النص المفهرس
صفحات 381-400
وهو الذي قال: إنما كنَّا نخُوض ونَلْعب. فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سألتَهُمْ لَيَقُولنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أباللَّهِ وآيَاتِه وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تُسْتَهْزِءُونَ﴾ [المائدة: ٦٥] ... إلى آخر القصة. من بني عبيد : ومن بني عُبيد بن زيد بن مالك: خِذام بن خالد، وهو الذي أُخرج مسجد الضّرار من داره؛ وبشر ورافع، ابنا زيد. من بني النبيت: ومن بني النَّبِيت - قال ابن هشام: النَّبِيت: عَمرو بنُ مالك بن الأوس - قال ابن إسحاق: ثم من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس: مِزبع بن قَيْظِيّ، وهو الذي قال لرسول الله وَل﴿ حين أجاز في حائطه ورسولُ اللهِ وَلّ عامدٌ إلى أُحُد: لا أُحِلُّ لك يا محمد إنْ كنتَ نبيًا، أن تمرّ في حائِطي، وأخذ في يده حَفْنة من تراب، ثم قال: والله لو أعلم أني لا أُصيب بهذا التراب غَيرك لرميتُك به، فابتدره القومُ ليقتُلوه، فقال رسولُ الله ◌َّر: دعوه، فهذا الأعمى، أعمى القلب، أعمى البصيرة. فضربه سَعْد بن زيد، أخو بني عبد الأشهل بالقوس فشجَّه؛ وأخوه أوْس بن قَيْظي، وهو الذي قال لرسول الله وَل يوم الخندق: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة، فأذَنْ لنا فلنرجع إليها. فأنزل الله تعالى فيه: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلاَّ فِرَارًا﴾(١). قال ابن هشام: عورة، أي مُغورة للعدوّ وضائعة؛ وجمعها: عورات قال النَّابغة الذبياني : مَتى تَلْقهم لا تَلْق للبيت عَوْرَةٌ ولا الجار مَحْرُومًا ولا الأمرَ ضائعا وهذا البيت في أبيات له. والعورة (أيضًا): عورة الرجل، وهي حرمته. والعورة (أيضًا) السَّوءة. (١) سورة الأحزاب آية رقم (١٣). ٣٨١ من بني ظفر: قال ابن إسحاق: ومن بني ظَفَر، واسم ظَفر: كعب بن الحارث بن الخزرج حاطبُ بن أميَّة بن رافع، وكان شيخًا جسيمًا قد عسا في جاهليته وكان له ابنٌ من خيار المُسْلمين يقال له يزيد بن حاطب أُصيب يوم أُحد حتى أثبتته الجراحات، فحُمل إلى دار بني ظَفر. قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه اجتمع إليه مَنْ بها من رِجال المُسلمين ونسائهم وهو بالموت فجعلوا يقولون أبشر يابن حاطب بالجنة. قال فنَجم نِفاقُه حينئذ، فجعل يقول أبوه أجل جنة والله من حَزمل، غَررتُم والله هذا المسكين من نفسه. قال ابن إسحاق: وبَشِير بن أُبَيْرق، وهو أبو طُعمة، سارق الدّرعين، الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿وَلا تُجادلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يُحبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أثيمًا﴾ وقُزْمان: حليف لهم. ذکر حدیث بشير بن ◌ُبیرق سارق الدرعین: وذكر أن الله أنزل فيه: ﴿ولا تُجادِلْ عن الذين يَخْتَانُونَ أنفسَهم﴾ [النساء: ١٠٧] الآية: وكان من قصة الدّرعين، وقصة بشير أن بني أُبَيْرق، وهم ثلاثة بَشِيرٌ ومُبَشِّر وبِشْرٌ نقبوا مشْرُبةً أو نقبها بَشيرٌ وحده على ما قال ابن إسحق، وكانت المشْرَبة لرِفَاعة بن زَيْدٍ، وسَرقوا أدراعًا له، وطعامًا فعثر على ذلك، فجاء ابن أخيه قَتَادَة بن النُّعمان يشكو بهم إلى رسولِ الله - وَل﴿ - فجاء أسِيدُ بن عُزْوَةَ بن أَبَيْرِق إلى رسول الله - نَّه - فقال: يا رسولَ الله، إن هؤلاءِ عَمَدُوا إلى أهل بيتٍ هم أهل صلاحِ ودين، فأبَنُوهُم بالسرقة، ورَمَوْهم بها من غير بَيِّنة، وجعل يجادل عنهم حتى غضِب رَسولُ الله - وَهَ ـ على قَتَادَةَ ورِفاعة، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تُجادِل عن الذين بِخْتانُونَ أنفسَهم﴾ [النساء: ١٠٧] الآية، وأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿ومَن يَكْسِب خَطِيئَةً أو إِثْمًا ثم يَرْم به بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] وكان البريءُ الذي رَمَوْه بالسرقة لبِيدَ بن سَهْلٍ: قالوا: ما سرقناه، وإنما سرقه لَبِيدُ بن سَهْلٍ، فبرّأه الله، فلما أنزل الله تعالى فيهم ما أنزل، هَرَب ابنُ أبيرق السارقُ إلى مكة، ونزل على سُلاَفة بنت سعد بن شُهَيْد، فقال فيها حَسَّان بن ثابت بيتًا، يعرِّض فيه بها، فقالت: إنما أهْديت لي شعرَ حسَّان، وأخذت رَحْلَه، فطرحتَه خارج المنزل، وقالت: حَلَقْتُ وسَلَقْتُ وخَرَقْتُ إن بثَّ في منزلي ليلة سَوْداءَ، فهرَبَ إلى خَيْبَر، ثم إنه نَقَب بيتًا ذات ليلة، فسقط الحائطُ عليه فمات. ذكر هذا الحديثَ بكثير من ألفاظه التّرمِذيُّ، وذكره الكَشِّي والطبري بألفاظ مختلفة، وذكر قصةً موته يحيى بن سلام في تفسيره ووقع اسمه في أكثر التفاسير: طُعْمَة بن أُبَيْرِق وفي ٣٨٢ قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن رسول الله وَل كان يقول: إنه لمن أهل النار. فلما كان يوم أُحد قاتل قتالاً شديدًا حتى قَتل بضعةً نفر من المشركين، فأثبتته الجراحات، فحُمل إلى دار بني ظَفر، فقال له رجال من المسلمين: أبشر يَا قُزْمان، فقد أبليتَ اليوم، وقد أصابك ما ترى في الله: قال: بماذا أُبشر، فوالله ما قاتلت إلا حمية عن قومي؛ فلما اشتدت به جراحاتُه وآذته أخذ سهمًا من كِنانته، فقطع به رواهشَ يده، فقتل نفسه(١). من بني عبد الأشهل: قال ابن إسحاق: ولم يكن في بني عبد الأشهل منافق ولا منافقة يعلم، إلا أن الضحاك بن ثابت، أحد بني كعب، رهطٍ سعد بن زيد، قد كان يُتَّهم بالنفاق وحُبّ یهود. قال حسان بن ثابت : أغيتْ على الإسْلامِ أن تَتَمَجَّدَا مَن مُلبغُ الضحَّاكِ أنْ عُروقه كِبدَ الحمار، ولا تحبّ محمدًا أتحبّ يُهْدان الحجاز ودِينَهم ما اسْتَنَّ آلّ في الفَضاء وخَوْدًا دينّا لعمري لا يوافق دِينَنا وكان جُلاس بنُ سويد بن صامت قَبْل توبته - فيما بلغني - ومعتّب بن قُشير، ورافع بن زيد، وبِشر، وكانوا يُذْعون بالإسلام، فدعاهم رجال من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله وَ ل﴿، فدعوهم إلى الكُهَّان، حكّام أهل الجاهلية، فأنزل الله عزّ وجلّ فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى الذِينَ يَزِعِمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِل إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] .. إلى آخر القصة. من الخزرج: ومن الخزرج، ثم من بني النجَّار: رافعُ بن وَدِيعة، وزيد بن عمرو، وعمرو بن قیس، وقیس بن عمرو بن سَهْل. كتب الحديث: بَشِير بن أَبَيْرِق، وقال ابن إسحق في رواية يونس بن بكير عنه: بَشِير أبو طُعْمَة فليس طعمة إذًا اسمًا له، وإنما هو أبو طُعْمَة، كما ذكر ابن إسحق في هذه الرواية (١) أخرجه مسلم في الإيمان (١٠٥) وأحمد (١٣٥/٤) والطبراني (٨٣/١٩). ٣٨٣ من بني جشم: ومن بني جُشَم بن الخزرج، ثم من بَني سَلِمة: الجدّ بن قَيْس، وهو الذي يقول: يا محمد، ائذن لي، ولا تَفتني. فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اثْذَنْ لي وَلا تَفْتِنِّي ألا فِي الفِتْنَة سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنم لمُحيطَةٌ بالكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩] ... إلى آخر القصة . من بني عوف: ومن بني عوف بن الخزرج: عبدُ الله بن أبيّ ابن سَلُول، وكان رأسَ المنافقين وإليه يجتمعون، وهو الذي قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلَّ في غَزْوة بني المُضْطلق. وفي قوله ذلك، نزلت سورةُ المُنافقين بأسرها. وفيه وفي وديعة - رجل من بني عوف ـ ومالك بن أبي قَوْفل، وسُويد، وداعس، وهم من رهط عبد الله بن أبيّ ابن سلول؛ وعبد الله بن أبيّ ابن سلول. فهؤلاء النفر من قومه الذين كانوا يدسُون إلى بني النضير حين حاصرَهم رسول الله وَّر: أن اثبتوا، فوالله لئن أخرجتم لنخرجنّ معكمٍ ولا نطيع فيكم أحدًا أبدًا، وإن قوتلتم لننصرنكم. فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُون لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ثم القصة من السورة حتى انتهى إلى قوله: ﴿كَمَثلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ للإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنّي بَرِيءٌ مِنْك إني أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦]. من أسلم من أحبار يهود نفاقًا: قال ابن إسحاق: وكان ممن تعوّذ بالإسلام، ودخل فيه مع المُسلمين وأظهره وهو مُنافق، من أحبار يهود. والله أعلم. وفي رواية يونس أيضًا أن الحائط الذي سقط عليه كان بالطائف لا بخيبر، كما قال ابن سَلاَّم، وأن أهل الطائف قالوا حينئذ: ما فارق محمّدًا مِن أصحابه مَن فيه خير. والأبيات التي رمى بها حَسَّان المرأة، وهي من بني عمرو بن عوف، وقد تقدم اسمها: بذي كَرَم من الرجال أوادِعه وما سارقُ الدِّزْعَيْن إذ كنتَ ذاكرًا ينازعها جَارَاسْتِها وتُنازعُه وقد أنزلته بنتُ سعدٍ فأصبحت وفيكم نَبيٍّ عنده الوحي واضعه ظننتمُ بأن يَخْفَى الذي قد صنعتم ٣٨٤ من بني قينقاع: من بني قَيْتُقاعِ: سعدُ بنُ حُنيف، وزَيْد بن اللُّصَيت، ونُعمان بن أوفى بن عمرو، وعثمان بن أوفى، وزيد بن اللصَيْت، الذي قاتل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه بسوق بني قَيْنقاع، وهو الذي قال، حين ضلَّت ناقةُ رسول الله وَلّهِ: يزعم محمدٌ أنه يأتيه خبرُ السماء وهو لا يدري أين ناقتُه! فقال رسول الله وَلَّ، وجاءه الخبر بما قال عدوّ الله في رَخْله، ودلّ الله تبارك وتعالى رسولَه وَّر على ناقته: ((إن قائلاً قال: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء، ولا يدري أين ناقته؟ وإني والله ما أعلم إلا ما علَّمني الله، وقد دلّني الله عليها، فهي في هذا الشّعب، قد حبَستها شجرةٌ بزمامها، فذهب رجالٌ من المسلمين، فوجدوها حيث قال رسولُ اللهِ وََّ، وكما وصف)) ورافعُ بن حُرَيملة، وهو الذي قال له الرسول وَ﴿ ـ فيما بلغنا - حين مات: قد مات اليوم عظيمٌ من عظماء المنافقين؛ ورفاعة بن زيد بن التابوت، وهو الذي قال له رسول الله وَ ل حين هبَّت عليه الريح، وهو قافلٌ من غزوة بني المُضْطَلق، فاشتدت عليه حتى أشفق المسلمون منها؛ فقال لهم رسولُ اللهِ وَ﴿: ((لا تخافوا، فإنما هبَّت لموتِ عَظيم من عُظماء الكفار))(١). فلما قَدِم رسول الله مَ ﴿ُ المدينةَ وجد رفاعةً بن زَيْد بن التابوت مات ذلك اليومَ الذي هبَّت فيه الرّيحُ وسِلْسلة بن بِزهام. وكنانة بن صُورِیا. طرد المنافقين من مسجد الرسول ولقد وكان هؤلاء المنافقون يحضُرون المسجدَ فيستمعون أحاديثَ المُسْلمين، ويَسْخَرون وقع هذا البيتُ في كتاب سِيبَوَيْه(٢). وذكر الشعر والخبر بطوله ابن إسحق في رواية یونس عنه. فصل: وأنشد ابنُ هشام: لَدَمَ الوَلِيدِ وراء الغَيْبِ بِالحَجَرِ والبيت لتميم بن أبي بن مُقْبل، واللَّذمُ: الضربُ، والغيب: العائر من الأرض. باب إخراج المنافقين وذكر ابن إسحق في باب إخراج المنافقين من المسجد أبا محمد، وقال: هو رجل من (١) أخرجه الطبري في تاريخه (١١٠/٢) والبيهقي في الدلائل (٦١/٤). (٢) انظر كتاب سيبويه (٢٤٢/١). ٣٨٥ الروض الأنف/ ج ٢/ م ٢٥ ويَسْتهزئون بدينهم، فاجتمع يومًا في المَسْجد منهم ناسٌ فرآهم رسولَ الله ◌َّ يتحدّثون بينهم، خافضي أصواتهم، قد لَصق بعضُهم ببعض، فأمر بهم رسول الله وَّر فأُخرجوا من المسجد إخراجًا عنيفًا، فقام أبو أيُّوب، خالد بن زيد بن كُلَيب، إلى عَمْرو بن قَيْس، أحدٍ بني غَنْم بن مالك بن النجار - كان صاحبَ آلهتهم في الجاهلية فأخذ برجله فسَحبه، حتى أخرجه من المسجد، وهو يقول: أَتُخْرِجني يا أبا أيوب من مربد بني ثَعْلبة، ثم أقبل أبو أيوب أيضًا إلى رافع بن وديعة، أحد بني النجَّار فلبَّهِ برِدائه ثم نَتَره نترًا شديدًا، ولطم وجهه، ثم أخرجه من المسجد، وأبو أيوب يقول له: أُفّ لك منافقًا خبيثًا: أدراجَكِ يا منافق من مَسْجد رسول الله مَلها . قال ابن هشام: أي ارجع من الطريق التي جئت منها. قال الشاعر: فولّى وأذبَر أذْرَاجَه وقد باء بالظلم من كان ثَمَّ وقام عمارة بن حَزْم إلى زَيد بن عَمْرو، وكان رجلاً طويلَ اللّخية، فأخذ بِلِخِيَته فقاده بها قَوْدًا عَنِيفًا حتى أخرجه من المسجد، ثم جمع عَمارة يَدَيْهِ فَلَدَمه بهما في صدره لَذمة خَرّ منها. قال: يقول: خدَشْتني يا عمارة؛ قال: أبعدك الله يا منافق، فما أعدّ الله لك من العذاب أشدّ من ذلك، فلا تقربنّ مسجد رسول الله وَله. قال ابن هشام: اللدم: الضرب ببطن الكفّ. قال تميم بن أُبيّ بن مُقبل: وللفؤاد وَجِيبٌ تحت أبْهره لَدْمَ الوَليد وراء الغَيْبِ بِالحَجْرِ قال ابن هشام: الغيب: ما انخفض من الأرض. والأبهر: عِرق القلب. قال ابن إسحاق: وقام أبو محمد، رجل من بني النجَّار، كان بدريًّا، وأبو محمد مسعود بن أوس بن زَيْد بن أصْرم بن زَيْد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النجَّار إلى قَيْس بن عَمْرو بن سَهْل، وكان قَيْس غلامًا شابًا، وكان لا يعلم في المنافقين شابٌ غيره، فجعل يدفع في قَفاه حتى أخرجه من المسجد. بني النجار، ولم يُعَرِّفه بأكثرَ من هذا، وهو: أبو محمد مسعود بن أوس بن زيد بن أضرم بن زيد بن ثعلبة بن غَثْم بن مالك بن النجار، يعدُّ في الشاميين، وهو الذي زعم أن الوِتْرَ واجب، فقال عُبَادة: كذب(١) أو محمد، وهو معدود في البَذْرِيِّين عند الواقدي وطائفة، ولم يذكره ابنُ إسحق فيهم. (١) أي أخطأ . ٣٨٦ وقام رجل من بَلْخُدرة بن الخَزْرج، رهط أبي سعيد الخَدْري، يقال له: عبد الله بن الحارث، حين أمَر رسول الله وََّ بإخراج المنافقين من المَسْجد إلى رجل يُقال له: الحارث بن عمرو، وكان ذا جُمَّة، فأخذ بجُمَّته فسَحبه بها سحبًا عنيفًا، على ما مرّ به من الأرض، حتى أخرجه من المَسْجد. قال: يقول المنافق: لقد أغلظت يابن الحارث؛ فقال له: إنك أهلٌ لذلك، أي عدوّ الله لما أنزل الله فيك، فلا تقربن مسجد رسول الله (ێ، فإنك نَجَس. وقام رجل من بني عَمرو بن عوف إلى أخيه زُوَيّ بن الحارث، فأخرجه من المسجد إخراجًا عنيفًا، وأنَّف منه، وقال: غلب عليك الشيطانُ وأمْره. فهؤلاء مَن حضر المسجدَ يومئذٍ من المنافقين، وأمر رسولُ الله ◌َلَّ بإخراجهم. ما نزل من البقرة في المنافقين ويهود ما نزل في الأحبار ففي هؤلاء من أخبار يهود، والمُنافقين من الأوس والخَزْرِجِ، نزل صَدرُ سورة البقرة إلى المائة منها - فيما بلغني - والله أعلم. يقول الله سبحانه وبحمده: ﴿أَلّم ذلكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾(١)، أي لا شكّ فیه(٢ قال ابن هشام: قال ساعدة بن جُؤَية الهذليّ: فلا رَیْب أنْ قد کان ثمَّ لَحِیمُ فقالوا عَهدنا القومَ قد حَصَرُوا به ذكر ما أنزل الله في المنافقين فصل: وذكر ما أنزل الله في المنافقين والأحبار ومن يَهُودَ من صَدْر سورة البقرة، (١) وقيل: بدأ القرآن بهذه الحروف ﴿الَمّ﴾ دون غيرها من بقية الحروف التي بدأت بها بعض السور، لأنها أوسط وأسهل الحروف خروجًا من الفم، وفي قوله تعالى: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى البعيد، والبقرة هي أول سور القرآن بعد الفاتحة فكيف يأتي اسم الإشارة ((ذلك)) وهو للبعيد؟ قالوا: ذلك: أي ما سبق من القرآن التي نزلت قبل سورة البقرة، فهي ليست أول سور القرآن نزولاً، وقالوا: إشارة إلى الفاتحة . (٢) فائدة: الفرق بين الريب والشك: أن الريب يكون مصحوبًا بسوء الظن بخلاف الشك. ٣٨٧ وهذا البيت في قصيدة له، والرّيب (أيضًا): الرّيبة. قال خالد بن زُهير الهُذليّ: كأنني أُرِيبُه برَيْب قال ابن هشام: ومنهم من یرویه: كأنني أرَبْتُه برَيْب وهذا البيت في أبيات له. وهو ابن أخي أبي ذُؤَيب الهُذلي. ﴿هُدَى للمُثَّقِينَ﴾، أي الذين يحذرون من الله عقوبتَه في تَرْكُ ما يَعْرفون من الهدى، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاءهم منه: ﴿الَّذِينَ يُؤُمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقيمُونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفقُونَ﴾ أي يُقيمون الصلاة بفَرْضها، ويُؤْتون الزكاة احتسابًا لها: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلكَ﴾، أي يصدّقونك بما جئتَ به من الله عزّ وجلّ، وما جاء به مَنْ قبلك من المُرْسلين، لا يفرّقون بينهم، ولا يجحدون ما جاءوهم به من رَبِّهم. ﴿وبالآخرَة هُمْ يُوقِنونَ﴾ أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، أي هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان من قبلك، وبما جاءك من ربك ﴿أُوْلَئِكَ على هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾، أي على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلحُونَ﴾ أي الذين أدركوا ما طلبوا ونَجَوْا من شرّ ما منه هربوا. ﴿إِنَّ واستشهد ابنُ هشام على الرَّيب بمعنى الرِّيبة بقول خالد بن زُهَير ابن أخت أبي ذُؤيْب، واسمُ أبي ذؤيب: خُوَيْلِدُ بنُ خالدٍ، والرجز الذي استشهد ببيت منه: كنتُ إذا أتيته مِنْ غَيْبٍ يا قوم ما لي وأبا ذُؤَيْب كأنني أرَبْتُه بِرَيْبٍ يَشُم عَطْفِي وَيَمسُ ثَوْبِي وكان أبو ذؤيب قد اتهمه بامرأته، فلذلك، قال هذا. وذكر ابن إسحق: والذين يقيمون الصلاة، وأغفل التلاوةَ: وإنما هو: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾ [البقرة: ٣]. وكذلك وجدته مُنَّهَا عليه في حاشية الشيخ: وفي الإيمان بالغيب أقوال، منها أن الغيبَ هاهنا ما بعد الموت من أمور الآخرة، ومنها: أن الغيب، القَدر، ومنها قول من قال: إن الغيب القلبُ، أي يؤمنون بقلوبهم، وقيل: يؤمنون بالغيب، أي بالله عزّ وجلّ، وأحسن ما في هذه الأقوال قول الربيع بن أَنَس، أي: يؤمنون بظَهْر الغيب، أي: ليسوا كالمنافقين الذين يؤمنون إذا لقوا الذين آمنوا ويكفرون إذا غابوا عنهم، ويُدَلُّ على صحةِ هذا التأويلِ: بسياقَةِ الكلام، مع قوله عزّ وجلّ: ﴿يخشون ربَّهم. بالغيب﴾ فلا يحتمل قولُه: يخشَوْن رَبَّهم بالغيب إلا تأويلاً واحدًا، فإليه يرَدُّ ما اختلف فيه. ٣٨٨ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي بما أُنزل إليك، وإن قالوا إنا قد آمنًا بما جاءنا قبلك ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أأُنذَرْتَهُمْ أمْ لَم تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي أنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجَحدوا ما أُخذ عليهم من الميثاق لك، فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم، ممَّا جاءهم به غيرُك، فكيف يستمعون منك إنذارًا أو تحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك. ﴿خَتَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وعَلَى سَمَعِهِمْ وعَلَى أبْصَارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾(١) أي عن الهدى أن يُصيبوه أبدًا، يعني بما كذّبوك به من الحقّ الذي جاءك من ربك حتى يؤمنوا به، وإن آمنوا بكلّ ما كان قبلك، ولهم بما هم عليه من خلافك عذابٌ عظيم. فهذا في الأحبار من يهود، فيما كذّبوا به من الحقّ بعد معرفته. وقوله سبحانه: لا رَيْبَ فيه، وقد ارتاب فيه كثير من الناس، قيل: هو على الخصوص في المؤمنين، أي لا ريب فيه عند. قال المؤلف: رَضي الله عنه: وهذا ضعيفٌ لأن التبرئةَ تعطي العمومَ، وأصح منه. أن الكَلامَ ظاهرُه الخبر، ومعناه: النهي، أي: لا تَزْتابوا، وهذا النهي عامٌّ لا يُخصَّص، وأدق من هذا أن يكون خبرًا مَخضًا عن القرآن، أي: ليس فيه ما يُريب، تقول: رابَنِي منك كذا وكذا، إذا رأيتَ ما تُنكِر، وليس في القرآن ما تُتْكِره العقولُ. والرَّيبُ، وإن كان مَصْدرًا فقد يُعبَّر به عن الشيء الذي يُريب، كما يُعَبَّر بالضيف عن الضائف، وبالطَّف عن الخيالِ الطائف، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَيَوم لا رَيبَ فيه﴾ فهذا خبر، لأن النهي لا يكون في موضع الصفة. وقوله: لا رَيْبَ فيه في موضع الصفة ليوم، والحياةُ بعد الموت ليس فيه ما يُريبك، لأن من قدر على البَدْءَة، فهو على الإعادة أقدر، وليس الريب بمعنى الشَّكُّ على الإطلاق، (١) فائدة: كثيرًا ما نسمع من الخطباء والوعاظ: أن الله ختم الرسالات برسالة محمد وَلهر، وما أشبه، ولفظة ((ختم)) من لغة القرآن إنما تأتي في حالة الذّمّ كهذه الآية في سورة البقرة وفي الجاثية، أما إذا جاءت صفة اسم مفعول ((من رحيق مختوم)) ((ختامه مسك)) فإنها تأتي في حالة المدح. فتأمل. قال الأزهري: الختم: أصله التغطية، وختم البذر في الأرض إذا غطّاه. قال أبو إسحق: معنى ختم وطبع في اللغة واحد، وهو التغطية عى الشيء والاستيثاق منه فلا يدخله شيء. ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: الختم والطبع يشتركان فيما ذكر، ويفترقان في معنى آخر، وهو أن الطبع ختم يصير سجية وطبيعة فهو تأثير لازم لا يفارق. قلت: وفي اختصاص الختم على القلب وعلى السمع دون البصر فعليه غشاوة، ذلك أن السمع إذا خُتم عليه فلا يسمع وكذلك القلم إذا خُتم عليه - والعياذ بالله - فإنه لا ينفذ إليه شيء ويصير كما تقدم صفة لازمة له، بخلاف البصر فإنه يرى فالغشاوة أولى به من الختم، والغشاوة هي الغطاء، وهذا الغطاء أي الغشاوة إنما سَرَت إلى البصر عن طريق القلب الذي خُتم أولاً . ٣٨٩ ما نزل في منافقي الأوس والخزرج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّه وَبالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾(١) يعني المنافقين من الأوس والخزرج، ومن كان على أمرهم.َ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والذينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إلاَّ أنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، أي شكّ ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرْضًا﴾، أي شكا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أليم بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهِمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾(٢) أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله تعالى: ﴿ألا إنَّهِمْ هُمْ المُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمنُ كما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُوا الذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ من يهود، الذين يأمرونهم بالتكذيب بالحقّ، وخلاف ما جاء به الرسول ﴿قَالُوا إِنَّا مَعِكُمْ﴾، أي إنا على مثل ما أنتم عليه. ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزْتُونَ﴾: أي إنما نستهزىء بالقوم، ونلعب بهم. يقول الله عزّ وجلّ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيمُدُهُمْ فِي طُغُيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ . تفسير ابن هشام لبعض الغريب: قال ابن هشام يَعْمُهون: يحارون. تقول العرب: رجل عَمةٌ وعامه: أي حيران. قال رؤبة بن العَجاج يصف بلدًا: أعمى الهُدى بالجاهلين العُمَّه وهذا البيت في أرجوزة له. فالعُمَّه: جمع عامه؛ وأما عَمِه، فجمعه: عَمِهون. والمرأة: عمِهة وعَمْهاء. لأنك تقول: رابني منك رائب، ولا تقول شَكَّني، بل تقول: ارتبت كما تقول شككت، فالارتياب: قريب من الشَّكُ. (١) قوله تعالى: ﴿ومن الناس﴾ للتبعيض. وقوله تعالى: ﴿مَن يقول﴾ إنما هو مجرد قول بلا اعتقاد قلبي يصدق هذا القول وبلا عمل يصدق هذا القول، بخلاف وصف المؤمنين في الآيات الأولى من نفس السورة (هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب﴾ ... الآيات. وليس فيه أنهم قالوا: آمنًا بالغيب. (٢) وهذا هو حال المفسدون في الأرض، فهم يرفعون دائمًا شعار الإصلاح، فنقرأ في التاريخ: أن فلان هو صاحب حركة الإصلاح الزراعي، وفلان صاحب حركة الإصلاح التعليمي، وفلان صاحب حركة الإصلاح الديني، و ... و ... ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾. ٣٩٠ ﴿أُوْلَئِكَ الذِينَ اشْتَروا الضَّلالَةِ بالهُدَى﴾(١): أي الكفر بالإيمان ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ . قال ابن إسحاق: ثم ضرب لهم مثلاً، فقال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بنُورِهمْ وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمات لا يُبْصِرُونَ﴾(٢) أي لا يبصرون الحقّ ويقولون به حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم به ونفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق: ﴿صُمُّ بِكُمْ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجَعُونَ﴾(٣): أي لا يرجعون إلى الهدى، صُمِّ بُكْمْ عُمْي عن الخير، لا يرجعون إلى خير ولا يصيبون نجاةً ما كانوا على ما هم عليه ﴿أوْ كَصِيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذانهمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بالکافِرِينَ﴾ . قال ابن هشام: الصَّيِّب: المطر، وهو من صاب يصُوب، مثل قولهم: السيِّد، من ساد يسود، والميِّت: من مات يموت؛ وجمعه: صَيائب. قال عَلْقمة بن عَبَدة، أحدُ بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم: كأنهمُ صابت عليهم سَحابةٌ صواعقُها لطيرِهنّ دَبِيبُ وفيها : فلا تَعْدِلي بيني وبين مُغَمَّر سقَتْكَ رَوايا المُزْن حَيْثُ تصوب وهذان البيتان في قصيدة له. قال ابن إسحاق: أي هم من ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل، مِنَ الذي هم عليه من الخلاف والتخوّف لكم، على مثل ما وُصف، من الذي هو (في) ظلمة الصيّب، يجعل أصابعَه في أذنيه من الصواعق حَذَر الموت. يقول: والله منزل ذلك بهم وذكر قول الله سبحانه: ﴿في قُلوبهم مَرَض﴾ وأصلُ المرض: الضعفُ وفُتور الأعضاء، وهو هاهنا ضَعْف اليقين، وفُتور القلب عن كَدُ النظر، وعطف: فزادهم الله، وإن (١) قوله تعالى: ﴿أولئك﴾ تخصيصهم بهذا الوصف، و﴿أولئك﴾ للبعيد، أي فهم البعيدون عن رحمة الله، أو في القعر البعيد من جهنم والعياذ بالله تعالى. (٢) انظر في تفسيرها ((أعلام الموقين)) لابن القيم - الجزء الأول، والصواعق المرسلة له أيضًا. والوابل (٧٨) وشفاء العليل (٩٦) واجتماع الجيوش (١٩). (٣) قوله تعالى: ﴿لا يرجعون) في حق المنافقين، أما الكافرين فيقول عنهم ((فهم لا يعقلون)) فتأمل. ٣٩١ من النقمة، أي هو محيط بالكافرين ﴿يَكَادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصَارَهُمْ﴾: أي لشدة ضوء الحقّ ﴿كُلّمَا أَضَاءَ لهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾؛ أي يعرفون الحقّ ويتكلَّمون به، فهم من قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه في الكفر قاموا متحيرين. ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصَارِهمْ﴾ أي لما تركوا من الحقّ بعد معرفته ﴿إِنَّ اللَّهَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ للفريقين جميعًا، من الكفار والمنافقين، أي وحّدوا ربكم ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَل لَكُمْ الأرْضَ فِرَاشًا والسَّمَاءَ بِناءَ وأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءٌ فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(١). تفسير ابن هشام لبعض الغريب: قال ابن هشام: الأنداد: الأمثال، واحدهم ندّ. قال لعبيد بن ربيعة: بِيَدَيْه الخيرُ ما شاء فَعَلْ أحمَد الله فلا ندَّله وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: أي لا تُشركوا بالله غيرَه من الأنداد التي لا تنفع ولا تضرّ، وأنتم تعلمون أنه لا ربّ لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسولُ من توحيده هو الحقّ لا شكّ فيه. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبِ ممَّا نَزَّلُنا عَلى عَبْدنا﴾ أي في شكّ مما جاءكم به، ﴿فَأْتُوا بِسُورةٍ مِنْ مثْلِه وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونْ اللَّه﴾ أي من استطعتم من أعوانكم على ما أنتم عليه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادقين فإن لَمْ تَفْعلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ فقد تبين لكم كان الفعلُ لا يُعطَف على الاسم، ولا على مثل هذه الجملة، لو قلت: في الدار زيد، فأعطيته دِرْهَمًا لم يجز، ولكن لما كان في معنى قوله: في قلوبهم مرض كَمَعْنى مَرضَت، قلوبهمُ صح عطفُ الفعل عليه. (١) قاعدة: من عادة القرآن أنه يتوصل بتقرير توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية، كما في الآية السابقة، فيعدّ التقرير بأن خالق السماء والأرض وخالق الناس جميعًا ومُنزل المطر إنما هو الربّ، ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾. أي فلا تشركوا به شيئًا وهو الذي فعل لكم وبكم كذا وكذا وكذا. وانظر أيضًا ما جاء في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ ... الآية وما وليها من آيات، وانظر سورة الناس ﴿رب الناس ملك الناس إله الناس﴾، وانظر سورة طله في قوله تعالى: ﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ الآيات. ٣٩٢ الحقّ ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ التي وَقُودُها النَّاسُ والحجارَة أُعدَّتْ لْكافرِينَ﴾ أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر. ثم رغْبهم وحذّرهم نقضَ الميثاق الذي أخذ عليهم لنبيِّه وَّر إذا جاءهم، وذكر لهم بَذْء خَلْقهم حين خلقهم، وشأنَ أبيهم آدم عليه السلام وأمْرَهُ، وكيف صُنع به حين خالف عن طاعته، ثم قال: ﴿يَا بَني إسرائيلَ﴾(١) للأحبار من يهود ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي بلائي عندكم وعند آبائكم، لمَّا كان نجاها به فرعون وقومه ﴿وأوفُوا بِعَهُدي﴾ (٢) الذي أخذتُ في أعناقكم لنِّي أحمد إذا جاءكم ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أنجز لكم ما وعدتكم على تَصْديقه واتباعه بوَضْع ما كان عليكم من الآصار والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم ﴿وإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي أن أُنزل بكم ما أنزلت بمَنْ كان قبلكم من آبائكم من النِّقمات التي قد عرفتم، من المَسخ وغيره ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدّقًا لَمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافر به﴾ وعندكم من العلم فيه ما ليس عند غيركم ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُون وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بالباطلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به، وأنتم تَجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم ﴿أتأمُرُونَ النَّاس بالبرّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي أتَنْهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوّة والعهد من التوراة وتتركون أنفسكون، أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تَصْديق رسولي وتَنْقضون میثاقي، وتجحدون ما تَعلمون من کتابي. ثم عدّد عليهم أحداثهم، فذكر لهم العجلَ وما صَنعوا فيه، وتؤبته عليهم، وإقالَته إياهم، ثم قولَهم: ﴿أرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ . وذكر قوله سبحانه: ﴿يا بَنِي إسرائيلَ﴾، ووهم في التلاوة، فقال: ﴿يا أهلَ الكتاب﴾، كما وهم في أول السورة. وبنو إسرائيل: هم بنو يَعْقُوب، وكان يسمى: إسرائيل، أي سَرِيُّ (١) قوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل﴾ يعلّمنا أدب الخطاب والدعوة إلى الله تعالى بالحسنى، فعلى الرغم من كل ما صدر عن اليهود من كفر وإلحاد و ... و ... إلا أنه تعالى بدأ أول خطاب يوجّه إليهم في القرآن كله بقوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل﴾. ثم بعدها بقول تعالى: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ وبعد نهاية السياق الموجّه إليهم نجد القول الموجّه إلى أمة النبي محمد بَّر. ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾ فكونوا دائمًا ذاكرين لي ولنِعَمي عليكم فلا تتشبهوا باليهود الذين نسوا نِعَم الله فاحتاجوا إلى تذكير الله تعالى لهم. . (٢) العجيب أن اليهود سمّوا كتابهم ((العهد القديم))، والنصارى سمّوا كتابهم ((العهد الجديد)) ولم يوفٌ هؤلاء بالعهد القديم، ولا هؤلاء بالعهد الجديد !!!. ٣٩٣ تفسير ابن هشام لبعض الغريب: قال ابن هشام: جهرة، أي ظاهرًا لنا لا شيء يستره عنَّا. قال أبو الأخزر الحِمَّاني، واسمُه قُتيبة : يَجهر أجوافَ المِياه السَّدُم وهذا البيت في أرجوزة له. يجهر: يقول: يُظهر المَاء ويَكْشف عنه ما يستره من الرمل وغيره. قال ابن إسحاق: وأخذَ الصاعقة إياهم عند ذلك لغرّتهم، ثم إحياءَه إياهم بعد موتهم، وتظليلَه عليهم الغمام، وإنزالَه عليهم المنّ والسَّلوى، وقوله لهم: ﴿اذخُلُوا البابَ سجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، أي قولوا ما آمركم به أحطّ به ذنوبكم عنكم؛ وتبديلَهم ذلك من قوله استهزاءً بأمره، وإقالَته إياهم ذلك بعد هُزئهم(١). تفسير ابن هشام لبعض الغريب: قال ابن هشام: المنّ: شيء كان يسقط في السَّحَر على شجرهم، فَيجتنبونه حُلوًا مثل العسل، فيَشْربونه ويأكلونه. قال أعشى بني قَيْس بن ثعلبة: لو أُطِعِمُوا المنَّ والسَّلوی مکانھمُ ما أبصر الناسُ طُعما فيهمُ نجعًا وهذا البيت في قصيدة له. والسلوى: طير؛ واحدتها: سَلْواة؛ ويقال: إنها السُّمَاني، ويقال للعسل (أيضًا): السلوى. وقال خالد بن زهير الهُذليّ: وقاسمَها باللهِ حَقًّا لأنتمُ أَلَذُّ من السَّلْوَى إذا ما نَشُورها وهذا البيت في قصيدة له. وحِطَّة: أي حُطَّ عنا ذُنوبَنا. قال ابن إسحاق: وكان من تَبْديلهم ذلك، كما حدثني صالح بن كَيْسان عن صالح مولي الثَّوْءَمة بنت أُميَّة بن خلف، عن أبي هُريرة ومن لا أنَّهم، عن ابن عبّاس، عن اللهِ لكن لم يُذْكروا في القراءة إلاَّ أضِيفوا إلى إسرائيل، ولم يُسَمَّوا فيه: بنو يَعْقُوبَ، ومتى، ذُكر إبراهيمُ وإسحق ويعقوبُ لم يُسَمَّ إسرائيل، وذلك لحكمة فُرَقَانيَّة، وهو أن القومَ لما (١) في بعض كتب التفسير أنهم قالوا بدلاً من ((حطة)) حنطة. وقالوا: هذا هو التبديل الذي صدر منهم. وهو بعيد، إذ إنهم ما كانوا يتحدثون العربية حتى يزيدوا حرف النون هذا، بل لغتهم هي العبرية، والأرجح ما ذكره ابن إسحق. ٣٩٤ رسول الله وَل﴿، قال: ((دَخَلُوا الباب الذي أُمروا أن يدخلوا منه سُجَّدًا يزحفون، وهم يقولون حِنط في شعير))(١). قال ابن هشام: ويُروَى: حنطة في شعيرة: قال ابن إسحاق: واستسقاءَ موسى لقومه، وأمره (إياه) أن يضرب بعصاه الحَجَرَ فانفجرت لهم منه اثنتا عشرة عينًا، لكلّ سِبْط عَيْن يَشْربون منها، فد عَلم كلُّ سِبْط عينَه التي منها يشرب؛ وقولهم لموسى عليه السلام: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طعَام وَاحِد فاذعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّ تُثْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِئَّائِها وَفُومِها) . قال ابن هشام: الفُوم: الحنطة. قال أُمية بن الصلت الثَّقفي: قِطَعْ كالوذِیل في نِقْى قُومٍ فوقَ شِيزَي مثلِ الجوابي عَلیھا تفسير ابن هشام لبعض الغريب: قال ابن هشام: الوذيل: قطع الفضَّة والفوم: القمح؛ واحدته: فُومة. وهذا البيت في قصيدة له. ﴿وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَذْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فإِنَّ لَكُمْ ما سألْتُمْ﴾. قال ابن إسحق: فلم يفعلوا. وَرَفْعَه الطُّور فوقهم ليأخذوا ما أُوتوا؛ والمسخ الذي كان فيهم، إذ جعلهم قِرِدةٌ بأحداثهم، والبقرةَ التي أراهم الله عزّ وجلّ بها العِبرةَ في القتيلِ الذي اختلفُوا فيه، حتى بَيَّن الله لهم أمرَه، بعد التردد على موسى عليه السَّلام في صِفة البقرة؛ وقسوةً قلوبهم بعد ذلك حتى كانت كالحجارة أو أشدّ قسوة. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الحِجارَةَ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهارُ وَإِنَّ منْها لَمَا يَشِقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وَإِنَّ منها خُوطبوا بعبادة الله، وذُكِّروا بدين أسلافِهم مَوْعِظةً لهم، وتَنْبِيهًا من غفلتهم سُمُّوا بالاسم الذي فيه تَذْكِرَةٌ بالله، فإن إسرائيلَ اسمُ مُضاف إلى الله تعالى في التأويل. ألا تَرى: كيف نَبَّه على هذا المعنى رسولُ اللهِ وَ لَهــ حين دعا إلى الإسلام قومًا، يقال لهم: بنو عبد الله، فقال لهم: يا بني عبدِ الله، إن الله قد حَسَّن اسم أبيكم يُحرّضهم بذلك على ما يقتضيه اسمُهم من العُبوديَّة لله، فكذلك قولُه سبحانه: يا بني إسرائيلَ إنما ورد في مَغْرِض التَّذْكِرَةِ لهم بدين (١) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٤٠/١) والقرطبي (١٤١/١) والترمذي (٣٩٥٦) وابن الجوزي في زاد المسير (٨٦/١). ٣٩٥ لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾(١) أي وإن من الحجارة لألينُ من قُلُوبكم عمّا تدعون إليه من الحق ﴿وَما اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْلَمُونَ﴾ . ثم قال لمحمد عليه الصلاة السلام ولمن معه من المؤمنين يُؤْيسهم منهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وليس قوله يَسْمَعُونَ الثَّوْرَاةَ، أن كلَّهم قد سمعها، ولكنه فريق منهم، أي خاصة. قال ابن إسحاق، فيما بلغني عن بعض أهل العلم: قالوا لموسى: يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية الله، فأسمعنا كلامَه حين يكلِّمك، فطلب ذلك موسى عليه السلام من ربِّه، فقال له: نعم، مُرْهُم فَلْيَطَّهَّرُوا، أو ليطهروا ثيابَهم، وليصُوموا، ففعلوا. ثم خرج بهم حتى أتى بهم الطورَ؛ فلما غشيهمُ الغمام أمرهم موسى فوقعوا سُجَّدًا، وكلَّمه ربه، فسمعوا كلامه تبارك وتعالى، يأمرهم ويَنْهاهم، حتى عَقلوا عنه ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءهم حرّف فريقٌ منهم ما أمرهم به، وقالوا: حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذي ذكر الله عزّ وجلّ: إنما قال كذا وكذا، خلافًا لما قال الله لهم، فهم الذين عنى الله عزّ وجلّ لرسوله گچد . ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، أي بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة. ﴿وإذا خلا بعضُهم إلى بعض قالوا﴾: لا تحدّثوا العربَ بهذا، فإنكم قد كنتم تَسْتفتحون به عليهم، فكان فيهم. فأنزل الله عزّ وجلّ فيهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنًا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قَالُوا أَتْحَدّثُونَهِم بِمَا فَتَحَ عَلَيْكُمْ لِيُحاجُوكُم بِهِ عِنْدَ رَبَّكُمْ أَفلا تَعْقِلُونَ﴾(٢)، أي تُقرُونَ بأنه نبيّ، وقد عرفتم أنه قد أُخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يُخبركم أنه النبيّ الذي كثَّا ننتظر ونجد في كتابنا؛ اجحدُوه ولا تُقرُّوا لهم أبيهم، وعُبوديَّتِهِ لله، فكان ذكرُهُم بهذا الاسم أليقَ بمقام التذكرة والتَّخريض مِن أن يقول لهم: يا بني يعقوبَ، ولما ذكر مَوْهِبَته لإبراهيم وتبشيره بإسحق، ثم يعقوبَ كان لفظُ (١) يشير تعالى إلى ما رآه اليهود من تفجّر الماء من الحجر اثنتي عشرة عينًا، وإلى الجبل الذي هبط ودُك من خشية الله تعالى. (٢) غباء يهودي وفكر عَفِن، كأنهم إذا لم يتحدثوا فإن الله لا يقيم عليهم الحجة يوم القيامة !!!. ولذلك عقب تعالى بقوله: ﴿أولاً يعلمون أن الله يعلم ما يسرّون وما يعلنون﴾. وتأمل قول بعضهم لبعض: ﴿أفلا تعقلون﴾. هذا هو العقل اليهودي !!!. ٣٩٦ به. يقول الله عزّ وجلّ: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ وَمِنْهُم أَمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلاَّ أَمانِيَّ﴾ . تفسير ابن هشام لبعض الغريب: قال ابن هشام، عن أبي عبيدة: إلا أمانيّ: إلا قراءة، لأن الأميّ: الذي يقرأ ولا يكتب. يقول: لا يعلمون الكتاب إلا (أنهم) يقرؤونه. قال ابن هشام: عن أبي عُبيدة ويونس أنهما تأوّلا ذلك عن العرب في قول الله عزّ وجلّ، حدّثني أبو عبيدة بذلك. قال ابن هشام: وحدّثني يونس بن حَبيب النحوي وأبو عُبيدة: أنَّ العرب تقول: تمنى، في معنى قرأ. وفي كتاب الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيّ إلاَّ إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. قال: وأنشدني أبو عبيدة النحويّ: تَمَنَّی کِتابَ اللهِ أوَّلَ لیله وآخرَهُ وافَى حِمامُ المقادِرِ وأنشدني أيضًا: تَمَنَّى كتابَ الله في اللَّيلِ خالِيًا تَمَنِّيَ داودَ الزُّبورَ على رِسْلٍ وواحدة الأماني: أُمنّيَّة. والأماني (أيضًا): أن يتمنى الرجلُ المال أو غيره(١). قال ابن إسحاق: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنونَ﴾: أي لا يعلمون الكتاب ولا يَذْرون ما فيه، وهم يَجحدون نُبَوّتَك بالظنّ. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنا النَّارُ إلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عَنْدَ اللَّهِ عِهْدَا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ على اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾. دعوى اليهود قلة العذاب في الآخرة ورد الله عليهم: قال ابن إسحاق: وحدّثني مولى لزيد بن ثابت عن عَكْرمة، أو عن سَعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس، قال: قَدِم رسول الله وَّرُ المدينةَ واليهود تقول: إنما مدّةُ الدنيا سبعة يعقوب أولى بذلك المقام، لأنها مَوْهِبة بعَقِب أخرى، وبُشْرى عقب بها بُشرى وإن كان اسمُ يعقوب عِبْرانِيًّا، ولكن لفظّه موافقٌ للعربي في العقِب والتعقيب، فانظر مُشَاكَّلة الاسمين (١) وهذا هو حال كثير من المسلمين اليوم، لا يعلمون الكتاب إلا أماني، مجرد أوهام وخيالات وتمنّي على الله تعالى، والقلب فاسد والعقل خرب، والعمل كفر وشرك. فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. ٣٩٧ آلاف سنة، وإنما يُعذّب الله الناسَ في النار بكلّ ألف سنة من أيام الدنيا يومًا واحدًا في النار من أيام الآخرة، وإنما هي سبعةُ أيام ثم ينقطع العذاب. فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتم عَنْدَ اللَّهِ عَهْدَا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ على اللَّه ما لا تَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أي من عمل بمثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، يحيط كفره بما له عند الله من حسنة ﴿فَأُولَئِكَ أَصحَابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالدونَ﴾ أي خُلْد أبدًا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيها خَالِدونَ﴾: أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها، يُخبرهم أن الثواب بالخير والشرَّ مقيمٌ على أهله أبدًا، لا انقطاع له. قال ابن إسحاق: ثم قال: (الله عزّ وجلّ) يؤنَبهم: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي ميثاقكم ﴿لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسانًا وُّذِي القُرْبِى وَاليتامى وَالمَساكِينِ وَقُولُوا للنَّاسِ حُسْنَا، وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مَنْكُمْ وَأنْتُمْ مُغْرِضُونَ﴾ أي تركتم ذلك كله ليس بالتنقُّص. ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيئاقَكُمْ لا تَسْفِكونَ دِماءَكُمْ﴾ . تفسير ابن هشام لبعض الغريب: قال ابن هشام: تسفكون: تصبُّون. تقول العرب: سَفك دمَه، أي صبَّه، وسفك الزق، أي هَراقه. قال الشاعر: وكنّا إذا ما الضيفُ حلّ بأرضنا سفكنا دِماء البُذن في تُزبة الحالِ قال ابن هشام: يعني ((بالحال)»: الطين الذي يخالطه الرمل، وهو الذي تقول له العرب: السَّهلة. وقد جاء في الحديث: أن جبريل لما قال فرعون: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إله إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ أخذ من حال البحر ﴿وحَمأته﴾ فضرب به وجهَ فرعون. (والحال: مثل الحمأة). قال ابن إسحاق: ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على أن هذا حقّ من ميثاقي عليكم ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مَنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرونَ عَلَيْهِمْ بالإِثْم والعُذْوَانِ﴾ أي أهل الشرك، حتى يسفكوا دماءهم معهم، ويخرجوهم من ديارهم معَ هم ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارَى تُفادُوهُمْ﴾ وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾: في كتابكم ﴿إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْ مِنُونَ بِبَعْضٍ للمقامين، فإنه من باب النظر في إعجاز القرآن وبلاغة ألفاظه وتنزيل الكلام في منازله اللائقة به . ٣٩٨ الكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾(١)، (أي) أتفادونهم مؤمنين بذلك، وتخرجونهم كفارًا بذلك. ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلكَ مِنْكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الحَياةِ الدِنْيا وَيَوْمَ القِيامَة يُرَدُّونَ إلى أشَدّ العَذاب وَما اللَّهُ بِغافِلِ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوا الحَياةَ الدُّنْيا بالآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلا هُمْ بِنْصَرُونَ﴾ فأنَبهم الله عزّ وجلّ بذلك مِن فِغْلهم، وقد حرّم عليهم في التوراة سفكَ دِمائهم، وافترضَ عليهم فيها فِدَاء أسراهم. فكانوا فريقين، منهم بنو قَيْنُقاع ولَفْهم، حلفاء الخزرج، والنَّضيرُ وقُريظة ولفُهم، حلفاء الأوس. فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حربٌ خرجت بنو فَيْنُقاع مع الخزرج وخرجت النضيرُ وقُريظة مع الأوس يُظاهر كلُّ واحد من الفريقين حلفاءَه على إخوانه، حتى يَتسافكوا دماءهم بينهم وبأيْدِيهم التورةُ يَعْرفون فيها ما عليهم وما لهم، والأوس والخزرج أهلُ شِرْكَ يَعبدون الأوثان، لا يعرفون جنَّةً ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامة، ولا كتابًا، ولا حلالاً ولا حرامًا، فإذا وضعت الحربُ أوزارها افتَدوا أُساراهم تصديقًا لما في التوراة، وأخذ به بعضُهم من بعض، يَفْتدي بنو قَيْنُقَاع مَنْ كان من أسْراهم في أيدي الأوس وتَفْتدي النَّضِير وقُرِيظة ما في أيدي الخَزْرِج منهم ويُطِلُّون ما أصابوا من الدماء، وقَتْلى من قُتِلوا منهم فيما بينهم، مُظاهرةً لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى حين أنَّبهم بذلك: ﴿أَفْتُؤْمِنُون بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، أي تُفاديه بحُكم التوراة وتقتُله، وفي حكم التوراة أن لا تفعل، تقتله وتُخْرِجه من داره وتُظاهر عليه من يُشْرك بالله، ويَعْبد الأوثان من دونه، ابتغاءَ عرض الدنيا. ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج . فيما بلغني . نزلت هذه القصة. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بالرُّسُلُ وآتَيْنا عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾، أي الآيات التي وضعت على يديه، من إحياء الموتى، وخَلْقه من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وإبراء الأسقام، والخَبر بكثير من الغيوب مما يَدَّخرون في بيوتهم، وما ردّ عليهم من التوراة مع الإنجيل، الذي أحدث الله إليه. (١) وهذا هو حال كثير من المسلمين اليوم، آمنوا بآية الزكاة وكفروا بآية تحريم الربا، آمنوا بآية الصوم وكفروا بآية الصلاة، آمنوا بآية الحج وكفروا بآية تحريم الخمر، آمنوا ببعض الشعائر وكفروا بآية الشرائع، تجد اللافتان وقد عُلْقَ عليها ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم﴾ ... الآية ولا تجد لافتة عليها ﴿ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾. أظهروا بعض الكتاب وأخفوا البعض. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ٣٩٩ ثم ذكرَ كُفْرهم بذلك كله، فقال: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾: في أكنة(١): يقول الله عزّ وجلّ: ﴿بَلْ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدّقْ لِمَا مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكافِرِينَ﴾ . قال ابن إسحاق: حدّثني عاصم بن عُمر بن قتادة عن أشياخ(٢) من قومه، قال: قالوا: فينا والله وفيهم نزلت هذه القصة، كنّا قد عَلَوْناهم ظَهْرًا في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب فكانوا يقولون لنا: إن نبيًا يبعث الآن نتبعه قد أظلّ زمانه، نقتلكم معه قتلَ عاد وإرم. فلما بَعث الله رسولَه ◌َّرَ من قُرَيش فاتبعناه كفروا به. يقول الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ على الكافِرِينَ بِثْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيَا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾، أي أنْ جَعله في غيرهم: ﴿فباؤوا بِغَضَبٍ على غَضب وللكافِرِينَ عَذَابٌ مَهِينٌ﴾ . تفسير ابن هشام لبعض الغريب: قال ابن هشام: فباؤوا بغضب: أي اعترفوا به واحتملوه. قال أعشى بني قيس بن ثعلبة : أُصالِحكم حتى تبوؤوا بمثلها كَصرْخة حُبْلَى يَسَّرتها قَبِيلُها قال ابن هشام: يسَّرتها: أجلستها للولادة. وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحق: فالغضب على الغضب لغَضبه عليهم فيما كانوا ضيَّعوا من التوراة، وهي معهم، وغضبٌ بكُفْرهم بهذا النبي ◌َّ الذي أحدث الله إليهم. ثم أنَّبهم برَفْع الطُّور عليهم، واتخاذهم العِجْل إللها دون ربهم، يقول الله تعالى لمحمد بَّهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكْذَبُ عند الله، فأبَوْا ذلك (١) غلف: أي على قلوبنا غشاوة فهي أوعية فلا تعي ولا تفقه ما تقول. انظر شفاء العليل لابن القيم (٤٣) رحمه الله تعالى رحمة واسعة وجزاه الله عنا كل خير. (٢) مجاهيل. ٤٠٠