النص المفهرس

صفحات 101-120

قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن عَمْرو بن عَطاء، أخو بني عامر بن لُؤيّ: أن
عمر بنَ الخطّاب قال لرسولِ اللهِ وَّهِ: يا رسول الله، دَعْني أَنْزَعْ ثَنِيَّتَيْ سُهيل بن عمرو،
ويَذْلِعُ لسانُه، فلا يقوم عليك خَطيبًا في موطن أبدًا؛ قال: فقال رسول الله وَّه: ((لا أمثل
به فيُمثّل الله بي وإن كنتُ نبيًّا))(١).
قال ابن إسحاق: وقد بلغني أن رسول الله وَير قال لعمر في هذا الحديث: ((إنه
عسَى أن يقوم مقامًا لا تذمُّه)).
قال ابن هشام: وسأذكر حديثَ ذلك المقام في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال ابن إسحاق: فلما قاولهم فيه مِكْرَزُ وانتهى إلى رضاهم، قالوا: هاتِ الذي لنا،
قال: اجعلوا رجْلي مكان رجله، وخلّوا سبيلَه حتى يبعث إليكم بفِدائه، فخلّوْا سبيل
سُهيل، وحبسوا مِكْرزًا مكانَه عندهم، فقال مِکْرز:
ينالُ الصَّمِيمَ غُزْمُها لا المَوَالِيا
فَدَيتُ بأذوادٍ ثِمانٍ سِبَا فَتّى
مالك(٢)، وقد برأ النبي ◌َّهِ مالكَ بنَ الدُّخْشُم من النفاق، حيث قال: ((أليس يشهد أن لا
إله إلاّ الله؟ قالوا: بَلَى، قال: أليس يُصَلِّي؟ قالوا: بَلَى))، فقال في حديث الموطأ: ((أولئك
الذين نهاني الله عنهم)»(٣)، وقال في حديث مُسْلِم: «فإن الله قد حرَّم على النارِ من قال: لا
إله إلاّ الله يبتغي بها وَجْه الله»(٤).
حول شعر مكرز:
وذكر مَكرز، وقد تقدم في اسم مَكْرَزٍ أنه يقال بكسر الميم وفتحها، ولكن لا يُزْوَى في
السيرة إلاّ بالكسر.
وقول مَكْرَز:
فَدَيتُ بأذْوَادِ ثِمَانٍ سِبَا فَتَّى
بكسر الثاء من ثِمَانٍ، لأنه جمع ثمين، مثل سَمِين وسمان.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٨٧/١٤) والطبري في تاريخه (٤١/٢) من طريق ابن إسحق به.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٣٧).
(٣) أخرجه مالك (١٣٧/١) والبيهقي (١٩٦/٨) وابن عبد البرقي التمهيد (١٦٢/٤٩/١٠).
وعبد الرزاق (١٨٦٨٨).
(٤) أخرجه البخاري (١١٦/١) ومسلم في المساجد (٢٦٣) والبيهقي (١٢٤/١٠) وابن خزيمة (١٦٥٣)
وأبو عوانة (١٣/٢).
١٠١

عليَّ، ولكني خَشِيتِ المَخازيا
رَهَنتُ يدي والمال أُيسرُ من يَدي
لأننائنا حتى نُدِير الأمانيا
وقلت: سُهَيْلٌ خَيْرُنا فادُمبُوا به
قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذا لمِكْرَز.
أسر عمرو بن أبي سفيان وإطلاقه:
قال ابن إسحاق: وحدثني عبدُ الله بن أبي بَكْر، قال: كان عمرو بن أبي سُفيان بن
حَرْب، وكان لبنت عُقبة بن أبي مُعَيط - قال ابن هشام: أُم عمرو بن أبي سُفيان بنت أبي
عَمْرو، وأُخت أبي مُعَيط بن أبي عمرو - أسيرًا في يدي رسول الله وَِّ، من أسرَى بَدْر.
قال ابن هشام: أسره عليّ بن أبي طالب.
قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي بكر، قال: فقيل لأبي سفيان: اقْدِ عمْرًا
ابنك، قال: أيُجمع عليَّ دَمي ومالي! قتَلوا حَنْظلة، وأقْدِي عَمْرًا! دعوه في أيديهم
يُمسكوه ما بدا لهم.
قال: فبينما هو كذلك، مَخبوسٌ بالمدينة عند رسول الله بَّرَ، إِذ خرج سَعْد بن
النُّعْمان بن أكَّال، أخو بني عمرو بن عَوْف ثم أحدُ بني مُعاوية معتمرًا ومعه مُرَيَّة له،
وكان شيخًا مسلمًا، في غَنم له النّقيع: فخرج من هنالك معتمرًا، ولا يَخْشى الذي صُنع
به، لم يظنَّ أنه يُحبس بمكة، إنما جاء معتمرًا: وقد كان عَهِد قريشًا لا يَغْرضون لأحدٍ
جاء حاجًّا، أو معتمرًا إلا بخير، فعدًا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحَبَسه بابنه عمرو،
ثم قال أبو سفيان:
تعاقدتُم لا تُسْلِمُوا السَّيدَ الكَهْلا
أرهطَ ابنِ أكَّالٍ أجِيبُوا دُعاءهُ
لئن لم يَفكُّوا عن أسِيرهِم الكَبْلا
فإنَّ بني عَمْرٍو لِئامٌ أذِلَّةٌ
فأجابه حسّان بن ثابت فقال:
لأكثرَ فيكم قبلَ أن يُؤْسَرِ القَتْلا
لو كان سعدٌ يوم مكّة مُطْلَقًا
تحنّ إذا ما أُنْبِضَت تَحْفِزُ النَّبْلا
بِعَضْب حُسام أوْ بِصَفَراءَ نَبْعَة
ومشى بنو عَمْرو بن عَوْف إلى رسول الله وَّر فأخبروه خبره؛ وسألوه أن يُعطيهم
١٠٢

عمرو بن أبي سُفيان فيَفُكُّوا به صاحبَهم، ففَعل رسول الله - وَلــ فبعثوا به إلى أبي
سُفْيان، فخلَّى سبيلَ سعد(١).
أسر أبي العاص ابن الربيع
قال ابن إسحاق: وقد كان في الأسارَى أبو العاص ابن الربيع بن عبد العُزى بن
عبد شَمْس، خَتن رسول الله وََّ، وزوج ابنته زينب.
قال ابن هشام: أسره خِراش بن الصمَّة، أحد بني حرام.
سبب زواج أبي العاص من زينب:
قال ابن إسحاق: وكان أبو العاص من رجال مكّة المغدودين: مالاً، وأمانة،
وتجارةً، وكان لهالة بنت خُويلد، وكانت خديجةُ خالَته. فسألت خديجةُ رسولَ اللهِ وَلـ
أن يزوّجه، وكان رسول الله # لا يخالفها، وذلك قبل أن يَنزل عليه الوحي، فزوّجه،
وكانت تَعُدُّه بمنزلة ولدها. فلما أكرم الله رسولَه وَّهِ بنُبوّته آمنت به خديجةُ وبناتُهُ،
فصدَّقْتَه، وشَهِدْن أنَّ ما جاء به الحقّ، ودِنَّ بدِينه، وثبتِ أبو العاص على شِرْكه.
أبو العاصي ابن الربيع
وذكر أبا العاصِي ابن الرَّبيع بن عبد العُزَّى، واسم أبي العاصي: لَقِيطٌ، وقيل فيه:
هاشم وقيل: مِهْشَمْ، وقيل: هَشيم، وهو الذي يقول في أهله زَيْنَبَ بنتِ رَسُولِ الله - وَليه -
وكان بالشام تاجرًا حين قالها:
فقلتُ: سَقْيًا لشخصٍ يَسْكُنْ الحَرَما
ذكرت زَيْنب لَمَا يَمَّمَثْ إضَمًا(٢)
وكُلُّ بَعْلِ سَيُثْنِي بالذي عَلِما
بنت الأمين جَزَاها الله صالحةً
ولدت له زينبُ بنت رسول الله وَّهِ أَمَامَةَ وعَليًا، مات عليٍّ وهو صغير، وتزوج أُمَامَة
عليّ بن أبي طالب، وتزوجها بعده المغيرةُ بن نَوْفَلٍ، وهي التي جاء فيها الحديثُ رواه
عَمْرو بن سليم الزُّرَقِي عن أبي قَتَادَةَ أن رسولَ اللهِ وَهر كان يصلي، وهو حامل أُمَامَة بنت
زينب الحديث(٣) قال عَمْرو بن سليم: كانت تلك الصلاةُ صلاةَ الصبح، هكذا رواه
(١) انظر تاريخ الطبري (٤٢/٢).
(٢) إضمًا: وادٍ دون المدينة، وقيل: موضع ماء بين مكة واليمامة.
(٣) حديثه ◌َير لأمامة في الصلاة أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
١٠٣

سعي قريش في تطليق بنات الرسول من أزواجهن:
وكان رسولُ اللهِ ﴿ قد زوّج عُثْبةَ بن أبي لهب رُقَيّة، أو أُمَّ كُلْثوم. فلمَّا بادَى
قُريشًا بأمر الله تعالى وبالعداوة، قالوا: إنكم قد فَرَّغتم محمدًا من همّه، فردُوا عليه بناته،
فاشغَلوه بهنّ. فمشوا إلى أبي العاص فقالوا له: فارِقْ صاحبتَك ونحن نزوّجك أيّ امرأة
من قُريش شئْتَ، قال: لا والله، إنّي لا أُفارق صاحبتي، وما أحبّ أنّ لي بامرأتي امرأةً
من قريش. وكان رسول الله ◌َ ﴿ يثني عليه في صِهْره خيرًا، فيما بلغني. ثم مَشوا إلى
عُثْبة بن أبي لهب، فقالوا له: طلّق بنتَ محمد ونحن نُنكحك أي امرأة من قريش شِئْت،
فقال: إن زوّجتموني بنت أبان بن سَعيد بن العاص، أو بنت سَعيد بن العاص فارقْتَها.
فزوجوه بنت سَعيد بن العاص وفارقها، ولم يكن دَخل بها، فأخرجها الله من يده كرامةً
لها، وهوانًا له، وخلَفَ عليها عثمانُ بن عفَّان بعده.
أبو العاص عند الرسول وبعث زینب في فدائه:
وكان رسولُ الله ﴿ لا يُحِلّ بمكة ولا يحرّم، مغلوبًا على أمره، وكان الإسلام قد
فرّق بين زَيْنب بنت رسولِ اللهِ وَ﴿ حين أسلمتُ وبين أبي العاص؛ ابن الربيع، إلا أنّ
رسول الله﴿ كان لا يَقْدِر أن يفرّق بينهما، فأقامت معه على إسلامها وهو على شِرْكه،
حتى هاجر رسولُ اللهِ ﴿، فلما صارت قريش إلى بدر، صار فيهم أبو
العاص بن الربيع فأصيب في الأسارَى يومَ بدر، فكان بالمدينة عند رسول الله وَهـ
[عبد الملك بن عبد العزيز] بن جُرَيْج عن ابن عِتَابٍ عن عَمْرو بن سليم، ورواه ابن إسحق
في غير السِّيرة عن المَقْبري عن عَمْرو بن سليم، فقال فيه: في إحدى صلاتي الظهر أو
العصر، وكان الذي أسر أبا العاصي من الأنصار عبدُ الله بن جُبَيْر، ذكره غير ابن إسحق،
وكانت رقية بنت رسول الله ﴿ تحت عُثْبَة بن أبي لهب، وأُمُّ كُلثوم تحت عُتَيْبَة، فطلّقاهما
بعزم أبيهما عليهما وأُمّهما حين نزلت ﴿تَبَّت يدا أبي لَهبٍ﴾(١) فأما عُتَيْبَة، فدعا عليه
النبيّ ﴿ه أن يُسَلِّط الله عليه كَلْبًا من كلابه فافْتَرَسه الأسدُ من بين أصحابه، وهم نيام خَوْله،
وأما عُتْبَةُ ومُعَتِّب ابنا أبي لهب، فأسلما ولهما عقب.
وقوله في خبر هندٍ: فلا تَضْطَنِي مني. تَضْطَنِي، أي: لا تَنْقَبِضي عني وشاهدُه [قَوْلُ
الطّزماح بن حکیم]:
ولا يَضْطَنِي من شَتْم أهلِ الفضَائِل
إِذَا ذَكِرَتْ مَسْعَاةُ والده اضْطَنَى
(١) سورة المسد آية رقم (١).
١٠٤

قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه عباد، عن
عائشة قالت: لما بعث أهلُ مكة في فِداءٍ أَسَرَائهم، بعثت زينبُ بنت رسول الله بَّر في
فِداء أبي العاص ابن الرَّبيع بمالٍ، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجةُ أدخلتها بها على
أبي العاص حين بَنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله و ﴿ رقّ لها رقَّة شديدةً وقال:
إن رأيتم أن تُطْلِقُوا لها أسيرَها، وتردّوا عليها مالها، فافعلوا، فقالوا: نعم يا رسولَ الله.
فأطلقوه، وردّوا عليها الذي لها.
خروج زينب إلى المدينة
تأهبها وإرسال الرسول رجلين ليصحباها
وكان رسولُ اللهِوَ﴾ٍ قد أخذ عليه، أو وَعَد رسول الله﴿ ذلك، أن يخلِّيَ سبيلَ
زينب إليه، أو كان فيما شَرط عليه في إطلاقه، ولم يَظْهَر ذلك منه ولا من رسول الله اله
فيُعْلَم ما هو، إلا أنه لمَّا خرج أبو العاص إلى مكة وخُلِّيَ سبيلُه، بعث رسول الله وَيقول
زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار مكانَه، فقال: كُونا بِبَطْن يَأْجَجَ حتى تمرّ بكما زينب،
فَتَصْحباها حتى تَأْتياني بها، فخرجا مكانهما، وذلك بعد بَدْر بشهر أو شَيْعِهِ، فلمَّا قَدِم أبو
العاص مگّة أمرما باللحوق بأبيها، فخرجت تجهّز.
هند تحاول تعرف أمر زينب:
قال ابن إسحاق: فحدّثني عبدُ الله بن أبي بكر، قال: حُدّثت عن زينب أنها قالت:
بينا أنا أتجهّز بمكة لِلْحُوقِ بأبي لقيتني مِنْدُ بنت عُتبة، فقالت: يا بنت محمد، ألم يبلغني
أنّك تُريدين اللُّحوقَ بأبيك؟ قالت: فقلت: ما أردت ذلك، فقالت: أي ابنة عمِّي، لا
تفعلي، إن كانت لك حاجةٌ بمتاع ممَّا يَرْفُق بك في سفرك، أو بمال تَتبلَّغين به إلى
أبيك، فإن عندي حاجَتك، فلا تَضْطَني مني، فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال.
قالت: والله ما أراها قالت ذلك إلا لتَفْعل، قالت: ولكني خِفْتُها، فأنكرتُ أن أكون أُريد
ذلك، وتجهزت.
ما أصاب زينب من قريش عند خروجها ومشورة أبي سُفيان
فلمَّا فرَغتْ بنتُ رسول اللهِوَ ﴿ من جهازها قَدَّم لها حَمُوها كِنانةُ بن الرّبيع أخو
هكذا وجدتُه في حاشية الشيخ، وقد رُوي هذا البيت في الحماسة: يَضَّني بالضاد
المعجمةَ، وكأنه يفتعل من الضنى وهو الضعف.
اتباع قريش لزينب
فصل: وذكر خروجَ زينبَ بنت رسول الله - 3 1 - من مكّة، واتباع قريش لها، قال:
١٠٥

زَوْجها بعيرًا، فَرَكِبَتْه، وأخذ قوسَه وكنانتَه، ثم خرج بها نهارًا يقُودُ بها، وهي في هَوْدج
لها. وتحدّث بذلك رجالٌ من قُريش، فخَرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طُوى، فكان
أوّلَ من سبق إليها هَبَّار بن الأسود بن المُطّلب بن أسد بن عبد العُزّى، والفِهْرِيُّ،
فروّعها هبَّار بالرمح وهي في هَوْدجها، وكانت المرأةُ حاملاً - فيما يزعمون - فلما رِيعتْ
طَرحتْ ذا بَطْنها وبَرَكَ حموها كنانةُ، ونثر كِنانتَه، ثم قال: والله لا يدنو مني رجلٌ إلا
وضعتُ فيه سهمًا، فتَكَزكر الناسُ عنه. وأتى أبو سفيان في جلَّة من قُريش فقال: أيها
الرجل، كفّ عنَّا نَبْلك حتى نكلمك، فكَفّ؛ فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه، فقال:
إنك لم تُصِبْ، خرجتَ بالمرأة على رؤوس الناس علانيةً، وقد عرفتَ مُصيبتنا ونَكْبتنا،
وما دخل علينا من محمد، فيظنّ الناسُ إذا خرجتَ بابنته إليه علانيةً على رؤوس الناس
من بين أظهرنا أنّ ذلك عن ذلّ أصابنا عن مُصيبتنا التي كانت، وأنّ ذلك منَّا ضعْف
ووَهْن، ولعمري ما لنا بحَبْسها عن أبيها من حاجة، وما لنا في ذلك من ثُوْرة، ولكن
ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأت الأصواتُ، وتحدّث الناس أن قد رَدَذناها، فسُلَّها سِرًّا،
وألْحِقها بأبيها؛ قال: ففعل. فأقامت لياليَ، حتى إذا هدأت الأصواتُ خرج بها ليلاً حتى
أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقَدِما بها على رسول الله وَلته .
وسبق إليها هَبَّارُ بن الأسْوَدِ والفِهْرِيُّ، ولم يُسمِّ ابنُ إسحق الفِهْرِيَّ، وقال ابنُ هشام: هو
نافع بن عَبْد قيس، وفي غير السيرة أنه خالد بن عبد قيس، هكذا ذكره البزار فيما بلغني.
وذكر أن زَيْنبَ حين رَوَّعها هَبَّارُ بن الأسود أَلْقَتْ ذَا بَطْنها، وزاد غير ابن إسحق أنه
نَخَسَ بها الراحلة فسقطت على صَخْرَةٍ، وهي حامل فهلك حَنِينُها، ولم تزل تُهْرِيقُ الدماءَ
حتى ماتت بالمدينة بعد إسلام بَعْلِها أبي العاصي.
وذكر الزبير أن هَبَّارَ بن الأسْوَدِ لما أسلم وصحب رسول الله - وَّ ر - كان المسلمون
يَسُبُّونه بما فعل، حتى شكا ذلك لرسول الله - بَّر - فقال: ((سُبَّ من سَبَّك يا هَبَّار))(١)،
فكفّ الناسُ عن سَبِّه بعد. ولدت زَيْنَبُ [أُمامة] وهي التي جاء فيها الحديث رواه عَمْرو بن
السليم بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الزَّرَقِيّ عن أبي قَتَادَة أن رسول الله صلِ - كان
يُصَلِّي وهو حاملٌ أُمَامَةَ بنتَ زينبَ الحديث. قال عَمْرو بن سليم إلى آخر ما تقدم قريبًا.
(١) لا أظن أن من أخلاق صحابة النبي والفر أن يعبدوا مسلم بما كان منه قبل الإسلام، فضلاً أن يقول
له النبي ◌َ﴾: ((سبّ من سبّك من الصحابة)) !!!. والله أعلى وأعلم. وانظر ترجمة هبّار رضي الله
عنه في الاستيعاب (١٥٣٦/٤).
١٠٦

شعر لأبي خيثمة فيما حدث لزينب
قال ابن إسحق: فقال عبدُ الله بن رَوَاحَة، أو أبو خَيْثمة، أخو بَني سالم بن
عَوْف، في الذي كان من أمر زينب، قال ابن هشام: هي لأبي خَيْئمة:
أتاني الذي لا يَقْدرُ النَّاسُ قَدرَہ
لزيْنَبَ فيهم من عقوق ومَأْثَمَ
على مَأُقِط وبيننا عِطْر مَنْشِمٍ
وإخراجُها لم يُخْزَ فيها محَمَّد
ومِنْ حَربنا! في رَغْم أنفٍ ومَنْدم
وأمْسَى أبو سُفيان من حِلْفٍ ضَمْضَم
بذي حَلَقِ جَلْد الصَّلاصل مُخْكَم
فَرَنَّا ابنَه عَمْرا ومَوْلى يمينِه
سُراةٌ خَمِيسٍ في لَهَام مُسَوَّم
فأقسمتُ لا تَنْفك منَّا كتائبُ
بخاطمةٍ فوق الأُنْوف بِمِيَسم
وإنْ يُتْهِموا بالخيل والرَّجْلِ نُتْهِم
نزوعُ قرَيشَ الكُفْرَ حتى نَعُلَّها
نُنَزّلهم أكْناف نجْدٍ ونَخْلة
تفسير قصيدة أبي خيثمة
وذكر شعر ابن رَوَاحَة، وقيل: بل قالها أبو خيثَمَة، وفيها:
على مَأْقِطٍ وبيننا عِطْرُ مَنْشَمٍ
المَأْقِط: مُعْترك الحرب، وعِطْرُ مَنْشَم كناية عن شدّة الحرب، وهو مَثَلُ، وأصلُه - فيما
زعموا - أن مَنْشَم كانت امرأةً من خُزَاعَة تبيع العطر والطيب، فيُشْتَرى منها للموتى، حتى
تَشَاءَمُوا بها لذلك، وقيل: إن قومًا تحالفوا على الموتِ، فغمسوا أيديهم في طيب مَنشَم
المذكورةِ تأكيدًا للحِلْفِ، فضرِب طيبُها مثلاً في شدّة الحرب، وقيل: مَنْشَمُ امرأةٌ من غُدَانَةً،
وهو بطن من تميم، ثم من بني يربوع بن حَنْظَلة وأن هذه المرأةَ هي صاحبةُ يَسارٍ الذي يقال
له: يَسَار الواعب، وأنه كان عبدًا لها، وأنه راودها عن نفسِها، فقالت له: أمْهِلْ حتى أُشِمَّك
طيبَ الحرائر، فلمّا أمكنها من أنفِه أنْخَتْ عليه بالموسى حتى أَوْعَبَتْه جَدْعًا (١)، فقيل في
المثل: لاقى الذي لاَفَى يَسارُ الكَواعِب، فقيل: عِطْر مَنْشَم.
وفي الشعر:
بذي حلَقٍ جَلْدِ الصَّلاصِلِ مُحكّم
يعني: الغُلَّ، والصَّلاصِل جمع: صَلْصَلَة، وهي صَلْصَلةُ الحديد.
(١) أوعبته جدعًا: استأصلته قطع.
١٠٧

ونُلْحِقهم آثار عادٍ وجُرْهُم
يدَ الدَّهُرِ حتى لا يُعوَّجَ سِرْبُنا
على أمرهم وأيّ حين تَنَدُم
ويَنْدَم قومٌ لم يُطيعوا محمدًا
لئن أنت لم تُخْلِصْ سجودًا وتُسْلم
فأبلغْ أبا سُفيان إمَّا لَقِيته
وسِرْبال قارٍ خالدًا في جهنّم
فَأَبِشِرْ بخزْي في الحياة مُعَجِّل
قال ابن هشام: ویروی: وسربال نار.
الخلاف بين ابن إسحاق وابن هشام في مولى يمين أبي سفيان:
--
قال ابن إسحاق: ومولى يمين أبي سُفيان، الذي يعني: عامر بن الحضرمي، كان
في الأسارى، وكان حِلْف الحَضْرميّ إلى حَرْب بن أميّة.
قال ابن هشام: مولى يمين أبي سفيان، الذي يعني: عقبة بن عبد الحارث بن
الحَضْرمي، فأما عامر بن الحضرمي فقُتِل يوم بدر.
شعر هند وكنانة في خروج زينب:
ولما انصرف الذين خرجوا إلى زينب لقيتهم هندُ بنت عُتبة، فقالت لهم:
وفي الحَرْب أشباهَ النِّساءِ العَوارِكِ
أفي السِّلْم أغيارًا جَفاءَ وغِلْظةً
وذكر قول هند بنتِ عُثْبَةِ لِفَلْ قُرَيْش حين رجعوا من بدر.
وفي الحرب أشباهَ النساءِ العَوارِكِ
أَفِى السِّلمِ أَعْيَارًا جَفَاءٌ وغِلْظَةً
يقال: عَرَكَتْ المرأةُ ودَرَسَت وطَمِئتْ إذا حاضت، وقد قيل أيضًا: يقال: ضَحِكَتْ إذا
حاضت، وتأوّل عليه قوله تعالى: ﴿وامرأتُه قائمة فَضَحِكَتْ فَبَشَّرناها بإسحقَ﴾(١) وقد قيل
أيضًا: يقال: أكْبَرَتِ المرأةُ إذا حاضت، وحمل بعضُهم عليه قولَه تعالى: ﴿أَكْبَزْنَه وقَطَّعن
أيديَهُنَّ﴾(٢) والهاء على هذا القول من أَكْبَرْنه عائدةٌ على المصدر، وهو تأويلٌ ضعيف،
ونَصَبَ أَغْيَارًا على الحال، والعامل فيه فِعلٌ مُخْتَزَلٌ لأنه أقام الأعْيَار مقام اسم مشْتَقِّ، فكأنه
قال: أفي السِّلم بُلدَاءَ جُفَاةً مثل الأغْيَارِ، ونصب جَفاءً وغِلْظةً نَصْبَ المصدرِ الموضوع
مَوْضع الحال، كما تقول: زيد الأسَدُ شِدَّةً، أي يماثله مماثلة شديدة؛ فالشدةُ صفة للمُمَاثَلة،
كما أن المشّافَهةَ صفَة للمُكالمة، إذا قلت: كَلَّمْتُه مُشافَهة فهذه حال من المصدر في الحقيقة،
وتعلُّق حرفِ الجَرِّ من قولها: أفي السّلم، بما أَدَّتْه الأعيار من مَعْنى الفعل، فكأنها قالت:
(١) سورة هود آية رقم (٧١).
(٢) سورة يوسف آية رقم (٣١).
١٠٨

وقال كِنانةُ بن الرَّبيع في أمر زَيْنب، حينِ دَفَعها إلى الرَّجُلين:
يُريدون إخْفاري ببنت مُحَمَّد
عَجِبْتُ لهبَّار وأوْباش قَوْمه
وما استجمعتْ قَبْضًا يَدِي بالمُهَنَّد
ولستُ أُبالي ما حَبِيتُ عَدِيدَهم
الرسول يحلّ دم هبار:
قال ابن إسحاق: حدّثني يزيد بن أبي حَبيب، عن بُكَير بن عبد الله بن الأشجّ، عن
سليمان بن يسار، عن أبي إسحق الدَّوْسي، عن أبي هُريرة، قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ وَه
سَرِيَّةً أنا فيها، فقال لنا: ((إن ظَفِرتم بهبَّار بن الأسود، أو الرجل (الآخر) الذي سبق معه
إلى زينب - قال ابن هشام: وقد سمى ابن إسحق الرجل في حديثه (وقال: هو نافع بن
عبد قيس) فحرّقوهما بالنار))(١). قال: فلمَّا كان الغدُ بعث إلينا، فقال: إني كنت أمَرتكم
بتَحريق هذين الرجلَيْن إن أخذتموهما، ثم رأيتُ أنه لا ينبغي لأحد أن يعذّب بالنار إلاّ
الله، فإن ظفَرْتم بهما فاقتلوهما.
إسلام أبي العاص بن الربيع:
استيلاء المسلمين على تجارة معه وإجارة زينب له:
قال ابن إسحاق: وأقام أبو العاص بمكة، وأقامت زَيْنب عند رسول الله وَل
بالمدينة، حين فرّق بينهما الإسلام، حتى إذا كان قبيلَ الفَتح خرج أبو العاص تاجرًا إلى
الشأم، وكان رجلاً مأمونًا، بمال له وأموال لرجال من قريش، أيضعوها معه، فلما فرغ
من تجارته وأقْبل قافلاً، لقيته سَرِيَّة لرسول الله وََّ، فَأَصَابُوا ما معه، وأَعْجَزهم هاربًا،
فلمّا قَدِمَتِ السَّريَّة بما أصابوا من ماله، أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على
زينب بنت رسول الله ﴿﴿، فاستجار بها، فأجارته، وجاء في طَلب ماله، فلمَّا خرج
رسولُ اللهِ وَلَه إلى الصُّبح - كما حدّثني يزيد بن رُومان - فكبَّر وكَبَّر الناس معه، صرختْ
زينب من صُفَّة النساء: أيها الناس، إنّي قد أجرتُ أبا العاص بن الرَّبيع. قال: فلما سلّم
أفي السّلم تَتَبَلِّدُون، وهذا الفعل المختزَل الناصب للأعيار لا يجوز إظهارُه للسر الذي نبهنا
عليه في قول المبرق [عبد الله بن الحارث]:
وَبائِذًا بك أن يعلوا فَيُطْغُونِي
انظره في الهجرة إلى الحبشة.
(١) أخرجه الدارمي (٢٢٢/٢) وابن أبي شيبة (٣٨٩/١٢).
١٠٩

رسول الله وَ﴿ من الصلاة أقبل على الناس، فقال: ((أيها الناس، هل سَمعتم ما سمعتُ؟))
قالوا: نعم؛ قال: ((أما والذي نفس محمّد بيده ما علمتُ بشيء من ذلك حتى سمعتُ ما
سمعتم، إنه يُجير على المُسلمين أذناهم)). ثم انصرف رسولُ الله ◌َلِّ، فدخل على ابنته،
فقال: ((أي بُنيّة، أكرمي مثواه، ولا يَخْلُصنّ إليك، فإنك لا تحلِين له))(١).
المسلمون يردون عليه ماله ثم يسلم:
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبدُ الله بن أبي بكر: أنّ رسول الله وَّه بعث إلى السَّريَّة
الذين أصابوا مال أبي العاص، فقال لهم: إن هذا الرجل منَّا حيثُ قد علمتم، وقد
أصبتم له مالاً، فإن تُخْسِنوا وتردّوا عليه الذي له، فإنَّا نحبّ ذلك، وإن أبيتم فهو فَيْء
الله الذي أفاء عليكم، فأنتم أحقّ به؛ فقالوا: يا رسول الله، بل نردّه عليه، فردّوه عليه،
حتى إن الرجل ليأتي بالدّلْوا ويأتي الرجل بالشّئَّة وبالإداوة، حتى إن أحدهم ليأتي
بالشّظاظ، حتى ردّوا عليه مالَه بأسره، لا يفقد منه شيئًا. ثم احتمل إلى مكة، فأدى إلى
كلّ ذي مال من قُريش ماله، ومن كان أبْضَع معه، ثم قال: يا معشر قُريش، هل بقي
لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا. فجزاك الله خيرًا، فقد وجَدْناك وفيًّا كريمًا
قال: فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، والله ما مَنعني من الإسلام
عنده إلاّ تَخَوُّفُ أنْ تظنّوا أني أردت أن آكل أموالَكم، فلمّا أدّاها الله إليكم وفرغتُ منها
أُسْلمتُ. ثم خرج حتى قَدِم على رسول الله وَلَهُو .
زوجته تردّ إليه
قال ابن إسحاق: وحدّثني داود بن الحُصَين عن عِكْرمة عن ابن عباس قال: ردّ
عليه رسولُ الله ◌َ﴿ زينبَ على النكاح الأول لم يُحدث شيئًا (بعد ست سنين).
رد زینب على زوجها
وذكر عن داود بن الحُصَيْن عن عِكْرِمَةً عن ابن عباس أن النبيّ وَ﴿ ردَّ زينب على أبي
العاصي على النكاح الأول، لم يُحدث شيئًا بعد سِتُ سنين، ويعارض هذا الحديثَ ما رواه
عَمْرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده، أن النبيّ وَلَّ ردّها عليه بنكاح جديدٍ، وهذا الحديث هو
الذي عليه العملُ، وإن كان حديثُ داود بن الحُصَيْن أَصَحَّ إسنادًا عند أهل الحديث ولكن لم
يَقُلْ به أحدٌ من الفقهاء فيما علمت لأن الإسلام قد كان فرّق بينهما، قال الله تعالى: ﴿لا هُنَّ
(١) انظر الطبراني (١٨٥/٩).
١١٠

مثل من أمانة أبي العاص:
قال ابن هشام: وحدّثني أبو عُبيدة: أن أبا العاص ابن الرَّبيع لما قَدم من الشام ومعه
أموالُ المُشركين، قيل له: هل لك أن تُسْلِمَ وتأخذ هذه الأموالَ، فإنها أموالُ المُشركين؟
فقال أبو العاص: بئس ما أبدأُ به إسلامي أن أخُون أمانتي.
قال ابن هشام: وحدّثني عبدُ الوارث بن سَعيد التَّنُّورِيّ، عن داود بن أد هِنْد،
عن عامر الشّغْبي، بنحو من حديث أبي عُبيدة، عن أبي العاص.
الذين أطلقوا من غير فداء:
قال ابن إسحق: فكان ممن سُمّي لنا من الأَسارى ممَّن مَنَّ عليه بغير فِداء، من
بَني عَبْد شمس بن عبد مناف: أبو العاص ابن الرّبيع بن عبد العُزَّى بن عبد شمس مَنَّ
عليه رسول الله وَله بعد أن بَعثت زينب بنت رسول الله وَ لل بفدائه. ومن بني مَخزوم بن
يقظة: المُطَّلب بن حَنْطَب بن الحارث بن عُبيدة بن عُمر بن مَخْزوم، كان لبعض بني
الحارث بن الخَزْرِجِ، فَتُرِك في أيديهم حتى خلوا سبيلَه. فَلَحِقٍ بقومه.
قال ابن هشام: أسره خالد بن زيد، أبو أيُّوب الأنصاري، أخو بني النجَّار.
حِلِّ لهم ولا هم يَحلُّون لهن﴾(١) ومَنْ جَمَع بين الحديثين قال في حديث ابن عباس: معنى
ردّها عليه على النكاح الأول، أي: على مثل النكاح الأول، في الصداق والحباء لم يُحدث
زيادة على ذلك من شرط، ولا غيره.
شعر بلال في مقتل أُميّة:
وذكر قتل بلالٍ لأُمَيَّة بن خلف ولم يذكر شعره في ذلك، وذكره ابن إسحق في غير
هذه الرواية وهو:
عليهم بأسيافٍ لنا كالعَقَائقِ
فلما التقيْنَا لم نُكَذِّب بحَمْلَةٍ
إذا رُفِعَتْ أَشْطَانُ ذاتِ الأبارق
ومَطْرُورَةِ حُمْرُ الظُّبَاةِ كأنها
بني جُمَح قد حلِّ قَعْصٌ بشيخكم
هَجَمْنَا عليه الموتَ واشْتَجَرَتْ به
هَوَى حين لاقَانَا وفُرِّقَ جَمْعُه
على ماءِ بَذْرٍ رأسٍ كلٌ مُنَافِقٍ
مَصَاليتُ لِلأنصارِ غيرُ زَوَاهِق
على وَجْهه في النار مِنْ رَأْسٍ خَالِقٍ
(١) سورة الممتحنة آية رقم (١٠).
١١١

قال ابن إسحاق: وصَيْفيُّ بن أبي رِفاعة بن عابد بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم،.
تُرِك في أيدي أصحابه، فلمَّا لم يَأْت أحدٌ في فدائه أخذوا عليه ليبعَثن إليهم بفِدائه،
فخَلَّوْا سبيله، فلم يَفِ لهم بشيء، فقال حسَّان بن ثابت في ذلك:
وما كان صَيْفِيّ ليُوفِيَ ذمَّةً قَفَا ثَعْلَبِ أعْيا ببعضِ المَوارِد
قال ابن هشام: وهذا البيت في أبيات له.
قال ابن إسحاق: وأبو عَزّة، عمرو بن عبد الله بن عثمان بن أَهَيْب بن حُذافة بن
جُمَح، كان محتاجًا ذا بنات، فكلَّم رسولَ اللهِ وَ رَ، فقال: يا رسول الله، لقد عرفتَ
ما ليَ من مالٍ، وإني لذو حاجة، وذو عيال، فامنُن عليَّ؛ فمن عليه رسول الله بَّر،
وأخذَ عليه ألاَّ يُظاهر عليه أحدًا. فقال أبو عَزة في ذلك، يمدح رسول الله بَّر، ويذكر
فضله في قومه:
بأنّك حق والمَلِيك حَمِيدُ
مَنْ مُبَلِغْ عنّي الرَّسولَ محَمَّدًا
عليك من الله العظيم شَهيد
وأنت امرؤٌ وتدعو إلى الحقّ والهُدى
لهَا دَرجاتٌ سَهْلة وصُعود
وأنت امْرُؤْ بُوّثْتَ فينا مَباءةً
شَقِيّ ومَن سالَمْته لسّعيد
فإنَّك مَنْ حَارَبْتَه لمُحارَبٌ
تأوَّبَ ما بي: حَسْرةٌ وقعود
ولكن إذا ذُكِّرْتُ بدرًا وأهله
ثمن الفداء:
قال ابن هشام: كان فداءُ المشركين يومئذ أربعةَ آلاف درهم للرجل، إلى ألف
درهم، إلا من لا شيء له، فمنَّ رسولُ اللهِ وَّهِ عليه.
وذكر الزبير في هذا الخبر عن ابن سلام عن حَمَّاد بن سَلَمة أن أُميَّة حين أحاطت به
الأنصار، قال: يا أحَدٌ رأَى، أما لَكُم باللُّبْن حَاجَةٌ؟ قال: وكان أُميَّة يُذْكَر بفصاحته، ومعنى
هذا الكلام: هل رأى أحَدٌ مثل هذا، ثم قرن الزبير هذا الحديث بحديث أسنده عن مُقَاتِلٍ بن
سُلَيْمان، قال: قال النَّضْرُ بن الحارث حين نزلت: ﴿قل إنْ كان للرَّحْمنِ وَلَدٌ فأنا أول
العابدين﴾ [الزخرف: ٨١] الآية، وكان النضر قد قال: الملائكة بناتُ الرَّحْمْنِ، فلما سَمِع
الآية قال: ألا تَرَاه قد صَدَّقني، فقال له أُميَّة بن خلف - وكان أفصح منه - لا والله، بل
كَذَّبك؛ فقال ما كان للرحمن من ولد، ورُوِيَ عن ثَغلب أنه قال في قول أمية، يا أحَد: يا
اسْتِفْتَاحْ، ومعناه يا هؤلاء أجدٌ راءٍ.
١١٢

إسلام عُمير بن وهب
صفوان يحرّضه على قتل الرسول:
قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بنُ جَعْفر بن الزُّبير، عن عُروة بن الزُّبير قال:
جلس عُمير بن وهب الجُمحي مع صَفوان بن أُميَّة بعد مُصاب أهل بدر من قُريش في
الحِجْر بَيَسير، وكان عُمَير بن وَهْب شيطانًا من شياطين قُريش، وممَّن كان يُؤذي رسولَ
الله ◌َيُّ وأصحابَه، ويَلْقون منه عَناء وهو بمكة، وكان ابنُه وَهْب بن عُمير في أُسارى
بدر .
قال ابن هشام: أسره رفاعة بن رافع أحد بني زُرَيق.
قال ابن إسحاق: حدّثني محمد بن جَعْفر بن الزّبير، عن عُروة بن الزُّبير، قال:
فذكر أصحابَ القَلِيب ومُصابهم، فقال صفوان: والله إنْ في العيش بعدهم خيرٌ؛ قال له
عُمير: صدقت والله، أمَّا والله لولا دَيْنٌ عليّ ليس له عندي قضاء وعيالٌ أخشى عليهم
الضَّيعةَ بعدي، لركبتُ إلى محمد حتى أقتلَه، فإنّ لي قبلهم علَّةً: ابني أسيرٌ فِي
أيديهم؛ قال: فاغتَنمَها صفوان وقال عليّ دينُك، أنا أقْضيه عنك، وعيالُك مع عيالي
أُواسيهم ما بقُوا، لا يَسَعني شيءٌ ويعجز عنهم، فقال له عُمير: فاكتُم شأني وشأنك؛
قال: أفْعل.
رؤية عمر له وإخباره الرسول بأمره:
قال: ثم أمر عُمِيرٌ بسَيْفه، فشُحِذ له وسُمَّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة؛ فبينا
عمرُ بن الخطّاب في نَفر من المُسلمين يتحدّثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله
به، وما أراهم من عدوّهم، إذا نظر عمرُ إلى عُمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد
متوشّحًا السَّيف، فقال: هذا الكلب عدوّ الله عُمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشرّ، وهو
الذي حرّش بيننا، وحَزَرنا للقوم يوم بدر.
إسلام عمير بن وهب(١)
فصل: وذكر إسلام عُمَيْرِ بنِ وَهْب إلى آخره، وليس فيه ما يُشكِل.
(١) انظر ترجمته في الاستيعاب (١٢٢١/٣). وانظر الخبر في تاريخ الطبري (٤٤/٢) والمنتظم
(١٢٥/٣).
الروض الأنف/ ج ٣/ م ٨
١١٣

ثم دخل عُمر على رسول الله وَلَ﴿ فقال: يا نبيّ الله، هذا عدوّ الله عمير بن وهب
قد جاء متوشّحًا سيفَه؛ قال: فأدخله عليّ، قال: فأقبل عُمر حتى أخذ بحِمالة سيفه في
عُنقه فلبَّبه بها، وقال لرجال ممَّن كانوا معه من الأنصار: ادخلُوا على رسول الله عَلَه
فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غيرُ مأمون؛ ثم دخل به على رسول
الرسول يحدّثه بما بينه هو وصفوان فيسلم:
فلما رآه رسولُ اللهِ وَِّ، وعمرُ آخذٌ بحمّالة سَيْفه في عُنقه، قال: أرسله يا عمر،
اذنُ يا عُمير؛ فدنا ثم قال: انْعَموا صباحًا، وكانت تحيّة أهل الجاهليَّة بينهم؛ فقال رسول
الله وَلّى: ((قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيَّتك يا عُمير، بالسَّلام: تحيَّة أهل الجنّة)).
فقال: أما والله يا محمد إنْ كنتُ بها لحديث عهد؛ قال: فما جاء بك يا عُمير؟ قال:
جئت لهذا الأسير الذي في أيْدِيكم فأخسِنوا فيه؛ قال: فما بالُ السيف في عُنقك؟ قال:
قبَّحها الله من سُيوف، وهل أغْنت عنّا شيئًا؟ قال: اصْدُقني، ما الذي جئتَ له؟ قال: ما
جئتُ إلا لذلك، قال: بل قعدتَ أنت وصفوان بن أُميَّة في الحِجر، فذكرتما أصحابَ
القَليب من قُريش، ثم قلت: لولا دَينٌ عليّ وعيالٌ عندي لخرجتُ حتى أقتل محمدًا،
فتحمَّل لك صفوان بدَيْنك وعيالك، على أن تقتلني له، والله حائلٌ بينك وبين ذلك؛ قال
عُمير: أشهد أنك رسولُ الله، وقد كنّا يا رسول الله نكذّبك بما كنت تأتينا به من خبر
السماء، وما يَنزل عليك من الوحي، وهذا أمرٌ لم يحضُره إلا أنا وصَفْوان، فوالله إني
لأعلم ما أتاك به إلا الله(١)، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المَساق، ثم
شهد شهادة الحقّ. فقال رسولُ اللهُ بَله: «فقّهوا أخاكم في دينه وأقرِئوه القرآن، وأطْلِقُوا
له أسيرَه))، ففعلوا.
رجوعه إلى مكة يدعو للإسلام:
ثم قال: يا رسول الله، إني كنت جاهدًا على إطفاء نور الله، شديد للأذّى لمن كان
على دين الله عزّ وجلّ، وأنا أحبّ أن تأذن لي، فأقدم مكة، فأدعوهم إلى الله تعالى،
(١) شهد عمير أن الذي أخبر النبي ◌َ﴿ الخبر هو الله عزّ وجلّ، وفيه شهادة له وَّلو أنه لا يعلم الغيب
كما صرّح القرآن والسنة الصحيحة، فقد أخبره تعالى خبر عمير كما في قوله تعالى أيضًا: ﴿قل
نبأني العليم الخبير﴾.
١١٤

وإلى رسوله وَّة، وإلى الإسلام، لعلّ الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أُوذِي
أصحابك في دينهم؟ قال: فأذن له رسول الله وَّ، فَلَحِق بمكة. وكان صفوانُ بن أُميَّة
حين خرج عُمير بن وهب، يقول: أبشروا بوَقْعة تأتيكم الآن في أيام، تُنْسيكم وقعةً بدر،
وكان صفوانُ يسأل عنه الرُّكْبان، حتّى قَدم راكبٌ فأخبره عن إسلامه، فحَلف أن لا يكلِّمه
أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبدًا.
قال ابن إسحاق: فلما قدم عمير مكة، أقام بها يَذْعو إلى الإسلام، ويؤذي منْ
خالفه أذی شديدًا، فأسلم علی یدیہ ناس کثیر.
هو أو ابن هشام الذي رأى إبليس وما نزل فيه
قال ابن إسحاق: وعُمير بن وَهب، أو الحارث بن هشام، قد ذُكر لي أحدهما،
الذي رأى إبليسَ حين نَكَصَ على عقبيه يوم بدر، فقال: أينَ، أيْ سُراق؟ ومثَلَ عدوُّ الله
فذَهب، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غالبَ لَكُمْ الْيَوْمَ
مِنَ النَّاسِ وإني جارٌ لَكُمْ﴾(١). فذكر استدراج إبليس إياهم، وتَشبُّهه بسُراقة بن مالك بن
جُغْشم لهم، حين ذكروا ما بينهم وبين بَني بَكْر بن عبد مناة بن كنانة في الحرب التي
كانت بينهم. يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الفِئَتانِ﴾ ونظر عدوّ الله إلى جنود الله من
الملائكة، قد أيّد الله بهم رسولَه وَّر والمؤمنين على عدوّهم ﴿نَكَصَ على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إنّي
بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنّي أَرَى ما لا تَرَوْنَ﴾. وصدق عدوّ الله، رأى ما لم يَرَوْا، وقال: ﴿إنّي
أخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾. فذُكِر لي أنهم كانوا يَرَوْنه في كلّ منزل في صُورة سُراقة
لا يُنكرونه، حتى إذا كان يوم بدر، والتقى الجمعان نكص على عقبيه، فأوردهم ثم
أسْلمهم.
هل تجسّد إبليس في غزوة بدر؟
وذكر في آخر الحديث أن عُمَيْرِ بن وهب هو الذي رأى إبليسَ يوم بدر حين نَكَص
على عَقِبَيْه، وذكر غيره أن الحارثَ بن هِشَام تَشَبَّث به، وهو يرى أنه سُرَاقةُ بنُ مالِكِ،
فقال: إليَّ أين سُرَاقَ أَيْنَ تَفِرَّ فَلَكَمَّهُ لَكْمَةً طَرَحَهُ على قفاه، ثم قال: إني أخاف الله رَبّ
العالمين، وإنما كان تمثّل في صورة سُرّاقةً المدُلجِيّ، لأنهم خافوا من بني مُذْلَجْ أن يعرضوا
لهم، فيشغلوهم من أجل الدِّماء التي كانت بينهم، فتمثّل لهم إبليسُ في صُورَةٍ سُرَاقَةً
المذلجِيِّ، وقال: إنّ جَارٌ لكم من الناس، أي: من بني مُذْلِجَ، ويُروى أنهم رأوا سُرَاقَةً
(١) سورة الأنفال آية رقم (٤٨) وما وليها.
١١٥

تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: نكص: رجع. قال أوْس بن حَجَر، أحد بني أُسيْد بن عَمْرو بن
تميم :
تُزَجُّون أنفالَ الخَميسِ العَرمرِمِ
نَكَضْتُم على أعقابكم يومَ جثْتُمُ
وهذا البيت في قصيدة له.
شعر لحسان في الفخر بقومه وما كان من تغرير إبليس بقريش :
قال ابن إسحق: وقال حسَّان بن ثابت:
وصدَّقوه وأهلُ الأرض كُفَّارُ
قَوّمي الذين همْ آوَوْا نبيَّهمُ
للصَّالحين مع الأنصار أنصار
إلا خَصائصَ أقْوامِ هُم سَلَفْ
بمكّة بعد ذلك، فقالوا له: يا سُرَاقَةُ أَخَرَمْتَ الصَّفَّ، وأوقعت فينا الهزيمة؟ فقال: والله ما
علمت بشيءٍ من أمْرِكُم، حتى كانت هزيمتُكم، وما شَهِدتُ، وما علمت فما صَدَّقوه، حتى
أسلموا وسَمِعوا ما أنزل الله فعلِموا أنه كان إبليسَ تَمَثَّل لهم.
وقول اللَِّين: إني أخافُ الله ربَّ العالمين، لأهل التأويلِ فيه أقوال أحدها: أنه كذب
في قوله: إني أخاف الله، لأن الكافر لا يخاف الله، الثاني: أنه رأى جنود الله تنزل من
السماء، فخاف أن يكون اليومُ الموعودُ الذي قال الله فيه: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكةَ لا بُشْرَى
يَوْمئِذٍ للمُجرِمين﴾(١) وقيل أيضًا: إنما خاف أن تدركه الملائكةُ لما رأى من فِعْلها بحزبه
الكافرين، وذكر قاسم بن ثابتٍ في الدلائلِ أن قريشًا حين توجّهت إلى بدرٍ مَرَّ هاتفٌ من
الجنّ على مكّة في اليوم الذي أوقع بهم المسلمون، وهو ينشد بأنفذ صوت، ولا يُرَى
شخصُه :
سَيَنْقَضُّ منها رُكْنُ كِسْرَى وَقَيصَرا
أُزَارَ الحَنِيفِيُّونَ بَدْرًا وَقِيعَةً
خَرَائِد يَضْربْنَ التَّرائب حُسَّرا
أبادَتْ رِجالاً من لُؤَيٍّ، وأبرزت
لقد جار عن قَصْد الهدى وَتحَيَّرا
فيا وَيْحَ مَنْ أَمْسَى عدوَّ مُحَمَّدٍ
فقال قائلهم: مَنْ الحنيفيون؟ فقالوا: هم محمد وأصحابه، يزعمون أنهم على دين
إبراهيم الحَنِيفِ، ثم لم يَلُوا أن جاءهم الخبرُ اليقين.
(١) سورة الفرقان آية رقم (٢٢).
١١٦

مُستبشرين بقَّسْمِ الله قولُهم
أهلاً وسهلاً ففي أمْنٍ وفي سَعَة
فأنزلوه بدار لا يُخاف بها
وقاسموه بها الأموال إذْ قدموا
سِرْنا وسارُوا إلى بَذْر لحَيْنِهُمُ
دلاَهُمُ بغُرُورٍ ثم أسْلمهم
وقال إنّي لكم جارٌ فأوْرَدَهم
ثم التقينا فولَّوْا عَن سَراتهمُ
لمَّا أتاهُمْ كريمُ الأصل مُختار
نِعْمِ النَّبيُّ ونِعْم القَسْم والجار
من كان جارَهم دارًا هي الدَّار
مهاجرِين وقَسْمُ الجاحدِ النَّار
لو يعلمون يَقينَ العِلم ما ساروا
إنَّ الخَبيث لمن والاهُ غَرّار
شرَّ المَوارد فيه الخزي والعار
منْ مُنْجدين ومنهم فرقة غارُوا
قال ابن هشام: أنشدني قوله: ((لما أتاهم كريم الأصل مختار)) أبو زيد
الأنصاري.
المطمعون من قريش :
من بني هاشم:
قال ابن إسحق: وكان المُطْمعون، من قُريشْ، ثم من بني هاشم بن عبد مناف:
العباس بن عبد المطلب بن هاشم.
من بني عبد شمس:
ومن بني عَبْد شَمْس بن عبد مناف: عُتبة بن رَبيعة بن عَبْد شَمْس.
من بني نوفل:
ومن بني نَوْفل بن عبد مناف: الحارث بن عامر بن نَوْفل، وطُعيمة بن عَدِيّ بن
نوفل، يعتقبان ذلك.
من بني أسد:
ومن بني أسد بن عبد العُزّى: أبا البَخْتَري بن هشام بن الحارث بن أسد،
وحكيم بن حزام بن خُوَيلد بن أسد، يَعْتقبان ذلك.
١١٧

من بني عبد الدّار:
ومن بني عبد الدّار بن قُصَيّ: النضر بن الحارث بن كَلَدة بن عَلْقمة بن
عبد مناف بن عبد الدار.
نسب النضر :
قال ابن هشام: ويقال: النضر بن الحارث بنِ عَلْقمة بن كَلَدة بن عبد مناف بن
عبد الدار.
من بني مخزوم:
قال ابن إسحاق: ومن بني مخزوم بن يَقَظة: أبا جهل بن هشام بن المغيرة بن
عبد الله بن عمر بن مَخْزوم.
من بني جمع:
ومن بني جُمح: أُميَّةَ بنَ خَلف بنٍ وهب بن حُذافة بن جُمح.
من بني سهم:
ومن بني سَهم بن عمرو: نُبَيْهَا ومُنبِّهَا ابني الحجّاج بن عامر بن حُذيفة بن
سَعد بن سَهْم، يَغْتقبان ذلك.
من بني عامر:
ومن بني عامر بن لؤيّ: سُهَيل بن عمرو بن عَبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن
مالك بن حِسْل بن عامر.
أسماء خيل المسلمين يوم بدر:
قال ابن هشام: وحدّثني بعضُ أهل العلم: أنَّه كان مع المُسلمين يوم بدر من
الخيل، فَرَس مَرْئَد بن أبي مَرْئد الغَنويّ، وكان يقال له: السَّبَل؛ وفرس المِقْداد بن عمرو
البَهْراني، وكان يقال له: بَعْزجة، ويقال: سَبْحة؛ وفرس الزبير بن العوّام، وكان يقال له:
اليغسوب.
خيل المشركين:
قال ابن هشام: ومع المشركين مائة فرس.
١١٨

نزول سورة الأنفال
ما نزل في تقسيم الأنفال:
قال ابن إسحاق: فلما انقضى أمرُ بدر، أنزل الله عزّ وجلّ فيه من القرآن الأنفال
بأسرها، فكان مما نَزَل منها في اختلافهم في النَّفل حين اختلفوا فيه ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ
الأنفَالِ قُل الأنفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَضْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وأطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(١) .
فكان عُبادة بن الصَّامت - فيما بلغني - إذا سُئل عن الأنفال، قال: فينا معشرَ أهل
بدر نزلت، حين اختلفنا في النَّفل يوم بدر، فانتزعه الله من أيدينا حين ساءت فيه
ذكر ما أنزل الله في بدر
أنزل سورة الأنفال بأسْرِها، والأنفالُ هي الغنائم، وقال أبو عُبَيْد في كتاب الأموال:
النَّفَلُ، إحسانٌ وتَفَضُّلْ من المنعِم فسمَّيت الغنائمُ أنفالاً، لأن الله تعالى تَفَضَّل بها على هذه
الأمة، ولم يُحِلَّها لأحد قَبْلهم. قال المؤلف: أما قوله: إن الله تفضّل بها فصحيحٌ، فقال قال
عليه السلام: ((ما أُحِلَّت الغنائم لأحدِ سُودِ الرُّؤوس قبلكم، إنما كانت نار تنزل من السماء
فتأكلها))(٢)، وأما قوله: فسُمِّيت الغنائم أَنْفَالاً لهذا، فلا أحسبه صحيحًا، فقد كانت العرب
في الجاهلية الجَهْلاَءِ تسميها أنفالاً .
وقد أنشد ابن هشام لأوسٍ بن حجر الأَسيدي، وهو جاهلي قدیم:
نَكَضْتُم على أَغْقابكم يوم جِئْتُمُ
تُرَجُونَ أنفالَ الخَميسِ العَرَهْرَم
ففي هذا البيت أنها كانت تسمى أنفالاً قبل أن يُحِلَّها الله لمحمد وأُمتِه، فأصل اشتقاقها
إذًا من النَّفْلِ، وهو الزيادة لأنها زيادة في أموال الغانمين، وفي بيت أوس بن حجر أيضًا
شاهد آخر على أن الجيش كان يسمى: خَمِيسًا في الجاهلية، لأن قومًا زعموا أن اسمَ
الخميس من الخمْس الذي يؤخذ من المغنم، وهذا لم يكن حتى جاء الإسلام، وإنما كان
لصاحب الجيش الرُّبْعُ، وهو المِزْبَاع، وسيأتي القول في اشتقاقه فيما بعد إن شاء الله. قرأ
ابنُ مسعود وعطاء ((يَسْألُونَك الأنفالَ)) وقرأت الجماعةُ: ﴿يسئلونك عن الأنفالِ﴾ والمعنى
صحيح في القراءتين؛ لأنهم سألوها وسألوا عنها لمن هي.
وقول عُبَادَةَ بن الصَّامت: نزلت فينا أهلَ بدر: ﴿يَسْتَلونَك عن الأنفال﴾ لأَنَا تَنَازَعنا
(١) سورة الأنفال آية رقم (١) وما وليها.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٣٢/١٠).
١١٩

أخلاقُنا؛ فردّه على رسول الله وَله، فقسمه بيننا عن بَواء - يقول: على السواء - وكان في
ذلك تقوى الله وطاعته، وطاعةُ رسوله وٍَّ، وصلاحُ ذات البين.
ما نزل في خروج القوم مع الرسول لملاقاة قريش:
ثم ذكر القومَ ومسيرَهم مع رسول الله وَّ﴿ حين عرف القومُ أنّ قريشًا قد ساروا
إليهم، وإنما خرجوا يُريدون العِير طمعًا في الغَنيمة، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ
بِالحَقّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجادِلُونَك فِي الحَقّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كأنَّما يُساقُونَ إلى
في النّفْلَ، وساءت فيه أخلاقُنا، كذلك جاء في التفسير لعَبْد بن حميد، وغيره أن عُبَّادة بنِ
الصامت مع الذين كانوا معه، وأبا اليَسَر كَعْب بن عَمْرو في طائفة معه، وكان أبو اليَسَرِ قد
قَتل قتيلين، وأسر أسيرين تنازعوا، فقال الذين حَوَوا المغنمَ: نحن أحَقُّ به، وقال: الذين
شُغلوا بالقتال، واتباع القوم نحن أحَقُّ به، فانتزعه الله منهم وردّه إلى نَبِيِّه - وَحهـ وقد
تقدم حديث سَعْد بن أبي وَقَّاص، حين جاء بالسيف، فأمر أن يجعله في القَبَضَ، فَشَقَّ
ذلك عليه، وكان السيفُ للعاصي بن سَعِيد، يقال له: ذو الكَنِيفَةِ، فلما نزلت
الآية أعطى رسولُ اللهِ - وَجه ـ السيفَ لسعد، وقسم الغنيمة عن بَوَاءِ أي: على سَوَاءٍ،
وقد قدّمنا الحديثَ الذي ذكره أبو عُبَيْد، وفيه أنه قسمها على فواقٍ،
فأنزل الله بعد: ﴿وَاعْلَمُوا أنما غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ﴾ الآية فنسخت ﴿قل الأنفال الله والرسول﴾
وهو أصحّ الأقوال أنها مَنْسُوخَةٌ(١). وأما من زعم أن الأنفال ما شَذَّ من العدو إلى
المسلمين من دَابَّة، أو نحوها، فليست منسوخة عنده، وكذلك قولُ مجاهد: إن الأنفالَ،
هو الخُمْسُ نَفْسُه، وإنما تكون منسوخة إذا قلنا إنها جملةُ الغنائم، وهو القول الذي تَشْهَد
له الآثار، قال أبو عُبَيْد: والأنفال تَنْقَسِم أربعة أقسام نَفْل لا يُخَمَّس، ونفل من رأس
الغَنِيمة، ونَفْل من الخُمْس، ونَفْل السَّرَايا وهو بعد إخراج الخُمْس، ونَفْل من خُمْس
الخُمْسِ، فأما الذي ليس فيه خُمْسٌ ولا يخرج من رأس الغَنِيمة، ولا من الخُمْسِ، فهو
سَلَبُ القَتِيلُ يُقتَل في غير مَعْمَعَةِ الحرب، وفي غير الزَّحْفِ، فهو ملك للقاتل، وهذا
القول هو قول الأوزاعي، وأهل الشام، وقول طائفة من أهل الحديث وفيه قول ثان، وهو
أن السّلَبَ من جُمْلة النَّقَلِ يُخمَّسُ مع الغنيمة، وهو قولُ مالكِ، وهو معنى قولِ ابنِ عباس
الذي في الموطأ حين سأله رجل عن الأنفال، فقال: الفرسُ من التَّفَلِ والدّزع من الثّفَل،
وقال في غير المُوطَّأ في هذا الحديث: الفَرَسُ من النفل، وفي النَّفَل الخُمْس أن الوليد بن
(١) وقيل: ليست بمنسوخة. انظر تفسير ابن كثير لهذه الآية.
١٢٠