النص المفهرس

صفحات 201-220

شعر طالب في مدح الرسول وبكاء أصحاب القليب:
وقال طالبُ بن أبي طالب، يمدح رسول الله وَّل، ويبكى أصحاب القَليب من
قُریش یوم بدر:
تبكي علی کعب وما إن تری کعبا
ألا إنّ عَيْنِي أنفدَتْ دمْعها سَكْبًا
وأرداهُم ذا الذَّهرُ واجْتَرحوا ذَنبا
ألا إنْ كَغْبًا في الحروب تَخاذَلوا
فياليت شِغري هل أرى لهُما قُزبا
تُعَدُّ ولن يُسْتام جارُهما غَضْبا
فِدًا لكما لا تَبْعثوا بَيْنَنا حربا
أحاديثَ فيها كلُكم يَشْتكي النَّكْبا
وجيش أبي يَكْسومَلؤوا ◌َنْوَلِ الشّعبا
لأصبحتُم لا تَمْنعون لکم سِزبا
سِوَى أن حَمَيْنا خيرَ مَنْ وطىء التُّزبا
كريمًا نثاه لا بخيلاً ولا ذَرْبا(٢)
يَؤُمُّون بحرًا لا نَزُورًا ولا صَزْبا
تَمَلْمِل حتى تَصْدُقوا الخَزْرَجَ الضَّرْبا
وعامر تَبْكي للمُلمَّاتِ غُذْوَةً
هما أخَوايَ لن يُعَدَّا لِغَيَّةٍ
فيا أَخَوَيْنا عَبْدَ شمْسٍ ونَوْفَلا
ولا تُصْبِحُوا من بعد وُدّ وأُلْفةٍ
ألم تعلموا ما كان في حزب داحسٍ
فلَوْلا دِفاعُ اللهِ لا شَيْءٍ غيرُه
فمّا إنْ جَنينا في أُقريش عظيمةً
أخا ثِقَةٍ في النَّائبات مُرَزَّاً(١)
يُطِيف به العاقُون يَغْشَوْن بابَه
فوالله لا تنفَكّ نَفْسي حزينةً
شعر ضرّار في رثاء أبي جهل :
وقال ضرّار بن الخطّاب الفهري، يرثي أبا جَهْل :
تُراقبُ نَجْمان في سوادٍ من الظُلَمْ
ألا مَنْ لعينٍ باتَت اللِّيلَ لم تَنمْ
سوى عَبْرة من جائل الدمع تَنسَجم
كأنْ قذّى فيها وليس بها قذّی
وأكرمَ مَن يمشي بساقٍ على قَدَم
فَبَلْغْ قُرَيْشًا أنّ خَيْرِ نَدِبُّها
الألف تغييرٌ واحد، ومَذَّ المقْصُور تغييران، زيادةُ ألف وهَمْز ما ليس بمهموز، غير أنه قد
جاء في شعر طَرَفَةَ:
وكَشْحَان لم ينقص طَوَاءَهُما الحَبَلْ
(١) مرزأ: مصابًا.
(٢) ذربًا: الذرب: سلاطة اللسان.
٢٠١

توَى يوم بدر رَهْنِ خوْصاءَ رَهنُها
فآليتُ لا تَتْفكّ عَيْنِي بِعَبْرة
على هالكِ أشْجَى لُؤَيَّ بن غالب
تَرى كِسَر الخَطَّ في نَخر مُهْرِه
وما كان ليثْ ساكنٌ بَطْن بِيشَةٍ
بأخر أمنهُ حين تخْتَلف القَنا
فلا تَجْزعوا آلَ المُغيرَة واصْبِروا
وجِدُّوا فإنَّ الموتَ مَكْرُمةٌ لكم
وقد قُلتُ إنّ الريح طيِّبَةٌ لكم
كريمُ المساعي غيرُ وَغْدٍ ولا برم
على هالكِ بعد الرَّئيس أبي الحَكَم
أَتَتْه المَنايا يوم بَذْر فلم يَرِم
لَدَى بائنٍ من لحمه بينها خِذَم
لدى غَلَل يَجْرِي ببَطْحاء في أُجَم
وتُذْعَى نَزَالٍ في القَماقمة البُهَم
عليه ومَنْ يَجْزع عليه فلم يُلم
وما بعده في آخِرِ العَيْش مِنْ نَدَم
وِزَّ المقام غير شكّ لذي فَهَم
قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر يُنكرها لِضرار.
شعر الحارث بن هشام في رثاء أبي جهل:
قال ابن إسحاق: وقال الحارث بن هشام، يبكي أخاه أبا جَهل :
وهل يُغْنِي الثَّلهُفُ مِن قَتِيلٍ
ألا يا لَهْفِ نَفْسي بعد عَمْرو
أمام القَوْم في جَفْرٍ مُحيل
يُخبّرني المُخبِّر أنّ عَمْرًا
وأنْتَ لِمَا تَقدَّم غيرُ فِيل
فقِدْما كنتُ أحسب ذاك حقًّا
فقد خُلُفْتُ في دَرج المسيل
وكنتُ بِنِعْمَة ما دُمْتَ حَيًّا
ضعيفُ العَقْد ذو هَمّ طويل
كأني حِين أُمْسِي لا أراه
وطَرْف من تَذكُّرِه كَلِيلٍ
على عَمْرو إذا أمْسَيْتُ يومًا
قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها للحارث بن هشام؛ وقوله: ((في
جفر)) عن غير ابن إسحق.
لكنه حَسَّنه قليلاً في بيت طَرَفَه في أنه لم يُردِ الطّوَى الذي هو مصدر، طَوِي يَطْوِي:
إذا جاع، وخَوِيَ بطنُه، وإنما أراد: رِقَّة الخَصْرِ، وذلك جمالٌ في المرأة، وكمال في
الخِلْقَة، فجاء باللفظ على وزن جَمَال وكَمَال، وظهر في لفظه، كان في نفسِه، والعربُ تنحو
بالكلمة إلى وزن مَا هُو في معناها، وقد مضى منه كثيرٌ وسَيَرِد عليك ما هو أكثر.
٢٠٢

شعر ابن الأسود في بكاء قتلى بدر:
قال ابن إسحاق: وقال أبو بكر بن الأسود بن شُعوب اللّيثي، وهو شَدّاد بن
الأسود :
وهل لي بعد قومي مِنْ سلامٍ
تُحيّي بالسَّلامة أُمُّ بَكْر
من القَينات والشّرْب الكِرَام
فمَاذا بالقَليب قَلِيبٍ بَذْر
من الشّيزَى(١) تُكَلَّل بالسَّنام
مِن الحَوْمات(٢) والنَّعم المُسام
من الغايات والدُسُع(٣) العَظام
أخي الكاس الكريمة والنِّدَام
وأصحابَ الثَّنيَّة مِن نَعام
كأُمّ السَّقْب(٤) جائلةِ المَرَامِ
وكيف لقاءُ أصداءِ وَهام؟
وكَيْف حَياةُ أصداءٍ وهامِ
يُخبّرُنا الرَّسُول بأنْ سَنَخْيا
قال: وكان قد أسلم ثم ارتدّ.
شعر أمية بن أبي الصلت في رثاء قتلى بدر:
وقال ابن إسحاق: وقال أُميَّةُ بن أبي الصَّلت، يرثي من أُصيب من قُرَيش يوم بدر:
مِ بَني الكِرام أُولِي المَمادخ
ألاَّ بَكيتِ على الكِرَا
عَ الأَيْك في الغُصُن الجَوانح
كبُكا الحَمام على فُرو
وأما المَلَأُ والخَطأُ والرَّشُ(٥) والفَرُ (٦) وما كان من هذا الباب، فإن همزته تُقلب ألفًا في
الوقف بإجماعِ نعم، وفي الوَصْلِ في بعض اللُّغَات، فيكون الألِفُ عوضًا مِنَ الهَمزَةِ، وقد
(١) الشيزى: القطاع المملوءة بالطعام.
(٣) الدسع: العطاء الجزيل.
(٥) الرشا: الظبي إذا قوي واشتدّ.
(٢) الحومات: أشد أماكن القتل.
(٤) السقب: ولد الناقة عند ولادته.
(٦) الفرأ: حمار الوحش:
٢٠٣
وماذا بالقَلِيب قَلِيبِ بَذْر
وكم لكِ بالطّوِيّ طَوي بَذْر
وكم لكِ بالطّوي طويّ بَذْر
وأصحابِ الكَريم أبي عليّ
وإِنَّك لو رأيت أبا عَقيل
إذن لَظَلِلْتِ مِن وَجْدٍ عليهم
يُخَبّرُنا الرَّسُولُ لسَوْف نَخيا
قال ابن هشام: أنشدني أبو عبيدة النحويّ:

يَبْكين حَرّى مُسْتَكيـ
أمثالهنّ الباكِيا
مَنْ يَبْكِهِم يَبْكِ على
ماذا ببَدْر فالعَقَتْ
فمَدافع البَرَقَّيْن فالْحَـ
شُمْطِ(٥) وشُبَّان بِهَا
ألا تَرَوْنَ لِمَا أَرَى
أن قد تَغَيَّر بَطنُ هـ
من كُلّ بِطْرِيقٍ لِـطـ
دُغْمُوص(٨) أبواب المُلو
مِنَ السَراطمة(٩) الخَلا
القائلين الفاعـلــ
المُطْعمِينِ الشّخم فَوْ
نُقُل الجِفان مع الجِفا
لَيْسَت بأضفار لِمَن
للضَّيْف ثم الضيف بعد
ـناتٍ يرُخْنَ مع الرَّوائح
ت المُعولاتٍ من النَّوائح
حُزْن ويَصدُق كلَّ مادح
قَل(١) من مَرازيةٍ(٢) جَحاجح(٣)
ـنَّان من طَرَف الأواشِحَ(٤
لَيْلٍ مَغاويرٍ وَحاوِح(٦)
ولقد أبانَ لكُلّ لامح
كّة فَهْي مُوحشًا الأباطح(٧)
ـريق نّقيّ القَون واضِحْ
ك وجائب للخزق فاتح
جِمة (١٠) المَلاوثة (١١) المَناجِح (١٢)
ـين الآمرين بكُلّ صالح
ق الخُبْزِ شَخْمًا كالأنافح (١٣)
ن إلى جِفانٍ كالمناضِح
يَغْفو ولا رَحَ(١٤) رحاح
[الضيف] والبُسط السَّلاطح(١٥)
يَجْمعون بين العِوَضِ والمُعَوَّضِ مِنْه، كما قالوا: هرَاقَ الماءَ، وإنما كانت الهاءُ بدلاً من
الهمزة، فجمعوا بينهما، وقالوا في النسب إلى فَم: فمَوِيّ، وقالوا: في النسب إلى اليمن:
(١) العقنقل: الوادِ السحيق.
(٣) جحاجح: مسارعين إلى المكارم.
(٥) شمط: شيوخ.
(٧) أباطح: جمع أبطح. وهو میل فيه رمل وحصى.
(٨) دعموص: بلغط.
(١٠) الخلاجمة: جمع خلجم. وهو صاحب الجسم الطويل الممشوق.
(١١) الملاوثة: الأقوياء.
(١٣) الأنافح: اللبن الصافي.
(١٥) السلاطح: العريضة.
(٢) مرازية: رؤساء.
(٤) أوشاح: سيوف.
(٦) وحاوح: أقوياء.
(٩) السراطمة: جمع سرطم وهو الأكول.
(١٢) المناجح: القاضون حاجتهم.
(١٤) الرحّ: الجفان الواسعة.
٢٠٤

وُهُبِ المِئِينَ(١) مِن المِثبـ
سَوْق المُؤَبَّل(٢) للمُؤَبَّـ
لكِرَامِهِم فَوْقَ الكِرَا
كتثاقل الأزطال بالقِـ
خَذَلَتْهُمْ فِئَةٌ وهم
الضَّارِبين التَّقُدُمِيَّـ
وَلَقَدْ عَناني صَوْتِهُم
لله دَرُّ بَنِي عَـ
إن لم يُغيروا غارةً
بالمُقْرَبات، المُبْعدا
مُزْدًا على جُزْدٍ إلى
ويُلاقٍ قِزْنُ قِزْنَهُ
بزُهاءِ ألْفٍ ثُمَّ أْـ
ـنَ إلى المِئينَ من اللَّواقح
(٣)
ـل صادراتٍ عن بلادِح
م مزيَّةٌ وَزْنَ الرَّواجح(٤)
-سطاس في الأيدي المَوائح(6)
يَحمُون عَوْرات الفَضَائحِ
ـةً بالمُهَنَّدة الصَّفائح
مِن بين مُسْتَسْقٍ وصائح
ـيِّ أَيِّم منهُم وناكِح
شَغْوَاءَ تْجْجِر كُلَّ نابح
ت، الطّامحات مع الطّوامح
أُسْدٍ مُكالبة كوالح(٦
مَشْيَ المُصافِح للمُصافِحِ
ـفٍ بين ذي بَدَن ورامِح
قال ابن هشام: تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله صله. وأنشدني
غيرُ واحد من أهل العلم بالشعر بيته:
مَشْيَ المُصافح للمُصافح
ويُلاق قِرنْ قِزْنه
وأنشدني أيضًا:
ـينَ إلى المئين مِنَ اللَّواقخ
وُهُبُ المِئينَ منَ المثبـ
ـل صادرات عن بلادح
سَوق المُؤَبَّلِ للْمُؤَبَّـ
يَمَنِيّ، ثم قالوا: يمَانٍ، فَعوَّضوا الألفَ من إحدى الياءين، ثم قالوا: يَمَانيَّ بالتشديد فجمعوا
بين العوض والمُعَوَّض منه، فيا طيب المَلَاءِ من هذا الباب، وكذلك قولهم: الخَطَّاء في
الخطأ. قال الشاعر:
فَكُلُّهُمْ مِسْتَقْبِحْ لَصَوابٍ مَنْ
(١) المئين: المأتين.
(٣) بلادح: وادٍ قبل مكّة.
(٥) الموائح: التي تغترف الماء غرفًا.
يُخالِفُهُ مُسْتَحْسِنْ لخَطَائِه
(٢) المؤبل: المكان الكثير الإبل.
(٤) الرواجح: الأشياء الثقيلة.
(٦) كوالح: الذين انكشف شفاههم عن أسنانهم.
٢٠٥

قال ابن إسحق: وقال أُميَّة بن أبي الصَّلت، يبكي زَمَعة بن الأسود، وقتْلَى بني
أسد :
ـرث لا تَذْخَرِي على زَمَعة
عَيْنُ بَكِّي بالمُسْبِلات أبا الْحـ
وابكي عقيلَ بن أسودٍ أسَد البـ
تلك بنُو أسَد إخْوَة الجَوْ
هُمُ الأُسرَة الوسيطة من كّغْـ
أُس ليَوْم الهِياج والدَّفَعَة
زاءٍ لا خـانَةٌ ولا خَدَعَة
ـبٍ وهُم ذِرْوة السَّنام والقَمعة
رأسٍ وهُم ألحقوهُم المَنَعَة
أنْبتوا مِن معاشرٍ شَعَر الـ
ـأْسُ أكْبادُهم عليهمُ وَجعة
أمْسَى بنو عمهم إذا حَضَر البـ
وهُم المُطْعمون إذْ قَحط القَطْ
لر وحالَتْ فلا ترى قَزَعة
قال ابن هشام: هذه الرواية لهذه الشعر مُخْتلطة، ليست بصَحيحة البناء، لكن
أنشدني أبو مُخرز خلف الأحمر وغيره، روى بعضٌ ما لم يَزْوِ بعض:
رث لا تَذْخَرِي على زَمَعة
عَيْنُ بَكِّي بالمُسْبَلات أبا الحا
س ليَوم الهِياج والدَّفَعَة
وعَقِيلَ بن أسْوَدٍ أسدَ البأ
زاء، لا خانةٌ ولا خَدَعة
فعَلى مثلٍ هُلْكهم خَوَتِ الجَوْ
ـب، وفيهم كذِروة القَمَعة
وهُمُ الأسرَةُ الوَسيطَة مِن كَعْـ
سٍ، وهم ألْحقوهم المَنَعة
أنْبَتُوا مِنْ مَعاشِرٍ شَعَر الرأ
س عليهم أكبادُهم وجِعَة
فبنو عمّهم إذا حَضَر البأ
وهُمُ المُطْعمون إذْ قَحط القَطْ
ـر وحالَت فلا ترى قَزَعة
وقد قال وَرَقةٌ(١):
إلاّ ما غَفَزْتَ خَطّائيا
(فإن قيل): فقد أنشد أبو عليّ في مدّ المقصور:
يَنْشَبُ فى المَسْعَلِ واللّهَاءِ
يا لَكَ من تَمْرٍ ومن شِيشَاءِ
(١) الصواب زيد بن عمرو بن نفيل. وهو سهو من السهيلي رحمه الله تعالى.
٢٠٦

شعر أبي أسامة
قال ابن إسحاق: وقال أبو أسامة، معاويةُ بن زُهير بن قَيْس بن الحارث بن
سعد بن ضُبَيعة بن مازن بن عديّ بن جُشَم بن مُعاوية حليف بني مخزوم قال ابن هشام:
وكان مُشركًا وكان مَرّ بُهُبَيْرة بن أبي وَهْب وهم مُنهزمون يوم بدر، وقد أعْيَى هُبَيْرة،
فقام فألقَى عنه دِزعه وحمله فمضى به، قال ابن هشام: وهذه أصحّ أشعار أهل بدر:
ولمَّا أنْ رأيتُ القَوْمِ خَقُّوا
وقد شالت نَعَامتُهم لنَفْرٍ
أرادَ: جَمْع لَهَاةٍ. قلنا: يحتمل أنْ يكون كَلاَمًا مُوَلَّدًا، وإن كان عربيًا، فلعلّ الروايةَ
فيه: اللَّهاء بكسر اللام، فيكون من باب أَكَمة وإكّام، وقد ذكرها أبو عبيد في الغريب
المصنف بالكسر والفتح.
شرح شعر أبي أسامة
وذكر شعر أبي أسامة بن زُهَيْرِ الجُشَمِيّ وفيه:
وقد زالت نَعَامَتُهم لِنَفْر
العربُ تضرب زَوَال النَّعامة مثلاً للفرار، وتقول: شالت نَعَامة القوم، إذا فَرُّوا وهلكوا.
قال الشاعر:
إمَّا إلى جَنَّة إمَّا إلى نَارِ
يا ليت ما أُمُّنا شَالَتْ نَعَامَتُها
وقال أُمَيَّة:
اشْرَبْ هَنيئًا فقد شَالَت نَعَامَتُهمْ
والنَّعَامَةُ في اللغة: باطن القَدَم، ومن ماتَ فقد شالت رِجْلُه، أي: ارْتَفَعَتْ، وظهرت
نَعَامَتُه، والنَّعَامَةُ أيضًا الظُّلْمةُ، وابنُ النَّعَامَةِ عِرْقٍ في باطن القَدم، فيجوز أن يكون قوله:
زالت نعامتُهم، كما يقال: زال سَوَادُه، وضَحَا ظلُّه إذا مات، وجائز أن يكون ضَرَبَ النَّعَامَة
مَثَلاً، وهو الظاهر في بيت أبي أُسَامَةَ؛ لأنه قال: زالت نَعَامَتُهم لِنَفْرٍ، والعرب تقول: أَشْرَدُ
من نَعَامَةٍ، وأَنْفَرُ من نَعَامَة قال الشاعر:
رَأَتْ صَفْرًا وأَشْردَ من نَعَام
هُمِ تركوكَ أَسْلَحَ من حُبَارَى(١)
(١) الحبارى: نوع من الطيور طويل العنق.
٢٠٧

-
كأنّ خيارَهم أذْباحُ عِثْر
وأنْ تُرِكَتْ سرَاةُ القَوْمِ صَرْعَى
وقال آخر :
وكُنْتَ نَعَامًا عند ذَاكَ مُتَفّرًا
فإذا قلت: زالت نعَامتُه، فمعناه: نَفَرَتْ نفسُه التي هي كالنَّعَامة في شرودها وقوله:
وأَنْ تُرِكَثْ سَرَاةُ القَوْمِ صَرْعَى
سراةُ كُلِّ شيءٍ: ما عَلاَ منه، وسَرَاةُ الفَرَسِ: ظهرُه لأنه أعلاه. قال الشاعر يصف
حِمَارًا :
بسَرَاتِه نَدَبّ لها وكُلُومٌ
وقولهم: سَرَاةُ القوم، كما تقول: كاهِلُ القوم، وذِرْوَةُ القوم، قال معاوية: إن مُضَر
كاهِلُ العَرَبِ، وتَمِيمَ كاهِلُ مُضَر، وبنُو سَعْدٍ كاهِلُ تميم. وقال بعض خطباء بني تميم: لنا
العِزُّ الأَفْعَسُ، والعَدَدُ الهَيْضَل، ونحن في الجاهلية القُدَّام، ونحن الذِّرْوَةُ والسَّنَام، وهذا
معنى صحيح بيِّن، فليس لأحد أن يقول في الذّرْوَة، ولا في السَّنَامِ، ولا في الكاهل إنه
جَمْع أي من أبنية الجَمْع، ولا اسمٌ للجَمْع، فكذلك ينبغي أن لا يُقَال: في سَرَاةِ القوم، إنه
جَمْع سَرِيّ، لا على القياس، ولا على غيرِ القياسِ، كما لا يقال: ذلك في كاهل القوم،
وسَنَام القوم، والعَجَبُ كيف خَفِي هذا على النحويين، حتى قَلْد الخالفُ منهم السالفَ،
فقالوا: سَرَاةٌ جَمْع سَرِيٍّ (١)، ويا سُبْحَان الله! كيْف يكون جَمْعًا له، وهم يقولون في جمع
سَرَاةٍ: سرَواتٍ، مثل قَطَاةٍ وقَطَواتٍ، يقال: هؤلاء من سَرَوَاتِ الناس، كما تقول: من
رُؤوس الناس، قال: قَيْسُ بن الخَطِيم:
ء تَنْفَحُ بالمِسْكِ أزْدَانُها
وعمرة من سَرَوَاتِ النّسا
ولو كان السَّرَاةُ جَمْعًا ما جُمع لأنه على وزن فَعْلة، ومثل هذا البناء في الجموع لا
يجمع، وإنما سَرِيٍّ فَعِيل من السّرْوٍ، وهو الشَّرَفُ، فإنْ جُمِع على لفظه، قيل سُرّى
وَأَسْرِياء، مثل غَنِيَ وأَغْنيَاء، ولكنه قَليلٌ وجودُه وقِلَّةُ وجودِهِ لا يَدْفَع القياسَ فيه، وقد حكاه
سیپویه.
وقوله: أذبَاحُ عِثْرٍ: جمع ذبْحِ، وعِثْرٌ بِكسر العين: الصَّنَمُ الذي كان يُعْتَر له في
الجاهِليَّة، أي: تُذْبَح له العتائرُ، جَمْع: عَتِيرةٍ، وهي الرَّجَبِيَّةُ، وقد ذكرنا في نَسَبٍ
(١) وفي اللسان جمع سراة: سروات.
٢٠٨

وكانَتْ جُمَّةٌ وافتْ حِمَامًا
نَصُدّ عَنِ الطَّريق وأذْرَكونا
وقال القائلونَ: مَنِ ابنُ قَيْس؟
:أنا الجُشَمِيَّ كيما تَعْرِفُونِي
فإن تَكُ في الغَلاصِمِ من قُرَیش
فأبلغْ مالِكًا لَمَّا غُشِينا
وأبلغ إنْ بلغتَ المرءَ عنَّا
بأني إذ دُعيت إلى أُفَيْدٍ
عَشِيَّة لا يُكَرُّ على مُضافٍ
فدُونَكُم بني لَأيِ أخاكُم
ولُقْينا المَنايا يَوْمَ بَدْرٍ
كأنّ زُهاءَهم عِيطان بَخر
فقُلتُ: أبو أُسامَة، غير فَخْر
أُبَيِّنُ نِسْبَتِي نَقْرًا بنَقْر
فإني من مُعاوِية بن بَكْر
وعندك مالٍ - إن نبَّأْتَ - خُبْري
هُبيرة، وهو ذو عِلْمٍ وَقَذر
كَرَرْتُ ولم يَضِقْ بِالكَرّ صَذري
ولا ذي نَعْمَةَ منهُم وصِهْر
ودونكِ مالكًا يا أُمّ عَمْرو
النبيّ - وَ﴿ - أوَّلَ مَنْ سَنَّ العَتِيرَةَ، وأنه بُورُ بن صَحُورَا، وأن أباه سَنّ رَجَبًا للعَرَبِ، فكان
يُقال له: سَعْد رَجَب، ولو قال: أذْبَاحَ عَثْرِ بفتح العين لجاز لأنه مصدر.
وقوله: وكانت جُمَّةً. الجُمَّة: السواد، والجُمَّةُ: الفِرْقَةُ، فإن كان أرادَ بالجُمَّةِ سوادّ
القوم وكثرتَهم، فله وَجْهٌ، وإن كان أراد الفِرقةَ منهم، فهو أَوْجَه، وقد ذكره صاحب العَيْنِ.
وقوله: عَطَيَانُ بَحْر: فَيَضَانه.
و قوله:
أُبَيِّن نِسْبَتي نَقْرًا بِنَقْر
النَّقْرُ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ وغيره، يقول: إن طَعنْتُم في نَسَبِي، وعَبْتُمُوه بَيَّنْتُ الحقَّ
ونقرْتُ في أنسابِكم، أي عِبْتُها، وجازَيْتُ على النَّقْرِ بالنَّقْرِ، وقالت جارية من العرب: مُرُّوا
بي على بَنِي نَظَري يعني الفِتْيَان الذين يَنْظُرُون إليَّ ولاَ تَمُرُّوا بي على بَنَاتِ نَقَرِي، يعني
النِّسَاءِ الَّلواتِي يَنْقُرْنَ أي: يَعِبْنَ.
وقوله: دُعِيتَ إلى أُفَيْدٍ، تَصْغِيرُ وَفْدٍ، وهم المتقدمون من كل شيءٍ مِنْ ناسٍ أو خَيْلٍ
أو أبِلٍ، وهو اسمٌ للجمع مثلُ: رَكْبٍ، ولذلك جاز تصغيرُه، وقيل: أَفَيد: اسمُ موضِع.
وقوله: على مُضَافٍ. المضافُ: الخائف المُضْطَرُّ.
وقوله :
فدونَكُمُ بَنِي لأي أخاكم
الروض الأنف/ ج ٣/ ٢ ١٤
٢٠٩

مُوَقَّفَةُ القَوائِمِ أُمُ أجْري
فلَوْلا مَشْهدي قامَتْ عَلَيْه
كأنّ بوَجْهِها تخمِيمَ قذر
دَفُوعٌ للقُبُور بمنْكِبَيْها
وأنْصَابٍ لَدَى الجَمرات مُغْر
فأُقْسِم بالذي قد كان ربي
تبدَّلت الجُلُود جلودَ نِمْر
لسَوْف ترون ما حَسَبي إذا ما
هذا شاهد لما ذكرناه في نَسَبِ النبي - وَ له ـــ واشتقاق تلك الأسماء، وقلنا في لؤي:
إنه تصغير لأي، واخترنا هذا القول على قولِ ابن الأَنْبَارِيّ وقُطْرُبٍ، وحكينا قولَه، وشاهدَه،
وإنما أراد ههنَا ببني لَأْيٍ بَنِي لُؤَيُّ، فجاء به مُكَبَّرًا على ما قلناه.
وقوله :
مُوَقِّفَةُ القوائم أُمُّ أجْر
يعني: الضَّبُّعَ، ومُوَقَّفة من الوَقْفِ، وهو الخَلْخَالُ، لأن في قوائمها سَوَادًا. قال الشاعر
[أبو وَجْزَة السَّغْدِي](١):
كأنه قَاطِمٌ وَقْفَيْن من عَاجِ
وخائفٍ لحِمٍ شَاكًا براشَتُه
وأُمَ أَجْر: جَمْعُ جَرٍ، وكما نقول: دَلْو وأَذلٍ، وهذا كقول الهُذَلِيِّ(٢):
وغُودِرَ ثاوِيًا وَتَأَوَّبَتْه
مُوَقَّفة أُمَيْمُ لها فَلِيلُ
والفَلِيلُ: عُزْفُها، وكقول الآخر:
جَاءَتْ إِليَّ على ثَلاَثٍ تَخْمَعُ
يا لَهْفَ مِنْ عَرْفَاءَ ذاتٍ فَلِيلَةٍ
وسط العَرِينِ، وليس حَيٍّ يدفعُ
وتَظَلَّ تَنْشِطُني وتَلْحَمُ أَجْرِيًا
عَنِّي ولم أُوْكَل وجَنْبِي الأَضْبُعُ
لو كان سَيْفي بالیمین دَفَعْتُهَا
فوصفها أنها تَخْمَعُ، كما قال ابن المهلّب: الضَّبُعَةُ العَرْجَاء، ولَحَنَ في قوله: الضَّبْعَةَ.
وقال آخر:
فلو ماتَ منهم مَنْ جَرَخْنَا لأصبحت
ضِبَاعٌ بأكْنَافِ الشُّرَيْف عَرَائِسا
(١) في اللسان (٤٨٩/١٢): البيت منسوب لأبي وجزة.
(٢) في اللسان (٥٣٢/١١): البيت لساعدة بن جؤية. والفليل: الشعر المجتمع.
٢١٠

مُدِلِّ عَنَبَسٌ في الغِيلِ مُجْرِي
فما إنْ خادِرٌ من أُسْد تَزجٍ
فمّا يَدْنُو لهُ أَحَدٌ بنقْر
فقَدْ أخْمى الأَباءة من كُلاَفٍ
يُواثب كلَّ مَجْهَجَةٍ وَزَجْر
بِخَلّ تَعْجِزُ الحُلَفاءُ عنه
حَبَوْتُ له بقَرْقَرةٍ وهَذْر
بأوْشَكَ سَوْرَةً مِنِّي إذا ما
كأنّ ظُباتِهنَّ جَحيمُ جَمْر
ببيضٍ كالأسِنَّة مُرْهَفَاتٍ
وذلك أن الضَّبُعَ يَقْلِبُ القتيل على قَفاه فيما ذكر، وتَسْتَعْمِلِ كَمَرَتَه، لأنها أشْيَقُ
البهائم، ولذلك يقال لها حين تُصْطَاد: أَبْشِري أُمَّ عامِرٍ بجّرَادِ عضال وكَمَرِ رِجَالٍ، يخدعونها
بذلك، وهي تُكَنَّى أُمَ عامٍِ، وأُم عَمْرو، وأُم الهِئَّيْرِ [وأُم ◌ِتَاب وأُم ◌ُرَّيْقَ وأُم نَوْفِل]، وأُم
خِنَّوْرٍ وأُم خنوْرٍ معًا وتسمى: حَضَاجِرَ وجَعَار [والعَثْواء وذِيخَة وعَيْلَم وجَيْعَر، وأُم جَعْوَر]
وقَتَام وجَيْألُ وعَيْشُومِ، وقَتَام أيضًا اسمٌ للغَنِيمَةِ الكثيرة يقال: أصَاب القوم قَتَامًا، قاله الزبير،
وحيثل وعَيْثُوم، وأما الذَّكَرُ منها فعَيْلاَمُ وعِثْيَان وذِيخٌ [وأبو كَلَدَةٍ ونَوْفل والأعثى].
وقوله في وصف الأسد في الغِيل: مُجْرٍ، أي: ذو أَجْراء، والأَبَاءَة: الأَجمَةُ التي هو
فيها، وكذلك الغِيل والخِذْرُ والعَرِين والعِرِّيسةُ.
وقوله: أخمَى الأبَاءَة، أي: حَمَاها، وأَخْمَى لغةً في حَمَى لكنها ضعيفةٌ، ولعله أراد:
أحْمَى الأَبَاءَة، أي: جعلها كالنار الحامية، يقال: أحمَيتُ الحَدِيدَةَ في النار، يعني: إن أَبَاءَته
قد حُميتَ به فلا تُقْربَ.
وقوله: مِنْ كُلاَفٍ، لعله أرادَ مِنْ شِدَّة كَلَفٍ بما يَحْمِيه، فجاء به على وَزْن، فُعَالٍ،
لأن الكَلَف إذا اشتدّ: كالهُيَّام والعُطَاشِ، وفي معنى الشَّعارِ، ولعل كُلاَفا اسمُ موضع، وقال
أبو حَنِيفة: الكُلاَفُ: اسم شَجَرٍ والله أعلم.
وقوله: بَخلُّ، هو الطريق في الرمل، والهَجْهَجَةُ من قولك: هَجْهَجْتُ بالذئب إذا
زجرته. قال الشاعر(١) :
لم يُنْجِه منها صياحُ الهَجْهَجِ
وقوله: بِقَرْقَرَةٍ وهَذْرٍ. القَرْقَرَةُ صَوْتٌ شَدِيدٌ مُنْقَطعٌ، وجاء في صفة عامر الحَدَّاء أنه
كان قُراقِرِيّ الصوتِ، فلما كَبِر وضَعُفَ صوتُه، قال:
أَصْبَحَ صَوْتُ عامِرٍ صئِيًّا أَبْكَم لا يُكَلِّم المَطِيًّا
(١) هو: عمران بن عاصم الغزي. انظر البيان والتبيين للجاحظ (٤٨/١).
٢١١

وصَفْراء البُرَايَةِ ذاتِ أَزْرِ
وأَكْلَفَ مُجنٍ من جِلْد ثَوْر
وأبيَضَ كالغَديرِ ثَوَى عَلَيه
أُرَفْل في حَمائِله وأمْشِي
عُمَيْرٌ بالمَدَاوِسِ نِصْف شَهْر
كمِشْيَة خادِرِ لَيْثٍ سِبَطْر
فقلتُ: لعلَّه تقريبُ غَذْر
يقُولُ لي الفَتى سَعدْ هَدِيًّا
وذلك إنْ أطَعْتَ اليَوْم أمْري
وقلتُ أبا عَديّ لا تَطُز
فظَلَّ يُقاد مَكْتوفًا بضَفر
كدَأْبِهِمُ بِفَزوةَ إِذْ أتا
قال ابن هشام: وأنشدني أبو محرز خلف الأحمر:
نَصُدُ عَنِ الطّرِيقِ وأذْرَكونا كأنَّ سِراعَهم تَيَّارُ بَحْر
وقوله: مدلّ عَنْبس في الغِيلِ مُجري - عن غير ابن إسحق.
قال ابن إسحاق: وقال أبو أسامة أيضًا:
مُغَلْغَلةٌ يُثَبِّتُها نَطِيفُ
ألا مِنْ مبلغ عني رَسولاً
وقد بَرَقَتْ بِجَنْبيك الكُفوف
ألم تَعْلَم مَرَدّي يومَ بَذْر
وهو عامر بن ربيعة الحَدَّاءِ التَّغْلِبِيّ، وإليه يُنْسَبُ بنُو الحَدَّاء، وذكر أهل اللغة أن
الكَشِيشَ أول رُغَاءَ الجَمَل، ثم الكَتِيتَ ثم الهَدْر، ثم القَرْقَرة، ثم الزَّغْد، ويقال: زَغَد يَزْغُد
ثم القُلاَخ [أو القَلْخ أو القَلِيخ الأخيرة عن سيبويه] إذا جعل كأنه يَتَقَلَّع.
وقوله: وأَكْتَفَ مُجْناء، يعني: التُّرْسَ، وهو من أجْنأْتُ الشيء، إذا جنيته فهو مُجْنا،
ويعني: بِصَفْراء البُرَايَةِ: القوسَ، وبُرَايَتُها: ما يُرى منها، وجعلها صَفْرَاء لجِدَّتِها وقُوّتها.
وقوله: وأبْيَضَ كالغدير: أراد السيف، وعُمَيْر اسمُ صانع، والمَدَاوِسُ: جمع مِذْوَسٍ، وهي
الآلة التي يدوس بها الحدَّاد، والصَّيْقَلُ ما يصنعه، ووصفُه إيَّاها بالمُغْرِ، المُغْرُ: جمع أمغر،
وهو الأحمر، والخادِرُ: الداخل في الخِذْرِ ومُسْبَطِرّ: غير مُنْقِضٍ.
وقوله :
يقول لي الفتى سَعْدٌ هَديًّا
الهَدِيُّ: ما يُهْدَى إلى البيت، والهَدِيُّ أيضًا العَرُوسُ تُهْدَى إلى زَوْجِها، ونَصَبَ هَدِيًّا
هنا على إضمار فِعْل، كأنه أراد اهْدِ هَدِیًا.
٢١٢

وقد تُرِكت سُراهُ القوم صَرْعَى
وقد مالَتْ عليك ببَطْنِ بَذْرِ
فنجَّاه من الغَمَرات عَزْمي
ومُنْقَلبي مِن الأبْواء وَجْدِي
كأنّ رُؤوسَهم حَدَجْ نَقِيف
خِلافَ القَوْم داهِيَةٌ خَصيف
وعونُ الله والأمرُ الحَصِيف
ودونك جَمْعُ أعداء وقُوف
شرح القصيدة الفاوية لأبي أسامة:
وقوله في الشعر الفاويّ:
كأن رُؤوسَهم حَدَجْ نَقِيفٌ
الحَدَجُ: جمع حَدَجَةً، وهي: الحَنُظَلةُ، والنَّقِيفُ: المَنْقُوفُ، كما قال امُرُؤُ القَيْس:
لَدَى سَمُراتِ الحَيِّ] ناتِفُ حَنْظَلٍ
[كأني غَدَاةَ البَيْنِ يوم تَحَمَّلُوا
وهو المُسْتَخْرِجُ حَبِّ الحَنْظَلِ.
وقوله: داهية خَصِيفٌ، أي: مُتَراكِمة من خَصَفْتُ النَّعْلَ أو من خَصَفْتُ الليف، إذا
نَسَجْته، وقد يقال: كَتِيبَةٌ خَصِيفٌ، أي: مُنْتَسِجَةٌ، بعضُها ببعضٍ، مُتَكاثِفَةٌ، وفي كتاب
سيبويه: كتيبة خَصِيف أي: سوداء.
وقولُه: ومُنْقَلبي من الأَبْوَاءِ، هو: الموضِعُ الذي فيه قبرُ آمِنةَ أُمَّ رسول الله - وَهِ -
وسُمِّي الأبواءَ، لأن السُّيولَ تَتَبَوَّأه، وفي الحديث أن رسولَ الله - ﴿ - زار قبرَ أُمُه بالأبْوَاءِ،
في ألفِ مُقْنَّعٍ فَبَكَى وأبكى(١)، ووجدت على البيت المتقدم الذي فيه: حَدَجْ نَقِيف في
حاشية الشيخ، قال أبو حنيفة الحَنْظَلُ: من الأعلاَثِ وهو ينبت شَرْيًا، كما ينبت شَرْي القِثَّاءِ،
والشّرْي: شَجَرُه، ثم يخرج فيه زَهْر، ثم يخرج في الزَّهْرِ جِرَاءَ مثل جِرَاءِ البطّيخ(٢)، فإذا
ضَخُمَ وسَمِنَ حَبُّه سَمَّوْه الحَدَجَ واحدتُه حَدَجَةٌ، فإذا وقعت فيه الصُّفْرَةُ سَمَّوْهُ: الخُطْبَان،
وزاد أبو حَنِيفَةَ أن الحَنْظَلَة إذا اسْوَدَّت بعد الخُضْرَةِ، فهي: فَهْقَرَةٌ، وذكر في القَّاءِ الحَدَجَ
والجِرَاءَ كما ذكر في الحَنْظَلِ، وكذلك الشَّرْيَة اسم لشَجَرَتِهما، وفي القِّاءِ قبل أن يكون
بِطِيخَا القُحّ(٣)، وقَبْلِ القُحَّ يكون خَضَفًا، وأصغرُ من ذلك القُشْعُرِ(٤) والشُّعْرُور(٥)
والضُّغْبُوسُ(٦) وثَقِيفٌ معناه: مَكْسُورٌ. لأنه يقال: نَقَفْتُ رأسَه عن دماغِه، أي: كَسَرْته.
(١) أخرجه الحاكم (١٧٣/٢).
(٣) قال الأزهري: الصواب الفج.
(٥) الشعرور: القثاء الصغير.
(٢) جراء البطيخ: صغاره.
(٤) القشعر: القثاء، بلغة أهل الجوف من اليمن.
(٦) الضغبوس: القثاء الصغير أيضًا.
٢١٣

بجَّئْب كُراشَ مكلومٌ نَزِيف
من الأصحاب داعٍ مُسْتَضيف
أخّ في مثل ذلك أو خَليف
إذا كَلَحِ المَشافِرُ والأُثُوف
يَنُوء كأنه غُصْنْ قَصِيف
مُسَخْسَحةٍ لعاندها حَفِيف
وقَبْلُ أخو مَداراة عَزْوف
وحَزْبٍ لا يزَالُ لها صَرِيف
جَنانُ اللَّيْلِ والأَنَسُ اللَّفيف
إذا ما الكَلْبُ ألجأهُ الشّفيف
وأنت لمن أرَادك مُسْتكينٌ
وكنتُ إذا دعاني يومَ كَزْب
فأسْمعني ولو أحبَبتُ نَفْسي
أرُدّ فأكشِف الغُمَّى وأزمي
وقِزْنٍ قد تركت على يديه
دَلَفْتُ له إذا اختَلَطوا بحَرَّى
فذلك كان صُنْعي يومَ بَذْر
أخوكم في السَّنين كما عَلْمتُم
ومِقْدامٌ لَكُم لا يَزْدَهِيني
أخُوض الصَّرَّة الحَمَّاء خَوْضًا
قال ابن هشام: تركت قصيدةً لأبي أسامة على اللام، ليس فيها ذكر بَذْر إلا في
أوّل بيت منها والثاني، كراهيةَ الإكثار.
شعر هند بنت عتبة
قال ابن إسحاق: وقالت هندُ بنت عُتبة بن ربيعة تبكي أباها يوم بدر:
على خيرٍ خِنْدِفَ لم ینقَلِبْ
أَعَينيَّ جُودا بدَمْعٍ سَرِبْ
وقوله: أَخُوضَ الصَّرَّةَ الحَمَّاءَ. الصَّرَّةُ: الجماعة، والصَّرَّةُ: الصِّياحُ، والصَّرَّةُ: شِدَّةُ
البَرْد، وإياها عني، لأنه ذكر الشّفِيفَ في آخر البيت، وهو بَرْدٌ ورِيحٌ، ويقال له: الشَّفَّان
أيضًا، أنشد ابن الأَنْبَارِيِّ:
تُذْرِي مع الليل شَفَّانًا بِصُرَّادِ
قِل للشّمَال التي هَبَّتْ مُزَغزعَةٌ
وحاضِرٍ باللّوَى إن كان أوْ بَادٍ
اقْرِي السَّلاَم على نَجْدٍ وساكِنِه
إن أنْجَدَ الناسُ لم يَهْمُمْ بإنْجَادِ
سَلاَم مُغْتَرِبٍ فِقْدَان منزله
شعر هند
وفي شعر هِنْدٍ: جَمِيل المَرَاةِ، أرادت: مَرْآة العَيْن، فنقلت حركة الهمزة إلى الساكن،
فذهبت الهمزة، وإنما تذهب الهمزةُ إذا نقلت حركتها، لأنها تبقى في تقدير ألفٍ ساكِنَةٍ،
والساكنُ الذي قبلها باقٍ على حُكم السكون لأن الحركة المنقولة إليه عارضةٌ، فكأنه قد
اجتمع ساكنان، فحُذِفت الألفُ لذلك، هذا معنى كلام ابن جنّ.
٢١٤

تَدَاعَى له رَهْطُه غُذْوَةً
يُذيقونه حَد أسْيافِهم
يجرونه وعفيرُ التُّراب
وكانَ لنا جَبَلاً راسِيًا
وأمَّا بُرَيَّ فلم أعْنِه
وقالت هند أيضًا:
يَرِيب علَيْنا دَهْرُنا فَپِسوُنا
أبعد قَتيل من لُؤَيّ بن غالب
ألا رُبَّ يومٍ قد رُزِئتُ مُرَزَّاً
فأبلغ أبا سفيان عنّي مَأْلُكا
فقد كان حربٌ يَسْعَر الحربَ إنَّه
بنُو هاشم وبنُو المطَّلِب
يَعُلُّونه بعد ما قد عَطِب
على وَجُهه عاريًا قد سُلِب
جميلَ المَرَاةِ كثيرَ العُشْبِ
فأُوتِيَ من خير ما يَخْتَسب
ويأبَى فَمَا نَأْتِي بشيْءٍ يُغالبُه
يُراع امرؤ إن مات أو مات صاحبه
تَروح وتَغْدو بالجزيل مَواهبُهْ
فإن ألْقَه يومًا فسوف أُعاتِبه
لكلّ امرىء في الناس مولَّى يُطالِبه
قال ابن هشام: وبعضُ أهل العلم بالشعر يُنكرها لهند.
قال ابن إسحاق: وقالت هند أيضًا:
مُلْكّا كَهُلْكِ رجالية
للِهِ عَينا مَنْ رأى
في النَّائبات وباكيَة
يا رُبّ باكِ لي غَدا
ـب غداةً تلك الواعِيَة
كَمْ غادَرُوا يَوْمَ القَليـ
ـن إذا الكَوَاكِبُ خاوِية
مِنْ كُلِّ غَيْثٍ في السِّنيـ
فـالـيَوْم حَقّ خَذارية
قد كُنْتُ أخذَرُ ما أرَى
قد كُنتُ أخذَرَ ما أَرَى
فأنا الغداةَ مُوامِـيـة
يا رُبّ قائِلَةٍ غَدًا
يا وَيْحَ أُمَ مُعاوِيَة
قال ابن هشام: وبعضُ أهل العلم بالشعر يُنكرها لهِنْد.
وقول هند:
فأمَّا بُرَيُّ فلم أَغْنِهِ
فهو تصغير البَرَاءِ اسم رَجُلٍ، وقولها:
فأنَا الْغَدَاةَ مُوَاميه
قد كنتُ أخُذَر ما أرى
٢١٥

قال ابن إسحاق: وقالت هند أيضًا:
شيخًا شديد الرَّقَبَةُ
يا عَيْنُ بَكْي عُثْبةُ
يدفع يومَ المَغْلَبة
يُطْعِم يوم المَسْغبة
مَلْهوفةٌ مُسْتَلَبَة
إنّي عليه حَرِبة
بغــارةٍ مُتـعـبـة
لَنـهـــطـنّ يَثْرِية
كُلُّ جَوَاد سَلْهَبة
فيها الخيولُ مُقْرَبة
شعر صفيّة:
وقال صَفِيَّة بِنتُ مُسافر بن أبي عمرو بن أُميَّة بن عبد شَمْس بن عبد مناف. تَبكي
أهلَ القَليب الذين أُصيبوا يوم بدر من قُريش: (وتذكر مُصابهم):
حَدَّ النَّهارِ وقَزْنُ الشمسِ لم يَقِدِ
يا مَنْ لِعَينٍ فَذَاها عائرُ الرَّمَدِ
قد أخرَزَتْهم مَناياهُم إلى أمَد
أُخْبِرْتُ أنَّ سَراة الأكْرَمین مَعًا
تَعْطِفْ غدائتِذٍ أُمُّ على وَلَدِ
وفَرَّ بالقَوْمِ أصحابُ الرّكاب ولم
وإن بَكَيْتٍ فما تَبْكين مِن بُعُدِ
قَومي صَفِيّ ولا تَنْسَي قَرابَتَهم
فأصبح السَّمْك منها غيرَ ذي عَمَد
كانُوا سُقُوب سماء البيت فانقصفت
قوله: مُوَامية، أي: ذليلة، وهو مُؤَامِيَةٌ بهمزة، ولكنها سُهُّلت، فصارت واوًا، وهي
من لفظ الأَمةِ، تقول: تَأَمَّيْتُ أَمَةً أي: اتَّخَذْتُها، ويجوز أن يكونَ مَقْلوبًا من المُوَاءمَةِ، وهي
الموافقة، فيكون الأصلُ مُوَائِمة، ثم قُلِب فصار مُوَامِيَة على وزن مُفَاعِلة، تريد أنها قد ذَلَّت،
فلا تأبى، بل تُوافق العَدُوَّ على كُزهِ، ومنه اشتقاق التّوْاَم لأن وَزْنَه فَوْعَل مثل التَّوْلج والتاء
فيهما جميعًا بَدَلٌ مِن: واوٍ، قاله صاحب العين.
وقولها:
مَلْهُوفَةٍ مُسْتَلَبَة
الأجْوَدُ في مُسْتَلَبَةٍ أن يكون بكسر اللام من السِّلاَبِ وهي الخِرْقَةُ السَّوداء التي تَخَمَّر
بها النَّكْلى، ومنه قولُ النبيّ ◌ِنَّهِ لأَسُمَاءَ بنت عُمَيْسٍ حين مات عنها جعفر: ((تَسَلَّبِي ثلاثًا،
ثم اصْنَعِي ما شئت))(١)، وهو حديث منسوخ بالإِحدَادِ، ومُتَأَوَّلٌ، ذكره الطَّبَرِيُّ.
(١) أخرجه البيهقي (٣٤٨/٧) والقرطبي (١٨١/٣).
٢١٦

قال ابن هشام: أنشدني بيتَها: ((كانوا سقوب)) بعضُ أهل العلم بالشعر.
قال ابن إسحاق: قالت صفيَّة بنت مُسافر أيضًا:
ألا يا مَنْ لِعَيْنِ لكَـ
ـبكِي دَمْعُها فان
خِلال الغَيِّث الدَّان
كَغَزْنَيْ دالج يَسْقي
أظافِيرِ وأسنان
وما لَيْثُ غَرِيفٍ ذو
شديدُ البَطْشِ غَزْثان
أبو شِبْلَيْنِ وَثابٌ
وُجُوهُ القَوْم ألوان
كَحِبِي إِذْ تولَّى و
وبالكَفَ حُسامِ صَا
رم أبْـيَـضُ ذُكْرَان
وأنت الطَّاعن النَّجلا
ءِ مِنها مُزيد آن
قال ابن هشام: ويرون قولها: ((وما لَيث غريفٍ)) إلى آخرها مفصولاً من البيتين
اللذین قبله.
شعر هند بنت أثاثة:
قال ابن إسحاق: وقالت هِند بنت أُثاثة بن عباد بن المطّلب تَرْئي عُبيد بن
الحارث بن المطلب:
وحِلْمًا أصيلاً وافَرِ اللُبّ والعَقْلِ
لقد ضمِّن الصَّفْراءُ مجدًا وسُؤدُدًا
وأرمَلة تَهْوِي لأشْعَثَ(١) كالجِذْل(٢)
عُبَيدةَ فابْكيه لأضْيافِ غُرْبةٍ
إذا احمر آفاقُ السَّماء من المَخل
وبَكْيه للأقوام في كلّ شَتْوة
وتَشْبيب قِدْر طالما أزْبدت تَغْلي
وبَكْيه للأيتام والرّيحُ زَفْزَفْ (٣)
فقد كان يُذْكِيهِنَ بالحَطَب الجَزْل(٤)
فإن تُصبح النِّیران قد مات ضَوْؤها
لطارِقٍ لَيْلٍ أو لمُلتمس القِرَى
ومُستنبحٍ أضحى لدنه على رسْل
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يُنكرها لهِنْد.
(١) أشعث: مغبر الشعر.
(٣) زفزف: شديدة الهبوب.
(٢) الجذل: من يلتجأ إليه ويُشار.
(٤) الجزل: الغليظ.
٢١٧

شعر قتيلة بنت الحارث
قال ابن إسحاق: وقالت قُتَيلة بنت الحارث أخت النَّضْر بن الحارث، تَبْكيه:
يا راكِبًا إنّ الأُثيْلِ مَظِنَّة
أبْلِغْ بها مَيْتًا بأنْ تَحِيَّةً
مِنِّي إليك وعَبْرةً مَسْفوحةً
هل يَسْمَعنّي النَّضرُ إن ناديتُه
أَمُحَمَّدٌ يا خَيْرَ ضَنِءٍ كريمةٍ
ما كان ضَرَّك لو مَنَنْتَ وربما
أو كنتَ قابلَ فذيةٍ فلْيُنفِقَنْ
فالنَّضر أقربُ مَنْ أَسَرْتَ قَرَابَةٌ
ظَلَّتِ سُيُوفُ بني أبيه تَنُوشُه
صَبْرًا يُقاد إلى المَنِيَّة مُتْعَبًا
من صُبْح خامِسَةٍ وأنت مُوفَّقُ
ما إنْ تَزَالُ بها النَّجَائب تَخْفُق
جادتْ بوَاكِفها وأُخْرى تَخْفُق
أم كيف يَسْمع ميِّتْ لا يَنطق
في قَوْمها والفَخلُ فَخْلٌ مُغرق
مَنَّ الفَتى وهو المَغِيظُ المُحُنَقِ
بأعزّ ما يَغْلو به ما يُنْفق
وأحقُّهم إن كان عِتْق يُعْتَق
اللهِ أزحامٌ هُناكَ تُشَقّق
رَسْفَ المُقيَّدِ وهوَ عَانٍ مُوثَق
شعر قتيلة
وذكر ابنُ هشام شِعْرَ قُتَيْلَة بنتِ الحارثِ تَرْثي أخاها النَّضْرَ بن الحارثِ، والصحيح أنها
بنت النضر لا أخْتُه كذلك قال الزبير (١) وغيره، وكذلك وقع في كتاب الدلائل، وقُتَيْلَةُ هذه
كانت تَحْت الحارثِ بن أبي أُمَيَّةَ الأصْغَرِ، فهي جَدَّة الثُّرَيًّا بنتِ عبد الله بن الحارثِ التي
يقول فيها عُمَرُ بن أبي رَبِيعَةَ حين خطبها سُهَيْلُ بنُ عبدِ الرحمن بن عَوْف:
عَمْرُكَ الله كيف يَلْتَقيانٍ
أيها المُنكِحُ الثُّرِيًّا سُھَیْلاً
وسُهَيلٌ إذا استقلّ يَمَانٍ
هي شامِيَّةٌ إذا ما اسْتَقَلَّتْ
وَرَهْطُ الثّريًّا هذه يقال لهم: العَبَلاَت، لأن أُمَّهِم عَبْلَةُ بنت عُبَيْد بن جاذب.
وفي شعر قُتَيْلَةَ :
أَمُحَمَّدٌ ها أنت ضئي نَحيبَةٍ
(١) انظر نسب قريش (٢٥٥).
٢١٨

قال ابن هشام: فيقال، والله أعلم: إن رسولَ اللهِ بَّرَ لمَّا بلغه هذا الشّعر، قال:
((لو بلغني هذا قبل قتله لمَنَنْتُ عليه)).
تاريخ الفراغ من بدر:
قال ابن إسحاق: وكان فراغُ رسولِ اللهِ وَّ من بدر في عَقب شهر رمضان أو في
شؤال.
قال قاسم: أرادت يا مُحمَّداه على النُّذبة، قال: والضّتْيُ الوَلد، والضّئْيُ الأصلُ،
يقال: ضئت المرأة واضئنات وضنت تضو إذا ولدت.
٢١٩

غزوة بني سليم بالكُذرِ
قال ابن إسحاق: فلما قدِم رسولُ الله ◌َال# المدینة لم يُقم بها إلا سبعَ لیالٍ حتى غزا
بنفسه، یرید بني سِلَیم.
قال ابن هشام: واستعملَ على المدينة سِبَاعَ بن عُرْفُطَةَ الغِفَاريّ، أو ابن أُمّ مَكْتُوم.
قال ابن إسحاق: فبلغ ماءً من مياههم؛ يقال له الكُذر، فأقام عليه ثلاثَ لَيَالٍ ثم
رجع إلى المدينة، ولم يَلْق كيدًا، فأقام بها بقيّة شوّال وذا القعدة، وأفدى في إقامته تلك
جُلّ الأسارَى من قُرَيْش.
غزوة قرقرة الكدر(١)
القَرْقَرَةُ: أرض مَلْسَاءُ، والكُذْرُ: طير في ألوانها كُذْرَةٌ، عرف بها ذلك الموضعُ، وقد
كان عمرُ بنُ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - يذكر مسيرَه مع رسول الله ﴿ ﴿ر - في تلك الغَزْوَةِ،
فقال لعِمْرَان بن سَوَادَةَ حين قال له: إن رعِيَّتك تشكو منك عُنْفَ السِّيَاق، وقهر الرعيّة فدقر
على الدِّرَّةِ، وجعل يَمْسَحُ سُيُورَها، ثم قال: قد كنت زَمِيلَ رسول الله وَ ﴿ فِي قَرْقَرَة الكُذْرِ،
فكنت أُرْتِعِ فَأُشْبِعٍ وأسْقِي فَأَزْوِي، وأُكْثِرُ الزَّجْر، وأُقِلُّ الضربَ، وأَرُدُّ العَنُودَ، وأزجر
العَرُوضَ، وأَضُم اللُّفُوتَ، وأَشْهَر العصا، وأَضْرِبُ باليد، ولولا ذلكَ لأغْذَرْتُ [بعض ما
أسوق] أي: لضَيَّعْتُ فَتَرَكْتُ، يَذكر حُسْنَ سياسته، فيما وَلِي من ذلك. والعَنُود: الخارجُ عن
الطريق، والعَرُوضُ المُسْتَصْعَبُ من الناس والدَّوابُ.
(١) انظر البداية والنهاية (٣٤٦/٣) ابن سعد (٢٢/١/٢) الزاد (١٨٩/٣) جوامع السيرة (١٨٨) ابن سيّد
الناس (٢٩٤/١) شرح المواهب (٤٥٤/١) المنتظم (١٥٦/٣) الواقدي (١٨٢/١) الكامل (٣٥/٢)
تاريخ الطبري (٢/ ٤٨٢).
٢٢٠