النص المفهرس

صفحات 201-220

قال أبو سَعيد الخُذْريّ في حديثه: إن رسولَ الله - نَّه ــ قال: ((لما دخلتُ السماء
الدنيا، رأيت بها رجلاً جالسًا تُعرَض عليه أرواح بني آدم، فيقول لبعضها، إذا عُرضت
عليه خيرًا ويُسرّ به، ويقول: روح طيّبة خرجت من جَسد طيب، ويقول لبعضها إذا
عُرضت عليه: أُفٍّ، ويَعْبِس بوجهه ويقول: روح خبيثة خرجت من جَسد خبيث. قال:
قلت: مَن هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم، تُعرَض عليه أرواح ذرّيته، فإذا مَرّت به
روح المُؤْمن مِنْهم سُرّ بها: وقال روح طيبة خرجت من جَسد طيب. وإذا مرّت به روح
الكافر منهم أقّف منها، وكَرِهها، وساء ذلك، وقال: روحٌ خبيثةٌ خرجت من جَسد
خبيث . .
رؤية النبي ربه (١):
فصل: وقد تكلم العلماء في رؤية النبي وَلّ لربه ليلة الإسراء، فروى مسروقٌ عن
عائشة أنها أنكرت أن يكون رآه، وقالت مَن زعم أن محمدًا رأى ربَّه، فقد أعظم على الله
الْفِرْية، واحتجت بقوله سبحانه: ﴿لا تُذْرِكُه الأبصارُ وهو يُدْرِك الأبصارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]
وفي مصنف الترمذي عن ابن عباس وكعب الأحبار أنه رآه، قال كعب: إن الله قسم رؤيته
وكلامَه بين موسى ومحمد، وفي صحيح مسلم عن أبي ذَرِّ قلت: يا رسول الله هل رأيتَ
ربَّك؟ قال: رأيت نورًا، وفي حديث آخر من كتاب مسلم أنه قال: نورًا أنّى أراه، وليس في
هذا الحديث بيان شافٍ أنه رآه، وحكي عن أبي الحسن الأشعري أنه قال: رآه بعيني رأسِه،
وفي تفسير النقاش عن ابن حنبل أنه سُئِلَ: هل رأى مُحمدٌ رَبَّه، فقال: رآه رآه رآه حتى
انقطع صوته، وفي تفسير عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وذكر إنكار عائشة أنه رآه، فقال
الزهري: ليست عائشة أعلَم عندنا من ابنِ عباس، وفي تفسير ابن سلام عن عروة أنه كان إذا
ذكر إنكار عائشة أن يكون رسولُ الله - وَّر ـ رأى ربه يشتدّ ذلك عليه، وقول أبي هريرة في
هذه المسألة كقول ابن عباس أنه رآه؟ روى يونس عن ابن إسحاق عن داود بن الحصين قال:
سأل مروان أبا هريرة: هل رأى محمد ربه؟ قال: نعم، وفي رواية يونس أن ابن عمر أرسل
إلى ابن عباس يسأله: هل رأى محمد ربه؟ فقال: نعم رآه، فقال ابن عمر: وكيف رآه، فقال
ابن عباس كلامًا كرهت أن أورده بلفظه لما يُوهم من التشبيه، ولو صحّ لكان له تأويل والله
أعلم، والتحصيل من هذه الأقوال - والله أعلم - أنه رآه لا على أكمل ما تكون الرؤية على
نحو ما يراه في حظيرة الْقُدْسِ عند الكرامة العظمى والنعيم الأكبر، ولكن دون ذلك، وإلى
هذا يُومي قولُه: رأيت نورًا ونورًا أني أراه في الرؤية الأخرى والله أعلم.
(١). انظر مزيد إيضاح في الشفاء للقاضي عياض (٢٥٠/١) والمزاد لابن القيم (٣٥/٣).
٢٠١

قال ثم رأيت رجالاً لهم مَشافر كمَشافر الإبل، في أيديهم قِطَع من نار كالأنهار،
يقذفونها في أفواههم، فتخرج من أدبارهم. فقلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء
أكَلة أموال اليتامى ظُلْمًا (١).
وأما الدُّنُوُّ والتّدَلِّي فهما خبرٌ عن النبي - وَّهَ ــ عن بعضٍ المفسرين، وقيل إن الذي
تدلى هو جبريلُ عليه السلام تدلى إلى محمد حتى دنا منه وهذا قول طائفة أيضًا، وفي
الجامع الصحيح في إحدى الروايات منه: فتدَلّى الجبار، وهذا مع صحة نقله لا يكاد أحدٌ
من المفسرين يذكره لاستحالة ظاهره، أو للغفلة عن موضعه، ولا استحالة فيه؛ لأن حديثَ
الإسراء إن كان رؤيا رآها بقلبه وعينُه نائمةٌ - كما في حديث أنس فلا إشكال فيما يراه في
نومه عليه السلام فقد رآه في أحسن صورة ووضع كفّه بين كتفيه، حتى وجد بزدها بين ثدييه
رواه الترمذي من طريق معاذٍ في حديث طويل(٢)، ولما كانت هذه رؤيا لم ينكرها أحدٌ من
أهل العلم، ولا استبشعها، وقد بيّنًا آنفًا أن حديث الإسراء كان رؤيا ثم كانَ يَقظة فإن كان
قوله فتدلّى الجبَّارُ في المرة التي كان فيها غير نائم، وكان الإسراء بجسده، فيقال فيه من
التأويل ما يقال في قوله: ينزل ربُّنا كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا، فليس بأبعدَ منه في باب
التأويل، فلا نَكَارَةً فيه كان في نوم أو يقظة، وقد أشرنا إلى تمام هذا المعنى في شرح ما
تضمنه لفظ الْقَوْسَين من قوله: قَابَ قَوْسَيْن في جزءٍ أمليناه في شرح سبحان الله وبحمده،
تَضَمَّن لطائف من معنى التَّقْديس والتسبيح، فلينظر هناك وأملينا أيضًا في معنى رؤية الرب
سبحانه في المنام، وفي عَرَصَاتِ القيامة مسألة لقناع الحقيقة في ذلك كاشفةً فمَن أراد فهم
الرُّؤْية والرؤيا فلينظرها هنالك، ويقوّي ما ذكرناه من معنى إضافة التدَلِّي إلى الرِّبِّ سبحانه
كما في حديث البخاري ما رواه ابن سنجر مُسْندًا إلى شُرَيح بن عبيد، قال: لما صعد
النبي - نَّهَ - إلى السماء، فأوحى إلى عبده ما أوحى، فلما أحسّ جبريل بدُنوِ الرَّبُّ خرّ
ساجد، فلم يَزَلْ يُسبِحِ سُبْحَانَ رَبِ الْجَبَرُوتِ والْمَلَكُوتِ والْكِبْرياءِ والعظمة حتى قضى الله
إلى عبده ما قضى، قال: ثم رفع رأسه، فرأيته في خَلْقه الذي خُلِق عليه منْظُومًا أجنحتُه
بالزَّبَرَ جَدٍ واللؤلؤ والياقوت، فخُيِّل إليَّ أن ما بين عينيه قد سدّ الأفقين، وكنت لا أراه قبل.
ذلك إلا على صُوَرٍ مختلفة، وكنت أكثر ما أراه على صورة دِخْيَة بن خليفة الكَلْبِي، وكان
أحيانًا لا يراه قبل ذلك إلا كما يرى الرجلُ صاحبه من وراء الغربال(٣).
(١) وردت هذه المشاهد في رواية البيهقي كما تقدم تخريجه.
(٢) ((حسن)). أخرجه الترمذي (٣٢٣٤) وأحمد (٣٧٥/٣٩٨/١) (٦٦/٤) والطبراني (٣٤٩/٨).
(٣) جاءت الأحاديث ((الصحيحة)) المصرّحة برؤيته لجبريل في عدة صور وعلى صورته التي خلقه الله
عليه له ستمائة جناح، أما كونه كان - يوليو - يراه كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال في حاجة =
٢٠٢

قال: ثم رأيت رجالاً لهم بُطون لم أرَ مثلَها قطُّ بسَبيل آل فرعون، يمُرّون عليهم
كالإبل الْمَهْيُومة حين يُعْرَضون على النار، يطؤونهم لا يقدرون على أن يتحوّلوا من
مكانهم ذلك. قال: قلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكَلَة الربا.
قال: ثم رأيتُ رجالاً بين أيديهم لحم ثمين طيِّب، إلى جنبه لحم غَثٌّ منتن،
يأكلون من الغثّ المنتن، ويتركون السمين الطيب. قال: قلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الذين يَتركون ما أحلَّ الله لهم من النِّساء، ويَذهبون إلى ما حرّم الله عليهم
منهن .
قال: ثم رأيت نساءً مُعلَّقات بثديّهنّ، فقلتُ: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء
اللاتي أدخلن على الرجال مَن ليس من أولادهم.
قال ابن إسحاق: وحدّثني جعفر بن عَمْرو، عن القاسم بن محمد أن رسولَ
الله - وَ ل٤ - قال: ((اشتدّ غضب الله على امرأة أدخلت على قوم مَنْ ليس منهم، فأكل
حَرائبهم، واطّلع على عوراتهم))(١) .
عود إلى حديث الخدري: ثم رجع إلى حديث أبي سَعيد الخُدريّ، قال: ((ثم
أصعدني إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابنا الخالةً: عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريًّا،
قال: ثم أضعدني إلى السماء الثالثة، فإذا فيها رجل صورته كصورة القمر ليلة البدر،
قال: قلت: مَن هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك يوسف بن يعقوب. قال: ثم أضعدني
لقاؤه للنبيين :
فصل: ومما سئل عنه من حديث الإسراء، وتكلم فيه لقاؤه لآدم في السماء الدنيا،
ولإبراهيم في السماء السابعة، وغيرهما من الأنبياء الذين لقيهم في غير هاتين السماءين،
والحكمةُ في اختصاص كل واحد منهم بالسماء التي رآه فيها، وسؤال آخر في اختصاص
هؤلاء الأنبياء باللقاء دون غيرهم، وإن كان رأى الأنبياء كلهم، فما الحكمة في اختصاص
هؤلاء الأنبياء بالذكر؟ وقد تكلم أبو الحسن بن بطال في شرح البخاري على هذا السؤال،
فلم يصنع شيئًا، ومغزى كلامه الذي أشار إليه أن الأنبياء لمّا علموا بقدومه عليهم ابتَدَرُوا إلى
لقائه ابتدار أهل الغائبٍ للغائب القادم، فمنهم من أسرع، ومنهم مَن أبطأ. إلى هذا المعنى
أشار فلم يزد عليه، والذي أقول في هذا: إن مأخذ فهمه من علم التعبير، فإنه من علم
إلى دليل ((صحيح)) يعتضده.
=
(١) انظر المجمع (٢٢٥/٤) والكنز (١٣٠٠٢).
٢٠٣

إلى السماء الرابعة، فإذا فيها رجل فسألته: مَن هو؟ قال: هذا إدريس - قال: يقولَ رسولُ
الله - وَ﴾ -: ورفعناه مكانًا عليًّا - قال: ثم أضعدني إلى السماء الخامسة فإذا فيها كَهْل
أبيضُ الرأس واللحية، عظيم العُثْلون، لم أرَ كَهْلاً أجملَ منه، قال: قلت: مَن هذا يا
جبريل؟ قال: هذا المُحَبَّبُ في قومه هارون بن عِمران، قال: ثم أصْعدني إلى السماء
السادسة، فإذا فيها رجل آدمُ طويلٌ أقْنى كأنه من رجال شَئُوءَة؛ فقلت له: مَن هذا يا
النبوءة، وأهلُ التعبير يقولون: مَن رأى نبيًّا بعينه في المنام، فإن رؤياه تُؤْذِن بما يُشبه حال
ذلك النبي من شِدَّةٍ أو رَخاء أو غير ذلك من الأمور التي أخبر بها عن الأنبياء في القرآن،
والحديثِ، وحديثُ الإسراء كان بمكةً وهي حَرَم الله وأمنه وقُطّانُها جيرانُ الله، لأن فيها
بيته، فأول ما رأى عليه من الأنبياء آدم الذي كان في أمن الله وجوارِه، فأخرجه عدوُّه إبليسُ
منها، وهذه القصة تشبهها الحالة الأولى من أحوال النبي - وَ ل﴿ - حين أخرجه أعداؤُه من
حَرَمِ الله وجوار بيته، فَكَرَبَه ذلك وغَمَّه. وأشبهت قصتُه في هذا قصة آدم، مع أن آدم تُعْرَض
عليهَ أرواحُ ذريتِهِ الْبَرّ والفاجر منهم، فكان في السماء الدنيا بحيث يرى الفريقين، لأن أرواح
أهلِ الشقاء لا تَلِجُ في السماء، ولا تُفْتَح لهم أبوابُها كما قال الله تعالى، ثم رأى في الثانية
عيسى ويحيى وهما الْممتَحنان باليهود، أما عيسى فكذبته اليهودُ وآذته، وهمُّوا بقتله فرفعه
الله، وأما يحيى فقتلوه، ورسولُ الله - وَلّره - بعد انتقاله إلى المدينة صار إلى حالة ثانية من
الامتحان، وكانت محنتُه فيها باليهود، آذَوْه وظَاهَروا عليه وَهمُّوا بإلقاء الصَّخْرة عليه، ليقتلوه
فَنجَّاه الله تعالى كما نَجَّی عیسى منهم، ثم سَمُّوه في الشاة، فلم تزل تلك الأَكْلَة تعاوده،
حتى قطعت أبْهَرَهُ(١) كما قال عند الموت، وهكذا فعلوا بابنَيْ الخالة: عيسى ويحيى، لأن أُمّ
يحيى أشياعُ بنت عمران أُخت مريم، أُمهما: حَنَّة، وأما لقاؤه ليوسفَ في السماء الثالثة، فإنه
يُؤذِن بحالة ثالثة تشبه حال يوسف، وذلك بأن بوسف ظَفِر بإخوته بعدما أخرجوه من بين
ظَهْرائَيْهِمْ فصفح عنهم، وقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عليكم﴾ الآية، وكذلك نبينا - عليه السلام - أسَرَ
يوم بذرٍ جُمْلةً من أقاربه الذين أخرجوه فيهم عمه العباسُ، وابن عمه عقيل، فمنهم مَن
أطلق، ومنهم مَن قبِل فداءه، ثم ظهر عليهم بعد ذلك عامَ الفتح فجمعهم، فقال لهم: أقول
ما قال أخي يوسف لا تَثْرِيبَ عليكم اليوم، ثم لقاؤه لإدريسَ في السماء الرابعة، وهو المكان
الذي سماه الله مكانًا عليًّا، وإدريس أول مَن آتاه الله الخطَّ بالقلم، فكان ذلك مُؤْذنًا بحالةٍ
رابعة، وهي عُلُوُّ شأنه - عليه السلام - حتى أخاف الملوكَ وكتب إليهم يدعوهم إلى طاعته،
حتى قال أبو سفيان، وهو عند ملك الروم، حين جاءه كتابٌ للنبي - عليه السلام -، ورأى
(١) الأبهر: عرق في الظهر.
٢٠٤

جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى بن عِمْران. ثم أصعدني إلى السماء السابعة، فإذا فيها
كَهْل جالس على كرسيّ إلى باب البيت المعمور، يدخله كلّ يوم سبعون ألفَ مَلَك، لا
يرجعون فيه إلى يوم القيامة. لم أرَ رجلاً أشبه بصاحبكم، ولا صاحبكم أشبه به منه،
ما رأى من خَوْف هِرقل: لقد أَمِرَ أمْرُ ابنٍ أبي كَبْشَة (١)، حتى أصبح يخافه مَلكُ بني
الأصْفَرِ، وكتب عنه بالقلم إلى جميع ملوك الأرض، فمنهم من اتّبعه على دينه كالنَّجَاشِي،
ومَلِكَ عمان، ومنهم مَن هادنه، وأهدى إليه وأتحفه كَهِرَقْل والْمُقَوْقِس، ومنهم مَن تعَصَّى
عليه، فأظهره اللَّهُ عليه، فهذا مقام عليّ، وخط بالقلم كنحو ما أُوتِيَ إدريس - عليه السلام -
ولقاؤه في السماء الخامسة لهارون الْمُحَبَّبِ في قومه يؤذن بحب قريشٍ، وجميع العرب له
بعد بُغْضهم فيه، ولقاؤه في السماء السادسة لموسى يؤذن بحالةٍ تشبه حالة موسى حين أمر
بغزو الشام فظهر على الجبابرة الذين كانوا فيها، وأدخل بني إسرائيل البلد الذي خرجوا منه
بعد إهلاك عدوهم، وكذلك غزا رسولُ الله - وَ﴿ه- تُبُوكَ من أرضٍ الشام، وظهر على
صاحب دَوْمَةً حتى صالحه على الْجِزْية بعد أن أتى به أسيرًا، وافتتح مكة، ودخل أصحابه
البلدَ الذي خرجوا منه، ثم لقاؤه في السماء السابعة لإبراهيم - عليه السلام - لحكمتين:
إحداهما: أنه رآه عند البيت المعمور مُسْنِدًا ظهره إليه والبيتُ المعمورُ حيال مكة، وإليه تحجّ
الملائكة، كما أن إبراهيم هو الذي بنى الكعبة، وأذّن في الناس بالحج إليها والحكمة الثانية
أن آخر أحوالِ النبي - وَلّ ◌ِ حِجُّه إلى البيت الحرام، وحَجّ معه نحوٌ من سبعين ألفًا من
المسلمين، ورؤيةُ إبراهيمَ عند أهلِ التأويل تؤذن بالحج، لأنه الداعي إليه والرافع لقواعدٍ
الكعبة المحجوبة، فقد انتظم في هذا الكلام الجوابُ عن السؤالين المتقدمين، أحدهما:
السؤال عن تخصيص هؤلاء بالذكر، والآخر: السؤال عن تخصيصهم بهذه الأماكن من
السماء الدنيا إلى السابعة، وكان الحزمُ تركَ التكلُّف لتأويل ما لم يرد فيه نصَّ عن السلّف،
ولكن عارضَ هذا الغرضَ ما يجب من التفكير في حكمة الله، والتدبّر لآيات الله، وقولُ الله
تعالى: ﴿إِنّ في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكّرون﴾ وقد رُوِيَ أن ((تفكّرَ ساعةٍ خيرٌ من عِبَادةِ سنةٍ))(٢)
ما لم يكن النظر والتفكير مجرّدًا من ملاحظة الكتاب والسنَّةِ، ومقتضى كلام العرب، فعند
(١) أي ارتفع شأنه.
(٢) (ضعيف)). أخرجه القرطبي في تفسيره (٣١٤/٤). وانظر التذكرة للفتن (١٨٨) والأسرار المرفوعة
للقاري (١٦٢) والفوائد للشوكاني؛ ٢٥١). وذكره ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الحديثية (٢٨٩)
بتحقيقي. وقد بيّنت هناك نسبة الكتاب لصاحبه وأنه مدسوس عليه، وأن الكتاب هو مجموعة من
المسائل والأسئلة جُمعت من مؤلفات السيوطي ونسبت للهيثمي زورًا. وقد نسب الكتاب للهيثمي
صاحب كشف الخفاء/ وغيره، وآخرهم ذكرًا له صاحب موسوعة أطراف الحديث. والعلامة الألباني
حفظه الله في سلسلته الضعيفة (حديث رقم ٢٥).
٢٠٥

قال: قلت: مَن هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم. قال: ثم دخل بي الجنة، فرأيتُ
فيها جاريةً لعساء، فسألتها: لمَن أنت؟ وقد أعجبتني حين رأيتُها، فقالت: لزيد بن
حارثة، فبشّر بها رسولُ الله وَل# زيد بن حارثة)).
ذلك يكون القولُ في الكتاب والسنة بغير علم عصمنا الله - تعالى - من ذلك، وجعلَنا من
الْمُمْتَئِلِينَ لأمرِه حيث يقول: فاعتبروا يا أُولي الأبصار وليدَّبروا آيَاتِهِ، ولِيَتَذَكَّر أُولو الألبابِ،
ولولا إسراعُ الناسِ إلى إنكار ما جهلوه، وغِلَظُ الطباع عن فَهُم كثير من الحكمة لأَبْدَيْنَا مِنْ
سِرِّ هذا السؤالِ، وكشفْنَا عن الحكمة في هؤلاء الأنبياء المسلمين في هذه المراتب أكثر مما
کشفْنَا .
البيت المعمور:
فصل: وذكر البيت المعمور، وأنه يَدْخُلُه كل يوم سبعون ألف ملَكِ روى ابن سنجر
عن علي - رحمه الله - قال: البيتُ المعمور بيتٌ في السماء السابعة يقال له: الضُّرَاحُ، واسم
السماء السابعة: عَرِيبًا، روى أبو بكر الخطيب بإسناد صحيح إلى وَهْب بن مُنَبِّه قال: مَن قرأ
البقرة وآل عمران يوم الجمعة كان له نُورٌ يملأ ما بين عَرِيبَاءَ وجريباء وجريبا، وهي الأرض
السابعة، وذكر عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف
دِخْيَة عند كل دِخْيَةٍ سبعون ألف ملك رواه عنه أبو التَّيَّاح [يزيد الضُّبَعِيّ] قال أبو سلمة: قلتُ
ما الدِّخيَةُ؟ قال: الرئيس. وروى ابنُ سنجر أيضًا من طريق أبي هريرة عن رسول الله - وَله -
قال: في السماءِ السابعة بيتٌ يقال له: الْمَعْمُور بِحِيالٍ مَكَّةَ، وفي السماء السابعة نهرٌ يقال له
الحيوان يدخله جبريل كل يوم فينغمس فيه انغماسةً، ثم يخرج فينتفض انتفاضة، يَخرّ عنه
سبعون ألف قَطْرَةً، يخلق الله من كل قطرة ملكًا ويؤمرون أن يأتوا البيت المعمور ويصلوا فيه
فيفعلون ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبدًا، [و] يولي عليهم أحدهم يؤمر أن يقف بهم من
السماء موقفًا يُشَبُّحون الله [فيه] إلى أن تقوم الساعة))(١).
فرض الصلاة:
فصل: وأما فرض الصلاة عليه هنالك، ففيه التنبيه على فضلها، حيث لم تُفْرض إلاَّ
في الحضرة الْمُقَدَّسَةِ(٢)؛ ولذلك كانت الطهارةُ من شأنها، ومن شرائط أدائها، والتنبيه على
أنها مناجاةُ الربّ، وأنا الربّ تعالى مُقْبِلٌ بوجهه على المصلي يناجيه يقول: حَمِدَني عبدي،
(١) ((ضعيف)). وقد تقدم التنبيه على مثله.
(٢) تقدم التنبيه أيضًا غير مرة على هذه اللفظة ونسبتها لله تعالى.
٢٠٦

قال ابن إسحاق: ومن حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن
النبي - * - فيما بلغني: أن جبريل لم يصعد به إلى سماء من السموات إلا قالوا له
حين يستأذن في دخولها: مَن هذا يا جبريل؟ فيقول: محمد، فيقولون: أوَ قد بُعِث؟
أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي إلى آخر السورة، وهذا مُشاكِلٌ لفرضها عليه في السماء السابعة حيث سمع
كلام الرب، وناجاه، ولم يعرج به حتى طُهْر ظاهرُه وباطنهُ بماء زمزم كما يتطهر المصلّي
للصلاة، وأُخْرِج عن الدنيا بجسمه، كما يخرج المصلّي عن الدنيا بقلبه، ويحرم عليه كل
شيء إلا مناجاة ربّه وتوجهه إلى قبلته في ذلك الحين، وهو بيت المقدس، ورفع إلى السماء
كما يرفع المصلّي يديه إلى جهة السماء إشارة إلى القِبلة العليا فهي البيت المعمور، وإلى
جهة عرش مَن يناجيه ويصلّي له سبحانه.
فرض الصلوات خمسين:
فصل: وأما فرض الصلوات خمسين ثم حطّ منها عشرًا بعد عشر إلى خمس صلوات.
وقد رُوِيّ أيضًا أنها حطّت خمسًا بعد خمس، وقد يُمكن الجمع بين الروايتين لدخول
الخمس في العشر، فقد تكلم في هذا النقص من الفريضة: أهُو نَسْخٌ أم لا؟ على قولين،
فقال قوم: هو من باب نَسْخ العبادة قبل العمل بها، وأنكر أبو جعفر النحاس هذا القول من
وجهين، أحدهما البناءُ على أصلِهِ ومذهبه في أن العبادة لا يجوز نسخُها قبل العمل بها، لأن
ذلك عنده من الْبَدَاءِ، والْبَدَاءِ مُحالٌ على الله سبحانه. الثاني: أن العبادةَ إن جاز نسخُها قبل
العمل بها عند مَن يرى ذلك، فليس يجوز عند أحدٍ نسخُها قبل هبوطها إلى الأرض
ووصولها إلى المخاطبين: قال: وإنما ادعى النسخ في هذه الصلوات الموضوعة عن محمد
وأمته القاشاني، ليصحّح بذلك مذهبه في أن البيان لا يتأخر، ثم قال أبو جعفر: إنما هي
شفاعة شفعها رسول الله - وَل﴿ه - لأَمته ومراجعةٌ راجعها ربّه، ليخفّف عن أمته، ولا يسمى
مثل هذا نسخًا.
قال المؤلف: أما مذهبه في أن العبادة لا تُنْسَخ قبل العمل بها، وأن ذلك بَدَاءٌ فليس
بصحيح، لأن حقيقة البَداءِ أن يَبْدُو للآمرِ رأيٌ يتبين له الصوابُ فيه بعد أن لم یکن تبیّنه،
وهذا مُحال في حق مَن يعلم الأشياء بعلم قديم(١)، وليس النسخ من هذا في شيء إنما
النسخ تبديلُ حكم بحكم، والكلُّ في سابق عِلمه ومقتضى حكمته، كنسخِه المرضَ بالصحة،
والصحةَ بالمرضِ، ونحو ذلك، وأيضًا بأن العبدَ المأمور يجب عليه عند توجّه الأمر إليه
(١) أزلي.
٢٠٧

فيقول: نعم، فيقولون: حيّاه الله من أخ وصاحب، حتى انتهى به إلى السماء السابعة، ثم
انتهى به إلى ربّه، ففرض عليه خمسين صلاة في كلّ يوم.
ثلاثُ عباداتٍ: الفعل الذي أُمِر به، والعزم على الامتثال عند سماع الأمر، واعتقاد الوجوب
إن كان واجبًا فإن نُسِخ الحكم قبل الفعل، فقد حصلت فائدتان: العزمُ واعتقادُ الوجوب.
وعلم الله ذلك منه، فصحَّ امتحانُه له واختباره إياه، وأوقع الجزاء على حسب ما علم من
نيته، وإنما الذي لا يجوز نسخ الأمر قبل نزوله، وقبل علم المخاطب به، والذي ذكتر
النحاس من نَسْخ العبادة بعد العمل بها، فليس هو حقيقة النسخ، لأن العبادة المأمور بها قد
مضت، وإنما جاء الخطاب بالنهي عن مثلها لا عنها، وقولنا في الخمس والأربعين صَلاةً
الموضوعةَ عن محمد وأُمته أحد وجهين، إما أن يكون نسخ ما وجب على النبي وَّر من
أدائها ورفع عنه استمرار العزم واعتقاد الوجوب، وهذا قد قدّمنا أنه نسخٌ على الحقيقة،
ونسخ عنه ما وجب عليه من التبليغ، فقد كان في كل مرة عازمًا على تبليغ ما أمر به، وقول
أبي جعفر: إنما كان شافعًا ومراجعًا ينفي النسخ فإن النسخ قد يكون عن سبب معلوم،
فشفاعته عليه السلام لأمته كانت سببًا للنسخ لا مُبْطِلةٌ لحقيقته، ولكن المنسوخ ما ذكرنا من
حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ وحكم الصلوات الخمس في خاصته، وأما أُمته فلم
ينسخ عنهم حكم إذ لا يتصور نسخ الحكم قبل بلوغه إلى المأمور، كما قدّمنا، وهذا كله
أحد الوجهين في الحديث.
والوجه الثاني أن يكون هذا خبرًا لا تَعبُّدًا، وإذا كان خبرًا لم يدخله النسخُ، ومعنى
الخبر أنه عليه السلام أخبره ربُّه أن على أُمته خمسين صلاة، ومعناه: أنها خمسون في اللوح
المحفوظ، وكذلك قال في آخر الحديث: هي خمسٌ وهي خمسون، والحسنة بعشر أمثالها
فتأوّله رسول الله ـ ـ على أنها خمسون بالفعل، فلم يزل يراجع ربَّه حتى بيَّن له أنها
خمسون في الثواب لا بالعمل. فإن قيل: فما معنى نفضها عشرًا بعد عشر؟ قلنا: ليس كل
الخلق يحضر قلبه في الصلاة من أولها إلى آخرها، وقد جاء في الحديث أنه يكتب له منها
ما حضر قلبه فيها، وأن العبد يصلّي الصلاة، فيكتب له نصفها ربعها حتى انتهى إلى عشْرِها،
ووقف، فهي خمسٌ في حق مَن كتب له عشرها، وعشر في حق مَن كتب له أكثر من ذلك،
وخمسون في حق مَن كَمُلت صلاته وأدّاها بما يلزمه من تمام خشوعها وكمال سجودها
ور کوعها .
أوصاف من الملائكة:
فصل: وذكر أنه عليه السلام لم يلقه مَلَكٌّ من الملائكة إلا ضاحكًا مستبشرًا إلا مالكًا
خازنَ جهنم، وذلك أنه لم يضحك لأحدٍ قبله، ولا هو ضاحك لأحدٍ، ومِصْداق هذا في
٢٠٨

قال: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((فأقبلت راجعًا، فلما مررت بموسى بن عمران ونِعْم
الصاحبُ كان لكم، سألني كم فُرض عليك من الصلاة؟ فقلت خمسين صلاة كلّ يوم؛
فقال: إن الصلاة ثقيلة، وإن أمتك ضعيفة، فارجع إلى ربّك، فاسأله أن يخفّف عنك
كتاب الله تعالى، قال الله سبحانه: ﴿عليها ملائكةٌ غِلاَظْ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦٠] وهم
موكلون بغضب الله تعالى فالغضب لا يزايلهم أبدًا، وفي هذا الحديث معارضة للحديث الذي
في صفة ميكائيل أنه ما ضَحِك منذ خلق الله جهنم، وكذلك يعارضه ما خرَّج الدَّارَقُطْنِيُّ أن
رسول الله - ◌َ﴿ ـ تبسم في الصلاة، فلما انصرف سُئِل عن ذلك، فقال: ((رأيت ميكائيلَ
راجعًا من طلب القوم، على جناحيه الغبارُ فضحِك إليَّ، فتبسمت إليه))(١) وإذا صحّ
الحديثان، فوجه الجمع بينهما: أن يكون لم يضحك منذ خلق الله النار إلى هذه المدة التي
ضحك فيها لرسول الله - رَ﴿ - فيكون الحديثُ عامًّا يُراد به الخصوص، أو يكون الحديث
الأول حدَّث به رسولُ الله - وَ﴿ - قبل هذا الحديث الأخير ثم حدّث بعدُ بما حَدَّث به من
ضَحِكِهِ إليه، والله أعلم ولَم يَرَ مالكًا على الصورة التي يراه عليها المعذبون في الآخرة، ولو
رآه على تلك الصورة ما استطاع أن ينظر إليه.
أكلة الربا في رؤيا المعراج:
وذكر أكَلَة الرِّبا وأنهم بسبيل آلٍ فرعون يمرون عليهم كالإبل المهيومة، وهي الْعِطاش،
والْهُيَام: شدة العطش، وكان قياس هذا الوصف ألاّ يقال فيه مَهْيومة، كما لا يقال معطوشة،
إنما يقال هائم وَهيْمان، وقد يقال: هُيُومٌ ويجمع على هيم، ووزنه فعل بالضم لكن كُسِر من
أجل الياء كما قال تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيم﴾ [الواقعة: ٥٥] ولكن جاء في الحديث
مَهْيُومة، كأنه شيء فعل بها كالْمَحْمُومة والْمجنُونة وكَالْمِنْهُوم، وهو الذي لا يَشْبع وكَان
قياس الياء أن تعتل، فيقال: مَهِيمة، كما يقال: مَبِيعة في معنى مَبْيُوعة، ولكن صحّت الياء،
لأنها في معنى الهيومة كما صحَّت الواو في عور لأنه في معنى أعور، كما صحّت في
اجْتَورُوا لأنه في معنى: تَجَاوَرُوا، وإنما رآهم منْتَفِخَةٌ بطونُهم؛ لأن العقوبة مُشَاكِلةٌ للذنب،
فآكل الربا يَزْبو بطنُه، كما أراد أن يرْبُو مالُه بأكل ما حُرِّم عليه، فَمُحِقَت البركَةُ من ماله،
وجُعِلت نَفْخًا في بطنه، حتى يقومَ كما يقومُ الذي يتخبَّطه الشيطانُ من الْمَسُ، وإنما جُعِلوا
بطريق آل فرعون يمرون عليهم غُدُوًّا وعَشِيًّا لأن آلَ فرعون هم أشد الناس عذابًا يوم القيامة،
كما قال سبحانه: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. فَخصُّوا بسبيلهم، ليعلَم أن
الذين هم أشدّ الناس عذابًا يطئونهم فضلاً عن غيرهم من الكفار، وهم لا يستطيعون القيامَ،
(١) ((إسناده ضعيف)). أخرجه الدارقطني (١/ ١٧٥) بتحقيقي. وفيه الوازع بن نافع: ضعيف.
٢٠٩
الروض الأنف/ ج ٢/ م ١٤

وعن أُمتك. فرجعتُ فسألت ربّي أن يخفّف عنّ، وعن أُمتي، فوضع عني عشرًا. ثم
انصرفت فمررت على موسى فقال لي مثلَ ذلك، فرجعت فسألت ربّي، فوضع عنّي
عشرًا. ثم انصرفت، فمررت على موسى، فقال لي مثل ذلك، فرجعت فسألته فوضع
٢٠
ومعنى كونهم في طريق جهنم بحيثُ يُمَرُّ بالكفار عليهم، أن الله سبحانه قد أوقف أمرَهم بين
أن ينتهوا، فيكون خيرًا لهم، وبين أن يعودوا ويصرّوا، فيدخلهم النار، وهذه صفةُ مَنْ هو
في طريق النار قال الله تعالى: ﴿فَمَن جاءَه مَوْعِظَةٌ من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى
الله﴾ [البقرة: ٢٧٥]. إلى آخر الآية وفي بعض المسنَدات أنه رأى بطونَهم كالبيوت، يعني:
آَكَلَّةَ الرِّبا، وفيها حَيَّاتٌ ترى خارج البطون. فإن قيل: هذه الأحوال التي وصفها عن أكَلَة
الربا إن كانت عبارةً عن حالهم في الآخرة، فآلُ فرعون في الآخرة قد أُدْخِلوا أشدَّ العذاب،
وإنما يُعْرَضُون على النارِ غُدُوًّا وعَشيًّا في الْبَرْزَخِ، وإن كانت هذه الحالُ التي رآهم عليها في
البَرْزَخ، فأيّ بُطون لهم، وقد صاروا عِظامًا ورفاتًا، ومُزِّقوا كُلَّ مُمَزّقٍ فالجواب أنه إنما رآهم
في البرزخ، لأنه حديثٌ عما رأى، وهذه الحال هي حال أرواحهم بعد الموت، وفيها
تصحيح لمَن قال: الأرواحُ أجسادٌ لطيفة قابلة للنعيم والعذاب، فيخلق الله في تلك الأرواح
من الآلام ما يجده مَنْ انتفخ بطنُه حتى وُطِىء بالأقدام، ولا يستطيع مِنْ قيام، وليس في هذا
الحديث دليلٌ على أنهم أشد عذاباً من آلٍ فرعونَ، ولكن فيه دليل علىّ أنهم يَطُؤُهم آلُ
فرعون وغيرهم من الكفار الذين لم يأكلوا الرَّبا ما داموا في البرزخ إلى إن يقوموا يوم
القيامة، كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطانُ من الْمَسِّ، ثم ينادي منادِي الله ﴿أدْخِلُوا آل فِرْعَوْن
أشدَّ العذاب﴾ [غافر: ٤٦] وكذلك ما رأى من النساء الْمُعَلِّقات بثديهنّ يجوز أن يكون رأى
أرواحَهُنَّ، وقد خُلق فيها من الآلام ما يجده مَنْ هذه حالُه، ويحتمل أيضًا أن يكون مُثِّلَت له
حالهنّ في الآخرة، وذكر الذينَ يدَعُون ما أحلّ اللَّهُ من نسائهم، ويأتون ما حرم عليهم،
وهذا نص على تحريم إتيان النساء في أعجازهنّ، وقد قام الدليل على تحريمه من الكتاب
والسُّنّة والإجماع، وقد ذكرنا المواضع التي يقوم منها التحريم على هذه المسألة من كتاب
الله، ومن حديث رسول الله -19 - وذكرنا ما جاء في ذلك عن ابن عباس من قوله: هو
الكفر، وقول ابن عمر: هي اللَّوطيّة الصغرى، وأما الإجماع، فإن المرأةَ تُرَدُّ بداء الْفَرْج،
ولو جازَ وطْؤُها في المسلك الآخر ما أجمعوا على رَدِّها بداء الفرج، وقد مهَّدنا الأدلة على
هذه المسألة مُفْردة في غير هذا الإملاء بما فيه شفاء والحمد لله.
الولد لغير رشدة:
وقوله: فأكل حرائبهم: الْحَرِيبَةُ: المال، وهو من الحرب، وهو السَّلَبُ، يريد أن الولد
إذا كان لغير رِشْدَةٍ نُسب إلى الذي وُلد على فراشه، فيأكل من ماله صغيرًا، وينظر إلى بناته
٢١٠

عنّي عشرًا، ثم لم يزل يقول لي مثل ذلك، كلما رجعت إليه، قال: فارجع فاسأل، حتى
انتهيتُ إلى أن وضع ذلك عني، إلا خمس صلوات في كلّ يوم وليلة. ثم رجعت إلى
من غير أُمه وإلى أخواته، ولَسْنَ بعَمَّاتٍ له، وإلى أُمّه وليست بجدَّة له، وهذا فساد كبير،
وإنما قدّم ذكر الأكل من حَرِيبته وماله قبل الاطّلاع على عَوْراته، وإن كان الاطّلاعُ على
الْعَوْرَاتِ أشنع، لأن نفقته عليه أول من حال صغره، ثم قد يبلغ حدّ الاطّلاع على عَوراته،
أو لا يبلغ، وأيضًا فإن الأم أرضعته بلبانها، ولم تدفعه إلى مرضعة كان الزَّوْجُ أَبًا له من
الرضاعة، وكان حكمه حكم الابن من الرضاعة، وفي ذلك نقصان من الشناعة، فإن بلغ
الصَّبِي، وتابت الأُم، وأعلمته أنه لغير رِشْدَة ليستعفَّ عن ميراثهم، ويكفّ عن الاطلاع على
عَوْراتهم، أو علم ذلك بقَرينةِ حالٍ وجب عليه ذلك وإن كان شرُّ الثلاثة كما جاء في الحديث
في ابن الزّنا، وقد تُؤُوَّلَ حديثُ شَرِّ الثلاثة على وُجوهٍ، هذا أقربها إلى الصواب، لقوله عليه
السلام: أكَلَ حَرائَِهم، واطِّلَع على عَوْراتهم، ومَن فعل هذا عن عَمْدٍ وقصد فهو شرّ الناس،
وإن لم يعلم فأكلُه واطلاعُه شرٌّ عمل، وأبواه حين زَنَيا فارقا ذلك العمل الخبيث لحينهما
والابن في عمل خبيثٍ من مَنْشَئِهِ إلى وفاته، فعملُه شَرُّ عمل.
حكم الحاكم لا يحلّ الحرام:
وفي هذا الحديث من الفقه أيضًا أن حكم الحاكم لا يُحلُّ حرامًا، وذلك أن الولد
في حكم الشريعة للفِراش إلا أن يُنْفَى باللْعَان، فإذا حكم الحاكم بهذا، وعلم الولدُ عند
بلوغه خلاف ما حكم به الحاكم لم يحلّ له بهذا الحكم ما حَرَّم الله عليه من أكل الحرائب
والاطلاع على العورات، وفي هذا ردًّ لمذهب أبي حنيفة من قوله: إن حكم الحاكم قد
يحلّ ما يعلَم أنه حرام مثل أن يشهد شاهدان على رجل أنه طلّق، وهما يعلمان أنه لم
يطلق فيقبل القاضي شهادتهما فيطلق المرأة على الرجل، فإذا بانَتْ منه كان لأحد الشاهدين
أن يَنْكِحَها مع علمه بأنه قد شَهِد زُورًا، لم يقل أبو حنيفة بهذا القول في الأموال لقول
النبي عليه السلام: ((إنما أنا بَشَرٌ وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ أحَدَكُم أن يكون الْحَنَ
بحُجَّتِه من صاحبه، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمَن قَضَيْتُ له بشَيءٍ من حَقِّ أخيه،
فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعةً من النار))(١) ففي هذا الحديث مع الذي تقدّمَ ردّ لمذهبه،
ولا حجة له في أن يقول ذلك مخصوص بالأموال من وجهين: أحدهما: أن القياسَ أصل
من أصوله، وقياس المسألتين واحد، الثاني: أنه قال من حق أخيه، ولم يقل من مال
أخيه، وهذا لفظ يعمّ الحقوق كلها قال المؤلف: وعندي أن أبا حنيفة رحمه الله: إنما بنى
(١) (صحيح)). أخرجه البخاري (٩/ ٣٢) ومسلم في الأقضية (٥) ومالك (٧١٩).
٢١١

موسى، فقال لي مثل ذلك، فقلت: قد راجعتُ ربي وسألته، حتى استحييتُ منه، فما أنا
بفاعل))، رواه البيهقي في كتاب دلائل النبوة وابن جرير وابن أبي حاتم.
هذه المسألة على أصله في طلاق الْمُكْرَه، فإنه عنده لازم فإذا أكره الرجلُ على الطلاق،
وقلنا يلزم الطلاق له، فقد حرمت المرأة عليه، وإذا حرمت عليه جاز أن ينكحها مَن شَاء
فالإثم إنما تعلّق في هذا المذهب بالشهادة دون النكاح، وقد خالفه فقهاءُ الحجاز في طلاق
المكرّه، وقولهم يعضده الأثر، وقول أبي حنيفة يعضده النظر، والخوض في هذه المسألة
يصدُّنا عمّا نحن بسبيله.
مکان إدريس :
فصل: وذكره لإدريس في السماء الرابعة مع قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾
[مريم: ٥٧]، مع أنه قد رأى موسى وإبراهيم في مكان أعلى من مكان إدريس فذلك والله أعلم
لما ذكر عن كعب الأحبار أن إدريس خصّ من جميع الأنبياء أن رفع قبل وفاته إلى السماء
الرابعة، ورفعه ملَكٌ كان صديقًا له، وهو الملَك الموكّل بالشمس فيما ذكر، وكان إدريس
سأله أن يُريه الجنة، فأذِنَ له الله في ذلك، فلما كان في السماء الرابعة رآه هنالك ملَكُ
الموت، فعجب، وقال أُمِرتُ أن أقبِض روحَ إدريس الساعة في السماء الرابعة، فقبضه
هنالك، فرفعه حيًّا إلى ذلك المكان العليّ خاصٍّ له دون الأنبياء(١).
قول الأنبياء في كل سماء:
فصل: وذكر من قول الأنبياء له في كل سماء: مَرْخبًا بالأخ الصالح، وقول آدم
وإبراهيم: بالابن الصالح وقد ذكرنا في أول هذا الكتاب حُجَّةً لمَن قال: إن إدريسَ ليس بجدٌ
لنُوحِ، ولا هو من آباء رسولِ الله -َ * - لأنه قال مَرْحَبًا بالأخ الصالح، ولم يقل: بالابن
الصالح.
خرافة طلب موسى أن يكون من أمة أحمد:
وأما اعتناءُ موسى - عليه السلام - بهذه الأُمَّة وإلحاحُه على نبيّها أن يشفع لها، ويَسأل
التخفيفَ عنها، فلقوله - والله أعلم - حين قُضِيَ إليه الأمرُ بجَانِبِ الْغَربيّ، ورأى صفات أُمة
محمد عليه السلام في الألواح، وجعل يقول: إني أجد في الألواح أُمّةً صفتُهم كذا، اللَّهمَّ
(١) (ضعيف)). وتقدم التنبيه على ما ينقله ابن وهب وكعب الأحبار من كتب أهل الكتاب، وكما ورد في
الصحيح أنه إذا حدّثنا أهل الكتاب بشيء فلا نصدقهم ولا نكذبهم، وكله تحت قاعدة ((ما وافق
القرآن وما خلافه)).
٢١٢

فمَن أدّاهنّ منكم إيمانًا بهنّ، واحتسابًا لهنّ، كان له أجْرُ خمسين صلاة مكتوبة.
رواه. وفي الحديث غرابة ونكارة.
اجعلهم أُمتي، فيقال له: تلك أُمة أحمد، وهو حديث مشهور (١)، فكان إشفاقه عليهم
واعتناؤه بأمرهم كما يعتني بالقوم مَنْ هُو منهم، لقوله: اللَّهمَّ اجْعَلْني منهم، والله أعلم.
بعض ما رأى:
ومما جاء في حديث الإسراء مما لم يذكره ابن إسحق في مُسْند الحارث بن أبي أسامة
أنه - عليه السلام - ناداه مُنادٍ، وهو على ظهر الْبُراق: يا محمد، فلم يعرج عليه، ثم ناداه
آخر: يا محمد يا محمد ثلاثًا، فلم يعرج عليه، ثم لقيته امرأة عليها من كُلِّ زينة ناشرةً
يديها، تقول: يا محمد يا محمد، حتى تَغَشَّته، فلم يعرج عليها، ثم سأل جبريلَ عمّا رأى،
فأخبره، فقال: أما المنادي الأول، فداعي اليهود لو أجبته لَتَهَوَّدَتِ أُمتك، وأما الآخر فداعي
النصارى، ولو أجَبتَه لَتَنَصَّرتْ أُمتك، وأما المرأة التي كان عليها من كل زينة، فإنها الدنيا لو
أَجَبْتَهَا لآثرتَ الدنيا على الآخرة(٢).
(١) حديث باطل لا يصح. وكيف لموسى عليه السلام أن يختار غير ما اختار الله تعالى له.
(٢) تقدم أن هذه المشاهد أخرجها البيهقي في الدلائل، وفيها نكارة، وهي منتشرة بين الناس من
الحديث المنسوب إلى ابن عباس في الإسراء، وأخذها الكاتب [لويس عوض] وقال عنها: إنها نص
أدبي راقٍ !!! ولكلِّ وجهة.
٢١٣

كفاية الله أمر المستهزئين
قال ابن إسحاق: فأقام رسولُ الله - ◌َالتر ــ على أمر الله تعالى صابرًا محتسبًا، مؤدّیًا
إلى قومه النصيحة على ما يلقَى منهم من التكذيب والأذى والاستهزاء. وكان عظماء
المستهزئين - كما حدثني يزيد بن رُومان، عن عُروة بن الزبير خمسةَ نَفَر من قومهم،
وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم.
من بني أسَد بن عبد العزى بن قُصَيّ بن كِلاب: الأسودُ بن المطلب بن أسد أبو
زَمعة، وكان رسُول الله - بَير - فيما بلغني - قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه
به، فقال: اللهمّ أعْم بصره وأثْكِلْه ولَده.
ومن بني زُهرة بن كلاب: الأسودُ بن عبدٍ يَغوث بن وَهْب بن عبد مناف بن
زُهرة.
ومن بني مخزوم بن يَقظة بن مُرّة: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن
مخزوم.
ومن بني سَهْم بن عمرو بن هُصَيص بن کَعْب: العاصُ بن وائل بن هشام. قال
ابن هشام: العاصُ بن وائل بن هاشم بن سُعَید بن سَهْم.
عن المستهزئين وملكان(١)
فصل: وذكر حديثَ المستهزئين الذين أنزل الله فيهم: ﴿إِنَا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئین﴾
(١) انظر الكامل لابن الأثير (٥٩٢/١).
٢١٤

ومن بني خُزاعة: الحارث ابن الطّلاطِلة بن عمرو بن الحارث بن عبد عمرو بن
لُؤَي بن مِلْكان.
فلما تمادوا من الشرّ، وأكثروا برسول الله - وَ لير - الاستهزاء، أنزل الله تعالى عليه:
﴿فَاضْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعلون معَ اللَّه
إِلْهَا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٣ - ٩٥].
قال ابن إسحق فحدَّثني يزيد بن رُومان، عن عُزْوة بن الزبير، أو غيره من العلماء
أن جبريل أتى رسولَ الله - بَّل ـ وهم يطوفون بالبيت، فقام، وقام رسولُ الله - وَلّره - إلى
جَنْبه فمرّ به الأسودُ بن المطلب، فرمى في وجهه بورقة خضراء، فعَمِيَ، ومرّ به
الأسودُ بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى فمات منه حَبَنا. ومرّ به الوليدُ بن
المغيرة فأشار إلى أثر جُرح بأسفل كعب رجله، كان أصابه قبل ذلك بسنين، وهو يَجرِّ
سَبَله، وذلك أنه مرَّ برجل من خُزاعة، وهو يَريش نَبلا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره،
فخدش من رجله ذلك الخدشَ، وليس بشيء، فانتقض به، فقتله. ومرّ به العاص بن
[الحجر: ٩٥] وذكر فيهم الحارث) ابن الطُّلاَطِلةَ، والطُّلاَطِلَةُ: أُمُّه، قال أبو الوليد الوقَشِي،
والطُّلاَطِلَةُ في اللغة: الداهية، قال أبو عبيد: كُلُّ داءٍ عُضَال فهو: طُلاطِلَة، وذكر في نسبه
عبدَ عمرو بن مِلْكان بالضبطين جميعًا، وفي حاشية كتاب الشيخ الحافظ أبي بحر، قال: قد
تقدم من قول ابن حبيب النحوي أن الناس ليس فيهم مَلَكان بفتح الميم إلا مَلَكَان بن
جَرْم بن زَبَّان بن حُلْوانِ عِمْران بن الحَافِ بن قُضَاعَة، ومَلَكَانُ بن عباد بن عِياض بن
عُقبة بن السَّكُون بن أشرس، وإخوة عدي هم: تُجِيب عرفوا بأمهم تُجِيب بنت دُهْم بن
ثوبان، وهم من كِنْدَة، وكل من في الناس وغيرهما مِلْكان مكسور الميم ساكن اللام، وقال
مشايخ خزاعة: في خزاعة مَلَكَانُ بفتح الميم، قال القاضي: يعني ابن حبيب: مَلَكان بن
أفْصَى بن حارثة بن ثَعْلَبة بن عمرو بن عامر، وقال غیر ابن حبيب کالذي يخرج من عبارته:
إن الذي في خُزَاعَة إنما هو مِلْكان بن أَفْصى مثل مِلْكان بن عدي بن عبد مناة من الرباب
الذين منهم ذو الرُّمة الشاعر، ومثل مِلْكان بن عَبْد مناة من الرباب أيضًا رهط سُفْيان بن
سَعِيد الثّوري. وذكر في المستهزئين الأسود بن عَبْد يَغُوث الزهري روى أنه لما أنزل الله
تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكُ المُسْتَهْزِئِين﴾ [الحجر: ٩٥] نزل جبريل عليه السلام فحنا ظهْرَ الأسود،
فقال رسولُ الله وَلاتر: خالي خالي، فقال له جبريل: خَلْ عنك، ثم حناه حتى قتله، ذكره
الدَّارَقُطْنِي(١).
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور (١٠٨/٤).
٢١٥

وائل، فأشار إلى أخمص رجله، وخرج على حمارٍ له يريد الطائف، فَرَبض به على
شُبارقة، فدخلت في أخْمَص رجله شوكةٌ، فقتلته ومرّ بُه الحارث ابن الطُّلاطِلَة، فأشار
إلى رأسه، فامتخض فَيْحًا فقَتله (١).
الوليد وأبو أزيهر
قال ابن إسحق: فلما حضرت الوليدَ الوفاةُ دعا بنِيهِ، وكانوا ثلاثة: هشام بن
الوليد، والوليد بن الوليد، وخالد بن الوليد، فقال لهم: أي بَنِيّ، أوصيكم بثلاث، فلا
تُضيِّعوا فيهن: دَمي في خُزاعة، فلا تَطْلُنَّهُ، والله إني لأعلم أنهم منه بُرآء، ولكني أخْشَى
أن تُسَبُّوا به بعد اليوم، ورِباي في ثَقِيف، فلا تدَعوه حتى تأخذوه، وعُقْرى عند أبي
◌ُزَيْهِر، فلا يفوتَنَّكم به. وكان أبو أزَيهر قد زوّجه بنتًا، ثم أمسكها عنه فلم يُدخلها عليه
حتى مات.
فلما هلك الوليد بن المغيرة، وثبت بنو مخزوم على خزاعة يطلبون منهم عقل
الوليد، وقالوا: إنما قتله سَهْمُ صاحبكم - وكان لبني كعب حِلْف من بني
عبد المطلب بن هاشم - فأبت عليهم خُزاعة ذلك، حتى تقاولوا أشعارًا، وغَلُظ بينهم
حديث الوليد بن المغيرة
فصل: وذكر وفاةَ الوليد بن المغيرة، وقولَه لبنيه: وعُقْرى عند أبي أُزَيْهِر الدَّوْسِي لا
تدعوه العَقْر: دُيَةُ الفَرْجِ المَغْصُوبِ، وأصلُه في البِكْر من أجل التَّذمِية، ومنه عَقَر السَّرْجُ
الفَرَسَ: إذا أدماه، وبَيْضَةُ العُقْرِ منه؛ لأنهم كانوا يقيسون البِكر بالبَيْضَةِ، ليعرفوا بكورتها،
وقيل: عُقْر بضم العين، لأنه بمعنی بضع.
عن مقتل أبي أُزیهر وموقف دوس
وذكر قَتْل هشام بن الوليد لأبي أُزَيْهر وخبرَ أم غَيْلان مع ضِرَار حين أجارته، ومن تمام
الخبر: أن دَوْسا لما بلغها مقتلُ أبي أُزيهر الدوسي، وثبت على رجال من قريش كانوا
عندهم، فقتلوا منهم بجير بن العَوَّام أخا الزُّبَيْر، وأرادوا قتلَ ضِرارِ بن الخطاب، فأجَارَته أمُّ
غَيْلاَن وابنُها عوف، قال ضرار: لقد أدخلتني بين درعها وبدنها، حتى إني لأجد تَسْبِيدَ
رُكَبها، والتَّسْبِيد: موضع الحَلْق من الشعر، وكان الذي قتل بُجَيْرًا صبيحُ بن سعد أو
مَلِيح بن سَعْد جد أبي هُرَيْرَة لأَمه؛ لأن أمَّه أميمة بنتَ مَلِيح أو صبيح.
٠
(١) السابق.
٢١٦

الأمر - وكان الذي أصاب الوليدَ سهمُه رجلاً من بني كعب بن عمرو من خزاعة - فقال
عبدُ الله بن أبي أُمَيَّةِ بن المُغِيرة بن عبد الله بن عمر بن مُخْزوم:
وأن تتركوا الظَّهْرَانَ تَعْوي ثعالِبُه
إني زَعيم أن تَسيرُوا، فَتَهْرِبُوا
وأن تسألوا: أيّ الأراك أطايبه؟
وأن تتركوا ماءً بجِزْعِة أُطْرِقا
ولا يَتعالى صاعدًا مَنْ نحاربه
فإنَّا أناسٌ لا تُطَلّ دماؤنا
وكانت الظّهْران والأراك منازلَ بني كَعْب، من خُزاعة. فأجابه الجَوْنُ بن أبي الجَوْن:
أخو بني كعب بن عَمْرو الخُزاعيّ، فقال:
ولمَّا قَرَوْا يومًا تَزول کَواكِبُه
والله لا نُؤْتِي الوليدَ ظُلامِةً
وتُفْتَح بعد الموت قَسْرًا مَشاربه
ويَصْرَعُ منكم مُسْمِنٌ بعد مُسْمِنِ
فكلُّكم باكي الوليدِ ونادبه
إذا ما أكلتم خُبزكم وخَزِيرَكم
ثم إن الناسَ ترادوا وعَرَفوا أنما يَخْشَى القومُ السُّبة، فأعطتهم خزاعةُ بعض العَقْل،
وانصرفوا عن بعض. فلمَّا اصطلح القوم قال الجَوْن بن أبي الجَوْن:
عن أطرقا ومن أحكامه أن:
فصل: وذكر شعر عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة وفيه:
وأن تتركوا ماءً بِجِزْعَةٍ أَطْرِقا
والجَزْعَةُ والجَزِعُ بمعنى واحد (١)، وهو معظم الوادي، وقال ابن الأعرابي: هو ما انثنى
منه، وأَطْرِقا اسم عَلَم لموضع(٢) سمي بفعل الأمر للاثنين، فهو مَحْكِيٍّ لا يُعْرَبُ، وقيل: إن
أصل تسميته بذلك أن ثلاثةَ نفر مرّوا بها خائفين، فسمع أحدهم صوتًا، فقال لصاحبيه:
أَطْرِقا، أي: أَنْصتا، حتى نرى ما هذا الصوت، فسمي المكان بأطْرِقا، والله أعلم. وذكّر
شغر الجَوْنِ بن أبي الجون، وفيه:
(١) جزع: الجيم والزاء والعين أصلان: أحدهما الانقطاع، والآخر: جوهر من الجواهر. فأما الأول
فيقولون: جَزّعْتُ الرملة إذا قطعتها؛ رمته: جِزعُ الوادي، وهو الموضع الذي يقطعه من أحد جانبيه
إلى الجانب؛ ويقال: هو منعطفه، والجزع: نقيض الصبر، وأما الآخر فالجزّع وهو الخرز
المعروف. انظر مقاييس اللغة (٤٥٣/١). اللسان (٤٧/٨).
(٢) اسم موضع بنواص مكة.
٢١٧

لِما قد حَمَلْنا للوليد وقائلٍ
وقائلةٍ لمَّا اصطلحْنا تَعَجُبا
ولمَّا تَروا يومًا كثيرَ البلابل
ألم تُقْسموا تُؤْتوا الوليدَ ظُلامةً
فأمَّ هواه آمنا كل راحل
فنحن خَلطنا الحربَ بالسِّلم فاستوت
ثم لم ينته الجَوْنُ بن أبي الجَوْن حتى افتخر بقَتْل الوليد، وذكر أنهم أصابوه،
وكان ذلك باطلاً. فلحق بالوليد وبوَلده وقَوْمه من ذلك ما حَذره.
فقال الجَوْن بن أبي الجَوْن:
ألا زَعَم المُغيرة أنْ كَعْبا
بمكّة منھمُ قَدْرٌ كَثِيرُ
ألم تُقْسِمُوا تُؤْتُوا الوليد ظُلاَمَةً
أراد: أن تؤتوا، ومعناه: أن لاَ تُؤْتوا كما جاء في التنزيل: ﴿يُبَيْنُ اللَّهُ لكم أن تضِلُّوا﴾
[النساء: ١٧٦] في قول طائفة، ومعناه عندي: كره لكم أن تَضِلُّوا، وقد قدمنا في الجزء قبل
هذا كلام على أن، ومقتضاها وشيئًا من أسرارها فيه غنية، وإذا كان الكلامُ محمولاً على
معناه فالنصب جائزٌ، والرَّفْع جائز أيضًا، كما أنشدوا(١):
ألا أيُّهذا الزَّاجِرِي أخضُرَ الوَغى
بنصب: أحضُرَ ورفعه، وأنشد سِیبَونه:
ونَهْنَهْتُ نِفْسي بعدما كِدْتُ أَفْعَلَه(٢)
يريد: أن أفعلَه، وإذا رفعت في هذا الموضع لم يُذْهِب الرفعُ معنى أن فقد حكى
سيبويه: مره يحفرها، وقدره تقديرين، أحدهما: أن يريدَ الحال أي: مُزه حافرًا لها،
والثاني: أن يريد: مُرْه أن يحفرَها، وارتفع الفعل لما ذهبت أن من اللفظ، وبَيَّن ابنُ جني
الفرقَ بين التقديرين، وقال: إذا نويت أن فالفعلُ مستقبل، وإذا لم تَنْوِها فالفعل حاضر،
وههُنا مسألةٌ من العرب ذكرها الطبري، قال: العرب تقول لمن توجه في أمر: تصنع ماذا
وتفعل؟ ماذا على تقدير: تريد أن تصنع ماذا، فإذا قالوا: تريد ماذا لم يكن إلا رفعًا، لأن
المعنى الذي يجلب معنى أن الناصبة ليس في قوله: تريد؛ إذ لا يستقيم أن تقول: تريد أن
تريد ماذا، يعني: أن الإرادة لا تراد.
(١) صاحب البيت هو: طرفة بن العبد: وفيه: ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى. والوغى أصله الصوت
والجلبة ثم كنى به عن الحرب. انظر القصائد العشر للخطيب التبريزي (١٠٣).
(٢) انظر الكتاب لسيبويه (١٥٥/١).
٢١٨

فلا تَفْخر مُغيرةُ أنْ ترَاها
بِها آباؤنا، وبها وُلِدْنا
وما قال المُغيرة ذلك إلا
فإِنَّ دمَ الوليد يُطَلّ إِنَّا
كساهُ الفاتِكُ المَيمونُ سَمْهما
بها يَمْشِي المُعَلْهَجِ والمَهِير
كما أزْسَى بمَثْبَته ثَبِيرُ
ليَغلم شأننا أوْ يَسْتَثير
نَطُلَّ دِماءً أنت بها خبيرُ
زُعافا وهو ممتلىءٌ بَهِيرُ
شعر الجون:
وذکر شعر الجون أيضًا، وفيه:
بها يمشي المُعَلْهَجُ والمَهِيرُ
المهير(١): ابن المهورة الحُرَّة والمُعَلْهَجُ(٢): المتردد في الإماء كأنه منحوت مني
أصلين: من العِلْج لأن الأمة: عِلْجَة، ومن اللَّهَج، كأن وَاطِىءَ الأَمَةِ قد لَهِجَ بها، فَنُحْتَ
لفظِ المُعَلْهَج من هذين اللفظين(٣).
وفيه :
كما أرْسَى بِمَثْبَتِهِ ثَبِيرُ
كذا صحت الرواية في أرسى بالتخفيف وهو زِحاف داخلٌ على زحاف؛ لأن تسكينَ
اللام مِن مُفَاعَلْتُن في الوافر زِحاف، ولكنه حَسَنٌ كثير،، فلما كثر شَبَّهه هذَا الشاعرُ بمفَاعيل؛
لأنه على وزنه، ومَفَاعِيلُنْ يَحْسُن حذفُ الياء منها في الطويل، فيصير فعُولن مَفَاعِلُن فلذلك
أَدَخَل هذا الشاعرُ الزحافَ على مُفَاعَلْتُن لأنه بعد السكون في وزن مفاعيلن التي تحذف ياؤهاَ
حذفًا مستحسنًا،، فتدبره، فإنه مليح في علم العروض.
(١) المهير: الحرة والمهائر الحرائر. اللسان (١٨٦/٥).
(٢) المعلهج: الدَّعي. والمعلهج: الذي ولد من جنسين مختلفين. وقال ابن سيده: المعلهج: الذي
ليس يخالص النسب. اللسان (٣٢٨/٢).
(٣) علج: العين واللام والجيم: أصل صحيح يدل على تحرس ومزاولة في جفاء وغلظ. من ذلك:
العلج: وهو حمار الوحش، ربه يشبه الرجل الأعجمي. وقال الخليل: سمي علجًا لاستعلاج خَلْفِهِ
وهو غِلُه. والعلج: الشديد من الرجال. وحكوا: أرض معتلجة: وهي التي تراكب نيتها وطال
ودخل بعضه في بعض. مقاييس اللغة (١٢١/٤). والعلج: الرجل من كفار العجم، والأنثى علجة.
اللسان (٣٢٦/٢) واللهيج: قالوا: لهيج الأمر لهجًا ولهوج وألهج كلاهما: أولع به واعتاده. واللهج
بالشيء: الولوع به. اللسان (٣٥٩/٢).
٢١٩

كأنَّهُ عند وجَبْته بَعير
فخَرْ ببطْن مَكّة مُسْلَحِبًا
سيَكْفيني مِطالَ أبي هشام
صغارٌ جَعْدةُ الأوبار خور
قال ابن هشام: تركنا منها بيتًا واحدًا أقذع فيه.
ثورة لمقتل أبي أزهر:
قال ابن إسحاق: ثم عدا هشامُ بن الوليد على أبي أُزَيْهر، وهو بسُوق ذي المَجَاز،
وكان عند أبي سفيان بن حَرْب بنت أُزَيهر، وكان أبو أُزَيهر رجلاً شريفًا فِي قومه - فقتله
بعُقْر الوليد الذي كان عنده، لوصيّة أبيهِ إِيَّاه، وذلك بعد أن هاجر رسولُ الله - وَله - إلى
المدينة ومضى بدرٌ، وأُصيب به مَنْ أُصيب من أشراف قُرَيش من المشركين؛ فخرج
يَزيد بنُ أبي سُفيان، فجمع بني عبد مناف، وأبو سفيان بذي المَجاز، فقال الناس: أُخْفِرُ
أبو سفيان في صهْره، فهو ثائر به، فلمَّا سمع أبو سفيان بالذي صَنع ابنُه يزيد - وكان أبو
سفيان رجلاً حليمًا مُنكرًا، يحبّ قومه حبًا شديدًا - انحطّ سريعًا إلى مكة، وخشي أن
يكون بين قريش حَدَثّ في أبي أُزَيهر، فأتى ابنَه وهو في الحديد، في قَوْمه من بني
عَبْد مناف والمطيِّين، فأخذ الرمحَ من يده، ثم ضرب به على رأسه ضربةً هدَّه منها، ثم
قال له؛ قبَّحك الله! أتريد أن تضرب قُرَيشًا بعضهم ببعض في رجل من دَوْس. سَنُؤتيهم
العَقْلِ إن قَباوه، وأْفأ ذلك الأمرَ.
فانبعث حسَّان بن ثابت يُحَرّض في دَم أبي أُزَيهر، ويعيِّر أبا سفيان خُفْرَته ويُجْبِنه،
فقال :
وجارَ ابن حَرْب بالغَمَّس ما يغدو
غدا أهل ضَوْجَيْ ذي المجاز كِلَيهِما
وما منعت مخزَاةَ والِدِها هِنْد
ولم يمنع العيْرُ الضَّروطُ ذِمارَه
فأبْلٍ وأخْلِفْ مثلَها جُدُدًا بعدُ
كساكَ هشامُ بنُ الوَليدِ ثيابَهُ
وأصبحتَ رخوًا ما تخبْ وما تعْدُو
قَضَى وَطَرًا منه فأصْبح ماجدًا
من أسواق العرب:
فصل: وأنشد لحسَّانِ بن ثابت :
غدا أهلُ ضَوْجَيْ ذي المجاز بسُخْرَةٍ
ضَوْجُ الوادي: جانبه، وذو المجاز: سوقٌ عند عَرَفَةَ كانت العربْ إذا حَجَّت أقامت
بسوق عكاظٍ شهرَ شَوَّالٍ، ثم تنتقل إلى سوق مَجَنَّة فتقيم فيه عشرين يومًا من ذي القَعْدَة،
ثم تنتقل إلى سوق ذي المجاز فتقيم فيه إلى أيام الحج، وكانوا يتفاخرون في سوق عكاظ
٢٢٠