النص المفهرس
صفحات 361-380
أبو قيس بن أبي أنس قال ابن إسحق: فلما اطمأنت برسول الله وَلَ دارُه، وأظهر الله بها دينه، وسرّه بما جمع إليه من المهاجرين والأنصار من أهل ولايته، قال أبو قَيْس صَرمة بن أبي أَنَسٍ، أخو بني عديّ بن النجَّار. قال ابن هشام: أبو قيس، صِرْمة بن أبي أنس بن صِرْمة بن مالك بن عديّ بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن النجَّار. قال ابن إسحاق: وكان رجلاً قد ترهَّب في الجاهلية، ولبس المُسُوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة وتطهّر من الحائض من النساء، وهَمَّ بالنصرانية، ثم أمسك عنها، ودخل بيتًا له، فاتخذه مسجدًا لا تدخله عليه فيه طامِثٌ ولا جُنب، وقال: أعبد رَب إبراهيم، حين فارق الأوثانَ وكرهها، حتى قدم رسولُ اللهِ وَّرِ المدينة، فأسلم وحَسُن إسلامه، وهو شيخ كبير، وكان قَوَالاً لله عزّ وجلّ في جاهليته، يقول أشعارًا في ذلك حديث صرمة بن أبي أنس(١) واسم أبي أَنس: قَيْسُ بن صِرْمَة بن مالك بن عَدِي بن عَمْرو بن غَنْم بنِ عَدِيّ بن النَّجَّار الأنصاري، وهو الذي أنزل الله فيه، وفي عُمَر رضي الله عنهما: ﴿أحِلَّ لكم ليلَة الصِّيامِ الرَّفَتُ إلى نِسائكم﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى قوله: ﴿وعفا عنكم﴾ فهذه في عمر، ثم قال: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا﴾ إلى آخر الآية، فهذه في صَرْمَة بن أبي أنس، وذلك أن إتيان النّساءِ ليلاً في رَمَضَانَ كان مُحَرَّمًا عليهم في أول الإسلام بعد النوم، وكذلك الأكلُ والشُّرب كان محرمًا عليهم بعد النوم فأما عمر، فأراد امرأته ذات ليلة، فقالت له: إني قد نمت، فقال: كذبت ثم وقع عليها، وأما صِرْمَة فإنه عمل في حائِطه وهو صائم، فجاء الليل وقد جَهَده الكَلَالُ فغلبته عينُه قبل أن يفطر، فجاءته امرأتُه بطعام كانت قد صنعته له، فوجدته قد نام، فقالت له: الخَيْبَةُ لك حَرُم عليك الطعامُ والشرابُ فبات صائمًا، وأصبح إلى حائطه يعمل فيه، فمرَّ به رسول الله وَّه، وهو طَلِيحٌ قَدَ جَهده العطشُ مع ما به من الجوع والنَّصَب، فسأله رسولُ الله - وَلَّهِ - فأخبره بقصته فرقَّ اعليه)، م السلام، ودمعت عيناه، فأنزل الله تعالى الرُّخصة، وجاء بالفرج. بدأ بقصة عمر لفضله، فقال: ﴿فالآن باشِرُوهن﴾ ثم بِصِرْمة فقال: ﴿وَكُلوا واشْرَبُوا﴾ قال بعض أشياخ الصوفية: هذه العناية من الله أخطأ عمر خَطِيئَة فرُحِمَت الأمة بسببها . (١) انظر الاستيعاب (١/ ٧٣٧). ٣٦١ حِسانًا - وهو الذي يقول: يقولُ أبو قَيْس وأصبح غادِيًا: فأُوصيكم بالله والبِرّ والتّقَى وإنّ قوْمُكم سادوا فَلا تَحْسُدُونهم وإن نزلتْ إحدى الدواهي بقَومكم وَإِن تاب غُزْم فادح فارفقُوهم وإن أنتمُ أَمعرتُمٍ فتعفّفوا ألاَ ما استطعتم من وَصَاتِيَ فافعلُوا وأغراضِكم والبِرُّ بالله أوّلُ وإن كنتمُ أهلَ الرياسة فاعدلوا فأنفسكم دونُ العَشيرة فاجعلوا وما حَمَّلوكم في المُلِمات فاحملوا وإن كان فضلُ الخير فيكم فأفضِلوا من شرح شعره: وذكر من شعر صرمة : فأوصيكُم بالله والبِرّ والتُّقَى وأعراضِكم والبِرُّ بالله أَوَّلُ برفع البر على الابتداء، وأولُ خَبرّ له، وقد يحتمل في الظاهر أن يكون ظرفًا في موضع الخبر، ولكن لا يجوز ذلك في هذه الظروف المبنية على الضَّمِّ أن تكونَ خبرَ المبتدإ، لا تقول: الصلاة، قبلُ إلا أن تقولَ: قبل كذا، ولا الخروج بعدُ إلاَّ أن تقولَ: بعد كذا، وذلك لسِرٌّ دقيق قد حَوَّم عليهما ابنُ جنِّي(١) فلم يُصِبِ المَفْصِل، والذي منع من ذلك أن هذه الغايات إنما تعمل فيها الأفعال الملفوظُ بها لأنها غاياتٌ لأفعالِ متقدمةٍ، فإذا لم تأتِ بفعل يعمل فيها، لم تكن غايةً لشيء مذكورٍ، وصار العامل فيها معنويًا، وهو: الاستقرار، وهي مضافة في المعنى إلى شيء، والشيءُ المضافُ إليه معنوي، لا لفظي، فلا يدل العاملُ المعنوي على معنوي آخر، إنما يدل عليه الظاهرُ اللفظي، فتَأمَّلْه، فالضمة في أولُ على هذا حركة إعراب، لا حركة بناء، ولو قال: ابدأ بالبر أوَّلُ لكانت حركة بناء، لكن من رواه: والبرّ بالله أولُ بخفض الراء من البر فأول حينئذ ظرف مبني على الضم يعمل فيه: أوصيكم. وفيه : وإن أنتم أمْعَرْتُم فتعففوا الإمعارُ: الفَقْر. (١) انظر الخصائص لابن جنّ (٣٦٢/٢). ٣٦٢ قال ابن هشام: ویروی: وإن ناب أمرٌ فادح فارفِدُوهُمُ قال ابن إسحاق: وقال أبو قيس صِزمة أيضًا: طلعت شمسُه وكُلَّ هِلالِ سَبحوا الله شَرْقَ كلّ صباحٍ ليس ما قال ربنا بضَلال عالم السِّرّ والبَيان لَدَيْنا في وُكور من آمِنات الجبال وله الطَّيرُ تَسْتَزيد وتأوي فِي حِقاف وفي ظلال الرّمال وله الوحشُ بالفلاة تراها كلَّ دين إذا ذكرتَ عُضال وله هَوّدتْ يَهودُ ودانت كُلّ عِيدٍ لربهِم واختِفال ولَه شّمسَ النَّصارَى وقامُوا رهُنَ بُوْسٍ وكانَ ناعمَ بال وله الرَّاهبُ الحبيسُ تراهُ ومن شعره: سَبْحوا اللّه شَرْقَ كُلِّ صَبَاح طلعت شَمْسُه وكُلَّ هِلاَلٍ الشرق: طلوعُ الشمس، وهو من أسمائها أيضًا، وكذلكَ الشَّرَق بفتح الراء وكلَّ هلال بالنصب على الظرف، أي: وقْت كُلّ هلال، ولو قلت في مثل هذا: وكُلَّ قمر على الظرف، لم يجز، لأن الهلال قد أُجُرِي مُجْرَى المصادر في قولهم: الليلة الهلال؛ فلذلك صح أن يكون ظرفًا لأن المصادر قد تكون ظروفًا لمعانٍ وأسرارٍ ليس هذا موضعًا لذكرها، ولو خفضت وكُلِّ هلال عطفًا على صباح، لم يجز لأن الشرقَ لا يضاف إلى الهلال كما يضاف إلى الصباح. وفیه : . . . . . وله شَمَّسَ النصارى . يعني دين الشَّمَامِسَةُ(١)، وهم الرُّهْبَانُ لأنهم يُشَمْسُون أنفسَهم، يريدون تعذيب النفوسِ بذلك في زعمهم. (١) الشماسة: جمع شماس، خادم الكنيسة أقل رتبة من القسيس - ألا لعنة على الكافرين جميعًا. ٣٦٣ ١ يا بَنيّ الأزحامَ لا تَقْطَعوها واتقوا الله في ضِعاف اليَتّامى واعلَموا أنَّ لليتيم وَلِيًّا ثم مالَ اليتيم لا تَأْكُلوه وصلُوها قَصيرة من طِوالٍ ربما يُسْتحلُ غيرُ الحلال عالمًا يَهْتدي بغير السؤال إنَّ مالَ اليتيم يرعاه والي وفيه : يا بَنِيَّ الأرحامَ لا تَقْطَّعُوها بنصب الأرحام، وهو أجود من الرفع في هذا الموضع للنهي. وقوله: وصِلُوها قصِيرةٌ من طَوال وقد أملينا فيها في غير هذا الكتاب ما نعيده ههُنا بحول الله، وأملينا أيضًا في معنى الرَّحِم واشتقاق الأم لإضافة الرَّحم إليها، ووضعها فيه عند خلق آدم وحوّاء، وكون الأم أعظم حَظًّا في البِرّ من الأب، مع أنها في الميراث دونه أسرارًا بديعة، ومعاني لطيفة أودعناها كتاب الفرائض وشرح آيات الوصية، فلتنظر هنالك. وأما قوله: قصيرَةً مِنْ طوال، فيحتمل تأويلين أحدهما: أن يريد: صِلُوا قِصَرَها من طولِكم، أي: كونوا أنتم طوالاً بالصِّلة والبِر إن قصرت هي، وفي الحديث: أنه قال الأزواجه: «أَسْرَعُكُنَّ لُحوقًا بي: أطولُكن يدًا فاجتمعن يتطاولن، فطالتهن سَوْدَة، فماتت زينب أولهن))(١) أراد الطَّوْل بالصدقة والبر، فكانت تلك صفةُ زينب بنت جَخْش. والتأويلُ الآخر: أنْ يريد مدحًا لقومه بأن أرحامَهم قصيرةُ النسب، ولكنها من قوم طوال كما قال: لها نَسَبُ في الصالحين قصيرُ أُحبُّ من النِّسوان كُلَّ طَويلةٍ وقال الطائي : بادٍ على الكُبراءِ والأشْرَافِ أنتم بَنُو النَّسَبِ القصيرِ وطُولكم والنَّسَبُ القصير: أنْ يقول: أنا ابنُ فلانٍ فيُعْرف، وتلك: صفة الأشراف، ومَنْ ليس بشريف لا يُعْرف حتى يأْتِيَ بِنْسةٍ طَوِيلَةٍ يبلُغ بها رأسَ القَبِيلَة. وقد قال رُؤْبَةُ: قال لي (١) (صحيح)). أخرجه مسلم في الفضائل (١٠١) والحاكم (٢٥/٤) والطحاوي في المشكل (٨٢/١). ٣٦٤ يا بَنيّ، التخوم لا تَخْزِلوها إنَّ خَزْل التُّخوم ذو عُقَّال واحذروا مكْرَها ومرَّ اللَّيالي يا بَنيّ الأيّامَ لا تأمَنوها ـلق ما كان من جَديد وبالي واعلَموا أن مَرّها لنَفاد الخَل ـوى وترك الخَنا وأخذ الحلال واجمَعوا أمْرَكم على البرّ والنَّقْ وقال أبو قَيْس صِرْمة أيضًا، يذكر ما أكرمهم الله تبارك وتعالى به من الإسلام، وما خضهم الله به من نُزول رسوله گیۇ عليهم: يُذَكِّر لو يَلْقِى صَديقًا مُواتِيا ثَوى في قُريش بضْعَ عَشْرةَ حِجَّةً فلم يَرَ من يؤوِي ولم يَر داعيا ويَعْرِض في أهْلِ المَواسم نفسَه فأصبح مَسْرورًا بطِيبةً راضِيا فلمَّا أتانا أظهر الله دِينَه وكان له عَوْنًا منَ اللهِ باديا وأَلفَى صَدِيقًا واطمأنّت به النَّوَى يَقُصّ لنا ما قال نُوحٍ لِقَوْمه فأصبحَ لاَ يخْشَى من النَّاس واحدًا بَذَلْنا له الأموال من حلّ مالنا ونَعْلم أنَّ اللّه لا شَيْءٍ غَيْرِهِ نُعادي الذي عادَى من الناس كلْهُم وما قال مُوسى إذْ أجابَ المنَادِیا قريبًا ولاً يخشى من النَّاس نائِیا وأنفُسَنا عند الوَغَى والتَّآسِيا ونَعْلم أن الله أفضلُ هاديا جميعًا وإن كان الحبيبَ المُصافيا تبارکت قد أکثرتُ لاسمك داعیا أقول إذا أدعوك في كلّ بيعة :. أَقُولُ إذا جاوزتُ أرْضًا مِخُوفةً خَنانَيك لا تُظْهر عليَّ الأعاديا النّسَّابةُ: مَنْ أنتَ انْتسِبْ، فقلت: رُؤْبَةُ بن العَجَّاج، فقال: قصَّرْتَ وعُرِفْتَ. وقوله: إن خَزْل الثَّخُومِ ذو عُمَّال النَّخُومِ: جمعٍ: تَخُومَة، ومن قال: تُخْمّ في الواحد، قال: في الجمع تُخُوم بضم التاء، وأراد بها الأَزْفَ [أو الأَرَثَ] وهي الحدود، وقال أبو حَنِيفَة: النَّخُوم والتُّخُوم: حُدود البلادِ والقرى، ولم يذكر في حدود الأحْقَال الأَرَفَ. والعُقَّالَ. ما يمنع الرجل من المشي، ويعْقِلها يريد أنَّ الظلمَ يُخَلْف صاحبَه ويَعقِله عن السِّباق، ويَخْبِسه في مَضَايق الاختِقَاق. ٣٦٥ فَطأْ مُعرِضًا إن الحُتُوف كثيرةٌ فوالله ما يذْرِي الفتى كيفَ يَتَّقي ولا تَحفِلُ النَّخلُ المُعِيمَة ربَّها قال ابن هشام: البيت الذي أوله : فطأ مُغْرِضًا إنَّ الحُتوفَ كثيرةٌ وإنَّك لا تُبْقِي لنَفْسِك باقيا إذا هو لم يَجعَل له الله واقيا إذا أصبحت ربًّا وأصبح ثاويا والبيت الذي يليه: فوالله ما يدري الفتى كيف يتقي وذكر قصيدتَه اليائِيَّة، وقال فيها: فَطَأُ مُعْرِضًا. البيت، قال ابن هشام: هو لأقْنُونَ التَّغْلِيِّ، واسمه صُرَيْمُ بن مَعْشَر [بن ذُهْل بن تيم بن عمرو بن عمرو بن مالك بن حَبيب بن عمْرِو بن غَنْم بن تغلب]. قال المؤلف وسمي أُقْنُونًا في قول ابنُ دُرَيْد لبيت قاله فيه: مَثَّيْتَنا الوُدَّ يا أَقْنون مَظْنون أو نحو هذا اللفظ. والأفنون: الغُصْنُ الناعم، والأفنون أيضًا العجوز الفانية، وأفنون هو الذي يقول: غَذِيَّ بَهْم ولُقْمَانٍ وذِي جَدَنٍ لو أنني كنتُ من عَادٍ ومن إدَمِ أخا السَّكونِ ولا جاروا عن السَّنَنِ لَمَا وَقَوا بأخيهم من مُهَوْلَةٍ أم كيف يَجْزُونَني السُّوءى من الحَسَنِ أَنَّى جَزَوْا عامِرًا سِوَى بفِغْلهم رِئمانُ أَنْفِ إذا ما ضُنَّ بِاللَّبَن(١) أم كيف يَنْفَعِ ما تُعْطِي العَلُوقُ به وقول ابن هشام في البيتين: فَطَأْ مُغْرِضًا والذي بعده أنهما لأُفُنون التَّغْلِيِّ مذكور عند أهل الأخبار، ولها سبب ذكروا أن أَفْنونا خرج في ركبٍ، فمروا برَبْوَةٍ تعرف: بالإلهةِ (٢)، وكان الكاهنُ قبل ذلك قد حدّثه أنه يموت بها، فمر بها في ذلك الركب، فلما أشرفوا عليها وأُعْلِم باسمِها، كَرِهِ المرورَ بها، وأبوا أصحابه إلا أن يَمُرُّوا بها، وقالوا له: لا تنزل عندها، ولكن نَجُوزها سَعْيًا، فلما دنا منها بركت به ناقتُه على حيَّة، فنزل لينظر فَنَهَشَتْهُ الحيةُ، فمات، فَقَبْرُه هنالك، وقيل في حديثه: إنه مَرَّ بها ليلاً، فلم يعرف بها حتى رَبَضَ الْبَعِيرُ (١) انظر الفضليات (٣٠/٢) والبيان والتبيين (٩/٢) وأمالي القالي (٥١/٢). (٢) الإلهة: موضع بين ديار تغلب والشام. ٣٦٦ لأُفنون التَّغْلِيِّ، وهو صُرَيم بن مَعْشر، في أبيات له. الذي كان عليه، وعلم أنه عند الإلهةِ فَجزع، فقيل له: لا بأس عليك، فقال: فَلِم رَبَضَ البعيرُ، فأرسلها مثلاً. ذكره يعقوب، وعندما أحس بالموت قال هذين البيتين اللذين ذكر ابن إسحق وبعدهما : وأُتْرَك في جَنْبِ الإلهةِ ثَاويا كَفَى حَزَنا أن يَرْحَلَ الرَّكبُ غُذْوَةٌ ٣٦٧ الأعداء من يهود ۔۔ قال ابن إسحاق: ونَصَبت عند ذلك أحبارُ يَهُودَ . لرسول الله ﴿ ﴿ العداوةَ، بَغْيًا وحَسَدًا وضَغْنًا، لما خصّ الله تعالى به العرَبَ من أخْذه رسولَه منهم، وإنضاف إليهم رجالٌ من الأوْسِ والخَزْرج، ممن كان على جاهليَّته فكانوا أهل نِفاق على دين آبائهم من الشّرك والتكذيب بالبعث، إلاَّ أن الإسلام قَهرهم بظُهوره واجتماع قومِهم عليه، فظهروا بالإسلام، واتخذوه جُنَّةُ (١) من القَتْل ونافقُوا (٢) فِي السِّرِّ، وكان هَواهم مع يَهُودَ لتكذيبهم النبيَّ - ◌ََّ ـ وجُحودهم الإسلام. وكانت أحبار يهودَهُم الذين يسألون - رسولَ اللهِ وَُّ - وَيَتَعَنَّتونه، ويأتونه باللَّبْس، لَيَلْبِسُوا الحقَّ بالباطل، فكان القرآنُ يَنزل فيهم فيما يسألون عنه، إلا قليلاً من المسائل في الحلال والحرام كان المُسْلِمون يَسألون عنها. من يهود بني النضير: منهم: حُيّيّ بن أخْطب، وأخواه أبو ياسِر بن أخطب، وجُدَيّ بن أخطب، تسمية اليهود الذين نزل فيهم القرآن ذكر فيهم ◌ُدَيّ بن أَخْطَب، بالجيم، وهو أخو حُيَيِّ بن أَخْطَبَ، وأما حُدَيّ بالحاء، (١) جُنّة: أي ساترًا وحجابًا ووقاية من القتل. (٢) النفاق: لفظة قرآنية، والمنافق هو الذي يُظهِر الإسلام ويُبطِن الكفر، أُخذت الكلمة من نافقاء اليربوع، وهو حيوان لداه بابان يدخل من أحدهما عند الهرب من مفترسه، ثم يخرج من الآخر دون أن يراه المفترس، والنفاق نفاقان عملي واعتقادي، والعملي هو الذي جاء الحديث بالنهي عنه «آية المنافق ثلاث - خمس)). والاعتقادي كنفاق عبد الله بن أبي سلول، والأول لا يخرج من الملة والثاني يخرج من الملة. وكان النفاق معروفًا بمكة، إنما ظهر في المدينة. والعياذ من النفاق والشقاق. ٣٦٨ وسلاَّم بن مِشْكم، وكنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق، وسَلاَّم بن أبي الحُقيق، أبو رافع الأعور، وهو الذي قتله أصحابُ رسول الله وَّهُ بِخَيْبر - والربيعُ بن الربيع بن أبي الحُقَيْقِ، وعمرو بن جَخَّاش، وكعب بن الأشرف، وهو من طيىء، ثم أحد بني نبْهان، وأمُّه من بني النضير، والحجَّاج بن عمرو، حليف كَعْب بن الأشرف، وكَرْدَم بن قيس، حليف كعب بن الأشرف، فهؤلاء من بني النَّضير. من يهود بني ثعلبة: ومن بني ثعلبة بن الفِطْيَوْن: عبد الله بن صورِيًا الأعور، ولم يكن بالحجاز في زمانه أحد أعلم بالتوراة منه؛ وابن صَلُوبا، ومُخَيرِيق، وكان حَبْرَهم، أُسْلَم. من يهود بني قينقاع: ومن بني قَيْنُقاع: زيد بن اللَّصِيت - ويقال: ابن اللُّصَيت - فيما قال ابن هشام - وسَعْد بن حُنَيْفٍ، ومحمود بن سَيْحان، وعُزير بن أبي عُزير، وعبد الله بن صَيْف. قال ابن هشام: ويقال: ابن ضَيْف. قال ابن إسحاق: وسُويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وفِنْخَاص، وأَشيع، ونُعمان بن أضا، وبَخْريّ بن عمرو، وشَأْس بن عديّ، وشَأْس بن قيس، وزيد بن الحارث، ونُعمان بن عمرو، وسُكَين بن أبي سُكين، وعدي بن زيد، ونُعمان بن أبي أوفى، أبو أنس، ومحمود بن دَخية، ومالك بن صيف. قال ابن هشام: ويقال: ابن ضيف . فذكره الدَّارَقُطْني في نسب عُتَيْبَة بنِ الحارثِ بن شِهابَ بن حُدَيِّ التميمي فارس العرب. وذكر عزير بن أبي عزير وأَلفيت بخط الحافظ أبي بحر في هذا الموضع يقول عُزيز بن أبي عُزَيْزِ، بزايَيْنِ قَيَّدْنَاه في الجزء قبل. وذكر ثعلبة بن الفِطْيَوْن والفِطْيَون كلمة عِبْرانِيَّة، وهي عبارة عن كل مَن وَلِي أمرَ اليهود، وملَّكَهم، كما أن النَّجاشِيَّ عبارةٌ عن كل من مَلَك الحبشَة، وخَاقَانَ ملك الترك، وقد تقدم من هذا الباب جُمْلة. وذكر فيهم عَبْدَ اللهِ بن صُوريا الأعور، وكان أعلَمهم بالتوراةِ، ذكر النَّقَّشُ أنه أَسلم لما تحقق من صفاتٍ محمد - 18 - في التوراة، وأنه هو وليس في سيرة ابن إسحق ذكر إسلامه . ٣٦٩ الروض الأنف/ ج ٢/ م ٢٤ قال ابن إسحاق: وكعب بن راشد، وعازَر، ورافع بن أبي رافع، وخالد وأزار بن أبي أزار. قال ابن هشام: ويقال: آزر بن آزر. قال ابن إسحاق: ورافع بن حارثة، ورافع بن حُريملة، ورافع بن خارجة، ومالك بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، وعبد الله بن سَلام بن الحارث، وكان حَبْرَهم وأعلَمهم، وكان اسمه الحُصَين، فلما أسلم سمَّاه رسولُ اللهِ وَّهِ - عبدَ الله. فهؤلاء من بني قَيْنُفَاع. من يهود بني قريظة: ومن بني قُرَيظة: الزُّبَيْر بن بَاطا بن وَهْب، وعَزّال بن شَمْوِيل، وكعب بن أسد، وهو صاحب عَقد بني قريظة الذي نُقِض عام الأحزاب، وشَمْوِيل بن زيد، وجَبَل بن عمرو بن سُكينة، والنَّخَّام بن زيد، وقَزْدم بن كعب، ووهب بن زيد، ونافعٍ بن أبي نافع، وأبو نافع، وعديّ بن زيد، والحارث بن عَوْف، وكَرْدَم بن زيد، وأسامة بن حَبِيب، ورافع بن رُمَيلَة، وجَبل بن أبي قُشَيْر، ووَهْب بن يَهُوذا، فهؤلاء من بني قُرَيْظَة. من يهود بني زريق: ومن يهود بني زُرَيق: لَبِيد بن أعْصم، وهو الذي أخَذَ رسولَ الله وَلَه عن نسائه. يهود المدينة : فصل: وقولُه: ومن يَهُودٍ بني زُرَيْقٍ، ومن يهود بني حارثة، وذكر قبائل من الأنصار، وإنما اليهودُ بنو إسرائيلَ، وجملة من كان منهم بالمدينة وخيبر إنما هم [بنو] قُرَيْظَة [وبنو] التَّضيرَ وبَنُو قَيْنُقَاعِ، غيرِ أن في الأوسِ والخَزْرَج من قد تَهوَّد، وكان من نسائهم مَن تَنْذِرُ إذا ولدت إن عاش وَلدُها أَنْ تُهَوَّدَه، لأن اليهودَ عندهم كانوا أهلَ علم وكتابٍ، وفي هؤلاء الأبناء الذين تَهَوَّدُوا نزلت ﴿لا إكْرَاهَ في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦] حين أراد آباؤهم إكراهَهم على الإسلام في أَحَد الأقوال. السحر المنسوب إلى النبي ◌َلي(١): وأما لَبِيدُ بن الأعصم، الذي ذكره من يَهُودِ بني زُرَيْقٍ، وقال: هو الذي أَخَذَ رسول الله ◌َّ عن نسائِه يعني من الأَخْذَة، وهي ضَرْبٌ من السحر. في الخبر أن القاسم بن (١) انظر الحديث في البخاري (١٩٩/١٠) ومسلم في السلام (٢١٨٩) وانظر مزيد بيان في علاج السحر وغيره (زاد المعاد) (١٢٤/٤). ٣٧٠ محمد ابن الحَنَفِيَّة، كان مُؤْخَذًا عن مسجدٍ النبي - نَّهُ ـــ لا يستطيع أن يدخلَه، وكان لبِيد هذا قد سَحَرَ رسول الله - وَ﴿، وجعل سحرَه في مُشطٍ ومُشَاطَةٍ. وروي: مُشَاقة بالقاف، وهي مُشَاقة الكَتَّان، وجُفِّ طَلْعَةٍ (١) ذكرٍ، هي فُخَالُ النخل، وهو ذُكَّارُه. والجُفُّ: غلاف للطّلْعَة، ويكون لغيرِها، ويقال للجُفِّ القِيقَاءُ وتُصْنَع منه آنيةٌ يقال لها: التَلاتِل [جمع: تَلْتَلَةٍ] قاله أبو حنيفة ودفنه في بئرِ ذِي أَزْوَانَ، وأكثرُ أهْلِ الحديث يقولون: ذَرْوَانَ تحت رَاعُوفة البئر [أو أُزْعُوفَتها]، وهي صخرة في أسفله يقف عليها المائِح(٢)، وهذا الحديثُ مشهورٌ عند الناس، ثابت عند أهل الحديث، غير أني لم أجد في الكتب المشهورة: كم لَبِث - رسول الله وَّ﴿ - بذلك السحر، حتى شُفِي منه، ثم وقعت على البيان في جامع مَعْمَرٍ بِنِ راشِد. رَوَى مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ، قال: سُحِر رسولُ اللهِ وََّ سنةً يُخيَّل إليه أنه يفعل الفعلَ، وهو لا يفعله، وقد طَعَنت المعتزلةُ في هذا الحديث وطوائفُ من أهلِ البِدَع، وقالوا: لا يجوز على الأنبياء أن يُسْحَروا، ولو جاز أن يُسْحَرُوا، لجاز أن يُجَنُّوا. ونَزَع بقوله عزّ وجلّ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ من الناسِ﴾ [المائدة: ٦٧] والحديثُ ثابِتٌ خَرَّجه أهلُ الصحيح، ولا مَطْعن فيه من جِهَةِ النقل، ولا من جهة العقل، لأن العِصمة إنما وَجَبَتْ لهم في عقولهم وأديانِهم، وأما أبدانُهم، فإنهمُ يُبْتَلَوْنَ فيها، ويخلص إليهم بالجراحة والضرب والسموم والقتل، والأَخْذَةُ التي أُخِذَها رسولُ الله - وَّلــــ من هذا الفن، إنما كانت في بعض جَوارچِه دون بعض(٣). أما قوله سبحانه: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُك من الناس﴾ فإنه قد روي أنه كان يُخرس في الغَزْو، حتى نزلت هذه الآيةُ، فأمر حُرَّاسَه أن ينصرفوا عنه، وقال: لا حاجة لي بكم، فقد عَصَمَنِي الله من الناسِ، أو كما قال (٤). (١) الطلع: قطعة من النخلة. (٢) المائح: المستقي. (٣) وفيه أيضًا الدليل على بشرية الرسول ويّلتر بمعناها المعلوم عند كل ذي لب، لا كما قال كثير من أهل الطرق الصوفية: أن له بشرية ولكنها تخالف البشرية التي عليها بنو آدم، ومن ثم أنكر بعضهم حديث البخاري ومسلم السابق ذكره آنفًا في قصة السحر، هذا وكما استخدم اليهود أمس السحر في محاولة على القضاء على النبي وَّهر وعلى أتباعه عند هجرتهم من مكة إلى المدينة، عاد أعداء الله اليوم يهودًا ونصارى - على معاودة الكَرّة مرة أخرى في محاولة للقضاء على الإسلام والمسلمين، : فكان من آثار هذا الاستخدام الشيطاني لتسخير الجنّ وإرساله لإيذاء المسلمين والمسلمات والأطفال ما انتشر في [مصر] من إغماءٍ للفتيات، ومن مسٌّ الجنّ للإنس واعترافهم أنهم إنما أُرسِلوا من قِبَل الكنائس لإيذاء المسلمين، فانتبه. (٤) أخرجه الترمذي (٣٠٤٦). ٣٧١ من يهود بني حارثة : ومن يهود بني حارثة: كنانة بن صُورِیا. من يهود بني عمرو: ومن يهود بني عمرو بن عَوْف: قَرْدم بن عمرو. من يهود بني النجار: ومن يهود بني النجّار: سِلْسِلة بن برهام .. فقه حديث السحر: وأما ما فيه من الفقه، فإن عائشةَ قالت له: هَلاَّ تَتَشَّرتَ(١)، فقال: أما أنا فقد شفاني الله، وأكرَه أن أُثِيرَ على الناسِ شَرًّا، وهو حديث مُشْكِل في ظاهره، وإنما جاء الإشكال فيه من قِبَلِ الرُّواة، فإنهم جعلوا جوابين لكلامين كلامًا وحدًا، وذلك أن عائشة قالت له أيضًا: هَلأَّ اسْتَخْرَجْتَه، أي: هلا استخرجتَ السحَر من الجُفِّ والمُشَاطة، حتى ينظر إليه، فلذلك قال: وأكره أن أثير على الناس شرًا، قال ابن بطال: كُرِه أن يخرجه. فيتعلّم منه بعضُ الناس، فذلك هو الشر الذي گرِهه. قال المؤلف: ويجوز أن يكون الشرَّ غيرَ هذا، وذلك أن الساحرَ كان من بني زُرَيْقٍ، فلو أظهر سَحرَه للناس، وأراهم إياه لأوْشَك أن يُرِيدَ طائفةٌ من المسلمين قتلَه، ويتعصبَ له آخرون من عشيرته فَيَثُورَ شرِّ كما ثار في حديثِ الإفكِ من الشّرّ ما سيأتي بيانُه. وقول عائشة: هلا استخرجتَه هو في حديثين رواهما البُخاري جميعًا، وأما جوابه لها في حديث: هَلاَّ تَنَشرت: بقوله: أما أنا فقد شفاني الله، وجوابه لها حين قالت: هلا استخرجته: بأن قال: أكره أن أُثير على الناس شَرًّا، فلما جمع الراوي بين الجوابين في حديث واحد اسْتَغْلَق الكلامُ، وإذا نُظِرت الأحاديثُ متفرقة تُبيّنتْ، وعلى هذا النحو شَرَحَ هذا الحديثَ ابنُ بطال. وأما الفِقه الذي أشرنا إليه فهو إباحة النُّشْرة من قول عائشة: هلا تَنَشَّرت، ولم ينكر عليها قولها. (١) النشرة: ضرب من الرُّقى. ٣٧٢ فهؤلاء أحبار اليهود، أهل الشرور والعداوة لرسول الله - رَ﴾ه - وأصحابه، وأصحاب المسألة، والنصب لأمْر الإسلام الشرور ليطفئوه، إلا ما كان من عبد الله بن سَلام ومُخَيْرِيق. إسلام عبد الله بن سلام قال ابن إسحاق: وكان من حديث عبد الله بن سَلام، كما حدّثني بعض أهله عنه. وعن إسلامه حين أسلم، وكان حبرًا عالمًا، قال: لما سمعتُ برسول الله وَ لَهُ عرَفتُ صفته واسمَه وزمانَه الذي كنَّا نَتوَكَّف له، فكنت مُسِرًا لذلك، صامتًا عليه، حتى قَدِم وذكر البخاري عن سعيد بن المُسَيِّب أنه سئل عن النُّشرة للذي يُؤْخَذ عن أهلِه، فقال: لا بَأْسَ لم ينه عن الصلاح، إنما نهي عن الفساد، ومن استطاع أن يَنْفَعَ أخاهُ فَلْيفْعل. ومن الناس من كره النُّشْرة على العموم، ونَزَع بحديث خرَّجه أبو داود مَرْفوعًا: ((أن النُّشُرَةَ من عمّل الشيطان))(١)، وهذا - والله أعلم - في النُّشْرة التي فيها الخواتِم والعَزائِم، وما لاَ يُفْهَم من الأسماء العَجمية، ولولا الإطالة المخرجَة لنا عن غَرَضنا لقدرنا الرَّخْصَة بالآثار، وهذا القدر كَاف، والله المستعان. وكانتُ عُقَدُ السِّخرِ أحدَ عَشرَ عُقْدَةً، فأنزل الله تعالى المعوذتين أحَدَ عَشَر آية، فانحلت بكل آية عُقْدةٌ(٢)، قال تعالى: ﴿ومِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ في العُقَدِ﴾ ولم يقل النَّفَّائِين، وإنما كان الذي سحره رجلاً والجوابُ: أن الحديث قد رواه إسماعيل القاضي، وزاد في روايته أن زينب اليهوديةَ أعانَتْ لَبِيدَ بن الأعْصَم على ذلك السحرِ، مع أن الأخْذَةَ في الغالب من عمل النساء وكيدهنّ. إسلام عبد الله بن سلام(٣) سَلام هو بتخفيف اللام، ولا يوجد من اسمه سَلاَم بالتخفيف في المسلمين لأن السَّلاَمَ من أسماء الله، فيقال عبد السَّلاَم، ويقال: سَلاَّم بالتشديد، وهو كثير، وإنما سَلاَمٌ بالتخفيف في اليهود، وهو والد عبد الله بن سَلاَم منهم. (١) أخرجه أبو داود (٣٨٦٨) والبيهقي (٣٥١/٩) والبغوي في شرح السُّنّة (١٥٩/١٢). (٢) رُوِيّ مثل هذا من أسباب النزول وإسناده ضعيف. (٣) له ترجمة في الطبقات (٣٥٢/٢) الإصابة (٣٢٠/٢) أسد الغابة (٢٦٤/٣) العبر (٥١/١) النجوم الزاهرة (١٢٥/١) الاستيعاب (١٥٦١/٣) تهذيب الكمال (٧٤/١٥) التهذيب (٢٤٩/٥) التقريب (٤٢٢/١) الثقات (٢٢٨/٣) مشاهير علماء الأمصار (٥٢) بتحقيقي. ٣٧٣ رسول الله ◌َ﴿ المدينةَ، فلما نَزل بقُبَاءَ، في بني عمرو بن عوف، أقبل رجل حتى أخبر بقُدومه، وأنا في رأس نَخْلَة لي أعمل فيها، وعمتي خالدةُ ابنة الحارث تحتي جالسة، فلما سمعتُ الخبرَ بقُدوم رسول الله وَّهَ كَبَّرتُ، فقالت لي عمَّتي، حين سمعت تكبيري: خيَّبك الله، والله لو كنتَ سمعتَ بموسى بن عمران قادمًا ما زِذت، قال: فقلت لها: أني عمَّة، هو والله أخو موسى بن عِمْران، وعلى دينه، بُعِث بما بُعِث به. قال: أي ابنَ أخي، أهو النبيّ الذي كُنَّا نخبر أنَّه يبعث مع نَفَس الساعة؟ قال: فقلت لها: نعم. قال: فقالت: فذاك إذًا. قال: ثم خرجتُ إلى رسول الله وََّ، فأسلمتُ، ثم رجعتُ إلى أهل بيتي، فأمرتُهم فأسلموا. قال: وكتمتُ إسلامي من يهود، ثم جئتُ رسولَ اللهِ وَّ﴿، فقلتُ له: يا رسول الله، إن يهودَ قومُ بُهْت وإني أحبّ أنّ تدخلني في بعض بُيوتك، وتغيُّبني عنهم، ثم تسألهم عني، حتى يُخبروك كيف أنا فيهم، قبل أن يَعْلموا بإسلامي، فإنهم إن عَلِموا به بَهتوني وعابوني. قال: فأدخلني رسول الله وَّر في بعض بُيوته، ودخلوا عليه، فكلَّموه. ذكر فيه قول عمته خالدة أهو النبي الذي كنا نخبر أنه يُبْعَث مع نَفَسِ الساعة، وهذا الكلام في معنى قوله عليه السلام: إني لأجد نَفَسَ الساعة بين كتفي، وفي معنى قوله: ﴿نَذِيرٌ لكم بينَ يَدي عذابٍ شديدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] ومن كان بين يديّ طالبِهِ، فَنَفَسُ الطالب بين كتفيه، وكأن النَّفَسَ في هذا الحديث عبارةٌ عن الفتنِ المؤذِئَةِ بقيام الساعة، وكان بَدْؤُها حين ولى أمتَه ظهرَه خارجًا من بين ظَهْرَانَيْهِمْ إلى الله تعالى، ألا تراه يقول في حديث آخر: وأنا أمانٌ لأُمَّتي، فإذا ذهبتُ أتى أمتي ما يُوعَدون، فكانت بعده الفتنةُ ثم الهَرْج المتصل بيوم القيامة، ونحو من هذا قوله عليه السلام: ((بُعِثْت أنا والساعة كَهَاتَيْن))(١)، يعني السَّبَّابَة والوُسْطى، وهو حديث يَزْويه أَنسُ بنُ مالكِ، وابنُ بُرَيْدَةَ عن أبيه، وجُبَيْرٍ بن مُطْعِم، وجابر بن سَمُرَة وأبو هُرَيْرَة وسَهْل بن سعد كلُّهم عن رسول الله - وَّرِ - وفي حديث سهلٍ سَبَقْتها بما سَبَقَتْ هذه هذه، يعني: الوُسْطَى والسََّّابَة، وفي بعض ألفاظِ الحديث: إن كادَتْ لَتَسْبِقني. ورواه أيضًا: أبو جُبَيْرَةَ فقال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((جئتُ أنا والساعة كهاتين سبقتُها كما سبقتْ هَذه هذه في نَفَسٍ من الساعة، أو في نفَسِ الساعة))(٢)، خرجها الطبري بجميع أسانيدها، وبعضها في الصحيحين، وفي بعضها زيادة على بعض. (١) (صحيح)). أخرجه البخاري (٦٨/٧) ومسلم في الفتن (١٣٢) وأحمد (٢٢٢/٣) والبيهقي في الصفات (١٨٨) بتحقيقي. والهرج: القتل. (٢) أخرجه الطبري في تاريخه (١٦/١). ٣٧٤ وسألوه، ثم قال لهم: أيّ رجلِ الحُصين بن سلام فيكم؟ قالوا: سيِّدنا وابن سيِّدنا، وحَبْرنا وعالمنا. قال: فلما فَرَغوا من قولهم، خرجتُ عليهم، فقلت لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة باسمه وصِفَته، فإني أشهدُ أنه رسولُ الله وَلِّ، وأومن به وأصدقه وأعرفه، فقالوا: كذبت ثم وقعوا بي، قال: فقلت لرسول الله وَلل ألم أَخْبِرك يا رسول الله أنهم قوم بُهْتٌ، أهل غَذر وكَذب وفُجور! قال: فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمَّتي خالدة بنت الحارث، فحَسُن إسلامها. حدیث مخیریق : قال ابن إسحاق: وكان من حديث مُخَيريق، وكان حبرًا عالمًا، وكان رجلاً غنيًّا كثير الأموال من النخل، وكان يَعْرف رسول اللهِ وَّهِ بِصِفَته، وما يجد في علمه، وغلب عليه إلّفُ دینه، فلم يزل علی ذلك، حتی إذا کان یوم أُحُد، وکان یوم أُحد يوم السبت، قال: يا معشر يَهُودَ، والله إنكم لَتَعلمون أن نَصْرَ محمد عليكم لَحَقٌّ. قالوا: إن اليوم يومُ السبت؛ قال: لا سبتَ لكم. ثم أخذ سِلاحه، فخرج حتى أتى رسولَ الله وَ لَهَ بَأَحُد، وعَهِد إلى مَن وراءه من قومه: إنْ قُتِلتُ هذا اليومَ، فأمْوالي لمحمد - وَّهِ - يصنع فيها ما أراه الله. فلما وخالدة بنت الحارث قد ذكر إسلامَها، وهي مما أغفله أبو عُمَر في كتاب الصحابة، وقد استدركناها عليه في جملة الاستدراكات التي ألحقناها بكتابه. وذكر حديث مُخَيْرِيق، وقال فيه: مُخَيْرِيقٌ خيرُ يهودَ، ومُخَيْرِيقٌ مسلم، ولا يجوز أن يقال في مسلم: هو خير النصارى، ولا خيرُ اليهود، لأن أفعل من كذا إذا أضيف فهو بعض ما أضيف إليه(١). فإن قيل: وكيف جاز هذا؟ قلنا: لأنه قال خير يهود، ولم يقل خير اليهود، ويَهُود اسم علم كَثَمُود، يقال: إنهم نسبوا إلى يَهُوذ بن يَعْقُوب، ثم عُرِّبت الذال دالاً، فإذا قلت: اليهود بالألف واللام، احتمل وجهين النسبَ والدينَ الذي هو اليهودية(٢)، أما النسب فعلى حد قولهم التَّيْم في التَّيْمِييِّن، وأما الدين فعلى حَدِّ قولك: النصارى والمجوسُ أعني: أنها صِفَة، لا أنها نَسَبٌ إلى أب. وفي القرآن لفظً ثالث، لا يتصور فيه ١ (١) الذي قال هذا إنما هو النبي ولو !!!. (٢) هو بالطبع ليس دينًا من عند الله تعالى إنما ((الدين عند الله الإسلام)) وهو الذي أُرسل به موسى وعيسى ومحمد ومَن سبقهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولعله يعني ما اتخذه اليهود شرعًا ومنهاجًا. فهو من معاني كلمة ((الدين)). انظر للمحقق ((اللباب في تفسير فاتحة الكتاب)) عند تفسير قوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾. ٣٧٥ اقتتل الناسُ قاتل حتى قُتل. فكان رسولُ الله - وَلجر - فيما بلغني - يقول: ((مخيریق خيرُ يهود))(١). وقَبض رسولُ اللهِ وَ لَ أموالَه، فعامَّة صَدَقات رسول الله وَهُ بالمدينة منها. شهادة عن صفية قال ابن إسحاق: وحدّثني عبدُ الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: حُدّثت عن صفيَّة بنت حُييّ بن أخطب أنها قالت: كنت أحبَّ ولَدِ أبي إليه، وإلى عمِّي أبي ياسر، لم ألقهما قطّ مع ولدٍ لهُما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قَدِم رسولُ الله وَيه المدينة، ونزل قُباء، في بني عمرو بن عوف، غَدا عليه أبي، حُيّيٍّ بنُ أخطب، وعمِّي: أبو ياسر بن أخطب، مُغَلْسَيْن. قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس. قالت: فأتّيا كالَّيْنِ كَسْلانين ساقِطين يمشيانِ الهُوَيْنى. قالت: فهشِشْتُ إليهما كما كنتُ أصنع، فوالله ما التفت إليّ واحدٌ منهما، مع ما بهما من الغمّ. قالت: وسمعت عمِّي أبا ياسر، وهو يقول لأبي: حُيّيٍّ بن أخْطَب: أهو هو؟ قال: نعم والله؛ قال: أتعرفه: وتُثْبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيتُ. إلا معنى واحد، وهو الدِّين دون النسب، وهو قوله سبحانه: ﴿وقالوا كونوا هُودًا أو نَصَارى﴾ [البقرة: ١٣٥]. بحذف الياء، ولم يقل: كونوا يهودَ لأنه أراد التَّهَوّد، وهو التَّدَيَّن بدينهم، ولو قال: كونوا يَهُودًا بالتدين، لجاز أيضًا على أحد الوجهين المتقدمين، ولو قيل لقوم من العرب: كونوا يَهُودَ بغير تَنْوينٍ. لكان محالاً، لأن تبديلَ النَّسَبِ حقيقة محال، وقد قيل في هود: جمع هائد، وهو في معنى ما قلناه، فلتعرف الفرقَ بين قولك هودًا بغير ياءٍ، ويهودًا بالياء والتنوين، ويهودّ بغير تنوين، فإنها تفرقة حسنة صحيحة والله أعلم ولم يُسْلِم من أحبار يهودَ على عهد رسول الله ◌َ﴿ إلا اثنان. وقد جاء في الحديث: ((لو اتبعني عَشَرَةٌ من اليهود لم يبق في الأرض يهودي إلا اتبعني))(٢). رواه أبو هريرة. وسمع كعبُ الأحبار أبا هريرة يحدِّث، فقال له: إنما الحديث: اثنا عَشَرَ من اليهود، ومِصْداقُ ذلك في القرآن (وبعثنا منهم اثْنَيْ عشر نقيبًا) فسكت أبو هريرة. قال ابن سيرين: أبو هُرَيْرَة أصدقُ من كعب. قال يحيى بن سَلاَم كلاهما: (صدَق)؛ لأن رسول الله وَله إنما أراد: لو اتبعني عَشَرةٌ من اليهود بعد هذين اللذين قد أسلما(٣). (١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١٨٣/٢/١) والبيهقي في الدلائل (١٨/١) وابن عساكر في تهذيبه (٢٤٥/٣) (٨٧/١٠). وانظر البداية (٢٣٧/٣) (٣٦/٤). (٢) أخرجه أحمد (٣٤٩/٢). (٣) تأويل واستشهاد بالآية - بعيد - والله أعلى وأعلم. ٣٧٦ مَن اجتمع إلى يهود من منافقي الأنصار منافقو بني عمرو: قال ابن إسحاق: وكان مِمَّن انضاف إلى يهود، ممن سمّي لنا من المنافقين من الأوس والخزرج، والله أعلم. من الأوس، ثم من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس؛ ثم من بني لَوْذَان بن عمرو بن عوف: زُوَيّ بن الحارثِ. منافقو حبيب: ومن بني حُبيب بن عمرو بن عوف: جُلاس بن سُويد بن الصامت، وأخوه الحارث بن سويد. من نفاق جلاس: وجُلاس الذي قال - وكان ممن تخلَّف عن رسول الله وَ ل﴿ في غزوة تبوك - لئن كان هذا الرجل صادقًا لنحن شرٌّ من الحُمُر. فرفع ذلك من قوله إلى رسول الله وَاليه - عُمير بن سعد، أحدهم، وكان في حُجْر جُلاس، خَلَف جُلاسٌ على أُمه بعد أبيه، فقال له عُمير بن سعد: والله يا جُلاَس، إنك لأحبّ الناس إليّ، وأحسنهم عندي يدًا، وأعزّهم عليّ أن يصيبه شيء يكرهه، ولقد قلتَ مقالةً لئن رفعتُها عليك لأفضحنَّك، ولئن صمتُ عليها ليهلكنّ ديني، ولَإِحداهما أيسرُ عليّ من الأخرى. ثم مشى إلى رسول الله وَلَّ، فذكر له ما قال جُلاس، فحلف جلاس بالله لرسول الله وَطاهر: لقد كذب عليّ عُمير، وما قلتُ ما قال عُمير بن سعد. فأنزل الله عزّ وجلّ فيه: ﴿يَخْلِفُونَ باللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرٍ وكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمُ وهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنالُوا وَمَا نَقَمُوا إلاَّ أنّ أغُناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فإنْ يَتُوبُوا يَكَ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلُّوا يُعدِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا ألِيمًا فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ ومَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤]. قال ابن هشام: الأليم: الموجع. قال ذو الرمة يصف إبلاً: وتَرْفع من صدور شَمَزْ دَلاَتَ يَصُكّ وجوهَها وهجّ أليمُ وهذا البيت في قصيدة له. ذكر المنافقين فصل: وذكّر تبْتَلاً من المنافقين، قال: وكان أَذْلَم، والأَذْلَمُ الأسودُ الطويلُ من كل شيء. وقيل لجماعة النمل: ديْلَم، لسوادهم من كتاب العين. ٣٧٧ قال ابن إسحق: فزعموا أنه تاب فحسُنت توبته، حتى عُرِف منه الخير والإسلام. ارتداد الحارث بن سويد وغدره: وأخوه الحارث بن سُويد، الذي قتل المجذّر بن ذِياد البَلَوِيّ، وقيسَ بن زيد، أحد بني ضُبيعة، يوم أُحد. خرج مع المسلمين، وكان منافقًا، فلما التقَى الناسُ عدَا عليهما، فقتلهما ثم لحق بقریش. قال ابن هشام: وكان المجذّر بن ذِياد قتل سُويدَ بن صامت في بعض الحروب التي كانت بين الأوس والخزرج فلما كان يوم أُحد طلب الحارث بن سويد غرّةَ المجذَّر بن ذِياد، ليقتله بأبيه، فقتله وحدَه، وسمعت غيرَ واحد من أهل العلم يقول: والدليل على أنه لم يقتل قيس بن زيد، أنّ ابن إسحق لم يذكره في قَتْلي أُحُد. قال ابن إسحق: قَتل سُويدَ بن صامت مُعاذُ ابن عفراء غِيلةً، في غير حرب، رماه بسَهْم فَقتله قبل يوم بُعَاثٍ. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﴿﴿ه - فيما يذكرون - قد أمر عُمر بنَ الخطّاب بقَتْله إن هو ظفر به، ففاته، فكان بمكة، ثم بَعث إلى أخيه جُلاس يطلب الثَّوبة، ليرجع إلى قومه. فأنزل الله تبارك وتعالى فيه - فيما بلغني عن ابن عبّاس -: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ، حَقّ وجاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦] إلى آخر القصة. وذكر الحارث بن سُوَيْد، وقتلَه للمُجَذَّر بن ذِيادِ. واسم المُجَذَّرِ: عبدُ الله، والمُجَذَّرُ: الغليظُ الخَلْقِ. وذكر أن الله تعالى أنزل في الحارث بن سُوَيد وارتداده: ﴿كيف يَهْدِي اللَّهُ قومًا كَفَروا بعد إيمانهم﴾ [آل عمران: ٨٦] فقيل إن هذه الآية مقصورةٌ على سببها مخصوصةٌ بمن سَبَق في علم الله أنه لا يَهديه من كُفْره، ولا يتوب عليه مَنْ ظلمه، وإلا فالتوبة مفروضة، وقد تاب قوم بعد ارتدادِهم فقُبِلت توبتُهم. وقيل: ليس فيها نَفْيّ لقبول التوبة، فإنه قال: كيف يهدي الله، ولم يقُل لا يهدي الله، على أنه قد قال في آخرها: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾(١) وذلك يرجع إلى الخصوص، كما قدمنا أو إلى معنى الهداية في الظلمة التي (١) فائدة: لا يهدي الله تعالى القوم الظالمين، ولكنه يهدي الذين ظلموا، وفرّق بين الذين ظلموا وهم الذين ظلموا أنفسهم أو غيرهم. قال تعالى: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ... ﴾ الآيات. فهؤلاء ظلموا أنفسهم بمعصيتهم، أما مَن تلبّس بالظلم حتى صار= ٣٧٨ منافقو بني ضبيعة : ومن بني ضبيعة بن زيد بن مالك بن عَوْف بن عمرو بن عوف: بِجاد بن عثمان بن عامر. منافقو بني لوذان(١): ومن بني لَوْذان بن عمرو بن عوف: نَبْتل بن الحارث، وهو الذي قال له رسول الله ◌َ﴿ - فيما بلغني: من أحبّ أن ينظر إلى الشيطان، فلينظر إلى نَبْتل بن الحارث، وكان رجلاً جَسيمًا أذلم، ثائرَ شعرِ الرأسِ أحمرَ العينين، أَسفَعَ الخدَّين، وكان يأتي رسولَ الله وَّ يتحدّث إليه فيسمع منه، ثم ينقل حديثَه إلى المنافقين، وهو الذي قال: إنما محمد أُذُن، مَن حدّثه شيئًا صدّقه. فأنزل الله عزّ وجلّ فيه: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُون النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ قُلْ أُذُنُ خَيْرِ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّه ويُؤْمِنُ للمُؤمِنِينَ وَرَحْمَةٌ للّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَّابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١]. قال ابن إسحاق: وحدّثني بعض رجال(٢) بَلْعجلان أنه حُدّث (٢): أن جبريل عليه السلام أتى رسولَ الله وَّ﴿ فقال له إنه يجلس إليك رجل أدلم، ثائر شعر الرأس، أسفع الخذّين أحمر العينين، كأنهما قِذْران من صُفْر، كبده أغلظُ من كبد الحمار، ينقل حديثَك إلى المنافقين، فاحذره. وكانت تلك صفة نَبْتل بن الحارث، فيما يذكرون. منافقو بني ضبيعة : ومن بني ضُبيعة: أبو حَبيبة بن الأزعر، وكان ممن بنى مسجد الضرار، وثعلبةُ بن حاطب، ومُعتِّب بن قُشير، وهما اللذان عاهدا الله لئن آتانا من فضله لنصدّقن ولنكونن عند الصراط بالنور التام يوم القيامة، فإن ذلك مُنتفٍ عمَّن مات غير تائب من كفره وظلمه. والله أعلم(٣). صفة لازمة لهم، فهؤلاء لا يهديهم الله، فجاء وصفهم باسم الفاعل ﴿الظالمين﴾ كقوله تعالى: = ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، ولم يأتِ وصفهم بالفعل ((ظلموا وكفروا)). كما قال تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغْفَر لهم ما قد سلف﴾ فتأمل. (١) انظر البداية (٢٣٧/٣). (٢) مجاهيل. (٣) انظر قصة ارتداده والحديث في النسائي في الكبرى (تفسير سورة آل عمران: ٨٥). وفي المجتبى (٤٠٦٨) وأحمد (٢٤٧/١) والطبري في تفسيره (٢٤١/٣) وابن حبان (١٧٢٨ - موارد) والحاكم (٢/ ١٤٢) وصححه وأقره الذهبي - وهو كما قالا - والواحدي في أسباب النزول (٨٤). ٣٧٩ من الصالحين، الخ القصة. ومعتب الذي قال يوم أُحد: لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا. فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُونَ بِاللَّهِ غيرَ الحَقّ ظَنَّ الجاهِليةِ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِن الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ [آل عمران: ١٥٤] إلى آخر القصة. وهو الذي قال يوم الأحزاب: كان محمد يَعدنا أن نأكل كُنوز كسرى وقَيْصَر، وأحدُنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط. فأنزل الله عزّ وجلّ فيه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المُنافقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُورًا﴾(١) والحارثُ بن حاطب. معتب وابنا حاطب بدريون وليسوا منافقين: قال ابن هشام: مُعقّب بن قُشير، وثعلبة والحارث ابنا حاطب، وهم من بني أمية بن زيد من أهل بدر وليسوا من المنافقين فيما ذكر لي من أثق به من أهل العلم، وقد نسب ابنُ إسحق ثعلبة والحارث في بني أمية بن زيد في أسماء أهل بَذْر. قال ابن إسحاق: وعَبَّاد بن حُنيف، أخو سهل بن حُنيف؛ ويَخْرج، وهم ممن كان بَني مسجد الضُّرار، وعمرو بن خِذام، وعبد الله بن نَبْتل. من بني ثعلبة: ومن بني ثعلبة بن عمرو بن عَوْف: جاريةُ بن عامر بن العَطَّاف، وابناه: زيد ومُجمْع، ابنا جارية، وهم ممن اتخذ مسجد الضرار. وكان مجمِّع غلامًا حَدَثا قد جمع من القرآن أكثره، وكان يصلي بهم فيه، ثم إنه لما أُخرب المسجد، وذهب رجالٌ من بني عمرو بن عوف، كانوا يصلون ببني عمرو بن عوف في مسجدهم، وكان زمانُ عمر بن الخطّاب، كُلّهم في مجمِّع ليصلي بهم؛ فقال: لا، أوَليس بإمام المنافقين في مَسْجد الضرار؟ فقال لعمر: يا أمير المؤمنين، والله الذي لا إله إلا هو، ما علمت بشيء من أمرهم، ولكني كنت غلامًا قارئًا للقرآن، وكانوا لا قرآن معهم، فقدّموني أصلي بهم، وما أرى أمرَهم، إلا على أحسن ما ذكروا. فزعموا أن عُمر تركه فصلى بقومه. من بني أمية: ومن بني أُميَّة بن زيد بن مالك: وَدِيعة بن ثابت، وهو ممَّن بَنى مسجد الضِّرار، (١) سورة الأحزاب آية رقم (١٢). وانظر البداية (٢٣٧/٣). ٣٨٠