النص المفهرس
صفحات 181-200
قال رؤبة بن العَجَّاج : [ونحن ضَرَّابُون هامَ الْعُنْدِ] إذا تَبِع الضَّحَّاكَ كلٌّ مُلْجِد ابن هشام: يعني الضَّحاك الخارجيّ، وهذا البيت في أُرجوزة له. سبب نزول سورة الكوثر قال ابن إسحاق: وكان العاص بنُ وائل السَّهمي - فيما بلغني - إذا ذُكِر رسولُ الله - نَّ - قال: دعوه، فإنما هو رجلٌ أبْتر، لا عَقِبَ له، لو مات لانقطع ذِكْره، واسترحتم منه، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّا أعْطَيْنَاكُ الكَوْثَر﴾ ما هو خير لك من الدنيا وما فيها. والكوثرِ: العظيم. الأبتر والكوثر(١) فصل: وذكر قول العاصي بن وَائل: إن محمدًا أَبْتَرُ إذا مات انقطع ذكره، وأنزل الله تعالى فيه قوله من سورة الكوثر على قول ابن إسحاق، وأكثر المفسرين. وقيل: إن أبا جهل هو الذي قال ذلك. وقد قيل: كعب بن الأشرف، ويلزم على هذا القول الأخير أن تكون سورة الكوثر مدنية، وقد روى يونس عن أبي عبد الله الْجُعْفِي عن جابر الْجُعْفِي عن محمد بن علي، قال: كان القاسم ابن رسول الله - وَل﴿ - قد بَلَغ أنْ يركب الدابة، ويَسير على النّجِيبَة، فلما قبضه الله، قال العاصي: أصبح محمد أبتر من ابنه، فأنزل الله على نبيّهِ وَّهِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوثَرِ﴾ عِوَضًا يا محمد من مصيبتك بالقاسم: ﴿فصَلُ لربِّك وانحر إِن شَانِئَكَ هو الأَبْتَرُ﴾ ولم يقل: إن شانئك أبتر يتضمن اختصاصه بهذا الوصف، لأن هو في مثل هذا الموضع تعطي الاختصاص، مثل أن يقول قائل: إن زيدًا فاسق، فلا يكون مخصوصًا بهذا الوصف دون غيره، فإذا قلت: إن زيدًا هو الفاسق، فمعناه: هو الفاسق الذي زعمت، فدلّ على أن بالحضْرَةِ مَن يزعم غير ذلك، وهكذا قال الجرجاني وغيره في تفسير هذه الآية أنَّ هو تعطي الاختصاصَ، وكذلك قالوا في قوله سبحانه: ﴿وأنه هو أغْنَى وأقْنَى﴾ لما كان العباد يتوهمون أنَّ غير الله قد يغني، قال: هو أغْنَى وأقْنَى، أي: لا غيره، وكذلك قوله تعالى: ﴿وأنه هو أمات وأحيا﴾ إذ كانوا قد يَتَوَهَّمون في الإحياء والإماتة ما توهما النمرود حين قال: أنا أُخيي وأُميت، أي: أنا أقتل مَن شئتُ، وأسْتَخيي مَن شئت، فقال عزّ وجل: ﴿وأنه هو أمات وأحيا﴾ أي: لا غيره، وكذلك قوله تعالى: ﴿وأنه هُوَ ربُّ (١) انظر الطبري (٢١١/٣٠) وابن كثير (٣٥٥/٨) والبيهقي (٢٥٩/٩) الإتقان للسيوطي (٥٧/٢) والدرّ المنثور له (٦ /٤٠٤). ١٨١ الشّغْرَى﴾(١) أي: هو الرَّبُّ لا غيره، إذ كانوا قد اتخَذُوا أربابًا من دونه، منها: الشِّغْرى، فلما قال: وإنه خلق الزوجين، وأنه أهلك عادًا استغنى الكلام عن هو التي تعطي معنى الاختصاص، لأنه فعلٌ لم يَدَّعِه أحدٌ، وإذا ثبت هذا، فكذلك قوله: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ أي: لا أنت. والأبتر: الذي لا عَقِب له يتبعه، فعدمه كالْبَتَر الذي هو عَدَم الذَّنَب، فإذا ما قلت هذا، ونظرت إلى العاصي، وكان ذا ولد وعقِب، وولدهُ عَمْرٌو وهشام ابنا العاصي بن وائل، فكيف يثبت له الْبَتَر، وانقطاع الولد، وهو ذو ولد ونَسْلِ، ونفيه عن نبيه، وهو يقول: ﴿ما كان مُحَمَّد أبا أحدٍ من رجالكم﴾ [الأحزاب: ٤٠] الآية. فالجواب: أن العاصي - وإن كان ذا ولد - فقد انقطعت الْعِصْمَةُ بينه وبينهم، فليسوا بأتباع له، لأن الإسلام قد حجزهم عنه، فلا يرثهم ولا يَرثُونه، وهم من أتباعٍ محمد عليه السلام، وأزواجُه أُمهاتُهم، وهو أبٌ لهم. كما قرأ: أُبَيُّ بن كعب: ((وأزواجُه أُمهاتُهم، وهو أبٌ لهم(٢)، والنبي أولى بهم)) كما قال الله سبحانه، فهم وجميع المؤمنين أتباع النبي في الدنيا، وأتباعُه في الآخرة إلى حوضه، وهذا معنى الْكَوْثر، وهو موجود في الدنيا لكثرة أتباعه فيها، ليغذّي أرواحَهم بما فيه حياتُهم من العلم، وكثرة أتباعه في الآخرة ليسقيهم من خَوْضه ما فيه الحياة الباقية، وعدوُّ الله العاصي على هذا هو الأبتر على الحقيقة، إذ قد انقطع ذَنَبهُ وأتباعه، وصاروا تَبعًا لمحمد - * - ولذلك قوبل تَغْيِيرُه للنبي - وََّ - بِالْبَتَر بما هو ضده من الْكَوْثر؛ فإن الكثرة تضاد معنى الْقِلَّة، ولو قال في جواب اللعين: إنا أعطيناك الْحَوْضَ الذي من صِفته كذا وكذا لم يكن ردًّا عليه، ولا مُشاكلاً لجوابه، ولكن جاء باسم يتضمن الخير الكثير؛ والعددَ الْجَمَّ الغفيرَ الْمُضادّ لمعنى الْبَتَر، وأن ذلك في الدنيا والآخرة بسبب الحوض المورود الذي أعطاه، فلا يختص لفظ الكوثر بالحوض، بل يجمع هذا المعنى كله، ويشتمل عليه، ولذلك كانت آنيتُه كعددِ النُّجُوم، ويقال: هذه الصفة في الدنيا: علماءُ الأمة من أصحابه ومن بعدهم، فقد قال: أصحابي كالنجوم(٣)، وهو يَزْوُون العلم عنه، ويؤدّونه إليّ مَن بعدهم، كما تَرْتِي الآنيةُ في الحوض، وتسقي الواردة عليه: تقول: رَوَيْتُ الماءَ، أي: اسْتَقَيْته كما تقول: رَوَيْتُ العلم، وكلاهما فيه حياة، ومنه قيل لمَن روى علمًا أو شعرًا: راوية تشبيهًا بالْمَزَادة أو الدَّابة (١) سورة النجم آية رقم (٤٤ - ٤٩). (٢) هذه اللقطة ((وهو أب لهم)) ليست آية من كتاب الله تعالى. وما ليس في القرآن من قرآن يُراد وإن قرأه أفضل الصحابة. (٣) (ضعيف)). أخرجه عبد بن حميد المنتخب (٣٧٣). وانظر الميزان (٢٢٩٩/١٥١١) وفي لسانه (٤٨٨/٢) (٥٩٤/٢) وتلخيص الحبير (١٩٠/٤) بتحقيقي وابن عساكر (٢٨٥/٦). ١٨٢ التي يُحمل عليها الماء وليس من باب عَلأَّمة ونَسَّابة، وفي حديث أبي بَرْزَةً في صفة الحوض أنها تَنْزُو في أكُفِّ المؤمنين، يعني الآنيةَ، وحَصبَاءُ الحوض: اللؤلؤُ والياقوت، ويقابلهما في الدنيا الْحِكم المأثورةُ عنه، ألا ترى أن اللؤلؤَ في علم التعبير حِكَمٌ وفوائدُ علم، وفي صفة الحوض له المسك، أي: حَمأَتَهُ(١) ويقابله في الدنيا: طيبُ الثناء على العلماء، وأتباع النبي الأتقياء، كما أن المسك في علم التعبير ثناءٌ حَسَنٌ، وعلم التعبير من علم الثُّبُوءَةِ مُقْتَبسٌ. وذكر في صفة الحوض الطيرُ التي ترده كأعناق الْبُخْتِ(٢)، ويقابله من صفة العلم في الدنيا وُرُودُ الطالبين من كل صُفْع(٣) وقُطْر على حضرة العلم وانتيابهم إيّاها في زمن النبي - لِّ - وبعده، فتأمل صفة الكوثر معقولَة في الدنيا، مَخسوسةً في الآخرة مُذْرَكة بالْعِيَان - هُنالك يبين لك إعجازُ التنزيل ومطابقة السورة - لسبب - نزولها، ولذلك قال فُضَيْل: ﴿فَصّلٌ لِرَبِّكَ وانْخَر﴾ أي: تواضع لمن أعطاك الكوثر بالصلاة له، فإن الكثرة في الدنيا تقتضي في أكثر الخلق الْكِبر: وتَخدو إلى الفخر والمحيرية، فلذلك كان عليه السلام طأطأ رأسه عامَ الفتح حين رأى كثرة أتباعه، وهو على الراحلة حتى ألصق عُثْنُونَه(٤) بالرَّحْلِ امْتِثالاً لأمر ربه، وكذلك أمره بالنحر شُكرًا له، ورفع اليدين إلى النّخرِ في الصلاة عند استقبال القبلة التي عندها ينحر، وإليها يهدي معناه: الجمع بين الفعلين. النحرِ المأمور به يوم الأضحى، والإشارة إليه في الصلاة برفع اليدين إلى النّخر، كما أن القبلَة مَحْجُوجَةٌ مُصَلَّى إليها، فَكذلكَ ينْحَر عندها، ويُشار إلى النحر عند استقبالها، وإلى هذا التفتَ عليه السلام حين قال: مَنْ صَلَى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، ونَسَك نُسُكَنا فهو مسلم وقد قال الله سبحانه: ﴿قل إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ وَمَمَاتي لِلَّهِ ربِّ العالمين لا شريكَ له وبذلك أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المسلمين﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] فقَرن بين الصلاة إلى الكعبة، والنُّسُكَ إليها، كما قرن بينهما حين قال: ﴿فَصَلُ لربِّك وانْحَرْ﴾ وذكر في صفة الحوض: كما بين صَنْعَاءَ وأيْلَةِ(٥) وقد جاء فيه أيضًا في الصحيح ((كما بين جَزْبَاء وأذْرُحَ)) (٦) وبينهما مسافة بعيدة، وفي الصحيح أيضًا في صفته: كما بين عَدَن أبْينَ إلى عَمَّانَ، وقد تقدم ذكر أبْيَنَ، وأنه ابن زهير بن أَيْمَن بن حِمْير، وأن عَدَن سُمِيت برجل من حِمْير عَدَن بها، أي: أقام، وتقدم أيضًا ما قاله الطبري أنَّ عَدَنَ وأبْيْنَ هما ابنا عَذْنان أخوا معدّ، وأما عَمَّانُ بتشديد الميم وفتح العين، فهي بالشام قرب دمشق، سُمِيت بعَمَّان بن لُوط بن هَارَان، كان سَكَنها - فيما ذكروا - وأما عُمَانُ (١) الحمأة: الطين. (٣) صقع: جهة وناحية. (٥) أخرجه الطبراني (٣١٣/١١). (٢) البخت: الإبل طويلة العنق. (٤) العثنون: ما نبت على الذقن. (٦) متفق عليه. ١٨٣ الكوثر في الشعر قال ابن إسحاق: قال لَبيد بن ربيعة الكِلابيّ: وعند الرِّداعِ بيتُ آخرَ كْثِرٍ وصاحبُ مَلْحُوبٍ فُجِعنا بیَوْمِهِ بضم العين وتخفيف الميم، فهو باليمن سُمِّيت بعُمّان بن سِنَان، وهو من ولد إبراهيم - فيما ذكروا - وفيه نظر؛ إذ لا يُعْرَف في ولد إبراهيم لصُلبه من اسمه سِنان. وفي صفة الحوض أيضًا كما بين الكوفة ومكة، وكما بين بيت المقدس والكعبة، وهذه كلها روايات متقاربة المعاني، وإن كانت المسافات بعضها أبعد من بعض، فكذلك الحوض أيضًا له طول وعرض وزوايا وأركان، فيكون اختلافُ هذه المسافات التي في الحديث على حسب ذلك جعلنا الله من الواردين عليه، ولا أظْمَأ أكبادنا في الآخرة إليه. ومما جاء في معنى الكوثر ما رواه ابن أبي نَجيح عن عائشةَ - قالت: ((الكوثر نهر في الجنة، لا يُدخل أحد إصْبَعَيْه في أُذنيه إلا سَمِع خريرَ ذلك النهرَ))(١) وقع هذا الحديث في السيرة من رواية يونس، ورواه الدَّارَقُطْنيّ من طريق مالك بن مِغْوَلٍ عن الشّغْبِيِّ عن مَسْروقٍ عن عائشةَ قالت: قال رسول الله - وَالو -: ((إن الله أعطاني نهرًا يقالُ له الكَوْثَر لا يشَاء أحد من أُمتي أن يسمعَ خرير ذلك الكوثر إلا سمعه))، فقلت: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: ((أدْخِلِي أُصْبَعَيْك في أُذنيكِ وشُدِّي، فالذي تسمعين فيهما من خرير الكوثر))(٢). وروى الدارُقُطْنيُّ من طريق جابر بن عبد الله أن رسول الله - ر9َ - قال لعلي: ((والذي نفسي بيده إنك لذائدٌ عن حَوْضي يومَ القيامة تذوذ عنه كُفَّار الأمم، كما تُذاد الإبلُ الضالَّة عن الماء بعضًا من عَوْسَجِ))(٣) إلا أن هذا الحديثَ يرويه حَرَامُ بن عُثْمانَ عن ابْنَيْ جابرٍ، وقد سُئل مالك عنه، فقال: ليس بثقة، وأغلظ فيه الشافعي القول، وأما قوله - عليه السلام -: ((ومِنْبَري على حوضي))، فقد قيل في معناه أقوالٌ، ويفسّره عندي الحديث الآخر، وهو قوله عليه السلام، وهو عَلَى المنبر: ((إني لأنظر إلى حوضي الآن من مقامي هذا» فتأمله. استشهاد ابن هشام على معنى الكوثر وذكر ابن هشام في الاستشهاد على معنى الكوثر قول لبيد بن ربيعة: وعند الرِّدَاعِ بِيتُ آخر كوْثَرٍ وصاحبُ مَلْحُوبٍ فُچِغْنَا بیومهِ (١) ضعيف. أخرجه الحاكم (١٧١/٣) وفيه انقطاع بين ابن أبي نجيح وعائشة رضي الله عنها. (٢) ((ضعيف جدًا)) أخرجه الدارقطني (١٣٧/١). (٣) العوسج: ضرب من الشجر له شوك. والحديث ضعيف كما سيقول السهيلي رحمه الله تعالى. ١٨٤ يقول: عظیم. قال ابن هشام: وهذا البيت في قصيدة له. وصاحب مَلْحُوب: عَوْف بن الأخوصِ بنِ جَعْفَر بن كِلاب، مات بمَلْحُوب. وقوله: عند الرِّداع بيت آخر كَوْثر: يعني شُريح بن الأحوص بن جَعْفَر بن كِلاب، مات بالرّداع. وكَوثر: أراد الكثير، ولفظه مشتقّ من لفظ الكثير. قال الكُميت بن زَيْد يمدح هِشام بن عبد الملك بن مروان: وكان أبوك ابنُ العقائل كَوْثَر وأنت كثيرٌ يا بن مَرْوان طَيِّب وهذا البيت في قصيدة له. وقال أُميّة بن أبي عائذ الهُذليّ يصِف حمار وحش : وحَمْحَمْنَ في كَوْثر كالجِلال يُحامي الحَقيق إذا ما احتدمْن يعني بالكوثر: الغبار الكثير، شبهه لكثرته عليه بالجلال. وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: حدّثني جعفر بن عمرو - قال ابن هشام: هو جعفر بن عمرو بن أُميَّة الضَّمْري - عن عبد الله بن مُسْلم أخي محمد بن مسلم بن شهاب الزهريّ، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسولَ اللهِ بَّه، وقيل له: يا رسول الله، ما الكوثر الذي أعطاك الله؟ قال: «نَهْر كما بين صنعاء إلى أيْلة، آنيتُه كعدد نجُوم السماء، تَرِده طيورٌ لها كأعناق الإبل)). قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة، قال: ((آكلها أنعم منها(١). قال ابن إسحاق: وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال - وَلَ -: ((مَنْ شَرِبَ منه لا يَظْمأ أبدًا))(٢). فنعم ضياءُ الطارقِ الْمُتَنَوِّرِ وبالفورة الحرّاب ذو الفضل عامرٌ يعني عامرَ بن مالك مُلاَعِبَ الأسِنَّةِ، وهو عم لَبِيدٍ، وسنذكر: لِمَ سُمِّي مُلاعِبَ الأسِنَّة إذا جاء ذكرُه إن شاء الله تعالى. وصاحبُ مَلْجُوب: عوفُ بن الأخوَص، وقد ذكره ابن هشام. والذي عند الرِّدَاعِ: شُرَيْح بن الأحوص في قوله، وقال غيره: هو حِبَّان بن عُثْبةَ بن مالك بن جَعْفر بن كلابَ. والرَّادع: من أرض اليمامة. ومَلْحُوب: مَفْعُولٌ من لَحَبْتُ العود، إذا قشرته، فكأن هذا الموضع سُمِّ مَلْحُوبًا، لأنه لا أكَم فيه ولا شَجَر. (١) انظر الدرّ المنثور (٤٠٢/٦). (٢) أخرجه الطبراني (٩٩/١٠). ١٨٥ نزول: ﴿وقالوا لولا نزّل عليه مَلَك﴾: قال ابن إسحاق: ودعا رسولُ الله - وَل1َ - قومَه إلى الإسلام، وكلّمهم، فأبلغ إليهم، فقال له زَمَعَة بن الأسود، والنَّضْر بن الحارث، والأسود بن عَبْد يَغوث، وأَبَّ بن خَلَف، والعاص بن وائل: لو جُعل معك يا محمد مَلَك يحدّث عنك الناس وَيُرَى معك! فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكّا لَقُضِيَ الأمْرُ ثمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبِسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨، ٩]. نزول ﴿ولقد استهزىء برسل من قبلك﴾ قال ابن إسحاق: ومرّ رسولُ اللهِ وَّر - فيما بلغني - بالوليد بن المغيرة، وأُمية بن خَلَف، وبأبي جَهْل بن هشام، فغمزوه وهَمَزوه، واستهزؤوا به، فغاظه ذلك: فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من أمرهم: ﴿وَلَقَدْ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينِ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئون﴾ [الأنبياء: ٤١]. ذكر حديث المستهزئين وذكر حديث الْمُسْتَهْزئين برسول الله - وَّ ـ وما أنزل الله فيهم من قوله تعالى: ﴿ولقد اسْتُهْزِىءَ بُرُسُلِ مِنْ قَبْلِك﴾ [الأنبياء: ٤١] الآية. فقال فيها: اسْتُهْزِىء بِرُسُلِ ثم قال: فحاق بالذين سَخِروا منهم، ولم يقل: اسْتَهْزَءُوا، ثم قال: ما كانوا به يستهزئون ولم يقل: يَسْخرون. ولا بدَّ في حكمةٍ في هذا من جهة البلاغة وتنزيلِ الكلام منازله، فقوله: اسْتُهْزِىء برُسُلٍ، أي: أُسْمِعُوا من الكلام الذي يُسَمَّى اسْتِهزاءً ما ساءهم تأنيسًا له، ليتأسَّى بمَن قبله من الرسل، وإنما سُمِّي استهزاء إذا كان مسموعًا، وهو من فعل الجاهلين: قال الله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قال أعوذ بالله أن أكونَ من الجاهلين﴾ [البقرة: ٦٧]. وأما السُّخْرُ والسُّخْرَى، فقد يكون في النفس غير مسموع، ولذلك تقول: سَخِرْت منه، كما تقول: عَجِبْتُ منه إلا أن العجب لا يختص بالمعنى المذموم، كما يختص السُّخْر، وفي التنزيل خبرًا عن نوح: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فإنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كما تَسْخَرُون﴾ [هود: ٢٨] ولم يَقُل: نَسْتَهْزِىء بكم كما تَسْتَهْزِئون؛ لأن الاستهزاء ليس من فعل الأنبياء، إنما هو من فعل الجاهلين كما قدّمنا من قول موسى عليه السلام، فالنبي يَسْخَر: أي، يعجب من كُفْرٍ مَن يَسْخر به، ومن سُخْر عقولهم، فإن قلت: فقد قال الله تعالى: ﴿الله يستهزىء بهم﴾، قلنا: العربُ تسمي الْجَزَاءَ على الفعل باسم الفعل كما قال تعالى: ﴿نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ﴾ وهو مَجازٌ حسن(١) وأما (١) النسيان هنا حقيقة لا مجاز، والنسان لغة: الترك. وانظر مقاييس اللغة لابن فارس (٤٢١/٥). ١٨٦ ذكر الإسراء والمعراج قال ابن هشام: حدّثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحق المطّلبي قال: ثم أُسرِيَ برسولِ الله -وَء - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو بيتُ المقدس من إيلياء، وقد فشا الإسلام بمكة في قريش، وفي القبائل كلها. قال ابن إسحاق: كان من الحديث فيما بلغني عن مَسْرَاه - وَ لّ - عن عبد الله بن مَسْعود، وأبي سَعيد الخُذْريّ، وعائشة زوج النبيّ وَّر، ومعاوية بن أبي سفيان، والحسن بن أبي الحسن البصري، وابن شهاب الزُّهريّ، وقَتادة وغيرهم من أهل العلم، الاستهزاء الذي كُنَّا بصدَدِه، فهو المسمّى استهزاءً حقيقة، ولا يرضى به إلا جهول. ثم قال سبحانه: ﴿فَحَاقَ بالذين سَخِرُوا منهم ما كانوا به يَسْتَهْزِئون﴾ أي حاق بهم من الوعيد الْمُبلَّغ لهم على ألسنة لرسل ما كانوا يستهزؤون به بألسنتهم، فنزلت كل كلمة منزلها، ولم يحسن في حكم البلاغة وضْعُ واحدةٍ مكانَ الأُخرى. وذكر أيضًا قوله سبحانه: ﴿ولو جَعَلْنَاه مَلَكًا لجعلناه رَجُلاً﴾ أي: لو جعلنا الرسول إليهم من الملائكة لم يكن إلا على صُورة رجل، وَلِدَخَل عليهم من اللَّيْس فيه ما دَخَل في أمْر مُحَمَّد وقوله: ﴿لَبَسْنا﴾ يدل على أن الأمرَ كله منه سبحانه، فهو يُعْمِي مَن شاء عن الحق، ويَفْتَحِ بَصيرةَ مَن شاء، وقوله: ﴿ما يَلْبسون﴾، معناه: يَلْبِسون على غيرهم، لأن أكثرهم قد عَرَفوا أنه الحقُّ، ولكن جَحَدُوا بها، واسْتَيْقَتَتْها أنفُسهم، فَجعلوا، يَلْبِسُونَ أي يَلْبِسُ، بعضُهم على بعض وَيَلْبِسُون على أهليهم وأتباعهم، أي: يخلطون عليهم بالباطلِ، تقول العرب: لَبَسْتُ عليهم الأمْرَ ألْبِسُه، أي: سترتُه وخلطته، ومن لُبْس الثيابِ: لَبِسْتِ ألْيَسُ، لأنه في معنى كَسِيتُ، وفي مُقَابلة عَرِيتُ، فجاء على وزنه، والآخر في معنى: خَلَطْتُ أو سَتَزْت، فجاء على وزنه. شرح ما في حديث الإسراء من المشكل(١) اتفقت الرواة على تسميته إسراءً، ولم يُسَمِّه أحَدٌ منهم: سُرَى، وإن كان أهلُ اللغة قد قالوا: سَرَى وأسْرَى بمعنى واحد، فدلّ على أن أهل اللغة لم يُحَقِّقوا العبارة، وذلك أن القُرَّاءَ لم يختلفوا في العلاوة من قوله: ﴿سُبْحانَ الذي أسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ولم يقل: سَرَى، (١) انظر للمحقق ((القول الوهاج في شرح حديث الإسراء والمعراج)). وانظر المنتظم (٢٥/٣) البداية (١٠٨/٣) الكامل (٥٧٨/١) الدلائل للبيهقي (٣٥٤/٢) طبقات ابن سعد (٢١٣/١) وانظر البخاري كتاب مناقب الأنصار. حديث رقم (٣٨٨٧) ومسلم في الإيمان (٢٦٤) وفتح الباري (٧/ ٣٠١) وأحمد (٣٠٩/١) الآية الكبرى للسيوطي / الشفاء للقاضي عياض (٢٣١/١) وزاد المعاد (٣٤/٣). ١٨٧ وأُمّ هانىء بنت أبي طالب، ما اجتمع في هذا الحديث، كلٍّ يحدّث عنه بعضَ ما ذكر من أمره حين أُسرِي به - وَّهـ، وكان في مَسْراه، وما ذكر عنه بلاء وتمحيص، وأمر مِنْ أمر الله في قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمةٌ وثبات لمَن آمن وصدّق، وكان من أمر الله سبحانه وتعالى على يقين، فَأَسْرِي به كيف شاء، ليُريه من آياته ما أراد، حتى عاينَ ما عاين مِنْ أمره وسُلطانه العظيم، وقُدْرته التي يَصْنع بها ما يُرید. راوية ابن مسعود: فکان عبدُ الله بن مسعود - فیما بلغني عنه - يقول: أُتِيَ رسولُ اللهِ وَهَ بِالْبُراق - وهي الدّابَة التي كانت تُحمل عليها الأنبياء قبلَه، تضع حافرَها في منتهى طرفها - فحُمل عليها، ثم خرج به صاحبُه، يرى الآيات فيما بين السماء والأرض، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم الخليلَ وموسى وعيسى في نَفَر من الأنبياء قد جُمعوا له، فصلَّى بهم. ثم أُتِيَ بثلاثة آنية، إناء فيه لبن، وقال: والليل إذا يَسْر، ولم يقل: يُسْرِي، فدلّ على أن السُّرَى من سَرَيت إذا سِرْت ليلاً، وهي مؤنثة تقول: طالت سُرَاكَ الليلة، والإسراءُ مُتَعَدٍّ في المعنى، ولكن حذف مفعوله كثيرًا حتى ظن أهلُ اللغة أنهما بمعنى واحد، لما رأوهُما غير متعديين إلى مفعول في اللفظ، وإنما أسْرى بعبده، أي: جعل الْبُراقَ يَسْرِي، كما تقول: أمْضَيْتُه، أي: جعلته يَمْضي، لكن كَثُر حذفُ المفعول لقوة الدلالة عليه، أو للاستغناء عن ذِكْره، إذ المقصودُ بالخبر ذكْرُ محمد، لا ذكر الدابة التي سارت به، وجاز في قصة لوط عليه السلام. أن يقال له: فَأَسْرٍ بأهلك: أي فاسْرِ بهم، وأن يقرأَ فَأَسْرِ بأهلك بالقَطْع، أي: فأسْرِ بهم ما يَتَحَمَّلُون عليه من دابةٍ أو نحوها، ولم يتصور ذلك في السُّرى بالنبي وَلّ، إذ لا يجوز أن يقال سَرَى بعبده بوجه من الوجوه؛ فلذلك لم تأتِ التلاوة إلا بوجه واحد في هذه القصة فتدبره. وكذلك تسامح النحويون أيضًا في الباء والهمزة، وجعلوهما بمعنى واحد في حكم التعدية، ولو كان ما قالوه أصلاً لجاز في: أمرضته أن تقول: مَرِضْت به، وفي أسْقَمْتُه: أن تقول: سَقِمْتُ به، وفي أَعْمَيْتُه أن تقول: عَمِيتُ به قياسًا عليّ: أُذْهَبْتُهُ وَأَذْهَبْتُ به، ويأبى الله ذلك والعالمون؛ فإنما الباء تُعطي مع التعدية طَرَفًا من المشاركة في الفعل ولا تعطيه الهمزةُ، فإذا قلت: أقعدته، فمعناه: جعلته يقعد، ولكنك شاركته في القعود، فجذبته بيدك إلى الأرض، أو نحو ذلك، فلا بدّ من طَرَفٍ من المشاركة إذا قعدت به، ودخلت به، وذهبت به بخلاف أدخلته وأذهبته . ١٨٨ وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء قال. فقال رسول الله وَ لّ: ((فسمعتُ قائلاً يقول حين عُرضت عليّ: إنْ أخذ الماء، غرق وغَرِقتْ أُمَّته، وإن أخذ الخَمرَ غَوَى، وغَوتْ أُمته، وإن أخذ اللبن ◌ُدِيَ، وهُدِيَت أُمته. قال: فأخذتُ إناءَ اللبن، فشربتُ منه، فقال لي جبريل عليه السلام: هُدِيتَ وهُدِيَت أُمتك يا محمد)). حدیث الحسن : قال ابن إسحاق: وحُدِّثت عن الحسن أنه قال: قال رسول اللهِ وَ *: ((بينا أنا نائم في الحِجر، إذ جاءني جبريلُ، فهَمزني بقدمه، فجلست فلم أرَ شيئًا، فعُدت إلى مَضْجعي، فجاءني الثانيةَ فهمزني بقدمه، فجلستُ فلم أرَ شيئًا، فعدتُ إلى مَضْجعي، فجاءني الثالثةَ فهمزني بقدمه، فجلستُ، فأخذ بعَضدي، فقمت معه فخرج إلى بابِ المسجد، فإذا دابَّة أبيضُ، بين البغل - والحمار - في فَخِذیه جَنَاحان يخفِر بهما رجليه، يضع يده في مُنْتهى طرفه، فحملني عليه، ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته. حديث قتادة: قال ابن إسحق، وحُدِّثت عن قتادة أنه قال: حُدّثت أن رسولَ اللهِ وَ الإِ قال: ((لما دنوتُ منه؛ لأركبه شَمَس، فوضع جبريلُ يدَهُ على مَعْرفَته، ثم قال: ألا تَسْتَحِي يا بُرَاقُ مما تَصْنع، فوالله ما ركبك عَبْدٌ لله قبلَ محمدٍ أكرمُ على الله منه. قال: فاسْتحيا حتى ارْفَضَّ عَرَقًا، ثم قَرَّ حتی رَکبته)). من حديث الحسن: قال الحسنُ في حديثه: فمضى رسولُ اللهِ وَّلَ، ومضى جبريلُ عليه السلام معه، حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيمَ ومُوسى وعيسى في نَفَر من الأنبياء فإن قلت: فقد قال الله سبحانه: ﴿ذهب الله بنورهم وذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ ويتعالى - سبحانه - عن أن يوصف بالذهاب، ويضاف إليه طرف منه، وإنما معناه: أَذْهب نورهم وسمعَهم. قلنا: في الجواب عن هذا: أن النور والسمع والبصر كان بيده سبحانه، وقد قال: بيده الخير، وهذا من الخير الذي بيده، وإذا كان بيده، فجائز أن يقال ذَهَبَ به على المعنى الذي يقتضيه قوله سبحانه بيَدِه الخيرُ كائنًا ما كان ذلك المعنى، فعليه ينبني ذلك المعنى الآخر الذي في قوله: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ مَجَازًا كان أو حقيقةً، ألا ترى أنه لما ذكر الرِّجسَ كيف قال: ﴿لَيْذْهِبَ عنكم الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. ولم يقلْ يَذْهَبُ به، وكذلك قال: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ ١٨٩ فأمَّهم رسولُ الله - وَّه - فصلَّى بهم، ثم أُتِيَ بإناءين، في أحدهما: خمر، وفي الآخر: لَبن. قال: فأخذ رسولُ اللهِ وَلّ إناءَ اللبن، فشرب منه، وترك إناء الخمر. قال: فقال له جبريلُ: هُديت للفِطْرةِ، وهُديَتْ أُمَتك يا محمد، وحُرِّمت عليكم الخمر، ثم انصرف رسولُ الله - وَلَه ــ إلى مكة، فلما أصبح غَدا على قريش، فأخبرهم الخبرَ. فقال أكثر الناس: هذا والله الأمْرُ البَيِّن، والله إن العِير لتُطْرد شهرًا من مكة إلى الشام مُدبرة، وشهرًا مقبلة، أفيذهب ذلك محمدٌ في ليلة واحدة، ويرجع إلى مكة! قال: فارتدٌ كثيرٌ ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبي بَكْر، فقالوا له: هل لك يا أبا بكر في صاحبك، يزعم أنه قد جاء هذه الليلةَ بيت المقدس، وصلَّى فيه، ورجع إلى مكّة. قال: فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه، فقالوا: بلى، ها هو ذاك في المسجد يحدّث به الناس، فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صَدق، فما يُعجبكم من ذلك؟! فوالله إنه ليُخبرني أنّ الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعةٍ من ليل أو نهار فأصدّقه، فهذا أبعدُ مما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله - وَله ـ فقال: يا نبيّ الله. أحدّثتَ هؤلاء القومَ أنك أتيت المَقْدس هذه الليلةَ؟ قال: ((نعم))، قال: يا نبيّ الله، فصفْه لي، فإني قد جِثْته - قال الحسن: فقال رسولُ اللهِ وَله: ((فرُفع لي حتى نظرتُ إليه)) - فجعل رسولُ الله - وَلّ ◌ُ - يَصِفه لأبي بكر: ويقول أبو بكر: صدقتَ، أشهد أنك رسولُ الله، كلما وصف له منه شيئًا، قال: صدقتَ، أشهد أنك رسولُ الله، حتى انتهى، قال رسولُ الله - وَلَه ــ لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر الصدّيق، فيومئذ سمّاه الصّدِّيق. قال الحسن: وأنزل الله تعالى فيمن ارتدّ عن إسلامه لذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنا الرُّؤْيا التي أرَيْنَاكَ إلا فِتْنَةً للناسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَ فِي القُرآنِ ونُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلاَّ طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠]. فهذا حديث الحسن عن مَسْرى رسولِ الله وَّر. وما دخل فيه من حديث قتادة. [الأنفال: ١١] تعليمًا لعبادهِ حُسْن الأدب معه، حتى لا يضاف إلى الْقدُّوس سبحانه - لفظًا ومعنَى شيءٌ من الأرجاس، وإن كانت خَلْقًا له ومِلْكًا فلا يقال: هي بيده على الخصوص، تحسينًا للعبارة وتنزيهًا له، وفي مثل النور والسمع والبصر يَحسُن أن يقال: هي بيده، فحَسُنَ على هذا أن يقال: ذَهَبَ به، وأما أسْرى بعبده، فإن دخولَ الباء فيه ليس من هذا القبيل، فإنه فعل يتعدّى إلى مفعول، وذلك المفعول المسْرى هو الذي سَرى بالعبدِ فشاركه بالسُّرى، كما قدّمنا في قَعَدْتُ به أنه يُعْطى المشاركةَ في الفعل، أو فِي طَرَفٍ منه، فتأمله. ١٩٠ الإسراء رؤيا قال ابن إسحاق: وحدّثني بَعضُ آل أبي بكر: أن عائشة زوجَ النبيّ وَّ كانت تقول: ما فُقِد جَسدُ رسولِ الله - رَله - ولكن الله أسْرىَ بروحه. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عُثْبة بن المُغيرة بن الأخنس: أن معاوية بن أبي سفيان، كان إذا سُئِلَ عن مَسْرى رسولِ الله - وَ لَه- قال: ((كانت رُؤْيا من الله تعالى صادقة)». فلم يُنكَر ذلك من قولهما، لقول الحسن: إن هذه الآية نزلت في ذلك، قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنا الرُّؤْيا التي أرَيْناك إلاَّ فِتْنَةً للنَّاس﴾ [الإسراء: ٦٠]. ولقول الله أكان الإسراء يقظة أم منامًا فصل: وتقدم بين يدي الكلام في هذا الباب: هل كان الإسراء في يقظةٍ بجسده، أو كان في نومه بروحه، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الأَنْفُسَ حين مَوْتها والتي لم تَمُتْ في مَنَامِها﴾ [الزمر: ٤٣] وقد ذكر ابن إسحق عن عائشةَ ومعاويةً أنها كانت رؤيا حقٌّ، وأن عائشة قالت: لم تفقد بدَنه، وإنما عُرِج بروحه تلك الليلة، ويحتجّ قائل هذا القول بقوله سبحانه: ﴿وما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التي أزْيِنَاكَ إلاَّ فِتْنَةً للناس﴾ [الإسراء: ٦٠]. ولم يقل: الرُّؤْيَة، وإنما يُسَمَّى رؤيا ما كان في النوم في عُرْف اللغة، ويحتجّون أيضًا بحديث البُخاري عن أنس بن مالك قال: ليلة أُسْرِيّ برسول الله - وَلِّ ـ من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثةُ نفر قبل أن يُوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيّهم هو؟ فقال أوسَطُهم: هو هذا، وهو خيرهم، فقال آخرهم: خُذوا خيرهم فكان تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتَوْه ليلة أخرى، فيما يرى قلبهُ وتنام عينه ولا ينامُ قلبه، وكذلك الأنبياءُ عليهم السلامُ تنام أعينُهم، ولا تنام قلوبُهم، فلم يُكلّموه، حتى اخْتَمَلُوه فوضعوه عند بئرٍ زَمْزَمَ، فتولاه منهم جبريلُ. الحديث بطوله، وقال في آخره: واستيقظ، وهو في المسجد الحرام، وهذا نص لا إشكال فيه أنها كانت رؤيا صادقة، وقال أصحابُ القول الثاني: قد تكون الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة، وأنشدوا للراعي يصف صائدًا: وبَشِّر قلبًا كان جَمَّا بلاَبَلُه (١) وكَبَّر للزُّؤْيَا، وهَشَّ فؤادُه قالوا: وفي الآية بيان أنها كانت في اليقظة، لأنه قال: ﴿وما جعلنا الرُّؤْيا التي أُرَيْناكَ إلاَّ فتنة للناس﴾ ولو كانت رؤيا نوم ما افتتن بها الناس حتى ارتدّ كثيرٌ ممّن أسلم، وقال (١) البلابل: الوساوس والهموم. ١٩١ تعالى في الخبر عن إبراهيم عليه السلام إذ قال لابنه: ﴿يا بُنَيَّ إنِّي أَرَى في المَنامِ أنّ أُذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. ثم مضى على ذلك. فعرفتُ أن الوحي من الله يأتي الأنبياء أيقاظًا ونِيامًا . قال ابن إسحاق: وكان رسولُ الله - وَ﴿ ـ فيما بلغني - يقول: ((تنام عيناي، وقلبي يقظان)). والله أعلم أيّ ذلك كان قد جاءه، وعاين فيه ما عاين، من أمر الله، على أيّ حاليه كان: نائمًا، أو يقظان، كلّ ذلك حقٌ وصدق. الكفّار: يزعم محمد أنه أتى بيتَ الْمَقْدِس، ورجع إلى مكة ليلته، والعِير تطرد إليها شهرًا مُقْبِلةٌ وشهرًا مُذْبِرةً، ولو كانت رؤيا نوم، لم يستبعد أحدٌّ منهم هذا، فمعلومٌ أن النائم قد يرى نفسه في السماءِ، وفي المشرق والمغرب، فلا يستبعد منه ذلك واحتجّ هؤلاء أيضًا بشربه الماء من الإناء الذي كان مُغَطَّ عند القوم، ووجدوه حين أصبح لا ماءَ فيه، وبإرشاده للذين نَدَّ بعيرُهم حين أنفرَهم حِسُّ الدابّة، وهو الْبُرَاقُ حتى دلّهم عليه، فأخبر أهل مكة بأمارة ذلك، حتى ذلك الغِرارَتَيْنِ السَّوْداءِ والْبَرْقَاء كما في هذا الكتاب، وفي رواية يونس: أنه وعَدَ قريشًا بقُدوم الْعِير التي أرشدهم إلى البعير، وشرب إِناءهم، وأنهم سَيَقْدُمُون ويُخْبِرون بذلك، فقالوا: يا محمدُ متى يَقْدُمون؟ فقال: ((يوم الأربعاء))، فلما كان ذلك اليوم، ولم يَقْدُموا، حتى كَرَبَت الشمسُ أن تَغْرُبَ، فدعا الله فحبس الشمس حتى قَدِموا كما وصف، قال: ولم يحبس الشمسَ إلا له ذلك اليوم، ولِيُوشَع بن نُونٍ(١) وهذا كلُّه لا يكون إلا يَقَظةً، وذهبت طائفةٌ ثالثة، منهم: شيخُنا القاضي أبو بكر [بن العربي] رحمه الله إلى تصديق المقالتين، وتصحيح الحديثين، وأن الإسراء كان مرتين، إحداهما: كان في نومه وتوطئةً له وتيسيرًا عليه، كما كان بدء نبوّته الرؤيا الصادقة، ليسهل عليه أمر النبوّة فإنه عظيم تضعف عنه القوى البشرية، وكذلك الإسراء سهَّله عليه بالرؤيا؛ لأن هولَه عظيم، فجاءه في اليقظة على تَوْطِئَةٍ وَتَقْدِمَةٍ، رفقًا مِن الله بعبده وتسهيلاً عليه، ورأيت المهلب في شرح البخاري قد حكى هذا القولَ عن طائفةٍ من العلماءِ، وأنهم قالوا: كان الإسراء مرتين: مرةً في نومه، ومرة في يقظته ببدنه - زَار -. قال المؤلف: وهذا القول هو الذي يصحّ، وبه تتفق معاني الأخبار، ألا ترى أنه قال في حديث أنس الذي قدّمنا ذكره: أتاه ثلاثة نفر قبل أن يُوحى إليه، ومعلوم أن الإسراء كان بعد النبوة، وحين فُرضت الصلاة كما قدّمنا في الجزء قبل هذا، وقيل كان قبل الهجرة بعامٍ، ولذلك قال في الحديث: فارتدّ كثير ممّن كان قد أسلم، ورواة الحديثين حفاظ، فلا يستقيم (١) يوشع بن نون: أحد أنبياء بني إسرائيل، وهو صاحب موسى عليه السلام في رحلته إلى الخضر. ١٩٢ الجمع بين الروايتين إلا أن يكون الإسراءُ مرتين، وكذلك ذكر في حديث أنس: أنه لقي إبراهيمَ في السماء السادسةِ وموسى في السابعةِ، وفي أكثر الروايات الصحيحة أنه رأى إبراهيم عند البيت المعمور في السماء السابعة، ولقي موسى في السادسةِ، وفي رواية ابن إسحق أُتِيَ بثلاثة آنيةٍ، أحدها ماءٌ فقال قائل: إن أخذ الماءَ غَرِقَ، وغرقت أُمته، وفي إحدى روايات البخاري في الجامع الصحيح: أنه أُتِيَ بإناء فيه عَسَلٌ، ولم يذكر الماءَ والرواةُ أثباتٌ، ولا سبيل إلى تكذيب بعضهم ولا توهينهم، فدلّ على صحة القول بأنه كان مرتين، وعاد الاختلاف إلى أنه كان كله حقًّا، ولكن في حالتين ووقتين مع ما يشهد له من ظاهر القرآن، فإن الله سبحانه يقول: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فكان قابَ قَوْسَينٍ أو أدنى فأوْحَى إلى عبده ما أوحى﴾ ثم قال: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤَادُ ما رأى﴾ [النجم: ٨ - ١١] فهذا نحو ما وقع في حديث أنس من قوله: فيما يراه قلبه، وعينه نائمة والفؤادُ: هو القلبُ، ثم قال: ﴿أَفَتُمارُونَه على ما يَرى﴾ ولم يقل: ما قَدْ رَأى، فدلّ على أن ثَمَّ رؤيةً أخرى بعد هذه، ثم قال: ﴿ولقد رآه نَزْلَةٌ أَخْرَى﴾ أي: في نَزْلَةٍ نَزلَها جبريلُ إليه مرة، فرآه في صورته التي هو عليها ﴿عِنْد سِذْرَةِ الْمُنْتَهَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: يغشاها فراشٌ من ذَهَبٍ، وفي رواية: يَنْتَثر منها الياقوتُ، وثمرُها مثل قِلاَلِ هَجَر (١) ثم قال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ ولم يقل: الْفُؤَاد، كما قال في التي قبل هذه، فدلّ على أنها رُؤْيَةُ عينٍ وبصرٍ في النَّزلَةِ الأُخرى، ثم قال: ﴿لقد رأى مِنْ آيَاتِ رَبِّه الْكُبرى﴾، وإذا كانت رؤية عينٍ؛ فهيٍ من الآياتِ الكُبرى، ومن أعظم البراهين والْعِبر، وصارت الرؤيا الأولى بالإضافة إلى الأخرى ليست من الْكُبَر؛ لأن ما يراه العبدُ في منامه دون ما يراه في يقظته لا محالةَ، وكذلك قال في أكثر الأحاديث إنه رأى عند سِذْرة المنتهى نهرين ظاهرين، ونهرين باطنين، وأخبره جبريل أن الظاهرَين: النيلُ والفرات، وذكر في حديث أنس أنه رأى هذين النهرين في السماء الدنيا، وقال له الملك: هما النيلُ والفراتُ، أصلهما وعنصرهما، فيحتمل أن يكون رأى في حال اليقظةٍ منبعَهما، ورأى في المرة الأولى النهرين دون أن يرى أصلَهما والله أعلم. فقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماءِ ماءَ بِقَدَرٍ فَأَسْكَّنَّه فِي الأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨] أنهما النيل والفرات أُنْزِلا من الجنة من أسفل درجةٍ منها على جَناحِ جبريل، فأودعهما بطونَ الجبال ثم إن الله سبحانه سيرفعهما، ويذهب بهما عند رفع القرآن وذَهَابِ الإيمان، فلا يبقى على الأرض خير، وذلك قوله تعالى: ﴿وإنّا عَلَى ذَهَابٍ به (١) قرية من قرى المدينة: كانت معروفة ومشهورة بقلالها الكبيرة. ٠ ١٩٣ الروض الأنف/ ج ٢/ م ١٣ لَقَادرُون﴾(١) وفي حديثٍ مُسْندٍ ذكره النحاس في المعاني بأتم من هذا فاختصره، ووقع في كتاب المعلم للمَازَرِيِّ قول رابع في الجمع بين الأقوال قال: كان الإسراء بجسده في اليقظة إلى بيت المقدس، فكانت رؤيا عين، ثم أسرى بروحه إلى فوق سبعٍ سَموات، ولذلك شَنَعَ الكفارُ قوله: وأَتَيْتُ بيتَ المقدس في ليلتي هذه، ولم يَشْنَعُوا قوله فيما سوى ذلك . شماس البراق : فصل: ومما يُسْأَل عنه في هذا الحديث شِماسُ الْبُراقِ حين ركبه النبي - وَّر - فقال له جبريل: أما تستحيي يا بُراقُ، فما ركبك عبدٌ لله قبل محمد هو أكْرَمُ عليه منه، فقد قيل: في نفرته ما قاله ابن بَطّال في شرح الجامع الصحيح، قال: كان ذلك لبُعد عهد الْبُراقِ بالأنبياء، وطول الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، وروى غيره في ذلك سببًا آخر قال في روايته في حديث الإسراء: قال جبريل لمحمد عليه السلام حين شَمَسَ به الْبُراقُ: لعلك يا محمد مَسَسْتَ الصَّفْرَاءَ اليوم، فأخبره النبي - نََّــ أنه ما مَسَّها إلاَّ أنه مَرَّ بها، فقال: تَبًّا لمَن يعبدك من دون الله، وما مسّها إلا لذلك، وذكر هذه الرواية أبو سعيد النَّيْسَابُوري في شرف المصطفى، فالله أعلم، وقد جاء ذكر الصَّفْراء في مُسنَدِ البَزَّار(٢)، وأنها كانت صَنَمًا بعضُه من ذهب فكسرها رسولُ الله - ﴿ ﴿ - يوم الفتح، وفي الحديث الذي خرّجه التِّزْمِذِيّ من طريق بُرَيدَة الأسْلَمي أنه - عليه السلام - حين انتهى إلى بيت المقدس، قال جبريل: بإصْبَعه إلى الصخرة، فخَرقَها فَشدَّ بها الْبُراق، وصلَّى(٣)، وأنَّ حُذَيْفَةَ أنكر هذه الرواية، وقال: لم يفرّ منه وقد سَخّره له عالمُ الغَيْبِ والشّهادة(٤)، وفي هذا من الفقه على رواية بُرَيْدَة: التنبيهُ على الأخذ بالحزم مع صحة التوكل، وأن الإيمان بالقدَرِ كما - رُوِيَ عن وَهْب بن مُنَبِّهِ - لا يمنع الحازمَ من تَوقّي المهالك. قال وهب: وَجَدْتُه في سبعين كتابًا من كُتُبِ الله القديمة(٥)، (١) تفسير الآية فإن مقصودها والمراد منها النيل والفرات - تفسير وتأويل يعيد. وقد أجاد النووي في شرح مسلم من بيان وتفسير نبع النيل والفرات من الجنة. فانظره هناك. (٢) أخرجه البزار بسند متصل عن علي رضي الله عنه. قال القاري (٣٩٩/١): فيه زياد بن المنذر: كذاب. (٣) ((ضعيف)). أخرجه الترمذي (٣١٣٢). وقال: هذا حديث حسن غريب. (٤) أخرجه الترمذي (٣١٤٧). وقال: هذا حديث حسن صحيح. (٥) تقدم التنبيه أن وهب بن منبه أحد مسلمي أهل الكتاب وكان رضي الله عنه يكثر من الرواية عنهم، وفيه ما يصادم صريح القرآن وصحيح الشُّنّة. ١٩٤ وهذا نحو من قوله: (وَّه: ((قَيِّدها وتَوَكَّل))(١) فإيمانُه وَِّ بأنه قد سُخِّر له كإيمانه بقدَرِ الله وعلمِه بأنه سبق في عِلم الكتاب ما سبق، ومع ذلك كانَ يَتَزَوَّدُ في أسفاره ويُعِدُّ السلاح في حُروبه، حتى لقد ظاهرَ بين دِرْعين في غَزْوةٍ أُحُدٍ. وَرَبْطُه للبُراق في حَلْقَةِ البابِ من هذا الفن، وهو حديث صحيح، وقد رواه غير بُرَيْدَة ووقع في حديث الحارث بن أبي أسامة من طريق أَنَس، ومن طريق أبي سعيد، وغيرهما أعني رَبْطَه للبُراق في الْخَلْقَة التي كانت تَرْبِطُه فيها الأنبياء، غير أن الحديثَ يرويه داود بن الْمُحَبِّر، وهو ضعيف. معنى قول الملائكة: مَن معك: معنى قول الملائكة: مَن معك ومما يُسْألُ عنه قولُ الملائكة في كل سماء لجبريل: مَنْ معك، فيقول: محمد، فيقولون: أوَقد بعث إليه فيقول: نعم هكذا لفظ الحديث في الصّحاح، ومعنى سؤالهم عن الْبَعْثِ إليه فيما قال بعض أهل العلم، أي: قد بعث إليه إلى السماء، كما قد وجدوا في العلم أنه سيعرج به، ولو أرادوا بَعْثَه إلى الخلق، لقالوا: أوَقد بُعِثَ، ولم يقولوا إليه، مع أنه يبعد أن يخفى عن الملائكة بعثُه إلى الخلق، فلا يعلمون به إلى ليلة الإسراء. وفي الحديث الذي تقدم في هذا الكتاب بيانٌ أيضًا حين ذكر تسبيح ملائكة السماء السابعة، ثم تسبيح ملائكة كل سماء، ثم يسأل بعضهم بعضًا: مِمَّ سَبَّحتم حتى ينتهي السؤال إلى ملائكة السماء السابعة، فيقولون: قَضَى ربُّنا في خَلْفه كذا، ثم ينتهي الخبرُ إلى سماء الدنيا - الحديث بطوله، وفي هذا ما يدل على أن الملائكة قد علمت بنبوّة محمد - رَ﴾ - حين نُبِىء، وإنما قالت: أوَقد بعث إليه، أي قد بعث إليه بالْبُرَاقِ كما تقدّم على أن في حديث أنس أن ملائكةَ سماءِ الدنيا قالت لجبريل: أوَقد بعث، كما وقع في السيرة وليس في أول الحديث: إليه، هذا إنما جاء في حديث الرُّؤْيا التي رآها بقلبه، كما قدّمنا، وأن ذلك قبل أن يُوحى إليه كما جاء في الحديث بعينه، وفي هذا قوة لما تقدم من أن الإسراء كان رُؤْيا، ثم كان رؤية؛ ولذلك لم نجد في رواية من الروايات أن الملائكة قالوا: أوَقد بُعِث إليه إلا في ذلك الحديث، فالله أعلم (٢). (١) أخرجه ابن عساكر (٤٥٤/٢) والرواية المتداولة ((اعقلها وتوكل)). أخرجها ابن حبان (٢٥٩٩) موارد - والبيهقي في الآداب (٩٩٣) بتحقيقي. وأبو نعيم في الحلية (٣٩٠/٨). (٢) وفي طرق جبريل لباب السماء ورد الملائكة عليه، ثم سؤالهم ثم إجابته ثم سؤالهم مرة أخرى ثم إجابته عليهم السلام، يعطي النبي ◌َّر فسحة من الوقت لينتظر في ملكوت الله تعالى عند طرق السماء الأولى فينظر في النجوم والكواكب والأرض وحرس السماء إلى غير ذلك من آيات الله عزّ وجل، قال تعالى: ﴿لنريه من آياتنا الكبرى﴾، ويتكرر نفس المشهد عند كل سماء ليجول = ١٩٥ باب الحفظة : ١ وذكر باب الْحَفَظَةِ، وأن عليه ملَكًا يقال له: إسماعيل، وقد جاء ذكره في مُسْنَدٍ الحارثِ، وفيه أن تحت يده سبعون ألف ملك تحت يد كل ملك سبعون ألف ملك، هكذا لفظ الحديث في رواية الحارثِ، وفي رواية ابن إسحق: اثنا عشر ألف مَلَك هكذا لفظ الحديث، وفي مُسْنَد الحارث أيضًا. وذكر سِذْرَةَ الْمُنْتَهَى، فقال: لو غطيتُ بورَقة من ورقها هذه الأُمَّةُ لغطّتهم، وفي صفتها من رواية الجميع: فإذا ثمرُها كقِلاَلَ هَجَر، وفي حديثِ الْقُلْتَيْنِ من كتاب الطهارة، من رواية ابن جُرَيْج: إذا كان الماءُ قُلَتيْن من قِلاَلِ هَجَر لم يحمل الخبثَ(١) قالوا: والقّتان منها تَسعَانِ خمسمائة رطل، قال الترمذي: وذلك نحو من خَمْسٍ قرَبٍ، وفي تفسير ابن سلام قال عن بعض السلف: إنها سُمْيَتْ سِذْرَة الْمُنْتَهِى، لأن روح المؤمن ينتهي به إليها، فتصلّي عليه هنالكَ الملائكةُ المقربون. قال ذلك في تفسير علِّين(٢). آدم في سماء الدنيا والأسودة التي رآها: فصل: وفيه أنه رأى آدم في سماء الدنيا، وعن يمينه أُسودة، وعن شماله أسْودة، وأن جبريلَ أعلمه أن الأشْوِدة التي عن يمينه هم: أصحابُ الْيَمين، وفي رواية ابن إسحق: تعرض عليه أرواحُ ذُريته، فإذا نظر إلى الذين عن يمينه ضحك، وقد سُئِلَ عن هذا، فقيل: كيف رأى عن يمينه أرواحَ أصحاب اليمين، ولم يكن إذ ذاك من أصحاب اليمين إلا نَفَرٌ قَلِيل، ولعله لم يكن ماتَ تلك الليلة منهم أحد، وظاهرُ الحديثِ يقضي أنهم كانوا جماعة. فالجوابُ أن يقال: إنْ كان الإسراءُ رؤيا بقلبه، فتأويلها أن ذلك سيكون، وإن كانت رُؤْيا عين، كما قال ابن عباس وغيره بمعناه: أن ذلك أرواحُ المؤمنين رآها هنالك، لأن الله تعالى يتوفى الخلقَ في منامِهم، كما قال في التنزيل: ﴿اللَّهُ يَتَوفَّى الأنْفُسَ حِين مَوْتِها) [الزمر: ٤٣] فصعد بالأرواح إلى هنالك، فرآها ثم أُعيدت إلى أجسادها. وجوابٌ آخر: وهو أنَّ أصحابَ اليمين الذين ذكرهم اللَّهُ تعالى في سورة الْمُؤْثِر في قوله تعالى: ﴿إلا = ببصره - 18 ـ في أرجاء كل سماء ليطّلع على آيات الله عز وجل، فيرى عدد من الملائكة لا يحصيه إلا الله عز وجل، ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾، كل هذا تقدمة للقاء ربّ هؤلاء الجند وملكهم، ربّ كل شيء ومليكه سبحانه وتعالى عزّ وجل. (١) ليس من حديث صحيح تقييد القلتين بقلال حجر، والله أعلى وأعلم. (٢) وقيل: لأن عندها ينتهي علم الملائكة. ١٩٦ الصفات التي وصف بها النبي بعض الرسل قال ابن إسحاق: وزعم الزُّهْرِيّ عن سعيد بن المُسيِّب أن رسول الله - وَظله - وصف أصحابَ الْيَمِين في جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُون عن الْمُجْرِمين﴾ [٣٩: ٤٠]. قال ابنُ عباس: هم الأطفال الذين ماتوا صغارًا، ولذلك سألوا المجرمين: ﴿مَا سَلَككُم في سَقَر﴾ لأنهم ماتوا قبل أن يعلموا بكفر الكافرين، وقد ثبت في الصحيح أن أطفال المؤمنين والكافرين في كفالة إبراهيم عليه السلام، وأن رسول الله - وَل﴿ - قال لجبريل حين رآهم في الروضة مع إبراهيم: مَنْ هؤلاء يا جبريل؟ فقال: أولاد المؤمنين الذين يموتون صغارًا، فقال له: وأولاد الكافرين، قال: وأولاد الكافرين. خرّجه البخاري في الحديث الطويل من كتاب الجنائز، وخرّجه في موضع آخر، فقال فيه: أولاد الناس، فهو في الحديث الأول نَصِّ، وفي الثاني عموم، وقد رُوِيَ في أطفال الكافرين أنهم خدم لأهل الجنة، فعلى هذا لا يبعد أن يكون الذي رآه عن يمين آدم من نَسَمِ ذريتِه أزواحَ هؤلاء، وفي هذا ما يدفع تَشْعيبَ هذا السؤال والاعتراض منه . من حكم الماء: فصل: وفيه شُرْبُه من إناءِ القوم، وهو مُغطّى، والماءُ وإن كان لا يُمْلَكُ والناس شُرَكَاءُ فيه، وفي النار والْكَلأ كما جاء في الحديث، لكن المستقى إذا أحرزه في وعائه، فقد ملكه، فكيف استباح النبي وَّرِ شُربه وهو مِلْكٌ لغيره، وأملاكُ الكفار لم تكن أُبيحت يومئذ، ولا دماؤهم. فالجواب أن العربَ في الجاهلية كان في عُرْف العادة عندهم إياحة الرُّسْلِ لابن السبيل فَضْلاً عن الماءِ، وكانوا يعهدون بذلك إلى رِعائهم، ويشترطونه عليهم عند عقد إجارتهم: ألاَّ يمنعوا الرُّسْلَ، وهو اللبن من أحدٍ مرَّ بهم، وللحكم في العُرْفِ في الشريعة أصولٌ تشهد له، وقد تَرْجم البخاريُّ عليه في كتاب البيوع، وخرج حديثَ هِنْدٍ بنتِ عُتْبَة، وفيه: خُذِي ما يكفيك وولدَك بالمعروف(١). عن دخول بيت المقدس وصفة الأنبياء فصل: وذكر فيه أنه دخل بيتَ الْمَقدِس، ووجد فيه نفرًا من الأنبياء، فصلَّى بهم، وفي (١) (صحيح)). أخرجه البخاري (٧/ ٨٥) ومسلم في الأقضية (٧) والنسائي (٨/ ٢٤٧) وابن ماجه (٢٢٩٣) وأحمد (٣٩/٦) وأبو داود (٣٥٣٢) بتحقيقي. ١٩٧ لأصحابه إبراهيمَ ومُوسى وعيسى حين رآهم في تلك الليلة، فقال: أما إبراهيم، فلم أرَ رجلاً أشبه بصاحبكم، ولا صاحبكم أشبه به منه، وأما موسى فرجل آدمُ طويلٌ ضَرْبٌ جَعْد أفْتَى كأنه من رجال شَئُوءَة، وأما عيسى ابن مريم، فرجل أحمر، بين القصير والطويل، سَبْط الشعر، كثير خِيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس، تَخال رأسَه يَقْطُر ماء، وليس به ماء، أشبهُ رجالكم به عُروة بن مسعود الثقفي(١). حديث التّرمِذِيِّ الذي قدَّمناه عن حُذَيفَةَ أنه أنكر أن يكونَ صلَّى بهم، وقال: ما زال من ظَهر الْبُرَاقِ، حتى رأى الجنةَ والنار، وما وعده الله تعالى، ثم عاد إلى الأرض، وزيادة العدل مقبولةٌ، ورواية مَن أثبتَ مُقدَّمةٌ على رواية مَنْ نَفَى، وذكر فيه صفة الأنبياءِ، وقال في عيسى: كأن رأسُه يَقْطُرُ ماءً وليس به ماءٌ، وكأنه خرج من دِيَمَاسٍ والدَّيماسُ: الْحَمَّامُ، وأصله: دِمَّاس ويجمع على دَمَامِيس، وقد قيل في جمعه: دَيَاميس، ومثله، قيراط ودينار ودِيباج، الأصل فيها كلها: التضعيف، ثم قُلبَ الحرف المدغمُ ياء، فلما جَمَعوا وصَغَّروا، ردُّوه إلى أصلِه، فقالوا: قراريط ودنانير: [وقُرَيْرِيط ودُنَيْنِير]، غير أنهمْ لم يقولوا: دنانير ولا قياريط، كما قالوا: دَياميس، وقالوا: دَبابيج ودَبابيج، وأصلُ الدَّمْس: التغطيةُ ومنه لَيْلٌ دامِسٌ، وفي هذه الصفة من صفات عيسى عليه السلام إشارة إلى الرِّيِّ والخِصْبِ الذي يكون في أيامه إذ أُهْبِط إلى الأرض والله أعلم. وذكر في صفة موسى أنه آدمُ طوَّالٌ، ولوصفه إياه بالأُدْمَةِ أصلٌ في كتاب الله تعالى، قاله الطَّبَري عند تفسير قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ قال: في خُروج يده بيضَاء آيةٌ في أن خرجت بيضاءَ مخالفًا لونُها لسائر لون جسدِهِ، وذلك دليل بيِّن على الأَدْمَة التي هي خلافُ البياض. وذكر إبراهيمَ فقال: لم أرَ رجلاً أشبهَ بصَاحبِكم ولا صاحبكم أشْبَه به منه، يعني: نفسه، وفي آخر هذا الكلام إشكالٌ من أجل أن أشْبَهَ منصوبٌ في الموضعين، ولكن إذا فهمت معناه، عرفت إعرابَه، ومعناه: لم أرَ رجلاً أشبه بصاحبكم ولا صاحبُكم به منه، ثم كرر أشبه توكيدًا فصارت لغوًا كالْمُفْحَم وصاحبكم معطوفٌ على الضمير الذي في أشبه الأول الذي هو نعتْ لرجل، وحسن العطفُ عليه، وإن لم يؤكدَ بهو، كما حسن في قوله تعالى: (١) هو: عروة بن مسعود الثقفي: أرسلته قريش للنبي وَله يوم الحديبية، وقد أسلم على تسع من الهجرة. وهو الذي قالت فيه قريش من رجلين: ﴿لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف: ٣١] والحديث مرسل. وانظر مسلم في الإيمان (١٦٧) والترمذي في المناقب (٣٦٥١) وفي الشمائل له (٢٨). ١٩٨ قال ابن هشام وكانت صِفة رسول الله - مَّ﴾ - فيما - ذكر عُمر مولى غُفْرة عن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، قال: كان عليّ بن أبي طالب عليه السلام، إذا نعت رسولَ الله - رَّ﴾ - قال: لم يكن بالطّويل المُمَّغِط، ولا القصير الْمُتَرَدِّد، وكان رَبْعة من القوم، ولم يكن بالْجَعْد الْقَطَطِ ولا السَّبْطِ، كان جَعْدًا رَجْلاً، ولم يكن بالْمُطَهَّم ولا الْمُكَلْثَم وكان أبيض مُشْرَبًا، أذعَج العينين، أهْدَب الأشْفَار، جليل الْمُشَاش الْكَتَد، دقيق الْمَسْرُبَة أجْرَدَ، شَثْن الكفَّين والقدمين، إذا مشى تَقَلَّع، كأنما يمشي في صَبَب، وإذا التفت التفت معًا، بين كتفيه خاتمُ النبوّة، وهو نَِّ خاتمُ النَّبيين، أجْوَدُ الناس كفَّا، وأجرأ الناس صدرًا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذِمَّة، وألينهم عَرِيكة، وأكرمهم عِشْرة، مَن رآه بديهة هابَه، ومَن خالطه أحبَّه، يقول ناعتُه: لم أرَ قبله ولا بعده مثله، وَلَِّ(١). ﴿ما أشرَكْنَا ولا آبَاؤُنا﴾ من أجل الفصل بلا النافية، ولو أسقط من الكلام أشْبَهَ الثاني، لكان حَسَنًا جدًّا، ولو أخّر صاحبكم فقال: ولا أشبه به صاحبُكم منه لجازَ، ويكون فاعلاً بأشْبَهَ الثانية، ويكون من باب قولهم: ما رأيتُ رجلاً أحسنَ في عينه الكحلُ مِنْ زَيْدٍ، وهي مسألة عَذْرَاءُ لم تَفْتَرِعْها أيدي النُّحَاةِ، بعد ولم يشف منها مُتَقَّدِّمٌ منهم، ولا متأخّرٌ مِمَّن رأينا كلامه فيها وقد أمْلَيْنَا في غيرِ هذا الكتابِ فيها تحقيقًا شافيًا. صفة النبي ێ: فصل: وذكر في صفة النبي - وَّر - مما نعته به عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال: لم يكن بالطويل الْمُمَغط بالغين المعجمة، وفي غير هذه الرواية بالعين المهملة، وذكر الأوصاف إلى آخرها وقد شرحها أبو عُبَيْد، فقال عن الأصمعي، والكسائي وأبي عَمْرو وغير واحد قوله: ليس بالطويل الْمُمَعَّط أي: ليس بالبائن الطويل، ولا القصير المُتَرَدِّدِ يعني: الذي تردد خلْقُه بعضُه على بعض، وهو مجتمع ليس بسَبْطِ الْخَلْقِ يقول: فليس هو كذلك، ولكن رَبْعَة بين الرجلين، وهكذا صِفَّتُه ـ وَّه ــ وفي حديث آخر: ضَرْب اللَّحم بين الرجلين. وقوله: ليس بالمطهم، قال الأصمعي: هو التام كل شيء منه على حدته، فهو بارع الجمال، وقال غير الأصمعي الْمُكَلْثم المُدَوَّر الوجه، يقول: ليس كذلك، ولكنه مسْنُونٌ، وقوله: مشرب يعني الذي أُشْرِب حُمْرَةٌ، والأدعج العين: الشديدُ سَوادِ العين قال الأصْمَعي: الدُّعْجَةُ: هي السواد، والجليل الْمُشَاشِ: العظيمُ العظام مثل الركبتين والْمِرْفَقَيْنِ والْمَنْكِبَيْنِ، وقوله: الْكَتَد هو: الكاهِلُ وما يليه من جسده، وقوله: شَثْن الكفّينِ والقدمين يعني: أنهما (١) ((ضعيف الإسناد)). أخرجه الترمذي في المناقب (٣٦٤٢). ١٩٩ حديث أم هانىء عن الإسراء: قال محمد بن إسحق: وكان - فيما بلغني - عن أُمّ هانىء بنت أبي طالب رضي الله عنها - واسمها: هند - في مسرى رسول الله وَلّ، أنها كانت تقول: ما أُسرِيَ برسولٍ الله - وَير - إلا وهو في بيتي، نائم عندي تلك الليلة في بيتي، فصلَى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قُبيل الفجر أهَبَّنا رسولُ الله - وَّر - فلما صلّى الصبح، وصلَّينا معه، قال: ((يا أُمّ هانىء، لقد صلَّيت معكم العشاء الآخرة كما رأيتِ بهذا الوادي، ثم جئتُ بيتَ المقدس فصلَّيت فيه، ثم قد صلَّيت صلاةَ الغَداة معكم الآن كما ترين))، ثم قام ليخرج، فأخذْتُ بطَرف رِدائه، فتكشّف عن بَطْنه كأنه قُبْطيَّة مَطْوية، فقلت له: يا نبيّ الله، لا تحدّث بهذا الناس، فيكذّبوك ويُؤْذوك، قال: ((والله لأُحدّ ثنَّهموه)). قالت: فقلت الجارية لي حَبشيّة: ويحكِ اتبعي رسولَ الله - وَ لَّه ـ حتى تَسْمعي ما يقولُ للناس، وما يقولون له. فلما خرج رسول الله - بَّهِ - إلى الناس أخبرهم، فعَجبوا وقالوا: مِا آيَةُ ذلك يا محمد؟ فإنَّا لم نسمع بمثل هذا قطّ، قال: ((آية ذلك أني مَرَرْت بعِير بني فلان بوادي كذا وكذا، فأنْفرَهم حِسُّ الدابَّة، فَنَدَّ لَهُمْ بَعِيرٌ، فَدَلَلْتُهم عليه، وأنا مُوجَّه إلى الشام. ثم أقبلت حتى إذا كنتُ بضَجَنان مررتُ بعِيرِ بني فلان، فوجدتُ القومَ نيامًا، ولهم إناء فيه ماء قد غطّوا عليه بشيء فكشفتُ غطاءه وشربتُ ما فيه، ثم غطيتُ عليه كما كان، وآية ذلك أن غِيْرُهم الآن تَصُوب من البَيْضَاءِ، ثَنِيَّة التَّنْعيم يقدُمها جمل أوْرَقُ، عليه غرارتان، إحداهما سوداء، والأخرى بَرْقَاء)». قالت: فابتدر القَومُ الثنيَّة، فلم يَلْقهم أولُ مِنَ الجمل كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء، فأخبروهم أنهم وَضَعوه مملوءًا ماء ثم غطّوه، وأنهم هبُّوا فوجدوه مغطّى كما غطّوْه، ولم يجدوا فيه ماءً. وسألوا الآخرين وهم بمكة، فقالوا: صدق والله، لقد أَنْفرنا في الوادي الذي ذَكّره، ونَدّ لنا بعيرٌ، فسَمعنا صوتَ رجل يدعونا إليه، حتى أخذناه. فقلت لجبريل: يا جبريل، مُزه، فَلْيردّها إلى مكانها. قال: فأمره، فقال لها: اخبِي، فرجعتْ إلى مكانها الذي خَرجت منه. فمَا شبَّهتُ رُجوعَها إلا وقوع الظلّ. حتى إذا دخلت من حيثُ خَرجت رَدّ عليها غطاءها. إلى الغِلَظ. وقوله: لَيْسَ بالسبط ولا الْجَعْدِ الْقَطَطِ، فالْقَطَطُ: الشديدُ الْجُعُودَةِ مثل شُعور الْحَبَشة، ووقع في غريب الحديث لأبي عبيد التامُ كلُّ شيء منه على حِدَته. يقول: ليس كذلك، ولكنه بارع الجمال، فهذه الكلمة، أعني: ليس كذلك مخِلَّة بالشرح، وقد وجدته في رواية أخرى عن أبي عبيد بإسقاط: يقول كذلك، ولكن على نص ذكرناه آنفًا. ٢٠٠