النص المفهرس

صفحات 241-260

عرض على العرب في المواسم
قال ابن إسحاق: فكان رسولُ اللهِ وَلَّ على ذلك من أمره، كلما اجتمع له الناسُ
بالمَوسم أتاهم يدعو القَبائلَ إلى الله وإلى الإسلام، ويَعْرض عليهم نفسَه، وما جاء به من
الله من الهُدى والرحمة، وهو لا يسمع بقادم يقدَم مكةَ من العرب له اسمٌ وشرف، إلا
تصدّى له، فدعاه إلى الله، وعَرَض عليه ما عنده.
حدیث سويد بن صامت
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عُمر بن قتادة الأنصاريّ، ثم الظّفريّ عن
أشياخ من قومه(١)، قالوا:
قَدم سُويد بن صامت، أخو بني عمرو بن عَوْف، مكةَ حاجًّا أو مُعتمرًا،
وإن دين الله لن ينصره إلا من حَاطَه من جميع جوانبه أَرَأَيْتُم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى
يورثكم الله أرضَهم وأموالَهم ويفرشكم نساءهم، أَتْسَبُحون الله وتُقَدِّسونه))، فقال النعمان بن
شَرِيك: اللهم لك ذا، فتلا رسولُ الله - وَّهِ: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا ومُبَشْرًا ونذيرًا وداعيًا إلى
الله بإذنه وسِرَاجًا منيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ثم نهض النبي - وَليزر - فأخذ بيدي، فقال: ((يا أبا
بكر يا أبا حسن أية أخلاق في الجاهلية، ما أشرفَها بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض،
وبها يتحاجزون فيما بينهم)) قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخَزْرَج، فما نهضنا حتى
بايعوا النبيَّ ◌ََّ، وكانوا صُدَقاءَ صُبَراءَ، وروى في حديثٍ مُسْنَدٍ إلَى طارق، قال: رأيت
رسول الله ◌َ* مرتين: رأيته بسوقٍ ذي المَجَازِ يعرض نفسه على القبائل، يقول: ((يا أيها
الناسُ قولوا: لا إِلَّه إلا الله تُفْلِحوا))، وخَلْفَه رجلٌ له غديرتان يَرْجْمه بالحجارة، حتى أدْمَى
كَعْبيه، يقول: يا أيها الناسُ لا تسمعوا منه، فإنه كذّاب، فسألت عنه، فقيل: هو غلام
عبد المطلب، قلت: ومن الرجل يرجمه؟ فقيل لي: هو عمه عَبْدُ العُزَّى أبو لهب(٢)، وذكر
الحديثَ بطوله. خَرَّجه الدَّارَقُطْنِي، ووقع أيضًا في السيرة من رواية يونس.
حديث سويد بن صامت
فصل: ذكر حديث سُوَيد بن صامت وشعره.
(١) مجاهيل.
(٢) أخرجه أحمد (٤٩٢/٣) والدار قطني (٤٥/٣) بتحقيقي والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٨٠) والطبراني في
الكبير (٥٦/٥) والبيهقي في الكبرى (٧٦/١).
الروض الأنف/ ج ٢/ م ١٦
٢٤١

وكان سُوَيد إنما يسمَّيه قومُه فيهم: الكاملَ، لجَلَده وشعره وشَرفه ونَسبه، وهو الذي
يقول :
مقالَته بالغَيبِ ساءَكُ ما يَفْرِي
ألا رُبَّ مَن تدعو صَديقًا وَلَو تَرى
وبالغَيْب مأثورٌ على ثُغْرة النحر
مقالَتُه كالشَّهْد ما كان شاهدًا
نميمةُ غشْ تَبْتَرِي عَقَبَ الظَّهْرِ
يَسُرُّك باديه وتحت أديمِه
من الغِلُ والبَغْضَاء بالنظَر الشزر
تُبين لك العَيْنان ما هو كاتمٌ
وخيرُ الموالي من يَرشي ولا يَيْري
فَرِشْني بخيرٍ طالما قد بَرَيْتَنِي
وهو الذي يقول: ونافر رجلاً من بني سُلَيم، ثم أحد بني زَعْبٍ بن مالك مائة ناقة،
إلى كاهنة من كُهَّان العرب، فقضتْ له. فانصرف عنها هو والسُّلميّ ليس معهما غيرهما،
فلما فرّقت بينهما الطريقُ، قال: مالي، يا أخا بني سُلَيم قال: أبعثُ إليك به؛ قال: فمَن لي
بذلك إذا فُتَّني به؟ قال: أنا، قال: كلا، والذي نفس سُوَيدٍ بيده، لا تفارقَنِي حتى أوَتى
وفي الشعر:
وبالغَيْبِ مأثورٌ على ثُغْرَةِ النَّخرِ
يعني السيفَ، ومأثورٌ: من الأَثَر وهو فرِئْدُ (١) السيف، ويقال فيه: أَثْر وإِثْر. قال
الشاعر(٢):
جلاها الصَّيْعَلُونِ فَأَخْلِصُوها
خِفَاقًا كُلُّها يَثْقِي بأثْرٍ
أراد: يَتَّقِي، وسُوَيْد: هو: الكامل، وهو ابن الصَّلْتِ بن خَوْط بن حَبِيب بن
عَوْف بن عمرو بن عَوْف بن مالكِ بن الأَوْسِ وأمه لَيْلَى بنت عمرو النجارية أخت سَلْمَى
بنت عمرو [بن زيد بن لبيد بن خِداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار [تيْم الله بن
ثعلبة بن عمرو بن الخزرج] أُم عبد المطلب بن هاشم، فَسُوَيْدٌ هذا ابن خالة
عبد المطلب، وبنتُ سويد هي أمّ عاتِكَةَ أخت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل مرأة
عمر بن الخطاب، فهو جدُّها لأمّها واسم أمها: زينب، وقيل: جليسة بنت سُوَيد، هكذا
ذكره الزُبير بن أبي بكر.
(١) فرند السيف: جوهره.
(٢) هو: عيسى بن عمر الخفاف. كما في الأمالي للقالي (٧٣/٣).
٢٤٢

بمال، فاتَّخذا فضرب به الأرضَ، ثم أوثقه رباطًا ثم انطلق به إلى دار بني عمرو بن
عوف، فلم يزل عنده حتى بعثت إليه سُلَيم بالذي له، فقال في ذلك:
كَمَن کنتَ تُرْدی بالغیوب وتَخْتِلُ
لا تحسبَنِّ يابن زَعْبٍ بن مالِك
كذلك إنَّ الحازمَ المتحوّل
تحوّلت قِرْنا إذا صُرعتَ بعزّة
على كلّ حال خذّه هو أسفل
ضَرَبتُ به إنْط الشمّال فلم يَزّل
في أشعار كثيرة كان يقولها:
فتصدّى له رسولُ اللهَ وَّل حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، فقال له
سُوَيد: فلعلّ الذي معك مثلُ الذي معي، فقال له رسولُ الله - بَّر: ((وما الذي معك))؟
قال مَجَلَّة لقمان - يعني حكمة لقمان. فقال له رسولُ اللهِ وَلّ: ((اعرضها عليّ))، فعَرَضها
عليه، فقال له: ((إن هذا الكلامُ حَسَنٌ، والذي معي أفضلُ من هذا، قرآن أنزله الله تعالى
عليّ، هو هُدّى ونور.)) فتلا عليه رسولُ اللهِ وَرَ القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يَبْعُد
منه، وقال: إن هذا لقولٌ حسن. ثم انصرف عنه، فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن
قتلته الخَزْرِج، فإن كان رجالٌ من قومه ليقولون: إنَّا لنراه قد قُتل وهو مُسْلم. وكان قَتْله
قبل يوم بُعاث(١).
ذكر مجلة لقمان :
فصل: وذكرَ مَجلَّةٍ لُقْمان، وهي الصحيفة، وكأنها مفعلة من الجَلاَل والجَلاَلَة، أما
الجَلاَلَةُ فمن صفة المخلوق، والجلال من صفة الله تعالى، وقد أجاز بعضُهم أن يقال في
المخلوق جَلاَلٌ وجَلالَةٌ وأنشد (٢):
فَلَا ذَا جَلَالٍ هِبْنَه لِجَلاَّلَةٍ
ولا ذا ضَيَّاعِ هنَّ يتْرُكُنَ لِلْفَقْرِ
ولُقْمَانُ كان نوبيا من أهل أَيْلةَ وهو لقمان بن عَنْقَاء بن سرور فيما ذكروا وابنه الذي
ذُكِرَ في القرآن هو ثأران فيما ذكر الزَّجَّاج وغيره، وقد قيل في اسمه غير ذلك، وليس
بلقمان بن عاد الحِمْيَرِيِّ.
(١) انظر تاريخ الطبري (٥٥٧/١) الكامل (٦٠٩/١).
(٢) هو: هدية بن خشرم بن كرز. كما في أمالي القالي (٢٣/٢).
٢٤٣

إسلام إياس بن معاذ وقصة أبي الحيسر
قال ابن إسحاق: وحدّثني الحُصَين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مُعاذ عن
محمود بن لُبيد، قال: لما قَدِمِ أبو الحَيْسَر، أنسْ بن رافع، مكةً ومعه فِتْية من بني
عَبْد الأشْهل، فيهم إياس بن مُعاذ، يلتمسون الحِلْف من قريش على قومهم من الخزرج،
سَمِعَ بهم رسولُ الله - وَل ـ فأتاهم فجلس إليهم، فقال لهم: ((هل لكم في خير مما
جئتم له))؟ فقالوا له: وما ذاك؟ قال: ((أنا رسولُ الله بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن
يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليّ الكتاب.)) قال: ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا
عليهم القرآن. قال: فقال إياس بن مُعَاذ، وكان غلامًا حَدثًا: أي قوم، هذا والله خيرٌ مما
جئتم له. قال: فيأخذ أبو الحَيْسر، أنسُ بن رافع، حَفْنة من تراب البطحاء، فضرب بها
وجهَ إياس بن مُعَاذ، وقال: دَعْنا منك، فَلَعَمْري لقد جئنا لغير هذا. قال: فصمت
إياس، وقام رسولُ اللهِ وَ ﴿ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بُعَاث بين الأوس
والخزرج.
قال: ثم لم يلبث إياس بن مُعاذٍ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني مَن
حَضَره من قومه عند موته: أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلِّل الله تعالى ويكبِّره ويحمده
ويُسَبِّحه حتى مات، فما كانوا يشكّون أنّ قد مات مسلمًا، لقد كان استشعر الإسلام في
ذلك المجلس، حين سمع من رسول الله وَ لقول ما سمع.
ذكر قدوم أبي الحيسر(١)
فصل: وذكر قدوم أبي الحَيْسَرِ أنس بن رافع بن يطلب الْحِلف، وذلك بسبب الحرب
التي كانت بين الأوس والخَزْرج، وهي حرب بُعاث المذكورة، ولهم فيها أيام مشهورة هلك
فيها كثيرٌ من صَنَادِيدهم وأشرافهم، وبُعاث اسم أرضٍ بها عرفت.
-
(١) انظر الكامل (٦١٠/١).
٢٤٤

الرسول مع نفر من الخزرج عند العقبة
قال ابن إسحاق: فلما أراد الله عزّ وجلّ إظهارَ دينه، وإعزاز نبيِّه بََّ، وإنجاز
موعده له، خرج رسولُ الله ◌َ﴿، في المَوْسم الذي لقيه فيه النَّفرُ من الأنصار، فعرض
نفسَه على قبائل العرب، كما كان صنع في كلّ مَوْسم. فبينما هو عند العقبة لَقِي رهطًا
من الخزرج أراد الله بهم خیرًا.
بدء إسلام الأنصار
ولم يكن الأنصار اسمًا لهم في الجاهلية، حتى سمَّاهم الله به في الإسلام، وهم: بنو
الأوْسِ والخَزْرَجِ، والخزرجُ: الريح الباردة وقال بعضهم: وهي الجَنُوبُ خاصَّةً، ودخول
الألف واللام فيَ الأوس على حد دخولها في التَّيْم جمع: تَيْمِيِّ وهو من باب: رُومِيّ ورُوم،
لأن الأَوْسَ هي العطِيَّة أو العِوض، ومثل هذا إذا كان عَلَمًا لا يدخله الألف واللام، ألا ترى
أنّ كل أَوْسٍ في العرب غير هذا، فإنه بغير ألف ولام كأوس بن حارثة الطّائَيّ وغيره
وكذلك، أوس وأُوَيْس: الذئب قال الراجز(١):
يا لَيْتَ شِعْرِي عَنْه والأَمْرُ عمم ما فعل اليومَ أُوَيْسٌ بالغَنَمْ
وأبوهم حارثة بن ثعلبة [بن عمرو مُزَيْقيّاء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرىء
القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزدي]، وهو أيضًا: والدُ خُزَاعةَ على أحد القولين، وأمهم: قَيْلَةُ
بنت كاهل بن عُذْرَةَ قُضَاعِيَّة ويقال: هي بنت جَفْنَة، واسمه غَلْبَةُ بن عَمْرو بن عامر، وقيل
بنت سَيْع بن الهَون بن خُزَيْمَة بن مدركة، قاله الزبير بن أبي بكر في كتاب أخبار المدينة.
(١) هو الهذلي كما في اللسان وانظر في بدء إسلام الأنصار: تاريخ الطبري (٣٥٣/٢) البداية والنهاية
(١٤٥/٣) الدلائل للبيهقي (٤١٣/٢) المنتظم (٢٠/٣).
٢٤٥

قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عُمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، قالوا:
لما لقيهم رسولُ اللهِ وَّر، قال لهم: مَن أنتم؟ قالوا: نَفَر من الخزرج، قال: أمِنْ موالي
يهود؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه، فدعاهم إلى
الله عزّ وجلّ، وعَرض عليهم الإسلامَ، وتلا عليهم القرآن. وكان مما صنع الله لهم به في
الإسلام، أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعِلْم، وكانوا هم أهلَ شرك
وأصحابَ أوثان، وكانوا قد عزُّوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيءٌ قالوا لهم: إن نَبِيًّا
مبعوثٌ الآن، قد أظل زمانُه، نتَّبعه فَنقتلكم معه قتلَ عاد وإرَم. فلما كلَّم رسولُ اللهِ وَله
أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلّموا والله إنه للنبيّ الذي
توعَّدكم به يهود، فلا تسبقُنَّكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدّقوه وقَبِلوا منه ما
عَرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنّا قد تركنا قومَنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ
ما بينهم، فـ («ٍ أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فتَذْعوهم إلى أمرك، وتَغْرض
عليهم الذي أَجَبناك إليه من هذا الدّين، فإنّ يجمعهم الله عليه فلا رجل أعزّ منك.
والأنصار: جمع ناصِر على غير قياس في جمع فاعل، ولكن على تقدير حذف الألف
من ناصر، لأنها زائدة، فالاسم على تقدير حذفها: ثُلاَئِي والثلاثي يجمع على أَفْعال، وقد
قالوا في نحوه صاحب وأصحاب وشاهد وأشهاد.
وذكر قول النبي - رَّه - للنَّفَر من الأنصار: ((أمن موالي يهود أنتم))؟ أي من حلفائهم،
والمولى يجمع: الحليفَ وابن العم والمُعْتِقِ والمُعْتَق لأنه مَفْعَلٌ من الولاية، وجاء على وزن
مفعل، لأنه مَفْزَع وملْجَأ لولِيه فجاء على وزن ما هو في معناه.
وذكر النفر القادمين في العام الثاني الذين بايعوه بَيْعَةً النساء، وقد ذكر الله تعالى بَيْعَة
النساء في القرآن فقال: ﴿يُبَايُعْنَكَ على أن لا يُشْرِكْنَ بالله شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية، فأراد
ببيعة النساء أنهم لم يبايعوه على القتال، وكانت مبايعته للنساء أن يأخُذَ عليهن العهد
والميثاق، فإذا أقررن بألسنَتِهِنَّ قال: قد بايَعتُكُنَّ، وما مست يدُه يدَ امرأة في مبايعة كذلك
قالت عائشة(١)، وقد روى أنهن كن يأخذن بيده في البيعة من فوق ثَوْبٍ، وهو قول عامر
الشعبي، ذكره عنه ابن سلام في تفسيره، والأول أصح وقد ذكر أبو بكر محمد بن الحسن
المقري النقاش في صفة بيعة النساء وجهًا ثالثًا أَورد فيه آثارًا، وهو أن رسولَ الله - وَلتر - كان
يغمس يده في إناءٍ وتغمس المرأة يدها فيه عند المبايعة، فيكون ذلك عقدًا للبيعة، وليس هذا
(١) انظر البخاري (١٥٣/٧).
٢٤٦
-

ثم انصرفوا عن رسول الله وَلّ راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدّقوا.
أسماء الخزرجيين الذين التقوا بالرسول عند العقبة:
قال ابن إسحاق: وهم - فيما ذُكر لي: ستة نفر من الخزرج، منهم من بني النجار
- وهو تيم الله - ثم من بني مالك بن النجَّار بن ثعلبة بن عَمْرو بن الخزرج بن حارثة بن
عمرو بن عامر: أسعدُ بن زُرَارةَ بن عُدَس بن عُبيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن
النَّجار، وهو أبو أمامة، وعوفُ بن الحارث بن رفاعة بن سَوَاد بن مالك بن غَنْم بن
مالك بن النَّجار، وهو ابن عَفْراء.
قال ابن هشام: وعَفْراء بنتُ عُبَيد بن ثَعْلبة بن عُبَيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن
النَّجار.
قال ابن إسحاق: ومن بني زُرَيق بن عامر بن زُرَيق بن عَبْد حارثة بن مالك بن
غَضْب بن ◌ُشَم بن الخزرج: رافع بن مالك بن العَجْلان بن عَمْرو بن عامر بن
زُریق.
قال ابن هشام: ويقال عامر بنُ الأزرق.
قال ابن إسحق: ومن بني سَلِمة بن سَعْد بن عليّ بن ساردة بن تزيد بن جُشَم بن
الخزرج، ثم من بني سَواد بن غَنْم بن كَعْب بن سَلمة: قُطْبةُ بن عامر بن حَدِيدة بن
عمرو بن غنم بن سواد.
قال ابن هشام: عمرو بنُ سواد، وليس لسَواد ابنّ يقال له: غَثَم ..
قال ابن إسحاق: ومن بني حَرَام بن كَعْب بن غَثْم بن كَعْب بن سَلَمة: عُقْبةُ بن
عامر بن نابي بن زَيْد بن حَرامِ.
ومن بني عُبَيد بن عَديّ بن غَنْم بن كَعْب بن سلمة: جابر بن عبد الله بن رِئاب بن
النّعمان بن سِنَان بن عُبَید.
فلما قَدِمُوا المدينةَ إلى قومهم ذَكَروا لهم رسولَ الله وَّه ودَعَوهم إلى الإسلام حتى
فشا فيهم، فلم يبقَ دارٌ من دُور الأنصار إلا وفيها ذكْرٌ من رسول الله وَالت .
بالمشهور، ولا هو عند أهل الحديث بالثبت، غير أن ابن إسحق أيضًا قد ذكره في رواية عن
يونس عن أَبَان بن أبي صالح، وذكر أنسابَ الذين بايعوه، وسنعيده في بيعة العقبة وغَزّاة
بدر، وهناك يقع التنبيه على ما يحتاج إليه بعون الله.
٢٤٧

بيعة العقبة الأولى(١):
حتى إذا كان العامُ المُقْبِل وافَى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوه بالعقبة؛
وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله - وَلرس ــ على بَيْعة النساء، وذلك قبل أن تُفترض
عليهم الحرب.
منهم من بَني النَّجار، ثم بني مالك بن النجَّار: أسعدُ بن زرارة بن عُدسَ بن
عُبيد بن ثعلبة بن غَثْم بن مالك بن النجار، وهو أبو أَمَامة؛ وعَوْف، ومعاذ، ابنا
الحارث بن رفاعة بن سَواد بن مالك بن غَنْم بن مالك بن النجَّار، وهما ابنا عفراء.
وذكر في أنسابِ المبايعين له في العَقَبَةِ الأولى في بنِي سَلِمَة منهم: سادِرَة بن تَزِيد بن
◌ُشَم، وتَزِيد بتاء منقوطة باثنتين من فوق، ولا يعرف في العرب تَزيد إلا هذا، وتَزِيد بن
الحافِ بن قُضَاعَة، وهم الذين تنسب إليهم الثياب التزيدية، وأما سَلِمَة بكسر اللام، فهم من
الأنصار سمي بالسَّلِمَة واحدة السّلام، وهي الحجارة، قال الشاعر:
يَزْمِي ورائي بِالسَّهْمِ والسَّلِمَة
ذَاكَ خَلِيلي وذو يُعَاتِبنِي
وفي جُعْفِيّ: سلمة بن عمرو بن دهل بن مروان بن جُعِفِيٍّ وفي جُهَيْنَةً سَلِمَةُ بن
نَصْر بن غَطَفَان قاله ابن حبيب النسابة في الصحابة عَمْرو بن سَلِمَة أبو بُرَيْدة الجَرْمِيّ الذي أمَّ
قومَه، وهو ابن ست سنين أو سبع، وفي الرَّواة عبد الله بن سَلِمة وينسب إلى بني سَلِمَة
هؤلاء سَلِمَيّ بالفتح، كما ينسب إلى بني سَلَّمَة، وهم بطنان من بني عامر يقال لهم:
السَّلَمات، يقال لأحدهم سَلَمَة الخَيْرِ، وللآخرَ سَلَمَة الشرِّ ابنا قصير بن كعب بن ربيعة بن
عامر، وأما بنو سَلِيمَة بياء ففي دَوْسٍ، وهم بنو سَلِيمَة بن مالك بن فَهْم بن غَنْم بن دَوْس،
وسَلِيمَةُ هذا هو أخو جَذِيمة الأَبْرش، وهو الذي قتل أخاه مالكًا بسهم قُتْل خَطأٍ، ويقال في
النسب إليه: سَلَمِيَّ أيضًا وهو القياس، وقد قيل: سَلِيميِّ كما قيل في عُمَيْرَةُ عُمَيْرِيٍّ.
وذكر بني جِدَارة من بني النجار، وجِدَارة وخُدَارة: أخوان، وغيره يقول في
جِدارة: خِدَارة بالخاء المضمومة، وهكذا قيده أبو عمرو، كذلك ذكره ابن دريد في
الاشتقاق، وهو أشبه بالصَّواب لأنه أخو خِذْرَة وكثيرًا ما يجعلون أسماء الإخوة مُشْتَقَّة
بعضها من بعض.
(١) انظر خبر بيعة العقبة الأولى في تاريخ الطبري (٣٥٣/٢) البداية والنهاية (١٤٥/٣) المنتظم
(٣٢/٣) طبقات ابن سعد (٢١٦/١) الدلائل (٣٤٠/٢) الكامل (٦١٠/١) تاريخ الإسلام
للذهبي (١٩٢/٢).
٢٤٨

ومن بني زرَيق بن عامر: رافعُ بن مالك بن العَجْلان بن عمرو بن عامر بن زريق،
وذَكْوان بن عبد قَيْس بن خَلَدة بن مُخْلِد بن عامر بن زُرَیق.
قال ابن هشام: ذكوان، مهاجريّ أنصاريّ.
ومن بني عَوْف بن الخزرج، ثم من بني غَنْم بن عوف بن عمرو بن عَوْف بن
الخزرج، وهُم القَوَاقِلُ: عُبَادَة بن الصامت بن قَيْس بن أصْرم بن فِهْر بن ثعلبة بن غَنْم؛
وأبو عبد الرحمن، وهو يزيد بن ثعلبة بن خَزْمة بن أضرم بن عمرو بن عَمَّارة، من بني
غُصَينة، من بَلِيّ، حليف لهم.
وذكر القَواقِل وهم بنو عمرو بن غَنْم بن مالك، وذكر تسميتهم القَواقِل، وأن ذلك
لقولهم إذا أجاروا أحدًا: قَوْقِل حَيْث شئت، وفي الأنصار: القواقِل والجَعادِرُ وهما بطنان من
الأوس، وسبب تسميتهما: واحد في المعنى، أما الجَعَادِرُ فكانوا إذا أجاروا أحدًا أعطوه
سَهْمًا، وقالوا له: جَعْدِرْب حيث شئت، كما كانت القواقل تفعل، وهم بنو زيد بن
عمرو بن مالك بن ضُبَيْعَةً [بن زيد] يقال لهم كسر الذهب، وهما جميعًا من الأَوْس. قال
الشاعر :
مُقَابَلَة بين الجَعَادِرِ والكسْر
فإن لنا بين الجواري وليدةً
وزيدٍ بن عمرو تأتِها عِزَّةُ الخَفْرِ
متى تدع في الزيدين زيدٍ بن مالك
وذكر فيهم أبا الهيثم بن التّيْهان، ولم ينسبه، ولا نسبه في أهل العقبة الثانية، ولا في
غزوة بدر، وهو مالك بن الثّيْهان، واسم التيهان أيضًا مالكُ بن عَتِيكِ بن عَمُرو بن
عبد الأعلم بن عامر بن زَعْونْ بن جُشَم بن الحارث بن الخَزْرَج بن عمرو بن مالك بن
الأوس الأنصارِي حليف بني عبد الأشْهَلِ كان أحد النُّقَباء ليلة العقبة، ثم شهد بدرًا،
واختلف في وقت وفاته، فأصح ما قيل فيه إنه شهد مع عليَّ صِفْين، وقتل فيها رحمه الله،
وأحسب ابن إسحق وابنَ هشام تركا نسبه على جلالته في الأنصار وشهوده هذه المشاهد
كلها مع رسول الله - ◌َ﴿ - لاختلافٍ فيه، فقد وجدت في شعر عبد الله بن رَوَاحَة حين
أضاف أبو الهيثم رسولَ الله - وَالز ـ في منزله ومعه أبو بكر وعمر، فذبح لهم عَناقًا (١) وأتاهم
بِقِنْوِ من رُطَبَ الحديث بطوله، فقال ابن رَوَاحة في ذلك:
فلم أر كالإسلام عِزَّا لأهلِه ولا مثَل أضيافِ لأزاشِيِّ مَعْشَرا
(١) العناق: هي أنثى ولد المعز.
٢٤٩

قال ابن هشام: وإنما قيل لهم: القواقل، لأنهم كانوا إذا استجار بهم الرجل دفعوا
له سهمًا، وقالوا له: قَوْقِل به بِيَثْرِبَ حيث شئت.
قال ابن هشام: القَوْقَلَةُ: ضرب من المشي.
وقال ابن إسحاق: ومن بني سالم بن عَوْف بن عمرو بن الخزرج، ثم من بني
العَجْلان بن زيد بن غَنْم بن سالم: العباس بن عُبادة بن نَضَلة بن مالك بن
العجلان.
ومن بني سَلِمة بن سَعْد بن عليّ بن أسد بن ساردةً بن تَزِيد بن جُشَم بن الخزرج،
ثم من بني حرام بن كعب بن غَثْم بن سَلمة: عُقْبة بن عامر بن نابي بن زَيْد بن حَرامِ.
ومن بني سواد بن غَنْم بن كَعْب بن سَلمة قُطْبة بن عامر بن حَديدة بن عمرو بن
غَنْم بن سَواد.
رجال العقبة من الأوس :
وشَهِدها من الأوس بن حارثة بن ثَعْلَبة بن عَمْرو بن عامر ثم من بني
عَبْد الأشهل بن جُشم بن الحارث بن الخَزْرِجِ بن عَمْرو بن مالك بن الأوس: أبو
الهيثم بن التِيِّهان، واسمه مالك.
فجعل إِرَشِيًّا كما ترى، والأرَاشِيُّ منسوب إلى إِراشَةً في خُزَاعَةَ، أو إلى إراش بن
لِحْيَانِ بن الغَوْثِ فالله أعلم: أهُو أنصاري بالحِلْفِ أم بالنَّسَبِ المذكور، قبل هذا، ونقلته من
قول أبي عُمرَ في الاستيعاب(١)، وقد قيل: إنَه بلوِيٌّ من بني إِرَاشَة بن فاران بن عَمْرو بن
بَلِيّ، والهيثم في اللغة: فَرْعُ [النَّسْرِ، أو] العُقَاب، والهيثم أيضًا ضَرْبٌ من العشب فيما ذكر
أبو حنيفة، وبه سمي الرجل هَيْئمًا أو بالمعنى الأول وأنشد:
عَمِيمًا من الظلاعِ والهَيْئَم الجَعْدِ
رَعَتْ بِقَرَان الحَزْنِ رَوْضًا منَوِّرًا
ذكر بيعَتَهم لرسول الله - بَّلَه ــ على بَيْعَةِ النساءِ أَلا يَسْرِقُوا، ولا يَزْنُوا إلى آخر الآية،
وقيل في قوله عزّ وجلّ خبرًا عن بيعة النساء: ﴿ولاَ يأْتِين بِبُهْتَانٍ﴾ أنه الولد تنسبه إلى بَعْلِها،
وليس منه، وقيل: هو الاستِمْتَاع بالمرأة فيما دُون الوَطْءِ كالقُبْلة والجَسَّة ونحوها، والأول
يشبه أن يبايع عليه الرجالُ، وكذلك قيل في قوله تعالى: ﴿ولاَ يعْصِيَنَك في مَعْرُوفٍ﴾ أنه
(١) الاستيعاب (٤/ ١٧٧٧).
٢٥٠

قال ابن هشام: التَّيْهان: يخفف ويثقل، كقوله: ميث وميّت.
رجال العقبة الأولى من بني عمرو:
ومن بني عمرو بن عَوْفَ بن مالك بن الأوس: عُوَيم بن ساعِدة.
بيعة العقبة:
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حَبيب، عن (أبي) مَرْثد بن عبد الله اليزني،
عن عبد الرحمن بن عُسَيلة الصَّنابحي، عن عُبادة بن الصامت، قال: كنت فيمن حَضَر
العقبةَ الأولى، وكنّا اثْنَيْ عَشَر رجلاً، فبايعنا رسول الله وَّهر على بَيْعة النساء، وذلك قبل
أن تُفترض الحزب، على أن لا نُشرك بالله شيئًا، ولا نَسْرق، ولا نَزْني، ولا نقتل
أولادنا، ولا نأتيَ ببهتان نَفْتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيَه في معروف. فإن وَقَّيتم
فلكم الجنة. وإن غَشِيتم من ذلك شيئًا فأمرُكم إلى الله عَزّ وجلّ إن شاء عذّب وإن شاء
غَفر .
قال ابن إسحق وذكر ابنُ شهاب الزهريّ، عن عائذ الله بن عبد الله الخَوْلاني أبي
إدريس أنّ عُبادة بن الصامت حدّثه أنه قال: بايعنا رسولَ الله وَلَّ ليلةَ العَقَبَةَ الأولى على
أن لا نُشْرِكَ بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادَنا، ولا نأتي بِبُهْتَانِ نَفْتريه من
بين أيدينا وأرجلنا، ولا نَعْصيه في معروف، فإن وَفَيتم فلكم الجَنَّة، وإن غَشِيتم من ذلك
فأُخِذتم بحَدّه في الدنيا، فهو كفّارة له، وإن سُتِرْتم عليه إلى يوم القيامة فأمْرُكم إلى الله
عزّ وجلّ، إن شاء عذّب، وإن شاء غَفَر.
النَّوْحُ، وهذا أيضًا وليس من شأن الرجال، فدل على ضعف قول من خصه بالنَّوْح، وخص
البُهتان بإلحاق الولد بالرجل، وليس منه، وقيل: يفترينه بين أيديهن يعني: الكذب وعيْبَ الناس
بما ليس فيهم، وأرجلِهن يعني: المشي في معصية، ولا يَعْصِينك في معروف، أي: في خير
تأمُرُهُنَّ به، والمعروف: اسم جامع لمكارم الأخلاق، وما عرف حُسْنُه ولم تنكره القلوبُ،
وهذا معنى يعم الرجالَ والنساءَ، وذكر ابن إسحق في رواية يونس فيما أخذه عليه السلام
عليهن: أن قال: ولا تَغْشُشْنَ أزواجَكن، قالت إحداهن: وما غِشَّ أزواجنا فقال: أن تَأْخُذِي
من ماله فَتُحَابي به غيرَه(١).
(١) أخرجه أحمد.
سـ
٢٥١

مصعب بن عمير ووفد العقبة
قال ابن إسحاق: فلما انصرف عنه القومُ، بعث رسولُ اللهِ وَّرِ معه مُصعب بن
عُمير بن هاشم بن عبد مَناف بن عَبْد الدار بن قُصَيّ، وأمره أن يُقْرئهم القرآن، ويعلمهم
الإسلام، ويفقّههم في الدين، فكان يُسَمى المُقْرىءَ بالمدينة: مُضْعَبُ وكان مَنْزَلُه على
أسْعد بن زرارة بن عُدَس، أبي أمامة.
قال ابن إسحق: فحدّثني عاصم بن عُمر بن قتادة: أنه كان يصلي بهم، وذلك أن
الأوسَ والخزْرَج كره بعضُهم أن يَؤُمَّه بعضٌ.
هجرة مصعب بن عمير(١)
فصل: وذكر هِجْرَة مُصْعَب بن عُمَيْر وهو المُقْرِىءُ، وهو أول من سُمِّي بهذا، أعني
المُقْرِىءَ يُكْنَى أبا عبد الله، كان قبل إسلامه من أنْعَم قريشٍ عَيْشًا وأَعطرهم، وكانت أمه
شديدة الكَلَفِ به، وكان يبيت وقَعْبُ(٢) الحَيْسِ(٣) عند رأسه، يستيقظ فيأكُل، فلما أسلم
أصابه من الشِّدَّة ما غيَّر لونَه وأذهب لحمه، ونَهَكَتْ جسمَه حتى كان رسولُ الله - وَلِّ ـ ينظر
إليه، وعليه فروة قد رفعها، فيبكي لما كان يعرف من نَعْمته(٤)، وحلفت أمُّه حين أسلم
وهاجَر ألاَّ تأكُلَ ولا تشربَ ولا تَسْتَظِلَّ بظل حتى يرجع إليها، فكانت تقف للشمس حتى
تسقط مَغْشِيًّا عليها، وكان بنوها يخشُون فاها بِشِجَارٍ، وهو عود فيصبُّون فيه الحَسَاءَ لئلا
تموتَ، وسنذكر اسمَها ونسبَها عند ذكره في البَذْريِّين إن شاء الله تعالى، وكان رسول
الله - رَ * - يذكره، فيقول: ما رأيت بمكة أحسن لِمَّةً، ولا أَرَقَّ حُلَّة ولاَ أَنْعَمَ نَعْمَةً من
مُصْعَبٍ بن عُميْر ذكره الواقدي(٥). وذكر أيضًا بإسنادٍ له، قال: كان مُصْعب بن عمَير فتى
مكة شَبَابًا وجمالاً وسِنًا وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب،
وكان أعطَر أهلٍ مكة يلبس الحَضْرَمِيَّ من النّعال(٦).
وذكر أنَ مَنْزَلَه كان على أَسْعَد بن زُرَارَةَ، مَنزَلْ بفتح الزاي، وكذلك كل ما وقع في
هذا الباب من مَنْزَل فلان على فلان، فهو بالفتح، لأنه أراد المصدر، ولم يُرِد المكان، وكذا
قيده الشيخ أبو بحر بفتح الزاي، وأما أُمُّ قَيْس بنت مُخصِن المذكورة في هجرة بني أسد،
(١) انظر الاستيعاب (٤/ ١٤٧٣).
(٢) القعب: القدح الضخم.
(٣) الحيس: التمر يُخلط بسمن وأقط [لبن مجفف] فيُعجَن عجنًا شديدًا.
(٤) أخرجه الترمذي.
(٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٨٢/١/٣) والحاكم (٢٠٠/٣).
(٦) نعال حضرمية: نسبة إلى حضرموت.
٢٥٢

أول جمعة أُقيمت بالمدينة
قال ابن إسحاق: وحدّثني محمّد بن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، عن أبيه أبي
أمامة، عن عبد الرحمن بن كَعْب بن مالك، قال: كنت قائدَ أبي، كَعب بن مالك، حين
ذهبَ بَصره، فكنتُ إذا خرجتُ به إلى الجُمْعة، فسمع الأذان بها صلى على أبي أمامة،
أسعد بن زُرَارَة. قال: فمكث حينًا على ذلك: لا يَسْمع الأذان للجُمعة إلا صلّى عليه
واستغفر له. قال: فقلت في نفسي: والله إن هذا بي لَعَجْز، ألا أسألَه ما لَه إذا سَمِع
الأذان للجمعة صلى على أبي أمامة أسعد بن زُرَارَة؟ قال: فخرجت به في يوم جُمعة كما
كنت أخرج، فلما سَمِعَ الأذانَ للجمعة صلى عليه واستغفر له. قال: فقلت له: يا أَبَتِ،
فاسمها آمنة وهي أخت عكاشة، وهي التي ذكرت في المُوَّطأ وأنها أتت بابن لها صغير لم
يأكل الطعام إلى رسول الله ويلهم .
أول جمعة
فصل: وذكر أولَ من جَمَّع بالمدينة، وهو أبو أمامة، وذكر غيره أن أوّلَ من جَمَّع بهم
مُصْعَبُ بن عُمَيْر، لأنه أوّل من قدم المدينة من المهاجرين، ثم قدم بعده ابنُ أُمّ مَكْتُوم، وقد
ذكرنا في أوّل الكتاب مَنْ جمع في الجاهلية بمكة فخطب وذكّر وبَشَّر بمبعث النبي ◌َّه
وحَضَّ على اتباعه، وهو كَعْب بن لُؤَيِّ ويقال: إنه أول من سمى العَرُوبَةَ الجمعة، ومعنى
العَرُوبَةِ الرحمة فيما بلغني عن بعض أهل العلم، وكانت قريش تجتمع إليه فيها فيما حكى
الزبير بن بكار، فيخطبهم، فيقول: أما بعد فاعلموا وتعلَّموا إنما الأرضُ لله مهادٌ، والجبالُ
أَوْتاد، والسماءُ بناءٌ، والنجُوم سملا، ثم يأمرِهم بصلَةِ الرَّحِم، ويبشرهم بالنبي ◌ََّ(١)،
ويقول: حَرَمُكُمْ يا قوم عظّمُوه، فسيكون لَه نبأ عظيم، ويخرج منه نبي كريم، ثم يقول في
شعر ذكره:
فيخبر أخبارًا صَدُوقٌ خبيرُها
على غَفْلة يأتي النبي محمدٌ
لها عُقَدْ ما يستحيل مريرها
صُروفٌ رأيناها تُقلِّب أهلَها
ثم يقول :
إذا قُرَيْش تَبغِّي الحقَّ خِذْلانا
يا ليتني شاهدٌ فَخْوَاءَ دَعْوتِه
وأما أول من جمع في الإسلام فهو مَنْ ذكرنا.
(١) تقدم التعليق على هذه البشارة.
٢٥٣

ما لك إذا سمعتَ الأذان للجمعة صَلَّيت على أبي أُمَامَةَ؟ قال: أَيْ بُنيّ، كان أوَّل من جَمَّع
بنا بالمدينة في هَزْم النَّبِيت، من حَرّة بني بَياضَة، يقال له: نَقِيعُ الخَضِمَات، قال: قلت:
وكم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً(١).
نقيع الخضمات:
وذكر ابن إسحاق أنه جمع بهم أبو أمامة عند هَزْم النّبِيتِ في بَقِيعٍ يقال له بقيع
الخَضِماتِ. بقيع بالباء وجدته في نسخة الشيخ أبي بحر، وكذلك وجدته في رواية يونس عن
ابن إسحق، وذكره البكري في كتاب مُعْجَم ما استَعْجَم من أسماد البُقَع أنه نَقِيعٌ بالنون،
ذكره في باب النون والقاف، وقال: هَزْم النَّبيت: جَبَلٌ على بريد من المدينة، وفي غريب
الحديث: أنه عليه السلام حمى غرز النقيع. قال الخطابي: النقيعُ: القاعُ، والغَرَزُ شبه الثُّمام
وسيأتي تفسيرُه فيما بعد إن شاء الله تعالى، ومعنى الخَضِمَاتِ من الخَضْم، وهو الأكْل بالفم
كله، والقَضْمُ بأطراف الأسنان، ويقال: هو أكل اليابس، والخَضْمُ: أكل الرطب، فكأنه جمع
خَضِمَة، وهي الماشية التي تَخْضَم، فكأنه سمي بذاك لخضب كان فيه، وأما البقيع بالباء فهو
أقرب إلى المدينة منه بكثير، وأما بقيع الخبْجَبَة بخاء وجيم وباءين، فجاء ذكره في سُنَنِ أبي
داود: والخَبْجَبَةُ: شَجَرَةٌ عُرِف بها.
الجمعة :
فصل: وتجميع أصحاب رسول الله - رَّ﴿ - الجمعةَ وتسميتُهم إيَّاها بهذا الاسم وكانت
تسمى العَرُوبَةَ - كان عن هِدايةٍ من الله تعالى لهم قبل أن يُؤْمَروا بها، ثم نزلت سورة الجمعة
بعد أن هاجر رسول الله ◌َ* إلى المدينة، فاستقر فرضُها واستمر حكمُها، ولذلك
قال - رَله - في يوم الجمعة: أَضَلَّتْه اليهودُ والنصارى، وهداكم الله إليه(٢).
ذكر الكَشِّي، وهو عَبْدُ بن حميد قال: نا عبد الرزاق عن مَعْمَر عن أيوب عن ابن
سيرين قال: جمع أهلُ المدينة قبل أن يَقْدَم النبي - وَّ - المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة،
وهم الذينَ سَمَّوا الجُمْعَة، قال الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى
مثل ذلك، فَهَلُمَّ، فلنجعلْ يومًا نجتمع فيه، ونذكر الله، ونصلي ونشكر، أو كما قالوا،
فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوا يوم العَرُوبة، كانوا يسمون يوم
الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زُرَارَة، فصلى بهم يَوْمَئذٍ ركعتين، فذكرهم،
(١) أخرجه أبو داود (١٠٦٩) بتحقيقي.
(٢) أخرجه مسلم في الجمعة (٢٣/٢٢) والنسائي (٨٧/٤) وغيرهما - بنحوه.
٢٥٤

فسموا الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح لهم شاةً فَتَغدًّوا وتَعشَّوْا من شاةٍ، وذلك لقلتهم،
فأنزل الله - عزّ وجلّ - في ذلك: ﴿إِذا نُودِي للصلاةِ مِنْ يَوم الجُمعة فاسعَوْا إلى ذكر الله﴾
[الجمعة: ٩].
قال المؤلف: ومع توفيق الله لهم إليه، فيبعد أن يكونَ فعلُهم ذلك عن غير إذن من
النبي - نَّه - لهم، فقد روى الدَّارَقُطْنِيُّ عن عُثْمان بن أحمد بن السَّمَّاك، قال: نا أحمد بن
محمّد بن غالب الباهِلِيِّ، قال: نا محمّد بن عبد الله أبو زيد المَدَنِي، قال: نا المغِيرَةُ بن
عبد الرحمن، قال: حدّثني مالك عن الزُّهْرِيِّ عن عُبَيْدِ الله بن عبد الله عن ابن عباس،
قال: أذن النبيُّ وَل﴿ بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع: رسولُ الله - وَلجر - أن يجمع
بمكة، ولا يُبدي لهم، فكتب إلى مُصْعب بن عُمَيْر: أما بعد: فانظر اليوم الذي تَجْهَر فيه
اليهود بالزّبُورِ لِسَبْتهم، فأجْمَعُوا نساءَكم وأبناءَكم، فإذا مال النهارُ عن شَطْرِه عند الزَّوال من
يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله بركعتين قال: فأوّل من جَمَّع: مُصْعَبْ بن عُمَيْر، حتى قدم
رسول الله ﴿ - المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر(١)، وأظهر ذلك، ومعنى قول
النبي - وَلَى - أضلَّته اليهودُ والنصارى، وهداكم الله إليه فيما ذكر أهل العلم أن اليهود أُمِرُوا
بيوم من الأسبوع، يعظمون الله فيه، ويتفرغون لعبادته، فاختاروا من قِبَلِ أنفسهم السبت
فَأَلْزِمُوه في شرعهم، كذلك النصارى أُمِرُوا على لسان عيسى بيوم من الأسبوع، فاختاروا من
قِبَل أنفسهم الأحدَ، فَأَلْزِموه شرعًا لهم.
قال المؤلف: وكان اليهودُ إنما اختاروا السبتَ، لأنهم اعتقدوه اليوم السابعَ، ثم زادوا
لكفرهم أن الله استراح فيه، تعالى الله عن قولهم، لأن بَذْءَ الخَلْق عندهم الأحد، وآخر الستة
الأيام التي خلق الله فيها الخلق الجمعة، وهو أيضًا مذهب النصارى، فاختاروا الأحدَ، لأنه
أول الأيام في زعمهم، وقد شهد الرسول - وَلير - للفريقين بإضلال اليوم، وقال في صحيح
مُسْلِم: ((إن الله خلق التربة يوم السبت))(٢)، فبيَّن أن أول الأيام التي خلق الله فيها الخلقَ
السبت، وآخر الأيام الستة إذًا الخميس، وكذلك قال ابن إسحاق فيما ذكر عنه الطبري، وفي
الأثر أن يوم الجمعة سُمِّي الجمعة، لأنه جُمع فيه خَلْقُ آدم، روي ذلك عن سَلْمَان وغيره،
وقد قدمنا في حديث الكَشِّي أن الأنصار سَمَّوْه جُمْعَةً لاجتماعهم فيه، فهداهم الله إلى
(١) أخرجه الدار قطني.
(٢) أخرجه مسلم (٢١٤٩) وأحمد (٣٢٧٢) والبيهقي في الصفات (٢٦) بتحقيقي. وانظر ما قاله شيخ
الإسلام حول هذا الحديث في الفتاوى (١٨/١٨).
٢٥٥

التسمية، وهداهم إلى اختيار اليوم، وموافقة الحكمة أن الله تعالى لما بدأ فيه خَلْقَ أَبينا آدمَ،
وجعل فيه بَذْء هذا الجنس، وهو البشر، وجعل فيه أيضًا فناءهم وانقضاءهم إذ فيه تقوم
الساعةُ، وجب أن يكون يومَ ذِكْرٍ وعبادة، لأنه تذكرة بالمبدأ، وتذكرة بالمعاد، وانظر إلى
قوله تعالى: ﴿فاسعَوْا إلى ذكرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعِ﴾ [الجمعة: ٩] وخص البيعَ لأنه يومٌ يُذَكّر
باليوم الذي لاَ بيْعٌ فيه ولا خُلَّة مع أنه وثرٌ للأيام التي قبله في الأصح من القول، والله يحب
الوَثْر، لأنه من أسمائه فكان من هُدَى الله لهذه الأمة أن أُلْهِمُوا إليه ثم أُقِرُّوا عليه لَمَّا وافقوا
الحكمة فيه، فهم الآخِرون السابقون يوم القيامة، كما قال عليه السلام، كما أن اليومَ الذي
اختاروه سابقٌ لما اختارته اليهود والنصارى، ومتقدم عليه، ولذلك كان يقرأ رسول الله ولم
سورة السجدة في صبح يوم الجمعة رواه سَعِيد بن إبراهيم عن الأعرج عن أبي هريرة، ورواه
مُسْلم البَطِينُ عن سعيد بن جُبَيْر عن ابن عباس كلاهما عن النبي - نَّر - ورواه عن سعيد بن
جبير أيضًا عُزْوَةٌ بن عبد الرحمن ذكره البزار، ورواه الترمذي في كتاب العلل له عن
الأحوص، ورواه أيضًا عن أبي الأحوص، وعن عَلْقَمَةَ عن عبد الله بن مسعود عن رسول
الله ◌َيّ لما فيه من ذكر الستة الأيام واتباعها بذكر خلق آدم من طين، وذلك في يوم الجمعة
تنبيهًا منه عليه السلام على الحكمة، وتذكرة للقلوب بهذه الموعظة.
وأما قراءته: ﴿هَلْ أتى على الإنسان حينٌ من الدَّهْرِ﴾ في الركعة الثانية، فلِمَا فيها من
ذكر السّغي وشكر الله لهم عليه يقول: ﴿وكان سَعْيُكم مَشْكورًا﴾ مع ما في أولها من ذكر بَدْءِ
خلق الإنسان، وأنه لم يكن قبل شيئًا مذكورًا، وقد قال في يوم الجمعة: ﴿فاسعَوْا إلى ذكرٍ
الله﴾ فنبه بقراءته إياها على التأهب للسعي المشكور عليه والله أعلم، ألا ترى أنه كان كثيرًا
ما يقرأ في صلاة الجمعة أيضًا بِهَلْ أتاك حديث الغَاشِية، وذلك أن فيها: ﴿لسَعْيها رَاضِية﴾
كما في سورة الجمعة، ﴿فاسْعَوْا إلى ذكر الله﴾ فاستَحَبَّ عليه السلام أن يقرأ في الثانية ما فيه
رضاهم بسعيهم المأمور به في السورة الأولى.
لفظ الجمعة:
ولفظ الجمعة مأخوذ من الاجتماع، كما قدمنا وكان على وزن فُعْلَةِ وفُعُلَة لأنه في
معنى قُرْيَة، وقُرُبةً والعرب تأتي بلفظ الكلمة على وزن ما هو في معناها، وقالوا: عُمْرَة،
فاشتقوا اسمها من عِمَارة المسجد الحرام، وبنوه على فُعْلة لأنها وُصْلَة وقُرْبةٌ إلى الله، ولهذا
الأصل فروعٌ في كلام العرب، ونظائر لهذين الاسمين يُفيتُنا تتبعه عما نحن بسبيله، وفيما قَدَّمناه ما
هو أكثر منْ لَمحةٍ دالة، وقالوا في الجمعة جَمَّع بتشديد الميم كما قالوا عَيَّد إذا شهد العيد،
٢٥٦

وعَرَّف إذا شهد عَرَفة، ولا يقال في غير الجُمُعَة إلا جَمَع بالتخفيف، وفي البخاري: أول من
عَرَّف بالبَصْرَة: ابنُ عباس، والتعريف إنما هو بِعَرَفات، فكيف بالبصرة، ولكن معناه أنه
رضي الله عنه إذا صلى العصر يوم عَرَفَة أخذ في الدعاء والذكر والضراعة إلى الله تعالى إلى
غروب الشمس، كما يفعل أهلُ عَرَفة.
أيام الأسبوع:
وليس في تسميته هذه الأيام والاثنين إلى الخميس ما يشد قول من قال: إن أوّل
الأسبوع: الأحدُ وسابعُها السبت، كما قال أهل الكتاب لأنها تسمية طارئة، وإنما كانت
أسماؤها في اللغة القديمة شِيَار وأوَّل وأَهْوَن وجُبّار ودُبَار ومُؤنِسُ والعَزوبَةُ، وأَسماؤها
بالسريانية قبل هذا أبو جاد هَوَّز حُطّي إلى آخرها، ولو كان الله تعالى ذكرها في القرآن بهذه
الأسماء المشتقة من العدد، لقُلْنا: هي تسمية صادقة على المسمَّى بها، ولكنه لم يذكر منها
إلا الجُمُعَة والسَّبْت، وليسا من المُشْتَقَّة من العَدَدِ، ولم يُسُمِّها رسول الله وَّرَ ـ بالأحد
والاثنين إلى سائرها إلا حاكيًا للغة قومه لا مُبْتَدِئًا لتسميتها، ولعل قومَه أن يكونوا أخذوا
معاني هذه الأسماء من أهل الكتاب المجاورين لهم، فألقوا عليها هذه الأسماءَ اتباعًا لهم،
وإلاَّ فَقَدْ قدمنا ما ورد في الصحيح من قوله عليه السلام: إن الله خلق التُّرْبَةَ يَوْمَ السبت
والجبالَ يوم الأحد، الحديث، والعجب من الطَّرِيّ على تَبَحره في العلم كيف خالف مقتضى
هذا الحديث، وأَعْنَقَ في الرد على ابن إسحاق وغيره، ومال إلى قول اليهود في أن الأحد
هو الأول ويومَ الجمعة سادسٌ لا وتر وإنما الوتر في قولهم يوم السبت مع ما ثبت من قوله
عليه السلام: أضلَّته اليهودُ والنصارى، وهداكم الله إليه، وما احتج به بالطبري من حديث
آخر، فليس في الصحة كالذي قدمناه، وقد يمكن فيه التأويل أيضًا، فقف بقلبك على حكمة
الله تعالى في تعبد الخلق به لما فيه من التذكرة بإنشاء هذا الجنس ومبدئه، كما قدمنا، ولما
فيه أيضًا من التذكرة بأَحِدِيَّة الله سبحانه، وانفراده قبل الخلق بنفسه، فإنك إذا كنت في
الجمعة، وتفكرت في كل جمعة قبله حتى يترقى وهمُك إلى الجمعة التي خُلِق فيها أبوك آدم
ثم فكرت في الأيام الستة التي قبل يوم الجمعة، وجدت في كل يوم منها جِنْسًا من
المخلوقات موجودًا إلى السَّبْت، ثم انقطع وهمُك فلم تجد في الجمعة التي تلي ذلك السبتّ
وجودًا إلا للواحد الصَّمَدِ الوتر، فقد ذكرت الجمعةُ مَنْ تفكّر بوحدانية الله وأوَّلِيته، فوجب
أن يُؤَكَّد في هذا اليوم توحيدُ القلب للربِّ بالذكر له، كما قال تعالى: ﴿فاسعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ
وذَرُوا البيعَ﴾ الجمعة. وأن يتأكد ذلك الذكرُ بالعمل، وذلك بأن يكون العملُ مشاكلاً لمعنى
التوحيد، فيكون الاجتماع في مسجد واحدٍ من المساجد، وإلى إمام واحد من الأئمة،
الروض الأنف/ ج ٢/ م ١٧
٢٥٧

إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبيد الله بن المُغيرة بنُ مُعَيْقِب، وعبد الله بن أبي
بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم: أن أسعد بن زُرَارَةَ خرج بمُصْعَبٍ بن عُمَيْر يريد به
دارَ بني عَبْد الأَشْهَل، ودارَ بني ظَفَر، وكان سعدُ بن معاذ بن النعمان بن امرىء
القيس بن زَيْد بن عبد الأشهل ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخلَ به حائطًا من حَوائط.
بني ظفر.
قال ابن هشام: واسم ظَفَرٍ: كَعْب بن الحارث بن الخَزْرِج بن عمرو بن مالك بن
الأوس ـ قالا: على بِثْر يقال لها: بئر مَرَق، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال
ممن أسلم، وسعد بن معاذ، وأُسَيْد بن حُضَير، يومئذ سيدًا قومهما من بني
عبد الأشهل، وكلاهما مُشْرك على دين قومه، فلمَّا سمعا به قال سعدُ بن مُعَاذٍ لأَسَيْد بن
حُضَيْر: لا أبالك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارَينا ليسفُها ضُعفاءنا،
ويخطب ذلك الإمام، فيذكُّر بوحدانية الله تعالى وبلقائه، فيشاكل الفعل القول، والقول
المعتقد، فتأمل هذه الأغراض بقلبك، فإنها تذكرة بالحق، وقد زِدنا على ما شرطنا في أول
الكتاب معاني لم تكن هنالك، وعدنا بها، ولكن الكلامَ يفتح بعضُه بابَ بعض، ويحدو
المتكلم قصد البيات إلى الإطالة، ولا بأس بالزيادة من الخير، والله المستعان.
إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير(١)
وسمع أهلُ مكة هاتفًا يهتف، ويقول قبل إسلام سعد:
بمكةَ لا يخشى خِلاَفَ المُخَالِفِ
فإن يسلم السَّعْدان يصبح محمدٌ
فَحسِبوا أنه يريد بالسَّغْدين: القبيلتين سعد هُذَيم من قُضاعة، وسعد بن زَيْد مَنَاة بن
تمیم، حتى سمعوه يقول:
ويا سَعْد سعد الخَزْرَجينِ الغَطَارِف
فیا سَعْدَ سَعْد الأوسِ کن أنت ناصرًا
أجِيبا إلى داعي الهدى وَتَمنَّیا
على الله في الفِرْدَوْسِ مُنْيَةً عارِف
فعلموا حينئذ أنه يريد سعدَ بن مُعَاذٍ وسَعْدَ بن عُبَادَةٍ(٢).
(١) له ترجمة في الإصابة (٣٩/١) تاريخ الصحابة (٣٠) الاستيعاب (٥٤/١) الطبقات (٦٠٣/٣) مشاهير
علماء الأمصار لابن حبان (٣٦) بتحقيقي.
(٢) انظر الفتح (٧/ ٩٧).
٢٥٨

فازجُرْهما وانْهَهُما عن أن يَأْتيا دارَيْنا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت
كفيتُك ذلك، هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدّمًا، قال: فأخذ أسيد بن حُضَير حَرْبته ثم
أقبل إليهما، فلما رآه أسعدُ بن زُرَارَةَ، قال لمصعب بن عمير: هذا سيِّد قومه قد جاءك،
فاصدُق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه. قال: فوقف عليهما مُتَشَتّمًا، فقال: ما
جاء بكما إلينا تسفِّهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له
مصعب: أوَ تجلسُ فتسمعَ، فإن رضيتَ أمرًا قبلتَه، وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره؟
قال: أنصفتَ، ثم رَكْزَ حَرْبَته وجلس إليهما، فكلَّمه مُضْعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن؛
فقالا: فيما يذكر عنهما: والله لَعَرَفْنَا في وجهه الإسلامَ قبل أن يتكلّم في إشراقه وَتَسَهُّله،
ثم قال: ما أحسنَ هذا الكلامَ وأجمَله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا
الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تَشهد شهادة الحقّ، ثم تصلّي. فقام
فاغتسل وطهَّر ثوبيه، وتشهد شهادة الحقّ، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إنّ ورائي
رجلاً إن اتبعكما لم يتخلّف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ،
هل يغتسل الكافر إذا أسلم؟
وذكر فيه اغتسالهما حين أسلما بأمْر مُصْعَبٍ بن عُمَيْر لهما بذلك، فذلك السُّنَّةُ في كل
كافر يسلم، ثم اختلف في نية الكافر إذا أسلم باغتساله، فقال بعضهم ينوي به رفع الجَنَابة
عن نفسه، وقال بعضهم: ينوي التعبّد، ولا حُكْم للجَنَابةِ في حقّه، لأن معنى الأمر به
استباحةُ الصلاةِ، والكافرُ لا يُصَلِّي، وإن كان مخاطَبًا في أصح القولين، ولكنه أمر مشروط
بالإيمان، فإذا لم يكن الإيمان - وهو الشرط الأول - فأجدِز بأن يكون - الشرط الثاني - وهو
الغسل من الجنابةِ غيرَ مُقيَّدٍ بشيء، فإذا أسلم هدَم الإسلامُ ما كان قبلَه، فلم يجب عليه
إعادةُ صلاةٍ مضت، وإذا سقطت الصلواتُ سقطت عنها شروطها، واستأنف الأحكام
الشرعية، فتجب عليه الصلواتُ من حين يسلم بشروط أدائها من وضوءٍ وغسل من جنابة، إذا
أجْنَب بعد إسلامه، وغير ذلك من شروط صحة الصلاة، ورأيت لبعض المتأخرين أن اغتسالَه
سِنَّةٌ لا فريضة وليس عندي بالبيِّن لأن الله سبحانه يقول: ﴿إنما المشركون نَجَسٌ﴾
[التوبة: ٢٨] وحكم النجاسة إنما يُرفع بالطهارة ولم يحكم عليهم بالتَّنْجِيس لموضع الجَنَابة؛
لأنه قد علق الحكم بصفة الشرك. والحكم المعلِّل بالصفة مرتبطٌ بها فإذا ارتفع حكمُ الشركِ
بالإيمان لم يبق للجنَابة حكم كما إذا كان المسلمُ جُنُبًا، ثم بال فالطهور من الجنابة، يرفع
عنه حكم الحَدَث الأصغر، وهو حَدَثُ الوُضُوءِ، لأن الطهارةَ الصُّغْرى داخلةٌ في الكُبرى،
وتطهُره من تَنْجيس الشرك بإيمانه هو أيضًا بالإضافة إلى الطهر من الجنابة، الطهارة الكبرى،
فينبغي أن تكون مُغْنِية عنها، كما كانت الطهارةُ من الجنابة مُغْنِيةً عن الطهارة من الحَدَث، إذ
٢٥٩

ثم أخذ حَرْبته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سَعْد بن
معاذ مُقْبلاً، قال: أحلف بالله لقد جاءكم أُسَيْدٌ بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما.
وقَف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلَّمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما
بأسًا، وقد نهيتُهما فقالا: نفعل ما أحببتَ، وقد حُدّثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى
أسعد بن زُرَارَة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك، ليُخفروك قال: فقام سعد
مُغْضَبًا مبادرًا، تخوّفًا للذي ذُكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله
ما أراك أغنيت شيئًا، ثم خرج إليهما؛ فلما رآهما سعدٌ مطمئنين، عرف سعدٌ أن أُسيدًا
إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا
أمامة، لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رُمْت هذا مني، أَتَغْشانا في دارينا بما نكره - وقد
قال أسعدُ بن زرارة لمصعب بن عُمير: أي مُصْعب، جاءك والله سيِّد مَنْ وراءه من
قومه، إن يتبعك لا يتخلَّف عنك منهم اثنان - قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع،
فإن رضيتَ أمرًا ورَغبت فيه قَبِلْتَه، وإن كرهته عَزَلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفْت ثم ..
ركز الحربةَ وجلس، فعرض عليه الإسلامَ، وقرأ عليه القرآن، قالا: فعرفنا والله في وجهه
الإسلام قبل أن يتكلّم، لإشراقه وتسهُله؛ ثم قال لهما: كيف تَصْنَعُون إذا أنتم أسلمتم
ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتطهّر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحقّ، ثم
تصلي ركعتين، قال: فقام فاغتسل وطهَّر ثوبيه، وتشهَّد شهادة الحقّ، ثم ركع ركعتين،
ثم أخذ حربته، فأقبل عامدًا إلى نادي قومه ومعه أُسَيد بن حُضَير.
قال: فلما رآه قومُه مقبلاً، قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعدٌ بغير الوجه
الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون
أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلُنا رأيًا، وأيمننا نقيبةً؛ قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم
عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله.
قالا: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجلٌ ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة،
ورجع أسْعد ومُضْعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام،
حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني
ليست واحدةٌ من هذه الطهارات مزيلةً لِعَيْنٍ نجاسة فيها، فينبغي بعد هذا أن أمره بالاغتسال
تعبُّد، والحُكُم بأنه غير فرض تحكّم والله أعلم، غير أن الترمذي خرج حديثَ قيسٍ بن
عاصم حين أسلم فأمره رسولُ الله ◌َ ل﴿ أن يغتسل. قال الترمذي: وعلى هذا العمل عند أهل
العلم يَسْتحِبُّون للكافر إذا أسلم أن يغتسل، ويغسل ثيابه، فقال: يستحِبُّون، وجعلها مسألة
استحباب.
٢٦٠