النص المفهرس
صفحات 361-380
ذكر يوم الرجيع في سنة ثلاث مقتل خبيب وأصحابه قال: حدّثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدّثنا زياد بن عبد الله البَكائي عن محمد بن إسحق المُطَّلبي، قال: حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قَدِم على رسول اللهِ وَّهُ بعد أُحد رهطْ من عضَل والقارة. نسب عضل والقارة: قال ابن هشام: عَضَل والقارة، من الهَوْن بن خُزَيمة بن مُذْركة. قال ابن هشام: ويقال: الهُون، بضم الهاء. قال ابن إسحاق: فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يُفقُهوننا في الدين، ويُقرِئُوننا القرآن، ويُعلِّموننا شرائع الإسلام. فبعث رسولُ مقتل خبيب وأصحابه(١) وذكر غَذْرَ عَضْلِ والقَارَةَ، وهما بَطْنان من بني الهُون، والهُون هم بنو الرِّيش ويَثِيعُ ابْنَيْ الهُونِ بن خُزَيْمَةً، وقد تقدّم التعريف بمعنى القَارِةِ، وبالمثَل جَرَى فيهم، والقَارَةُ الحَرَّةُ(٢)، وذكرنا السببَ في تَسْمِيَتهم بها. وذكر أن أصحابَ خُبَيْبٍ كانوا سِنَّةً، وفي الجامع الصحيح للبخاري أنهم كانوا عَشَرَةً، وهو أصح، والله أعلم. (١) انظر الواقدي (٣٤٤) الطبقات (٣٩/١/٢) تاريخ الطبري (٢٩/٣) البداية (٦٣/٤) المواهب (١٣٠/١) جوامع السيرة لابن حزم (٢١٤) البخاري (١٠٣/٥) أحمد في مسنده (٧٩/٥). (٢) الحرّة: أرض ذات حجارة سوداء كأنها أحرقت. ٣٦١ اللهِ وَلّ نفرًا ستة من أصحابه، وهم: مرثد بن أبي مرثد الغَنويّ، حليفُ حمزة بن عبد المطّلب؛ وخالدُ بن البُكير اللَّيثي، حليف بني عَدِيّ بن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، أخو بني عمرو بن عَوْف بن مالك بن الأوس؛ وخُبيب بن عديّ، أخو بني جَخْجَبى بن كُلْفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدّثَنَّة بن مُعاوية، أخو بني بَياضة بن عمرو بن زُريق بن عبد حارثة بن غضْب بن جُشَم بن الخَزْرج؛ وعبد الله بن طارق حليف بني ظفر بن الخَزْرِجِ بن عَمْرو بن مالك بن الأوس. وأمَّر رسول الله بََّ على القوم مَرَد بن أبي مرثد الغَنوي فخرج مع القوم. حتى إذا كانوا على الرَّجيع، ماء لهُذيل بناحية الحِجاز، على صدور الهَذأة غدرُوا بهم، فاستصرَخوا عليهم هُذيلاً؛ فلم يَرُع القوم، وهم في رِحالهم، إلاّ الرجالُ بأيديهم السيوف، قد غَشُوهم؛ فأخذوا أسيافَهم ليقاتلوهم، فقالوا لهم: إنا والله ما نُريد قتلَكم، ولكنَّا نُريد أن نُصيب بكم شيئًا من أهل مكّة ولكم عهدُ الله وميثاقُه أن لا نقتلكم. مقتل مرثد وابن البكير وعاصم: فأمَّا مَرْثَد بن أبي مرثد، وخالد بن البُكير، وعاصم بن ثابت فقالوا: والله لا نَقْبل من مُشرك عهدًا ولا عقدًا أبدًا؛ فقال عاصم بن ثابت: والقَوْسُ فيها وَتَرٌّ عُنابلُ ما عِلَّتِي وأنا جَلْدٌ نابِلُ وذكر أسماءَ السِّنَّةِ، وقد نسبهم فيما تقدّم، فأما خُبَيْب فهو من بني جَحْجَبى بن كُلْفة بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالِكِ بن الأوس، وزُيْد بن الدِّثِنَّة بن معاوية مَقْلُوبٌ من الثدَنَةِ والثَّدَنُ استِرْخاءُ اللحم. وذكر فيهم عاصِمَ بن ثابتٍ وقوله: ما علَّتي وأنا جلدِ نابلُ والقَوْسُ فيها وَتَرْ عُنَابِلُ والعُنَائِلُ: الشديدُ، وكأنه من العَبَالَة، وهي القُوَّةُ، والنون زائدة، والعَبَالةُ أيضًا: شجرة صُلْبَةٌ، وفي الخبر أن عَصَا موسى كانت من عَبَالةٍ، وقد رُوي أن عصا موسى كانت من عَيْنٍ وَرَقَةٍ آس الجَنَّةِ (١)، ويجوز أن يكون مَنْحُوتًا من أصلين: من العَنَنِ والنّبْلِ، كأنه يُصيب ما عَزَّله بِنّبْله. (١) البحث في عصا يوسف عليه الصلاة والسلام وكيفيتها وطولها ووصفها، علم لا ينفع وجهل لا يضرّ، ولو كان في الأمر خيرًا لجاء وصفها وكيفيتها إلى غير ذلك في القرآن أو على لسان النبي ◌َّ في السنة ((الصحيحة))، فما وجدت من وصفها في كتب التفسير فارم به. ٣٦٢ الموتُ حَقٌّ والحَياةُ باطِل تَزِلُّ عن صَفْحتها المعابِلُ بالمَزْءِ والمرءُ إليه آئِل وكلُّ ما حَمّ الإلهُ نازلُ إن لم أُقاتلكم فأُمِّي هابِل قال ابن هشام: هابل: ثاكل. وقال عاصم بن ثابت أيضًا: وضالَةٌ مثل الجَحيمِ المُوقَدِ أبو سُلَيمان ورِيشُ المُفْعَد ومُجْنأ من جلدِ ثَوْرِ أجْرَدِ إذا النَّواجي افتُرِشْتٍ لم أُزْعد ومُؤْمِنٌ بما على محمَّد وقال عاصم بن ثابت أيضًا: أبو سُلَيمان ومِثْلي رامي وكان قومي معشرًا كرامَا وكان عاصم بن ثابت يُكنى: أبا سليمان. ثم قاتل القومَ حتى قُتل وقُتل صاحباه. وذكر قوله: أبو سُلَيْمَان وريشُ المُفْعَد. قوله: أبو سليمان، أي: أنا أبو سُلَيْمَان قد عُرِفْتُ في الحُروبِ، وعندي نَبْلٌ راشها المُفْعُد، وكان رائِشًا صانعًا. ورِيشٌ: السَّهْمُ المحمودُ فيه الْلؤَامُ، وهو أن تكون الرِّيشَةُ بَطْنُها إلى ظَهْرِ الأُخرى، واللُّغَابُ يعكس ذلك، أن يكون ظهرُ واحدة إلى ظَهْر الأُخْرِى، وهو الظُّهَارُ أيضًا، وهو الْلؤَامِ أُخِذَ اللأْمُ وهو السهم المَرِيشُ قال امرؤ القيس: كَركَ لأْمَيْنِ على نَابِل وسُئل رُؤْبةُ عن معنى هذا البيت، فقال: حدثني أبي عن أبيه، قال: حدّثتني عمتي، وكانت في بني دَارِمِ قالت: سألت امْرَأْ القَيْسِ، وهو يشرب طِلاَءَ له مع عَلْقَمَةَ بنِ عَبْدَة: ما معنى قولك : كَرَّكَ لأْمَيْنٍ على نابل فقال: مررت بنابلٍ وصاحبُه يناوله الرِّيش لُؤَمًا وظُهَارًا، فما رأيت شَيْئًا أسرعَ منه، ولا أحسَنَ فَشَبَّهت به، ذكر هذا أبو حنيفة. وقوله: وضَالةٌ، أي: سِهَامٌ قِدَاحُها من الضَّالِ، وهو السِّذرُ. قال الشاعر [ذو الرُّمُّة]: ضُرُوبَ السّذْرِ عُبْرِيًا وضَالاً قَطَعْتُ إذَا تَخوَّفت العَوَاطِي ٣٦٣ حماية الدبر لعاصم: فلما قُتِل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسِه، ليبيعوه من سُلافة بنت سَعد بن شُهَيد، وكانت قد نَذَرت حين أصاب ابنيها يوم أُحد: لئن قَدَرت على رأس عاصم لتشربَنّ في فالعُبْرِيُّ منها ما كان على شُطُوطِ الأَنهَارِ، والضّالُ ما كان في البَرِّيَّةِ، والعَواطي هي الماشية تَعْطو أي تَتَنَاوَلُ، وإنما تتناول أطراف الشَّجَرِ في الصيف، فمعناه: قطعتُ هذه الصحراءَ في هذا الوقتِ، وتخوّفت: أي تَنَقَّضْتُ من قوله سبحانه: ﴿أو يأخذَهم على تَخَوْفٍ﴾ [النحل: ٤٧]. وذكر أن حُجَيْرَ بِنَ أبي إهابٍ هو الذي اشترى خُبَيْبًا، وكان خُبَيْبٌ قد قتل الحارث بن نَوْفَلِ أخا حُجيْرٍ لأَمِّه، وقال مَعْمَرُ بنُ راشدٍ: اشترى خُبَيْبًا بنو الحارثِ بن نَوْفَلٍ، لأنه قتل أباهم يوم بدر، والمعنى قريب مما ذكر ابنُ إسحق. وقوله: ماوِيَّة بنت حُجيْرِ بالواو، رواه يُونُسُ بن بكير عن ابن إسحق، ورواه غيرُه عن ابن إسحق: مارِية بالراء، وبالواو وقع في النسخ العَتيقَةِ من رواية ابنِ هِشَام، كما رواه ابن بَكِيرٍ، وقد تكلّمنا عن اشتقاق هذا الاسم في صدر هذا الكتاب، فأغْنى عنّ إعادته، وذكرنا أن المارِيَة بالتخفيف هي البَقَرَةُ، وبتشديد الياء: القَطَاةِ المَلْسَاءُ، وأما الغلام الذي أعطته المُذْيَةَ، فقيل: هو أبو عيسى بن الحارث بن عَديٍّ بن نَوْفَلِ بن عَبْد مَنَافٍ، قاله الزبير: وهو جَدُّ عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسَيْنِ الذي يروي عنه مالكٌ في المَوطَأ. وذكر أن أبا مَيْسَرَةَ هو الذي طَعَنْ خُبَيْبًا في الخَشَبَةِ، وهو أبو مَيْسَرَةَ بن عَوْف بن السَّبَّاق بن عَبْد الدار، والذي طعنه معه عُقْبَةُ بن الحارث يُكَنَّى أبا سَزْوَعَة، ويقال: إن أَباء سَرْوَعَةَ وعُقْبَة أخوان أسلما جميعًا ولعُقْبَةَ بنِ الحارث حديثٌ واحد في الرَّضاع، وشَهَادَةِ امرأةٍ واحدةٍ فيه. وحديثُه مشهور في الصَّحَاحَ، فيه أنه قال: تزوجتُ بنت أبي إهاب بن عزيز، فجاءت امرأةٌ، سَوْداءُ، فقالت: إني قد أَرْضَعْتُكُما، وذكر الحديث وزاد فيه الدَّارِ قُطِنِيُّ قال: جاءت امرأةٌ سَوْدَاءُ تَسْأَلُ، فلم تُعْطِها شيئًا، فقالت: إني والله أرْضَعْتُكما، فذكر ذلك للنبيّ - رَ﴿ - وقال: إنها كاذبةٌ يا رسول الله، فقال له عليه السلام: ((كيف؟)) وقد قيل: فَطَلَّقها، ونكحت ضَرِيبٌ بن الحارث، فولدت له أُمَّ قِتَالٍ، وهي امرأةُ جُبَيْرٍ بن مُطْعِم، وأُمْ ابنِه محمد، ونافع ابنا جابر، واسم هذه المرأة التي طلّقها عُقْبَةُ: غُنَيَّةٌ، وتُكَتَّى أُمَّ يَخْيى، ذكر اسمها أبو الحسن الدَّارَقُطْني في المُؤْتلِف والمُخْتَلِف، ولم يذكره أبو عُمَرَ في كتاب النساء، ولا كثير ممن ألّف في الحديث. وذكر قصّة عاصم خين حَمَتْه الدِّبْرُ. الدِّبْرُ هاهنا: الزَّنَابِيرُ، وأما الدَّبْرُ فصغار الجراد، ومنه يقال: ماء دَبْر قاله أبو حنيفة، قال: وقد يقال للنَّخل أيضًا: دَبْر بفتح الدَّال واحدتها ٣٦٤ قِحْفه الخمر، فمنعته الدَّبْرُ، فلما حالت بينه وبينهم الدَّبْرُ قالوا: دعُوه يُمْسِي فتذهب عنه، فنأخذه. فبعث الله الواديّ، فاحتمل عاصمًا، فذهب به. وقد كان عاصمٌ قد أعطى الله عهدًا أن لا يَمَسَّه مشركٌ، ولا يَمَسُّ مُشْركًا أبدًا، تَنجُّسًا؛ فكان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يقول: حين بلغه أن الدَّبْر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نَذَر أن لا يمسَّه مشرك، ولا يمسّ مُشركًا أبدًا في حياته، فمَنعه الله بعد وفاته، كما امتنع منه في حیاته . مصرع خبيب وابن طارق وابن الدثنة: وأما زيد بن الدَّثِنَّة وخُبيب بن عديّ، وعبد الله بن طارق، فلانُوا ورقُوا ورغبوا في الحياة، فأعطوا بأيديهم، فأسروهم، ثم خَرجوا إلى مكَّة، ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظّهران انتزع عبدُ الله بن طارق يده من القِران، ثم أخذ سيفه، واستأخر عنه القومُ، فَرَموه بالحجارة حتى قتلوه، فقَبْره، رحمه الله، بالظَّهْران؛ وأما خُبيب بن عَديّ وزيد بن الدَّئِنَّة فقدموا بهما مكّة. قال ابن هشام: فباعوهما من قُريش بأسيرين من هُذيل كانا بمكّة. دبرة، قال: ويقال له: خَشْرَمٌ، ولا واحد له من لفظه، هذه رواية أبي عُبَيْدٍ عن الأَضْمَعِيِّ، ورواية غيره عنه أن واحدته: خَشْرَمَةٌ. والثَّوْلُ جماعة النحل أيضًا، ولا واحد لها، وكذلك النُّوبُ والْلوبُ. ومن الْلوبِ: حديث زَبَّان بنٍ قَسْوَرٍ، قال: رأيت النبيَّ - ◌َّ - وهو نازِلٌ بوادي الشوحط فكلّمته، فقلت: يا رسول الله إن معنا لُوبًا لنا - يعني نَخْلاً - كانت في عَيْلَم لنا به طَرْمٌ وشَمْعٌ، فجاء رجل فضرب ميتين فأنتج حيًّا، وكَفَّتَه بالتَّمام، يعني نارًا من زَندَيْنِ، ونحسه يعني: دُخْتَه، فطار الُلوبُ هاربًا، ودَلَى مِشْوَارَه في العَيْلَم فاشتار العَسَل، فمضى به، فقال النبيُّ - وَ﴿ -: ((مَلْعُونْ مَلْعُونْ مَنْ سَرَقَ وَقَوْم، فأضَرَّ بهمَ، أَفَلاَ تبعتم أَثَره، وعرفتم خَبَرِه؟)) قال: قلت: يا رسول اللهأ إنه دخل في قوم لهم مَنَعَةٌ، وهم جيرانُنا من هُذَيْلٍ، فقال النبي - ◌َ﴿هـ: ((صَبْرَكَ صَبْرَكَ ترِدُ نهرَ الجَنَّةِ، وإن سَعَتَهُ كما بين اللقيقة والسحيقة يَتَسَبْسَبْ جَزْيًا بعسَلٍ صافٍ من قَذَاه ما تَقَيَّاهِ لُوبٌ، ولا مَجَّه ◌ُوبٌ))(١). فالعَيْلَم البئرُ، وأراد بها ها هنا قُبَّةَ النَّخْلِ أو الخَليَّة، وقد يقال لموضع النحل إذا كان صَدْعًا في جَبَل: شِيقٌ، وجمعه: شِيقانٌ، ويقال: لكل دُخَانٍ نُحَاسٌ، ولا يقال: أَيَامٌ إلاَّ لدخان النحل خاصَّة، يقال: آمها يئومُها إذا دَخَّتَهَا، قاله أبو حنيفة. - (١) أخرجه الدارقطني (٧٣) في المؤتلف. وقال: حديثه [يعني ابن قيس - أو قيسور]: منكر. ٣٦٥ قال ابن إسحاق: فابتاع خُبِيبًا حُجيرُ بن أبي إهَابِ التميميّ، حليف بني نوفل، لِعُقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل، وكان أبو إهاب أخا الحارث بن عامر لأمه لقتله بأبيه. قال ابن هشام: الحارث بن عامر، خال أبي إهاب، وأبو إهاب، أحد بني أُسَيِّد بن عمرو بن تميم، ويقال: أحد بني عُدَس بن زيد بن عبد الله بن دارم، من بني تمیم. مثل من وفاء ابن الدثنة للرسول: قال ابن إسحق: وأما زيد بن الدَّثِنّةِ فابتاعه صفوان بن أُميّة ليقتله بأبيه، أُميَّة بن خَلَفٍ، وبعث به صَفْوانُ بن أُميَّة مع مَوْلى له، يقال له: نِسْطَاس، إلى التَّنْعيم، وأخرجوه من الحَرم ليقتلوه. واجتمعَ رهطٌ من قُريش، فيهم أبو سُفيان بنُ حَرْب؛ فقال له أبو سُفيان حين قَدِم ليُقتل: أنْشُدُك الله يا زيد، أتحبّ أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نَضْرِب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحبّ أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تُصيبه شَوْكَة تُؤذيه، وأنّي جالس في أهلي. قال: يقول أبو سُفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يُحبّ أحدًا كحبّ أصحاب محمدٍ محمدًا؛ ثم قتله نِسطاس، يرحمه الله. مقتل حجر بن عديّ: فصل: وذكر أن خُبَيْبًا أول من سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عند القتل. قوله: هذا يَدُلُّ على أنهما سُنَّةٌ جاريةٌ، وكذلك فعلهما حُجْرُ بن عَدِيٍّ بن الأذْبَر حين قتله معاويةُ - رحمة الله - وذلك أن زيادًا كتب من البَصْرِةِ إلى مُعَاويةً يذكر أن حُجْرًا وأصحابه، قد خرجوا على السُلْطَان، وشَقُوا عصا المسلمين، ووجَّه مع الكتابِ بك فيه شهادة سبعين رجلاً فيهم الحسن بن أبي الحسَن البَصرِيّ وابنُ سيرين والرَّبيعُ بن زياد وجماعة من عِلْيَةِ التَّابِعين ذكرهم الطبري(١) يشهدون بما قال زِيادٌ من خُروج حُجْرٍ بن عَدِيٍّ عليه، وكان حُجْرٌ شديد الإنكار للظلم، غليظًا على الأمراء، وأنكر على زيادٍ أمورًا من الظلم فخرج عليه، ولم يكن قَصْدُه الخروجَ على مُعَاوِيةَ، فلما حُمِل حُجْر إلى معاوية في خَمْسةٍ من أصحابه، قال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له معاوية: أو أنا للمؤمنين أمير؟! ثم أمر بقتله، فعند ذلك صَلَّ حُجْرُ الركعتين، ثم لقي معاويةُ عائشةَ بالمدينة، فقالت له: أما اتقيت الله يا مُعَاوِيَةً في حُجْر بن عدي وأصحابه؟ فقال: أو أنا قَتَلْتُهم، إنما قتلهم من شَهد عليهم، فلما أكثرت عليه، قال لها: دَعِينِي وحُجْرًا (١) انظر (٢٦٩/٥) ط. دار المعارف المصرية. ٣٦٦ مقتل خبیب وحديث دعوته: وأما خُبَيْبُ بن عديّ، فحدّثني عبدُ الله بنُ أبي نَجيح، أنه حُدّث عن ماوِيَّة، مولاةٍ حُجَيْر بن أبي إهَاب، وكانت قد أسلمت، قالت: كان خُبيب عِنْدي، حُبس في بيتي، فلقد اطّلعت عليه يومًا، وإن في يده لَقطْفًا من عِنب، مثلٍ رأس الرّجُل يأكل منه، وما أغلم في أرض الله عنبًا يُؤكل. قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عُمر بن قَتادة وعبد الله بن أبي نَجِيح جميعًا أنها قالت: قال لي حين حضره القتلُ: ابعثي إليَّ بحَديدة أتطهّر بها للقتل، قالت: فأعطيتُ غلامًا من الحيّ المُوسى، فقلت: ادخُل بها على هذا الرجل البيتَ؛ قالت: فوالله ما هو إلاّ أن ولَّى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعتُ! أصاب والله الرجلُ ثأرَه بقتلٍ هذا الغلام، فيكون رجلاً برجل، فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: لعَمْركَ، ما خافت أُمُّك غَذري حين بَعَثْتك بهذه الحديدة إلَيَّ! ثم خلَّى سبيله. قال ابن هشام: ويقال: إن الغلام ابنُها. قال ابن إسحق: قال عاصم: ثم خرجوا بخُبَيب، حتى إذا جاءوا به إلى التَّنْعيم لِيَصْلُبوه، قال لهم: إن رأيْتُم أن تَدَعوني حتى أزْكَعَ ركعتين فافعلوا؛ قالوا: دُونَكَ فازكَغْ. فركع ركعتين أتمهما وأخسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا أن تَظُنُوا أنّي إنما طَوَّلْتُ جَزَعًا من القتل لاستكثرتُ من الصلاة. قال: فكان خُبَيْبُ بنُ عديّ أَوَّل من سَنَّ هاتين الرَّكْعَتَيْن عند القَتْل للمُسلِمِين. قال: ثم رَفعوه على خَشَبَةٍ، فلما أوثقوه، قال: اللهمّ إنَّا قد بَلَّغنا رسالةَ رسولك، فبلِّغْه الغَدَاةَ ما يُصْنَع بنا؛ ثم قال: اللهمّ أخْصِهم عددًا، واقتُلهم بَدَدًا ولا تُغادر منهم أحدًا. ثم قتلوه رحمة الله. فكان معاويةُ بن أبي سفيان يقول: حضرتُه يومئذ فيمن حضَره مع أبي سُفيان، فلقد رأيتُه يُلقيني إلى الأرض فَرقًا من دعوة خُبَيْبٍ، وكانوا يقولون إن الرجل إذا دُعي عليه، فاضطجعَ لچِنْبه زالت عنه. فإني مُلاقيه غدًا على الجادَّة(١)، قالت: فأين عَزَبَ(٢) عنك حِلْمُ أبي سُفْيَانَ؟ فقال: حين غاب عني مثلُك من قومي. (١) يعني يوم القيامة. (٢) عزب: أي غاب. ٣٦٧ قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عُقبة بن الحارث، قال سمعته يقول: ما أنا والله قَتلت خبيبًا، لأني كنت أصغرَ من ذلك، ولكنّ أبا مَيْسرة، أخا بني عبد الدار، أخذ الحربةَ فجَعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة، ثم طَعنه بها حتى قتله. قال ابن إسحاق: وحدّثني بعض أصحابنا، قال: كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه استعمَل سَعيد بن عامر بن حِذْيَم الجمحيّ على بعض الشام، فكانت تُصيبه غَشْيةٌ، وهو بينَ ظَهْرَي القوم، فذكر ذلك لعمر بن الخطّاب، وقيل: إنّ الرجل مُصاب؛ فسأله عمَرَ في قَدْمةٍ قَدِمها عليه، فقال: يا سعيد، ما هذا الذي يُصيبك؟ فقال: والله يا أميرَ المؤمنين ما بي من بَأْس، ولكني كنتُ فيمن حضر خُبيب بن عديّ حين قُتل، وسمعتُ دعوته، فالله ما خطرتْ على قلبي وأنا في مجلس قطُ إلا غُشي عليّ، فزادَتْهُ عند عمر خیرًا . قال ابنُ هشام: أقام خُبيب في أيديهم حتى انقضتْ الأشهر الحرم، ثم قتلوه. لِمَ صارت صلاة خبيبٍ سُنَّة؟ وإنما صار فعلُ خُبَيْب سُنَّةً حَسَنَةً. والسُّنَّةُ إنما هي أقوالٌ من النبيّ - نَّهِــ وأفعالٌ وإقرارٌ، لأنه فعلها في حياته عليه السلام، فاستُحسِن ذلك من فعله، واستحسنه المُعَلِّمُون، مع أن الصلاة خَيرُ ما خُتم به عملُ العبد، وقد صَلَّى هاتين الركعتين أيضًا زيدُ بن حَارِثَة مَولَى النبيِّ - ◌َير - وذلك في حياته عليه السلام، حدّثنا أبو بكر بن طاهر بن طاهر الإشبيلي، قال: أخبرنا أبو علي الغسانِي، قال: أخبرنا أبو عُمَرَ النَّمَريّ، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الوارث بن سُفيان بن جَبْرُون، قال: أخبرنا أبو محمد قاسم بن أَصْبَغَ، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي خَيْئَمَةَ: أخبرنا ابن مَعِين: أخبرنا قال: أخبرنا يحيى بن عبد الله بن بكير المصري، قال: أخبرنا اللَّيْثُ بن سَعْد، قال: بلغني(١) أن زيد بن حارثة اكْتَرَى من رجل بَغْلاً من الطائف اشترط عليه الكَرِيُّ أن يُنْزِله حيث شاء، قال: فمال به إلى خَرِبَةٍ، فقال له: انزل فنزل، فإذا في الخَرِيَةِ قَتْلى كثيرة، قال: فلما أراد أن يقتلَه، قال: دعني أُصَلِّي ركعتين، قال: صَلِّ، فقد صلَّى قبلَك هؤلاء فلم تَنْفَعْهُم صلاتُهم شيئًا، قال: فلما صليتُ أتاني، ليقتلَني، قال: فقلتُ: يا أرْحَمَ الراحمين، قال: فسمع صوتًا: لا تقتُلْه، قال: فهاب ذلك فخرج يطلب أحدًا، فلم ير شيئًا، فرجع إليَّ، فناديتُ: يا أرْحَمَ الراحمين، ففعل ذلك (١) انقطاع. - ٣٦٨ ما نزل في سَرِيّة الرجيع من القرآن قال: قال ابن إسحاق: وكان مما نزل من القرآن في تلك السَّرِيَّة، كما حدّثني مولّى لآل زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس، أو عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس. قال: قال ابن عباس: أما أصيبت السَّرِيَّة التي كان فيها مَرْئَد وعاصم بالرَّجيع، قال رجال من المنافقين: يا ويحَ هؤلاء المَفْتونين الذين هَلَكوا (هكذا)، لا هم قَعدوا في أهليهم، ولا هم أدَّوْا رسالةً صاحبهم! فأنزل الله تعالى في ذلك من قول المُنافقين، وما أصاب أولئك النفر من الخير بالذي أصابهم، فقال سبحانه: ﴿وَمِنَ الناسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾: أي لما يُظهر من الإسلام بلسانه، ﴿ويُشْهِدْ اللَّهَ عَلَى ما فِي قَلْبِهِ﴾، وهو مخالف لما يقول بلسانه، ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ﴾: أي ذو جِدال إذا كلمك وراجعك. ثلاثًا، فإذا أنا بفارس بيده حَرْبَةُ حديد في رأسها شُعْلَةٌ من نارٍ فطعنه بها، فأنفذه من ظَهْره، فوقع ميتًا، ثم قال: لما دعوتَ المرة الأولى يا أرحم الراحمين كنتُ في السماء السابعة، فلما دعوتَ المرة الثانية يا أرحم الراحمين، كنتُ في السماء الدنيا، فلما دعوتَ المرة الثالثة يا أرحم الراحمين أتيتُك. ما أنزل الله من القرآن في حق خبيب وأصحابه فصل: وذكر ابن إسحق ما أنزل الله تعالى في خبر خبَيْبٍ وأصحابه من قول المنافقين فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُك قولُه في الحياةِ لدنيا ويُشْهِدُ اللَّهَ على ما في قلبه﴾ [البقرة: ٢٠٤] الآية، وأكثر أهل التفسير على خلاف قوله: وأنها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بن شَرِيقِ الثَّقَفِي، رواه أبو مالك عن ابن عباس، وقاله مجاهد، وقال ابن الكلبي: كنت بمكّة، فسُئِلْتُ عن هذه الآية فقلت: نزلتْ في الأخنس بن شَرِيق، فسمعني رجلٌ من وَلَدِه، فقال لي: يا هذا إنما أُنْزِلَ القرآنُ على أهلِ مَّة، فلا تُسَمِّ أحدًا ما دمت فيها، وكذلك قالوا في قوله: ﴿وَمِنَ الناس من يَشْرِي نفسَه انْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّه﴾ [البقرة: ٢٠٧] نزلت في صُهَيبٍ بن سِنَان حين هاجر، وتَرَكَ جميع مَالِهِ لقُرَيْشٍ ويدّعونه يهاجر بنفسه إلى الله ورسوله، واستشهد ابن هشام على تفسير الألدٌ بقول مُهَلْهِلْ، قال: واسمه امْرُؤ القيس، ويقال: عَدِيٍّ، وقد صرَّحِ مُهَلْهِلٌ باسم نفسِه في الشعر الذي استشهد به ابن هشام، فقال: صَرَبَتْ صَدْرَها إليَّ وقالت يا عَدِيًّا لقد وَقتك الأوَاقِي الروض الأنف/ ج ٣/ ٢ ٢٤ ٣٦٩ تفسير ابن هشام لبعض الغريب: قال ابن هشام: الألدّ: الذي يَشغب، فتشتدّ خصومته؛ وجمعه: لُدّ. وفي كتاب الله عزّ وجلّ: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. وقال المُهلهل بن ربيعة التَّغلَبيّ، واسمه امرؤ القيس؛ ويقال: عديّ بن ربيعة: إنّ تحتَ الأحجاز حَدًّا ولِينا وخَصِيمًا ألذَّ ذا مِغلاقٍ ويروى ذا مِغلاق، فيما قال ابن هشام: وهذا البيت في قصيدة له، وهو الألَنْدَدُ. قال الطّرمَّاح بن حكيم الطائيّ يَصِف الحزباء: يُوفِي على جِذْم الجذُول كأنه خَصْم أبَرَّ على الخُصُومِ أَلْندَدُ وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾: أي خرج من عندك ﴿سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ أي لا يحبُّ عَمله ولا يرْضاه. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهِ أخَذَتْهُ العزَّةُ بالإِثمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المِهَادُ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ وفيه البيت الذي ذكر ابن هشام: وخَصِيمًا أَلَدَّ ذا مِغْلاَقٍ(١) إن تحت الأحجَارِ حدًّا ولينًا ويُروى: مِغْلاَق بالغين المعجمة، والمِعْلاَقُ: اللسان، وأما المِغْلاَقُ: بالغين مُعْجَمَةً، فالقول الذي يُغْلِقِ فَمَ الخَصْمِ ويُسكته. وبعده: ـفَعُ منها السَّلِيمَ نَفْتُ الرَّاقي حَيَّة في الوِجَارِ أَرْبَدُ لا يَخـ وسمّي مُهَلْهِلاً بقوله: لما تَوَقِّلَ في الكُرَاعِ هَجِيئُهم هَلْهَلْتُ أَثارُ جابرًا أو صِنْبِلاً(٢) هَلْهَلْتُ: أي كِذْت وقَارَبْتُ، وأما الأَلَدُّ، فهُو من اللَّدِيدَيْن، وهما جانبا العنق، فالأَلَّدُّ الذي يريغُ الخجَّةَ من جانب إلى جانب، يقال: تركتَه يَتَلَدَّدُ، وقال الزَّجَّاجُ: الخِصام جَمْع في هذه الآية، ولا يستقيم أن يكون معناه المخاصمة، لأن أفْعَل الذي يراد به التفضيل إنما يكون بعض ما أضيف إليه، تقول: زيد أفصح الناس، ولا تقول: زيد أفصح الكلام. (١) معلاق: أي ذا لسان جدل. (٢) جابر وصنبل: رجلان من تغلب. ٣٧٠ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بالعِبادِ﴾: أي قد شَرَوا أنفسهم من الله بالجهاد في سبيله، والقيام بحقّه، حتى هلكوا على ذلك، يعني تلك السَّرِيَّة. تفسير ابن هشام لبعض الغريب: قال ابن هشام: يَشْرِي نفسه: يبيع نفسه؛ وشَرَوْا: باعوا. قال يزيد بن ربيعة بن مُفرِّغ الحمِيْريّ : من بعد بُزد كنتُ هامَه وشَرَيتُ بُرْدًا لَيْتَني برد: غلام له باعه: وهذا البيت في قصيدة له، وشَرَى أيضًا: اشترى. قال الشاعر: على ابْنَيْك إنْ عَبْدٌ لئيم شَرَاهما فِقُلْتُ لَهَا لا تَجْزَعي أُمَّ مالكٍ شعر خبيب حين أُريد صلبه: قال ابن إسحاق: وكان مما قيل في ذلك من الشعر، قول خُبيب بن عديّ، حين بلغه أن القومَ قد اجتمعوا لصَلْبه. قال ابن هشام: وبعضُ أهل العلم بالشعر يُنكرها له. قبائلَهم واستَجْمَعوا كلَّ مَجْمِع لقَدْ جَمَّع الأحزابُ حَوْلِي وألَّبُوا عَليّ لأني في وثاقٍ بِمَضْبع(١) وكلُّهم مُبْدي العداوة جاهدٌ وقُرّبتُ من جذْعٍ طَوِيل مُمنَّع وقد جَمَّعوا أبناءهم ونساءَهم وما أزصَد الأحزابُ لي عند مَصرعي إلى الله أشْكو غُزْبتي ثم كُزْبتي فقد بَضّعوا الحَمى وقد ياسَ مَطمَعي فذا العَرشِ، صَبّرني علی ما یُرادُ بي يُبارِكْ على أوصال شلو مُمزّع وذلكَ في ذاتِ الإله وإنْ يَشَأ قال الشيخ الحافظ رضي الله عنه: وهذا الذي قاله حَسَنٌ إن كان أَلدُ من هذا الباب الذي مُؤنَّتُه الفُعْلَى، أما إن كان من باب أفعل الذي مُؤنَّثُه فَعْلاَءُ نحو: أخْرَسُ وخَرْساء، فالخصامُ مصدَرُ خاصمته، وهو ظاهر قول المفسرين، فإنهم فسروه بالشديد الخصومة، فالَّدَدُ إذَا من صِفَةِ المُخَاصَمَةِ، وإن وُصِفَ به الرجل مجازًا، ويُقوي هذا قولُه: وخَصِيمًا (١) مضبع: آلة يُشق بها الجلد. ٣٧١ وقد هَملتْ عينايَ من غير مَجزع وقد خَيَّروني الكُفْرَ والموتُ دونه ولكنْ حِذَاري جَحْمٍ(١) نار مُلَفَّع(٢) وما بي حِذَارِ المَوْت، إني لميِّتْ على أيّ جَنْب كان في الله مَصرعي فوالله ما أرجُو إذا مِتْ مُسْلمًا وَلَا جَزعًا إني إلى اللهِ مَرْجِعي فَلَسْتُ بِمُبْدٍ للعَدُوّ تَخَشُّعًا شعر حسّان في بکاء خبيب وقال حسَّان بن ثابت يبكي خُبِيبًا: سخًا على الصَّذر مثل الّلؤلؤ القَلِقِ ما بالُ عَيْنيكِ لا تَرْقا مَدَامِعُها لا فشِلٍ حينَ تَلْقاه وَلا نَزِق على خبيبٍ فَتى الفِتْيان قد عَلِموا وجَنَّةُ الخُلْدِ عِند الحُور في الرُّفُقِ فاذهب خُبَيبُ جَزَاك الله طَيْبة حينَ المَلائكة الأبرار في الأُفق ماذَا تقُولونَ إِنْ قالَ النَّبِيّ لكم طاغٍ قد أوعثَ(٣) في البُلدان والرُّفَق فِيم قَتلتم شَهِيدَ الله في رجلٍ قال ابن هشام: ويروى: ((الطرق)) وتركنا ما بقي منها، لأنه أقذع فيها. قال ابن إسحاق: وقال حسَّان بن ثابت أيضًا يبكي خُبيبًا: وأبكي خُبِيبًا مع الفِتْيان لم يَؤُبِ یا عین جُودي بدَمْعٍ منكِ منسکب سَمْحَ السجيَّةِ مَخْضًا غير مُؤْتَشِب صَقْرًا توسَّط في الأنْصار مَنْصِبُه أَلَدَّ، ولم يُضِفه، ولا قال أَلَدُّ من كذا، فجعله من باب أصَمّ وأَشَمّ ونحوه، ويقويه أيضًا قولهم في الجمع: قوم لُدُّ، روت عائشة عن النبيّ - وَ ◌ّر - أنه قال: ﴿أبغض الخَلْقِ إلى الله الخَصِمِ الأَلَدُ﴾(٤) وقرأ ابن محيصن ﴿وَيَشْهَدُ اللَّهُ على ما في قلبه﴾ بفتح الياء والهاء، ورفع الهاء من اسم الله تعالى، أي: ويعلم الله ما في قلبه. عدس في شعر حسَّان في خبيب وذكر شِعْرَ حَسَّان في قِصَّة خُبَيْبٍ. (١) جحم: نار قوية. (٣) أوعث: تعثر عمله. (٢) ملفع: متوقد. (٤) أخرجه مسلم والبخاري (١٣٨/٧). ٣٧٢ إذا قِيل نُصَّ إلى جِذْعٍ من الخَشب قد هاجَ عَيْنِي على عِلاَتِ عَبْرتها أبلغ لدَيْك وَعيدًا ليس بالكَّذِب يا أيُّها الرَّاكِب الغادِي لِطِيَّتِه مَخْلُوبُهَا الصَّابُ إِذْ تُمْرَى لمُختَلب بني كُهَيْبَةَ أنَّ الحَزْب قد لَقِحَتْ شُهْبُ الأسنَّة في مُعْصَوْصَبٍ لَجِبٍ فيها أُسُودُ بَنِي النَّجَّارِ تَقْدُمُهم قال ابن هشام: وهذه القصيدةُ مثل التي قَبْلها، وبعضُ أهل العلم بالشعر ينكرهما لحسَّان، وقد تركنا أشياءَ قالها حَسَّان في أمر خُبيب لِما ذَكرتُ. قال ابن إسحاق: وقال حسَّان بن ثابت أيضًا: ألْوي من القوم صَفْر خالُه أنَسُ لو كانَ في الدّار قَرم ماجدٌ بَطل ولم يُشَدّ عليك السّجنُ والحَرَس إذن وجدتَ خُبِيبًا مجلِسًا فَسِحًا من القبائل منهم من نَفت عُدُسٍ ولم تَسُقْك إلى الثَّنْعِيمَ زِغْنِفَة وأنت ضَيْم لهَا في الدَّار مُختَبَس دلَّوك غَذْرًا وهم فيها أولُو خُلُفٍ قال ابن هشام: أنَسٌ: الأصمّ السُّلميّ: خال مُطْعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف. وقوله: ((من نفثْ عُدُسٍ)) يعني حُجَيْر بن أبي إهاب، ويقال: الأعشى بن زُرارة بن النّبَّاش الأسديّ، وكان حليفًا لبني نَوْفل بن عبد مناف. وقوله فيه: من القبائِل منهم مَنْ نَفَتْ عُدَسُ قوله: من نَفَتْ عُدَسُ، يعني: حُجَيْرَ بن أبي إهاب بن عُرَيْن، وهو ينتسب إلى بني عُدُسٍ بن زيد بن عبد الله بن دَارِم بن مالك بن حَنْظَلة، ويقال: بل هو من بني رَبِيعَةً بن مالك بن حَنْظَلَة، ومن هاهنا ذكَرَ نَفْيَ بني عُدُسٍ له، من أجْلِ الاختلاف في نسبه. وعُدُسٍ بضم الدال في تميم، وهو هذا، وكل عُدَسٍ في العرب سواه فهو بفتح الدال، وهو من عَدَسَ في الأرض إذا ذَهَب فيها، والله أعلم، فمن المفتوح الدال عُدَسُ بن عُبَيْدٍ في الأنصار، ثم في بني النَّجَّار، وهو جد أبي أمَامَة أسعَد بن زُرَارَة وقد قال بعض النسّابين في عُدُسٍ بن زَيد بن عبد الله بن دَارِمِ الذي تقدم ذكره: عُدَس بفتح الدال، والأوّل أعرفُ وأَشْھَر. ٣٧٣ مَن اجتمعوا لقتل خبيب: قال ابن إسحاق: وكان الذين أجلبوا على خُبيب في قَتْله حين قُتل من قُرَيش: عِكْرمة بن أبي جهل، وسَعيد بن عبد الله بن أبي قَيْس بن عبد وُدّ، والأختَس بن شَرِيقٍ الثَّقفي، حليف بني زُهْرَة، وعُبَيْدة بن حَكيم بن أُميَّة بن حارثة بن الأوْقَص السَّلمِيّ، حليف بني أُميَّة بن عبد شمس، وأُميَّة بن أبي عُتبة، وبنو الحَضْرمي. شعر حسَّان في هجاء هذيل لقتلهم خبيًا: وقال حسَّان أيضًا يهجو هُذَيْلاً فيما صَنَعوا بخُبيب بن عَدِيّ: شَرَاهُ امْرُوْ قد كانَ للغَدْرِ لازِما أَبْلَغْ بني عَمْرِو بِأنّ أخاهُمُ وكانا جَميعًا يَرْكَبانِ المَحارِما شَرَاهُ زُهَير بن الأغَرّ وجامِعِ وكُنْتُمْ بأكْناف الرَّجيع لهَاذِما أجَّرْتُم فلمَّا أن أجَرْتُم غَدَرْتُمُ وليتَ خُبَيْبًا كانَ بِالقَوْمِ عالِما فليت خُبِيبًا لم تَخُنْهُ أمانَةٌ قال ابن هشام: زهير بن الأغرّ وجامع: الهُذَلِيَّان اللذان باعا خُبَيْبًا. قال ابن إسحاق: وقال حسَّان بن ثابت أيضًا: إن سرّكَ الغذرُ صِرْفا لا مِزاجَ له فأتِ الرَّجيعَ فسَلْ عن دارٍ لِخيان دعوة خبيب على قاتليه : وذكر قول خُبَيْب حين رفعوه في الخشبة: اللهم أحْصِهِمْ عَدَدًا، واقْتُلْهُم بَدَدًا، فمن رواه بِددًا بكسر الهاء، فهو مصدر بمعنى التَّبدَّد، أي: ذوي بِدَدٍ. فإن قيل: فهل أجيبت فيهم دعوة خُبْيْبٍ، والدعوة على تلك الحال من مثل ذلك العبد مُسْتَجَابَةٌ(١)؟ قلنا: أصابت منهم مَنْ سبق في علم الله أن يموتَ كافرًا، ومن أسلم منهم فلم يَعْنِه خُبَيْبٌ ولا قصده بدعائه، ومن قُتل منهم كافرًا بعد هذه الدعوة، فإنما قُتِلوا بَددًا غير مُعَسْكِرِين ولا مُخْتمعين كاجتماعهم في أُحُدٍ، وقبل ذلك في بدر، وإن كانت الخَنْدَقُ بعد قِصَّة خُبَيْب فقد قتل منهم آحادٌ فيها مُتَبَدِدُون، ثم لم يكن لهم بعد ذلك جَمْعٌ ولا معسكر غَزْوا فيه، فنفذت الدعوةُ على صُورتهَا وفيمن أراد خُبَيْبٌ - رحمه الله - وحاشا له أن يكره إيمانَهم وإسلامَهُم. (١) قال تعالى: ﴿أَمَن يجيب المضطر إذا دعاه﴾. ٣٧٤ فالكَلْب والقِرْد الإنسان مِثْلان قومٌ تواصَوْا بأكُلِ الجارِ بَيْنَهُمْ وكان ذا شَرَف فيهِم وذا شأن لو يَنْطِقُ النَّيسُ يومًا قام يَخْطُبهم قال ابن هشام: وأنشدني أبو زيد الأنصاريّ قوله: وكان ذا شَرَفٍ فيهم وذا شان لو ينطق التّيس يومًا قام يخطبهم قال ابن إسحاق: وقال حسَّان بن ثابت أيضًا يهجو هُذيلاً: ضلَّت هُذيل بما سالت ولم تُصِبِ سالتْ هُذَيْلٌ رسولَ الله فاحشةً حتى المَمات، وكانوا سُبَّة العَرب سالوا رسولَهُمْ ما ليس مُعْطِیھمْ يَذْعو لمَكْرُمة عن منزل الحَرب وأن يُحِلُوا حرامًا كان في الكُتب ولَن تَرَى لَهُذَيْلِ دَاعِيًا أَبَدًا لقد أرَادوا خِلال الفُحْشِ وَيُحَهُمُ وقال حسَّان بن ثابت أيضًا يهجو هُذَيلاً: لعمْرِي لقد شانت(١) هُذيل بنَ مُذرك أحادِيثُ لِخيانٍ صَلَوْا بِقَبِيحها أناسٌ هُم من قوْمِهم في صَميمِهم هُم غَدرُوا يومِ الرَّجِيع وأسْلَمت رسولَ رسولِ الله غدرًا ولم تكُن فسوف يَرَوْن النَّصرَ يومًا عليهِمُ أبابيلُ دَبْرٍ شُمَّسٍ دون لَخمه لَعَلَّ هُذَيْلاً أنْ يَرَوْا بِمَصَابه ونُوقِعَ فيهم وقعة ذات صَوْلةٍ بأمْرِ رسولِ الله إنَّ رَسولَه قُبَيِّلةٌ لَيْسَ الوَفاءُ يُهِمُهم إذا النَّاسُ حلُّوا بالفَضاء رأيتهم مَحَلُهم دارُ البَوَار ورأيُهم أحاديثُ كانت في خُبَيبٍ وعاصم ولِخيانُ جَرّامون شرَّ الجرائم بمَنْزِلة الزّمْعان(٢) دُبْرَ القَوادِم أمانتُهم ذا عِفَّة ومَكارم هُذَيلٌ تَوَقَّى مُنكراتِ المَحارم بقَتْل الذي تَخْميه دون الحَرائم، حَمَتِ لَحْم شَهَادٍ عظامَ المَلَاحِم مَصَارِعَ قَتْلى أو مَقَامًا لِمَاتم يُوافِي بها الرُّكُبانُ أهلَ المَواسم رأى رأي ذي حَزْم بلَخيانَ عالم وإنْ ظُلِموا لم يَذْفَعوا كَفَّ ظالم بِمَجْرى مَسِيل الماء بين المخارم إذا نابَهُم أمْرٌ كرأي البهائم (١) شانت: عابت. (٢) الزمعان: سفلة القوم. ٣٧٥ وقال حسَّان بن ثابت يهجو هُذَيلاً: لحَى الله لِحيانًا فَلَيْسَتْ دِماؤهم همو قتلوا يوم الرَّجيع ابنَ حُرّةٍ فلو قُتِلوا يوم الرَّجِيع بأسرهم قَتيلٌ حَمَتْهُ الدَّبرُ بين بيوتهم فقد قتلتْ لِخيان أكرَم مِنهُمُ فأُفّ لِلخيانٍ على كلّ حالةٍ قُبَيِّلةٌ بِالْلؤْمِ والغَذْر تَغْتري فلو قُتلوا لم تُوفِ منه دماؤهم فالاَّ أمُت أذْعَر هُذَيلاً بغارَةٍ بأمر رسُول الله والأمْرُ أمْره يُصبِحِ قَوْمًا بالرَّجيع كأنهُم وقال حسَّان بن ثابت أيضًا يهجُو هُذَيلاً: فَلا والله، ما تَدرِي هُذَيْلٌ وَلَا لَهُمُ إذا اعْتَمَرُوا وَحَجُّوا ولكِنَّ الرَّجِيعِ لهُمْ مَحَلّ كأنهُم لَدَى الكَنَّاتِ أُضْلاً هُم غَرُّوا بِذمَّتِهم خُبَيْبًا قال ابن هشام: آخرها بيتًا عن أبي زيد الأنصاري. لَنا مِن قَتِيلَيْ غَدْرَةٍ بِوَفَاءِ أخا ثِقَةٍ في وُدّه وصَفاء بذِي الدَّبْر ما كانوا له بكِفاء لدَى أهلٍ كُفْرٍ ظاهر وجَفاء وباعُوا خُبَيْبًا وَيْلَهم بلِفاء على ذِكْرهم في الذّكْر كلّ عفاء فلم تُمْس يَخْفي لؤمها بخَفاء بَلى إنّ قَتْل القاتِليه شِفائي كغادِي الجَهامِ المُغْتَدِي بإفاء يَبِيتُ لِلخيانَ الخَنا بِفَناءُ جِدَاء شِتاء بِتْنَ غيرَ دِفاء أصافٍ ماءُ زَمزم أم مَشُوبُ منَ الحِجْرِين والمَسْعَى نَصيب به الُّلؤُمُ المُبِيَّن والعُيوب تُيُوس بالحِجَاز لها نَبِيبُ فبئسَ العَهْدُ عهدُهم الكذوب شعر حسَّان في بكاء خبيب وأصحابه قال ابن إسحاق: وقال حسَّان بن ثابت يبكي خُبيبًا وأصحابه: ابن كهيبة في شعر حسَّان فصل: وذكر أشعارَ حَسَّانٍ في خُبَيْبٍ وأصحابه، وليس فيهم معنى خفي، ولا لفظ غريب وَخشيٍّ، فيحتاج إلى تفسيره، ولكن في بعضها: بني كُهَيْبَة أن الحربَ قَدْ لَقِحَتْ ٣٧٦ يَوْمَ الرَّجيع فأُكْرِموا وأُثِيبُوا. صلّى الإلهُ على الَّذين تَتابَعُوا وابن البُكَّير إمامهم وخُبَيب رأس السَّريَّة مَزْئَد وأميرهم وافاه ثَمّ حِمامُه المكتوب وابنٌ لطارقٍ وابن دَثْنَةَ منهمُ جعل كُهَيْبَة كأنه اسمْ عَلَمْ لأُمْهِم، وهذا كما يقال: بَنِي ضَوْطَرَى وبني الغَبْراء وبني دَرْزَةً قال الشاعر: أولادُ دَرْزَة أَسْلَمُوكَ وَطاروا وهذا كله اسمٌ لمن يُسَبُّ، وعِبارَةٌ عن السِّفْلَة من الناس، وكُهَيْبَةُ من الكُهْبَةِ، وهي الغُبْرة، وهذا كما قالوا: بني الغَبْراءِ، وأكثر أشعار حَسَّانَ في هذه القصة، قال فيها من هُذَيْلٍ، لأنّهم إخْوَةُ القَارَةِ، والمشاركون لهم في الغَدْر بخُبَيْبٍ وأصحابه، وهُذَيْلٌ وخُزَيْمَة أبناء مُدْرِكَةَ بن إليَاس وعَضَلُ والقَارِةُ من بني خُزَيْمَةَ . حول العلم وضعه من التنوين مع الخفض: وقوله: وابنْ لطَارِقٍ، وابن دَثْنَةً منهم، حذف التنوين كما تقدّم في قوله: شُلّتَ يَدا وَخْشِيّ مِنْ قَاتِل، ولو أنه حين حذف التنوين نَصَبَ، وجعله كالاسم الذي لا ينصرف، وهو في موضع الخفض مفتوحٌ، لكان وَجْهَا وقياسًا صحيحًا، لأن الخفْضَ تابعُ التنوين، فإذا زال التنوينُ زال الخفض، لئلا يلتبس بالمضاف إلى ضمير المتكلّم، لأن ضمير المتكلم، وإن كان ياءً فقد يحذف، ويكتفي بالكسرة منه، وزوال التنوين في أكثر ما لا ينصرف إنما هو الاستغناءِ الاسم عنه، إذ هو علامَةُ الانفصالِ عن الإضافة، فكل اسْم لا يُتَوَهَّم فيه الإضافةُ لا يحتاج إلى التنوين، لكنه إذا لم يُنَوَّن لم يُخْفَض، لما ذكرناه من التباسِه بالمضاف إلى المتكلم، وقد تقدّم في أشعار أُحُد: كَنَار أبي حُبَاحِبَ والُبينا بفتح الباء من حُبَاحِبَ في موضِع الخَفْضِ، وكان حَقُّ كلٌّ عَلَم ألاَّ يُنَوَّنَ؛ لأنه مُسْتَغْنٍ عن الإضافة كما لم يُنَوَّن جميعُ أنواع المعارف، ولكنهُ نَوْنَ ما نُوَّن منه للسِّرِّ الذي بيناه في أسرارِ ما لا يَنْصَرف من الأسماء، وقدَ أملينا في ذلك جُزْءًا، ولكن الخَفْضَ في طارقٍ وَوَخْشِيٍّ مَرْوِيٍّ، ووجهه أنه لما كان ضَرُورَةً شِعْرٍ، ولم يكثر في كلامهم لم يُتْبِعوا الخفضَ فيه التنوين إذ لا يَتَوَهَّمُ إضافته إلى المتكلم، إذ لا يقع إلا نادرًا في شغر، فاللَّبْس فيه بعيد. اشتقاق اسم خبيب وهذيل: وقوله: وابن البُكَيْر إمامُهم وخُبَيْبُ ٣٧٧ كَسَب المَعالي إنّه لَكَسُوب والعاصم المَقْتول عند رَجِیعھم حتى يُجالد إنَّه لنَجِيب مَنَعَ المُقَادَةَ أن يَنَالُوا ظَهْرَه قال ابن هشام: ويروى: حتى يجدّل إنه لنجيب. قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يُنكر لحسَّان. قال ابن إسحاق: فأقام رسولُ اللهُ وَّر بقيَّةَ شوّال وذا القَعدة وذا الحِجّة - ووَلى تلك الحِجَّة المشركون - والمحرم، ثم بعث رسولُ اللهِ وَلِّ أصحابَ بئر معونة في صفر، على رأس أربعة أشهر من أُحُد. أردف حَرْف الرَّوِيِّ بياءٍ مَفْتُوح ما قبلها، وقد تقدم القولُ فيه مَرَّتين. وخبيب في اللغة تصغير خِبٍّ، وهو الماكر من الرجال الخداع، ويجوز أن يكون تصغير خاب من الخَبيب، فيكون من باب تصغير التَّرْخيم، وهو الذي ينبني على حذف الزَّوائِد، وأما هُذيْلٌ فقالوا فيه: إنه مُصغّر تَصْغير التَّرْخيم، لأنه من هَوْذَلَ الرَّجُلُ بِبَوْلِه إذا باعد به، فكأنه تصغيرُ مُهَوذِلٍ على حذف الزوائد، ويجوز أن يكون تصغير هُذْلُولٍ، وهو الثَّل الصَّغِير من الرَّمْلِ على تَصْغير الترخيم أيضًا. سالت بدون همزة: وقوله : سالت هُذَيلٌ رسولَ الله فاحِشَة ليس على تسهيل الهمزة في سالت، ولكنها لغةٌ بدليل قولهم: تَسَايَل القومُ، ولو كان تَسْهِيلاً، لكانت الهمزةُ بَيْنِ بَيْن، ولم يستقم وَزْنُ الشعر بها، لأنها كالمُتَحَرِّكةِ، وقد تقْلَبُ أَلِفًا ساكِنَة كما قالوا: المِنْسَاةَ(١)، ولكنه شيء لا يُقَاس عليه، وإذا كانت سَالَ لغةً في سأل فيلزم أن يكون المضارعُ يَسِيلُ، ولكن قد حكى يونس: سِلْتَ تَسالُ مثل خِفْتَ تَخافُ، هو عنده من ذَوَاتِ الواو، وقال الزجاج: الرجلان يَتَسَايَلاَنِ، وقال النَّحَّاس والمُبْردُ: يتساولان، وهو مثل ما حكى يونس. (١) المنساة: أي العصا. ٣٧٨ حديث بئر معونة سبب إرسال بعث بئر معونة : وكان من حديثهم، كما حدّثني أبي إسحقُ بن يسار عن المُغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبدُ الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، وغيرُه من أهل العلم، قالوا: قدم أبو بَراء عامر بن مالك بن جعفر مُلاعبُ الأسِنَّةَ على رسول الله وَلجر المدينةَ، فعرض عليه رسولُ الله ◌ِ لّر الإسلام، ودعاه إليه، فلم يُسلم ولم يَبْعُد من الإسلام، وقال: يا محمد لو بعثتَ رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد، فَدَعَوْهم إلى أمرك، رجوتُ أن يَسْتجيبوا لك؛ فقال رسولُ اللهِ وَّر: إني أخشَى عليهم أهل نجد؛ قال أبو بَراء: أنا لهم جار، فانْعَثْهم فليدْعُوا الناس إلى أمرك. خبر بئر معونة(١) قال ابن إسحاق: وكانوا أربعين رجلاً، والصحيح أنهم كانوا سَبْعِين، كذا وقع في صحيح البخاري ومسلم(٢). ملاعب الأسنة وإخوته ومعوذ الحكماء: وذكر أبا بَرَاءٍ مُلاَعِبَ الأَسِنَّة، وأنه أجار أصحابَ بثْر مَعُونَةً من أهل نَجْدٍ، وهو عامر بن مالك بن جَعْفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعَةً، سُمِّي مُلاعبَ الأَسِنَّةِ في يوم سُوبانَ، وهو يوم كانت فيه وَقيعةٌ في أيامٍ جَبَلَةَ، وهي أيامُ حَرْبٍ كانت بين قَيْسٍ وتميم، وَجَبَلَةُ اسم لهَضَبَةٍ عالية، وقد تقدمَ طَرَفٌ من هذا الحديث في أوّل الكتاب، وكان سببُ تَسْمِيَتِهِ في يوم سُوبَانَ مُلاعِبَ الأسِنَّةِ أن أخاه الذي يقال له فارِسُ قُرْزُلٍ، وهو طُفَيْلُ بن مالِكِ، وقد ذكرنا في أوّل الكتاب معنى قُرْزُل، كان أَسْلَمَه في ذلك اليوم، وَفِّر فقال شاعر: فَرَرْتَ وأَسْلَمْتَ ابنَ أُمْك عَامِرًا يُلاعِبُ أطرافَ الوَشِيجِ المُزَغْزِعِ فسُمِّي مُلاعبَ الأسِنَّة، ومُلاعِب الرِّماح. قال لبيد: وإنني مُلاَعِبُ الرُّمَاح ومِذْرَهُ الكَتِيبَةِ الرَّدَاحِ (١) انظر البداية (٧١/٤) تاريخ الطبري (٥٤٥/٢) الواقدي (٣٤٦/١) الكامل (٦٣/٢) النويري (١٣٠/١٧) عيون الأثر (٦١/٢) الطبقات (٣٩/١/٢) الدلائل (٢٣٨/٣) ابن حزم (٢١٧) الاكتفاء (١٤٢/٢) المنتظم (١٩٨/٣) المواهب (١٣٣/١) الزاد (٢٤٦/٣). (٢) انظر البخاري (٢٩٧/٧ /٢٩٩) ومسلم في الإمارة (٣١) وأحمد (١٣٧/٣ /٢١٠ /٢٧٠ /٢٨٩). ٣٧٩ رجال البعث: فبعث رسولُ اللهِ وَِّ المُنذر بن عَمرو، أخا بني ساعدة، المُعْنِقِ لِيَمُوت في أربعين رجلاً من أصحابه، من خيار المسلمين: منهم: الحارثُ بن الصِّمَّة، وحَرام بن مَلْحَان أخو بني عَدِيّ بن النَّجَار، وعُزْوةُ بن أسماء بن الصَّلْتِ السُّلَمي، ونافع بن بُدَيل بن وَرْقَاءَ الخُزاعيّ، وعامر بن فهيرة، مولى أبي بكر الصدّيق، في رجال مُسمَّين من خيار المسلمين. فساروا حتى نزلوا ببئر مَعُونة، وهي بين أرض بني عامر وحَرَّة بني سُلَّيْمٍ، كلا البلدين منها قريب، وهي إلى حَرَّةِ بني سُلَيْم أقرب. عامر يقتل صحابيًّا : فلما نزلُوها بعثوا حَرام بن مَلْحان بكتابٍ رسولِ الله وَلَ - إلى عَدُوِّ الله عامرٍ بن الطُفَيْل؛ فلما أتاه لم ينظُر في كتابه حتى عدا على الرجل فقَتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر، فأبوا أن يُجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن نُخْفِر أبا براء، وقد عقد لهم عقدًا وجِوارًا؛ فاستصرخ عليهم قبائلَ من بني سُلَيم من عُصَيَّة ورِغْلٍ وذَكْوان، فأجابوه إلى ذلك، فخَرجوا حتى غَشُوا القَوْمَ، فأحاطوا بهم في رِحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، وهو عَمُّ لَبيد بن ربيعة، وكانوا إخْوَةً خَمْسَةً: طُفَيْلٌ فارسُ قُرْزُلٍ، وعامِرٌ مُلاَعِبُ الأَسِنَّةِ، ورَبِيعَة المُفْتِرِينَ وهو والد لبيدَ، وعُبَيْدَةُ الوَضَّاح، ومعاويةُ مُعَوِّذُ الحُكَماء وهو الذي يقول : رَعَيْناهُ وإن كانوا غِضَابَا إذا سَقَط السَّمَاءُ بأرضٍ قَوْمٍ وفي هذا الشعر يقول: إذا ما الأمْرُ في الحَدَثَانِ نَابًا يعوَّذ مثلَها الحُكَماء بعدي وبهذا البيت سُمِّي مُعَوِّذ الحكماء. شعر لبيد عن ملاعب وإخوته أمام النعمان: وإياهم عَنَى لَبِيدُ حين قال بين يدي النُّعْمَان بن المُنْذِرِ: المُطْمِعُونِ الجَفْئَةَ المُدَعْدَعَهْ نَحْنُ بِنِي أُمّ البَنِينَ الأزْبَعَهْ يا رُبَّ هيْجَا هِيَ خَيْرٌ مِنْ دَعَهْ والضَّارِبُون الهامَ تحت الخَيْضَعَه ثم ذكر الرَّبيعَ بن زِیَادٍ [العَبْسِي] فقال: مَهْلاً أَبَيْتَ اللَّغْنَ لاَ تأْكُلْ مَعَه ٣٨٠