النص المفهرس

صفحات 161-180

المطّلب في الشّعب ليلاً، قد أوْقره طَعامًا، حتى إذا أقبل به فَمَّ الشّعب، خلع خِطَامه من
رأسه، ثم ضرب على جَنْبه، فيدخل الشّعب عليهم، ثم يأتي به قد أوقره بَزًّا، فيفعل به
مثلَ ذلك.
قال ابن إسحاق: ثم إنه مشى إلى زُهير بن أبي أُميَّة بن المُغيرة بن عبد الله بن
عُمَر بن مخزوم - وكانت أمه: عاتكة بنت عبد المطّلب - فقال: يا زهير، أقد رَضيتَ أن
تأكل الطعامَ، وتلبس الثيابَ، وتنكح النِّساء، وأخوالُك حيثُ قد علمتَ، لا يُباعون، ولا
يُبتاع منهم، ولا يَنكحون، ولا يُنكِح إليهم؟ أما إني أخلِف بالله أن لو كانوا أخوال أبي
الحكم بن هشام، ثم دعوته إلى ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدًا، قال: ويحك يا
هشام! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجلٌ آخر، لقُمْت في نَقْضها
حتى أنقضَها، قال: قد وجدت رجلاً قال: فمن هو؟ قال: أنا، قال له زهير: أبْغِنا رجلاً
ثالثًا .
فذهب إلى المُطْعِم بن عديّ، فقال له: يا مُطْعِم أقد رضيتَ أن يَهْلِك بَطْنان من
بني عَبْد مناف، وأنت شاهدٌ على ذلك، موافق لقريش فيه! أما والله لئن أمْكنتموهم من
هذه لتجدُنَّهم إليها منكم سراعًا، قال: ويحك! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجلٌ واحد، قال:
قد وجدت ثانيًا، قال: مَنْ هو؟ قال: أنا، قال: أبْغِنا ثالثًا، قال: قد فعلتُ، قال: مَن
هو؟ قال: زهير بن أبي أُميَّة، قال: أبغنا رابعًا.
وذكر ما أصاب المؤمنين مع رسولِ الله - بَ ل ه ـ في الشّغْب من ضيق الحصار لا
يبايعون ولا يناكحون، وفي الصحيح: أنهم جُهِدُوا حتى كانوا يأكلون الخَبَطَ ووَرَقَ السَّمُر،
حتى إن أحدَهم لَيَضَعُ كما تَضَعُ الشاةُ، وكان فيهم سعدُ بن أبي وَقَّاص. رُوِيَ أنه قال: لقد
جُعت، حتى إني وطئت ذات ليلة على شيء رطب، فوضعته في فمي وبلعته، وما أدري ما
هو إلى الآن، وفي رواية يونس: أن سعدًا قال: خَرَجْت ذات ليلة لأبول، فسمعت قَعْقَعَةٌ
تحت البول، فإذا قطعةٌ من جِلْدٍ بعير يابسة، فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها ثم رَضَضْتُها،
وَسَفِفْتُها بالماء، فَقَوِيت بها ثلاثًا، وكانوا إذا قَدِمَت العيرُ مكة يأتي أحدُهم السوقَ ليشتري
شيئًا من الطعام لعياله، فيقوم أبو لهب عدُوُّ الله، فيقول: يا معشر التجار: غالُوا على
أصحاب محمد، حتى لا يُدركوا معكم شيئًا، فقد علمتم ما لي ووفاءَ ذِمَّتي، فأنا ضامن أن
لا خَسَارَ عليكم، فيزيدون عليهم في السِّلعة، قيمتها أضعافًا، حتى يرجعَ إلى أطفاله، وهم
يَتَضَاغَوْن من الجوع، وليس في يديه شيء يُطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب،
فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس، حتى جُهِدَ المؤمنون، ومَن معهم جوعًا وعُزيًا،
وهذه إحدى الشدائد الثلاث التي دلّ عليها تأويل الْغَطّات الثلاث التي غَطّه جبريل حين قال
الروض الأنف/ ج ٢/ م ١١
١٦١

فذهب إلى أبي البَخْتَرِيّ بن هشام، فقال له نحوًا ممَّا قال لمطعم بن عديّ، فقال:
وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم، قال: مَن هو؟ قال: زهير بن أبي أُمية،
والمُطْعم بن عديّ، وأنا معك، قال: أبغنا خامسًا.
فذهب إلى زَمْعَة بن الأسود بن المطَّلِب بن أسد، فكلَّمه، وذكر له قرابتهم
وحقّهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تَدْعوني إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمّى
له القوم.
فاتَّعدوا خطْم الحَجُون ليلاً بأعلَى مكة، فاجتمعوا هنالك، فأجمعوا أمرهم وتعاقدوا
على القِيام في الصّحيفة، حتى يَنْقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤُكم فأكون أوّلَ مَنْ يتكلّم.
فلما أصبحوا غَدوا إلى أنديتهم، وغدا زُهير بن أبي أمية عليه حُلَّة، فطاف بالبيت سَبْعًا،
ثم أقبل على الناس، فقال: يُأهلَ مكة، أنأكل الطعام، ونلبس الثّيابَ، وبنو هاشم هَلْكى
لا يُباع ولا يُبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تُشقَّ هذه الصحيفةُ القاطعة الظَّالمة.
قال أبو جهل - وكان في ناحية المسجد: كذبتَ والله لا تُشقّ، قال زَمَعة بن
الأسود: أنت والله أكذبُ، ما رَضينا كتابها حيثُ كُتِبت، قال أبو البَخْترِي، صَدَق زمْعَةُ،
لا نرضى ما كُتب فيها، ولا نُقرّ به، قال المطعم بن عديٍّ: صدقتُما، وكذبْ مَنْ قال غيرَ
ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كُتب فيها، قال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك. فقال أبو
جهل: هذا أمر قُضِي بليل، تُشُووِر فيه بغير هذا المكان، وأبو طالب جالس في ناحية
المسجد، فقام المُطعِم إلى الصحيفة ليشفَّها، فوجد الأرَضَة قد أكلتها، إلاَّ: ((باسمك
اللَّهمَّ)».
وكان كاتب الصحيفة مَنْصور بن عِكْرمة. فشلَّت يدُهُ فيما يزعمون.
قال ابن هشام: وذكر بعضُ أهل العلم: أن رسول الله - بَ ل ﴿ - قال لأبي طالب: ((يا
عمّ، إن رَبِّيَ الله قد سلَّط الأرَضَة على صحيفة قريش، فلم تَدَع فيها اسمًا هو الله إلا أثبتته
فيها، ونفت منه الظّلم والقطيعة والبُهتان))، فقال: أربُّك أخبرك بهذا؟ قال: ((نعم))، قال:
له: اقرأ، قال: ما أنا بقارىء، وإن كان ذلك كان في الْيَقَظَّةِ، ولكن مع ذلك له في مقتضى
الحكمة تأويلٌ وإيماء، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا قبل، وإلى آخر حديث الصحيفة ليس
فيها ما يشكل(١).
(١) انظر طبقات ابن سعد (٢١/١) وتاريخ الطبري (٣٤١/٢) والمنتظم (٣/٣) والبداية والنهاية (٩٥/٣)
والكامل (٦٠٤/١).
١٦٢

فوالله ما يدخل عليك أحدٌ، ثم خرج إلى قريش، فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخي
أخبرني بكذا وكذا، فهَلُمَّ صحيفتكم، فإن كان كما قال ابن أخي، فانتهوا عن قَطيعتنا،
وانزلوا عمّا فيها، وإن يكن كاذبًا دفعت إليكم ابنَ أخي، فقال القوم: رضينا، فتعاقدُوا
على ذلك، ثم نظروا، فإذا هي كما قال رسولُ الله وَ لتر، فزادهم ذلك شرًّا. فعند ذلك
صنع الرَّهْط من قريش في نَقض الصحيفة ما صنعوا.
قال ابن إسحاق: فلما مزقت الصحيفة وبطل ما فيها. قال أبو طالب، فيما كان من
أمر أولئك النّفَر الذين قاموا في نَّقْضها يمدحهم:
ألا هَلْ أتى بَخرِيَّنا صُنْعُ رَبِّنا على نَأْيِهم واللَّهُ بالنَّاسِ أزْوَدُ
شرح دالية أبي طالب:
وقول أبي طالب: ألا قد أتى بَحْرِيَّنا، يعني الذين بأرض الحبشة، نسبهم إلى الْبَخر
لركوبهم إياه، وهكذا وجه النَّسَب إليه، وقد قال عليه السلام: إذا نشأت بَخرِيَّة، وزعم ابن
سيدة في كتاب المحكم له أن العَربَ تنسب إلى البحر: بَخرانِيّ على غير قياس، وأنه من
شَوَاذ النسب، ونسب هذا القول إلى سيبويه والخليل، ولم يقله سيبويه قطّ، وإنما قال في
شواذ النسب: تقول في بَهْرَاء: بَهْرَانِيّ، وفي صنعاء: صَنْعَانِيّ، كما تقول: بَحْرَانِيّ في
النسب إلى الْبَحْرَيْن التي هي مدينة، وعلى هذا تلقَّه جميعُ النُّحاة، وتأوَّلُوه من كلام سيبويه،
وإنما شبّه على ابن سيدة لقول الخليل في هذه المسألة، أعني مسألة النسب إلى البحرين،
كأنهم بَنْوا البحر على بَخران، وإنما أراد لفظ البحرين ألا تراه يقول في كتاب العين: تقول
بَخْرَانِي في النسب إلى الْبَخْرَين، ولم يذكر النسب إلى البحر أصلاً للعلم به، وأنه على
القياس جارٍ، وفي الغريب المصنف عن اليزيدي أنه قال: إنما قالوا: بَخراني في النسب إلى
الْبَحْرَين، ولم يقولوا: بَخْرِي ليفرّقوا بينه وبين النسب إلى الْبَخْرِ، وما زال ابن سيدة يعثر في
هذا الكتاب وغيره [عثرات] يَدْمي منها الأَظَلُ(١)، ويَدْحَضُ دَحَضات تُخرجه إلى سبيل مَنْ
ضلّ ألا تراه قال في هذا الباب: وذكر بحيرة طَبَرِية، فقال: هي من أعلام خروج الدجال،
وأن ماءها يَيْبَس عند خروجه، والحديث: إنما جاء في غير زُغَر، وإنما ذكرت بحيرة طَبَرِيَّة
في حديث يأجوج ومأجوج، وأنهم يشربون ماءها، وقال في الجمار في غير هذا الكتاب:
[إنما] هي التي تُرمى بعرفة، وهذه هَفْوة لا تُقال، وعَثْرة [لا] لعًا (٢) لها وكم له من هذا
إذا تكلم في النسب وغيره، ومن النسب إلى البَخر قوله عليه السلام لأسماء بنت عُمّيس
(١) الأظل: باطن الأصبع.
(٢) لعًا: صوت: معناه الدعاء للعائر بأن يرتفع من عثرته.
١٦٣

فيُخبِرَهُم أنَّ الصَّحيفَة مُزْقَتْ
تَراوحَها إِفْكٌ، وَسِخْرِ مُجمَّع
تَداعى لها مَن ليس فيها بِقَرْقَرٍ
وكانّتْ كِفاءَ رَفْعَةٌ بأثيمةٍ
ويَظْعَن أهلُ المكَّتين، فيَهرُبُوا
ويُتْرَكُ حَرَاتٌ يقَلَّبُ أمره
وتَصْعد بين الأخْشَبين كتيبةٌ
وأنْ كلَّ ما لم يَرْضِه اللَّهُ مُفْسَد
ولم يُلْفَ سِخر آخِرَ الدهر يَضْعد
فَطائرُها في رأسِها يَترَدّد
ليُقْطَعَ منها ساعِدٌ ومُقَلَّد
فرائصُهم من خَشْيَة الشّرِّ تُرْعَد
أَيُتْهِم فيهم عند ذاك ويُنجِدُ
لها حُدُجِ سَهْمٌ وقوس ومزهد
حين قَدِمَت من أرض الحبشة: الْبَخْرِيَّة الْحَبَشِيَّة، فهذا مثل قول أبي طالب: ألا هل أتى
بَخْرِيَّنَا.
وقوله: والله بالناس أزْوَدُ: أي: أرْفَقُ، ومنه: رُوَيْدَك، أي: رِفْقًا جاء بلفظ التصغير؛
لأنهم يريدون به تقليلاً أي: ارفُق قليلاً، وليس له مكبّر من لفظه؛ لأن المصدر: إروادا، إلا
أن يكون من باب تصغير الترخيم، وهو أن تصغّر الاسم الذي فيه الزوائد، فتحذفها في
التصغير، فتقول في أسود: سُوَيْد، وفي مثل إرواد: رُوَيْد.
وقوله: مَن ليس فيها بقَرقَر: أي: ليس بذليل، لأن الْقَرْقَرَ: الأرضُ الْمَوْطُوءَةُ التي لا
تمنع سالكها، ويجوز أن يريد به: ليس بذي هَزْل، لأن الْقَرْقَرَةَ: الضحكُ.
وقوله: وطائرها في رأسها يتردد. أي: حظّها من الشُّؤْم والشر، وفي التنزيل: ﴿ألزمناه
طائرَه في عُنقه﴾ [الإسراء: ١٣]، وقوله: لها حُدُجْ سَهْمٌ وقَوَسٌ ومِرْهَد، وجدت في حاشية
كتاب الشيخ مما كتبه عن أبي الوليد الكناني على هذا البيت: لعله حُدُج بضم الحاء والدال
جمع حِذْج على ما حكى الفارسي، وأنشد شاهدًا عليه عن ثعلب:
قمنا فأَنَسْنَا الْحُمُولَ والخُدُجْ
ونظيره: سِتْر وسُتُر، ذكر ذلك عنه ابنُ سيدة في محكمه، فيكون المعنى: إن الذي
يقوم لها مقام الْحِذْج سَهْمٌ وقَوْسٌ ومِزْهد. إلى هنا انتهى ما في حاشية كتاب الشيخ. قال
المؤلف: وفي العين: الحَدَجُ: حَسَك القُطْبٍ(١) [ما دام رطبًا] فيكون الْحدَجُ في البيت
مُسْتَعَارًا من هذا، أي: لها حَسَك، ثم فسره فقال: سهمٌ وقوس ومِرْهَدُ(٢)، هكذا في الأصل
بالراء وكسر الميم فيحتمل أن يكون مقلوبًا من مَرْهَدٍ: مِفْعَل مِنَ رَهَد الثوبَ إذا مزقه، ويعني
(١) القطب: ضرب من النبات.
(٢) مرهد: أي لين.
١٦٤

فمَنِ يَنْشَ من حُضّار مكة عِزُّه
نَشَأْنا بها، والنَّاسُ فيها قلائل
ونُطعم حتى يترك النَّاسُ فضلَهم
جزى الله رَهطًا بالحَجُون تّبايعوا
قُعودًا لدى خَطْم الحَجون كأنهم
أعانَ عليها كلٌ صَفْر كأنه
جَرِيّ على جُلَّى الخطوب، كأنه
من الأكرمين من لَؤَيّ بن غالب
طويل النّجاد خارج نصفُ ساقِهِ
عظيم الرماد، سيد وابن سيِّد
ويبنى لأبْناء العَشِيرةِ صَالحًا
أَطَّ بهذا الصُّلح كل مُبَرَّأ
قضَوْا ما قَضَوْا في ليلهم، ثم أصبحوا
فعِزّتنا فِي بطن مَكَّة أَتْلَد
فلم نَتْفِكِكْ نزدادُ خيرًا ونحْمَد
إذَا جعلت أيدي المُفيضين تُرَعَد
على ملأ يَهْدِي لحَزْم ويُرْشِد
مَقَاوِلة، بل هم أعزّ وأمجدُ
إذا ما مشى في رَفْرف الدّرع أخردُ
شهاب بكَفَّيْ قابسٍ يَتوقّد
إذا سِيم خَسْفًا وَجهُه يتربَّدُ
على وَجْهِه يُسْقى الغَمام ويُسْعد
يَخُضّ على مَقْرَى الضيوف، ويخشِد
إذا نحن ◌ُفْنا في البلاد، ويَمْهَد
عظيم اللواء أمره ثَمَّ يُحمد
على مَهْلٍ، وسائر النَّاس رُقّد
به رُمحًا أو سيفًا، ويحتمل أن يكون غير مقلوب، ويكون من الرَّهيد، وهو الناعم أي: ينعم
صاحبُه بالظّفَر، أو ينعم هو بالرِّيِّ من الدَّم، وفي بعض النسخ: مَزْهد بفتح الميم والزاي،
فإن صحّت الرواية به، فمعناه: مَزْهد في الحياة، وحِرص على الممات، والله أعلم. وقوله
فيها: إذا جعلت أيدي المفيضين تُرْعَد. يعني: أيدي المفيضين بالقِداح في الميسر، وكان لا
يفيض معهم في الميسر إلاَّ سخي، ويسمّون مَن لا يدخل معهم في ذلك: الْبَرمَ. وقالت
امرأة لبعلها - وكان بَرمَا بخيلاً، ورأته يقرنَ بَضْعَتين في الأكل: أبَرَمَا قَرُونًا ويسمونه أيضًا:
الْحَصُور: يريد أبو طالب: إنهم يطعمون إذا بخل النَّاس. والميسر: هي الْجَزُورُ التي تُقَسَّم،
يقال: يَسَرْتُ إذا قسمت، هكذا فسّرِه الْقُتَبِيُّ وأنشد:
ألم ييأسوا أني ابنُ فارسٍ زَهْدَمِ
أقول لهم بالشّعبِ إِذْ يَيْسِرونَنِي
قال: يَيْسِرُونَنِي أي: يَقْتَسِمُون مالي، ويُروى: يَأْسِرونني من الأسْر.
وقوله: رَفْرَفِ الدِّرْعِ أَخْرَدُ. رَفْرَفُ الدُّرعِ: فُضُولها، وقيل في معنى: رَفْرَفٍ خُضْرٍ:
فضول الفُرُش والبُسُط، وهو قول ابن عباس، وعن علي أنها: الْمَرافِق، وعن سَعِيد بن
جُبَيْرِ: الرفارف: رياض الجنة، والأخرَدُ الذي في مشيه تثَاقُلٌ، وهو من الحَرَدِ، وهو: عَيْب
في الرِّجْلِ.
١٦٥

هُمْ رَجَعَوا سَهْلَ ابنَ بيضاء راضيًا
متى شُرّك الأقوامُ في جُلّ أمرِنا
وسُرّ أبو بكر بها ومحمَّد
وكُنَّا قديمًا قَبْلَها نُتودّد
ونُذْرِك ما شئنا، ولا نتشدَّد
وكنّا قَديمًا لا نُقِرّ ظُلامةٌ
وهل لكُم فيما يجِيء به غد
فيا لَقُصَيّ هَلْ لَكُمْ فِي نُفوسِكمْ
لَديك البيانُ لو تكلمت أسود
فإني وإِيَّاكُمْ كما قال قائلٌ
وقال حسَّان بن ثابت يبكي المُطعِم بن عديّ حين مات، ويذكر قيامَه في نَقْض
الصحيفة :
بدمعٍ، وإن أنزفتِهِ فاسكبي الدَّما
أيا عين فابكي سيِّد القوم واسفَحي
على النَّاسِ مَعْرُوفًا له ما تَكلَّما
وبكِّي عظيمَ المَشْعَرَين كليهما
من الناس أبقى مجدُه اليومَ مُطْعِما
فلو كان مجدّ يُخلد الدَّهرَ واحدًا
وفيه :
هم رَجَعوا سَهْلَ ابنِ بَيْضَاءَ راضِيًا
سهل هذا هو: ابن وَهْب بن رَبِيعَة بن هِلال بن ضَبَّةَ بنَ الحارث بن فِهر، يعرف:
بابن الْبَيضَاء، وهي أُمه، واسمها: دَعْد بنت جَحْدَم بن أُمَيَّة بن ضَرِب بن الحارث بن فِهْر،
وهم ثلاثة إخوة: سَهْلٌ وسُهيل وصَفْوان بنو البَيْضاء(١). وقوله:
لديك البيانُ لو تكلمت أسْوَدُ
وإني وإياهم كما قال قائل
أسود: اسم جبل كان قد قتل فيه قتيل، فلم يعرف قاتله، فقال أولياء المقتول هذه
المقالة، فذهبت مثلاً.
قول حسان في مطعم وهشام بن عمرو:
فصل: وذكر قول حَسَّان في مُطْعِم بن عَدِيٍّ، ويذكر جواره للنبي - عليه السلام -
وذلك حين رجع من الطائف، وقيامه في أمر الصحيفة:
فلو كانَ مجدٌ يُخلِد الدهرَ واحدًا من الناس أبقى مجدُه اليوم مُطْعِما
(١) انظر نسب قريش (٤٤٦).
١٦٦

عبِيدَك، ما لَبَّى مُهِلّ وأخْرَما
أجرْتَ رسولَ الله منهم، فأصبحوا
وقَخْطان، أو باقي بَقية جُرْهما
فلو سُئلَتْ عنه مَعدَّ بأسْرِها
وذمَّته يومًا إذا ما تَذَمَّما
لقالوا: هو المُوفى بخُفرة جارِهِ
على مثله فيهم أعَزّ وأغْظَما
فما تطلُعِ الشَّمسُ المُنيرة فوقَهم
وأنومَ عن جار إذا اللَّيْلُ أظلما
وآبَى إذا يَأبى وأليَنَ شِيمَةً
قال ابن هشام: قوله ((كليهما)) عن غير ابن إسحق.
قال ابن هشام: وأما قوله: ((جرت رسول الله منهم))، فإن رسول الله - رَله - لما
انصرف عن أهل الطائف، ولم يُجيبوه إلى ما دعاهم إليه، من تَصْديقه ونصرته، صار إلى
وهذا عند النحويين من أقبح الضرورة، لأنه قدّم الفاعل، وهو مضاف إلى ضمير
المفعول، فصار في الضرورة؛ مثل قوله:
جزى رَبُّه عني عديّ بن حاتم(١)
غير أنه في هذا البيت أشبه قليلاً لتقدم ذكر مُطْعِم، فكأنه قال: أبقي مجدُ هذا المذكور
المتقدم ذِكْرُهُ مُطْعِمًا. ووضع الظاهر موضع المضمر، كما لو قلت: إن زيدًا ضَرَبت جاريتُه
زيدًا، أي: ضربت جاريتُه إياه، ولا بأس بمثل هذا، ولا سِيَّما إذا قصدت قصدَ التعظيم
وتفخيم ذكر الممدوح، كما قال الشاعر:
وَيخيَى طَاهِر الأثواب بَرُّ
وما لي أن أكونَ أعيب يحيى
ويجوز نصبُه عندي على البدل من قوله: وَبَكِّي عظيمَ المشعرين، ويكون المفعولُ من
قوله: أبقى مجدُه محذوفًا، فكأنه قال: أبقاه مجدُه أبدًا، والمفعول لا قُبحَ في حذفه، إذا دلَّ
عليه الكلام كما في هذا البيت.
وذكر قول حسان في هشام بن عمرو، وقال فيه: للحارث بن حُبَيِّبٍ بن سُخَام، وقد
تقدم نسبه، وهو حُبَيْب بالتخفيف تصغير حِبّ، وجعله حسانُ تصغِير حبِيب، فشدَّده، وليس
هذا من باب الضرورَة؛ إذ لا يسوغ أن يقال في فُلَيْس: فُلَيْس، ولا في كُلَيْبٍ: كُلَيْب في
شِعر ولا غيره، ولكن لما كان الحِبُّ والحبيب بمعنى واحد جعل أحدهما مكان الآخر، وهو
حَسَنٌّ في الشعْرِ، وسائغ في الكلام، وهشام بن عمرو هذا أسلم، وهو مَعْدود في الْمُؤَلَّفة
قلوبُهم، وكانوا أربعين رجلاً فيما ذكروا.
(١) القائل هو: أبو الأسود الدؤلي. انظر خزانة الأدب (١٩٠/١).
١٦٧

حِرَاء، ثم بعث إلى الأخنس بن شَرِيق، ليُجيره، فقال: أنا حليفٌ، والحليف لا يُجير،
فبعث إلى سُهيل بن عمرو، فقال: إن بني عامر لا تُجير على بني كَعْب. فبعث إلى
المُطعِم بن عديّ، فأجابه إلى ذلك، ثم تسلح المُطعِم وأهل بيته، وخرجوا حتى أتوا
المسجد، ثم بعث إلى رسول الله - بَير - أن أدخُل، فدخل رسول الله - وَلَّ - فطاف
بالبيت، وصلّى عنده، ثم انصرف إلى منزله، فذلك الذي يعني حسان بن ثابت.
قال ابن إسحاق: وقال حسَّان بن ثابت أيضًا: يمدح هِشامَ بن عمرو لقيامه في
الصحيفة :
عَقْدًا كما أوْفى جِوَارُ هِشامٍ
هل يُوفينّ بنو أميَّة ذمَّة
للحارث بن حُبَيِّب بن سُخَام
مِنْ مَعْشَر لا يَغْدِرُون بجارِهم
أوفَوْا وأدَّوْا جارَهم بسلام
وإذا بنو حِسْل أجارُوا ذِمَّةً
وكان هشام أخا سُخَام: قال ابن هشام: ويقال: شحام.
إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله - وَلّ ـ على ما يَرى من قومه، يبذل لهم
النَّصيحة، ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه. وجعلت قريشٌ، حين منعه اللَّهُ منهم،
يحذّرونه النَّاس، ومَن قَدِمَ عليهم من العرب.
وقوله: ابن سُخَام، هو: اسم أُمه، وأكثر أهل النسب يقولون فيه: شُحَامٍ بشين
معجمة، وألفيت في حاشية كتاب الشيخ أن أبا عبيدة النَّسَّابة وعَوَانة يقولون فيه: سُحَام بسِين
وحاء مهملتين، والذي في الأصل من قول ابن هشام: سخام بسين مهملة، وخاء معجمة
ولفظ شُخَام من شَخَمَ الطعام، وخَشِم إذا تغيرت رائحته، قاله أبو حنيفة.
حول حديث طفيل الدوسي وذي الكفّين(١)
فصل: وذكر حديث طُفَيْلِ بن عمرو الدَّوْسِيِّ، وهو طُفَيْل بن عَمْرو بن طَريف بن
العاصي بن ثعلبة بن سُلَيْم بن جهْم بن دَوْس إلى آخره وليس فيه إشكال إلا قوله: حِنَا ذي
(١) انظر البخاري (٥٤/٤) (٢٥٠/٥) (١٠٥/٨) ومسلم في فضائل الصحابة (١٩٨) وأحمد
(٥٠٢/٤٤٨/٢٤٣/٢) وابن عساكر (٦٦/٦٥/٧) والفتح (١٠١/٨) (١٩٦/١٤٢/١١) وابن
سعيد في الطبقات الكبرى (١٧٦/١/٤) والبداية (١٠٠/٣) (٦٨/٥) (٢١٤/٦) والبيهقي في
الدلائل (٣٥٩/٥).
١٦٨

وكان الطفيل بن عمرو الدَّوْسِيّ يحدّث: أنه قَدِمَ مكة - ورسول الله وَّ بها -
فمشى إليه رجالٌ من قُريش - وكان الطفيل رجلاً شريفًا شاعرًا لَبِيبًا - فقالوا له: يا طُفيل،
إنك قدمتَ بلادنا، وهذا الرجلُ الذي بين أظهرنا قد أغضل بنا، وقد فرّق جماعتنا،
وشتّت أمرنا، وإنما قولُه كالسِّحر يفرّق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه،
وبين الرجل وبين زوجته، وإنَّا نَخْشى عليك وعلى قومك ما قد دَخل علينا، فلا تُكَلمنَّه
ولا تسمعنّ منه شيئًا.
قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعتُ أن لا أسمع منه شيئًا، ولا أُكلّمه، حتى
حشوتُ فِي أُذُني حين غدوتُ إلى المسجد كُرْسُفًا فَرَقًا من أن يبلغني شيءٌ من قوله، وأنا
لا أُريد أن أسمعه. قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسولُ الله - وَّرَ - قائمٌ يصلّي عند
الكعبة. قال: فقُمت منه قريبًا، فأبى اللَّهُ إلا أن يُسمعني بعضَ قوله. قال: فسمعتُ كلامًا
حسنًا. قال: فقلت في نفسي: واتُكْل أُمّي !! والله إني لرجُل لَبيب شاعرٌ ما يخفى عليّ
الحسَنُ من القبيح، فما يَمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول! فإن كان الذي يأتي به
حسنًا قِلتُهُ، وإن كان قبيحًا تركتُه.
قال: فمكثت حتى انصرف رسولُ الله - بَّهِ - إلى بيته فاتَّبعتُه، حتى إذا دخل بيته
دَخْلتُ عليه، فقلت: يا محمد، إنَّ قومك قالوا لي كذا وكذا - للذي قالوا - فوالله ما
بَرِحوا يُخَوْفونني أمرَك حتى سددت أُذُني بكُرْسُف لئلا أسمع قولَك، ثم أبى اللَّهُ إلا أن
يُسمعني قولَك، فسمعتُه قولاً حسنًا، فاعرض عليّ أمرك. قال: فعرض عليّ رسول
الله - وََّ - الإسلام، وتلا عليّ القرآن، فلا والله ما سمعتُ قولاً قطُ أحسن منه، ولا أمرًا
أعدل منه، قال: فأسلمت، وشهدت شهادة الحقّ، وقلت: يا نبيّ الله إني امرؤٌ مُطاع في
قومي، وأنا راجعٌ إليهم، وداعيهم إلى الإسلام، فادعُ اللَّهَ أن يجعل لي آيَةً تكون لي عونًا
عليهم فيما أدعوهم إليه فقال: ((اللَّهمَّ اجعل له آية)).
قال: فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بِثَنَّة تُطْلِعُني على الحاضر وَقع نورٌ بين
عينيّ مِثْلُ المِصباح، فقلت: اللَّهمَّ في غير وَجْهي، إني أخشى، أن يظنُّوا أنها مُثْلة وَقعت
في وجهي لفراق دينهم. قال: فتحوّل فوقع في رأس سَوطي. قال: فجعل الحاضرُ
يتراءون ذلك النور في سَوْطي كالقنديل المعلِّق، وأنا أهبط إليهم من الثّنِيَّة، قال: حتى
جئتُهم فأصبحتُ فیھم.
الشّرَى، وقد قال ابن هشام: هو حِمى، وهو موضعٌ حَمَوْهُ لصنمهم ذي الشّرى، فإن صحّت
رواية ابن إسحاق، فالنون قد تبدل من الميم، كما قالوا: حُلاَّن وحُلاَّم للجدي، ويجوز أن
يكون من حَنَوْت العود، ومن مَخْنِيَةِ الوادي، وهو ما انحنى منه.
١٦٩

إسلام والد الطفيل وزوجته:
قال: فلما نزلت أتاني أبي، وكان شيخًا كبيرًا، قال: فقلت: إليك عني يا أبت،
فلستُ منك، ولستَ مني، قال: ولِمَ يا بنيّ؟ قال: قلت: أسلمتُ، وتابعت دينَ
محمد - وَل18 ـ قال: أي بنيّ، فديني دينك، قال: فقلت: فاذهب، فاغتسل، وطَهِر ثيابك،
ثم تعالَ حتى أُعلِّمك ما عُلِمتُ. قال: فذهب فاغتسل، وطهَّر ثيابَه. قال: ثم جاء
فعرضتُ عليه الإسلام، فأسْلَم.
قال: ثم أتتني صاحبتي، فقلت: إليك عني، فلستُ منك ولست منّي، قالت: لِمَ؟
بأبي أنت وأمي، قال: قلت: قد فرّق بيني وبينك الإسلام، وتابعتُ دين محمد - دَله -
قالت: فديني دينُك، قال: قلت: فاذهبي إلى حِنَا ذي الشَّرى - قال ابن هشام: ويقال:
حِمَی ذي الشّری ۔ فتَطَّهَّري منه.
ذو الشَّرى صنمًا لِدَوْس، وكان الحمى حِمّى حَمَوْه له، به وشَلٌ من ماءٍ يَهْبِط من
جبل.
قال: قالت: بأبي أنت وأمي، أتخشى على الصبيَّة من ذي الشَّرى شيئًا، قال:
قلت: لا، أنا ضامنٌ لذلك، فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت فعرضتُ عليها الإسلام،
فأسلمت.
ثم دعوت دَوْسًا إلى الإسلام، فأبطؤوا عليّ، ثم جئتُ رسول الله - وَلَ - بمكّةَ،
فقلت له: يا نبيّ الله، إنه قد غلبني على دَوْس الزّنا، فاذعُ الله عليهم، فقال: اللَّهمَّ اهْدِ
دَوسًا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفُق بهم، قال: فلم أزل بأرض دَوْس أدعوهم إلى
الإسلام، حتى هاجر رسول الله - وَ﴿ - إلى المدينة، ومضى بَدرٌ وأُحدٌ والخندقُ، ثم
قَدِمتُ على رسول الله - نَّهِ - بمَنْ أسْلَمَ معي مِنْ قومي، ورسولُ اللهِ - رَّهِ - بِخَيْبَر،
حتى نزلتُ المدينةَ بسبعين أو ثمانين بيتًا من دَوس، ثم لَحِقنا برسول الله - وَّ ـ بخيبر،
فأسْهم لنا مع المسلمين.
وقوله: يا ذا الْكَفَيْنِ لست من عُبَّادكا. أراد: الكفّين بالتشديد، فخفف للضرورة، غير
أن في نسخة الشيخ أن الصنم كان يسمى: ذا الْكَفَيْنِ، وخفف الفاء بخطّه بعد أن كانت
مشددة، فدلّ أنه عنده مخفف في غير الشعر، فإن صحّ هذا فهو محذوف اللام، كأنه تثنيه
كَفْءٍ، من كفأتُ الإناء، أو إذا كفء بمعنى كفء؟! ثم سُهْلَت الهمزةُ، وألقيت حركتها على
الفاء، كما يقال: الْخَبْءُ والْخَبُ، وفي الحديث: أن أهل الحاضر من دَوْسٍ كانوا يتراءونه
في الثَِّيّة، وفي سوطه كالْقِنْديلِ المعلَّق، وذكره المبرِّد فقال في لفظ الحديث: جعلوا ينظرون
١٧٠

ثم لم أزَل مع رسول الله - وَ ل﴿ ـ حتى إذا فتح اللهُ عليه مكةَ، قال: قلت: يا
رسول الله، ابعثني إلى ذي الكفّين، صنمٍ عمرو بن حُمَمَة حتى أُخرقه.
قال ابن إسحاق: فخرج إليه، فجعل طفيل يوقد عليه النار، ويقول:
يا ذا الكَفَّيْنِ لَسْتُ مِنْ عُبَّادِكا ميلادنا أقْدَمُ مِنْ مِيلادكا
إني حشوْتُ النَّار فِي فُؤَادِكا
قال: ثم رجع إلى رسول الله - رَج * - فكان، معه بالمدينة، حتى قَبض اللَّهُ
رسولَهُ - وَلّ - فلما ارتدت العرب، خرج مع المسلمين، فسار معهم، حتى فرَغُوا من
طُليحة، ومن أرض نَجْد كلِّها. ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة - ومعه ابنُهُ عَمْرو بن
الطُفيل - فرأى رؤيا وهو متوجّه إلى اليمامة، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا،
فاعبُرُوها لي، رأيتُ أن رأسي حُلِقٍ، وأنه خرج من فمي طائرٌ، وأنه لقِيتْني امرأةٌ،
فأدخلتني في فَرْجها، وأرى ابني يَطلبني طَلَبًا حَثيثًا، ثم رأيتُه حُبس عني، قالوا: خيرًا.
قال: أمَّا أنا والله، فقد أوَّلتُها، قالوا: ماذا؟ قال: أمَّا حلْق رأسي فَوضْعه، وأما الطائر
الذي خرج من فَمِي فَرَوحِي، وأما المرأة التي أدخلتني فرجها، فالأرض تُخْفَرُ لي،
فأُغيَّب فيها، أما طَلب ابني إياي ثم حَبْسه عني، فإني أراه سيَجهد أنْ يصيبه ما أصابني،
فقُتل رحمه الله شهيدًا باليمامة، وجُرح ابنه جراحة شديدة، ثم استبَلّ منها، ثم قُتل عام
اليَزْموك في زمن عمر رضي الله عنه شهيدًا.
من قصة أعشى بن قيس بن ثعلبة
قال ابن هشام: حدّثني خلاّد بن قُرّة بن خالد السَّدُوسيّ وغيرُه من مشايخ بَكْر بن
وائل مِن أهل العلم: أن أعشى بني قَيْس بن ثعلبة بن عُكَابة بن صَعْب بن عليّ بن
إلى الجبل، وهو يهتف من شدة الضياء والنور، وروى، أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة
قال: لما قال طفيل للنبي - 3 98 - إن دَوْسًا غلب عليها الزنى والربا، فادع الله عليهم، قلنا:
هلكت دوس، حتى قال رسول الله - رَاله ◌ِ اللَّهُمَّ اهدٍ دوسًا(١).
الأعشى وداليته وحمزة والشرف
فصل: وذكر ابن هشام حديث الأعشى وقصيدته إلى آخرها، فلما كان قريبًا من مكة
لقيه بعض المشركين، فقال: إلى أين يا أبا بصير؟ الحديث، وذكر تحريمه الخمر، وتحريمه
(١) انظر التخريج السابق.
١٧١

بَكر بن وائل، ابن قاسط بن هِنْبٍ بن أفصى بن دُعْمِي بن جَدیلة بن أسد بن ربيعة بن
نزار] خرج إلى رسول الله - ◌َ﴿ - يريد الإسلام فقال يمدح رسولَ الله وَلي :
وبتّ كما بات السَّليمُ مُسهَّداً
ألَمْ تَغتمِض عَيْناك ليلة أزْمَدا
تناسيتَ قبلَ اليوم خُلَّة مَهْددا
وَما ذاك مِنْ عشقِ النّساء، وإنما
الزنى، وقول الأعشى: أما الخمر ففي الناس منها عُلالات وقال غير ابن هشام: كان القائلَ
لِلأَعشى هذه المقالة أبو جهل. قالها في دار عُتْبَة بن ربيعة، وكان نازلاً عنده، قال المؤلف:
وهذه غَفْلةٌ من ابن هشام، ومَن قال بقوله، فإن الناس مُجمِعون على أن الخمر لم ينزل
تحريمها إلا بالمدينة بعد أن مضت بدر وأُحُد، وحرمت في سورة المائدة، وهي من آخرِ ما
نزل، وفي الصحيحين من ذلك قصةُ حمزة حين شربها وغنّته القينتان: ألا يا حمز، للشّرُف
النّوَاءِ، فبَقَر خواصِرَ الشارِفين، واجتنب أسمتها.
وقوله للنبي عليه السلام: هل أنتم إلاَّ عَبِيدٌ لآبائي، وهو ثَمِل. الحديث بطوله. فإن
صحّ خبر الأعشى، وما ذكر له في الخمر، فلم يكن هذا بمكة، وإنما كان بالمدينة، ويكون
القائل له: أما علمت أنه يحرم الخمر، من المنافقين، أو من اليهود، فالله أعلم. وفي
القصيدة ما يدل على هذا قوله: فإن لها في أهل يثرب موعدًا، وقد ألْفيت للقالي رواية عن
أبي حاتم عن أبي عبيدة قال: لقي الأعشى عاممر بن الطُّفَيْل في بلاد قيس، وهو مقبل إلى
رسول الله - * - فذكر له أنه يحرم الخمر، فرجع، فهذا أولى بالصواب، وقول الأعشى:
أترؤَّى منها هذا العام، ثم أعود فأسلم لا يخرجه عن الكفر بإجماع، قال الإسفراييني في
عقيدته: إذا قال المؤمن سأكفر: غدًا أو بعد غد، فهو كافر لحينه بإجماع، وإذا قال الكافر:
سأُومن غدًا، أو بعد فهو على كفره، لا يخرجه عن حكم الكفر إلا إيمانه إذا آمن، ولا
خلاف في هذا والله المستعان.
وقوله :
أَلَّمْ تَغْتَمِضْ عيناك ليلة أزْمَدَا
لم ينصب ليلة على الظرف؛ لأن ذلك يفسد معنى البيت، ولكن أراد المصدر فحذفه،
والمعنى: اغتماض ليلة أرمد، فحذف المضاف إلى الليلة، وأقامها مقامه، فصار إعرابها
كإعرابه، وقد رُوِيَ هذا البيت: ليلك بالكاف، ومعناه: غَمْضُ أزْمَد، وقيل: بل أرمد على
هذه الرواية من صفة الليل، أي حال منه على المجاز، كما تقول: ليلك ساهر.
وقوله:
تناسيت قبل اليوم خُلَّةَ مَهْدَدًا
١٧٢

ولكن أرَى الدهْرَ الذي هو خائنٌ
كُهولاً وشُبَّانًا فقدتُ وثَزْوةٌ
وما زلتُ أبغي المالَ مُذْ أنا يافعٌ
وأبتذل العِيسَ المَراقيل تَغْتلي
ألا أيُّهذا السائلِي أين يَمَّمثْ
فإن تسألي عني، فيا رُبّ سائل
أجدَّتَ بِرِجلَيْها النَّجاءَ، وراجعتْ
وفيها - إذا ما هجَّرت - عَجْرفيّةٌ
إذا أصلحتْ كفَّاي عاد، فأفْسدا
فَلِلَّه هذا الذَّهِرُ كيد تَرَدّدا !!
وليدًا وكهلاً حين شِبْت وأمْردا
مسافةً ما بين النُّجَيْرِ فَصَرْخَدا
فإنّ لها في أهلٍ يثرِبَ موعدا
حَفِيّ عن الأعشى به حيثُ أصْعدا
يدَاها خِنَافًا لِيِّنَا غَيْرَ أخردا
إذا خِلْت حِزباء الظَّهيرة أصْيدا
مَهْدَدٌ: فَعْلَل من المهد، ولولا قيام الدليل على أن الميم أصلية لحكمنا بأنه مَفْعل؛
لأن الكلمة الرباعية إذا كان أولها ميمًا أو همزة، فحملها على الزيادة، إلا أن يقوم دليل على
أنها أصلية، والدليل على هذه الكلمة ظهور التضعيف في الدال؛ إذ لو كانت الميم زائدة لما
ظهر التضعيف، ولقلت فيه: مَهَدّ كما تقولُ: مَردّ وَمَكَّرَّ ومَفرّ في كل ما وزنه مفْعَل من
المضاعف، وإنما الدال في مَهْدَةَ ضوعفت ليلحق ببناء جَعْفر.
وقوله :
إذا خِلت حِزباء الظهيرة أضيّدا
والأصيد: المائل العنق، ولما كانت الْحِزْباء تدور بوجهها مع الشمس کیفما دارت،
كانت في وسط السماء في أول الزوال، كالأصيد، وذلك أحرّ ما تكون الرَّمْضَاء. يصف ناقته
بالنشاط، وقوة المشي في ذلك الوقت.
وقوله: خِنافًا إِلَيْنًا. في العين: خَنَفَت الناقة تخيف بيديها في السير، إذا مالت بهما
نشاطًا، وناقة خَنُوف قال الراجز(١):
والقَيْنَةُ(٤) الحسناءَ، والكأسَ الأَثُّفْ
إن الشِّواءَ(٢) والنَّسِيلَ(٣) والرُّغُفْ
للطاعنين الخيلَ، والخيلُ خُلُف
وقوله: لَيِّنَا غير أخرَدا، أي: تفعل ذلك من غير حَرَد في يديها، أي اعوجاج، والنَّجَيْرُ
وصَرْخَدُ بلدان، وأهل النجير أول مَن ارتدّ في خلافة أبي بكر بعد أهل دَبًا وكان أهل دبا قد
(١) هو: لقيط بن زرارة.
(٣) النسيل: اللحم المطبوخ بلا توابل.
(٢) الشواء: اللحم المشوي.
(٤) القينة: المغنية.
١٧٣

ولا من حَفّى حتى تلاقي محمَّدا
تُراحِي، وَتَلْقَيْ من فَواضله ندَى
أغار لعَمْري في البلاد وأنْجَدا
وآَلَيْتُ لا آوي لها من كَلالة
متی ما تُناخی عند باب ابنِ هاشم
نبيًّا يَرَى ما لا ترون وذكرُه
وليس عطاءُ اليوم مانعَه غدا
له صَدقاتٌ ما تُغِبّ ونائِل
نبيِّ الإلهِ حيث أوْصَى، وأشهَدا
أجِدَّكَ لم تسْمَع وَصَاةَ محمد
ولاقيت بعد الموت مَنْ قد تزوّدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من الثُّقَى
حاصرهم حُذَيْفَة بن أسَيْد، وحاصر أهل النجير زياد بن لبيد بأمر أبي بكر، حتى نزلوا على
حكمه. وأما صَرْخَدُ فبلد طيب الأعناب، وإليه تنسب الخمرُ الصَّرْخَديَّة. وفي الأمالي: ولذٌ
كطعم الصَّزخَدِي تركته.
وقوله :
وآليت لا آوي لها من كَلالَة
ولا من وَجَى، أي: لا أرق لها، يقال: آويت للضعيف إيَّة ومأْوِيَة إذا رقّت له كبدك.
وقوله :
أغار لَعَمْري في البلاد وأنجدا
المعروف في اللغة: غار وأنجد، وقد أنشدوا هذا البيت: لعمري غَارَ في البلاد
وأنجدا. والغَورُ: ما انخفض من الأرض، والنجْدُ: ما ارتفع منها، وإنما تركوا القياس في
الغور، ولم يأت على أفعل إلا قليلاً، وكان قياسه أن يكون مثل أنْجَدَ، وأتْهم؛ لأنه مَن أمَّ
الغور، فقد هبط ونزل، فصار من باب غار الماءُ، ونحو ذلك، فإن أردت: أشْرَف على
الْغَوْر، قلت: أغار، ولا يكون خارجًا عن القياس.
وقوله :
وليس عطاءُ اليوم مانعَه غدًا
معناه على رفع العطاء ونصب مانع، أي: ليس العطاء الذي يعطيه اليوم مانعًا له غدًا
من أن يعطيه، فالهاء عائدة على الممدوح، فلو كانت عائدة على العطاء لقال: وليس عطاء
اليوم مانعه هو، بإبراز الضمير الفاعل، لأن الصفة إذا جرت على غير مَن هي له برز الضمير
المستتر بخلاف الفعل، وذلك لِسر بيّنّاه في غير هذا الموضع لم يذكره الناس، ولو نصب
العطاء لجاز على إضمار الفعل المتروك إظهاره، لأنه من باب اشتغال الفعل عن المفعول
بضميره، ويكون اسم ليس على هذا مضمرًا فيها عائدًا على النبي ◌َّر.
١٧٤

ندمتَ على أن لا تكون كمثْلِه
فإيَّاك والمَيْتاتِ لا تقربنَها
وذا النُّصُبَ المنصوبَ لا تَنْسُكَنَّه
ولا تَقرَبنَّ حُرّةً كان سِرُّها
فَتُرصِد للأمر الذي كان أرْصَدا
ولا تأخُذَنْ سهمًا حديدًا، لتُفْصِدا
ولا تعبد الأوثان، والله فاعبُدا
عليكَ حرامًا فانْكَحَنْ أو تأبَّدا
العاقبة ولا الأسير المُقَيَّدا
وذا الرّحِم القُربَى فلا تَقْطَعَنَّه
ولا تَحمَد الشّيطانَ والله فاحمَدا
وسبِّح على حينِ العشيَّات والضّحى
ولا تحسَبَنّ المال للمَزْء مُخْلِدا
ولا تَسْخرا من بائس ذي ضرارة
وقوله: فانْكَحَنْ أوْ تَأَبَّدا. يريد: أو ترهَّب؛ لأن الراهب أبَدًا عَزَبٌ فقيل له: متأبدًا
اشتق من لفظ الأبد.
وقوله: فالله فاعبدا، وقف على النون الخفيفة بالألف، وكذلك فانكحن أو تأبدا،
ولذلك كتبت في الخط بألف، لأن الوقف عليها بالألف، وقد قيل في مثل هذا: إنه لم يُرِد
النونَ الخفيفة، وإنما خاطب الواحد بخطاب الاثنين، وزعموا أنه معروف في كلام العرب،
وأنشدوا في ذلك(١):
وإِنْ تَدَعَانِي أحم عِرْضًا مُمَنَّعا
فإن تَزْجُراني يا ابْنَ عفان أزْدَجِرْ
وأنشدوا أيضًا في هذا المعنى(٢):
وقلت لصاحبي: لا تَخْبِسَانا
بنزع أُصُولها واجْتَثَ شِيحًا
ولا يمكن إرادة النون الخفيفة في هذين البيتين، لأنها لا تكون ألفًا، إلا في الوقف،
وهذا الفعل قد اتصل به الضمير، فلا يصح اعتقاد الوقف عليه دون الضمير، وحُكِيَ أن
الحجاج قال: يا حرسي اضربا عنقه، وقد يمكن فيه حمل الوصل على الوقف، ويحتمل أن
يريد: اضرب أنت وصاحبك: وقد قيل في قوله سبحانه: ﴿ألقيا في جَهَنَّم﴾ إن الخطاب
لمالِكٍ وحده حملا على هذا الباب، وقيل: بل هو راجع إلى قوله تعالى: ﴿سائق وشهيد﴾
وفي القصيدة زيادة لم تقع في رواية ابن هشام وهي قوله في وصف الناقة:
رقيبين نجمًا لا يغيب وَفَزْقدا
فأما إذا ما أذلَجَتْ، فترى لها
(١) صاحب البيت هو: سويد بن كراع العكلي.
(٢) صاحب البيت هو: المضرس بن ربعي الأسدي، وقيل يزيد بن الظئرية.
١٧٥

مصير الأعشى :
فلما كان بمكة أو قريبًا منها، اعترضه بعضُ المشركين من قريش، فسأله عن أمره،
فأخبره أنه جاء يريد رسولَ الله - بَّهـ؛ ليُسلم، فقال له: يا أبا بصير، إنه يُحرِّم الزِّنا،
فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمرٌ ما لي فيه من أرَب، فقال له: يا أبا بصير، فإنه يحرم
الخمر، فقال الأعشى: أمَّا هذه فوالله إنّ في النفس منها لعُلالات، ولكني منصرفٌ
فأترؤَّى منها عامي هذا، ثم آتيه فأَسلم. فانصرف فمات في عامه ذلك، ولم يَعُد إلى
رسول الله مل﴾ .
ذلة أبي جهل:
قال ابن إسحاق: وقد كان عدوّ الله أبو جهل بن هشام مع عداوته لرسول
الله - وَّ﴿ - وبغضه إياه، وشدّته عليه، يُذلُّه الله له إذا رآه.
أبو جهل والإراشي
قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان الثقفي، وكان
واعية، قال: قَدِمَ رجلٌ من إراش - قال ابن هشام: ويقال: إراشة - بابل له مكةَ، فابتاعها
منه أبو جهل، فمَطَله بأثمانها. فأقبل الإراشي حتى وقف على نادٍ من قريش، ورسولُ
الله - رََّ - في ناحية المسجد جالسٌ، فقال: يا معشر قريش، مَنْ رجلٌ يؤدّيني على أبي
الحَكم بن هِشام، فإني رجلٌ غريب، ابنُ سَبيل، وقد غلَبني على حقي؟: فقال له أهلُ
ذلك المجلس: أترى ذلك الرجلَ الجالس ـ لرسول الله - رَ*م ـ وهم يهزؤون به؛ لما
يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة - اذْهَبْ إليه، فإنه يُؤَدّيك عليه.
وقع هذا البيت بعد قوله: لينًا غير أحردا.
وقوله في صفة النبي ◌َّ ه:
أغار لعمري في البلاد وأنجدا
وبعده :
به أنقذ اللَّهُ الأنامَ من الْعَمَى
وما كان فيهم مَن يَرِيعُ إلى هُدى
حديث الإراشي
فصل: وذكر حديث الإراشي الذي قَدِمَ مكة، واستعدى على أبي جهل.
قال ابن إسحاق: هو من إراش، وهو ابن الغوث أو ابن عمرو، بن الغوث بن نبت بن
١٧٦
:

فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله - وَل﴿ - فقال: يا عبد الله إنَّ أبا
الحَكم بنَ هشام قد غَلَبني على حقٌّ لي قَبِله، وأنا غريب ابن سَبيل، وقد سألت هؤلاء
القومَ عن رجل يؤدّيني عليه، يأخذ لي حقّي منه، فأشاروا لي إليك، فخُذْ لي حقّي منه،
يرحمك الله، قال: انطلق إليه، وقام معه رسولُ الله - بَ ل جر - فلما رأوه قام معه، قالوا
الرجل ممّن معهم: اتبعه، فانظر ماذا يصنع.
قال: وخرج رسول الله - بَلقوله - حتى جاءه، فضرب عليه بابه، فقال: مَن هذا؟
قال: محمد، فاخرج إليّ، فخرج إليه، وما في وجهه من رائحة، قد انْتُقِع لونُه، فقال:
أعطِ هذا الرجل حقّه، قال: نعم، لا تبرح حتى أعطيه الذي له، قال: فدخل، فخرج
إليه بحقه، فدفعه إليه. قال: ثم انصرف رسولُ الله - بَلّ - وقال للإراشي: الحق
بشأنك، فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس، فقال: جزاه الله خيرًا، فقد والله
أخذ لي حقي.
قال: وجاء الرجل الذي بعثوا معه، فقالوا: ويحك! ماذا رأيت؟ قال: عجبًا من
العجب، والله ما هو إلا أن ضَرب عليه بابه، فخرج إليه وما معه رُوحُه، فقال له: أعطٍ
هذا حقَّه، فقال: نعم، لا تبرخ حتى أُخرج إليه حقَّه فدخل فخرج إليه بحقه، فأعطاه
إياه. قال: ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا له: وَيْلك! ما لك؟ والله ما رأينا مثل ما
صنعت قطّ! قال: ويحَكم، والله ما هو إلا أن ضربَ عليّ بابي، وسمعت صوتَه، فمُلئت
رعبًا، ثم خرجتُ إليه، وإنْ فوق رأسه لفَخلاً من الإبل، ما رأيت مثلَ هامته، ولا
فَصَرَته، ولا أنْيابه لفَخْلٍ قط، والله لو أبيتُ لأكلني.
مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، وهو والد أنمار الذي ولد، بَحيلةَ وخَثْعَم. وإراشة الذي
ذكر ابن هشام: بَطْنٌ من خَثْعَم، وإراشة مذكورة في العماليت في نسب فِرْعون صَاحب مصر،
وفي بَلِيٍّ أيضًا بنو إراشة، وقوله: مَنْ [رجل] يؤديني على أبي الحكم أي: يعينني على أخذ
حقي منه، وهو من الأداة التي توصل الإنسان إلى ما يريد، كأداة الحرب، وأداة الصانع،
فالحاكم يؤدي الخصم، أي يوصله إلى مطلبه، وقد قيل: إن الهمزة بدل من عين، ويؤُدِّي
وبعدي بمعنى واحد، أي: يزيل العُدوان، والْعَداء وهو: الظلم، كما تقول: هو يُشْكِيك
أي: يُزيل شَكْواك، وفي حديث خباب: شكونا إلى رسول الله - وَِّ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ، فلم
يُشكنا معناه على أحد القولين: لم يرفع شَكْوانا ولم يُزْلها.
وقوله: فخرج إليه، وما في وجهه رائحة، أي: بقية روح، فكان معناه: روح باقية،
فلذلك جاء به على وزن فاعله، والدليل على أنه أراد معنى الرُّوح وإن جاء به على بناء فاعلة
قول الإراشي في آخر الحديث: خرج إليّ، وما عنده رُوحُه.
الروض الأنف/ ج ٢/ م ١٢
١٧٧

ركانة ومصارعته
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحقُ بن يسار، قال: كان رُكَانَةُ بن عبد يزيد بن
هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف أشدَّ قُرَيش، فخلا يومًا برسولِ الله - وَّ - في
بعض شِعاب مكة، فقال له رسولُ اللهِ وَل ◌ِ: ((يا رُكَانة، ألا تتقي الله، وتقبل ما أدعوك
إليه))؟ قال: إني لو أعلم أن الذي تقول حقّ لاتبعتك، فقال رسولُ الله - وَل ـ: ((أفرأيت
إن صرَعتك، أتعلم أنّ ما أقول حق))؟ قال: نعم، قال: ((فقم حتى أصارعك)). قال: فقام
إليه رُكانة يصارعه، فلما بطش به رسولُ الله - وَّر - أضْجعه، وهو لا يملك من نفسه
شيئًا، ثم قال: عُدْ يا محمد، فعاد فصرعه، فقال يا محمد: والله إن هذا لَلْعَجب،
أتصرعني! فقال رسولُ اللهِ وَله: «وأعجبُ من ذلك إن شئت أن أُريكه، إن اتَّقيت الله
واتبعت أمري))، قال: ما هو؟ قال: ((أدعو لك هذه الشجرةَ التي ترى فتأتيني))، قال:
ادعُها، فدعاها، فأقبلت حتى وقفت بين يدَيْ رسولِ الله - رَليو - قال: فقال لها: ((ارجعي
إلى مكانك)). قال: فرجعت إلى مكانها !.
مصارعة ركانة(١)
فصل: وذكر حديث رُكَانة ومصارعته للنبي - وَ ل﴿ - وقد تقدم مثلُ هذا الحديث عن أبي
الأشدين الْجُمَحِيِّ، ولعلهما أن يكونا جميعًا صارعا رسول الله - نَّر - وقد تقدم التعريف
بأبي الأشدَّين، وباسمه ونسبه؛ ورُكَانة هذا هو: ابن عَبْد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب من
مَسْلَمَةِ الفتح، وتوفي في خلافة معاوية، وهو الذي طلق امرأته ألْبتَّة، فسأله رسولُ
الله - 14َ - عن نيّته، فقال: إنما أردت واحدة، فردّها عليه(٢)، ومن حديثه عن النبي ◌َلّى:
أنه قال: ((إن لكل دين خُلقًا، وخلق هذا الدين الحياء)»(٣)، ولابنه يزيد بن رُكانَة صحْبَةٌ
أيضًا، ويُروى عن يَزِيدَ بن رُكَانة ابنُه علي، وكان علي قد أعطى من الأيْدِ والقوة ما لم يُغْطَ
أحد، نَزَع في ذلك إلى جَدْ رُكَانة، وله في ذلك أخبار ذكرها الفاكهي، منها: خبره مع
يزيد بن معاوية، وكان يزيد بن معاوية من أشد العرب، فصارعه يومًا، فصرعه عليٍّ صرعة
لم يسمع بمثلها، ثم حمله بعد ذلك على فرس جَمُوح لا يطلق، فعلم عليَّ ما يراد به، فلما
جَمَح به الفرس ضَمَّ عليه فخذيه ضَمَّةً نَفَقَ منها الفرسُ، وذكر عنه أيضًا أنه تأبَطَ رجلين
أَيِّدَيْنِ، ثم جرى بهما، وهما تحت إنْطَيْهِ حتى صاحا: الموت الموت، فأطلقهما.
(١) انظر البداية (١٠٣/٣).
(٢) ((حسن)). أخرجه أبو داود (٢٣٧٣) بتحقيقي.
.(٣) ((حسن). أخرجه ابن ماجه (٤١٨١) والطبراني في الصغير (١٢/١) وأبو نعيم في الحلية (٣٦٣/٥)
وابن عبد البرّ في التمهيد (٢٥٧/٩).
١٧٨

قال: فذهب رُكانة إلى قومه، فقال: يا بني عبد مناف، ساحِرُوا بصاحبكم أهلَ
الأرض، فوالله ما رأيت أسحرَ منه قطُ، ثم أخبرهم بالذي رأى، والذي صنع.
قدوم وفد النصارى من الحبشة
قال ابن إسحاق: ثم قَدِمَ على رسول الله - وَ ل ـ وهو بمكة - عشرون رجلاً، أو
قريبٌ من ذلك من النَّصارى، حين بلغهم خبرهُ من الحبشة، فوجدوه في المَسْجد،
فجلسوا إليه وكلَّموه وسألوه، ورجالٌ من قُريش في أنديتهم حولَ الكعبة، فلما فرغوا من
مسألة رسول الله - وَل﴿ - عمّا أرادوا، دعاهم رسول الله - بَلول - إلى الله - عزّ وجل - وتلا
عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينُهم من الدمع، ثم استجابوا لله، وآمنوا به
وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يُوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم
أبو جَهْل بن هشام في نَفَر من قُرَيش، فقالوا لهم: خيَّبكم الله مِنْ رَكْب! بعثكم مَن
وراءكم مِنْ أهل دينكم تَزْتادون لهم؛ لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئنّ مجالسُكم عنده،
حتى فارقتم دينكم، وصدّقتموه بمال، ما نعلم ركبًا أحمق منكم، أو كما قالوا، فقالوا
لهم: سلام عليكم، لا نُجَاهِلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نَأْلُ أنفسَنا
خیرًا .
ويقال: إن الثّفر من النَّصارى من أهل نجران، فالله أعلم أيّ ذلك كان. فيقال
- والله أعلم - فيهم نزلت هؤلاء الآيات: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ
وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبْنا إنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ... إلى قوله:
﴿لَنا أَعْمَالُنا وَلَّكُمْ أعْمالْكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ _ ٥٥].
قال ابن إسحاق: وقد سألت ابن شهاب الزُّهريّ عن هؤلاء الآيات فيمن أُنزلن،
فقال لي: ما سمعن علمائنا أنَّهن أُنزلن في النجاشي وأصحابه، والآية من سورة المائدة
وفد نصارى الحبشة
فصل: وذكر قدوم وفد النصارى من الحبشة وإيمانهم، وما أنزل الله فيهم من قوله
تعالى: ﴿الذين قالوا إنَّا نَصَارى﴾ ولم يقل: من النصارى، ولا سَمَّاهم هو سبحانه بهذا
الاسم، وإنما حكى قولهم الذي قالوه حين عَرَّفوا بأنفسهم، ثم شهد لهم بالإيمان، وذكر أنه
أثابهم الجنة، وإذا كانوا هكذا فليسوا بنصارى، هم من أمة محمد - عليه السلام - وإنما
عُرف النصارى بهذا الاسم، لأن مبدأ دينهم كان من نَاصِرَةَ قرية بالشام، فاشْتُقَّ اسمُهم
منهم، كما اشْتُقَّ اسم اليهود من يهُود بن يعقوب، ثم لا يقال لمَن أسلم منهم: يهودي اسم
الإسلام أولى بهم جميعًا من ذلك النسب.
١٧٩

من قوله: ﴿ذلكَ بأنَّ مِنْهُمْ قِسْيسِينَ وَرُهْبانًا وأنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ... إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا
مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢، ٨٣].
قال ابن إسحاق: وكان رسولُ الله - و18َ - إذا جلس في المسجد، فجلس إليه
المستضعفون من أصحابه: خبابٌ، وعمار، وأبو فكيهة يسار مولى صَفْوَان بن أُميَّة بن
مُحَرِّث، وصُهَيب، وأشباههم من المسلمين، هَزِئت بهم قريش، وقال بعضهم لبعض:
هؤلاء أصحابُه كما ترون، أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بَيْننا بالهدى والحقّ! لو كان ما جاء
به محمدٌ خيرًا ما سَبَقَنا هؤلاء إليه، وما خصهم اللَّهُ به دُوننا. فأنزل الله تعالى فيهم:
﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَّ يَدْعُون رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ والعَشِيِّ يُريدونَ وجْهَهُ ما عليكَ من حِسابِهِم مِنْ
شَيْءٍ وما مِنْ حسابك عليهم مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وكذلكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ
بَبَعْض ◌ِيَقُولُوا أهؤلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنْ بَيْننا أَلَيْسَ اللَّهُ بأعْلَّمَ بِالشَّاكِرِينَ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بآياتنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا
بِجهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وأصْلَحَ فإنَّهُ غَفورٌ رحيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٢ - ٥٤].
وكان رسول الله وَ ﴿ ـ فيما بلغني - كثيرًا ما يَجْلس عند المَرْوة إلى مَبِيَعَة غلام
نَصْرانيّ، يقال له: جَبْرٌ، عَبْدٌ لبَني الحَضْرميّ، فكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدًا كثيرًاً
مما يأتي به إلا جَبْرُ النَّصراني، غلامُ بني الحضرمي، فأنزل الله تعالى في ذلك من
قولهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهُم يقُولون إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٍّ وَهَذَا
لِسانٌ عَرَبِيٍّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
قال ابن هشام: يُلْحدون إليه: يميلون، والإلحاد: الميل عن الحقّ.
عن غلام المبيعة وصهيب وأبي فكيهة:
فصل: ذكر أن رسول الله - رَّهِ - كان يجلس إلى مَبِيعَة غُلام. المبيعة: مَفْعلة مثل
المعيشة، وقد يجوز أن يكون مَفْعُلة بضم العين - وهو قول الأخفش، وأما قولهم: سلعة
مَبِيعة فمفعولة، حُذفت الواوُ منها في قول سيبويه حين سكنوا الياء استثقالاً للضمة، وفي قول
أبي الحسن الأخفش إن الياء بدل من الواو الزائدة في مَبْيُوعة، ووزنها عنده: مَقُولَة بحذف
العين، وللكلام على هذين المذهبين موضع غير هذا.
وذكر صُهَيْبًا وأبا فَكِيهَة، وسنذكر اسم أبي فكيهة، والتعريف به فيما بعد لأنه بَذْرِيٍّ،
وكذلك صُهَيْبُ بن سِنان، ونقتصر في هذا الموضع على ذكر اسمه وهو: يسار مولى
عبد الدار.
١٨٠