النص المفهرس
صفحات 261-280
أميَّة بن زيد، وخطْمة ووائل وواقف، وتلك أوس الله، وهم من الأوس بن حارثة؛ وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، وهو صيفي، وكان شاعرًا لهم قائدًا يستمعون منه ويُطيعون، فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجَر رسولُ اللهِ وَلّ إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، وقال فيما رأى من الإسلام، وما اختلف الناس فيه من أمره: يُلَفُّ الصَّعْبُ منها بالذَّلُولِ أَرَبَّ النَّاسِ أشياءُ أَلِمَّتْ فَيَسِّرنا لِمَعْروف السَّبيل أربَّ النَّاسِ أمَّا إِذْ ضَلَلْنا وما دين اليهود بذي شُكول فلولا رَبُّنا كُنَّا يَهُودًا مع الرُّهْبان في جَبَل الجليل ولولا رَبّنا كنّا نَصَارَى حَنِيفًا دِينُنا عن كُلّ جيل ولَكِنَّا خُلِقْنَا إِذْ خُلِقْنا مكشفةَ المَناكب في الجُلُول نسوق الهَذْي ترسُف مُذعنات قال ابن هشام: أنشدني قوله: فلولا ربنا، وقوله: لولا ربنا، وقوله: مكشفة المناكب في الجلول، رجل من الأنصار، أو من خزاعة. من شرح شعر ابن الأسلت: فصل: وذكر شعر أبي قيس بن الأسْلَت، وفيه قوله: ولولا رَبُّنا كُنَّا يَهُودًا وما دينُ اليهود بذي شُكُول إراد جمع: شَكْل، وشَكْلُ الشيءِ - بالفتح - هو مثلُه، والشّكل بالكسر الدِّلُّ والحُسْنُ، فكأنه أراد أنَّ دينَ اليهود بِدْعٌ، فليس له شُكول أي: ليس له نظير في الحقائق، ولا مثيل يعضُدُه من الأمر المعروف المقبول، وقد قال الطائي: فقلت لهم: إن الشُّكُولَ أقاربُ وقلت: أخي. قالوا: أخٌ من قَرَابَةِ وإن باعدتنا في الخطوب المناسب قَريبيَ فِي رَأيي ودِيني ومَذْهبي وقال فيه : مع الرهبان في جَبَلِ الجليل الجليلُ بالجيم الثُّمامَ، وهذا الجبل من جبال الشام معروف بهذا الاسم. ٢٦١ أمر العقبة الثانية(١): قال ابن إسحاق: ثم إن مُضْعب بن عُمير رجَع إلى مكة، وخرج من خرج من الأنصار المسلمين إلى المَوْسم مع حُجَّاج قومهم من أهل الشِّرك، حتى قَدموا مكة، فواعدوا رسولَ الله﴿ العقبةَ، من أوسط أيام التشريق، حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته، والنصر لنبيِّه، وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله. البراء بن معرور وصلاة الكعبة قال ابن إسحاق: حدّثني مَعْبد بن كَعْب بن مالك بن أبي كعب بن القَيْن، أخو بني سلمة، إن أخاه عبد الله بن كعب، وكان من أعلم الأنصار، حدّثه أن أباه كعبًا حدّثه، وكان كعبٌ ممن شَهِد العقبة وبايع رسولَ الله وَّه بها، قال: خرجنا في حُجَّاجِ قومنا من المُشركين، وقد صلَّينا وفَقِهنا، ومعنا البَرَاءُ بن مُّعْرُور، سيِّدُنا وكبيرنا، فَلما وَجَّهْنا لِسَفَرِنا، وخرجْنا من المدينة، قال البرَاء لنا: يا هؤلاء، إني قد رأيت رأيًا، فوالله ما أذري، أتوافقونني عليه، أم لا؟ قال: قلنا: وما ذاك؟ قد رأيت أنْ لا أدع هذه البَنِيَّة مني بِظَهْرٍ، يعني: الكعبة، وأن أُصَلِّي إليها. قال: فقلنا، والله ما بلغنا أن نبيّنا نَّهِ يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. قال: فقال: إني لَمُصَلِّ إليها قال: فقلنا له: لَكنَّا لا نفعل. قال: فكنا إذا حضرت الصلاةُ صلَّينا إلى الشام، وصلى إلى الكعبة، حتى قَدِمنا مكة. قال: وقد كنا عبنا عليه ما صنع، وأتَى إلا الإقامة على ذلك فلما قَدمنا مكة قال لي: يا ابن أخي، انطلقْ بنا إلى رسول الله وَّل، حتى نسأله عما صنعتُ في سَفري هذا، فإنه والله لقد وَقَع في نفسي منه شيءٌ، لِما رأيتُ من خِلافكم إيَّاي فيه. قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله وَل﴿، وكنّا لا نعرفه، ولمْ نَرَه قبل ذلك فلقيَنا رجلاً من أهل مكة، فسألناه عن رسول الله وَّير، فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا؛ قال: فهل تعرفان العبَّاس بن عبد المطّلب عَمَّه؟ قال: قلنا: نعم - قال: وقد كنَّا نعرف العبّاس، كان لا يزال يقدَم ذكر البراء بن معرور، وصلاته إلى القبلة(٢) ذكر حديث كعبٍ بنِ مالك حين حَجَّ في نَفَرِ من قومه مع البَراءِ بن مَعْرُور، فكانوا يُصلّون إلى بيت المَقْدس، وكان البَرَاءُ يصلّي إلى الكعبة الحديث - إلى قول رسول (١) انظر تاريخ الطبري (٣٦٠/٢) تاريخ الإسلام للذهبي (٢٠٠/٢) البداية والنهاية (١٥٠/٣) طبقات ابن سعد (٢٢١/١) المنتظم (٣٤/٣) الدلائل للبيهقي (٤٤٢/٢). (٢) انظر تاريخ الطبري (٣٦/٢) الدلائل للبيهقي (٤٤٤/٢) المنتظم (٣٤/٣) الاستيعاب (١٥١/١). ٢٦٢ علينا تاجرًا - قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجلُ الجالسُ مع العبَّاس. قال: فدخلنا المسجد فإذا العباس جالسٌ، ورسولُ اللهِ وَلّر جالسٌ معه، فسلَّمنا ثم جلسنا إليه. فقال رسولُ اللهِ وَل﴿ للعبَّاس: ((هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفَضْل))؟ قال: نعم، هذا البرّاء بن مَعْرور، سيِّد قومه، وهذا كعب بن مالك. قال: فوالله ما أنسى قولَ رسول اللهِ وَّ: الشاعر؟ قال: نعم. فقال البَرَاء بنُ مَعُرور: يا نبيّ الله، إني خرجتُ في سفري هذا، وقد هداني الله للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البَنِيَّة مني بظَهْر، فصليتُ إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شَيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: ((قد كنتَ على قِبْلة لو صبرتَ عليها)). قال: فرجع البَرَاءُ إلى قِبْلة رسولٍ الله ◌َّ﴿، وصلّى معنا إلى الشام. قال: وأهلُه يزعمون أنه صلّى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم. قال ابن هشام: وقال عَوْن بن أيوب الأنصاريّ: ومِنَّا المُصَلِّي أوَّلَ الناسِ مُقْبِلاً على كَعْبَةِ الرَّحْمنِ بين المَشاعِرِ يعني البَرَاءَ بن مَغرور. وهذا البيت في قصيدة له. الله - رَالجُ -: ((قد كنت على قِبْلة لو صبرت عليها)) فِقْهُ قولِه: لو صبرت عليها: أنه لم يأمره بإعادة ما قد صلَّى؛ لأنه كان مُتَأَوِّلاً . قبلة الرسول صل *: وفي الحديث: دليلٌ على أنَّ رسول الله وَّلتر، كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس، وهو قول ابن عباس، وقالت طائفة: ما صلّى إلى بيت المقدس إلا مذ قدِمِ المدينةَ سَبْعَةَ عشر شهرًا أو ستة عشر شهرًا(١)، فعلى هذا يكون في القبلة نسخان نَسْخُ سُنَّةٍ بسُنَّةٍ، ونسخ سُنَّةٍ بقرآن، وقد بيَّن حديثُ ابن عباس منشأ الخلاف في هذه المسألة، فروى عنه من طرق صحاح أن رسول الله وَ طير، كانَ إذا صلّى بمكة استقبل بيت المقدس، وجعل الكعبةً بينه وبين بيت المقدس، فلمّا كان عليه السلام يتحرَّى القبلتين جميعًا لم يَبِنْ توجُّهُه إلى بيت المقدس للناس، حتى خرج من مكة والله أعلم. قال الله تعالى له في الآية الناسخة: ﴿ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَولِ وَجهَكِ شَطْرَ المسْجِدِ الحَرَامَ﴾ [البقرة: ١٥٠] أي: من أي جهة جئت إلى الصلاة، وخرجت إليها فاستقبل الكعبةً كنتَ مُسْتَذْبِرًا لبيت المقدس، أو لم تكن، لأنه كان بمكة يتحرَّى في استقباله بيتَ المقدس أن تكون الكعبةُ بين يديه، وتدبر قوله تعالى: ﴿ومِنْ (١) انظر البخاري (٣٣/١). ٧ ٢٦٣ إسلام عبد الله بن عمرو بن حرام(١): قال ابن إسحاق: حدّثني مَعْبد بن كعب، أن أخاه عبد الله بن كعب حَدّثه أن أباه كعب بن مالك حدّثه، قال كعب: ثم خرجنا إلى الحجِّ، وواعدنا رسول الله وَل بالعقبة من أوسط أيام التشريق. قال: فلما فرغنا من الحجّ، وكانت الليلة التي واعدنا رسول حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلُ وجِهَك﴾ وقال لأمته: ﴿وحيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوا وجوهكم شَطْرَه﴾ ولم يقل: حيثما خَرَجْتُم، وذلك أنه كان عليه السلام إمامَ المسلمين، فكان يخرج إليهم إلى كل صلاة ليصلّي بهم، وكان ذلك واجبًا عليه إذ كان الإمام المقتدى به فأفاد ذكرُ الخروج في خاصَّته في هذا المعنى، ولم يكن حكم غيره هكذا، يقتضي الخروج، ولا سيَّما النساء، ومن لا جماعة عليه، وكرّر الباري تعالى الأمر بالتوجّه إلى البيت الحرام في ثلاثٍ آياتٍ، لأن المُنْكِرين لتحويل القبلة، كانوا ثلاثة أصنافٍ من الناس اليهود، لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم، وأهلُ الرَّيْب والنّفاق اشتد إنكارهم له أنه كان أولَ نسخ نزل، وكفار قُريش قالوا: ندِم محمّد على فِراق ديننا فسيرجع إليه كمَا رجع إليه قَبْلَتنا، وكانوا قبل ذلك يحتجُّون عليه، فيقولون: يزعم محمّد أنه يدعونا إلى ملّة إبراهيم وإسماعيل، وقد فارق قِبلة إبراهيم وإسماعيل، وآثر عليها قِبلة اليهود، فقال الله له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة ﴿لَئِلاً يكونَ للناس عليكُم حجةٌ إلا الذين ظلموا منهم﴾ [البقرة: ١٥٠] على الاستثناء المنقطع، أي: لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون وقال سبحانه: ﴿الحَقُّ من ربّك فلا تكونَنَّ من المُمْتَرِين﴾ [البقرة: ١٤٧] أي: من الذين شكّوا وامْتَرَوْا، ومعنى: الحق من ربك أي الذي أمرتك به من التوجه إلى البيت الحرام، هو الحق الذي كان عليه الأنبياء قبلك فلاً تَمْتَر في ذلك وقال: ﴿وإن الذين أُوتوا الكتابِ لَيَعْلَمُون أنه الحق﴾ [البقرة: ١٤٤] وقال: ﴿إِنَّ فريقًا منهم لَيَكْتُمُون الحَقْ وهم يَعْلَمُون﴾ [البقرة: ١٤٦] أي يكتمون ما علموا من أن الكعبة هي قبلة الأنبياء، وروى أبو داود السنجري في كتاب الناسخ والمنسوخ له وهو في روايتنا عنه بسند رفيع حدَّثنا الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي قال: أنا أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أيوب البزار، قال: أنا أبو علي بن شاذان قال: أنا أبو بكر الفقيه النجَّار أحمد بن سُلَيْمان عنه، قال: نا أحمد بن صالح، قال: نا عَنْبَسة بن يونس عن ابن شهاب قال: كان سليمانُ بن عبد الملك لا يعظم إيلْيَاءَ كما يعظمها أهلُ بيته، قال: فسرت معه، وهو ولي عهد، قال: ومعه خالد بن يزيد بن معاوية، قال سليمان: وهو جالس فيه: والله إن في هذه القبلة التي صلّى إليها المسلمون والنصارى لَعَجَبًا، قال خالد بن يزيد: أمّا والله إني (١) الخبر في تاريخ الطبري (٣٦٠/٢) الدلائل (٤٤٤/٢) المنتظم (٣٤/٣). ٢٦٤ اللهِ وَل﴿ لها، ومعنا عبدُ الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيِّد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنّا نكتم مَن معنا من قومنا من المشركين أمرَنا، فكلَّمناه وقُلْنا له: يا أبا جابر، إنك سيِّد من ساداتنا، وشَريف من أشرافنا، وإنَّا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون خَطًَّا للنار غدا، ثم دَعَوْناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله وَ * إيانا العقبة. قال: فأسلم وشَهد معنا العقبة، وكان نقيبًا. امرأتان في البيعة قال: فنِمْنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مَضى ثلثُ الليل خَرَجْنا من رحالنا لمعاد رسولِ الله وَله، نتسلَّل تسلُلَ القَطا مُسْتخفِين، حتى اجتمعنا في الشِّغْب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائنا نُسَيبة بنت كعب، أُمّ عُمَارَة، لأَقرأ الكتابَ الذي أنزله الله على محمّد - وَّرَه ـ وأقرأ التوراة، فلم يجدها اليهود في الكتاب الذي أنزله الله عليهم، ولكن تابوت السَّكِينَةِ كان على الصخرة، فلما غضب الله تعالى على بني إسرائيل رفعه، فَكانت صلاتهم إلى الصَّخْرة عن مُشَاوَرة منهم))(١)، وروى أبو داود أيضًا أن يهوديًا خاصم أبا العالية في القِبلة، فقال أبو العالية: إن موسى عليه السلام كان يصلّي عند الصخرة، ويستقبل البيت الحرام، فكانت الكعبةُ قبلةً، وكانت الصخرة بين يديه، وقال اليهوديّ: بيني وبينك مسجدُ صالح النبيِّ وَّر، فقال أبو العالية: فإني صليت في مسجد صالح وقبلتُه الكعبة، وأخبر أبو العالية أنه رأى مسجدَ ذي القَرْنَيْنِ وقبلته الكعبة، وروي أيضًا أن النبي وَّر، كان يقول لجبريل: وَدِدْتُ أن الله حَوَّلني عن قبلة اليهود، فيقول له جبريل: إنما أنا عبدٌ مأمور (٢)، وروى غيره أنه كان يُتْبِعُه بصرَه إذا عَرَجَ إلى السماء حِرْصًا على أن يأمره بالتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قد نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤]. أم عمارة وأُم منيع في بيعة العقبة الأخرى وذكر بيعة العقبة، وذكر عِدَّة أصحاب بَيْعَة العقبة، وأنهم كانوا ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين، وهما: أُم عُمَارَة وهي نُسَيْبَة بنت كعب امرأة زيد بن عاصم شهدت بيعة العقبة وبيعة الرضوان، وشهدت يوم اليمامة، وباشرت القتال بنفسها، وشاركت ابنَها عبدَ الله في قتل مُسَيْلِمَة، فقُطِعتْ يدُها، وجُرحَت اثنا عشر جُرْحًا، ثم عاشت بعد ذلك دَهْرًا، وكان (١) أخرجه البزار (٢٤٦/٢). (٢) انظر الدر المنثور (١٤٢/١). ٢٦٥ إحدى نساء بني مازن بن النجَّار، وأسماء بنت عَمْرو بن عديّ بن نابي، إحدى نساء بني سلمة، وهي أُم مَنِيع. العباس والأنصار: قال: فاجتمعنا في الشّعب نَنتظر رسولَ الله وَّرَ، حتى جاءنا ومعه العبَّاسُ بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحَبّ أن يحضُر أمرَ ابن أخيه ويتوثّق له. فلما جلس كان أوّل متكلّم العبّاس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج - قال: وكانت العرب إنما يسمُون هذا الحيَّ من الأنصار، الخزرج، خزرجها وأوْسها -: إن محمّدًا منَّا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا؛ ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزّ من قومه ومَنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحيازَ إليكم، واللَّحوقَ بكم، فإن كنتم تَرَوْن أنكم وافُون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تَحَمَّلْتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مُسْلِموه وخاذِلوه بعد الخروج به إليكم، فمِن الآن فَدَعُوه، فإنه في عِزٌّ ومَنَعَة من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سَمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربِّك ما أحببتَ. عهد الرسول عليه الصلاة والسلام على الأنصار: قال: فتكلّم رسولُ اللهِ وَّرَ، فتلا القرآن، ودعا إلى الله ورغب في الإسلام، ثم قال: أُبايعكم على أن تمنعوني مما تَمنعون منه نساءَكم وأبناءَكم، قال: فأخذ البرَاء بن الناس يأتونها بمرضاهم، لِتَسْتَشْفِي لهم، فتمسح بيدها الشّلاَّء على العليل، وتدعو له، فَقَلَّ ما مَسَحَتْ بيدِها ذا عامَةٍ إِلاَّ بَرِىءٍ(١). والأخرى: أسماء بنت عَمْرو أُم مَنِيع، وقد رفع في نسبها ونسب الأخرى ابن إسحق، ويُروى أن أُم عُمَارَة قالت لرسول الله - نَّهـ: ما أرى كلَّ شيء إلا للرجال، وما أرى للنساء شيئًا، فأنزل الله تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلماتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية. قول البراء بن معرور: وذكر قول البَرَاءِ بن مَعْرُور، وهو أول من ضَرَبَ بيده على يد رسولِ اللهِ وَله، بالبيعة على اختلافٍ في ذلك قد ذكره ابن إسحق، فقال: نبايعك على أن نمنعك مما نمنع منه (١) انظر ترجمة لها في الاستيعاب (١٩٤٨/٤) الطبقات (٤١٢/٨) الإصابة (٤١٨/٤). - ٢٦٦ مغرور بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحقّ، لنمنعنَّك مما نَمْنع منه أُزُرَنا فبابِعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحروب، وأهل الحَلْقة، ورثناها كابرًا [عن كابر]. قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله وَطير، أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنَّا قاطِعوها - يعني اليهود - فهل عسيتَ إن نحن فَعَلْنا أُزُرَنَا، أراد: نساءنَا، والعربُ تَكْنِي عن المرأة بالإزَار، وتَكْنى أيضًا بالإزار عن النفس، وتجعل الثوبَ عبارةً عن لابسه كما قال: لها شَبَهَا إلا النَّعَامَ المُنفَّرا رَمَوْها بأثوابٍ خِفَافٍ فِلا تَرَی أي: بأبدانٍ خِفَافٍ، فقوله مما نمنع أُزُرَنا يحتمل الوجهين جميعًا، وقد قال الفارسي في قول الرجل الذي كتب إلى عُمر من الغزو يذكره بأهله: ألا أَبْلِغْ أبا حفص رَسُولاً فِدّى لكَ من أخِي ثِقَة إزَاري قال: الإزارُ: كناية عن الأهل، وهو في موضع نصب بالإغراء أي: احْفَظُ إزاري، وقال ابن قتيبة: الإزار في هذا البيت كناية عن نفسه، ومعناه فدًا لك نفسي، وهذا القول هو المَرْضِيُّ في العربية، والذي قاله الفارسي بعيد عن الصواب، لأنه أضمر المبتدأ، وأضمر الفعلَ الناصبَ للإزار، ولا دليل عليه لبعده، عنه، وبعد البيت ما يدل على صحة القول المختار وهو : قلائصَنَا هَداك الله مهْلاً شُغْلِنَا عنكم زَمَنَ الحِصَارِ فنصب قلائصَنا بالإضمار الذي جعله الفارسي ناصبًا للإزار. ترجمة البراء(١): والبَرَاء بن مَعْرور يُكْنَى أبا بشر بابنه بِشْر بن البَرَاء، وهو الذي أكل مع رسول الله - وَّهِ - من الشاة المسمومة، فمات ومعرور اسمُ أبيه، معناه: مَقْصُود يقال: عَرَّه واعْترَّه إذا قَصَدَ، والبراء هذا ممن صَلَّى رسولُ اللهِ سَّه ـ على قبرِه بعد موته وكبَّر أَربعًا، وفي هذا الحديث الصلاةُ على القبر، وقد رُوِيت من سِتْ طُرُق عن النبي - وَلّ ــ قاله أحمد بن حنبل، وذكرها كلَّها أَبو عُمَر في التمهيد، وزاد ثلاث طرق لم يذكرها ابنُ حنبل، فهي إذا تُروى من - تسع طُرُق أعني أن - تِسْعَةً من الصحابَة رَوَوْا صلاتَه عليه السلام على القبر، (١) انظر ترجمته في الإصابة (١٤٤/١) الطبقات (٦١٨/٣) تاريخ الصحابة لابن حبان (١٠٢) الاستيعاب (١٥١/١). ٢٦٧ ذلك، ثم أَظْهَرَك الله أن ترجعَ إلى قومك وتَدَعنا؟ قال: فتبسّم رسولُ اللهِ وَلّه، ثم قال: بل الدم الدم، والهَذْم الهَدْم، أنا منكم وأنتم مني، أُحارب مَنْ حاربتم، وأسالِم من سالمتم(١). قال ابن هشام: ويقال: الهَدَمِ الهَدَم: أي ذِمَّتِي ذمَّتكم وحُرْمتي حُزْمَتُكم. قال كعب: وقد قال رسول الله وَله: ((أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبًا، ليكونوا على قومهم بما فيهم)). فأخرَجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعةً من الخزرج، وثلاثةً من الأوس. فمنهم ابن عباس، وأنس بن مالك وبُرَيدَة، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، وعامر بن فُهَيْرة وأبو قَتَادَة الأنصاري، وسَهْل بن حُنَيْفٍ، وعُبَادَة بن الصامت، وحديثه مُرْسَلٌ، وأصحها إسنادًا حديثُ ابن عباس وأبي هريرة. والهدم الهدم: وذكر قولَ النبي - نَّهُ ـ للمبايعين له: ((بل الدَّمُ الدَّمُ والهَدْمُ الْهَدْمُ))، وقال ابن هشام: الهَدَم بفتح الدال. قال ابن قْتَيْبَة: كانت العرب تقول عند عقد الحلف والجوار: دمي دمُك وهَذْمي هَذْمك، أي: ما هَدَمْتَ من الدماء، هَدَمْته أنا، ويقال أيضًا: بل اللَّذمُ اللَّذمُ والهَدْمُ الهَذْم، وأنشد: ثم الْحَقِي بِهَدَمِي وَلَدَمِي فاللَّدَمُ: جمع لادم، وهم أهلُه الذين يَلْتَدِمُون عليه إذا مات، وهو من لَدَمْتُ صدره: إذا ضَربْته. والهدم قال ابنْ هِشَام: الحُرْمَة، وإنما كثّى عن حُرْمَة الرجل وأهلِه بالهَذْم، لأنهم كانوا أهلَ نُجْعة وارتحالّ، ولهم بيوت يستخفونها يوم ظَعْنهم، فكلما ظَعَنُوا هَدَمُوها، والهدَم بمعنى المَهْدُوم كالقَبَض بمعنى المَقْبُوض، ثم جعلوا الهَدَم وهو البيت المهدوم عبارة عما حَوَى، ثم قال: هَدَمي هَدَمُك أي: رحلتي مع رحلتك أي لا أظعن وأدعك وأنشد يعقوب: تَمْضي إذا زُجِرَتْ عن سَوْأةٍ قَدُمًا كأنها هَدَمٌ في الجَفْرِ مُنْقَاضُ (١) أخرجه أحمد (٣٢٩/٣٢٢/٣) والحاكم (٦٢٤/٢) وصححه وأقرّه الذهبي والبيهقي في الكبرى (٩/٩) وحسّنه الحافظ في الفتح (١٧٧/٧). ٢٦٨ أسماء النقباء الاثني عشر وتمام خبر العقبة النقباء من الخزرج قال ابن هشام: من الخزرج - فيما حدّثنا زيادُ بن عبد الله البكّائي، عن محمد بن إسحق المطلبي -: أبو أُمَامَة أُسْعَد بن زُرَارَة بن عُدَس بن عُبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بنَ النجّار، وهو: تَيْمُ الله بن ثَعْلَبة عمرو بن الخزرج [بن حارثة]، وسَعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زُهير بن مالك بن امرىء القيس بن مالك بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، وعبد الله بن رَوَاحَة بن ثعلبة امرىء القيس بن عمرو بن امرىء القيس بن مالك [الأغر] بن ثَعْلَبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، ورافع بن مالك بن العَجْلاَنِ بن عمرو بن عامر بن زُرَيقِ بن عَبْد حارثة بن مالك بن غَضْب بن جُشَم بن الخَزْرَجِ؛ والبَرَاء بن مَعْرور بن صخر بن خَنْساء بن سِنَانِ بن ◌ُبَيْد بن عَدِيّ بن غَثْم بن كَعْب بن سَلَمة بن سَعْد بن عليّ بن أسد بن سارِدَة بن تَزِيد بن جُشَم بن الخزرج، وعبد الله بن عمرو بن حَرام بن ثَعْلَبة بن حَرَامٍ بن كعب بن غَنْم بن كَعْب بن سَلَمة بن سَعْد بن عليّ بن أسد بن سارِدَة بن تَزِيد بن جُشَم بن الخزرج، وعُبَادة بن الصامت بن قَيْسٍ بن أَصْرَم بن فِهْر بن ثَعْلَبة بن غَنْم بن سالم بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْفٍ بن الخزرج. قال ابن هشام: هو غَنْم بن عوف، أخو سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج. قال ابن إسحاق: وسعد بن عُبادة بن دُلَيْم بن حارثة بن أبي خُزَيْمَةَ بن ثعلبة بن طَرِيف بن الخَزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، والمنذر بن عمرو بن خُنَيْسٍ بن مَن وَلي النقباء فصل: وذكر الاثني عشر نقيبًا، وشعر كعب فيهم إلى آخره، وليس فيه ما يشكل، وإنما جعلهم عليه السلام اثْنَيَ عَشَر نقيبًا اقْتِداءً بقوله تعالى في قوم موسى: ﴿وَبَعَثْنَا منهم اثْنَي عَشَرَ نَقيبًا﴾(١) [المائدة: ١٢] وقد سمينا أولئك النقباء بأسمائهم في كتاب التعريف والإعلام، فلينظر هنالك. (١) في قوله أنه لو جعلهم اثني عشر نقيبا اقتداء بالقرآن - نظر - إنما الأمر كله يجري بقدر ربّ السموات والأرض - سبحانه وتعالى عزّ وجل -. ٢٦٩ حارثة بن لَوْذان بنِ عبد وَدِّ بن زيد بن ثعلبة بن الخَزْرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج - قال ابن هشام: ويقال: ابن خنيش. النقباء من الأوس : ومن الأوس أُسَيْد بن حُضَير بن سِمَاكِ بن عَتِيك بن رَافِع بن امرىء القيس بن زَيْد بن عبد الأشهل [بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة، وسعد بن خَيْئَمة بن الحارث بن مالك بن كَعْب بن النَّحَّاط بن كَعْب بن حارثة بن غَنْم بن السَّلَم بن امْرِىء القيس [بن ثعلبة بن عمرو بن عوف] بن مالك بن الأوس [بن حارثة] ورِفَاعَةُ بن عبد المُنْذِر بن زبير بن زيد بن أَمَيَّة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. شعر كعب بن مالك عن النقباء: قال ابن هشام: وأهل العلم يعدّون فيهم أبا الهيثم بن التَِّّهان، ولا يعدّون رفاعة. وقال كعب بن مالك يذكرهم، فيما أنشدني أبو زيد الأنصاري: أبلغ أُبَيًّا أنَّه قال رأيهُ أبى الله ما مَنَّتك نفسُك إنَّه وأبلغ أبا سُفيان أنْ قد بدا لنا فلا تَرْغَبَن في حَشْد أمرٍ تُريده ودُونَك فاعلم أنَّ نقضَ عهُودِنا أباه البَرَاءُ وابنُ عمْرٍو كلاهما وَسَعْد أباه السَّاعديُّ ومُنْذِرٌ وما ابنُ رَبيع إن تناولت عهدَه وأيضًا فلا يُعْطِيكه ابنُ رَوَاحَة وفاء بهِ والقَوْقَلِيّ بنُ صامت أبو هيثم أيضًا وفِيٍّ بمثلها وما ابن حُضَير إن أردت بمَطْمع وحان غداة الشّعب والحينُ واقعٌ بمرصاد أمرِ النَّاسِ راءٍ وسامعُ بأحمدَ نورٌ من هُدَى الله ساطِعِ وألْب وجَمْعْ كُلَّ ما أنت جامع أباه عليك الرَّخْطُ حين تبايعوا وأسعدُ يأباه عليك ورَافِع لأنفِك إن حاولت ذلك جادع بمُسْلِمِه لا يطمعنْ ثَمَّ طامع وإِخْفَارُه مِنْ دُونه السمُّ ناقع بمَندُوحةٍ عما تحاول يافع وفاءً بِمَا أعطَى من العهد خانِع فهل أنت عن أُخْمُوقةِ الغَيّ نازع ورُوِيَ عن الزُّهْرِي أنه قال: قال النبيّ عليه السلام للأوس والخزرج حين قدم عليهم النقباءُ: ((لا يغضبَنَّ أحدكم فإني أفعل ما أومر))، وجبريلُ عليه السلام إلى جنبه ٢٧٠ ضَرُوحٌ لما حاولتَ مِ الأَمْرِ مانع وسَعْدٌ أخو عَمْرٍو بن عَوْف فإنه أُولاكَ نجومٌ لا يُغبُّك منهُمُ عليك بنَخسٍ في دُجَى الليل طالِع فذكر كَغْب فيهم أبا الهيْثَمِ بن التَّيهان، ولم يذكر رفاعة. قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر: أنّ رسول اللّهِ وَّ قال للنُّقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كُفَلاء، كَكَفالة الحواريِّين لعيسى ابن مَزيم، وأنا كَفيل على قَوْمي - يعني المسلمين - قالوا: نعم. ما قاله العباس بن عبادة للخزرج قبل المبايعة: قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصمُ بن عمرو بن قَتَادة: أن القوم لمَّا اجتمعوا لبَيْعة رسولِ الله - رَ﴿ - قال العبَّاس بن عُبادة بن نَضْلة الأنصاريّ، أخو بني سالم بن عَوْف: يا معشر الخزرج، هل تدرُون علامَ تُبايعون هذا الرجلَ؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تُبايعونه على حَزْب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم تَرَوْن أنكم إذا نُهِكَتْ أموالُكم مُصِيبة، وأشرافُكم قتلاً أسْلَمتموه، فمن الآن، فهو والله - إن فعلتم خِزْيُ الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترَوْن أنكم وافُون له بما دَعَوْتُموه إليه على ثَهْكَةِ الأموال، وقَتْل الأشراف، فخُذُوه، فهو والله خَيْرُ الدنيا والآخرة، قالوا: فإنَّا نأخذه على مُصيبة الأموال، وقَتْل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفَّينا؟ قال: ((الجنَّة)). قالوا: أبسط يدَك، فَبَسط يدَه فبايعوه. وأما عاصم بن عُمر بن قَتَادَة فقال: والله ما قال ذلك العبَّاس إلا ليَشُد العَقْدَ لرسول الله وَلي في أعناقهم. وأما عبدُ الله بن أبي بكر فقال: ما قال ذلك العبَّس إلا ليؤخّر القوم تلك الليلة، رجاء أن يحضرها عبد الله بن أُبَيِّ ابن سَلُولٍ، فيكون أقوى لأمر القوم. فالله أعلم أيّ ذلك كان. قال ابن هشام: سَلُول: امرأة من خُزاعة، وهي أُم أُبَيّ بن مالك بن الحارث. يشير إليهم واحدًا بعد واحد، ورُوِيّ في المُعَيْطِيِّ عن مالك بن أنس أنه روى حديث النقباء عن شيخ من الأنصار، قال مالك: وكنت أعجب كيف جاء هذا رجلان من قبيلة، ورجل من أخرى حتى حُدِّثت بهذا الحديث، وأن جبرِيلَ هو الذي ولأَهم، وأشار عن النبيّ - وَلّة - بهم. ٢٧١ أول صحابي ضرب على يد الرسول في بيعة العقبة الثانية: قال ابن إسحاق: فبنُو النجَّار يزعمون أن أبا أمامة، أسعد بن زرارة كان أوّلَ من ضرب على يَده، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهَيْئم بن التَّيهان. قال ابن إسحاق: قال الزهري: حدّثني معبد بن كعب بن مالك، فحدّثني في حديثه، عن أخيه عبد الله بن كَعْب، عن أبيه كَعْب بن مالك، قال: كان أوّل من ضَرب على يد رسولِ اللهِ وَّرَ البَرَاءُ بنُ مَعْرور، ثم بايع بعدُ القومُ. الشيطان وبيعة العقبة فلمَّا بايعنا رسول الله وَلَو صرخ الشيطان من رأس العَقَبة بأنفذ صوت سمعتُه قطُ: (يا أهل الجَبَاجِبِ)) - والجَبَاجِبُ: المنازل - هل لكم في مُذَمَّم والصُّباة معه، قد اجتمعوا على حَرْبكم. قال: فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((هذا أَزَبُّ العَقبة، هذا ابن أزْبَب)) - قال ابن هشام: ويقال ابن أَزْيَب استمع أي عدوّ الله، أما والله لأفرغنّ لك(١). تفسیر بعض ما وقع في وجدته وذكر أن الشيطانَ صَرَخَ من رأس العَقَبة بأَنْفذ صوت. قال الشيخ أبو بحر: هكذا وقع في الأمهات، وأصلحناه عن القاضي أبي الوليد: بأبعد، قال المؤلف: ولا معنى لهذا الإصلاح، لأن وصف الصوتِ بالنفاذٍ صحيحٌ هو أفصح من وصفه بالبعد، وقد مضى في حديث عُمَر مع الكاهن، قال: لقد سمعت من صوت العجل صوتًا ما سمعت أنفذَ منه، وفي الصحيح: أن الله تعالى يَخْشُر الخلقَ يوم القيامة في صَرْدَح (٢) واحد، فَيَنْفُذُهم البصرُ ويسمعهم الداعي. وكذلك وجدته في رواية يونس بن بكير عن ابن إسحق: بأنفذ صوت كما كان في الأصل. وقوله: ((يا أهْلَ الجَبَاجِبِ))(٣)، يعني: منازلَ مِنَّى، وأصله: أن الأوعية من الأَدَم (١) أخرجه أحمد (٤٩٠/٣) وأبو داود الطيالسي (٩٣/٢) من طريق المصنف - به. وأورده الهيثمي في المجمع (٤٢/٦) ونسبه لأحمد والطبراني وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحق وقد صرّح بالسّماع. (٢) الصردح: الأرض المستوية. والصردحة: الصحراء التي لا تنبت، وهي غلظ في الأرض مستوٍ. اللسان (٢/ ٥١٢). (٣) الجباجب: جمع جبجب بالضم وهو المستوي من الأرض ليس بحزن وهي هلهنا أسماء منازل بمِنى سُمِيت به لأن كروش الأضاحي تُلقى فيها أيام الحج السابق (٢٥٣/١). ٢٧٢ الرسول لا يستجيب لطلب الحرب من الأنصار: قال: ثم قال رسول الله وَ له: ((ارفضُّوا إلى رِحالِكم)). قال: فقال له العبَّاسُ بن عُبادة بن نَضْلة: والله الذي بعثك بالحقّ إن شئتَ لنميلنّ على أهل مِنى غدًا بأسْيافنا؟ قال: فقال رسول الله وَله: ((لم نُؤْمَر بذلك، ولكن ارجعُوا إلى رحالكم)). قال: فرَجعنا إلى مَضاجعنا، فنِمْنا عليها حتى أصبحنا. كالزَّبِيل ونحوه يسمى: جَبْجَبَة، فجعل الخيام والمنازل لأهلها كالأوعية، وقوله عليه السلام حين صرخ إبليس: ((يا أهل الجَبَاجِبِ، هذا أَزَبُّ العَقَبةِ، هذا ابن أَزْيَب)). قال ابن هشام: ويقال: ابن أَزْبَب كذا تقيد في هذا الموضع أَزَبُّ العقَبةِ وقال ابن ماكولا: أُم كُرْز بنت الأَزَبِّ بن عمرو بن بَكِيل من هَمْدَان جدة العباس، أُم أمه: سيلة، وقال: لا يعرف الْأَزَبُّ في الأسماء إلا هذا، وَأَزَبُّ العَقَبَةِ، وهو اسم شيطان، ووقع في هذه النسخة في غَزْوَة أُحُدٍ إِزْبُ العَقَبَةِ بكسر الهمزة وسكون الزاي، وفي حديث ابن الزبير ما يشهد له حين رأى رجلاً طوله شِبْرَانِ على بَرْدَعَةِ رَخلهِ [فأخذ السوط فأتاه]، فقال: ((ما أنت))؟ فقال: أَزَبُّ، قال: ((وما أزَبُّ)»؟ قال: رجل من الجن؛ فضربه على رأسِه بعود السوط، حتى باص، أي هَرَبَ، وقال يعقوب في الألفاظ: الأزَبُّ: القصير. وحديث ابن الزبير ذكره العشبِيُّ في الغريب، فالله أعلم أي اللفظين أصح؟ وابن أزيب في رواية ابن هشام يجوز أن يكون فَعْيَلاً من الأزْب(١) أيضًا، والأَزْيَبُ: البخيل، وأزْيَبُ: اسم ريح من الرياح الأربع، والأَزْيَبُ الفزَع أيضًا، والأَزْيَب: الرجل المتقارب المشي، وهو على وزن أفْعَل، قاله صاحب العين: ويحتمل أن يكون ابن أزْيَب من هذا أيضًا، وأما البخيل فأزْيَبُ على وزنَ فغيَل لأن يعقوبَ حكى في الألفاظ: امرأة أزْبَيَة ولو كان عن وزن أفْعَل في المذكر لقيل في المؤنث زَيبًا إلا أن فَعْيَلاً في أبنية الأسماء عزيز، وقد قالوا في ضَهْياء: وهي التي لا تحيض من النساء، فعلى جعلوا الهمزة زائدة وهي عندي فَعْيَل لأن الهمزة في قراءة عاصم لام الفعل في قوله تعالى: ﴿يُضَاهُون﴾ والضَّهْيأ من هذا لأنها تُضَاهِي الرجل أي: تُشْبِهه ويقال فيه: ضَهْيَاءُ بالمد، فلا إشكالَ فيها أنها للتأنيث على لغة من قال ضَاهَيْت بالياء، وقد يجوز أن يكون أزْيَب وأَزْيَبَة مثل أَزْمَل وأَرْمَلَة فلا يكون فَعْيَلاً. وروى أبو الأشهب عن الحسن قال: لما بويع لرسول الله - وَل ـ بِمِنّ صرخ الشيطان، فقال رسولُ الله - وَّهِ -: ((هذا أبو لُبَيْنَى(٢) قد أَنْذَرَ بكم، فَتَفَرَّقوا)). (١) أزب: اللئيم، الدقيق المفاصل، والإزب من الرجال: القصير الغليظ. والإزب: القصير الدميم. اللسان (٢١٢/١ - ٢١٣). (٢) لُبَينى: تصغير لبنى، أو كما هو ((لبينى)) قيل: اسم ابنة إبليس عليه اللعنة. ٢٧٣ الروض الأنف/ ج ٢/ م ١٨ مجادلة جُلّة قريش للأنصار في شأن البيعة فلما أصبحنا غدت علينا جِلَّة قُرَيش، حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخَزْرِج، إنه قد بَلَغنا أنكم قد جِئْتم إلى صاحبنا هذا تَسْتَخْرِجُونه من بين أَظْهُرِنا، وتُبايعونه على حَرْبنا، وإنه والله ما مِن حَيٍّ من العرب أبْغَضُ إلينا، أن تَنشَب الحربُ بيننا وبينهم، منكم. قال: فانبعث مَنْ هناك مِنْ مُشْركي قَوْمنا يَخلفون بالله ما كان مِن هذا شيءٌ، وما عَلِمْناه. قال: وقد صدَقوا، لم يَعْلَموه. قال: وبعضُنا ينظُر إلى بعض. قال: ثم قام القومُ، وفيهم الحارث بنُ هشام بن المُغيرة المُخْزوميّ، وعليه نَعلان له جَديدان. قال: فقلتُ له كلمةً - كأني أريد أن أشْرَكَ القومَ بها فيما قالوا -: يا أبا جابر، أمّا تستطيع أن تَنَّخذ، وأنت سيِّد من ساداتنا، مثلَ نَعْلَيْ هذا الفتى من قُريش؟ قال: فسَمِعها الحارث، فخَلَعهما من رِجْليه ثم رمى بهما إليّ، وقال: والله لتْتَعلَنَّهما. قال: يقول: أبو جابر: مَه، أحْفَظتَ والله الفَتى، فاردُد إليه نَعْلَيه. قال: قلت: لا والله لا أردّهما، فألّ والله صالح، لئن صدق الفأل لأَسْلُبَنَّه. قال ابن إسحاق: وحدّثنا عبد الله بن أبي بكر: أنهم أَتَوَا عبدَ الله بن أُبيّ ابن سَلُول، فقالوا له مثل ما قال كعب من القول، فقال لهم: إنَّ هذا الأمر جَسيم، ما كان قومي ليتفوَّتوا عليّ بمثل هذا، وما علمته كان. قال: فانصرفوا عنه . تذکیر فعيل وتأنيثها فصل: وذكر الحارثَ بن هشام حين رمى بنعليه إلى جابر: قال: وكان عليه نَعْلاَن جديدان، والنعل: مؤنثة، ولكن لا يقال: جَدِيدَةٌ في الفصيح من الكلام، وإنما يُقال: مِلْحَفَةٌ جديد لأنها في معنى مَجْدُودَة أي: مقطوعة، فهي من باب كَفَّ خضِيب، وامرأة قَتِيل، قال سيبويه: ومن قال جَدِيدة، فإنما أراد معنى حديثَة، أراد سيبويه أن حديثةً، بمعنى حادثة وكل فعيل بمعنى فاعِل يدخله التاء في المؤنث(١). (١) انظر إصلاح المنطق لأبي يوسف يعقوب بن السكّيت (ص ٢٨٩). ٢٧٤ قريش تطلب الأنصار وتأسر سعد بن عبادة قال: ونَفَر الناسُ من مِنَىّ، فَتَنَطَّس القومُ الخَبَر، فوجدوه قد كان، وخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سَعْد بن عُبادة بأذَاخِر، والمُنْذِرَ بن عمرو، أخا بني ساعدة بن كَعْب بن الخَزْرج، وكلاهما كان نقيبًا. فأما المُنْذِرُ فأعْجَز القومَ، وأما سَعْد فأخَذُوه، فرَبطوا يَدَيْهِ إلى عُنقه بنِسْعِ رَخْله، ثم أقْبَلوا به حتى أدخلوه مكّة يَضْرِبونه، ويَجْذِبونه، بجُمَّتِهِ، وكان ذا شَعْرٍ كَثِير. خلاص سعد بن عبادة قال سعد: فوالله إني لفي أيديهم إذ طَلع عليّ نَفرٌ من قُرَيش، فيهم رَجُلٌ وَضِيء أبيضُ، شَغْشَاع، حلو من الرجال قال ابن هشام: الطويل الحسن قال رؤبة: يَمْطُوه من شَعْشَاعِ غيرِ مُودَن. يعني عنق البعير غير قصير يقول: مودن اليد أي: ناقص اليد يمطوه من السير شعشاع: حلو من الرجال. قال: قلت في نفسي: إن يكُ عند أحدٍ من القوم خير، فعند هذا، قال: فلما دنا مني رفع يدَه فلَكَمني لَكْمةً شديدة. قال: قلت في نفسي: لا والله ما عندهم بعد هذا من خَيْر. قال: فوالله إني لفي أيديهم يَسْحبونني إذ أوَى لِي رَجُلٌ مِمَّنْ كان معهم، فقال: وَيْحَك! أما بينك وبين أحد من قُرَيش جوار ولا عَهْد؟ قال: قلت: بلى، والله لقد كنت أُجِير لجُبير بن مُطْعِم بن عديّ بن نَوْفَل بن عبد مناف تجارة، وأمنعهم ممن أراد ظُلْمَهُم ببلادي، وللحارث بن حَرْب بن أَميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف، قال: ويحك! فاهتِف باسم الرّجلين، واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلتُ، وخرج ذلك الرجلُ إليهما، فوجدَهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلاً من الخَزْرِج الآن يُضْرَب بالأبطَح لَيَهْتِف بكما، ويذكر أن بينه وبينكما جوارًا، قالا: مَنْ هو؟ قال: سعد بن عُبادة. قالا: صدق والله، إن كان لَيُجير لنا تِجارَنا، ويَمْنعهم أن يُظلَموا ببلده: قال: فجاءا فخَلَّصا سعدًا من أيديهم، فانطلق. وكان الذي لَكَمَ سعدًا، سُهَيْلُ بن عمرو، أخو بني عامر بن لُؤَيّ. من ألقاب الطويل وذكر قول سعد حين أسرته قريش: فأتاني رجل وضيءٍ شَغْشَاعٌ. والشَّغْشَعُ والشَّغْشَعَانِيُّ والشَّعْشَعَانُ: الطويل من الرجال، وكذلك السَّلْهَبُ والصَّعْقَبُ والشَّوْقَب و [الشّرْعَبُ] والشَّرْجَبُ والخِبُقُّ والشّؤْذَبُ الطويل مع رقة في أسماء كثيرة. ٢٧٥ قال ابن هشام: وكان الرجلُ الذي أوَى إليه، أبا البَخْتِرَيِّ بن هشام. قال ابن إسحاق: وكان أوَّل شعر قيل في الهجرة بيتَيْن، قالهما ضِرَارُ بن الخطّاب بن مِزْداس، أخو بني محارب بن فهر: وكان شِفَاءً لو تداركتَ مُنْذِرا تداركتَ سَعداً عَنْوَةً فأخَذْتَه وكانت حَرِيًّا أن يُهانَ ويُهْدَرا ولو نِلْتُه ◌ُلَّت هناك جِراحُه قال ابن هشام: ویُروی: وكان حقيقًا أن يُهانَ ویُهْدَرا قال ابن إسحق: فأجابه حَسَّان بن ثابت فيهما فقال: إذا ما مَطايا القوم أصْبَخن ضُمَّرًا لستَ إلى سَعْدٍ ولا المرء مُنذِرٍ معاني الكلمات: وقوله: أوى إليه رجل أي رقّ له، يقال: أَوَى إِيّه [وأَوْيَةً] مَأْوِيَة . وقوله فَتَنطَّس القومُ الخبرَ أي: أكثروا البحثَ عنه، والنَّنَطُسُ، تدقيق النظر. قال الراجز: [رؤبة بن العَجَّاج] طِبًا بأدواء النَّسَانَطْيسا وقد أكون عندها نِقْرِيسًا وذكر قول ضِرار بن الخطاب: وكان شِفَاءً وتداركتَ مُنْذِرَا وضرار بن الخطاب: وضِرارٌ كان شاعرَ قُريش وفارسَها، ولم يكن في قريش أشعرُ منه، [عبد الله] ثم ابن الزِّبَعْرَى بن قيس بن عدي، وكان جدُّه مِزْدَاسُ رئيسَ بني مُحَارِب بن فِهْر في الجاهلية يسير فيهم بالمِرْبَاعِ، وهو رُبْعُ الغَنِيمة، وكان أبوه أيام الفِجَار رئيسَ بني مُحاربٍ بن فِهْر أسلَم ضِرار عام الفتح. حول قصيدة حسان: وذکر قول حسان يجيبه: إِذَ ما مَطَايَا القَوْمِ أَصْبَحْنَ ضُمِّرا لستَ إلى عَمْرٍو ولا المرءِ مُنذِرٍ ٢٧٦ فلولا أبو وَهْبٍ لَمَرَّت قصائدٌ أَتَفخُرُ بِالكَثَّانِ لَمَّا لَبِسْتَه فَلا تَكُ كالوسنان يَحلمُ أنَّه ولا تك كالشكْلَى وكانت بمعزل وَلا تَكُ كالشّاةِ التي كان حَتْفها ٠ على شَرَف البَرْقاءِ يَهْوِينَ حُسَّرا وقد تلْبَس الأنباطُ رَيْطا مُقَصَّرا بِقَرْيَة كِسْزَى أو بِقَرْيَة قَيْصَر عن الشُّكْل لو كان الفُؤَادَ تَفَكَّرا بِحَفَر ذِرَاعَيْها فلم تَرْضَ مُخْفَرا ولم يخْشَه سَهْمًا من النّبْل مُضْمَرا وَلا تكُ كالعاوِي فأقبّل نخرَه فإنّا وَمَنْ يُهْدِي القَصائد نخونا كمُسْتَبُضَعِ تمْرًا إلى أهل خَيْبرا يعني بعمرو عَمْرو بن خُنَيْسٍ والد المنذِر. يقول: لستَ إليه ولا إلى ابنه المنذِر أي: أنت أقل من ذلك، والمنذر بن عمرو هذا يقال له: أَعْنَق ليَمُوتَ، هو أحد النقباء كما ذكر ابن إسحق، وذكر ابن إسحق في المواخاة أن رسول الله - وَ *م ـ آخى بينه، وبين أبي ذَرِ الغِفَارِي، وأنكر ذلك الواقدي محمدُ بن عمر، وقال: إنما أَخى بينه وبين طُلَيْب بن عَمْرو. قال: وكيف يواخي بينه وبين أبي ذَرِّ، والمواخاة كانت قبل بدر، وأبو ذر كان إذ ذاك غائبًا عن المدينة، ولم يقدم إلا بعد بدر، وقد قطعت بدر المواخاةَ ونسخها قولُه سبحانه: ﴿وأولو الْأَرْحَام بعضُهم أَوْلَى بِبَعْضٍ في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾ [الأنفال: ٧٥] وللمنذر بن عَمْرو حديثٌ واحد عن رسول الله - وَلـ ـــ ليس له غيره، يرويه عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده عن المنذر أن رسول الله وَ ﴿ سجد عن السهو قبل التسليم، وعبد المهيمن ضعيفٌ. وقول حسان: بِحَفْرٍ ذراعيها، لم ترض محفرا ولا تَكُ كالشاة التي كان حَتْفُها تقوله العرب في مثل قديم فيمن أثار على نفسه شرًا كالباحث عن المُذية(١) وأنشد أبو عثمان [الجاحظ] عمرو بن بحر. [لِلْفَرَزْدَق]: فأصبح يَبغي نفسَه مَنْ يُجيرُها و کان يُجیر الناس من سَيْفِ مالكٍ إلى مُذيةٍ تحت التراب تُثِيرُها وكان كَعَنْزِ السُّوءِ قامت بِظْلِفها (١) انظر ((الحيوان)) للجاحظ (٣٤٥/١) والبيان والتبيين له أيضًا، (١٥٩/٣). ٢٧٧ قصة صنم عمرو بن الجموح فلما قَدِموا المَدينة أظهروا الإسلامَ بها، وفي قومهم بقايا من شُيوخ لهم على دينهم من الشّرك، منهم عَمْرو بنِ الجَمُوح بن زَيْد بن حَرام بن كعب بن غَثْم بن كعب بن سلمة، وكان ابنه مُعاذ بن عمرو شَهِدَ العقبة، وبايع رسول الله وَّر بها، وكان عمرو بن الجَمُوح سيدًا من سادات بني سَلمة، وشريفًا من أشرافهم، وكان قد اتخذ في داره صَنَمًا من خَشَب، يقال له: مَنَاة، كما كانت الأشراف يصنعون، تتخذه إلهًا تعظّمه وتُطَهِّره، فلمَّا أسلم فِتْيان بَنِي سَلَمة: مُعاذ بن جبل وابنه مُعاذ بن عمرو، في فتيان منهم ممَّن أسلم وشَهِد العقبة، كانوا يُذْلجون بالليل على صنم عَمْرو ذلك، فيخملونه فيَطْرحونه في بعض حُفَر بني سَلَمة، وفيها عِذَر الناس، مُتَكَّسًا على رأسه، فإذا أصبح عمرو، قال: ويلكم! مَن عَدا على آلهتنا هذه الليلة؟ قال: ثم يغدو يَلْتمسه، حتى إذا وجدَه غسلَه وطَهَّره وطَيِّبَه، ثم قال: أما والله لو أعلم مَنْ فعل هذا بكَ لأَخْزِيَنَّهُ. فإذا أمسى ونام عمرو، عَدَوْوا عليه، ففعلوا به مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى، فيَغْسله ويطهّره ويُطيِّبه، ثم يغدون عليه إذا أمسى، فيفعلون به مثلَ ذلك. فلما أكثروا عليه، استخرجه من حيث ألْقَوْه يومًا، فغسلوه وطهَّره وطيَّبه، ثم جاء بسيفه فعلَّقه عليه، ثم قال: إني والله ما أعلم مَنْ يصنع بك ما ترى، فإن كان فيك خيرٌ فامتنع، فهذا السيفُ معك. فلما أمسى ونام عمرو، غَدَوْا عليه، فأخذوا السيفَ من عنقه، ثم أخذوا كَلْبًا ميتًا فقَرنُوه به بحبل، ثم ألْقَوْه في بئر من آبار سلمة، فيها عِذَرٌ من عِذَر الناس، ثم غدا عمرو بن الجموح فلم يَجِذه في مكانه الذي کان به. إسلام عمرو بن الجموح فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر مُنَّكَّسًا مَقْرُونًا بكلب ميت، فلما رآه وأبصر شأنه، وكلّمه مَنْ أسْلَم من قومه، فأسلم برَحمة الله، وحَسُن إسلامُه. فقال حين أسلم، إسلام عمرو بن الجموح وصنمه (١) فصل: في إسْلام عمرو بن الجَمُوح، وذكر صنَمه الذي كان يعبده، واسمه مَنّة، وزنه فَعْلَة من منيت الدم وغيره: إذا صَبَيْته، لأن الدماءَ كانت تُمنَى عنده تَقَرَّبًا إليه، ومنه سُمِّيَتْ (١) انظر ترجمته في الثقات (٢٧٦/٣) تاريخ الإصابة (٩١٢) الإصابة (٥٢٩/٢) الاستيعاب (١١٦٨/٣). ٢٧٨ وعرَف من الله ما عرَف، وهو يذكر صَنمه ذلك وما أبصر من أمره، ويشكُر الله تعالى الذي أنقذه ممَّا كان فيه من العمَى والضلالة: أنت وكلبٌ وَسْطِ بئرٍ في قَرَنَ والله لو كنْتَ إلها لم تَكُنْ الآنَ فَتَّشْناك عن سُوء الغَبَنْ أفٌّ لمَلْقاك إلها مُسْتَدَنْ الواهبِ الرَّزَّاق ديَّان الدّيَنْ الحَمْدُ لِلَّهِ العَلِيّ ذي المِئَنْ أكونَ في ظُلْمَة قبرٍ مُرْتَهنْ هو الذي أنقذني من قبل أن بأحمدَ المهدي النبيِّ المُرْتهنْ الأصنامُ الدُّمَى، وفي الحديث: لا والدُّمَى لا أرى بما تقول بأسًا، وكذلك مَنَاةُ الطاغية التي كانوا يُهلُون إليها بقُدَيْد والحَظُّ من هذا المطلع ما في قوله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ النجم، من الفائدة جعلها ثالثة للأَتَ والعُزَّى، وأخرى بالإضافة إلى مناة التي كان يعبدها عَمْرُو بن الجَمُوح وغيره من قومه، فهما مَنَاتَان، وإحداهما عن الأخرى بالإضافة إلى صاحبتها . وقوله : الآن فَتَّشْنَاك عن سُوء الغَبَنْ الغبن في الرأي يقال: غَيِن رَأْيَه كما يقال: سَفِهْ نَفْسِه، فنصبوا، لأن المعنى: خَسِر نَفْسَه، وأوْبَقَها وأفسَد رأيه ونحو هذا. وقوله: إللْهَا مُسْتَدَنْ من السَّدَانة، وهي خدمة البيت وتعظيمه. وقوله: دَيَّان الدِّيَن: الدِّيَنُ جمع دِينة، وهي العادة، ويقال لها دِينٌ أيضًا، وقال ابنُ الطّثَرِيَّة، واسمه یزید: له عند لَيْلَى دِينَةٌ يَسْتِدينُها أری سَبْعَةً يَسْعَوْن للوصل كُلهم فما صَار لي في القَسْم إلا ثنينها فألْقِيْتُ سَهْمي بَيْنهم حين أوْخَشُوا ويجوز أن يكون أراد بالدِّين: الأديان أي هو دَيَّان أهِل الأَذْيان، ولكن جمعها علَى الدِّيَن، لأنها مِلَلٌ ونِحَل، كما قالوا في جمع: الحُرَّة: حرائر، لأنهن في معنى الكَرَائم والعقائل، وكذلك مَرائر الشجر، وإن كانت الواحدة مُرَّة، ولكنها في معنى فعيلة، لأنها عَسِيرة في الذَّوْق، وشديدة على الآكل، وكريهة إليه. ٢٧٩ شروط البيعة في العقبة الأخيرة: قال ابن إسحاق: وكان في بيعة الحرّب، حين أذِن الله لرسوله في القتال شروطًا سوى شَرْطه عليهم في العقبة الأولى، كانت الأولى على بَيْعة النّساء، وذلك أن الله تعالى لم يكن أذِن لرَسوله* في الحرب، فلما أذِن الله له فيها، وبايَعهم رسولُ اللهِّهِ في العقبة الأخيرة على حرب الأحمر والأسود، أخذ لنفسه واشترط على القوم لربّه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنَّة. قال ابن إسحاق: فحدّثني عُبادة بن الوليد بن عُبادة بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن جدّه عبادة بن الصامت، وكان أحدَ النقباء، قال: بايعنا رسول الله وَالر بيعةَ الحرب - وكان عُبادة من الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى على بَيْعة النساء - على السَّمْع والطاعة، في عُسْرنا ويُسْرنا ومُنْشَطِنا ومُكرَهنا، وأثَرَةٍ علينا، وأن لا ننازع الأمرَ أهلَه، وأن نقول بالحقّ أينما كُنا، لا نخاف في الله لومة لائم. أسماء من شهد العقبة قال ابن إسحاق: وهذه تسمية من شَهِد العقبة، وبايع رسولَ الله وَلَيهِ بها من الأوس والخزرج، وكانوا ثلاثةً وسَبْعين رجلاً وامرأتين. شهدها من الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ثم من بني عبد الأشهل بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس أَسَيْد بن حُضَير بن سِماك بن عَتِيك بن رافع بن امرىء القيس بن زيد بن عَبْد الأشهل، نقيب لم يشهد بدرًا. وأبو الهيثم بن التَّيِّهان، واسمه مالك، شهد بدرًا. وسَلَمة بن سلامة بن وَقْش بن زُغْبَة بن زعوراء بن عبد الأشهل، شهد بدرًا، ثلاثة نفر. قال ابن هشام: ويقال: ابن زعوراء بفتح العين. قال ابن إسحاق: ومن بني حارثة بن الحارث بن الخَزْرج بن عمرو بن مالك بن الأوس: ظُهَيْر بن رافع بن عَدِيّ بن زيد بن جُشَم بن حارثة، وأبو بُرْدة بن نِيار، واسمه هانىء بن نِيَارٍ بن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دُهْمان بن غَنْم بن ذُبیان بن هُمیم بن تفسير بعض الأنساب فصل: وذكر ابن إسحق تسمية من حَضَر العَقَبة، وذكر أنسابَهم إلا أبا الهَيثَم بن التَّيهان، وقد ذكرنا اسمه واسم أبيه، وما قيل في نسبه في ذكر العقَبة الأولى. ٢٨٠