النص المفهرس

صفحات 81-100

قال ابن هشام: وحدّثني أبو عُبيدة وغيرُه من أهل العلم بالمغازي: أن عمر بن
الخطّاب قال لسَعيد بن العاص، ومرّ به: إني أرَاك كأنّ في نفسك شيئًا، أراك تظن أني
قتلتُ أباك، إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلتُ خالي العاص بن هشام بن
المُغيرة، فأما أبوك فإني مررتُ وهو يبحث بحثَ الثور بروقهِ فحِدتُ عنه، وقصَدَ له ابنُ
عمّه عليّ فقَتله.
خبر عكاشة بن محصن
قال ابن إسحاق: وقاتَل عُكّاشَةُ بن مخصَن بن حُزثان الأسديّ، حليف بني
عبد شَمْس بن عبد مناف، يومَ بدر بسَيْفه حتى انقطع في يده، فأتى رسولَ الله وَله
فأعطاه جِدَلاً من حَطب، فقال: قاتل بهذا يا عُكَّاشَةُ، فلما أخذه من رسول الله ◌َژ هزّه،
فعاد سيفًا في يده طويل القامة، شديد المَثْن، أبيض الحَديدة، فقاتَل به حتى فتح الله
فأخذه فإذا سيفٌ قصير عريض فيه قَبائِعُ فضة (١) وحَلَق فِضَّةٍ قال أبو عُمَيْسٍ، فضرب به
القاسمُ عنقَ ثَوْر فقطعه، وثَلَم فيه ثَلْمًا، فرأيت القاسمَ جَزِع من ثَلْمِه جَزَعًا شديدًا.
إضمار حرف الجر:
وقول النبيّ عليه السلام الله الذي لا إله إلاّ هو، بالخفض عند سيبويه وغيره، لأن
الاستفهامَ عوضٌ من الخافضِ عنده، وإذا كنت مُخْيرًا قلت: الله بالنصب لا يجيز المُبرِّد
غيرَه، وأجاز سيبويه الخفضَ أيضًا لأنه قَسَمٌ، وقد عرف أن المقسَم به مخفوضٌ بالباء أو
بالواو، ولا يجوز إضمار حروف الجر إلاّ في مثل هذا الموضع؛ أو ما كثُر استعمالُه جدًا
كما رُوي أن رُؤْبَةً كان يقول: إذا قيل له كيف أصبحت؟ خَيْرِ عافاكَ الله.
وقول النبيّ - رَّه - في أبي جهلٍ حين ذكر مزاحَمَتَه له في مَأْدُبَة عبدِ الله بن جُدْعَان،
وقد تقدم في المولد التعريفُ بعبدِ الله بن ◌ُدعان وذكرنا خبرَ جفْنته، وسبب غناه بعد أن
کان صُغْلُوگا بأتمّ بیان.
خبر عكاشة بن محصن(٢)
يقال فيه: عُكَّاشَةُ بالتشديد والتخفيف، وهو من عَكَشَ على القوم إذا حَمَلَ عليهم،
قاله صاحبُ العين، وقال غيره لعُكّاشَةُ: [والعُكَّاش] العنكبوت، وأما سَيْفُه الذي كان جِزْلاً
(١) قبائع: جمع قبيعة: وهي التي تكون على رأس السيف.
(٢) انظر الخبر في البداية (٢٩٠/٣). والحديث أخرجه البيهقي في الدلائل (٩٨/٣).
٨١
الروض الأنف/ ج ٣/ م. ٦

تعالى على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى: العَوْن. ثم لم يزل عنده يَشْهد به
المشاهد مع رسول الله وَلّ حتى قُتل في الردّة، وهو عنده، قَتله طُلَيحة بن خُوَيلد
الأسدي، فقال طليحة في ذلك:
أليسُوا وإن لم يُسْلموا برجال
فما ظنّكم بالقوم إذ تقتلونهم
فلن تَذْهبوا فَرْغًا بقَتْل حِبال
فإن تك أذاودٌ أُصِبْن ونِسْوةٌ
معاوِدةٌ قِيلَ الكُماة نَزَال
نَصَبْت لهم صدرَ الحِمالة إنها
ويومًا تَراها غيرَ ذات چِلال
فيومًا تراها في الجِلال مَصُونةً
وعُكَّاشِة الغَنْمِيَّ عند حجال
عشيَّةَ غادرتُ ابن أقْرَم ثاويًا
قال ابن هشام: حِبالَ: ابن طَلَيحة بن خُويلد. وابن أَقْرَم: ثابت بن أقرم
الأنصاري .
من خَطَبٍ، فقد قيل: إنه لم يزل مُتَوَارَثًا عند آل عُكَاشَة، وقد رُوي مثل قول عكاشة في
السيف عن عَبْد الله بن جَخش، وسيأتي، ذكرها عند غزوة أحد، وأما قوله:
فلن يذهبوا قِرْعًا بقتل حِبَالٍ
فالقِرْعُ أن يُطَلَّ الدمُ، ولا يطلب بثأره، وحِبالُ: هو ابن أخي طُلَيْحَة لا ابنُه، وهو
حِبال بن مَسْلَمَة بن خُوَيْلِد، ومَسْلَمَةُ: أبوه هو الذي قَتَل عُكَّاشَةَ، اعتنقه مَسْلَمَةُ وضَرَبه
طُلَيْحَةُ على فَرَسٍ، يقال لها: اللِّزَامِ، وكان ثابتٌ على فرس يقال لها: المُخَبَّر، وقِصَّتُه
مشهورة في أخبار الرِّدَّة.
وذكر الواقدي في الردّة بعد قوله:
ويومًا تراها في ظِلالِ عَوَال
فَيَوْمًا تراها في الجلال مَصُونة
إلى آخر الشعر.
وذكر في الخبر أن عُكّاشة وثَابتَ بن أَقْرَمِ البَلَوِيَّ حليفي الأنصار كانا في جيش خالد
حين نَهَد إلى طُلَيحة، فاستقدما أمام جيش خالد للمسلمين، فوقعا في خيل لطُلَيْحة، وهو
فيهم، فاستشهدا معًا، وذلك في يوم بُزَاخَة(١)، كذلك قال كل من ألف من السِّيّر إلاّ سليمان
التَّيْمي، فإنه ذكر أنَّ عُكَاشَة قتل في سَرِيَّة بعثها رسولُ اللهِ وَّهَ إلى بني أسد، والأول هو
المعروف.
(١) بزاخة: موضع ماء لبني أسد، أو لطيىء ..
٨٢

قال ابن إسحاق وعُكَّاشة بن مِخصَن الذي قال لرسول الله وَلفر حين قال رسول
الله ◌َ﴾: ((يدخل الجنّة سبعون ألفًا من أمتي على صورة القمر ليلة البدر))، قال: يا رسول
الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم؛ قال: ((إنك منهم، أو اللهمّ اجعله منهم))، فقام رجل من
الأنصار. فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: ((سبقك بها عُكَّاشة
وبردّت الدعوة)).
وقال رسولُ اللهِ وَّه، فيما بلغنا(١) عن أهله: ((منَّا خيرُ فارس في العرب))؛ قالوا:
ومن هو يا رسول الله؟ قال: ((عُكّاشة بن مخصَن))، فقال ضرار بن الأزور الأسدي: ذاك
رجل منَّا يا رسول الله؛ قال: ((ليس منكم ولكنَّه منَّا للحِلْف)).
سبقك بها عكاشة:
وذكر قول النبيّ وَّ لِعُكّاشَةً حين قال: ((ادعُ الله يا رسول الله أن يجعلني منهم، فدعا
له، ثم قام رجل آخر، فقال: ادْعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: سَبَقَك بها عُّاشة))(٢). هكذا)
الحديثُ في الصَّحاح، وزاد ابن إسحق: وبَرَدَت الدعوة.
وذكر أبو عُمر النَّمَرِيُّ عن بعض أهل العلم، ولم يُسَمِهم أن الرجل الذي قيل له:
سَبَقَك بها عُكَّاشة كان مُنافقًا، ولذلك لم يَدْع له رسولُ الله ◌ِّر. قال المؤلّف: وهذا لا
يصح؛ لأن في مُسْنَد البَزَّار(٣) من طريق أبي صالح عن أبي هُرَيْرَةَ في هذا الحديث قال: فقام
رجل من خيار المهاجرين، فقال: ادْعُ الله أن يجعلني منهم، قال ابن بَطَّالٍ معنى قوله:
سبقك بها عكاشة، أي: سبقك بهذه الصِفة التي هي صفَةُ السبعين ألفًا، تَرْكُ التَّطَيُّر ونحوه،
ولم يقل: لستَ منهم، ولا على أخلاقهم بحسن أدبه عليه السلام، وتَلَطُّفِه في الكلامُ
[و] لا يسِيَّما مَع أصحابه الكرام.
قال المؤلف رضي الله عنه - والذي عندي في هذا أنها كانت ساعةً إجابة عَلِمها عليه
السلام، فلما انقضت، قال للرجل ما قال، يبين هذا حديثُ أبي سعيد الخُذريِّ، فإنه قال فيه
بعد ذكر عُكَّاشة، فقام رجل آخر، فقال: ادْعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: اللهم اجعله
(١) فيه مجاهيل.
(٢) أخرجه البخاري (١٧٤/٧) ومسلم في الإيمان (٣٦٧) والترمذي (٢٤٤٦) وأحمد في مسنده
(٢٧١/١) والدارمي (٣٢٨/٢). دون ((وبدون الدعوة)). وانظر ترجمة عكاشة بن محصن - رضي الله
عنه - في الطبقات (٩٢/٣) الإصابة (٤٩٤/٢) حلية الأولياء (١٢/٢) تاريخ الصحابة (١٤٩)
الاستيعاب (١٨٣٧/٣).
(٣) أخرجه البزار (٨٩/١).
٨٣
٠

حديث بين أبي بكر وابنه عبد الرحمن يوم بدر:
قال ابن هشام: ونادى أبو بكر الصدّيق ابنّه عبد الرحمن، وهو يومئذ مع
المُشركين، فقال: أين مالي يا خَبيث؟ فقال عبد الرحمن:
وصارِمٌ يَقْتل ضُلاَّل الشّيبْ
لم يَبْقِ غيرُ شِكَّة ويَعْبُوبْ
فيما ذُكر لي عن عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَزدي.
طرح المشركين في القليب
قال ابن إسحاق: وحدّثني يزيد بن رُومان عَنْ عُزوة بن الزُّبير عن عائشة، قالت:
لمّا أمر رسول الله وَ﴿ بالقتلى أن يُطرَحوا في القَلِيب طُرِحوا فيه، إلا ما كان أُمَيَّة بن
خَلَف، فإنه انتفخ في دِرْعه فمَلأها، فذهبوا ليحرّكوه، فتزايل لحمُه، فأقرّوه، وألْقَوا عليه
ما غيَّبه من التراب والحجارة. فلمَّا ألقاهم في القَلِيب، وقف عليهم رسولُ اللهِ وَلقتله
منهم، ثم سكتوا ساعةً يتحدّثون، ثم قام الثالث، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال:
سَبَقَكَ بها عُكَاشة، وصاحبه، ولو قلتَ لقلتُ، ولو قلتُ لوَجَبَتْ، وهي في مسند ابن أبي
شَيْبَة، وفي مسند البزار أيضًا(١). ويقوي هذا المعنى رواية ابن إسحق، فإنه زاد، فقال فيها:
سبقك به عُكَّاشة وبَرَدَتْ الدعوة، فقِف على ما ذكرته في تفسير حديث عكاشة، فإنه من
فوائد هذا الكتاب. وممن لم يشهد بدرًا لعُذْرٍ، وهو من النُّقَبَاء سَعْدُ بن عُبَادَة سَيِّدُ الخَزْرَج،
لأنه نَهَشتْه حَيَّةٌ، فلم يستطع الخروج هذا قول القُتِيِّ، ولذلك لم يذكره ابن إسحق، ولا ابن
عُقَبة في البَذْرِيِّين، وقد ذكره طائفةٌ فيهم، منهم ابن الكلبي وجماعة.
نداء أصحاب القليب(٢)
مسألة نحوية:
وقوله عليه السلام: يا عُثْبَةُ بن رَبِيعَةَ، ويا شَيْبَة بن رَبيعة: الحديث، يجوز يا شَيْئَةُ بن
رَبيعة، بضم التاء ونصب النون وبنصبهما جميعًا، أما من يقول: جاءني زيدٌ ابن فلان
بالتنوين، فهو الذي يقول: يا زيدُ ابن بضم الدال، ويكتب ابن بالألف على هذا، ومن
يقول: جاءني زيدُ ابنُ بلا تنوين، فهو الذي يقول في النداء: يا زيدَ ابن بنصب الدال،
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٢٧/٧) والبزار (٨٩/١).
(٢) انظر خبر أصحاب القليب في البخاري في الجهاد (١٨٤) الفتح (٧/ ٣٠٠) ومسلم في الجنة (١٤).
وانظر تاريخ الطبري (٣٧/٢).
٨٤

فقال: ((يا أهل القَلِيب، هل وجدتم ما وَعدكم ربّكم حقًّا؟ فإني وجدتُ ما وعدني ربي
حقًّا؟)) قالت: فقال له أصحابه: يا رسول الله، أَتُكَلْم قومًا موتي؟ فقال لهم: ((لقد علموا
أن ما وعدهم ربُهم حقًّا».
قالت عائشة: والناس يقولون: لقد سَمعوا ما قلتُ لهم، وإنما قال لهم رسول
الله ◌ُعَظلة: ((لقد علموا)).
قال ابن إسحاق: وحدثني حُمَيْدٌ الطّويل، عن أنس بن مالك، قال: سمع أصحابُ
رسول الله وَّله، رسول الله وَّل من جَوْف اللّيل وهو يقول: يا أهل القليب، يا عُتَبَةُ بن
ربيعة، ويا شَيْبةُ بن ربيعة، ويا أُميَّةُ بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام، فعدّد من كان
منهم في القليب: هل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؛ فإني قد وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا؟))
فقال المسلمون: يا رسول الله، أتُنادي قومًا قد جَيَّفوا؟ قال: ((ما أنتم بأسمع لمَا أقول
منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يُجيبوني)).
ويكتب ابنا بغير ألف، لأنه جعل الابن مع ما قبله اسمًا واحدًا، فعلى هذا تقول يا حارِث
ابن عمرو فتكتبه بألف، لأنك أردت يا حارثُ بالضم، لأنك لو أردت يا حارثَ ابن بالنصب
لم تَرخْمه، لأنه قد صار وسط الاسم، وقد جعله سيبويه بمنزلَة قولك: امرأ، وكذلك قوله:
ويا أبا جهل بن هشام إن نوَّنت اللام من أبي جهل كتبت الابن بألفٍ، وإن لم تنَوِّنْه كتبته
بغير ألف.
وذكر إنكارَ عائشة أن يكون عليه السلام قال: لقد سَمِعوا ما قلت، قالت: وإنما قال:
لقد عَلِموا أن الذي كنت أقول حق. قال المؤلّف: وعائشة لم تَخضر وغيرُها ممن حَضَر
أحفظُ للفظِه عليه السلام، وقد قالوا له: يا رسول الله أتخاطب قومًا قد جَيَّفُوا أو أجِيفوا(١)،
فقال: ما أنتم بأسْمَعَ لما أقولُ منهم، وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين، جاز أن
يكونوا سامعين؛ إما بآذان رُؤوسهم إذا قلنا: إن الروحَ يُعاد إلى الجسد أو إلى بعض الجسد
عند المُسَاءلة، وهو قول الأكثرين من أهل السُّنَّة، وإمّا بإذن القلب أو الروح على مذهب من
يقول بتوجُّه السؤال إلى الروح، من غير رجوع منه إلى الجسد، أو إلى بعضه، وقد رُوي أن
عائشة احتجت بقول الله سبحانه: ﴿وما أنْتَ بمُسْمِع مَنْ في القُبور﴾(٢) وهذه الآية كقوله
تعالى: ﴿أفأنت تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾(٣) أي: إن الله هو الذي يهدي ويوفق ويوصل
الموعظة إلى آذان القلوب، لا أنت، وجعل الكفّار أمواتًا وصُمَّا على جهة التشبيه بالأموات،
(١) أي أنتنوا.
(٣) سورة الزخرف آية رقم (٤٠).
(٢) سورة فاطر آية رقم (٢٢).
٨٥

قال ابن إسحاق: وحدّثني بعضُ أهل العلم أن رسول الله بَّر قال يوم هذه المقالة:
(يا أهل القَلِيب، بئس عَشِيرةُ النبيّ كنتم لنبيّكم، كذّبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني
وآواني الناس، وقاتلتُموني نَصرني الناس؛ ثم قال: هل وجدتم ما وَعدكم ربُّكم حقًّا؟»
للمقالة التي قال .
شعر حسّان فيمن ألقوا في القليب
قال ابن إسحاق: وقال حسَّان بن ثابت:
كخَطّ الوَحْي في الوَرَقِ القَّشِیبِ
عرفتُ دیارَ زَيْنب بالکَثِیب
من الوَسْميِ مُنْهمرٍ سَكوب
تَدَاوَلُها الرِيَّاحُ وکل جَوْن
يَبابا بعد ساكِنها الحَبيب
فأمسَى رسمُها خَلَقا وأَمسَتْ
ورُدَّ حرارة الصَّذْرِ الكَثِيب
فَدَعْ عنْك التَّذَكُّرَ كلَّ يومٍ
بصِذْق غيرِ إخبار الكذُوب
وخبّر بالذي لا عيبَ فيه
لنا في المُشركين من النَّصيب
بما صنَع المليك غداةً بدرٍ
وبالصُّمِّ، فالله هو الذي يُسْمِعهم على الحقيقة، إذا شاء لا نبيَّه، ولا أحدٌ، فإذًا لا تَعَلُقَ بالآية
من وجهين، أحدهما: أنها إنما نزلت في دُعاء الكفار إلى الإيمان.
الثاني: أنه إنما نفى عن نبيّه أن يكون هو المسمِع لهم وصَدَق الله فإنه لا يُسْمِعهم إذا
شاء إلاّ هو، ويفعل ما شاء وهو على كل شيء قدير.
من معاني شعر حسان
فصل: وذكر شعر حسّان وقال فيه:
كَخَطُ الوَحْي في الوَرَقِ القَشِيب
القشيبُ في اللغة: الجديدُ، ولا معنى له في هذا البيت، لأنهم إذا وصفوا الرسومَ
وشبَّهوها بالكَتْبِ في الورق، فإنما يصفون الخط حينئذ بالدُّرُوسِ والامْحَاءِ، فإن ذلك أدلّ
عليّ عَفَاء الديار وطُمُوس الآثار، وكثرةُ ذلك في الشعر تغني عن الاسْتِشهاد عليه، ولكن منه
قول النابغة :
عيت جوابًا وما بالرَّبع من أحد
[وقفت فيها أُصَيْلاَنَا أسائلها
والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد]
إلا الأواري لأياما أبينها
٨٦

بدَت أركانُه جُنْح الغُروب
غداةَ كأنّ جَمْعَهم حِراءٌ
كأُسْد الغابِ مُزْدانٍ وشِيب
فلاقَيْناهُم منَّا بِجَمْع
أمام محمَّد قد وَازَرُوهُ
على الأعداء في لَفْحِ الحُروب
وقول زُهَیْر :
فَلَأْيَا عَرَفْتَ الدارَ بعد تَوَهُّم
[وقفت بها من بعد عشرين حِجَّةً]
وقال آخر:
سُطُورٌ محاها البَاهِلِيُّ بن أصْمَعَا
وإلاَّ رُسُوم الدارِ قَفْرًا كأنها
ولكن أراد حسّان بالقشيب هاهنا الذي خالطه ما يُفْسِده، إمَّا مِن دَنَسٍ، وإما من قِدَمِ،
يقال: طَعَامٌ مُقَشَّب، إذا كان فيه السُّمُّ. وقال الشاعر: [خُوَيْلد بن مرّة أبو خِراشِ الهُذَلِيُّ]:
نحر تخالُه نَسْرًا قَشِيَبا
[يِهِ نَدَعُ الكَمِيَّ على يديه]
معناه: مَسْمُوم، لأن القَشْبَ هو السمّ قاله ابن قُتَيْبَةِ (١) في تفسير حديثٍ آخرُ من يخرج
من النار، وفيه قشَبَنِي ريحُها، وأحرقني ذكاها. وقال أبو حنيفة في القِشْبِ هو: نبات رَطْبٌ
مَسْمُوم يُنْصَب لسباع الطير في لحم، فإذا أكلته ماتت، قال: والعرب يُجَنِّبونه ماشيتَهم في
المرعى، كي لا تُحَطْمَه، فيفوحَ من ريحهِ ما يقتلها، فقوله في البيت الذي استشهد به
القُتبيَّ: تخاله نَسْرًا قشيبًا، أي: نَسْرًا أكل ذلك القِشب في اللحم والله أعلم، قال: والألْبُ
أيضًا، ضَرْبٌ من القِشْبِ، إن وجدت ريحَه سباعُ الطير عَمِيت وصَمَّت، وإن أكلته ماتت،
قال: والضّجَاجُ أيضًا: كلُّ نباتٍ مَسْموم.
معنى ألقائهم في القليب:
فصل: فإن قيل: ما معنى إلقائهم في القَلِيبِ، وما فيه من الفقه؛ قلنا: كان من سُنَّته
عليه السلامُ في مَغازيه إذا مرّ بجيفَة إنسانٍ أمر بدَفْنِهِ لا يَسألُ عنه مؤمنًا، كان أو كافرًا، هكذا
وقع في السُّنَنِ للدَّارَقُطْنِي، فإلقاؤهم في القَليبِ من هذا البابِ، غير أنه كرِهِ أن يَشُقَّ على
أصحابه لكثرة جِيَفِ الكفار أن يأمرَهم بدفنهم، فكان جرُّهم إلى القَلِيبِ أَيْسَرَ عليهم، ووافق
أن القليبَ حفره رجلٌ من بني النار، اسمه: بَذْرٌ، فكان. فألاً مقدّمًا لهم، وهذا على أحد
القولين في بدرٍ، والله أعلم.
(١) انظر غريب الحديث لابن قتيبة (ص ٧٣).
٨٧

بأيدِيهِم صَوارِمُ مُرْهَفاتٌ
بنُو الأوْس الغَطارفْ وازرَتْها
فغادَرْنا أبا جَهْلٍ صَرِيعًا
وكلُّ مجرَّب خاطِي الكُعوب
بنو النجَّار في الدّين الصلِيب
وعُتْبَةً قد تركنا بالجَبُوب
عود إلى شعر حسَّان:
وفي شعر حسَّان أيضًا:
بنو الأوْسِ الغَطارِفِ وازرتها
ولو قال آزرتها بالهمز لجاز، وكان من الأزْر، وفي التنزيل (فآزره) أي: شَدّ أزْرَه،
وقَوَّاه، ولكن أراد حسان معنى الوزير، فإنه سمي وَزِيرًا من الوَزَرِ، وهو الثّقْل، لأنه يَحْمِل
عن صاحبه ثِقْلاً ويُعينه، وقيل: هو من الوَزَرِ، وهو الملجأ، لأن الوزِيرَ يلجأ إلى رأيه، وقد
ألفَيْته في نسخة الشيخ أبي بَخر: آزَرْتُها مُصْلَحًا بغير واو إلاَّ أنَّ وازرتها وزنه: فَاعَلْت،
وآزرت وزنه أفْعَلْتُ.
وقوله :
وعُتْبَةَ قد تركنا بالجَبُوبِ
معنى الجبوب:
الجَبُوب اسمٌ للأرضِ، لأنها تُجَبُّ أي تحفر وتَجُبُّ من دُفِن فيها، أي تقطعه، وهذا
القول أولى، لأنهم قالوا: جَبُوبٌ مثل: صَبُور وشَكُور في المؤنث، ولم يقولوا: جَبُوبة،
فيكون من باب حَلُوبة ورَكُوبة، ويدخلون فيها الألفَ واللام تارةً، فيقولون: الجَبُوب، كما
في هذا البيت، وتارة يجعلونه اسمًا عَلَمًا، فيقولون: جَبُوب، مثل شَعُوب، قال الشاعر:
ثَوَى بین أَحْجّارٍ رَهِینَ جَبُوبٍ
بَنَى على قلبي وعيني مَكّانَه
ومنه قيل: جَبَّانْ وجَبَّانَةَ للأرض التي يُذْفَنُ فيها الموتى، فهو فَعْلاَن من الجَبِّ
والجَبُوب، وهو قولُ الخليل في معنى الجَبَّانِ، وغيرُه يجعله فَعَّالاً من الجُبن.
مرّة أخرى شعر حسَّان:
وقوله: خاطي الكُعُوب، أي: مُكتيِزِ الكُعُوب قَويُّها [والكُعُوب: عُقد القناة]، وقولُ
حَسَّان: الغَطَارِف، أراد: الغَطَارِيف كما تقدم في شعر الجُزْهُمِيِّ:
تَطلَّ بها أَمْنا وفيها العَصَافر
أراد العصافير، وحذف الياء ضرورة.
٨٨

ذوي حسبٍ إذا نُسِبوا حَسیبٍ
وَشَيْبَةً قد تَرَكْنا في رجال
قَذَفْناهُمْ کَباكِب في القَلِیب
يُناديهم رسول الله لمَّا
وأمْرُ الله يأخذُ بالقُلوب؟
ألم تجِدُوا كلامي كان حَقًّا
صدقتَ وكنتَ ذا رأي مُصيب!
فما نَطقُوا، ولو نطقُوا لقالوا:
قال ابن إسحاق: ولمّا أمر رسول الله ﴿ أنْ يُلْقوا في القليب، أُخِذَ عُتبةُ بن ربيعة،
فسُحِب إلى القَليب، فنظر رسول الله وَ لجر - فيما بلغني - في وجه أبي حُذيفة بن عُتبة،
فإذا هو كَئيب قد تغير لونه، فقال: ((يا أبا حُذيفة، لعلَّك قد دخلَك من شأن أبيك
شيء؟)) أو كما قال ◌َّ؛ فقال: لا، والله يا رسول الله، ما شككتُ في أبي ولا في
مضرعه، ولكنني كنتُ أعرِف من أبي رأيًا وحلْمًا وفضلاً، فكنت أرجو أن يَهْدبه ذلك إلى
الإسلام، فلما رأيتُ ما أصابه، وذكرتُ ما مات عليه من الكفر، بعد الذي كنتُ أرجو
له، أخزنني ذلك، فدعا له رسول الله وَله بخَيْر، وقال له: خيرًا.
من نزل فيهم: ﴿إن الذين توفّاهم الملائكةُ ظالمي أنفسهم»:
وكان الفِتْية الذين قُتلوا ببدر، فنزل فيهم من القرآن، فيما ذُكر لنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
تَوِفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرضِ قَالُوا أَلَمْ
تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهاجِرُوا فيها فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾(١) فِتيةً
مُسمَّين. من بني أَسَد بن عبد العُزّى بن قُصيّ: الحارث بن زَمْعَةَ بن الأسود بن
عبد المطّلب بن أسد.
تفسير قول ابن أبي بكر:
فصل: وذكر قول أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه لابنه يوم بدر أين مالي يا خبيثُ،
فقال :
لم يَبْق إلا شِكَّةً ويَعْبُونْ
الشّكَّةُ: السلاحُ، واليَعْبُوبُ من الخيلِ: الشديدُ الجَزْي، ويقال: الطويلُ، والأَوَّلُ
أصَحُ، لأنه مأخوذ من عُبَابِ الماء، وهو شِدَّةً جَزيه، ويقال للجَذْوَلِ الكثير الماء: يَعْبُوبٌ،
وقد كان للنبيّ وَّ فَرَسٌ اسمه: السّكْب وهو من سَكَبْتُ الماءِ، فهذا يُقوي معنى اليَعْبُوبِ،
وذكر غير ابن إسحق أنَّ عبد الرحمن بن أبي بكر قال لأبيه بعدما أسلم: يا أَبَتِ لقد
(١) سورة النساء آية رقم (٩٧).
٨٩

ومن بني مخزوم: أبو قَيْس بن الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مَخْزُوم،
وأبو قَيْس بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
ومن بني جْمَح: عليُّ بن أُميَّة بن خَلَف بنٍ وَهْب بن حُذافة بن جْمَح.
ومن بني سَهم: العاصُ بن مُنبه بن الحجّاج بن عامر بن حُذَيفة بن سعد بن سهم.
وذلك أنهم كانوا أسلموا، ورسول الله وَّه بمكة، فلما هاجر رسولُ اللهِ وَّل إلى المدينة
حَبسهم آباؤهم وعَشائرهم بمكة وفَتنوهم فافتَتنوا، ثم ساروا مع قومهم إلى بَذْر فأُصيبوا به
جميعًا .
ذكر الفيء ببدر
ثم إن رسولَ اللهِ وَّ﴿ أمر بما في العَسْكر، مما جَمع الناسُ، فجمع، فاختلف
المُسلمون فيه، فقال من جَمَعَه: هو لنا، وقال الذين كانوا يُقاتلون العدوّ ويَطلبونه: والله
لولا نحن ما أصَبْتموه لنحن شَغلنا عنكم القوم حتى أصبْتم ما أصبتم؛ وقال الذين كانوا
يحرسون رسول الله ◌َيهر مخافة أن يُخالِفَ إليه العدوّ: والله ما أنتم بأحقَّ به منّا، والله لقد
رأينا أن نَقْتل العدوَّ إذ مَنحنا الله تعالى أكتافه، ولقد رأينا أن نَأخذ المَتاع حين لم يكن
دونه من يَمْنعه ولكنَّ خِفْنا على رسول الله وََّ كرَّة العدوّ، فقُمنا دونه، فما أنتم بأحَقّ به
منّا .
أهْدَفْتَ لي يوم بدر مِرارًا فَصَدَفْتُ (١) عنك، فقال: وللِهِ لو كنتَ أَهْدَفْت لي أنت ما صَدَفْتُ
عنك.
العرش والعريش
فصل: وذكر تنازُعهم في النفل، وما احتجّت به الطائفةُ الذين كانوا يَخمون رسول
اللهِ وََّ فِي العَريش، والعَريشُ: كلَّ ما أظلَّك وعلاك من فوقك، فإن علوته أنت فهو عَرْشٌ
لك، لا ◌َرِيش، والعَريش أيضًا فيما ذكر أبو حنيفة أربع نخلات أو خمس في أصل واحد.
بنو عابد وبنو عائذ:
وذكر قول أبي أُسَيْدٍ: وَجَدْتُ يومَ بدر سيف بني عابدِ الذي يقال له المَرْزُبَان. بنو عابدٍ
في بني مَخْزُوم، وهم بنو عابدِ بنِ عبدِ اللهِ بن عُمَرَ بنِ مَخْزوم، وأما بنو عائذٍ بالياء والذال
(١) صدفت: أي حِلت وابتعدت عنك.
٩٠

قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن
سُليمان بن موسى، عن مَكحول، عن أبي أمامة الباهلي - واسمه صُدَيّ بن عجلان فيما
قال ابن هشام - قال: سألت عُبادة بن الصَّامت عن الأنفال، فقال: فينا أصحابَ بدر
نزلت حين اختلفنا في النَّفَل، وساءت فيه أخلاقُنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعَله إلى
رسوله، فقسَمه رسول الله وَله بين المسلمين عن بَوَاء يقول: على السواء.
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر، قال: حدّثني بعض بني ساعدة عن
أبي أُسيد الساعديّ مالك بن ربيعة، قال: أصبتُ سيفَ بني عائذ المُخزوميين الذي يسمَّى
المَرْزُبان يوم بدر، فلما أمر رسول الله وَّر الناس أن يردّوا ما في أيديهم من النَّفَل، أقبلتُ
حتى ألقيتُه في النَّفَل. قال: وكان رسول الله بَّهَ لا يَمنع شيئًا سُئِله، فعرَفه الأرقمُ بن أبي
الأرقم، فسأله رسول الله وَلّر، فأعطاه إياه.
المعجّمة، فهم بنو عائذٍ بن عِمْرَان بنِ مَخْزُوم رَهْط آل المُسَيَّب، والأولون رَهْطُ آل بني
السائب.
حول القسم:
وأما قوله: فقسمها رسول الله - رَّ﴿ه ـ عن بَوَاءٍ يقول: على سَوَاءٍ، فقد رواه أبو عُبَيْدٍ
في الأموال، فقال فيه: فقسمها رسول الله - وَ ﴿ - عن فُوَاقٍ، وفسّره، فقال: جعلَ بعضَهم
فوقَ بعضٍ، أي فضَّل في القسم مَنْ رأى تفضيلَه، وفي غريب الحديث قولاً آخر، وهو أن
معنى عن فُوَاق: السُّرْعة في القسم كَفُواق الناقة، ورواه ابن إسحق أشهر وأَثْبَتُ عند أهل
الحدیث .
سبب نزول أوّل الأنفال:
وفي الحديث الذي ذكره أبو عُبَيْد أن سَعْدَ بن أبي وقّاصٍ، قال: قتلتُ يوم بدر
العاصِيّ بن سَعيد بن العاصي، وأخذتُ سيفَه، وكان يقال له: ذو الكَتِيفَة. فأتيت به رسولَ
الله - رَ - وقُلت: يا رسول الله نَفْلْنِيه، فأمرنِي أن أجعلَه في القَبَضِ(١)، فأخذني ما لا يعلمه
إلا الله، فقلت: قُتِل أخي عُمَيرٌ وأُخِذَ سَلَبي فأنزل الله ﴿يَسْئَلُونَك عن الْأَنْفَال﴾(٢) الآية،
فأعطاني رسولُ اللهِ نَّهَ السيفَ(٣)، قال أبو عُبَيْد وأهل السِّيّر يقولون: قَتَل العاصِيّ بنَ سعيد
عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
(١) القَبَض: أي المقبوض.
(٢) سورة الأنفال آية رقم (١).
(٣) أخرجه مسلم في الجهاد (٤٤/٤٣) والترمذي (٣٠٧٩) وأبو داود (٢٧٤٠) بتحقيقي والنسائي في =
٩١

بعث ابن رواحة وزید بشيرين:
قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله ◌َ﴿ عند الفَتْح عبد الله بن رواحة بشيرًا إلى
أهل العالية، بما فَتح الله عزّ وجلّ على رسوله وَّهِ وعلى المسلمين، وبعث زيد بن
حارثة إلى أهل السَّافلة. قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبرُ - حين سوَّينا التراب على رُقَيَّة
ابنة رسول الله وَ﴿، التي كانت عند عثمان بن عفَّان. كان رسول الله وَ له خَلَّفني عليها مع
عُثمان - أن زيدَ بن حارث قد قَدِم. قال: فجئته وهو واقف بالمصلى قد غَشِيَه الناس،
وهو يقول: ((قُتِل عُتبة بن ربيعة، وشَيْبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وزَمَعَة بن
الأسود، وأبو البَختَرِيّ والعاصُ بن هشام، وأُمَيَّة بن خَلف، ونُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجَّاج. قال:
قلت: يا أَبَتِ، أحقّ هذا. قال: نعم، والله يا بنيّ.
قفول رسول الله من بدر:
ثم أقبل رسول الله وَله قافلاً إلى المدينة، ومعه الأُسارى من المشركين، وفيهم
عُقبة بن أبي مُعَيط، والنَّضْر بن الحارث، واحتمل رسول الله وَّر معه النَّفَل الذي أُصِيب
من المشركين، وجعل على النَّفَل عبدَ الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذُول بن
عمرو بن غَنْم بن مازن بن النَّجَّار؛ فقال راجز من المسلمين - قال ابن هشام: يقال: إنَّهُ
عُدَيّ بن أبي الزَّغْباء:
أليس بذي الطَّلح لها مُعَرَّسُ
أَقِمْ لهَا صُدُورَها يَا بَسْبَسُ
إنَّ مَطايا القوم لا تُخَيَّس
ولا بصَخْراءِ غُمَيرٍ مَخْبَسُ
قد نصر الله وفرّ الأخنس
فحمْلها على الطَّرِيقِ أَكْيَسُ
ثم أقبل رسول الله بَله ـ حتى إذا خرج من مَضيق الصَّفراء نزل على كَثِيبٍ بين
المَضِيق وبين النازية - يقال له: سَير - إلى سَرْحة به. فقسّم هنالك النَّفَل الذي أفاء الله
على المسلمين من المشركين على السواء ثم ارتحل رسولُ الله ◌َلّر، حتى إذا كان
بالزوحاء لَقِيه المسلمونُ يهنّئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين، فقال لهم
سَلَمة بن سلامة - كما حدّثني عاصم بن عمر بنِ قتادة، ويَزيد بن رُومان: ما الذي
الكبرى [تفسير سورة الأنفال] وأحمد (١٧٨/١) والطيالسي (٢٠٨) وأبو يعلى (٧٣٥ /٧٨٢) وأبو
=
نعيم في الحلية (٣١٢/٨) والبخاري في الآداب (٢٤) وأبو عوانة (١٠٣/٤).
٩٢

تُهنّئُوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صُلْعًا كالبُدْن المُعَقلة، فنحرناها، فتبسم رسول
الله وَلي ثم قال: أي ابن أخي، أولئك المَلأَ .
قال ابن هشام: الملأ: الأشراف والرؤساء.
مقتل النضر وعقبة :
قال ابن إسحاق: حتى إذا كان رسول الله ﴿ ﴿ بالصَّفْراء قُتِل النَّضر بن الحارث،
قَتله عليّ بن أبي طالب، كما أخبرني بعضُ أهل العلم من أهل مكة.
قال ابن إسحاق: ثم خرج حتى إذا كان بعِرْق الظَّنْيَةِ قُتل عُقْبة بن أبي مُعَيط.
قال ابن هشام: عِزْق الظّبية من غير ابن إسحق.
قال ابن إسحاق: والذي أسَرَ عُقْبة: عبدُ الله بن سَلِمة أحدُ بني العَجْلان.
قال ابن إسحق: فقال عُقْبة حين أمر رسول الله وَله بقَتْله فمن للصَبْية يا محمد؟
قال: النار. فقَتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، أخو بني عمرو بن عوف،
كما حدّثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر.
قال ابن هشام: ويقال قتله عليّ بن أبي طالب فيما ذكر لي ابن شهاب الزهري
وغيرُه من أهل العلم.
عقبة بن أبي معيط:
فصل: وذكر أن رسولَ الله - رَّهــ قَتْلَ عُقْبَةَ بن أبي مُغيطٍ، قال: وكان الذي أَسَرَهُ
عبد الله بن سَلِمَةَ، وسَلِمَةُ هذا بكسر اللاَّم، وهو سَلِمَةُ بن مالك أحدُ بني العَجْلاَنَ بَلَوِيّ
بالنّسَب أنصاري بالحِلْف، قُتِل يومَ أُحُدٍ شهيدًا وأما عُقْبَةُ بن أبي مُعَيْطٍ، فاسم أبي مُعَيْطٍ
أَبَانَ بن أبي عَمْرو، واسمُه ذَكْوَانُ بن أُمَيَّة، يقال: كان أُمَيَّةُ، قد سَاعَى أَمَةً(١) أو بَغَتْ
أَمَةٌ له، فحملت بأبي عَمْرو، فاسْتَلْحَقَه بحكم الجاهلية؛ ولذلك قال عُمَرُ بنُ
الخَطَّاب - رضي الله عنه - لعُقْبَةً حين قال: أَأُقْتَلُ من بين قُرَيْشِ صَبْرًا، فقال عُمَر: حَنَّ
قِدْحٌ ليس منها (٢)، يُعَرِّضُ بنَسَبه، وذلك أن القداح في المَيسِر ربما جُعل معها قِدْحٌ
(١) ساعى أمّة: أي زنا بها. والعياذ بالله.
(٢) حنّ قدح ليس منها: مثل يُضرب لرجل يُنسب إلى نسب ليس منه.
٩٣

قال ابن إسحاق: ولقي رسول الله وَ ل و بذلك الموضع أبو هنْد، مولى فَرْوة بن
عَمْرو البَياضي بحمِيت مملوء حَيْسًا.
مستعار قد جُرِّب منه الفَلَحُ والْيُمْنُ فَيُسْتَعار لذلك، ويُسَمَّى: المَنِيحَ، فإذا حُرِّكَ في الرِبَابَةِ
مع القِداح تَميَّز صوته لمخالفة جَوْهَرِهِ جَوهَر القداح، فيقال: حينئذ حن قِدح ليس منها،
فتمثّل عُمَرُ بهذا المَثل، يريد أن عُقْبَةَ ليس من قُرَيش، وكذلك رُوي أن النبيَّ - ◌ِّ -
قال حينَئذٍ: إنما أنتَ يَهُودِيٍّ من أهل صَفُورِيةً(١)، لأن الأمَة التي وَلَدت أباه كانت
ليهودِيُّ من أهلِ صَفُورِيَةَ، واسمُها: تُزْنَى، قاله القُتَّبِيُّ، وكذلك قال دَغْفلُ بنُ حَتْظَلَة
النَّسَّابة لمعاويةً حين سأله: هل أدركت عبد المطلب؟ فقال نعم أدركته شَيْخًا وَسيمًا
قَسيمًا جَسيمًا يحُفُّ به عَشَرَةٌ مِنْ بنيه كأنهم النجوم، قال: فهل رأيت أُميَّة بن
عبد شمس؟ قال: نعم رأيته أَخَيْفِشُ(٢) أُزَيْرِقُ دمِيمًا، يقوده عبدُه ذَكْوَانُ، فقال: ويُحَك
ذاك ابنُه أبو عمرو، فقال دَغْفَلٌ: أنتم تقولون ذلك.
الطعن في نسب بني أمية:
قال المؤلّف:
وهذا الطعن خاص بنسب عُقْبَة من بني أمية، وفي نَسَب أُميَّة نفسِه مقالةٌ أخرى تعم
جميع الفَصِيلة، وهي ما رُوي عن سَفِينَةٍ(٣) مَوْلى أُمْ سَلَمَةً حين قِيل له: إن بني أُمَيَّة يزعمون .
أن الخِلافَةَ فيهم، فقال: كذبت استَاهُ بني الزَّرْقَاءِ، بل هم مُلوك، ومن شرّ الملوك، فيقال:
إن الزَّزْقَاء هذه هي [أُمُّ] أُمَيَّة بن عَبْدِ شَمْسٍ، واسمها أَزْنبُ، قاله الأَصْبَهَانِيّ في كتاب
الأمثال، قال: وكانت في الجاهلية من صَوَاحِبِ الرايات (٤).
قال المؤلف رضي الله عنه: وقد عَفَا الله عن أمرِ الجاهِلِيَّة، ونهى عن الطعن في
الأنساب، ولو لم يجب الكفُّ عن نَسَبِ بني أمية إلا لموضع عُثمان بن عَفَّان رضي الله عنه،
لكان خَرَی بذلك.
(١) صفورية: بلدة بالأردن.
(٢) أخيفش: تصغير أخفش، وهو فساد في العين يضعف نورها.
(٣) هو مهران مولى رسول الله وَله.
(٤) صواحب الرايات: كانت البغايا في الجاهلية ينصبن راية تدل على أن هذا البيت هو أحد بيوت
البغاء، كحال ما يجري في جاهلية اليوم من تعريف شوارع بعينها كشارع الهرم، فهو محل الراقصات
وأهل الزنا والبغاء، وما أكثر شوارع الهرم في الأمصار الإسلامية !!!.
٩٤

وقال ابن هشام: الحَميتُ: الزَّقّ، وكان قد تخلَّف عن بدر، ثم شهد المشاهد كلّها
مع رسول الله وَّ﴾، وهو كان حجَّام رسول الله وَله، فقال رسول الله وَل: ((إنما هو أبو
هند امرؤ من الأنصار فأنكِحوه، وانْكِحوا إليه، ففعلوا)).
قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله وَ﴿ حتى قدم المدينةَ قبل الأسارى
بيوم.
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر أن يحيى بن عبد الله بن عبد
الرحمن بن أسعد بن زُرَارة، قال: قدِم بالأسارَى حين قدِم بهم، وسَوْدةُ بنت زَمْعَة زوج
النبيّ وَ لّ عند آل عَفْراء، في مَناحتهم على عَوْف ومُعوّذ ابني عفراء، وذلك قبل أن
يُضرب عليهنّ الحجاب.
قال: تقول سَوْدة: والله إني لعندهم إذ أُتِينا، فقيل: هؤلاء الأُسارى، قد أُتِي بهم
قالت: فرجعت إلى بيتي، ورسول الله وَّ﴿ فيه، وإذا أبو يَزيد سُهَيل بن عمرو في ناحية
الحُجرة، مَجْموعةً يداه إلى عُنقه بحَبْل قالت: فلا والله ما ملكت نَفْسِي حين رأيت أبا
يَزيد كذلك أن قلْت: أي أبا يزيد: أعطيتمٍ بأيديكم، ألا مُثُم كرامًا، فوالله ما أنبهني إلا
قول رسول الله وَلّر من البيت: ((يا سودة، أَعلَى الله ورسوله تحرّضین؟)) قالت: قلت: يا
رسول الله، والذي بعثك بالحقّ، ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى
عنقه أن قلت ما قلت(١).
قال ابن إسحاق: وحدّثني نُبِيه بنُ وَهْب، أخو بني عبد الدار. أن رسول الله وَل
حين أقبل بالأسارى فرّقهم بين أصحابه، وقال: اسْتَوْصُوا بالأسارى خيرًا. قال: وكان أبو
عَزِيز بن عُمَير بن هاشم، أخو مُصْعَبٍ بن عُمَيْر لأبيه وأمه في الأُسَارَى.
أبو هند الحجّام:
فصل: وذكر أبا هند الحَجَّام، وأنه لقي رسولَ اللهِ وَلّ مُنْصَرَفَه من بَدْرٍ. أبو هند
اسمُه: عبدُ الله، وهو مولى فَرْوَةَ بن عَمْرو البَيَاسيّ، وأما طيبة(٢) الحَجَّام فهو مَوْلى بني
حارثة، واسمه: نافع، وقيل: دُنَيْر وقيل: مَيْسَرَةُ، ولم يشهد بدرًا.
(١) أخرجه الطبري في تاريخه (٣٩/٢) والحاكم (٢٢/٣) والبيهقي (٨٩/٩).
(٢) قوله: وأما طيبة، لعله تصحيف صوابه: وأبو طيبة. وهي كنية نافع الحجام.
٩٥

قال: فقال أبو عزيز: مرّ بي أخي مُصْعب بن عمير ورجلٌ من الأنصار يَأسِرني،
فقال: شُدَّ يَدَكَ به، فإن أمَّه ذاتُ مَتاع، لعلّها تَفْديه منك، قال: وكنت في رَهْطٍ من
الأنصار حين أقبلوا بي من بَذْر، فكانوا إذا قدّموا غَداءَهم وعشاءهم خصّوني بالخُبز،
وأكلوا النَّمر، لوصيَّة رسول الله وَّرَ إياهم بنا، ما تقَعَ في يدِ رجل منهم كسرة خبز إلا
نَفَحني بها. قال: فأستحيي فأردّها على أحدهم، فيردّها على ما يمسّها.
بلوغ مصاب قريش إلى مكة:
قال ابن هشام: وكان أبو عَزيز صاحب لَواء المشركين ببدر بعد النَّضر بن
الحارث، فلما قال أخوه مُصْعب بن عمير لأبي اليَسَر، وهو الذي أسره، ما قال قال
له أبو عَزيز: يا أخي، هذه وَصَاتُك بي، فقال له مُضْعب: إنه أخي دونك. فسألت
أمَّه عن أغلى ما فُدِي به قرشيّ، فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعت بأربعة آلاف
درهم، فقدته بها.
قال ابن إسحاق: وكان أوّل من قدم مكةَ بمصاب قريش الحَيْسُمان بن عبد الله
الخُزاعيّ، فقالوا: ما وراءك؟ قال: قُتل عُثْبة بن ربيعة، وشَيْبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن
هشام، وأُميَّة بن خَلف، وزَمَعة بن الأسود، ونُبيه ومنبَّه ابنا الحجّاج، وأبو البختري بن
هشام، فلما جعل يُعدّد أشراف قريش؛ قال صَفْوان بن أُميَّة، وهو قاعد في الحِجْر: والله
إن يَعْقل هذا فاسألوه عني؛ فقالوا: ما فعل صَفْوان بن أُميَّة؟ قال: ها هو ذاك جالسًا في
الحجر، وقد والله رأیتُ أباه وأخاه حین قُتلا.
أساری بدر:
ذكر فيهم أبا عَزِيز بن عُمَيْرِ حين مرَّ به، وهو أَسِيرٌ على أخيه مُضْعَبٍ، فقال مُضْعَبٌ
للذي أسره: اشْدُد یدیك به وذكر الحديث.
قال المؤلف رحمه الله: وقد تقدم في باب الهجرة خبرُ إسلام مصعب، وما كانت أُمّه
تصنع به، وأرجأت التعريف به وبإخوته إلى هذا الموضع، فأما أبو عَزِيز، فاسمه زُرَارَةُ،
وأُمه التي أرسلت في فدائِه أُم الخُنَاسِ بنت مالك العامرية، وهي أُم أخيه مُضْعَبٍ، وأخته
هند بن عُمَيْر، وهند هي أُم شَيْبَة بن عُثْمانَ حاجبِ الكعبة، جد بني شَيْبَة أسلم أبو عَزِيزِ،
وروى الحديث، وأسلم أخوه أبو الروم، وأبو يَزِيدَ: ولا خَفَاءَ بإسلام مُضْعَبٍ أخيه، وغلط
الزُّبَيْر بن بَكَّار، فقال: قُتل أبو عزيز يومَ أُحُدٍ كافرًا، ولم يصح هذا عند أحَدٍ من أهل
الأخبار، وقد رُوي عنه نُبَيْهُ بنُ وهب وغيره، ولعلَّ المقتول بأَحُدٍ كافرًا أخٌ لهم غيره.
٩٦

قال ابن إسحاق: وحدّثني حُسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة
مولى ابن عبّاس، قال: قال أبو رافع مولى رسول الله وَلّر: كنت غلامًا للعبَّاس بن
عبد المطّلب، وكان الإسلام قد دَخَلنا أهل البيت، فأسلم العبّاس وأسلمت أُمُّ الفضل
وأسلمت وكان العبَّس يهاب قومَه ويكره خِلافهم وكان يكتُم إسلامَه، وكان ذا مال كثير
متفرّق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلّف عن بدر، فبعث مكانَه العاصي بن هشام بن المغيرة،
وكذلكَ كانوا صنعوا، لم يتخلَّف رجلٌ إلاّ بَعث مكانَه رجلاً، فلما جاءه الخبرُ عن
مُصاب أصحاب بدر من قريش، كبته الله وأخزاه، ووجَدْنا في أنفسنا قوَّةً وعزًّا. قال:
وكنت رجلاً ضعيفًا، وكنت أعمل الأقداح. أنحتُها في حُجْرة زَمْزم. فوالله إني لجالسٌ
فيها أنْحَت أقداحي، وعِنْدي أُم الفَضْل جالسةٌ وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو
لهب يجر رِجليه بِشَرّ، حتى جلس على طُنُب الحُجْرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينما هو
جالسٌ إذ قال الناسُ: هذا أبو سُفيان بن الحارث بن عبد المطلب - قال ابن هشام:
واسم أبي سفيان المغيرة - قد قدم قال: فقال أبو لهب: هَلُمَّ إليّ، فعندك لعمري الخبرُ،
قال: فجلس إليه والناسُ قيامٌ عليه، فقال: يا ابن أخي، أَخبرني كيف كان أمر الناس؟
قال: والله ما هو إلا أن لَقينا القومَ فمَنَخْناهم أكتافَنا يقُودوننا كيف شاءُوا ويأسِرُوننا كيف
شاءوا، وأيمُ الله مع ذلك ما لُمت الناس، لِقينا رجالاً بيضًا، على خيل بُلْق، بين السماء
والأرض، والله ما تُلِيق شيئًا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفَعْت طُنُب الحُجرة
بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة؛ قال: فرفع أبو لهب يده فضَرب بها وجهي ضربةً
خبر أبي رافع حین قدم فل قریش:
اسم أبي رافع: أسلَمُ، وقال ابنُ مَعينٍ: اسمُه إبراهيم، وقيل: اسمه هُرْمُزُ(١)، وكان
عبدًا قِبْطِيًّا للعباس، فوهبه للنبي وَّر، فلما أسلم العباسُ وبشّر أبو رافع رسولَ الله - اَلّ -
بإسلامه، فأعتقه، فكان مولى رسول الله - رَّل * - وقيل: كان عبدًا لبني سعيد بن العاصي،
وهم عشرة فأعتقوه إلا خالدَ بنَ سعيد، فإنه وَهَبَ حِصَّتَه فيه للنبي - وَلّ ـ فأعتقه
النبيُّ - رَلير - والأول أصح توفّي في قول الواقِدي قبل مقتل عثمان بيسير.
أم الفضل وضربها لأبي لهب:
وذكر أبا لهب وضربه لأبي رافع حين ذكر الملائكة وانتصار أُمّ الفَضْلِ له وضربها لأبي
لهب، وأُمُّ الفَضْلِ هي لُبَابَةُ الكُبرى بنتُ الحارث [بن حَزْن بن بُجَيْر بن الهُزَمِ بن رُوَيْبة بن
(١) وقيل: يسار، وقيل صالح، وقيل: عبد الرحمن. وقيل: أسلم وهو أشهر.
الروض الأنف/ ج ٣/ ٢ ٧
٩٧

شديدة. قال: وثاوزتُه فاحتَملني فضرب بي الأرض، ثم برك عليّ يَضْربني، وكنت رجلاً
ضعيفًا، فقامت أُمُّ الفضل إلى عمود من عمد الحُجرة، فأخذته فضربته به ضربةً فَلَعت في
رأسه شجَّةً مُنكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيدُه فقام، مُؤَلًِّا ذليلاً، فوالله ما
عاش إلا سَبْعَ ليالٍ حتى رماه الله بالعَدَسة فقتلته.
عبد الله بن هلال بن عامر بن صَعْصَعَة] الهِلالِيَّة أختُ مَيْمُونة، وأخُتها لبَابَةُ الصَّغْرِى أُمْ
خالدُ بنُ الوَلِيدِ، ولدت أُمُّ الفضل من العباس سبعةً نُجَبّاءَ قال الشاعر:
ما وَلَدَتْ نحِيبَةٌ من فَخلٍ
كَسَبْعَةٍ من بَطْنٍ أُمِّ الفَضْلِ
وهم عَبْد الله وعُبَيْد الله، وعبدُ الرحمن، والفضل، ومَعْبِدُ، وقُثَم، ويقال في السابع:
كَثِيرُ بنُ العباس، والأَصَحُّ في كثير أن أُمَّه رُوميَّة، ولم تلد أُمُّ الفضل من العباس إلاَّ مَنْ
سَمَّيْنَا وأختًا لهم، وهي أُمُّ حَبيبٍ، وقد ذكرها ابن إسحق في رواية يونسٍ [بن بكير]، وذكر
أن رسولَ الله ◌َّ﴿ ـ رآها وهي طِفْلةٌ تَدِبُّ بين يديه، فقال: ((إن بلغت هذه وأنا حَيٍّ
تَزَوَّجتُها)»، فقُبِض عليه السلامُ قبل أن تَبْلُغ فتزوجها سُفيانُ بن الأسود بن عبد الأسد [بن
هلال بن عبد الله بن عمرو] المَخْزُومي فولدت له رِزْقًا ولْبَابَةً .
وذكر ابن إسحق أن أبا لَهَب حين ضربته أُمُ الفضل بالعَمُود على رأسِه قام منكسرًا،
ولم يَلْبَثْ إلا يسيراً، حتى رماه الله بالعَدَسَةِ فقتله.
وذكر الطَّبَرِيُّ في كتابه(١) أن العَدَسةِ قَرْحَةٍ كانت العَربُ تَتَشَاءَمُ بها، ويَرون أنها
تُعْدِي أَشَدَّ العَدوَى، فلما رُمِيَ بها أبو لَهَبِ، تباعد عنه بنُوه، فبقي ثلاثًا لا تُقْرَبُ جنازتُه،
ولا يُذْفَنُ، فلما خافوا السُّبَّة دفعوه بعود في حفرته ثم قذفوه بالحجارة من بعيد حتى
واروه وقال ابن إسحاق في روايةٍ يُونُس: لم يَخْفُروا له، ولكن أُسْنِد إلى حائطٍ وقُذفت
عليه الحجارةُ من خَلْف الحائط ووُرِيّ وذكر أن عائشةَ كانت إذا مرّت بموضعِه ذلك غطَّت
وجهها، وفي صحيح البخاري أن بعضَ أهله رآه في المنام في شَرِّ رحيبةٍ (٢)، وهي الحالةُ،
فقال: ما لقيتُ بَعدكم، يعني: راحَةٌ، غير أني سُقيتُ في مِثْل هذه بعِثْقِي ثُوَيْبَةَ، هكذا في
رواية الأصيلي عن أبي زيد، وفي رواية غيره، قال: ما لقيتُ بعدكم راحة، غير أني
سُقِيت في مثل هذه، وأشار إلى النُّقْرَة بين السَّبَابة والإبهام، بعِتقي ثُوَبْيَةَ، وفي غير
البُخَارِي أن الذي رآه من أهله هو أخوه العباس، قال: مكثت حَوْلاً بعد موتٍ أبي لهب لاَ
(١) الطبري في تاريخه (٤٠/٢) ط. دار الكتب العلمية. مع اختلاف عما حكاه السهيلي - رحمه الله
تعالى - هنا.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٧/٣) ومسلم (١٥٣٧). وفيهما ((في شرّ خيبة)).
٩٨

نواح قريش على قتلاهم:
قال ابن إسحاق: وحدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبَّاد،
قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلُغَ محمدًا وأصحابَه، فيشْمتوا
بكم؛ ولا تبعثوا في أُسراكم حتى تستأنوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء.
قال: وكان الأسود بن المطّلب قد أُصيب له ثلاثة من ولده، زَمَعة بن الأسود،
وعَقيل بن الأسود، والحارث بن زمعة، وكان يحبّ أن يبكيّ على بَنيه، فبينما هو كذلك
إذ سمع نائحةً من الليل، فقال لغلام له وقد ذهب بصره: انظُر هل أُحلّ النَّخب؛ هل
بكثْ قُريش على قتلاها؟ لعلّي أبكي على أبي حكيمة، يعني زمعة، فإن جوفي قد احترق
قال: فلما رجع إليه الغلامُ قال: إنما هي امرأة تبكي على بَعير لها أضلَّته. قال: فذاك
حین یقول الأسود:
ويَمْنَعُها مِنْ النَّوْمِ السُّهُودُ
أَتَبْكي أن يَضِلُ لها بَعِيرٌ
على بَذْرٍ تَقاصَرَتِ الجُدُودُ
فَلا تَبْكي على بَكْرٍ ولكنْ
ومَخْزُومٍ ورَهْطِ أبي الوَلِيدِ
على بَذْرٍ سَرَاةٍ بَني هُصَيْصٍ
وبَكِي حَارِثًا أَسَدَ الأُسودِ
وبَكْي إِنْ بَكْتٍ عَلَى عَقِيلٍ
وما لأبي حَكِيمةً مِنْ نَدِيدٍ
وبكِّيهِم وَلا تَسَمِي جَميعًا
ولَوْلاَ يَوْمُ بَدْرٍ لَمْ يسُودُوا(١)
ألا قد ساد بَعْدَهُم رجالٌ
أَراه في نوم، ثم رأيته في شَرِّ حال، فقال: ما لقيتُ بعدكم رَاحَةٌ إلا أن العذابَ يخفّف
عني كُلَّ يوم اثنين، وذلك أن رسول اللهوَ * ولِد يوم الاثنين، وكانت تُوَيْبَةُ قد بَشّرته
بمولده، فقالت له: أَشَعَرْتَ أن آمِنَةً وَلَدَتْ غُلامًا لأخيك عبدِ الله؟ فقال لها: اذْهَبِي، فَأَنْتِ
حُرَّةٌ، فنفعه ذلك(٢)، وفي في النار كما نفع أخاه أبا طالب ذَبُّه عن رسول الله - اَلّهِ - فهو
أهون أهلِ النار عذابًا، وقد تقدم في باب أبي طالب أن هذا النَّفع إنما هو نُقْصَانٌ من
العذابِ، وإلا فَعَمَلُ الكافر كلُّه مُخْبَطْ بلا خِلافٍ، أي: لا يجده في ميزانه، ولا يدخل به
جَنَّةً، وقد كان رسول الله - وَّهِ - يصل ثُوَيْبَةَ من المدينة ويُتْحِفُها؛ لأنها كانت أرضعته،
(١) انظر تاريخ الطبري (٤١/٢). وكذا الخبر التالي.
(٢) كل عمل حسن يعمله العبد كافرًا، فإنه يثاب عليه في الدنيا إما مالاً أو صحة أو أولاد أو غير ذلك،
حتى إذا جاء يوم القيامة لم يكن له من الحسنات شيئًا. قال تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل
فجعلناه هباءً منثورًا﴾. وقال تعالى: ﴿وما ربّك بظلام للعبيد﴾. وقال تعالى: ﴿من كان يريد الدنيا
وزينتها ... ﴾ الآيات.
٩٩

قال ابن هشام: هذا إقواء، وهي مشهور من أشعارهم، وهي عندنا إكفاء. وقد
أسقطنا من رواية ابن إسحق ما هو أشهر من هذا.
قال ابن إسحاق: وكان في الأسارى أبو وَداعة بن ضُبَيرة السهمي، فقال رسول
الله - رَّ: ((إنّ له بمكة كُيسًا تاجرًا ذا مال، وكأنَّكم به قد جاءكم في طَلب فداء أبيه؛
فلما قالت قريشُ لا تعجلوا بفداء أسرائكم لا يَأْرَب علكيم محمدٌ وأصحابُه))، قال
المُطَّلِبُ بن أبي وَدَاعَةَ - وهو الذي كان رسولُ الله - وَلَّ ـ عَني: صَدقتم، لا تغْجلوا
وانسلّ من الليل فقَدِم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم، فانطلق به.
أمر سهيل بن عمرو وفداؤه:
(قال): ثم بعثتْ قُريشٌ فِي فِداء الأسارى، فقدِم مِكْرَزْ بن حَقْص بن الأخيف في
فداء سُهَيل بن عمرو، وكان الذي أسره مالكُ بن الدُّخشُم، أخو بني سالم بن عَوْف،
فقال :
أسيرًا به مِن جميع الأُمَمْ
أسَرْتُ سُهَيْلاً فَلا أَبْتَغِي
وخِنْدِفُ تَعلم أنَّ الفتى
فتاها سُهَيْلٌ إذا يُظَّلَمْ
وأكرهت نفسي على ذي العَلَمْ
ضربتُ بذي الشَّفْر حتى انثنى
وكَان سُهَيْلٌ رجلاً أعْلَمَ من شَفته السُّفلى.
قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لمالك بن الدُّخْشُم.
وأرضعت عمَّه حمزةَ، ولما افتتح مكّة سأل عنها، وعن ابن لها اسمه: مَسْرُوحٌ، فأخبر
أنهما قد ماتا.
ضبيرة:
وذكر المطَّلِبَ بنَ أبي وَدَاعَة بن ضُبَيْرَة، وقد ذكر الخطابي عن العَنْبَريّ أنه يقال فيه:
ضُبَيْرَة بالضاد المعجمة، واسم أبي ضُبَيْرة: عَوْفٌ.
ابن الدخشم:
وذكر مالك بن الدُّخْشُم [بن مِرْضَخَة] ويقال فيه: الدُّخَيْش، ويقال فيه: ابن الدُّخَيْش
ويقال: إنه الذي سَارَّ رسول اللهِ وَ ل﴿ رجلٌ من الأنصار، فلم يدر ما سَارَّه به حتى جَهَر
النبي ◌َّ، فإذا هو يستأذنه في قَتْلِه، وهو في حديث الموطأ، والذي سارَّه هو ◌ِتْبَانُ بنُ
١٠٠