله وَل حتى ارتبط في المسجد إلى عَمُود من عُمُده، وقال: لا أبرح من عُمُده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوبَ الله عليّ مما صنعت، وعاهد الله: أن لا أَطأ بني قريظة أبدًا، ولا أُرى في بلد خُنْت الله ورسوله فيه أبدًا. توبة الله على أبي لبابة قال ابن هشام: وأنزل الله تعالى في أبي لُبابة، فيما قال سُفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونوا اللَّهَ والرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسولَ الله وَلَ خبرُه، وكان قد استبطأه، قال: أما إنه لو جاءني لاستغفرتُ له، فأما إذ قد فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقُه من مكانه حتى يَتُوب الله عليه . قال ابن إسحاق: فحدّثني يزيد بن عبد الله بن قُسَيط: أنّ توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله وَّهُ من السَّحَر، وهو في بيتِ أُمّ سَلَمة. (فقالت أُمّ سَلَمة): فسمعتُ رسولَ اللهِ وَّ من السَّحَر وهو يضحك. قالت: فقلت: ممّ تضحك يا رسول الله؟ أضحك الله ورَبْطَّه نَفْسَه حتى تاب الله عليه، وذكر فيه أنه أَقْسَم ألاَّ يَحُلَّه إلاّ رَسُولُ اللهِوَّهِ، ورَوى حَمَّاد بن سَلَمَةَ عن علي بن زيد عن عَلِيٍّ بن الحسين أن فاطمة أرادت حَلَّة حين نزلت توبتُه، فقال: قد أَقْسَمْتُ ألاَّ يَجُلَّني إلاَّ رسولُ اللهِوَّهِ، فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((إن فاطمةً مُضْغَةٌ مني)) (١)، فصلَّى الله عليه، وعلى فاطمةً، فهذا حديثٌ يَدُلُّ على أن من سَبَّها فقد كَفَر، وأن من صَلَّى عليها، فقد صَلَّى على أبيها - وَِّ ـ وفيه: أَنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَآَخَرُون اغْتَرِفُوا بذنوبهم خَلَطُوا عَمَلاً صالِحًا﴾ [التوبة: ١٠٢] الآية، غير أنَّ المفسرين اختلفوا في ذنبه ما كان، فقال ابن إسحق ما ذكره في السّيرة من إشارته على بني قُرَيْظَة، وقال آخرون: كان من المُخَلَّفين: الذين تَخَلَّفوا عن رسول اللهَِّ فِي غَزْوة تَبُوكَ، فنزلت توبةُ الله عليه في هذه الآية. (١) أخرجه أحمد (٣٢٦/٤). ٤٤٠