النص المفهرس

صفحات 41-60

قال ابن إسحاق: وقد حدّثني بعض أهل العلم: أن رسول الله وَ له إنما سَمّى عليًّا
أبا تراب، أنهُ كان إذا عَتب على فاطمة في شيء لم يكلِّمها، ولم يَقُل لها شيئًا تكرَهه،
إلا أنه يأخذ ترابًا فيضعه على رأسه. قال: فكان رسولُ اللهِ وَّ إذا رأى عليه التراب
عَرَف أنه عاتِبٌ على فاطمة، فيقول: ما لك يا أبا تراب؟ فالله أعلم أيّ ذلك كان.
سرية سعد بن أبي وقاص وذهابه إلى الخرار ورجوعه من غير حرب(١):
قال ابن إسحاق: وقد كان بعث رسول الله وَّر فيما بين ذلك من غزوة سَعْد بن
أبي وقّاص، في ثمانية رَهْط من المُهاجرين فخَرج حتى بلغ الخَرَّار من أرض الحجاز، ثم
رجع ولم يلق کیدًا.
قال ابن هشام: ذكر بعضُ أهل العلم أن بَعْثَ سَعْد هذا كان بعد حمزة.
غزوة سفوان وهي غزوة بدر الأولى(٢):
قال ابن إسحاق: ولم يُقمْ رسول الله وَلَّ بالمدينة حين قَدِم من غَزْوة العُشَيْرة إلا
ليالي فَلائل لا تبلغُ العَشر، حتى أغار كُرْزُ بن جابر الفهري على سَرْح المدينة، فخَرج
رسول الله وَّيل في طلبه، واستَعْمل على المدينة زيد بن حارثة، فيما قال ابن هشام.
قال ابن إسحاق: حتى بلغ واديًا، يقال له: سَفْوان، من ناحية بذر، وفاته كُرْزُ بن
جابر، فلم يُدْركه، وهي غزوةُ بدر الأولى. ثم رجع رسولُ اللهَ وَّر إلى المدينة، فأقام بها
بقيّةً جمادى الآخرة ورجبًا وشعبان.
سالف وأُمُّه فُذَيْرَة وهو من التسعة رَهْطِ المذكورين في سورة النمل، وقد ذكرت أسماءهم في
كتاب التعريف والإعلام.
موادعة بني ضمرة:
وذكر مُوادَعَتَه لبني ضَمْرَةً، وهم بطن من كنانة، ثم من بني لَيْثٍ، وهم بنو غِفَارٍ وبنو
نُعَيْلَةَ بني مُلَيْل بن ضمرة، وكانت نسخةُ الموادَعة فيما ذكر غيرُ ابن إسحاق ((بسم الله
(١) انظر المغازي للواقدي (١١/١) البداية والنهاية (٣٣٤/٣) الكامل (١٠/٢) الطبقات لابن سعد
(٣/١/١) تاريخ الطبري (٤٠٣/٢) المنتظم (٨١/٣). والخرار: أبيات عن يسار الجحفة، حين
تروح من الجحفة الجامعة. انظر المنتظم.
(٢) انظر المغازي (١٢/١) الطبقات (٤/١/٢) المنتظم (٨٩/٣) تاريخ الطبري (٤٠٧/٢) الدلائل
(٨/٣) الاكتفاء (٩/٢).
٤١

سَرِيّة عبد الله بن جحش
ونزول: ﴿يَسْتَلُونَك عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ﴾
كتاب الرسول له
وبَعث رسولُ اللهِ وَ﴿ل عبدَ الله بن جَخْشٍ بن رئاب الأسدي في رجب، مَقْفَلَه من
بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رَهْط من المُهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب
له كتابًا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسيرَ يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، لا
يَسْتكره من أصحابه أحدًا.
وكان أصحابُ عبد الله بن جَخْش من المهاجرين. ثم من بَني عَبْد شمس بن
عبد مناف: أبو حُذَيفة بن عُثْبة بن ربيعة بن عبد شَمْس؛ ومن حلفائهم: عبد الله بن
جَخْش، وهو أمير القوم، وعُكّاشة بنِ مخصَن بن حُزْثان، أحد بني أسد بن خُزَيمة،
حليف لهم. ومن بني نَوْفَل بن عبد مناف: عُثْبة بن غَزْوان بن جابر، حليف لهم. ومن
بني زُهْرة بن كلاب: سعدُ بن أبي وقّاص. ومن بني عَدِيّ بن كعب عامر بن ربيعة،
حليف لهم من عَنْز بن وائل، وواقدُ بن عبد الله بن عبد مناف بن عَرِين بن ثَعْلبة بن
يربوع، أحد بني تميم، حليف لهم، وخالد بن البُكَير، أحد بني سَعْد بن لَيْث، حليف
لهم. ومن بني الحارث بن فهر: سُهَيْل ابن بيضاء.
الرحمن الرحيم هذا كتابٌ من محمد رسول الله لبني ضَمْرَة، فإنهم آمنون على أموالهم
وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رَامَهم إلاَّ أنْ يُحاربوا في دين الله مَا بلَّ بحرٌّ صُوفَةً، وإن
النبي إذا دعاهم لنصره، أجابوه، عليهم بذلك ذِمَّةُ الله وذِمَّةُ رسوله، ولهم النصر على مَنْ بَرَّ
منهم واتَّقی)).
سَرِيّة عبد الله بن جحش(١)
صحة الرماية بالمناولة :
وهو المُجَدَّعُ في الله، وسيأتي حديثُه في غَزْوة أُحُدٍ وتَرْجَم البخارِيُّ على هذا الحديث
في كتاب العِلم احتجاجًا به على صحة الرواية بالمُنَاوَلة، لأن رسول الله - وَ له - ناول
عبدَ الله بن جَخْشٍ كتابَه، ففتحه بعد يومين فعمل على ما فيه. وكذلك العالم إذا ناول
(١) انظر المغازي للواقدي (١٣/١) تاريخ الطبري (٤١٠/٢) البداية والنهاية (٢٤٨/٣) الطبقات
(٥/١/٢) الاكتفاء (٩/٢) المنتظم (٩١/٣) الدلائل (١٧/٣) الدرر (٩٩) الزاد (١٦٧/٣)
الكامل (١٢/٢).
٤٢

فلما سار عبد الله بن جَخْش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه فإذا فيه: إذا نظرت في
كتابي هذا فامض حتى تنزل نَخْلة، بين مكة والطائف، فترصّد بها قريشًا وتعلَّم لنا من
أخبارهم. فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب، قال: سمعًا وطاعة؛ ثم قال
لأصحابه: قد أمرني رسولُ الله ◌َ ﴿ أن أمضي إلى نَخْلة، أرصُد بها قريشًا، حتى آتيَه
منهم بخبر؛ وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم. فمن كان منكم يريد الشَّهادةَ ويرغب فيها
فلْيَنْطَلق، ومن كرِه ذلك فَليرجع، فأمَّا أنا فماضٍ لأمر رسولِ الله وَّ، فمضى ومضى معه
أصحابُه، لم يتخلّف عنه منهم أحد.
وسَلك على الحجاز، حتى إذا كان بمَعدن، فوق الفُرُع، يقال له: بحران، أضلّ
سعدُ بن أبي وقَّاص، وعُثْبة بن غَزْوان بعيرًا لهما، كانا يَعْتقبانه. فتخلَّفا عليه في طلبه.
ومضَى عبدُ الله بن جحش وبقيَّةُ أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرّت به عيرٌ لقريش تَحْمل
زبيبًا وأدَمّا، وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحَضْرَمي.
الخلاف حول نسب الحضرمي
قال ابن هشام: واسم الحَضْرمي: عبد الله بن عبَّاد، ويقال: مالك بن عبَّاد أحد
التلميذَ كتابًا جاز له أن يَزْوِي عنه ما فيه، وهو فِقْهٌ صحيح، غير أن الناسَ جعلوا المُنَاوَلَةَ
اليوم على غير هذه الصورة يأتي الطالبُ الشيخَ، فيقول: نَاوِلني كتبك، فيناوله ثم يُمْسك
متاعَه عنده، ثم ينصرف الطالبُ، فيقول: حدَّثني فلانٌ مُنَاوَلَةٌ، وهذه رواية لا تصح على هذا
الوجه، حتى يذهب بالكتاب معه، وقد أذن له أن يُحَدِّثَ بما فيه عنه، وممّن قال بصحة
المناولة على الوجه الذي ذكرناه مالكُ بن أَنَسٍٍ، روى إسماعيلُ بن صالح عنه أنه أَخْرَجَ لهم
كتبًا مَشْدُودَةً، فقال: هذه كتبي صححتها ورويتها، فازْوُوها عني، فقال له إسماعيل بن
صالح: فنقول: حدّثنا مالكٌ؟ قال: نعم، روى قصةً إسماعيلَ هذه الدَّارَقُطنيُّ في كتاب رُواة
مالك رحمه الله .
أولاد الحضرمي
وذكر عَمْرو بن الحَضْرَمِيّ، وكانوا ثلاثةً: عَمْرًا وعامرًا والعَلاَءَ، فأما العلاءُ فمن
أفاضل الصحابة، وأختهم الصَّعْبةُ أُم طَلْحَة بن عُبَيْد الله، وكانت قبل أبيه عند أبي سُفيان بن
خَزْب، وفيها يقول حين فارقها:
بعيدان والودُّ وذِّ قَريب
وإني وصَّغْبَةٌ فيما نرى
فعند الفتاة جَمَالٌ وطيب
فإن لا يكنْ نَسَبُ ثاقِبٌ
إلى الوَيْرِ صار الغزالَ الرَّبيبْ
فيال قصي ألا تَغجبون
٤٣

الصَّدِف، واسم الصَّدِف: عمرو بن مالك، أحد السَّكُون بن أشرس بن كندة، ويقال:
کندي .
قال ابن إسحاق: وعثمان بن عبد الله بن المُغيرة، وأخوه نَوْفَل بن عبد الله
المَخْزُومِيَّان، والحكم بن كَيْسان، مولى هشام بن المغيرة.
فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عُكاشة بن محصن
وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا عُمَّار، لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم
فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب فقال القومُ والله لئن تركتم القومَ هذه اللَّلةَ ليدخلنّ
الحرم، فليمتَنعُنّ منكم به ولئن قَتلتموهم لتقتُلنَّهم في الشهر الحرام؛ فتردّد القوم، وهابوا
الإقدام عليهم، ثم شجَّعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قَدَروا عليه منهم،
وأخْذِ ما معهم. فَرمى واقدُ بن عبد الله النَّميمي عمرو بنَ الحَضْرمي بسهم فقتله،
واستأسر عثمانَ بن عبد الله، والحكم بن كَيْسان؛ وأفلتَ القومَ نوفلُ بنُ عبد الله
فأعجزهم. وأقبل عبدُ الله بنُ جَخش وأصحابه بالعير وبالأسيرين، حتى قَدِموا على رسول
الله وَالرُ المدينة(١).
وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن الرسول
اللهِ وَّ مما غَنمْنا الخمس وذلك أنْ يَفْرض الله تعالى الخمسَ من المغانم - فعَزَل لرسولِ
اللهِ وَّ خمس العير، وقسّم سائرها بين أصحابه.
وفي نسب بَني الحَضْرَمِيِّ اضطراب، فقد قيل ما قاله ابن إسحق، وقيل: هو
عبد الله بن عمّاد بن ربيعة، وقيل: ابن عَيَّاد، وابن عبَّاد بالباء، والذي ذكره ابن إسحق
أصح، وهم من الصَّدِف، ويقال فيه: الصَّدِف بكسر الدال، قاله ابن دُرَيْد، والصَّدِفُ:
مالك بن مُرَتِّع بن ثَوْر وهو كِنْدَة وقد قدمنا ما قيل في اسم كِنْدَة وفي معناه في
المبعث، وقد قيل في الصَّدَف: هو ابن سَمَّال بن دُعمِي بن زياد بن حَضْرَمَوْت، وقيل
في حَضْرَمَوْت: إنه من ولد حِمْيَر بن سَبَأْ، وقيل: هو ابن قَخْطَانِ بن عابر، والله
أعلم.
(١) انظر البيهقي (٥٨/١٢/٩).
٤٤

الرسول وَليلة يستنكر القتال في الشهر الحرام
قال ابن إسحق: فلما قَدِموا على رسول الله وَّهِ المدينة؛ قال: ((ما أمرتُكم بقِتال
في الشهر الحرام)). فوقَّف العِير والأسيرين. وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا؛ فلما قال ذلك
رسولُ اللهَ وَّرَ سُقط في أيدي القوم، وظنُّوا أنهم قد هَلكوا، وعنَّفهم إخوانهم من
المسلمين فيما صَنعوا. وقالت قريش قد استحلّ محمد وأصحابُه الشهرَ الحرام، وسفكوا
فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأُسرُوا فيه الرجال؛ فقال: من يرد عليهم من المُسلمين
ممَّن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان.
وقالت يهود - تفاءَل بذلك على رسول الله - وَلوه- عمرو بن الحضرميّ قتله
واقدُ بن عبد الله، عمرو، عمرت الحرب؛ والحضرمي، حضرت الحرب؛ وواقد بن
عبد الله، وقدت الحرب. فجعل الله ذلك عليهم لا لهم.
ما نزل من القرآن في فعل ابن جحش:
فلما أكثر الناسُ في ذلك أنزل الله على رسوله وَّ: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ
قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرمِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْةً
أكْبَرُ عنْدِ اللَّهِ﴾ أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدّوكم عن سبيل الله مع الكفر
به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهلُه، أكبر عند الله من قتل من قتلتم
منهم ﴿وَالفِتْنَةُ أُكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾: أي قد كانوا يفتنون المُسلم في دينه، حتى يردُوه إلى
الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبرُ عند الله من القتل ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقاتِلونَكم حتى يَرُدُّوكُمْ عَنْ
دَينِكُمْ إِن اسْتَطاعُوا﴾ أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غيرَ تائبين ولا
حكمة تحريم القتال في الأشهر الحُرم
وذكر الشهرَ الحرامَ، وما كان من أهل السّرِيَّةِ فيه، وأنه سُقِط في أيديهم لِمَا أصابوا فيه
من الدِّم، وذلك أن تحريمَ القتال في الأشهُرِ الحُرُم كان حُكْمًا مَعْمُولاً به من عهد إبراهيمَ
وإسماعيلَ، وكان من حُرُمَات الله، ومما جعله مَصْلَحَة لأهل مكّة، قال الله تعالى: ﴿جَعَل
اللَّهُ الكعبةَ البيتَ الحرام قيامًا للناس والشهرَ الحرامَ﴾ [المائدة: ٩٧] وذلك لما دعا إبراهيمُ
لذرِّيته بمكّة، إذ كانوا بوَادٍ غيرِ ذي زَرْع أن يجعلَ أفْئِدةٌ من الناس تَهْوِي إليهم، فكان فيما
فُرِض على الناس من حَجِّ البيتِ قِوامًا لَمصلحتهم ومعاشِهِم، ثم جعل الأشهرَ الحُرمَ أربعةً:
ثلاثةً سَرْدًا، وواحدًا فردًا، وهو رَجَب، أما الثلاثةُ فلِيَأْمنَ الحجاجُ وارِدين إلى مكَّةَ،
وصادِرين عنها شَهْرًا قبل شهر الحج، وشهرًا بعده قدر ما يصل الراكبُ من أقْصَى بلاد
العرب، ثم يرجعُ، حِكمةٌ من الله، وأما رَجَبُ فللعُمَّارِ يَأمنون فيه مُقْبِلين وراجعين نِصْفُ
٤٥
١

نازعين. فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرّج الله تعالى عن المُسلمين ما كانوا فيه من
الشّفَقِ قبض رسولُ اللهَ وَِّ العيرَ والأسيرَيْن، وبعثت إليه قريشٌ في فِداء عثمان بن
عبد الله والحَكّمَ بن كَيْسان، فقال رسولُ الله وَلّ: لا نُفْديكموها حتَّى يقدَم صاحبانا
- يعني سعد بن أبي وقّاص، وعُتبة بن غَزْوان - فإنَّا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما، نقتل
صاحبَيْكم. فقَدم سعد وعُتبة، فأفْداهما رسولُ الله ◌َّ منهم.
فأما الحَكم بن كَيْسان فأسْلم فحسُن إسلامه، وأقام عند رسول الله وَلَ حتى قُتل
يوم بئر مَعونة شهيدًا. وأما عثمان بن عبد الله فَلحِق بمكّة، فمات بها كافرًا.
فلما تجَلَّى عن عبد الله بن جَخْش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طَمِعُوا
في الأجر، فقالوا: يا رسول الله: أنَطْمَع، أن تكون لنا غزوة تُعْطَى فيها أجر المجاهدين؟
فأنزل الله عزّ وجلّ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هَاجَرُوا وجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ
يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فوضعهم الله عزّ وجلّ من ذلك على أعظم
الرجاء .
والحديث في هذا عن الزهري ويَزيد بن رُومَان، عن عُروة بن الزبير.
قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعضُ آل عبد الله بن جَخْش: أن الله عزّ وجلّ قسم
الفيء حين أحلّه، فجعل أربعةَ أخماس لمن أفاءَه الله، وخُمسا إلى الله ورسوله، فوقع
على ما كان عبد الله بن جَخْش صنع في تلك العير.
قال ابن هشام: وهي أوّل غنيمة غنمها المسلمون. وعمرو بن الحضرمي أوّل من
قتله المسلمون، وعثمانُ بن عبد الله، والحَكم بن كَيْسان أوّل من أسَر المسلمون.
ما قيل من شعر في هذه السرية:
قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه في غزوة عبد الله بن
جَخش، ويقال: بل عبدُ الله جَحش قالها، حين قالت قريش: قد أحلّ محمدٌ وأصحابُه
الشهر للإقبال، ونصفه للإياب، إذ لا تكون العُمْرَةُ من أقاصي بلادِ العرب كما يكون الحجُّ،
أَلاَ تَرَى أَنّا لا نَعْتَمِر من بلاد المغرب، فإذا أردنا عُمْرةً فإنما تكون مع الحج، وأقصى منازل
المُعْتَمِرين بين مَسيرة خَمْسَةً عَشَرَ يومًا، فكانت الأقوات تأتيهم في المواسم، وفي سائر العام
تنقطع عنهم ذُوبانُ العربِ وقُطَّعُ السُّبُل، فكان في رجب أمانٌ للسالكين إليها مصلحةً لأهلها
ونظرًا من الله لهم دبَّره وأبقاه من ملَّةِ إبراهيم لم يُغَيَّر حتى جاء الإسلامُ، فكان القتال فيه
مُحَرَّمَا كذلك صَذْرًا من الإسلام، ثم أباحته آيةُ السيف، وبقيت حُزْمةُ الأشهر الحُرم لم
٤٦

الشّهر الحرام، وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه المال، وأسروا فيه الرجال - قال ابن هشام:
هي لعبد الله بن جحش:
وأغْظَمُ منه لو يَرى الرُّشْدَ راشد
تَعُدّون قتلاً في الحرام عظيمة
وكُفْرّ به والله راءٍ وشاهد
صدودُكم عما يقول محمدٌ
لئِلا يُرى لله في البَيْت ساجد
وإخراجكم من مسجد الله أهلَه
وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
فإنا وإن عَيَّرْتمونا بقَتْلة
بنَخْلَة لما أوقدَ الحربَ واقد
سَقِينا من ابن الحضرمي رماحَنا
يُنازعه غُلّ من القدّ عاند
دما وابنُ عبد الله عثمان بيننا
صرف القبلة إلى الكعبة(١):
قال ابن إسحاق: ويقال: صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من
مَقْدم رسول الله وَلّ المدينة.
تُنْسَخ، قال الله سبحانه: ﴿منها أربعةٌ حُرُمٌ فلا تَظْلِمُوا فيهن أنفسكم﴾ [التوبة: ٣٦]، فتعظيمُ
حُزمتها باقٍ، وإن أُبيح القتال، وقد رُوي عن عطاء أن تحريمَ القتال فيها حكم ثابت لم
يُنْسخ، وقد تقدم في باب نسب النبي - وَ﴿ه ـ ذكْر سَعْدِ رَجَب، وهو أوّل من سَنَّه للعرب
فيما زعموا.
(١) انظر الطبقات (٣/٢/١) تاريخ الطبري (٤١٥/٢) البداية والنهاية (٣٥٢/٣) المنتظم (٩٣/٣)
الدلائل (٥٧١/٢) الزاد (٦٦/٣). وانظر حديث تحويل القبلة في البخاري (٤٢١/١) والترمذي
(٢٩٦٦) .
٤٧

غزوة بدر الكبرى
عير أبي سفيان:
قال ابن إسحاق. ثم إنّ رسول الله وَالر سمع بأبي سفيان بن حَرْبٍ مقبلاً من الشأم
في عير لقُريش عظيمة، فيها أموال لقريش وتجارةٌ من تجاراتهم وفيها ثلاثون رجلاً من
قريش أو أربعون، منهم مَخْرمة بن نوفل بن أُهَيب بن عبد مناف بن زُهرة، وعمرو بن
العاص بن وائل بن هشام.
ندب المسلمين للعير وحذر أبي سفيان :
قال ابن هشام: ويقال: عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم.
قال ابن إسحاق: فحدّثني محمد بن مُسْلم الزُّهري، وعاصم بن عمر بن قتادة،
وعبدُ الله بن أبي بكر ويزيد بن رُومان عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا عن ابن
عباس، كل قد حدّثني بعضَ هذا الحديث فاجتمع حديثُهم فيما سُقْت من حديث بدر،
قالوا: لما سمع رسولُ اللهِ وَّرَ بأبي سُفيان مُقْبِلاً من الشام، ندَب المسلمين إليهم وقال
غزوة بدر(١)
وبَذْر: اسم بئرِ حفرها رجلٌ من غِفارٍ، ثم من بني النار منهم، اسمه: بَذْر، وقد ذكرنا
في هذا الكتابِ قول مَنْ قال: هو بَذْرُ بن قرَيشِ بن يَخْلُد الذي سميت قريشٌ به. ورَوَى
يونسُ عن ابنِ أبي زكريا عن الشَّغْبِيِّ قال: بدر: اسمُ رجل كانت له بدر.
(١) الخبر في المغازي للواقدي (١٩/١) الطبقات (٦/١/٢) البداية والنهاية (٢٥٦/٣) تاريخ الطبري
(٤٢١/٢) المنتظم (٩٧/٣) الكامل (١٤/٢) الاكتفاء (١٤/٢) الدلائل (٢٥/٣).
٤٨

هذه عِيرُ قُريش فيها أموالُهم فاخْرُجوا إليها لعلّ الله يُنْفِلُكُموها. فانتدب الناسُ فخفّ
بعضُهم وثقُل بعضُهم، وذلك أنهم لم يظنُّوا أن رسول الله وَ ل﴿ يَلقى حَرْبًا، وكان أبو
سفيان حين دنا من الحجاز يتحسّس الأخبارَ ويسأل مَنْ لَقى من الرُّكْبان تخوُّفًا على أمْر
الناس. حتى أصاب خبرًا من بعض الرُّكبان: أن محمدًا قد استَنْفر أصحابَه لك ولعيرك
فحَذِر عند ذلك. فاستأجر ضَمْضَم بن عَمْرو الغفاريّ، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتِيَ
قُريشًا فيَستنفرَهم إلى أموالهم، ويُخبرهم أنّ محمّدًا قد عرض لها في أصحابه. فخرج
ضَمْضم بن عَمْرو سريعًا إلى مكة.
ذكر رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب
قال ابن إسحاق: فأخبرني من لا أنَّهم عن ◌ِكْرِمة عن ابن عباس، ويزيد بن
رُومان، عن عُروة بن الزُّبير، قالا: وقد رأت عاتكةُ بنت عبد المطلب، قبل قدوم
ضَمْضم مكة بثلاث ليال، رُؤيا أفزعتها. فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب
فقالت له: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة رُؤْيا أفظَعتني، وتخوّفتُ أن يدخل على
قومك منها شرّ ومُصيبة، فاكْتم عني ما أحدّثك به؛ فقال لها: وما رأيتِ؟ قالت: رأيتُ
تحسّس الأخبار:
فصل: وذكر أبا سُفْيَان، وأنه حين دنا من الحِجاز، كان يتحَسَّسُ الأخبارَ. التَّحَسُّسُ
بالحاء: أن تَتَسَمَّع الأخبارَ بنفسك، والتَّجَسُّسُ بالجيم: هو أن تفحَصَ عنها بغيرك، وفي
الحديث ((لا تجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا))(١).
رؤيا عاتكة (٢)
وذكر رؤيا عاتكة والصارخ الذي رأته يصرخ بأعلى صوته: يا لَغُدُرِ !! هكذا هو
بضم الغين والدال جمع غدُور، ولا تصح روايةُ من رَوَاه: يا لَغُدَرٍ بفتح الدال مع كسرٍ
الراء، ولا فتحها، لأنه لا ينادي واحدًا، ولأن لام الاستغاثة لا تدخل على مثل هذا البناء في
النداء، وإنما يقول: يا لَغُدُرُ انْفروا وتَخْرِيضًا لهم، أي: إن تخلَّفْتُم، فأنتم غُدُرّ لقومكم
وفتحت لامُ الاستغاثة، لأن المنادَى قد وقع موقع الاسم المضمَر، ولذلك بنى، فلما دخلت
عليه لام الاستغاثة وهي لام جر فُتحت كما تفتح لامُ الجر إذا دخلت على المُضمّرات، هذا
قول ابن السراج، ولأبي سعيد السِّيرافي فيها تعليلٌ غير هذا كرِهنا الإطالَة بذكره، وهذا القول
(١) أخرجه البخاري (٢٤/١) ومسلم في البرّ والصلة (٢٨) وأحمد (٢٨٧/٢).
(٢) الطبري (٢٣/٢).
٤٩
الروض الأنف/ ج ٣/ م ٤

راكبًا أقبل على بَعير له، حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انْفِرُوا يا آل
غُدُرُ لمصارِعكم في ثلاث، فأرى الناسَ اجتمعوا إليه: ثم دخلَ المسجدَ والناسُ
يَتْبعونه، فبينما هم حوله مَثَل به بعيرُه على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا
آل غُدُرُ لمصارعكم في ثلاث: ثم مَثل به بعيرُه على رأس أبي قبيس فصَرخ بمثلها. ثم
أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تَهْوي، حتى إذا كانت بأسفلِ الجَبل ارفضّت، فما بقي بيتٌ
من بيوت مكة، ولا دارٌ إلا دخلتها منها فلقة؛ قال العباس: والله إن هذه لرُؤيا، وأنتِ
فاكتُميها، ولا تَذْكريها لأحد.
ذيوع الرؤيا وما أحدثت بين أبي جهل والعباس:
ثم أخرج العباس، فلقي الوليدَ بن عُتبة بن ربيعة، وكان له صديقًا، فذكرها له،
واستَكْتمه إياها. فذكرها الوليدُ لأبيه عُتبة، ففشا الحديثُ بمكة، حتى تحدّثت به قرَيش
في أنديتها .
قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش
قعود يتحدّثون برُؤْيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فَرَغْت من
طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغتُ أقبلتُ حتى جلستُ معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني
عبد المطلب، متى حَدثَتْ فيكم هذه النبيَّة؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا
التي رأت عاتكةُ؛ قال: فقلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب، أما رَضيتم أن
يتنبأ رجالُكم حتى تتنبّأ نساؤكم، قد زَعمتْ عاتكةُ في رؤياها أنه قال: انفُروا في
ثلاث، فسنتربَّص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقًّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاثُ
ولم يكن من ذلك شيء، نَكتُبْ عليكم كتابًا أنكم أكذبُ أهل بيت من العَرب. قال
العبَّاس: فوالله ما كانَ مني إليه كَبِيرٌ، إلا أني جحدتُ ذلك، وأنكرت أن تكون رأت
شيئًا: قال. ثم تفرّقنا.
مبني في شرح يا لَغُدُر إنما هو على رواية الشيخ، وما وقع في أصله، وأما أبو عُبَيْدة، فقال
في المصنف: تقول يا غُدرُ، أي: يا غادر، فإذا جمعت قلت: يا آل غُدَر، وهكذا والله
أعلم. كان الأصل في هذا الخبر، والذي تقدم تغيير.
وقوله: ثم مثل به بَعيرُه على أبي قبَيْس، سُمِّي هذا الجبل أبا قبَيْسٍ برجل هلك فيه من
جُرْهُم اسمُه قبَيْسُ بن شالخ، وقع ذكرُه في حديثٍ عَمْرو بن مُضَاضٍ، كما سُمِّي حُنَين الذي
كانت فيه حُنَيْن بحُنَيْن بن قَالية بن مِهْلاَيِل، أظنه كان من العَمَالِق، وقد ذكره البكري في
كتاب مُعْجَم ما استعجم.
٥٠

فلما أمسيتُ، لم تبق امرأةٌ من بني عبد المطلب إلا أتَثْني، فقالت: أقررتم لهذا
الفاسق الخبيث أن يَقَع في رجالكم، ثم قد تناول النساءَ وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك
غِيَرٌ لشيء مما سمعت، قال: قلت: قد والله فعلتُ، ما كان مني إليه من كَبير. وأيمُ الله
لأتعرَّضن له، فإن عاد لأكْفِيَّنكُنَّه.
قالت: فغدوتُ في اليوم الثالث من رُؤيا عاتكة، وأنا حَدِيد مُغْضب أُرَى أني قد
فاتني منه أمرٌ أُحِبّ أن أُدْركه منه. قال: فدخلتُ المسجدَ فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه
أتعرّضه، ليعودَ لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلاً خفيفًا، حديدَ الوجه، حديدَ اللسان،
حديدَ النظر. قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتَدّ. قال: فقلت في نفسي: ما له لعنة
الله، أكل هذا فرق من أن أُشاتمه! قال: وإذا هو قد سَمع ما لم أسمع: صوت
ضَمْضم بن عمرو الغفاريّ، وهو يَصْرخ ببَطْن الوادي واقفًا على بعيره، قد جَدّع بعيره،
وحوّل رَخله، وشقّ قميصَه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمةَ اللَّطيمَةَ، أموالُكم مع
أبي سفيان قد عَرضَ لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تُذْركوها، الغَوْثَ الغَوْثَ. قال:
فشَغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر.
قريش تتجهز للخروج:
فتجهّز الناس سِرَاعًا، وقالوا: أيظنّ محمّد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي،
كلا والله ليعلَمَنَّ غيرَ ذلك. فكانوا بين رجلَيْن، إما خارج وإما باعثُ مكانه رجلاً.
وأوْعَبت قريشٌ، فلم يتخلَّف من أشرافها أحدٌ.
إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب تخلّف، وبعث مكانه العاصِي بن هشام بن المغيرة
وكان قد لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، أفْلس بها، فاستأجَره بها على أن
يجزىء عنه، بعَثَه فخرج عنه، وتخلّف أبو لهب.
معنى اللياط:
وذَكر حديث أبي لَهبِ، وبعثَه العاصِيَ بنَ هِشَام، وكان لاط له بأربعة آلاف
دِرْهِم. لاط له: أي أَرْبَى له، وكذلك جاء اللِّيَاطُ مُفَسَّرًا في غريب الحديث للخَطَّابي،
وهوَ قوله عليه السلام في الكتاب الذي كتبه لثقيف: وما كان لهم من دَيْن لا رَهْن فيه
فهو ليَاطٌ مُبَرَّأ من الله. وقال أبو عُبَيْدٍ: وسمي الربا لِيَاطًا، لأنه مُلصَقْ بالبيع، وليس
ببيع، وقيل للربا لِيَاطًا لأنه، لاصقٌ بصاحبه لا يَقْضِيه، ولا يُوضَع عنه، وأصل هذا
اللفظ من اللصُوقِ.
٥١

خروج عقبة
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي نَجِيح: أن أُميَّة بن خَلف كان أجمع
القُعودَ، وكان شيخًا جليلاً جَسِيمًا ثقيلاً، فأتاه عُقْبة بن أبي معيط، وهو جالس في
المَسجد بَين ظَهْرانَيْ قومه، بِمِجْمَرَةٍ يحملها، فيها نار ومِجْمَر حتى وضعها بين يديه، ثم
قال: يا أبا علي اسْتَجْمِرْ، فإنما أنت من النساء؛ قال: قَبَحَك الله وقَبَحَ ما جثْتَ به،
قال: ثم تجهّز فخرج مع الناس.
ما وقع بين قريش وكنانة:
قال ابن إسحاق: ولما فرغوا من جهازهم، وأجمَعُوا المسيرَ، ذكروا ما كان بينهم
وبين بني بكر بن عبد مَناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نخشى أن يأتونا من خَلْفنا،
وكانت الحربُ التي كانت بين قُريش وبين بني بَكر - كما حدّثني بعض بني عامر بن
لُؤَيّ، عن محمد بن سعيد بن المُسيَّب ــ في ابنِ لِحَفْصٍ بن الأخْيَف، أحد بني
مَعيص بن عامر بن لُؤَيّ، خرج يَبْتغي ضالة له بضَجْنان، وهو غلام حَدَث في رأسه
ذُؤابة، وعليه حُلَّة له، وكان غلامًا وضيئًا نظيفًا، فمرّ بعامر بن يَزِيدَ بن عامر بن المُلوّح،
أحد بني يَعْمَر بن عَوْف بن كَعْب بن عامر بن لَيْث بن بكر بن عبد مَناة بن كِنانة، وهو
بضَجْنان، وهو سيدُ بني بكر يومئذ، فرآه فأعجبه؛ فقال: من أنت يا غلام؟ قال: أنا ابنٌ
لِحَفْص بن الأخْيف القُرَشي. فلما ولَّى الغلام، قال عامر بن زيد: يا بني بكر، ما لكم
في قُريش من دم؟ قالوا: بلى والله، إن لنا فيهم لدماء؛ قال: ما كان رجل ليقتل هذا
الغلام برَجُله إلا كان قد استوفى دمَه. قال: فتبعه رجلٌ من بني بكر فقتله بدم كان له في
قُريش؛ فتكلَّمت فيه قريش، فقال عامر بن يزيد: يا معشر قريش قد كانت لنا فيكم دماء،
فما شِئتم. إن شئتم فأدُّوا علينا مالَنا قِبَلكم، ونؤدّي مالِكُمْ قِبَلنا، وإن شئتم فإنما هي
الدماء: رجلٌ برجل، فتجافَوْا عمَّا لكم قِبَلنا، ونتجافى عمَّا لنا قِبَلكم، فهان ذلك الغلامُ
على هذا الحَيّ من قريش، وقالوا: صدق، رجل برجل. فلهَوا عنه، فلم يطلبوا به.
المجمرة والأُوّة
وعَزْمَ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ على القُعود، وأنَّ عُقْبَةَ بن أَبي مُعَيْطٍ جاءَه بِمِجْمَرةٍ فيها نار
ومِجْمَر، وقال: استَجْمِرْ فإنما أنت من النساء. المِجْمَرَةُ: هي الأداةُ التي يُجْعَل فيها البَخُور،
والمِجْمَر هو البَخُور نفسُه، وفي الحديث في صفة أهل الجنة مَجَامِرُهم الأَلُّوَّة، فهذا جَمْع
مِجْمَر لا مِجْمَرة، والأَلُوَّةُ: هي العُودِ الرَّطب، وفيها أَرْبَعُ لُغَاتٍ أُلُوَّةٍ وَأَلُوَّةٍ، ولُوَّة بغير ألف
ولِيّة، قاله أبو حنيفة.
٥٢

قال: فبينما أخوه مِكْرَز بن حَفْصٍ بن الأخْيَفِ يسير بمَرّ الظَّهْران، إذْ نظر إلى
عامر بن يزيد بن عامر المُلَوَّح على جمل له، فلما رآه أقبل إليه حتى أناخ به، وعامرٌ
متوشّح سيفه، فعلاه مكرز بسيفه حتى قتله، ثم خاض بَطْنه بسيفه، ثم أتى به مكة، فعلَّقه
من الليل بأستار الكعبة. فلما أصبحت قريشٌ رأوا سيفَ عامر بن يزيد بن عامر معلّقًا
بأستار الكعبة، فعرفوه، فقالوا: إن هذا لسيفُ عامر بن يزيد، عدا عليه مكْرز بن حَفْص
فقتله، فكان ذلك من أمرهم. فبينما هم في ذلك من حربهم، حَجز الإسلام بين الناس؛
فتشاغلوا به، حتى أجمعت قريشٌ المسير إلى بدر، فذكروا الذي بينهم وبين بني بكر
فخافَوهم.
وقال مِكْرَزُ بن حَفْص في قتله عامرًا :
تَذَكَّرْتُ أشْلاءَ الحَبيبِ المُلَخَّب
لَمَّا رأيتُ أنَّهُ هُوَ عامرٌ
فلا تَرْهبيه، وانظُري أيَّ مَرْكب
وقُلْتُ لنفسي: إنَّهُ هُوَ عامرٌ
متى ما أُصِبْه بالفُرافِر يَغْطَب
وأيقنتُ أني إن أُجَلِله ضربةً
على بَطلِ شاكي السّلاح مُجرِّبٍ
خَفَضْتُ له جأْشي وألقيتُ كَلْكَلي
عُصارةَ هُجنٍ من نِساءِ ولا أب
إذا ما تناسَى ذَحله كلِّ عَيْهِب
ولم أك لمَّا التفّ رُوعي ورُوعه
حللتُ به وِتْري ولم أنسَ ذَخْلَه
وذكر في شعر مِكْرَزٍ:
تذكرت أشلاءَ الحبيب المُلَحَّب
شرح شعر مكرز:
الأشلاء: أعضاء مُقَطَّعة، والمُلَخَّب من قولهم: لَحَّبْتُ اللحم إذا قطعته طولاً ذكره
صاحب العين(١).
وذكر في شعر مُكْرّزٍ:
متى ما أُجَلْلْه الفُرَافِرِ يَعْطَبٍ
(١) لحب: اللحب: قطعك اللحم طولاً، والملحّب: المقطّع، ولَحَبَه ولحَبَّه: ضربه بالسيف، أو
جرحه. اللسان (٧٣٦/١).
٥٣

قال ابن هشام: الفَرافر في غير هذا الموضع: الرجل الأضبط، وفي هذا الموضع:
السيف. والغيَهب: الذي لا عقل له، ويقال: تيس الظباء وفحل النعام، قال الخليل:
العيهب: الرجل الضعيف عن إدراك وتره.
الشيطان وقريش :
وقال ابن إسحق: وحدّثني يزيد بنُ رومان، عن عُروة بن الزبير، قال: لما
أجمعت قريش المسيرَ ذكرت الذي كان بينها وبين بني بَكر، فكاد ذلك يَثْنيهم، فتبدّى
لهم إبليسُ في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المُذْلجِي، وكان من أشراف بني كنانة،
فقال لهم: أنا لكم جارّ من أن تأتيكم كنانةُ من خلفكم بشيءٍ تكرهونه، فخرجوا سراعًا.
خروجه لل :
قال ابن إسحاق: وخرج رسولُ الله وَل في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه
- قال ابن هشام: خرج يوم الاثنين لثمان ليالٍ خلَوْن من شهر رمضان - واستعمل
عمرو ابن أُمَ مَكتوم - ويقال اسمه: عبد الله ابن أُمّ مَكْتوم أخا بني عامر بنِ لُؤَيّ، على
الصلاة بالناس، ثم ردّ أبا لُبابة من الرَّوحاء، واستعمله على المدينة.
اللواء والرايتان :
قال ابن إسحاق: ودفع اللواء إلى مُضْعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن
عبد الدار. قال ابن هشام: وكان أبيض.
قال ابن إسحاق: وكان أمام رسول الله وَ ل رايتان سَوْداوان، إحداهما مع عليّ بن
أبي طالب، يقال لها: العُقاب، والأخرى مع بعض الأنصار.
إبل المسلمين إلى بدر:
قال ابن إسحاق: وكانت إبل أصحاب رسول الله وَالر يومئذ سبعين بعيرًا،
وقد فسر ابن هشام الفُرَافِرَ، وقال: هو اسم سيف، وهو عندي من فَرْفَرْ اللخمَ إذا قطعه
أنشد أبو عُبَيد:
يَعُلُه بالحَلِيبِ في الغلَس
كَكَلْبٍ طَسْمٍ وقد تَرَبَّبَه
أَنْحَى عليه يومًا يُفَزْفِرُهُ
إنْ يَلِغْ في الدِّماءِ يَنْتَهِس
ويُرْوَى: يُشَرْشِرُه. والعَيْهبُ الذي لا عَقْل له، ويقال لذَكَرِ الثَّعَم عَيْهَب.
٥٤

فاعتَقبوها، فكان رسول الله بََّ، وعليّ بن أبي طالب، ومَرْئَد بن أبي مَرْئَد الغَنَوِيّ
يَعْتَقبون بعيرًا(١)، وكان حمزة بن عبد المطلب، وزَيْد بن حارثة، وأبو كَبْشَةِ، وأَنَسَة،
مَوْلَيا رسول الله وَّهَ - يَعْتَقِبون بعيرًا، وكان أبو بكر، وعُمر، وعبد الرحمن بن عَوْف
يَعْتَقبون بعيرًا .
قال ابن إسحاق: وجعل على السَّاقة قَيْسَ بن أبي صَعصعة أخا بني مازن بن
النجَّار. وكانت رايةُ الأنصار معَ سَعْد بن مُعاذ، فيما قال ابن هشام.
الطريق إلى بدر:
قال ابن إسحاق: فسلك طريقَه من المدينة إلى مكة، على نَقْب المدينة، ثم على
العقيق، ثم على ذي الحُليفة، ثم على أولات الجَيْش.
قال ابن هشام: ذات الجَيْش.
قال ابن إسحاق: ثم مرّ على تُزبان ثم على مَلَل، ثم على غَميس الحَمام من
مَرَيَيْنِ، ثم على صُخَيْرات اليمّام، ثم على السَّيالة، ثم على فَجّ الرَّوْحاء، ثم على
شَنُوكة، وهي الطريق المُعتدلة، حتى إذا كان بعِرْقِ الظُبْية - قال ابن هشام: الظُّبْيَةُ: عن
غير ابن إسحق ـ لقُوا رجلاً من الأعراب، فسألوه عن الناس، فلم يجدوا عنده خبرًا،
فقال له الناس: سلّم على رسول الله وَّرَ، قال: أفيكم رسولُ الله؟ قالوا: نعم، فسلّم
عليه، ثم قال: إن كنتَ رسول الله فأخبرني عمَّا في بطن ناقتي هذه قال له سَلَمةُ بن
سَلاَمة بن وَقَش: لا تسأل رسولَ اللهِ وََّ، وأَقْبِلْ عليّ فأنا أُخبرك عن ذلك. نزوتَ
عليها، ففي بطنها منك سَخْلة، فقال رسول الله وَله: (مَهْ، أَفْحَشْتَ على الرجل))، ثم
أعرض عن سَلَمة.
مواضع نزل فيها الرسول ويليهو:
وذكر عِزْق الظُبْيَةَ، والظُبْيَةُ: شجرةٌ شِبْه القَتَادَةِ يُسْتَظَلُّ بها، وجمعها: ظبيان،
وكذلك ذكر السَّيَّالَة في طريق بدر، والسَّيّالُ شَجَرٌ، ويقال: هو عِظَامُ السَّلَمِ، قاله أبو
حنيفة .
(١) جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى رحمة واسعة وجزاه الله عنا كل خير (٣٩٠١ / ٣٩٦٥):
أن أبا لبابة وعلي بن أبي طالب كانا زميلي رسول الله وَار. وأخرجه الحاكم أيضًا (٢٠/٣) وصححه
وأقره الذهبي.
٥٥

ونزل رسولُ اللهِ وَلّ سَجْسج، وهي بئر الرّوحاء، ثم ارتحل منها، حتى إذا كان
بالمُنْصَرف، ترك طريقَ مكة بَيسار، وسلك ذات اليمين على النَّازِيَةَ، يريد بدرًا، فسلك
في ناحية منها، حتى جَزَع واديًا، يقال له رُخقان، بين النازية وبين مَضيق الصَّفْراء، ثم
على المضيق، ثم انصبّ منه، حتى إذا كان قريبًا من الصفراء، بعث بَسْبَس بن عمرو
وذكر النَّازِيَة، وهي رَحْبَةٌ واسعة فيها عِضَاةٌ(١) ومُروج(٢).
وذكر سَجْسَجًا، وهي بالرَّوْحَاء، وسميت سَجْسَجًا، لأنها بين جَبَلين، وكلُّ شيء
بين شَيْئَين، فهو: سَجْسَجٌ. وفي الحديث: إن هواء الجَنَّةِ سَجْسَجٌ، أي: لا حَرٍّ ولا
بَرْدٌ، وهو عندي من لفظ السَّجَاج، وهو لَبَن غيرُ خَالِصٍ، وذلك إذا أكثر مزجه بالماء،
قال الشاعر :
سَجَاجًا كأقْرَابِ الثَّعَالِب أَوْرَقَا
وَيَشْرَبُها مَزْجًا ويَسْقِي عِيَالَه
وهذا القول جارٍ على قياس مَن يقول: إن الثَّرْثَارَةَ من لفظ: الثَّرَّةِ، ورَقْرَقْتُ من لفظ:
رَقَقْتُ إلى آخر الباب.
وذكر الصَّفراء، وهي واد كبير.
أنساب:
وذكر بَسْبَسَ بن عَمْرو الجْهَنِيّ(٣)، وعَدِيَّ بن أبي الزَّغْيَاء حين بعثهما رسول الله اَلـ
يَتَحَسَّسَان الأخْبارَ عن ◌ِير قُريش، وفي مُصَنف أبي داود: بَسْبَسَة مكان بَسْبَسٍ وبعض رواة
أبي داود يقول: بُسْبَسَة بضم الباء: وكذلك وقع في كتاب مسلم ونسبه ابن إسحق إلى
جُهَيْنة، ونسبه غيرُه إلى ذُبْيَان، وقال: هو بَسْبَس بن عَمْرو بن ثَعْلَبَةَ بن خَرَشَة بن عَمْرو بن
سَعْد بن ذُبْيان، وأما عدي بن أبي الزَّغْبَاء، واسم أبي الزغباء: سنَان بن سُبَيْع بن ثَعْلَبة بن
رَبيعة بن بُذَيْل، وليس في العرب بُذَيْلٌ بالذال المنقوطة غير هذا، قاله الدَّارَقُطْني، وهو
بُذَيْلُ بنُ سَعْد بن عَدِيّ بن كاهل بن نَصْر بن ملك بن غَطّفَان بن قيس بنُ جُهَيْنَةَ، وجهينةُ:
وهو ابن سُود بن أسلُم بضم اللام ابن الحَافِ بن قُضَاعَة، قال موسى بن عُقْبَة: عَدِيُّ بن أبي
الزَّغْبَاء حَليف بني مالك بن النَّجَّار مات في خلافة عَمَر، وكان قد شهد بدرًا وأُحُدًا والخَنْدَقَّ
مع رسول الله وال﴾.
(١) عضاة: أعظم الشجر.
(٢) مروج: المرج: الموضع الذي ترعى فيه الدواب.
(٣) انظر ترجمة له في الاستيعاب (١٩٠/١).
٥٦

الجُهَنيّ، حليفَ بني ساعدة، وَعَدِيَّ بن أبي الزَّغْباء الجُهني، حليفَ بني النجَّار، إلى بدر
يَتَحَسَّسان له الأخبار، عن أبي سُفيان بن حَرْب وغيره. ثم ارتحل رسولُ اللهِ وََّ، وقد
قدِمَها. فلما استقبل الصَّفْراء، وهي قرية بين جبلين، سأل عن جَبَلَيْهما ما اسماهما؟
فقالوا: يقال لأحدهما، هذا مُسْلِح، وللآخر: هذا مُخْرِىء وسأل عن أهلهما، فقيل: بنو
النار وبنو حُراق، بطنان من بني غِفار فكرههما رسول الله وَ ◌ّر والمُرور بينهما، وتفاءل
بأسمائهما وأسماء أهْلِهما. فتركهما رسولُ اللهِ وَلَر والصَّفْراء بيسار، وسلك ذات اليمين
علی وادٍ يقال له: ذَفران، فجزع فيه، ثم نزل.
التطير (١) وكراهية الاسم القبيح:
وذكر أنه عليه السلام مرّ بجَبَلين، فسأل على اسميهما، فقيل له: أحدهما مُسْلِحُ
والآخرُ مُخْرِيءٌ، فَعَدل عن طريقهما، وليس هذا من باب الطَّيَرةِ، التي نَهَى عنها رسولُ
الله - وَلجر - ولكن من بابِ كراهيةِ الاسم القبيح، فقد كان عليه السلامُ يكتب إلى امرائه: ((إذا
أبْرَدْتُم إليّ بريدًا فاجعلوه حَسَن الوَجْه حَسَنَ الاسم)»(٢)، ذكره البزار من طريق بُرَيْدَةَ، وقد
قال في لِفْحَةٍ: من يَخْلُب هذه؟ فقام رجل، فقال: أنا، فقال رسول الله وَلقال: ((ما اسمك؟))
فقال: مُرَّةُ، فقال: ((اقعد))، حتى قال آخرُهم: اسمي: يَعيشُ، قال: احلُبَ. اختصرت
الحديثَ وفيه زيادةٌ رواها ابنُ وهب، قال: فقام عمر: فقال: لا أدري أقول أم أسكت؛ فقال
له رسول الله وَلجر: ((قل))، فقال له: قد كنت نَهَيْتَنا عن التَّطَيُّر، فقال عليه السلام: ((ما
تَطَيَّتُ، ولكني آثرتُ الاسمَ الحَسَنَ))، أو كما قال عليه السلام. وقد أمليتُ في شَرْحٍ حديث
المُوَطٍ في الشُّؤْم، وأنه إن كان ففي المرأة والفَرَسِ والدارِ تحقيقًا وبيانًا شافيًا لمعناهَ، وكَشْفًا
عن فِقِهِه لم أرَ أحدًا - والحمدُ لله - سَبَقني إلى مثلِه.
جبلا مسلح ومخريء:
وهذا الجبلان لتسميتهما بهذين الاسمين سببٌ، وهو أن عَبْدًا لبني غِفارٍ كان يَرْعى بهما
غنمًا لسيده، فرجع ذات يوم عن المرعى، فقال له سيده: لم رجعتَ؟ فقال: إن هذا الجبل
مسلح للغنم، وإن هذا الآخَر مخري، فسُمِيا بذلك. وجدت ذلك بخط الشيخ الحافظ فيما
نقل عن الوَقْشِيّ .
(١) التطير: التشاؤم.
(٢) انظر البزار (٤١٢/٢) وابن أبي شيبة (٣٤٩/١٢).
٥٧

قول أبي بكر وعمر والمقداد في الجهاد:
وأتاه الخبرُ عن قريش بمسيرهم ليَمنَعوا عِيرهم، فاستشار الناسَ، وأخْبَرهم عن
قريش، فقام أبو بكر الصدّيق، فقال وأحسن. ثم قام عمرُ بن الخطّاب، فقال وأحسن،
ثم قام المِقْداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله، امْضٍ لما أراك الله فنحن معك، والله لا
نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إنَّا ها هنا قاعدُونَ﴾.
ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنا معكما مُقاتلون، فوالذي بعثك بالحقّ لو سِرْت بنا إلى
بَرْك الغُماد لجالَدْنا معك من دونه، حتى تَبْلُغه، فقال له رسول الله وَله: ((خيرًا))، ودعا له
به (١) .
الرسول وَ* يستشير الأنصار:
ثم قال رسول الله وَّ: ((أَشِيرُوا عليَّ أيها الناس)). وإنما يريد الأنصارَ، وذلك أنهم
عَددُ الناس، وأنهم حين بايعوه بالعَقبة، قالوا: يا رسول الله: إنا بُرآء من ذِمَامِك حتى
تَصِل إلى ديارنا، فإذا وصلتَ إلينا، فأنت في ذِمَّتنا نَمْنعك ممَّا نمنع منه أبناءَنا ونِسَاءَنا.
فكان رسول الله وَّ يَتَخَوَّف ألاَّ تكونَ الأنصارُ ترى عليها نَصْره إلا ممن دَهِمَه بالمدينة
من عدوه، وأن ليس عليهم أن يَسير بهم إلى عدوّ من بلادهم. فلما قال ذلك رسول
اللهِ وَلَّ، قال له سعدُ بن معاذ: والله لكأنك تريدُنا يا رسولَ الله؟ قال: أجَل، قال: لقد
آمنًا بك وصدّقناك، وشَهِدْنا أن ما جئتَ به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عُهودنا
ومواثيقنا، على السَّمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردتَ فنحن معك، فوالذي
بَعَثَك بالحقّ، لو استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخُضْتَه لخُضْناه معك، ما تخلَّف منا رجلٌ
واحد، وما نكره أن تَلْقى بنا عدوَّنا غَدًا، إنا لَصُبْرٌّ في الحَرْب، صُدُقْ في اللّقاء. لعلّ الله
يُريك منَّا ما تقرُّ به عينُك، فسِرْ بنا على بَرَكة الله. فسُرّ رسولُ اللهِ وَلَ بقول سَعْد،
ونَشَّطه ذلك؛ ثم قال: سيرُوا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله
لكأني الآن أنظُر إلى مَصارع القوم.
برك الغماد:
وذكر قول المِقْدادِ: ولو بلغت بنا بِرْكَ الغُمَادِ، وجدتُ في بعض كتبٍ التفسير أنها
مدينة الحَبَشَةِ .
(١) انظر قول أبو بكر وسعد بن معاذ وعمرو المقداد في البخاري (٢٢٣/٧) ومسلم (١٧٧٩) وأحمد
في مسنده (٤٢٨/٣٩٠/١) والحاكم (٢٤٩/٣). وانظر الفتح (٢٢٤/٧).
٥٨

تفرّق أخبار قريش :
ثم ارتحل رسول الله وَ﴿ه من ذَافِرَانَ، فسلك على ثَنايا يقال لها الأصافِر؛ ثم انحطّ
منها إلى بلد يقال له: الدَّبَّة، وترك الحنَّان بيمين، وهو كَثِيب عظيم كالجبل العظيم، ثم
نزل قريبًا من بَدْر، فركب هو ورجلٌ من أصحابه.
قال ابن هشام: الرجل هو أبو بكر الصدّيق.
قال ابن إسحاق: كما حدّثني محمد بن يحيى بن حَبَّان: حتى وقف على شَيْخ من
العَرَب، فسأله عن قُريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا
أُخبركما حتى تُخْبِراني مِمَّن أنتما؟ فقال رسول الله وَّهِ: ((إذا أخبرتنا أخبرناك))، قال: أذاك
بذاك؟ قال: نعم، قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابَه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن
كان صَدَق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول الله وَلتر،
وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان
كذا وكذا للمكان الذي فيه قُريش. فلما فرغ من خبره، قال: ممَّن أنتما؟ فقال رسول
الله يَلى: نحن من ماء، ثم انصرف عنه. قال: يقول الشيخ: ما من ماء، أمن ماء
العراق؟
قال ابن هشام: يقال: ذلك الشيخ سُفيان الضَّمْري.
قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول الله وَل﴿ إلى أصحابه، فلما أمسى بعثَ عليّ بن
أبي طالب، والزُّبَيْرَ بن العَوَّام، وسعد بن أبي وقاص، في نفر من أصحابه، إلى ماء بدر،
يلتمسون الخبر له عليه - كما حدّثني يزيدُ بن رُومان؛ عن عُروة بن الزُّبير - فأصابوا رَاويةً
القُرَيْش فيها أسْلَم غلام بني الحجَّاج، وعَرِيضٌ أبو يَسَار، غلام بني العاص بن سَعيد،
فأتَّوْا بهما فسألوهما، ورسول الله وَّر قائم يصلي، فقالا: نحن سُقَاة قُريش، بعثونا
نَسْقيهم من الماء. فكّرِهِ القومُ خبَرهما، وَرَجَوْا أن يكونا لأبي سُفْيان، فضَربوهما. فلما
أذْلَقوهما قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. ورَكع رسول الله ◌َلقر وسجد سجدتيه، ثم
تعوير قُلَب(١) المشركين:
وذكر القُلَبَ التي اخْتَفَرها المشركون ليَشْربوا منها، قال: فأمر بتلك القُلُبِ فَعُوْرَتْ،
وهي كلمة نبيلة، وذلك أن القُلَبَ لما كان عَيْنًا جعلها كَعَين الإنسان، ويقال في عَيْنِ
الإنسان: عُزْتها فعَارت، ولا يقال: عَوّرتها، وكذلك قال في القُلُبِ عُورَت بسكون الواو
(١) قُلَب: جمع قليب.
٥٩

سلّم، وقال: ((إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذَباكم تَرَكْتموهما، صَدَقا والله إنهما
لقريش، أخبراني عن قُريش؟)) قالا: هم والله وراء هذا الكَثِيب الذي ترى بالعُدْوة القُصْوى
- والكثيب: العَقَتْقَل - فقال لهما رسول الله وَّ: ((كم القوم؟)) قالا: كثيرٌ، قال: ((ما
عِدَّتُهم؟)) قالا: لا نَذْري، قال: ((كَمْ يَنْحَرون كلَّ يوم؟)) قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا،
فقال رسول الله وَلجر: ((القومُ فيما بين التسعمائة والألف)). ثم قال لهما: ((فمَن فيهم من
أشراف قُريش؟)) قالا: عُثْبَة بن ربيعة، وشَيْبة بن ربيعة، وأبو البخْتَرِيّ بن هشام،
وحكيم بن حزام، ونَوْفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نَوْفَل، وطُعَيْمة بن عديّ بن نوفل،
والنّضْر بن الحارث، وزَمَعَة بن الأسْوَد، وأبو جهل بن هِشام، وأُمَيَّة بن خَلَفِ، ونُبَيِه،
ومُنَبِّه ابنا الحَجَّاج، وسُهَيل بن عمرو، وعَمْرو بن عبد وُدّ. فأقبل رسول اللهِ وَلَّ على
الناس، فقال: ((هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذَ كَبْدها)).
قال ابن إسحاق: وكان بَسْبَس بن عمرو، وعديّ بن أبي الزَّغْباء قد مَضيا حتى نزلا
بدرًا، فأناخا إلى تلّ قريب من الماء، ثم أخَذَا شَنَّا لهما يَسْتقيان فيه، ومَجْدِيُّ بِنُ عَمْرو
الجُهَنيّ على الماء. فسمع عديّ وبَسْبس جاريتين من جواري الحاضر وهما يَتلازمان على
الماء، والمَلْزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتي العير غدًا أو بعد غد، فأعملُ لهم، ثم
أفضيك الذي لك. قال مَجْديّ: صدقتِ ثم خلَّص بينهما. وسمع ذلك عديّ وبَسبس،
فجلسا على بَعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله وَّر. فأخبراه بما سَمِعا.
نجاة أبي سفيان بالعير:
وأقبل أبو سفيان بن حَزْب، حتى تقدّم العير حذَرًا، حتى ورد الماء، فقال
لمَجديّ بن عمرو: هل أحسستَ أحدًا، فقال: ما رأيت أحدًا أُنْكره، إلا أني قد رأيتُ
راكبين قد أناخا إلى هذا التلّ، ثم استقيا في شَنَّ لهما، ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان
مُناخَها، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففَتَّه، فإذا فيه النَّوى، فقال: هذه والله عَلائف يَثْرب.
فرجَع إلى أصحابه سريعًا، فضرب وَجْه عِيرِه عن الطرِيقِ فساحَل بها، وترك بدرًا بيسار،
وانطلق حتى أسرع.
ولكن لما ردّ الفعل لما لم يُسَمَّ فاعلُه ضمَّت العين، فجاء على لغة من يقول: قول القَوْل
وبُوعَ المتاعُ، وهي لغة هُذيل وبني دُبَيْر من بني أَسَد وبني فقعس، وبنو دُبَيْرِ هو تصغير أَدْبَر
على التّرخيم، وإن كانت لغةً رديئة، فقد حسُنَت هنا للمحافظة على لفظ الواو، إذ لو قالوا:
عيرت فأمِيتت الواو، لم يعرف أنه من العَوَر إلا بعد نظر، كما حافظوا في جمع عيد على
لفظ الياء في عيد فقالوا: أعْيَاد، وتركوا القياس الذي في ريح وأزوَاح على أن أرباحًا لغة بني
٦٠