النص المفهرس

صفحات 401-420

على رسول الله وَّله. يقول الله جلّ ثناؤه لنبيّه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، أي بعِلْمهم بما عِنْدهم من العِلْم بك، والكفر بذلك، فيقال: لو تمَنَّوه
يومَ قال ذلك لهم ما بقي على وجه الأرض يهوديّ إلا مات. ثم ذكر رغبتهم في الحياة
الدنيا وطول العُمْر، فقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أخْرَصَ النَّاسِ على حَياةٍ﴾ اليهود ﴿وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أنْ يُعَمَّرَ﴾(١)،
أي ما هو بمُنَجيه من العذاب، وذلك أنّ المشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحبّ
طول الحياة، وأن اليهوديّ قد عرف ماله في الآخرة من الخِزْي بما ضيَّع ممَّا عنده من
العلم. ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بإذْنِ اللَّهِ﴾.
سؤال اليهود الرسول، وإجابته لهم عليه الصلاة والسلام:
قال ابن إسحاق: حدّثني عبدُ الله بن (عبد) الرحمن بن أبي حُسين المكيّ عن
شَهْر بن حَوْشب الأشعري(٢): أن نفرًا من أحبار يهود جاؤوا رسولَ الله وَلَّ، فقالوا: يا
محمد، أخبرنا عن أربع نسألك عنهنّ، فإن فعلتَ ذلك اتبعناك وصدقناك وآمنًا بك. قال:
فقال لهم رسولُ اللهَ وَّلجر: عليكم بذلك عهدُ الله وميثاقُه لئن أنا أخبرتُكم بذلك لتصدُقتَّي؟
قالوا: نعم، قال: فاسألوا عمَّا بدا لكم، قالوا: فأخْبرنا كيف يشبه الولد أمَّه، وإنما النُّطفة
من الرجل؟ قال: فقال لهم رسولُ اللهَ وَّر: أَنْشدكم بالله وبأيَّامه عند بني إسرائيل، هل
تعلمون أن نُطْفَة الرجل بيضاءُ غليظة، ونظفَة المرأة صفراءُ رقيقة، فأيَّتهما عَلَتْ صاحبتَها
كان لها الشبهُ؟ قالوا: اللهم نعم. قالوا: فأخبرنا كيف نومك؟ فقال: أنشدكم بالله وبأيامه
عند بني إسرائيل، هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لستُ به تنام عينُه وقلبُه يقظان؟
فقالوا: اللهم نعم، قال: فكذلك نومي، تنام عيني وقلبي يقظان. قالوا: فأخبرنا عمّا
حرَّم إسرائيلُ على نفسه؟ قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه كان
أحبّ الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحُومها، وأنه اشتكى شكوى، فعافاه الله منها،
فحرّم على نفسه أحبَّ الطعام والشراب إليه شكرًا لله، فحرّم على نفسه لحوم الإبل
وألبانها؟ قالوا: اللهمّ نعم. قالوا: فأخبرنا عن الروح؟ قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني
إسرائيل، هل تعلمونه جبريل، وهو الذي يأتيني؟ قالوا: اللهمّ نعم، ولكنه يا محمد لنا
(١) ويبدو أن الكلمة الرائدة على ألسنة كثير من الناس عند التهنئة من بعض المناسبات قولهم: ((عقبال
ألف سنة)) أصلها هذا التمني لدى اليهود. والله أعلى وأعلم.
(٢) شهر بن حوشب: ضعيف الحديث.
٤٠١
الروض الأنف/ ج ٢/ م ٢٦

عدوّ، وهو مَلَك، إنما يأتي بالشدَّة وبسفك الدماء، ولولا ذلك لاتبعناك، قال: فأنزل الله
عزّ وجلّ فيهم: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لجبريل فإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدّقًا لِمَا بِينَ يَدَيْه
وَهُدَى وبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدَا نَبَذَه فَرِيقٌ مِنْهُمْ
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدّقْ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ واتِبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ
عَلَى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾، أَي السحر ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
السِّخْرَ﴾.
إنكار اليهود نبوة سليمان بن داود عليه السلام ورد الله عليهم (١):
قال ابن إسحاق: وذلك أن رسول الله وَليو - فيما بلغني - لما ذكر سليمان بن داود
في المرسلين، قال بعضُ أحبارهم: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن سليمان بن داود
كان نبيًّا، والله ما كان إلا ساحرًا. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿وَمَا كَفَرَ
سُلَيْمَانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾، أي باتباعِهِم السحر وعَملهم به. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى
المَلَّكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ﴾.
قال ابن إسحاق: وحدّثني بعضُ من لا أتهم عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس، أنه كان
يقول: الذي حرّم إسرائيل على نفسه زائدتا الكَبد والكُليتان والشحم، إلا ما كان على
الظّهْر، فإن ذلك كان يُقَرَّب للقُربان، فتأكله النار.
کتابه ﴾﴾ إلى يهود خيبر:
قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله وَ ل﴿ إلى يهود خَيْبر، فيما حدّثني مولى لآل
زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس :
((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد رسولِ اللهِ وَلَّ، صاحبِ مُوسى وأخيه،
والمصّدق لما جاء به موسى: ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة، وإنكم
لتَجدون ذلك في كتابكم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رَحَمَاءُ بَيْنَهُمْ
تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود
ذلكَ مَثَلُهُم فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أُخْرَجَ شَطأَهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى
(١) بالأصل: ((إنكار اليهود نبوة داود عليهم السلام ... )) وهو تصحيف والصواب ما أثبتناه.
٤٠٢

سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الْذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً
وأَجُرًا عَظِيمًا﴾ .
وإني أنشدكم بالله، وأُنشدكم بما أنزل عليكم، وأُنشدكم بالذي أطْعم مَنْ كان
قبلكم من أسْباطكم المنَّ والسَّلْوَى، وأنشدكم بالذي أيْيس البحرَ لآبائكم حتى أنجاهم من
فِرْعون وعمله، إلا أخبرتموني: هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد؟ فإن
كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كُره عليكم. ﴿قَدْ تَبَيِّنَ الرُّشْدُ منَ الغَيّ﴾ - فأدعوكم
إلى الله وإلى نبيَّه)).
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: شطؤه: فراخه، وواحدته: شطأة. تقول العرب: قد أشطأ الزرع إذا
أخرج فِراخه. وآزره: عاونه، فصار الذي قبله مثلَ الأمهات. قال امرؤ القيس بن حُجْر
الکنديّ :
مَجَرَّ جُيوش غانمين وخُيّبٍ
بِمَخْنِيةٍ قد آزر الضَّالَ نَبْتُها
وهذا البيت في قصيدة له. وقال حُميد بن مالك الأزقطُ، أحد بني ربيعة بن
مالك بن زيد مناة :
زَرْعا وَقَضْبا مُؤْزَرَ النَّباتِ
وهذا البيت في أرجوزة له. وسوقه غير مهموز جمع ساق، لساق الشجرة.
ما نزل في أبي ياسر وأخيه
قال ابن إسحاق: وكان ممن نزل فيه القرآن، بخاصة من الأحبار وكُفَّار يهود، الذي
كانوا يسألونه ويتعنَّتُونه ليلبسوا الحقّ بالباطل - فيما ذُكِر لي عن عبد الله بن عبَّاس
وجابر بن عبد الله بن رئاب - أن أبا ياسر بن أخطب مرّ برسولِ الله وَلتر، وهو يتلو فاتحة
البقرة: ﴿الَّ ذلكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾، فأتى أخاهُ حُيّيّ بن أخطب في رجال من
حديث أبي ياسر بن أخطب
فصل: وذكر ابنُ إسحق حديثَ أبي ياسر بن أخطب وأخيه حيي بن أخطب حين
سمعا ((الَمَصَ)) ونحوها من الحروف، وأنهم أخذوا تأويلها من حروف أَبْجَد إلى قوله: لعله
قد جمع لمحمد وأمته هذا كله. قال المؤلف: وهذا القول من أحبار يَهُودَ، وما تأوَّلوه من
معاني هذه الحروف محتمل، حتى الآن أن يكون من بعضٍ ما دلت عليه هذه الحروف
٤٠٣

:
يهود، فقال: تعلّموا والله، لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أنزل عليه: ﴿الَّمَّ ذلك الكتاب﴾،
فقالوا: أنت سمعتَه؟ فقال: نعم، فمشى حُييّ بن أخطب في أولئك النَّفر من يهود إلى
رسول الله وَلجر، فقالوا له: يا محمد، ألم يُذْكر لنا أنك تتلو فيما أنزل إليك: ﴿الَّمَ ذلكَ
: الكتابُ﴾؟ فقال رسولُ الله وَله: بلى، قالوا: أجاءك بها جبريل من عند الله؟ فقال: نعم،
قالوا: لقد بَث الله قبلك أنبياء، ما نعلمه بيَّن لنبيّ منهم ما مدّة ملكه، وما أُكْل أمَّته
غيرك، فقال حُييُّ بن أخطب، وأقبل على من معه، فقال لهم: الألف واحدة، واللام
ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين إنما مُدّة مُلْكه
وأُكْل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله وَّ، فقال: يا محمد، هل مع
هذا غيره؟ قال: نعم، قال: ماذا؟ قال: ﴿الَّمّصّ﴾. قال: هذه والله أثقل وأطول،
الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وستُّون ومائة
سنة، هل مع هذا يا محمّد غيره؟ قال: نعم ﴿الّر﴾ قال: هذه والله أثقل وأطول، الألف
المقطّعة، فإن رسول الله - وَل ـ لم يكذبهم فيما قالوا من ذلك، ولا صدقهم(١). وقال في
حديث آخر: ((لا تُصَدِّقوا أهلَ الكتاب، ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وبرسوله))(٢). وإذا
كان في حَدِّ الاحتمال وَجَب أن يُفْحَصَ عنه في الشريعة هل يُشير إلى صحته كتابٌ أو سُنَّة،
فوجدنا في التنزيل ﴿وإن يومًا عند ربك كألف سنة مما تَعُدُّون﴾ ووجدنا في حديث زَمْلٍ
الخُزَاعِي حين قص على رسول الله - نَّهَ - رُؤْيا، وقال فيها: رأيتك يا رسول الله على منبرٍ
له سبعُ درجات، وإلى جنبه ناقة عَجْفَاء، كأنك تبعثها، ففسر له النبيُّ وَّهِ الناقةَ بقيام الساعة
التي أنذر بها، وقال في المنبر: ودرجاته الدنيا: سبعةُ آلاف سنةٍ بعثت في آخرِها ألفًا،
والحديث وإن كان ضَعيفَ الإسناد، فقد رُوِيَ موقوفًا على ابنِ عباس من طُرِق صِحَاحٍ، أنه
قال: ((الدنيا سبعةُ أيام كل يوم ألف سنة، وبعث رسول الله - وَّر - في آخر يوم منها. وقد
مضت منه سنون، أو قال: مِئُون(٣)، وصحح أبو جعفر الطبري هذا الأصلَ، وعضده بآثار،
وذكر قول رسول الله - وَ﴿ل ـ «بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين، وإنما سَبَقْتُها بما سبقت هذه
هذه))(٤)، يعني: الوسطى والسَّبَّابة، وأورد هذا الحديث من طرق كثيرة صححها وأورد منها
(١) لا صحة لهذا التأويل اليهودي.
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٧/٣) والبيهقي (١٦٣/١٠) ومن الصفات له (٢٧٠) بتحقيقي. والحديث فيما
لا يخالف عقيدة المسلمين المتلقاة عن كتاب الله تعالى وسُنّة نبيه وَل قر ((الصحيحة)).
(٣) ((موضوع)). انظر ابن الجوزي من اللآلىء (٢٣٦/٢) وتذكرة الموضوعات للفتن (٢٢٤) وأخرجه أبو
نعيم في تاريخ جرجان (١٤٠).
(٤) تقدم تخريجه.
٤٠٤

واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتان، هل مع هذا غيره یا
محمّد؟ قال: نعم ﴿المّرّ﴾. قال: هذه والله أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام
ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة، ثم قال: لقد
لُبِّس علينا أمرك يا محمّد، حتى ما نَذري أقليلاً أُعطيت أم كثيرًا؟ ثم قاموا عنه، فقال أبو
ياسر لأخيه حُيّيّ بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يُدريكم لعلَّه قد جُمع هذا كله
لمحمد، إحدى وسبعون، وإحدى وستُّون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى
وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون سنة، فقالوا: لقد تشابه علينا أمرُه.
فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: ﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ
مُتَشابِهاتٌ﴾(١).
قال ابن إسحاق: وقد سمعت من لا أتهم من أهل العِلْم يذكر: أن هؤلاء الآيات
إنما أُنزلن في أهل نَجْران، حين قَدِموا على رسول الله وَّهِ يسألونه عن عيسى ابن مَزْيَم
عليه السلام.
قوله عليه السلام: ((لن يُعْجِز الله أن يؤخّر هذه الأمةَ نصف يوم))(٢)، يعني: خمسمائة عام،
وقد خرَّج، هذا الحديث الأخير أبو داود أيضًا. قال الطبري: وهذا في معنى ما قبله يشهد له
ويبينه فإن الوُسطى تزيد على السَّبَّابة بنصف سُبْع أضْبَع، كما أن نصف يوم من سبعة نصف
سبع. قال المؤلف: وقد مضت الخمسمائة من وفاته إلى اليوم بنَيِّفِ عليها، وليس في قوله:
لن يُعْجِزَ الله أن يؤخّر هذه الأمة نصفَ يوم ما ينفي الزيادة على النصف، ولا في قوله:
(بعثت أنا والساعة كهاتين)) ما يقطع به على صحة تأويله، فقد قيل في تأويله غير هذا، وهو
أن ليس بينه وبين الساعة نبي غيره، ولا شرع غير شرعه مع التقريب لحينها، كما قال
سبحانه: ﴿اقْتَرَبَتِ الساعةُ وانشق القمر﴾، ﴿وأتى أمرُ الله فلا تَسْتَعجِلوه﴾ ولكن إذا قلنا: إنه
- عليه السلام - بُعِث في الألف الآخر بعدما مضت منه سنون، ونظرنا بعدُ إلى الحروف
المقطّعة في أوائل السور، وجدناها أربعةً عَشَرَ حرفًا يجمعها: قولك:
ألم يسطع نص حق كره (٣)
ثم نأخذ العدد علی حساب أبي جادٍ، فنجد: ق مائة، و: ر مائتين، و: س ثلاث ائة،
فهذه ستمائة، و: ع سبعين، و: ص ستين، فهذه سبعمائة وثلاثون، و: ن خمسين، و: ك
(١) انظر تفسير ابن كثير (٥٧/١) الطبري (٢٠٧/١).
(٢) ((صحيح)). أخرجه أبو داود (٤٣٤٩) بتحقيقي. والحاكم (٤٢٤/٤) والطبري في تاريخه (١٨/١).
(٣) وبجمعها قولك: ((نص قاطع حكيم له سر)).
٤٠٥

قال ابن إسحاق: وقد حذّثني محمّد بن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنيف، أنه قد
سمع: أن هؤلاء الآيات إنما أُنزلن في نَفر من يهود، ولم يُفسّر ذلك لي. فالله أعلم أيّ
ذلك كان.
كفر اليهود به وية بعد استفتاحهم به وما نزل في ذلك:
قال ابن إسحاق: وكان فيما بلغني عن ◌ِكْرمة مولى ابن عَبَّاس، أو عن سعيد بن
جُبير، عن ابن عَبَّاس: أن يهود كانوا يَسْتفتحون على الأوس والخَزْرج برسول اللهِ وَلهم
قبل مَبْعثه، فلما بعثه الله من العَرب كفروا به، وجَحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم
مُعاذ بن جبل، وبشر بن البَرّاء بن مَغرور، أخو بني سَلمة: يا مَغْشر يَهود، اتقوا الله
وأسْلموا، فقد كنتم تَستفتحون علينا بمحمد ونحن أهلُ شِرْك، وتُخْبِروننا أنه مبعوث،
وتَصِفونه لنا بصفته، فقال سَلام بن مِشْكم، أحد بني النَّضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما
هو بالذي كنَّا نذكره لكم، فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَلِمَّا جاءَهُمْ كِتَابٌ مِن عِنْدِ
اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحونَ على الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا
كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ على الكافِرِينَ﴾ .
ما نزل في نكران مالك بن الصيف العهد إليهم بالنبي:
قال ابن إسحاق: وقال مالك بن الصّيف، حين بُعث رسولُ الله ◌َلتر، وذكر لهم ما
أُخذ عليهم له من الميثاق، وما عَهِد الله إليهم فيه: والله ما عُهد إلينا في محمد عهد،
وما أُخِذ له علينا من ميثاق. فأنزل الله فيه: ﴿أُوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدَا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مَنْهُم بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمنونَ﴾(١) .
عشرين، فهذه ثمانمائة، و: م أربعين، و: ل ثلاثين، فهذه ثمانمائة وسبعون، و: ي عشرة.
و: ط تسعة، و: أ واحد، فهذه ثمانمائة وتسعون، و: ح ثمانية، و: هـ خمسة، فهذه
تسعمائة وثلاثة، ولم يُسَمِّ الله سبحانه في أوائل السور إلا هذه الحروف، فليس يبعد أن
يكون من بعض مُقْتَضَياتها وبعض فوائدها الإشارةُ إلى هذا العدد من السنين لما قدمناه في
حديث الألف السابع الذي بعث فيه عليه السلام، غير أن الحسابَ محتمل أن يكون من
مبعثه، أو من وفاته، أو من هجرته، وكُلُّ قريبٌ بعضُه من بعض، فقد جاء أشراطُها، ولكن
(١) دعوة إلى حكام وملوك وساسة هذا الزمان أن يتعلموا من القرآن مع مَن يتعاملون، وإلى مَن
يجلسون، ومع أي عقول يتحاورون، إلى الذين يعقدون مؤامرات أو مؤتمرات السلام مع اليهود:
اقرؤوا هذه الآية جيدًا وضعوها نصب أعينكم.
٤٠٦

ما نزل في قول أبي صلوبا: ((ما جئتنا بشيء نعرفه)):
وقال أبو صَلُوبا الفطْيوني لرسول الله وَالَ: يا محمّد، ما جئتَنا بشيءٍ نَعْرفه، وما
أنزل الله عليك من آية فتَبعك لها. فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
آيَاتٍ بَيَّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إلاَّ الفاسِقُونَ﴾ .
ما نزل في قول ابن حريملة ووهب:
وقال رافع بن حُريملة، ووَهْب بن زيد لرسول الله مَالجر: يا محمّد، ائتِنا بكتاب
تُنَزِّله علينا من السماء نقرؤه، وفَجِّر لنا أنهارًا نتبعك ونصدّقكٍ. فأنزل الله تعالى في ذلك
من قولهما: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ
بالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: سواء السبيل: وسط السبيل. قال حسَّان بن ثابت:
بعد المُغَيَّب في سَواء المُلْحَدِ
يا وَيْحَ انْصار النبيّ ورَهْطِه
وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
ما نزل في صد حُيي وأخيه الناس عن الإسلام:
قال ابن إسحاق: وكان حُييّ بن أخطب وأخوه أبو ياسر بن أخطب، من أشدّ يهود
للعَرب حسدًا، إذ خصّهم الله تعالى برسوله وَلّ، وكانا جاهدَيْن في ردّ الناس عن
الإسلام بما استطاعا. فأنزل الله تعالى فيهما: ﴿وَذَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُودُنَكُمْ مِن
لا تأتيكم إلا بَغْتَةً(١)، وقد روي أن المتوكل العباسي سأل جعفر بن عبد الواحد القاضي،
وهو عباسي أيضًا: عما بقي من الدنيا، فحدّثه بحديث يرفعه إلى رسول الله - وَل﴾ - أنه قال:
((إن أحسنتْ أمتي، فبقاؤها يوم من أيام الآخرة، وذلك ألف سنة، وإن أساءت، فنصفُ
يوم))(٢)، ففي هذا الحديث تتميم للحديث المتقدم وبيان له؛ إذ قد انقضت الخمسمائة،
والأمة باقية والحمد لله.
(١) لا صحة لهذا التأويل البعيد جدًا عن الصحة من تفسير الآيات بالحروف، وأصل هذا عند اليهود كما
تقدم. فانتبه .
(٢) (ضعيف)). انظر الفتح (٣٥١/١١).
٤٠٧

بَعد إيمانكم كُفارًا حَسَدًا من عند أنفسهم مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعفُوا وَاصْفَحُوا حتى
يَأْتِيَ اللّهُ بأمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
تنازع اليهود والنصارى عند الرسول والثقه:
قال ابن إسحاق: ولمَّا قَدِم أهلُ نَجران من النَّصارى على رسول الله وَلّ أتتهم
أحبارُ يهود، فتنازعوا عند رسول الله وَلّر، فقال رافع بن حُريملة: ما أنتم على شيء،
وكَفَر بعيسى وبالإنجيل، فقال رجلٌ من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على
شيء، وجحد نبوّة مُوسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿وَقَالَتِ
اليَهُودِ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلونَ
الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامةِ فِیما كانوا فيه
يَخْتَلِفُونَ﴾، أي كلّ يتلو في كتابه تصديق ما كفر به، أي يكفر اليهودُ بعيسى، وعندهم
التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى عليه السلام بالتصديق بعيسى عليه
السلام، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى عليه السلام، من تصديق موسى عليه السلام، وما
جاء به من التوراة من عند الله، وكلّ يكفر بما في يد صاحبه.
ما نزل في طلب ابن حريملة أن يكلمه الله:
قال ابن إسحاق: وقال رافعُ بن حُريملة لرسول الله وَلقول: يا محمّد، إن كنت رسولاً
من الله كما تقول، فقل الله فليِكلِمنا حتى نسمع كلامه. فأنزل الله تعالى في ذلك من
قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلكَ قال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .
معاني الحروف في أوائل السور:
فصل: ولهذه الحروف في أوائل السور معانٍ جَمَّةٌ وفوائد لطيفة، وما كان الله تعالى
ليُنَزَّل في الكتابِ ما لا فائدة فيه، ولا ليخاطب نبيّه وذوي ألباب من صحبه بما لا يفهمون،
وقد أنزله بيانًا للناس، وشفاءً لما في الصدور، ففي تخصيصه هذه الحروف الأربعةً عَشَرَ
بالذكر دون غيرها حكمةٌ بل حِكمٌ، وفي إنزالها مُقطَّعة على هيئة النَّهجّي فوائدُ علمية
وفقهية، وفي تخصيصه إياها بأوائل السور، وفي أن كانت في بعض السُّورِ، دون بعضٍ فوائدُ
أيضًا، وفي اقتران الألف باللام، وتقدمها عليها معانٍ وفوائدُ، وفي إرداف الألف واللام
بالميم تارةً، وبالراء أخرى، ولا توجد الألف، واللام في أوائل السور، إلا هكذا مع تكررها
ثلاثَ عَشْرةَ مرة فوائدُ أيضًا، وفي إنزال الكاف قبل الهاء، والهاء قبل الياء ثم العين ثم الصاد
من ((كَهبعَصَ)) معانٍ أكثرُها تنبِّه عليها آياتٌ من الكتاب، وتبين المرادَ بها لمن تدبَّرها.
٤٠٨

ما نزل في سؤال ابن صوريا للنبي عليه الصلاة والسلام بأن يتهود:
وقال عبد الله بن صُوريا الأعور الفِطْيوني لرسول الله وَالر: ما الهُدَى إلا ما نحن
عليه، فاتبعنا يا محمّد تُهْد، وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله تعالى في ذلك من قول
عبد الله بن صُوريا وما قالت النصارى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارِى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةً
إِبْرَاهِيمَ حَنيفًا وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾(١). ثم القصة إلى قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ
خَلَتْ لَهَا ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
مقالة اليهود عند صرف القبلة إلى الكعبة
قال ابن إسحاق: ولما صُرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة، وصُرفت في رجب على
رأس سبعةَ عشرَ شهرًا من مَقْدم رسول الله وَّرَ المدينة؛ أتى رسولَ اللهِ وَّهَ رِفَاعةُ بنُ
قيس، وقَرْدَم بن عمرو، وكَعْبُ بن الأشرف، ورافعُ بن أبي رافع، والحجَّاجُ بن عمرو،
حليف كعب بن الأشرف، والربيع بن الربيع بن أبي الحُقَيْق، وكِنانة بن الربيع بن أبي
الحُقيق، فقالوا: يا محمد، ما وَلأَّك عن قبلتك التي كنت عليها، وأنت تزعم أنك على
ملة إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبْلتك التي كنتَ عليها نَتَّبعك ونصدّقك، وإنما يريدون
والتدبّرُ والتذكر واجبٌ على أولي الألباب، والخوضُ في إيراد هذه المعاني، والقَصدُ لإيضاح
ما لاح لي عند الفكر والنظر فيها، مع إيراد الشواهد على ذلك من كتاب وأثرٍ وعربية ونظرٍ
يُخرجنا عن مقصود الكتاب وينأى بنا عن موضوعِه والمراد به، ويقتضي إفرادَ جزء أشرح ما
أمكن من ذلك، ولعله أن يكون، إن ساعد القدر؛ والله المستعان، وهو ولي التوفيق، لا
شريك له(٢) .
ذكر تحويل القبلة
فصل: وذكر تحويلَ القبلة، وما قالته جماعةُ يَهُودَ حين قالوا: يا محمد ما وَلأَك عن
قبلتك، وهم السفهاء من الناس، فيهم نزلت هذه الآية. وقال: سيقول بلفظ الاستقبال لتقدم
العلم القديم بأنهم سيقولون ذلك، أي: لم آمركم بتحويلها إلا وقد علمت أن سيقولون ما
(١) أي قالت اليهود: كونوا هودًا تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. وليس المراد
التخيير.
(٢) وقالوا في تفسيرها: إنها للإعجاز والتحدّي، أي: إن هذا القرآن الذي جاء به محمد رَّيقول إنما هو
مكوّن من نفس هذه الحروف التي برعتم أنتم أيها العرب فيها. أي في العربية، وقالوا: معناها أن
نقول: الله أعلم بما أراد بها.
٤٠٩

بذلك فتنته عن دينه فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ منَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ
قَبْلَتهمْ الَّتي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقيم
وكَذَلكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَّا
جَعَلْنَا القِبْلَةَ التي كُنْتَ عَلَيْها إلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتْبِعُ الرَّسُوَّلَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي ابتلاء
واختبارًا ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي من الفتن: أي الذين ثبّت الله
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي إيمانكم بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعكم
إياه إلى القبلة الآخرة، وطاعتكم نبيَّكم فيها: أي ليُعطينكم أجرهما جميعًا ﴿إِنَّ اللَّهَ
بالنَّاس لرؤوف رَحِيمٌ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلْيَنْكَ قِبْلَةً تَرْضَاها فَوَلْ
وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيثُ ما كُنْتُمْ فَوَلّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ .
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: شطره: نحوه وقصده. قال عمرو بن أحمر الباهلي - وباهلة بن
یعصر بن سعد بن قيس بن عیلان - يصف ناقة له.
تعدو بنا شَطْر جَمْع وهي عاقدةٌ قد كارَبَ العَقْدُ من إيفادها الحَقَبا
وهذا البيت في قصيدة له.
قالوه، وقد ذكرنا في حديث الهجرةِ، قصة البَرَاءِ بن مَعْرور فوائدَ في معنى تحويل القبلة،
فلتنظر هنالك وأنشد في تفسير الشطر بيت ابن أحمر:
قد قارب العَقْدُ من إيفادِها الحَقّبَا
تَعْدو بنا شَطْرَ جَمْعٍ وهي عاقِدَةٌ
وألفيتُ في حاشية الشيخ على هذا البيت ما هذا نصه، قال من إيفادها: من
إشرافها، كذا قال محمد بن عبد الله البَرْقِيُّ، وقال: كَارَبَ موضعَ قَارَبَ، ووقع في
شعر ابن أحمر:
تَعْدو بنا عُرْضَ جَمْعٍ وهي مُوقِدَةٌ قد قارب الغَرْضُ من إيفادِها الحَقْبًا
تعدو: من العَذْو بنا وبرحلي: يعني غلامه. عُرْضَ جَمْعٍ: يعني مكة، وعَرْضَ أحب
إلي، وعُرْض: كثرة الناس، عن الأصمعي، ومُوفَدِةٌ، أي: مشرفة. أوفد: إذا أشرف، وروى
غيره: وهي عاقدة، يريد عنقها لاويتها والغَرْضُ: البِطَانُ وهو حزام الرَّخل. من إيفادها، أي
إشرافها، وقد اقتادت: نصبت عُنَقَها وعَصَرَت بذَنبها وتخامَصَت ببطنها فقرب كلُّ واحد من
٤١٠

وقال قيس بن خُويلد الهُذليّ يصف ناقته:
إن النَّعوسَ بها داءٌ مُخامِرها
فشَطَرَها نَظْرُ العَيْنِينِ مَحْسُورُ
وهذا البيت في أبیات له.
قال ابن هشام: والنَّعُوسُ: ناقته، وكان بها داء فنظر إليها نظر حسير، من قوله:
وهو حسير.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبْهِمْ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِع قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضَهُمْ
بِتَابِعِ قِيْلَةَ بَعْضٍ وَلَيْنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
قال ابن إسحاق: إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ
المُمْتَرِينَ﴾ .
كتمانهم ما في التوراة من الحق:
وسأل معاذ بن جبل، أخو بني سلمة، وسعدُ بن معاذ، أخو بني عبد الأشهل
وخارجةُ بن زيد، أخو بَلْحَارِث بن الخزرج، نفرًا من أحبار يهود عن بعض ما في
التوراة، فكتموهم إياه، وأبَوْا أن يُخْبروهم عنه. فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّنَاتِ والهُدَى مِنْ بَعْدِ ما بَيِّنَاهُ للنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ
وَيَلْعَنُهُمُ الْلأَّعِنُونِ﴾ .
جوابهم للنبي عليه الصلاة والسلام حين دعاهم إلى الإسلام:
قال: ودعا رسولُ الله وَّ اليهود من أهل الكتاب إلى الإسلام ورغّبهم فيه،
وحذَّرهم عذابَ الله ونقمته؛ فقا له رافعُ بن خارجة، ومالك بن عوف: بل نتبع يا محمّد
ما وجَدْنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلَم وخيرًا منَّا. فأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك من
قولهما: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آبَاءَنا أَوْ لَوْ كَانَ
آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلَونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ .
الغَرْضِ والحَقَبِ من صاحبه بذلك. هنا انتهى ما كتبه الشيخ على هذا البيت وأوردته وقبل
البيت :
فقال: حَيَّ فإن الركبَ قد نصبا
أنشأتُ أسأله عن حال رُفْقَتِه
٤١١

جمعهم في سوق بني قينقاع
ولما أصاب الله عزّ وجلّ قُريشًا يوم بَدر جمع رسولُ اللهَ وَّل يهودَ في سوق بني
فَيْنُقَاعِ، حين قدم المدينة، فقال: يا معشر يهود، أسْلِموا قبل أن يُصيبكم الله بمثل ما
أصاب به قريشًا، فقالوا له: يا محمد، لا يغرّنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش،
كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنَّا نحن الناس، وأنك لم تلق
مثلَنا، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿قُلْ للَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرونَ إلى
جَهَنَّمَ وَبِثْسَ المِهِدُ قَدْ كَانَ لَكِمْ آيَةٌ فِي فِئْتَيْنِ التَّقَتَا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرَى كَافِرَةٌ
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمُ رأَى العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ في ذلك لَعِبَرَةً لِأُولِي الأبْصَارِ﴾
[آل عمران: ١٢، ١٣].
دخوله ◌َّيفي بيت المدراس :
قال: ودخل رسولُ اللهِ وَ﴿ه بيتَ المِدراس على جماعةٍ من يهود، فدعاهم إلى
الله، فقال له النُّعمان بن عمرو، والحارثُ بن زَيد: على أيّ دين أنتَ يا محمد؟ قال:
على مِلَّة إبراهيم ودينه، قالا: فإن إبراهيم كان يهوديًّا؛ فقال لهما رسول الله وَّلَ: فَهَلُمْ،
إِلى التوراة، فهي بيننا وبينكم، فأبيا عليه. فأنزل الله تعالى فيهما: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ
أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُذْعَوْنَ إلى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ
مُعْرِضُونَ ذلك بأنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُّوا
يَفْتَرُونَ﴾ .
ما أنزل الله في بني قينقاع
فصل: وذكر ما أنزل الله سُبحانه في بني قَيْنقاع، وقولهم للنبي وَّ: لو حاربتَنَا،
لعلمت أنا نحن الناس: ﴿قل للذين كفروا سَتُغلِبُون﴾ إلى قوله: ﴿تَرَوْنَهُم مُثْلَيْهم رَأْيَ العين﴾
فمن قرأه: يَرَوْنَهم بالياء، فمعناه أن الكفارَ يرون المؤمنين مثليهم، وإن كانوا أقلَّ منهم لما
كثرهم بالملائكة. فإن قيل: وكيف وهو يقول في آية أخرى: ﴿ويُقَلْلَكُمْ في أعينهم﴾ قيل:
كان هذا قبل القتال عندما حَرَزَ الكفار المؤمنين، فرأوهم قليلاً، فتجاسروا عليهم ثم أمدهم
الله بالملائكة، فرأوهم، كثيرًا فانهزموا، وقيل: إن الهاء في يَرَونَهُمْ عائدة على الكفار، وإن
المؤمنين رَأَوْهُم مثليهم، وكانوا ثلاثةَ أمثالِهم، فقَلَّهُم في عيون المؤمنين، وأما من قرأها
بالتاء، فيجوز أن يكونَ الخطابُ لليهود، أي تَرون المشركين يوم بدر مِثْلِي المؤمنين، وذلك
أنهم كانوا ألفًا، فانخذل عنهم الأخْنَسُ بن شَرِيقٍ ببني زُهْرَة، فصاروا سبعمائة أو نحوها،
ويجوز أن يكون الخطاب للمشركين، أي: ترون أبها المشركون المؤمنين مثليهم، حين
٤١٢

اختلاف اليهود والنصارى في إبراهيم عليه السلام:
وقال أحبارُ يهودَ ونَصارى نجران، حين اجتمعوا عند رسول الله وَّلها فتنازَعوا،
فقالت الأحبار: ما كان إبراهيمُ إلا يهوديًّا، وقالت النصارى من أهل نجران: ما كان
إبراهيم إلا نَصْرانيًا. فأنزل الله عزّ وجلّ فيهم: ﴿يا أهلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ
وَمَا أُنْزِلَتِ الثَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ها أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ
عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ما كانَ إبْرَاهِيمُ
يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ومَا كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ
لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ .
ما نزل فيما همَّ به بعضهم من الإيمان غدوة والكفر عشية:
وقال عبدُ الله بن صيف، وعديّ بن زيد، والحارث بن عوف، بعضُهم لبعض:
تَعالَوا نؤمن بما أُنزِل على محمّد وأصحابه غُدوةً، ونكفر به عشيّة، حتى نَلبسَ عليهم
دينهم لعَلَّهم يصنعون كما نصنع، ويرجعون عن دينه، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿يا أهْلَ
الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بالباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقْ وَأَنْتُم تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أهْلِ
الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أَنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ولَ
تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ
يُحاجُوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمْ﴾ .
ما نزل في قول أبي رافع والنجراني ((أتريد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى))؟
وقال أبو رافع القُرظيّ، حين اجتمعت الأحبارُ من يهود، والنَّصارى من أهل نجْرَان
عند رسولِ الله وَّرَ، ودعاهم إلى الإسلام: أتُريد منا يا محمّد أن نَعْبدك كما تعبد
النصارى عيسى ابن مريم؟ وقال رجلٌ من أهل نَجْران نَصْرانيّ، يقال له: الرّبِيس،
(ويروى: الريس، والرئيس): أو ذاك تُرِيدُ منَّا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال. فقال
رسولُ اللهِ وَله: معاذ الله أن أعبد غيرَ الله أو آمر بعبادة غيره، فما بذلك بعثني الله، ولا
أمرني؛ أو كما قال. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: ﴿ما كانَ لِبَشَرِ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ
الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبَوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ للنَّاسِ كُونُوا عِبادًا إليّ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
أمدهم الله بالملائكة فيعود الكلام إلى المعنى الأول الذي قدمناه في قراءة من قرأ بالياء. وفي
الآية تَخْليط عن الفَرَّاء أضْرَبنا عن ذكره، وجُلُّ ما ذكرناه آنفًا مذكور في التفاسير بألفاظ
مختلفة .
٤١٣

بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرِسُونَ﴾ ... إلى قوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ
مُسْلِمُونَ﴾(١).
قال ابن هشام: الربانيُون: العلماء الفقهاء السادة، واحدهم: ربانيُّ.
قال الشاعر :
لو كنتُ مُزْتَهنَا في القُوسِ أَفْتَنني
منها الكَلامُ وربَّانيَّ أخبارِ
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: القُوسُ: صومعة الراهب. وأفتني، لغة تميم. وفتني، لغة قيس.
قال جرير:
لاسْتَنْزَلَتْني وذا المِسْحَيْن في القُوسِ
لا وَضْل إذا صَرَمتْ هِندٌ ولو وقفت
أي صومعة الراهب. والرّباني: مشتقّ من الرب، وهو اليد. وفي كتاب الله:
﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾، أي سیده.
وذكر ابنُ هشام في الربانيين أنهم العلماء الفقهاء السادة وفي البخاري عن بعض أهل
العلم قال: الربانيون الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره، وقيل: نسبوا إلى علم الرب
والفقه فيما أنزل وزيدت فيه الألف والنون لتفخيم الاسم، وأنشد ابن هشام:
لو كنتُ مُرْتَهنَا في القُوسِ أفْتَنَني منها الكلامُ وَربَّانِيَّ أَخْبَارٍ
وقال: القُوسِ: الصومعة، ومن كلام العرب: أنا بالقُوسِ وأنت بالقَرقُوسِ، فكيف
نجتمع؟ وقال في أفتنني: هي لغة تميم، وفرَّق سيبويه بينَ فَتَنْتُه وأقْتَنْتُه، وجعله من قول
الخليل، قال أفْتَنْته: صيَّرتُه مُفْتَتنًا أو نحو هذا، وفَتَنْتُه، جعلت فيه فِتْنَةً، كما تقول: كَحَلْتُه
جعلت في عينيه كُخْلاً، ومآلُ هذا الفَرْق إلى أن فَتَنْتُه صَرَفْتُه، فجاء على وزنه، لأن المفتونَ
مَصْروفٌ عن حَقٌّ، وأفتنته بمعنى أَضْلَلْتُه وأَغْوَيْتُه، فجاء على وزن ما هو في معناه، وأما
فتنت الحديدة في النار، فعلى وزن فعلت، لا غير؛ لأنها في معنى: خَبَرْتها، وبَلَوْتُها ونحو
ذلك.
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل (٣٨٤/٥) وأورده ابن كثير في الدر (٤٠/٢) وابن كثير في تفسيره
(٥٤/٢).
٤١٤

قال ابن إسحق: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِّينَ أَرْبابًا أيأُمُرُكُمْ بالكُفْرِ
بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
ما نزل في أخذ الميثاق عليهم:
قال ابن إسحاق: ثم ذكر ما أخذ الله عليهم، وعلى أنبيائهم من الميثاق بتَصديقه إذ
هو جاءهم، وإِقْرارَهم، فقال: ﴿وإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابِ وَحِكْمَة
ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقْ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنّ بِهِ ولْتَنْصِرُنَّهُ قَالَ أَقْرَرْتُم وأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ
إِصْرِي قَالُوا أَقْرَزْنا قَالَ فاشْهَدُوا وأنَا مَعْكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ إلى آخر القصة.
سعيهم في الوقيعة بين الأنصار:
قال ابن إسحق: ومَرّ شأس بن قَيْس، وكان شيخًا قد عسا، عظيم الكُفْر شديد
الضّغن على المُسلمين، شديد الحَسد لهم، على نَفَر من أصحاب رسول الله وَلَه من
الأوس والخَزْرج. في مجلس قد جَمَعهم، يتحدّثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلفَتهم
وجماعتهم، وصَلاح ذاتَ بَيْنهم على الإسْلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة. في
الجاهلية فقال: قد اجتمع مَلأ بني قَيْلة بهذه البِلاد، لا والله ما لنا مَعهم إذا اجتمع مَلَؤهم
بها من قَرار. فأمر فَتى شابًا من يَهُودَ كان معهم، فقال: اعمِدْ إليهم، فاجلس معهم، ثم
اذكُر يومَ بُعاث وما كان قَبلَه وأَنْشَدهم بعضَ ما كانوا تَقاولوا فيه مِن الأشْعار.
شيء عن يوم بعاث:
وكان يوم بُعاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرجُ، وكان الظفر فيه يومئذ للأوس
عن الخَزْرِج، وكان على الأوس يومئذٍ حُضَير بن سِماك الأشْهلي، أبو أُسَيد بن حُضَير؛
وعلى الخَزْرِج عمرو بن النُّعمان البَيَاضِيّ، فَقُتِلا جميعًا.
قال ابن هشام: قال أبو قيس بن الأسْلت:
فَعاوَدَني لهُ حُزْنٌ رَصِينٌ
على أن قَد فُجِعتُ بذي حِفاظٍ
أعضَّ بِرأسسه عَضْب سَنِين
فإمَّا تَقْتلوه فإنَّ عَمْرًا
وهذان البيتان في قصيدة له. وحديث يوم بُعاث أطولُ مما ذكرتُ، وإنما منعني من
استقصائه ما ذكرت من القَطْع.
٤١٥

تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: سنين: مسنون، من سنّه، إذا شحذه.
قال ابن إسحاق: ففَعل. فتكلّم القومُ عند ذلك وتنازعُوا وتفاخروا حتى تَوائب
رجلان من الحَيَّين على الرُّكب، أوس بن قَيْظي، أحد بَنِي حارثة بن الحارث، من
الأوس، وجبَّار بن صخر، أحدَ بني سَلمة من الخزرج، فتَقاولا ثم قال أحدهما
لصاحبه: إن شئتم رَدَدْناها الآنَ جذَعة، فغضب الفريقان جميعًا، وقالوا: قد فَعَلْنا،
موعدكم الظّاهرة - والظاهرة: الحرّة - السِّلاحَ السّلاح. فخرجوا إليها، فبلغ ذلك رسول
الله ◌َيّرَ فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المُهاجرين حتى جاءهم، فقال: ((يا معشر
المسلمين، الله الله، أبِدَعوى الجاهليَّة وأنا بين أظهركم بعد أن هَداكم الله للإسلام،
وأكرمَكم به، وقَطع به عنكم أمرَ الجاهلية، واستنقذكم به من الكُفر، وألّف به بين
قلوبكم))(١)، فعرف القومُ أنها نَزْغة من الشيطان، وَكَيدٌ من عدوّهم، فَبَكوا وعائَق
الرجالُ من الأوس والخَزْرِج بعضُهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله وَّ سامعين
مُطيعين، قد أطفأ الله عنهم كَيْدَ عَدوّ الله شأس بن قيس. فأنزل الله تعالى في شَأس بن
قَيْسٍ وما صَنع: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ
قُلْ يا أهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَدَاءُ وَما
اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون﴾.
وأنزل الله في أوسٍ بن قَيْظي وجَبَّار بن صخْر ومن كان معهما من قومهما الذين
صَنعوا ما صنعوا عمَّا أدخل عليهم شأسُ من أمر الجاهلية: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا
فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِين وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأَنْتُمْ تُثْلَى
عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم يَا أيُّها
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ... إلى قوله تعالى:
﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
ما نزل في قولهم: ((ما آمن إلاّ شرّارنا»:
قال ابن إسحاق: ولما أسلم عبد الله بن سَلام، وثعلبة بن سَعْية، وأُسيد بن سَعية،
وأسد بن عُبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدّقوا ورغبوا في الإسلام، ورسخوا
(١) انظر البخاري (٢٢٣/٤).
٤١٦

فيه، قالت أحبارُ يهود، أهل الكُفْر منهم: ما آمن بمحمَّد ولا اتبعه إلا شِرارنا، ولو كانوا
من أخيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم:
﴿لَيْسُوا سَوَاءٌ مِنْ أهْلِ الكِتابَ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ .
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: آناء الليلِ: ساعات الليل، وواحدها: إنيّ. قال المُتَتَخَّل الهُذَلَيّ،
واسمه مالك بن عُويمر، يرثي أَثَيلة ابنَه :
حُلْو ومرّ كعَطْف القِذْح شيمتُه
في كلّ إنْىٍ قَضَاه اللَّيلُ يَنْتعلُ
وهذا البيت في قصيدة له. وقال لبيد بن ربيعة يصف حمار وَخْش:
غَويّ سَقاه في التِّجار نَدِيمُ
يُطَرِّبُ آناء النَّهار كأنَّه
وهذا البيت في قصيدة له، ويقال: إني مقصور فيما أخبرني يونس.
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرَ ويَأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَّرِ وَيُسارِعُونَ فِي
الخَيْرَاتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
ما نزل في نهي المسلمين عن مباطنة اليهود:
قال ابن إسحاق: وكان رجال من المسلمين يُواصلون رجالاً من اليهود، لما كان
بينهم من الجوار والحلف، فأنزل الله تعالى فيهم ينهاهم عن مُباطنتهم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةٌ مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُوا مَا عَنِثُمْ قَدْ
بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَقْوَاهِهِمْ وَما تُخْفى صُدُورُهُمْ أكْبَرُ قَدْ بَيَّنا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
هَأنْتُم أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بالكِتابِ كُلِّهِ﴾، أي تؤمنون بكتابكم، وبما
مضى من الكُتب قبل ذلك وهم يَكفرون بكتابكم، فأنتم كنتم أحقَّ بالبغضاء لهم منهم
لكم ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾
إلى آخر القصة.
تفسير آناء الليل:
فصل: وذكر ابنُ هشام في تفسير آناء الليل، قال: واحد الآناءِ إنْيٌّ، واستشهد عليه
بقول الهذلي، ثم أغْرب بما حدّثه به يونس، فقال: ويقال إني فيما حدّثني يونس بن حبيب،
وهذا الذي قاله آخرًا هو لغةُ القرآنِ، قال الله تعالى: ﴿غير ناظرين إنّاه﴾.
٤١٧
الروض الأنف/ ج ٢/ م ٢٧

ما كان بين أبي بكر وفنحاص:
ودخل أبو بكر الصدّيق بيت المدراس على يهود، فوَجد منهم ناسًا كثيرًا قد
اجتمعوا إلى رجُل منهم، يقال له فِنْحاص، وكان من عُلمائهم وأحبارهم، ومعه حَبْر من
أحبارهم، يقال له: أشْيع، فقال أبو بكر لفِنْحاص: ويحك يا فنحاص! اتَّق الله وأسلم،
فوالله إنك لتعلم أن محمدًا لرسول الله، قد جاءكم بالحقّ من عنده تَجدونه مكتوبًا عندكم
في التوراة والإنجيل، فقال فنحاص لأبي بكر: والله يا أبا بكر، ما بِنا إلى الله من فَقْر،
وإنه إلينا لفَقير، وما نتضرّع إليه كما يتضرّع إلينا، وإنَّا عنه لأغنياء، وما هو عنَّا بغَنِيِّ،
ولو كان عنَّا غنيًّا ما استَقْرضنا أموالَنا، كما يزعمُ صاحبُكم، يَنْهاكم عن الرّبا ويُعْطيناه،
ولو كان عنَّا غنيًّا ما أعطانا الرّبا. قال: فغضب أبو بكر، فضَرب وَجْه فِنْحاص ضربًا
شديدًا، وقال: والذي نفسي بيده، لولا العهدُ الذي بَيْننا وبينكم، لضربتُ رأسَك، أي
عدوّ الله. قال: فذهب فِنْحاص إلى رسولِ الله وَلّ فقال: يا محمّد انظر ما صنع بي
صاحبك، فقال رسول الله وَ﴿ لأبي بكر: ما حَمَلَك على ما صنعت؟ فقال أبو بكر: يا
رسول الله، إن عدوَّ الله قال قولاً عظيمًا، إنه زَعم أن الله فقير وأنهم أغنياء، فلما قال
ذلك غضبتُ لله ممَّا قال، وضَربتُ وجهَه. فجَحد ذلك فِنْخاص، وقال: ما قلتُ ذلك.
فأنزل الله تعالى فيما قال فِنْحاص ردًّا عليه، وتَصْديقًا لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونحنْ أغْنِياءُ، سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بغيرِ حَقِّ وَنَقُولُ
ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾ .
ونزل في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، وما بلغه في ذلك من الغضب:
﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكوا أَذَّى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا
وَتَتَّقُوا فإنَّ ذلكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾.
ذكر جمل من الآيات المنزلة في قصص الأحبار:
فصل: وذكر ابن إسحق جُمَلاً من الآيات المنزلة في قَصَص الأحبار ومسائلهم كلها
واضحة، والتكلم عليها يخرج عن غرض الكتاب إلى تفسير القرآن، وفي جملتها قوله
تعالى: ﴿أَيَّن مُرْسَاها﴾ وقال الفراء في أيّان: هي كلمتان، جعلت واحدة، والأصل: أي
· آن، والآن والأوان بمعنى واحد، كما يقال: رَاح ورَيَاح، وأنشد:
نَشَاوَى تَسَافَوْا بِالرِّيَاحِ المُفَلْفل
وقد ذكر الهروي في أيَّان وجهًا آخر، قال: يجوز أن يكون أصلُه: أيْوَان فاندغمت
الياءُ في الواو مثل قُيَّام.
٤١٨

ثم قال فيما قال فِنْحاص والأحبارُ معه من يهود: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا
الكِتابَ لَتُبَيْنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُوتَهُ فَنَبّذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوا بِهِ ثَمَّنَا قَلِيلاً فَبِئْسَ ما
يَشْتَرُونَ لا تَحْسَبِنَّ الَّذِينَ يَفْرَحَونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ
بِمِفازَةٍ مِنَ العَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ يعني فِنْحاص، وأشيع وأشباهَهما من الأحبار، الذين
يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زيَّنوا للناس من الضلالة، ويُحبُّون أن يحمدوا بما
لم يفعلوا، أن يقول الناس: علماء، وليسُوا بأهْل عِلم، لم يَحملوهم على هُدّى ولا
حقّ، ويُحبون أن يقول الناس قد فعلوا.
أمرهم المؤمنين بالبخل:
قال ابن إسحاق: وكان كَرْدَم بن قيس، حليفُ كَعب بن الأشرف، وأُسامة بن
حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبَخْريّ بن عمرو، وحُيّيّ بن أخْطب، ورفاعةً بن زيد بن
التابوت، يأتون رجالاً من الأنصار كانوا يُخالطونهم، يَنتصحون لهم من أصحاب رسول
الله ◌ََّ، فيقولون لهم: لا تُنْفِقُوا أموالكم فإنَّا نخشَى عليكم الفقرَ في ذهابها، ولا
تُسارعوا في النَّفقة فإنكم لا تذرون علامَ يكون. فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ
النَّاسَ بالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي من التوراة، التي فيها تَصْديق ما جاء
به محمدٌ وَ﴿ ﴿وأعْتَذْنا للكافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرَ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾.
جحدهم الحق:
قال ابن إسحاق: وكان رِفاعة بن زَيْد بن التابوت من عُظماء يهود، إذا كلَّم رسول
الله - ﴿ لَوى لسانَه، وقال: أرعنا سَمْعك يا محمّد، حتى نُفْهمك، ثم طعن في الإسلام
وعابَه. فأنزل الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ
وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أعْلَمُ بأعْدَائِكُمْ وكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا مِنَ
الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسِمَعْ غيرَ مُسْمَع
وَرَاعِنا﴾، (أي راعنا سمعك) ﴿لَيَّ بِالْسِنَتِهِمْ وَطَعْنَا فِي الدّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنا وأَطَعْنَا
وأسمع وانْظُرْنا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وأقْوَمَ ولكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يؤْمْنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ .
وكلَّم رسولُ اللهِ وَلَ رؤساء من أحبار يهود، منهم: عبد الله بن صورِيا الأعور،
وكَغْب بن أسد، فقال لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسْلِمَوا، فوالله إنكم لتعلمونَ أنّ
٤١٩

الذي جِئْتُكم به لَحقّ، قالوا: ما تعرف ذلك يا محمد: فجَحدوا ما عرفوا، وأصَرُّوا على
الكفر، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿يَا أيها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنا مُصَدّقًا لِمَا
مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهَا فَتَرِدَّها عَلَى أدبارِها أوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصحابَ السَّبْتِ
وكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ .
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: نَطْمس: نمسحها فنسوّيها، فلا يُرى فيها عينٌ ولا أَنْف ولا فَم،
ولا شيء مما يُرى في الوجه، وكذلك ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُّنَهُمْ﴾. المطموس العين: الذي ليس
بين جَفْنيه شقّ. ويقال طَمَست الكِتابَ والأثر، فلا يُرى منه شيء. قال الأخطل، واسمه
الغَوْث بن هُبيرة بن الصَّلت التَّغلبي، يصف إيلاّ كلَّفها ما ذكر:
شَطونٍ تَرَى حِزْباءَها يتَمَّلمِلُ
وتَكْلِيفُناها كلَّ طامِسة الصُّوى
وهذا البيت في قصيدة له.
قال ابن هشام: واحدة الصُّوى: صُوّة. والصُوى: الأعلام التي يُستدلّ بها على
الطرق والمياه.
قال ابن هشام: يقول: مُسِحَت فاستوت بالأرض، فليس فيها شيء ناتىء ..
النفر الذين حزّبوا الأحزاب:
قال ابن إسحاق: وكان الذين حزّبوا الأحزاب من قُريش وغطفان وبني قريظة
حُيّيّ بن أخطب، وسلام بن أبي الحُقيق، أبو رافع، والرَّبيع بن الربيع بن أبي الحُقيق،
وأبو عمَّار، ووَخوح بن عامر، وهَوْذة بن قيس. فأما وَخوح، وأبو عمَّار، وهَوذة، فمن
بنى وائل، وكان سائرهم من بني النَّضير. فلما قدموا على قُريش قالوا: هؤلاء أحبار
يهود، وأهل العلم بالكتاب الأوّل، فَسلوهم: دينُكم خير أم دِين محمّد؟ فسألوهم،
فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنْتُمْ أهدَى منه وممن اتبعه. فأنزل الله تعالى فيهم:
﴿أَلَم تَرَر إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ .
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: الجِبْت (عند العرب): ما عُبد من دون الله تبارك وتعالى.
٤٢٠