النص المفهرس

صفحات 101-120

وقال عبد الله بن الحارث أيضًا، يذكر نَفْي قُريش إياهم من بلادهم، ويعاتب بعضَ
قومه في ذلك:
عليَّ، وتَأْباه عليَّ أنامِلي
أبتْ كَبدِي لا أكْذِبَنْك قتّالهم
تقوم فيه﴾ [التوبة: ١٠٨] ونحو قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إحداهما﴾ [البقرة: ٢٨]. فقوله تعالى:
﴿أجدر ألاَ يعلموا﴾، معناه: بأن لا يعلموا، فلو كان قبل أنْ فِعْلٌ لقلنا: حذف حرف الجر،
فتعدّى الفعل، فنصب، ولكن أجدر وأحق اسمان لا يعملان، فمن ههنا عرف النحويون أنه
في موضع خفض؛ إذ لا ناصب له، وأما ما اعتلوا به من طول الاسم بالصلة، وأن ذلك هو
الذي سَوَّغ لهم إضمار حرف الجر، فتعليل مدخول، ينتقض عليهم بالأسماء الموصولة
كالذي ومن وما، فإنها قد طالت بالصلة، ومع ذلك لا يجوز إضمار حرف الجر فيها، لا
تقول: خرجت ما عندك، ولا هربت الذي عندك أي: مِن الذي عندك، وتقول: خرجت أن
يراني زيد، وفررت أن يراني عمرو، أي: مِنْ أن يراني، ولأن يراني بدل، على أن العلة غير
ما قالوا، وهي أنَّ أنْ مع الفعل ليس باسم محض، وإنما هو في تأويل اسم، والاسم
المحض ما دلّ عليه حرف الجر، فلا بدّ إذًا من إظهار حرف الجر إذا جئت به؛ لأنه اسم
قابل لدخول الخوافض عليه، وأما أنْ فحرف محض لا يصحّ دخول حرف جرّ عليه، ولا
على الفعل المتصل به فلا تقول: هو اسم مخفوض، إنما هو في تأويلِ اسم مخفوض، فمن
ههنا فرقت العرب بينه، وبين غيره من الأسماء، فإذا أدخلت عليه حرف الجر مظهرًا جاز،
لأنه في تأويل اسم، وإذا أضمرت حرف الجر جاز أيضًا التفاتًا إلى أن الحرف الجر لا يدخل
على الحرف، ولا على الفعل فحسن إسقاطه مراعاة للفظ أن، وللفعل الفعل، وقلنا: هو في
موضع خفض على معنى أن الكلام يَؤُول إلى الاسم المخفوض، لا أنه يظهر فيه خفض، أو
يقدَّر تقديرَ المبني الذي منعه البِنَاءُ من ظهور الخفض فيه، حتى يشبه أنْ فنقول: هو اسم
مبني على السكون، لا بل نقول: هي حرف، والحرف لا يدخل عليه حرف الجر، لا
مضمرًا ولا مظهرًا، وإنما هو تقدير في المعنى، لا في اللفظ، فافهمه.
لا يضاف اسم إلى أن المصدرية:
فصل: واعلم أنَّ [أنْ] التي في تأويل المصدر لا يضاف إليها اسم. تقول: هذا موضع
أن تقعد ويوم خروجك، ولا تقول: يوم أن تخرج؛ لأنها ليست باسم كما قدّمنا، وإنما
تضاف إلى الأسماء المحضة، لا إلى التأويل، ولا يضاف إليها أيضًا اسم الفاعل، لا بمعنى
الْمُضِيِّ، ولا بمعنى الاستقبال، ولا المصدر إلا على وجه واحد نحو: مخافة أن تقوم،
وذلك إذا أردت معنى المفعول بأن وما بعدها، وأما على نحو إضافة المصدر إلى الفاعل،
فلا يجوز ذلك.
١٠١

على الحق أن لا تَأْشِبوه بِباطِل
وكَيْفَ قِتَالي مَعْشَرًا أدبُوكُم
فأضْحَوْا على أمْر شَديد البلابل
نَفَتْهم عبادُ الجنّ مِنْ حُرّ أرضِهِم
فإن تكُ كانت في عَدِي أمانة
عدي بن سَعْد عن تُقّى، أو تَواصل
وإنما تكون فاعلة مع الفعل إذا ذكرته قبلها نحو: يسرّني أن تقوم، وأما مع المصدر
مضافًا إليها فلا، وتكون مفعولة مع المصدر ومع الفعل معًا، وكل هذا الأسرار بديعة
موضعها غير هذا، لكني أقول ههنا قولاً لائقًا بهذا الموضع، فإني لم أذكر الخفض بإضمار
حرف الجر، في أن وإن إلا مساعدة لمَن تقدم، فعليه بنيت التعليل والتأصيل، وإذا أبيت من
التقليد فلا إضمار لحروف الجر فيها، إنما هو النصب بفعل مضمر أو مظهر، أما قوله
تعالى: ﴿أحق أن تقوم فيه﴾ فإنما لما قال أحق علم أنه يوجب عليه أن يقوم فيه، وكذلك
أجدر ألاّ يعلموا، ومعنى أجدر: أخلق وأقرب، ولما ثبتت لهم هذه الصفة اقتضى ذلك ألا
يعلموا؛ فصار منصوبًا في المعنى، ولو جئت بالمصدر الذي هو اسم محض نحو: القيام
والعلم لم يصح إضمار هذا الفعل؛ لأن أجدر وأحق ونحوهما اسمان يضافان إلى ما
بعدهما، فلو جئت بالقيام بعد قولك أحق، فقلت: أحق قيامك، لانقلب المعنى.
ولو نصبته بإضمار الفعل الذي أضمرت مع أن لم يكن دليل عليه؛ لأن الاسم يطلب
الإضافة، فيمنع من الإضمار والنصب، وإذا وقعت بعده لم يطلب الإضافة؛ لما قدّمناه من
امتناع إضافة الأسماء إليها، وإنما اخترنا هذا المذهب، وآثرناه على ما تقدم من إضمار
الخافض؛ لأنّا قد نجدها في مواضع مجرورة، ولا يجوز إضمار حرف الجر، كقولك: سر
إلى أن تطلع الشمس، ولا يجوز إضمار إلى ههنا، وكذلك تقول: هذا خير من أن تفعل
كذا، ولا يجوز أيضًا إضمار من، ولو كان حرف الجر معها للعلتين المتقدمتين لاطَّرَد جواز
ذلك فيها على الإطلاق، وإنما هي أبدًا إذا لم يكن معها حرف الجر ظاهرًا مفعولة بفعل
مضمر، وقد تكون فاعلة، ولكن بفعل ظاهر نحو: يعجبني أن تقوم، وأما خرجت أن أرى
زيدًا فعلى إضمار الإرادة والقصد، كأنك أردت: أن أراه، أو أن لا أراه؛ لأن كلّ مَن فعل
فعلاً، فقد أراد به أمرًا ما، لكنك إن جعلت مكانها المصدر لم يجز الإضمار أو قَبُح؛ لأن
المصدر تعمل فيه الأفعال الظاهرة إذا كانت متعدية، وتصل إليه بحرف جر إذا لم تكن
متعدية، وأن مع الفعل لا تعمل فيها الحواس ولا أفعال الجوارح الظاهرة، تقول: رأيت قيام
زيد، ولا تقول: أن يقوم، وسمعت كلامك، ولا تقول: سمعت أن تتكلم، وإنما يتعلق
بها، وتعمل فيها الأفعال الباطنة نحو: خفت واشتهيت وكرهت، وما كان في معنى هذا أو
قريبًا منه، فإذا سمع المخاطب أن مع الفعل لم يذهب وَهْمُه بحكم العادة إلاَّ إلى هذه
المعاني، فإن كانت ظاهرة فذاك، وإلا اعتقدنا أنها مضمرة، وأن الفعل الظاهر دالٌّ عليها،
١٠٢

فقد كنتُ أرجو أنّ ذلكَ فِيكُم
وبُدّلتْ شِبلاً شبلَ كل خبيثة
وقال عبد الله بن الحارث أيضًا:
وتلكَ قُرَيْشٌ تجْحَدُ الله حقّه
فإن أنا لم أَبْرِق فلا يَسَعَنِّنِي
بحَمْد الذي لا يُطَّبَى بالجَعائل
بذي فَجَرٍ مأْوَى الضّعاف الأرامل
كما جَحَدت عادٌّ ومدیَنُ والحِجْرُ
من الأرض بَرُّ ذُو فَضاء ولا بحر
وغيرها من الأسماء ليس كذلك، إذا وقع قبلها فعل من أفعال الجوارح الظاهرة، وقع عليها
إن كان متعديًا أو وُصل بحرف، إن كان غير متعدٍّ، ومَنَع من الإضمار أنه لفظي، والإضمار
معنوي إلا في باب للمفعول من أجله، وقد قدّمنا فيه سرًّا بديعًا فيما سبق من هذا الكتاب.
فصل: وأنشد لعبد الله بن الحارث شعرًا فيه:
كما جَحَدت عادٌ وَمَذْيَنُ وَالْحِجْرُ
أما عاد فقد تقدم نسبها، وأما الْحِجْرُ فليست بأُمَّةٍ، ولكنها ديار ثمود. أراد: أهل
الحجر، وأما مَذْيَنُ فَأَمَّة شعيب، وهم بنو مديان بن إبراهيم عليه السلام، وأُمهم: قطورا
بنت يَقْطَان الكنعانية، ولدت له ثمانية من الولد تناسلت منهم أمم، وقد سمّيناهم في كتاب
التعريف والإعلام، وفي أول هذا الكتاب.
وفيه أيضًا قوله: فإن أنا لم أُبْرِقْ فلاَ يَسَعنَّنِي. البيت، قال: وبه سمّي الْمُبْرِق، قال
المؤلف: وفي هذا حجة على الأصْمَعِيِّ حين منع أن يقال: أرعد وأبرق، وذُكر له قولُ
الْكُمَیْت:
أزعِد وأبرِق يا يزيد
فلم يره حجة، [وقال: الكميت جُزْمقانِيٍّ من أهل الموصل] ليس بحجة، وألحقه
بالمحدّثين لتأخر زمانه، كما فعل بذي الرُّمَّةِ حين احتجّ عليه بقوله:
ذو زَوْجَةٍ بِالْمِصْرِ أم ذُو خُصُومِةٍ
فأبى أن يقول: زوجة بهاء التأنيث، وقال: طالما أكل ذو الرُّمَّةِ الزيتَ في حوانيت
البقّالين، وبيت الْمُبْرِق في هذا حجة بلا خلاف، وقد وجد أرْعَد وأبْرَق في غير هذا البيت،
مما تقوم به الحجة أيضًا، وبيت الْمُبْرِق هذا يحتمل وجهًا آخر، وهو أن يكون من أبرق في
الأرض إذا ذهب بها لا من أرعد وأبرق، وكذلك وجدته في حاشية كتاب الشيخ على هذا
البيت منسوبًا للمُصْعَب، قال: الإبراق: الذهاب، وفي العين: أبرقت الناقة بذنبها إذا ضربت
١٠٣

أُبَيْن ما في النَّفس إذ بلغ النَّقْرُ
بأرضٍ بها عَبْدُ الإله مُحَمدٌ
فسمّي عبد الله بن الحارث - يرحمه الله - لبيته الذي قال: المُبْرِق.
وقال عثمان بن مَظْعون يُعاتب أُميَّةٍ بن خَلَف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح، وهو
ابن عمِّه، وكان يُؤذيه في إسلامه، وكان أُميَّة شريفًا في قومه في زمانه ذلك:
ومِنْ دونه الشَّرْمَانِ والبَرْكُ أکتعُ
أتيمَ بن عَمْرو لِلَّذي جاء بِغْضَةً
به يمينًا وشمالاً، وهو في معنى الذهاب في الأرض، لأنه جَوَلاَن فيها، وهي البَرُوق، قال
نَهْشَل بن دارِم لأخيه سَلِيط - وقد لامه على ترك الكلام في بعض المواطن: لا أُحسن
تَأْنَامَك، ولا تَكْذَابَك، تَشُول بلسانك شَوَلاَنَ الْبَرُوق. وذكر في الشعر:
يلين ما في النفس إذا بلغ الثَّقْرُ
ويُروى: يُلَيِّن ما في الصدر. والنَّقْر: البحثُ عن الشيء، وأكثر ما يقال فيه: التَّنْقِير،
واستشهد عبدُ الله الْمُبْرِقُ في غَزْوَة الطائف، وكان أبوه الحارثُ من المستهزئين، وكان جدُّه
قيس أعزّ قريش في زمانه، يُروَى أن عبدَ المطلب كان يُنَفِّز ابنه عبد الله، والد رسول
الله - رَ﴿ - وهو طفل، فيقول:
في دار قيس النَّديُّ يَنْتدي
كأنه في العز قيسُ بن عدي
قاله الزبير بن أبي بكر.
حول لام التعجب:
فصل: وذكر شعر عثمان بن مَظْعُون:
أَنَّيْمَ بنَ عَمْرٍو لِلَّذِي جاءَ بِغْضَةً
أراه: عجبًا لِلَّذِي جاء، والعرب تكتفي بهذه اللام في التعجب، كقوله عليه السلام:
لِهَذا العبدِ الحبشي جاء من أرضه وسمائه إلى الأرض التي خُلق منها، قاله في عَبْدٍ حَبَشِيِّ
دُفن بالمدينة، وقال في جنازة سعد بن مُعاذ وهو واقف على قبره، وتقهقر ثم قال: سُبْحَان
الله لهذا العبد الصالح ضُمَّ عليه القبرُ ثم فُرِجَ عنه، وقيل في قوله سبحانه: ﴿لإيلاف قُرَيْشِ﴾
أقوال منها: أنها متعلقة بمعنى التعجب، كأنه قال: اعجبوا لإيلاف قريش، وبِغْضةً نُصِّبَ
على التمييز كأنه قال: يا عجبًا لما جاء به من بِغْضَةٍ، ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله،
وروى الزبير هذا البيت:
أَتَيْمَ بن عَمْرٍ للذي فار ضِغْنُهُ
١٠٤

آخرِجْتَني مِنْ بطْنٍ مكّةَ آمِنا
تَريش نِبالاً لا يُواتيكَ ریشُها
وأسكنْتَني في صَرْح بيضَاءَ تقذع
وتَبْرِي نبالاً ريشُها لَكَ أجْمَعُ
من معاني شعر ابن مظعون:
وكذلك رُوِيَ في هذا الشعر: في صرح بَيَطَاءَ تُقْدَعُ بالطاء وفتح الباء وكسرها، وقال
بِيَطاء: اسم سفينة، وتُقْدَع بالدال، أي: تدفع، وزعم أن تَيْم بن عمرو وهو جُمَح سُمِّي
جُمَحًا؛ لأن أخاه سهم بن عمرو - وكان اسمه زيدًا - سابقه إلى غاية، فَجمَحَ عنهَا تَيْم،
فسُمِّي جُمَحًا، ووقف عليها زيد، فقيل: قد سَهَمَ(١) زَيْدٌ فسُمِّي: سَهْمًا.
وقوله: ومن دوننا الشّزْمَان. الشّرم: البحر، وقال الشّرمَان بالتثنية؛ لأنه أراد البحر
الْمِلْحَ، والبحر الْعَذْب، وفي التَّنزيل: ﴿مَرَجَ الْبَخْرَين﴾ والشَّرْمُ من: شَرَمْتُ الشيء إذا
خَرَقْتُه، وكذلك البحر من بَحَرْتُ الأرض إذا خرقتها، ومنه سُمِّيت الْبَحِيرَة لخَرْقٍ أُذُنها
والْبَرْكُ: ما اطمأن من الأرض واتَّسع، ولم يكن منتصبًا كالجبال.
وقوله: في صرح بيضاء. يريد: مدينة الحبشة، وأصل الصَّرح: القصر، يريد: أنه
ساكن عند صَرْحِ النَّجَاشِيِّ.
وقوله: تُقْذَع أي: تُكْرَه، كأنه من أقذعت الشيء، إذا صادفته قَذِعًا ويقال أيضًا:
قَذَعْتُ الرجلَ إذا رميته بالفحش، يريد أن أرض الحبشة مقْذوعة، وأحسب هذه الرواية
تصحيفًا، والصحيح: ما قدّمناه من قول الزبير وروايته، وأنه بِيطَاء بالطاء، وتُقْدَع بالدال.
وقوله: وأسلمك الأوباش يريد أخلاطًا من النحاس، يقال: أوشاب وأوباش،
والأوباش أيضًا شجر متفرق، والوَبْش بياض في أظفار الأحداث.
أنساب:
وذكر فيمن هاجر إلى أرض الحبشة من بني عدي: مَعمر بن عبد الله بن نَضْلَةَ، وقال
فيه عليَّ بن الْمَدِيني: إنما هو: مَعْمَر بن عبد الله بن نافع بن نَضْلَةً.
وقال ابن إسحق: نَضْلة بن عبد العزى بن حُرْثَان بن عَوْف بن عُبَيْد وفي حاشية كتاب
الشيخ قال: إنما هو نَضْلةُ بن عوف بن عُبَيْدِ بن عُوَيْج، وذكر أنه قولُ مصْعَب في كتاب
(١) سهم: السين والهاء والميم أصلان. أحدهما يدل على تغيّر في اللون، والآخر على حظ ونصيب
وشيء من الأشياء. فالسهمة النصيب. ويقال: أسهم الرجلان: إذا اقترعا، وذلك من السهمة،
والنصيب والفوز. مقاييس اللغة (١١١/٣).
١٠٥

وحارَبْتَ أقوامًا كِرَامًا أعِزَّةً
ستّعْلم إنْ نابَتْك يومًا مُلِمَّةٌ
وأهلكتَ أقوامًا بهم كنتَ تَفْزع
وأسلمَك الأوباش ما كنتَ تَصْنع
النسب(١). وذكر في بني عَدِيٍّ: عُرْوَةَ بن عَبدِ الْعُزَّى بن حُرثان، كذا في كتاب المصعب إلا
أنه قال: عمرو بن أبي أُثَاثة أو عُزْوَةٍ بن أبي أُثَاثَة على الشَّكُّ وذكره أبو عُمَرَ في كتاب
الاستيعاب فقال فيه: عروة بن أبي أثاثة ويقال ابن أُثاثة بن عبد العزى بن حُرثان، قال:
وأُمه، أُم عمرو بن العاصي، فهو أخوه لأُم (٢).
قال المؤلف: وأُمهما اسمها: ليلى، وتلقّب بالنابغة، وهي من بني ربيعة ثم من بني
جَلاَنَ قال أبو عمر: ويقال فيه: ابن أبي أثاثة، قال المؤلف: وقد قدّمنا أن المصعب الزبيري
شك فيه، فقال: عروة، أو عَمْرو، وأما الزبير: فقال عمرو بن أبي أثاثة، ولم يشكّ، ثم قال
أبو عمر: لم يذكره ابن إسحق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، وذكره الواقدي، وأبو معشر
وموسى بن عقبة، قال المؤلف: وهذا وهم من أبي عمر - رحمه الله - فإن ابن إسحق ذكره
فيهم، غير أنه نسَبه إلى جده عبد العُزى، وأسقط اسم أبيه أبي أثاثة، وقال حين ذكر من
هاجر من بني عدي بعد ما عدّه خمسة، قال: أربعة نفر، وهو وهم من ابن إسحق، وذكر
فيهم مع الخمسةِ: ليلى بنت أبي حَثْمَة امرأة عامر بن ربيعة، فهم على هذا ستة، غير أنه
يحتمل أنه يريد أربعة نفر دون حليفهم عامر، وما أظنه قصد هذا؛ لأن من عادته أن يعدّ
الحلفاء مع الصميم؛ لأن الدعوة تجمعهم.
أم سلمة:
وذكر أُم سَلَمة وبعلها أبا سلمة، توفي عنها بالمدينة، وخلف عليها رسول الله - وَله -
وذكر اسمها هذا، وقيل في اسمها: رملة(٣)، وأبوها أبو أُمية اسمه: حُذَيْفَة يُعرَف بزاد
الراكب .
وذكر أنها ولدت بأرض الحبشة زينبَ بنت أبي سلمة، وكان اسم زينبَ بَرَّة، فسمّاها
رسول الله - 9 - زينب، كانت زينبُ هذه عند عبد الله بن زَمْعَة، وكانت قد دخلت على
رسول الله - ﴿ - وهو يغتسل، وهي إذ ذاك طفلة، فَنَضَحَ في وجهها من الماء، فلم يزل
ماءُ الشباب في وجهها، حتى عجزت وقاربت المائة، وكانت من أفقه أهل زمانها، وأدركت
(١) انظر نسب قريش للزبيري (٣٨٦/٣٨٢) والجمهرة لابن حزم (١٤٧).
(٢) انظر نسب قريش (٤٠٩/٣٨١).
(٣) وفي الإصابة: هند.
١٠٦

وتيم بن عمرو، الذي يدعو عثمانُ، جمحُ، كان اسمه: تَيْمًا.
وقعة الحَرَّة بالمدينة(١)، وقُتل لها في ذلك اليوم ولدان، اسم أحدهما: كبير، والآخر:
يزيد بن عبد الله بن زَمْعَة، فكانت تبكي على أحدهما: ولا تبكي على الآخر، فسُئِلَت عن
ذلك، فقالت: أبكيه لأنه جرّد سيفه وقاتل، والآخر لا أبكيه لأنه لزم بيته، وكفّ يده حتى
قُتِل، ورُوِيّ أن رسول الله - وَ ل﴿ه - حين ابتنى بأم سلمة دخل عليها بيتها في ظلمة، فوطىء
على زينب، فبكت، فما كان من الليلة الأخرى دخل في ظلمة أيضًا، فقال: ((أنظروا زُنَابَكم
أن لا أطأ عليها))، أو قال: ((أخروا)) ذكره الزبير، وفي هذا الحديث تَوْهين لرواية مَن روى
أنه کان یری باللیل، کما یری بالنهار.
النور الذي كان على قبر النجاشي:
فصل: وذكر حديث عائشة: ((كنّا نتحدّث أنه لا يزال يُرى على قبر النجاشي نور))(٢)،
وقد خرّجه أبو داود من طريق سَلَمَة بن الفَضْل، وعن ابن إسحق عن يزيد بن رُومان عن
عائشة، وأورده في باب: النور يُرى عند الشهيد، وليس في هذا الحديث ولا غيره ما يدلّ
على أن النجاشي مات شهيدًا، وأحسبه أراد: أن يشهد بهذا الحديث ما وقع في كتب التاريخ
من أن عبد الرحمن بن ربيعة أخا سلمان بن ربيعة الذي يقال له: ذو النور، وكان على باب
الأبواب فقتله الترك زمانٍ عمر، فهو لا يزال يُرى على قبره نور، وبعضد هذا حديثُ
النجاشي، يقول: فإذا كان النجاشي - وليس بشهيد - يُرى عنده نور، فالشهيد أحرى بذلك
لقول الله سبحانه: ﴿والشهداءُ عند ربهم لهم أجرُهم ونورهم﴾(٣) [الحديد: ١٩].
(١) عام ٦٣ هـ.
(٣) الأوجه لربط هذا بذاك.
(٢) (ضعيف)). أخرجه أبو داود (٢٥٢٣) موقوفًا.
١٠٧

إرسال قريش إلى الحبشة في طلب المهاجرين إليها (١)
قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله - وَل * - قد أمنوا،
واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارًا وقرارًا، انتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم
منهم رجُلَين من قريش جَلْدين إلى النجاشي، فيردّهم عليهم؛ ليَفْتنوهم في دينهم،
ويُخرجوهم من دارهم، التي اطمأنوا بها وأمنوا فيها، فبعثوا عبدَ الله بن أبي ربيعة،
وعمرو بن العاص بن وائل، وجمعوا لهما هدايا للنجاشي ولبطارقته، ثم بعثوهما إليه
فیھم.
فقال أبو طالب - حين رأى ذلك من رأيهم وما بعثوهما فيه - أبياتًا للنجاشي يحضّه
على حُسْن جوارهم، والدَّفْع عنهم:
وعمرو وأغداء العدو الأقاربُ
ألا ليتَ شِعري كيفَ في التّأبي جعفرٌ
وأصحابَه أو عاق ذلك شاغب
وهل نالت أفعالُ النجاشي جعفرًا
إرسال قريش إلى النجاشي في أمر أصحاب النبي وَل قول
ذكر ابن إسحاق أنهم أرسلوا عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة،
وأهدوا معهما هدايا إلى النجاشي. وعبدُ الله بن أبي ربيعة هذا كان اسمه بَحِيرا، فسمّاه
رسول الله - ول﴿ - حين أسلم: عبد الله، وأبوه: أبو ربيعة ذو الرمحين، وفيه يقول ابز
الزّبغري :
وَراح علينا فضلُه وهو عاتم
بحیرا بن ذي الرمحين قرَّب مجلسي
(١) انظر المنتظم (٣٨٠/٢) الكامل (٥٩٨/١) سير أعلام النبلاء (١٥١/١) فتح الباري (١٤٨/٧).
١٠٨

كريمٌ فلا يَشْقى لديك الْمُجانب
تعلَّمْ - أبيتَ اللَّعن - أنَّك ماجدْ
وأسبابَ خَيرٍ كلُّها بك لازب
تعلَّمْ بأن اللَّهَ زادك بَسْطَةٌ
يَنال الأعادي نفعَها والأقارِب
وأنّك فيضّ ذو سِجال غزيرةٍ
قال ابن إسحاق: حدّثني محمد بن مُسلم الزُّهري عن أبي بَكْرِ بن عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام المخزومي، عن أُم سلَمَة بنت أبي أَميَّة بن المُغيرة زوج رسول
اللهِ وَّ، قالت: لما نزلنا أرضَ الحبشة، جاوَزْنا بها خيرَ جارٍ: النجاشي، أمِنًّا على
ديننا، وعبدنا الله تعالى، لا نُؤْذَى، ولا نَسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا، ائتمروا
بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجُلَيْن منهم جَلْدَين، وأن يُهْدوا للنجاشيِّ هَدايا مما
يُستطرَف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدَمُ، فجمعوا له أدَمَا كثيرًا، ولم
يتركوا من بَطارقته بِطْرِيقًا إلا أهْدَوْا له هديَّة، ثم بعثوا بذلك عبدَ الله بن أبي رَبيعة،
وعَمْرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعًا إلى كل بِطريق هديَّته قبل أن
تكلّما النجاشي فيهم، ثم قدِّما إلى النجاشي هَداياه، ثم سَلاه أن يُسْلِمَهم إليكما قبل أن
يكلّمهم. قالت: فخَرجا حتى قَدِما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار عند خير جار،
واسم أبي ربيعة: عَمْرو، وقيل: حُذَيْفةُ، وأُم عبد الله بن أبي ربيعة: أسماء بنت
مُحَرَّبَة التميمية، وهي أم أبي جهل بن هشام، وعبدُ الله بن أبي ربيعة هذا هو والد عُمَر بن
عبد الله بن أبي ربيعة الشاعر، ووالد الحارث أمير البصرة المعروف بالقُبَاعِ، وكان في أيام
عمر واليًا على الجند، وفي أيام عثمان، فلما سمع بحصر عثمان، جاء لينصره، فسقط عن
دابته فمات.
عمارة بن الوليد بن المغيرة:
فصل: وكان معهما في ذلك السفر عمارة بن الوليد بن المغيرة الذي تقدم ذكره حين
قالت قريش لأبي طالب: خذ عُمارة بدلاً من محمد، وادفع إلينا محمدًا نقتله، وكان عُمارة
من أجمل الناس، فذكر أصحاب الأخبار أنهم أرسلوه مع عمرو بن العاصي إلى النَّجَاشِيِّ،
ولم يذكره ابن إسحاق في رواية ابن هشام، وذكر حديثه مع عمرو في رواية يونس، ولكن
في غير هذه القصة المذكورة ههنا، ولعل إرسالهم إياه مع عمرو، كان في المرة الأخرى
التي سيأتي ذكرها في السّيرة عند حديث إسلام عمرو، وَمِمَّن ذكر قصة عمارة بطولها أبو
الفرج الأصبهاني، وذكر أن عَمْرًا سافر بامرأته، فلما ركبوا البحر، وكان عُمارة قد هَوِيَ امرأة
عَمْرو وهَوِيته، فعزما على دفع عمرو، أو كان ذلك من عمارة على غير قصد فدفع عمرًا،
فسقط في البحر، فسبح عمرو، ونادى أصحاب السفينة فأخذوه، ورفعوه إلى السفينة،
١٠٩

فلم يبق من بطارقته بِطرِيق إلا دَفعا إليه هديته قبل أن يُكلِّما النجاشي، وقالا لكلِّ بِطْرِيقَ
منهم: إنه قد ضَوَى إلى بَلَد الملك منَّا غلمانٌ سفهاء، فارقوا دينَ قومهم، ولم يدخلوا
في دينكم، وجاؤوا بدين مُبتدَع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بَعَثَنا إلى الملك فيهم
أشرافُ قومهم، ليردّهم إليهم، فإذا كلَّمْنَا الملك فيهم، فأشيرُوا عليه بأن يُسْلِمَهُمْ إلينا،
ولا يكلِّمهم، فإن قومَهم أعْلَى بهم عَيْنَا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم
إنهما قدَّما هداياهما إلى النجاشي فقَبلها منهما، ثم كلَّماه، فقالا له: أيها الملك، إنه قد
ضَوَى إلى بلدك منّا غِلْمان سفهاء، فارقوا دينَ قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا
بدينٍ ابتدعوه، لا نَعرفه نحن، ولا أنت، وقد بَعَثَنا إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم
وأعمامهم وعشائرهم: لتردّهم إليهم، فهم أعْلَى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم،
وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغضَ إلى عبد الله بن أبي رَبيعة وعمرو بن العاص
من أن يسمع كلامَهم النجاشي. قالت: فقالت بطارقته حوله: صَدَقا أيها الملك، قومهم
أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلِمْهم إليهما، فليردّهم إلى بلادهم وقومهم.
قالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لاهَا الله، إذن لا أُسلمهم إليهما، ولا يُكاد قومٌ
جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على مَنْ سواي، حتى أدعوهم، فأسألهم عما يقول
فأضمرها عمرو في نفسه، ولم يُيدها لعمارة، بل قال لامرأته - فيما ذكر أبو الفرج - قَبّلي ابن
عمك عُمَارة لتطيبَ بذلك نفسه، فلما أتيا أرض الحبشة مكر به عمرو، وقال: إني قد كتبت
إلى بني سهم ليبرؤوا من دمي لك، فاكتب أنت لبني مخزوم ليبرؤوا من دمك لي، حتى تعلم
قريش أنّا قد تصافينا، فلما كتب عُمارة، إلى بني مخزوم، وتبرؤوا من دمه لبني سهم، قال
شيخ من قريش: قُتل عُمارة - والله - وعلم أنه مكر من عمرو، ثم أخذ عمْرو يحرّض عُمارة
على التعرض لامرأة النجاشي، وقال له: أنت امرؤ جميل، وهنّ النساء يُخْبِيْن الجمال من
الرجال، فلعلها أن تشفع لنا عند الملك في قضاء حاجتنا، ففعل عُمارة فلما رأى عَمْرٌو
ذلك، وتكرر عُمارة على امرأة الملك، ورأى إنابتها إليه، أتى الملكَ مُنْتَصِحًا، وجاءه بأمارة
عرفها الملك، قد كان عُمارة أطلع عَمْرًا عليها، فأذركته غَيْرة الملك، وقال: لولا أنه جاري
لقتلته، ولكن سأفعل به ما هو شَرٌّ من القتل، فدعا بالسَّوَاحر، فأمرهنّ أن يَسْحَرنه، فنفخْن
في إحلِيلِهِ(١) نفْخَةً، طار منها هائمًا على وجهه، حتى لحق بالْوُحُوشِ في الجبال، وكان يَرى
آدميًّا فيفرّ منه، وكان ذلك آخر العهد به إلى زمن عمر بن الخطاب، فجاء ابنُ عمه
عبدُ الله بن أبي ربيعة إلى عمر، واستأذنه، في المسير إليه لعله يجده، فأذِنَ له عمر فسار
(١) إحليله: أي ذكره.
١١٠

هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان، أسلمتهم إليهما، ورددتُهم إلى قومهم، وإن
كانوا على غير ذلك منَعتُهم منهما، وأحسنتُ جوارهم ما جاوروني.،
حوار بين النجاشي وبين المهاجرين
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله -18 - فدعاهم، فلما جاءهم رسوله
اجتمعوا، ثم قال بعضُهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جِثْتموه؟ قالوا: نقول: والله ما
عَلِمْنا، وما أمرنا به نبيّنا وَ ﴿ كائنًا في ذلك ما هو كائن، فلما جاؤوا، وقد دعا النجاشي
أساقفتَه، فنشروا مَصاحفهم حولَه سألهم، فقال لهم: ما هذا الدينُ الذي قد فارقتم فيه
قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه المِلَل! قالت: فكان الذي كلَّمه
جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، كنَّا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل
الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار ويأكل القوي منَّ الضعيفَ، فكنّا
على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبه وصِذْقه وأمانته وعفافَه، فدعانا إلى
الله؛ لنوحِّدَه ونعبده، ونخلَع ما كنا نعبد نحنُ وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان،
وأمَرَنا بصِدْق الحَديث، وأداء الأمانة، وصِلة الرحم، وحُسْن الجوار، والكَف عن
عبدُ الله إلى أرض الحبشة، فأكثر النّشْدَة عنه، والفحص عن أمره، حتى أخبر أنه - بِحَيْلٍ(١)
يرد مع الوحوش، إذا وردت، ويصدُر معها إذا صدرت، فسار إليه حتى كمَن لَه في الطريق
إلى الماء، فإذا هو قد غطّاه شعرُه، وطالت أظفاره، وتمزقت عليه ثيابه، حتى كأنه شيطان،
فقبض عليه عبدُ الله، وجعل يذكره بالرَّحِم ويستعطفه، وهو ينتفض منه، ويقول: أرسلني يا
بَجِيرُ، أرسلني يا بُخَيْرُ، وأبى عبدُ الله أن يرسلَه، حتى مات بين يديه، وهو خبر مشهور
اختصره بعضٍ مَن أَلْف في السير، وطوله أبو الفرج، وأوردته على معنى كلامه، متحرّيًا
لبعض ألفاظه (٢).
عن حديث أصحاب الهجرة مع النجاشي
فصل: وذكر حديث أصحاب الهجرة مع النجاشي، وما قال له جعفر إلى آخر القصة،
وليس فيها إشكال، وفيه من الفقه: الخروج عن الوطن، وإن كان الوطن مكّةً على فضلها،
إذا كان الخروج فرارًا بالدين، وإن لم يكن إلى إسلام، فإن الحبشةَ كانوا نصارى يعبدون
(١) بحيل: موضع.
(٢) انظر نسب قريش (٣٢٢). والقصة يبدو عليها أثر الوضع، فهي في حاجة إلى دليل ((صحيح))
يعتضدها.
١١١

المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزُّور، وأكل مال اليتيم، وقَذْف
الْمُخْصَنات، وأمَرَنا أن نعبد الله وحده - لا نُشركُ به شيئًا - وأمرنا بالصَّلاة والزكاة
والصيام، قالت: فعدد عليه أمورَ الإِسلام - فصدقناه وآمنًا به، واتّبعناه على ما جاء به من
الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحْلَلْنا ما أحلَّ لنا،
فعدا علينا قومُنا، فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردُونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله
تعالى، وأن نستحلّ ما كنَّا نستحلُّ من الخبائث، فلمَّا قَهرونا وظلَمونا وضيَّقوا علينا،
المسيح، ولا يقولون: هو عبد الله، وقد تبين ذلك في هذا الحديث، وسُمُّوا بهذه مهاجرين،
وهم أصحاب الهجرتين الذين أثنى الله عليهم بالسبق، فقال: ﴿والسابقون الأوَّلُون﴾ وجاء في
التفسير: أنهم الذين صلّوا القبلتين، وهاجروا الهجرتين، وقد قيل أيضًا: هم الذين شهدوا
بيعة الرضوان، فانظر كيف أثنى الله عليهم بهذه الهجرة، وهم قد خرجوا من بيت الله الحرام
إلى دار كفر، لما كان فعلهم ذلك احتياطًا على دينهم، ورجاء أن يخلى بينهم وبين عبادة
ربهم، يذكرونه آمنين مطمئنين، وهذا حكم مستمر متى غلب المنكر في بلد، وأُوذي على
الحق مؤمن، ورأى الباطل قاصرًا للحق، ورجا أن يكون في بلد آخر - أي بلد كان - يخلى
بينه وبين دينه، ويظهر فيه عبادة ربه، فإن الخروج على هذا الوجه حَتْمٌ على المؤمن، وهذه
الهجرة التي لا تنقطع إلى يوم القيامة: ﴿ولِلَّهِ الْمَشْرِقُ والْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾
[البقرة: ١١٥].
فصل: وليس في باقي حديثهم شيءُ يُشْرَح، قد شرح ابن هشام الشُّيُوم، وهم
الآمنون، فيحتمل أن تكون لفظة حبشية غير مشتقة، ويحتمل أن يكون لها أصل في العربية،
وأن تكون من شِمْت السيفَ إذا أغمدته، لأن الآمنَ مُغْمَدٌ عنه السيف، أو لأنه مصُونٌ في
صُوانٍ وحِزْز كالسيف في غمده.
وقوله: ضَوَى إليك فِتية أي: أووا إليك، ولاذوا بك، وأما ضَوِي بكسر الواو، فهو
من الضَّوَى مقصور، وهو الهزال، وقال الشاعر:
فتى لم تلذه بنتُ عم قريبة
فَيَضْوَى، وقد يَضْوَى رَدِيدُ الْغَرَائِب
ومنه الحديث: اغتربوا لا تضْوَوْا، يقول: إن تزويج القرائب يورث الضَّوَى في
الولد(١)، والضعف في القلب، قال الراجز:
إنَّ بِلالاً لَم تشِئْه أُمُّه
لم يتناسب خالُه وعَمَّة
(١) كلام مردود بصريح القرآن وصحيح الحديث.
١١٢

وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخْتَرْناك على مَنْ سواك، وَرَغِبْنَا في جوارك،
ورَجَوْنا أن لا نُظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به
عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال النجاشي: فاقرأه عليّ، قالت: فقرأَ
عليه صدرًا من: ﴿كهيعصَ﴾. قالت: فبكى والله النجاشيُّ، حتى اخضَلَّت لحيتُه، وبكت
أساقفتُه، حتى أخْضَلوا مَصاحفهم، حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا
والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاةٍ واحدة، انطلقا، فلا والله لا أُسْلمهم إليكما، ولا
یُكادون.
قالت: فلما خَرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لآتينَّه غدًا عنهم بما
استأصل به خَضْرَاءهم. قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتْقَى الرَجُلَين فينا:
لا نفعل؛ فإنَّ لهم أزْحامًا، وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأُخبرنَّه أنهم يزعمون أن
عيسى ابنَ مريم عَبْدٌ، قالت: ثم غدا عليه من الغد، فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون
إضافة العين إلى الله:
وفيه: قومهم أعلى بهم عينًا، أي: أبْصَر بهم، أي: عينهم وإبصارهم فوق عين غيرهم
في أمرهم، فالعين هاهنا بمعنى الرؤية والإبصار، لا بمعنى العين التي هي الجارحة، وما
سُمِيت الجارحة عينًا إلا مجازًا؛ لأنها موضع العِيان، وقد قالوا: عانَه يَعِينه عَيْنًا إذا رآه، وإن
كان الأشهر في هذا أن يقال: عاينه معاينة، والأشهر في عِنْت أن يكون بمعنى الإصابة
بالعين، وإنما أوردنا هذا الكلام، لتعلم أن العينَ في أصل وضع اللغة صفةٌ لا جارحة، وأنها
إذا أُضيفت إلى الباري سبحانه، فإنها حقيقة نحو قول أم سلمة لعائشة: بعين الله مَهْواكِ،
وعلى رسول الله تَرُدِّين؟ وفي التنزيل: ﴿ولِتصْنَعَ على عيني﴾ وقد أملينا في المسائل
المفردات: مسألة في هذا المعنى، وفيها الرد على مَن أجاز التثنية في العين مع إضافتها إلى
الله تعالى، وقاسها على اليدين، وفيها الرد على مَن احتج بقول النبي عليه السلام: إن ربّكم
ليس بأعور(١)، وأوردنا في ذلك ما فيه شفاء، وأتبعناه بمعانٍ بديعة في معنى ◌َوَرِ الدَّجَّال،
فليُنظَر هنالك.
معنی أن عیسی کلمة الله وروحه:
وقول جعفر في عيسى: هو رُوح الله وكلمته، ومعنى: كلمته أي: قال له، كما قال
لآدم حين خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون، ولم يقل: فكان، لئلا يتوهم وقوع
(١) (صحيح)). أخرجه البخاري (٢٢٣/٥) وأحمد (٢٤٠/١) والبيهقي في الصفات (٣١١) بتحقيقي.
الروض الأنف/ ج ٢/ ٢ ٨
١١٣

في عيسى ابن مَرْيم قولاً عظيمًا، فأرسِل إليهم فسَلْهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل
إليهم، ليسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثلُها قطّ. فاجتمع القوم، ثم قال بعضُهم
لبعض: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول - والله - [فيه] ما
قال الله، وما جاءنا به نبيّنا، كائنًا في ذلك ما هو كائن. قالت: فلمَّا دخلوا عليه، قال
لهم: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ قالت: فقال [له] جعفر بن أبي طالب: نقول فيه
الذي جاءنا به نبيّنا وَلَّ: هو عبدُ الله ورسولُه، وروحه، وكَلِمتُهُ ألقاها إلى مريم العذراءِ
البَتُولِ. قالت: فضرب النجاشيُّ بيده إلى الأرض، فأخذ منها عودًا، ثم قال: والله ما عدا
عيسى ابن مريم ما قلتَ هذا العود، قالت: فتناخَرَتْ بَطارِقتُه حوله حین قال ما قال،
فقال: وإن تَخَرْتُم والله، اذهبوا فأنتم شُيومٌ بأرضي - والشّيوم: الآمنون - مَن سَبّكم غَرِم،
ثم قال: مَن سَبَّكُمْ غَرِم، ثم قال: مَن سبَّكم غَرم ما أُحبّ أن لي دَبْرًا من ذهب، وأني
آذيت رجلاً منكم - قال ابن هشام: ويقال: دَبْرَي من ذهب. ويقال فأنتم سُيُوم، والدبر
- بلسان الحبشة: الجبل - ردّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ اللَّهُ
مني الرّشوة حين ردّ عليَّ مُلْكي، فأخذَ الرَّشوَة فيه، وما أطاع الناس فِيَّ فأطيعهم فيه.
قالت: فخرجا من عنده مَقْبوحَيْن، مَرْدُودًا عليهما ما جاء به، وأقمنا عنده بخير دار، مع
خير جار.
الفعل بعد القول بيسير، وإنما هو واقع للحال، فقوله: فيكون مُشْعِرٌ بوقوع الفعل في حال
القول، وتوجه الفعل بيسير على القول، لا يمكن مستقدم ولا مستأخر، فهذا معنى الكلمة،
وأما روح الله؛ فلأنه نفخَة رُوح القدس في جَيْبٍ الطاهرة المقدسة، والقُدس: الطهارة من
كل ما يشين، أو يعيب، أو تَقْذَرُه نفس، أو يكرهه شرع، وجبريل: روح القدس، لأنه
روح لمْ يُخلق من مَنِيٍّ، ولا صدر عن شهوة، فهو مُضاف إلى الله سبحانه إضافة تشريف
وتكريم؛ لأنه صادر عن الحضرة المقدَّسة (١)، وعيسى عليه السلام صادر عنه، فهو: روح
الله على هذا المعنى؛ إذ النفخ قد يسمى: روحًا أيضًا، كما قال غَيْلاَنُ [بن عقبة ذو الرُّمَّة]
يصف النار:
بروحك، واقدرها لها قِيتَةً بدرا
فقلت له: ارفعها إليك، وأخيها
وأضف هذا الكلام في روح القدس، وفي تسمية النفخ روحًا إلى ما ذكرناه قبل في
حقيقة الروح، وشرح معناه فإنه تكملة له.
(١) لا تجوز مثل هذه الكلمة أن تطلق وتنسب إلى الله تعالى.
١١٤

المهاجرون وانتصار النجاشي:
قالت: فوالله إنَّا لعَلى ذلك، إذ نزل به رجلٌ من الحبشة ينازعه في مُلْكه. قالت:
فوالله ما علمتُنا حَزِنًّا حزنًا قطُ كانت أشدَّ علينا من حُزْنٍ حَزِنَّه عند ذلك، تَخَوُّفًا أن يَظْهر
ذلك الرجلُ على النجاشيّ، فيأتي رجلٌ لا يعرف مِنْ حَقُّنا ما كان النَّجَاشِيّ يَعْرف منه،
قالت: وسار إليه النجاشيّ، وبينهما عرضُ النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله صلّى
الله عليه وعلى آله وسلّم: مَنْ رجلٌ يخرج حتى يحضُرَ وَقيعَة القوم، ثم يأتينا بالخبر؟
قالت: فقال الزبير بن العوّام: أنا، قالوا: فأنت - وكان مِن أحدث القوم سنًّا - قالت:
فنفخوا له قِرْبةً، فجعلها في صَدره، ثم سَبَح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها
مُلْتقى القوم، ثم انطلق حتى حَضَرهم، قالت: فدعونا الله تعالى للنجاشيّ بالظهور على
عدوّه، والتَّمْكين له في بلاده، قالت: فوالله إنَّا لعَلى ذلك مُتوقُّعون لِمَا هو كائن، إذ طلع
الزُّبير وهو يسعى، فلمع بثَوْبه وهو يقول: ألا أبشروا، فقد ظفر النجاشيُّ، وأهلك اللَّهُ
عدوّه، ومكّن له في بلاده. قالت: فوالله ما علمتنا فَرِخنا فرحةً قطّ مثلَها. قالت: ورجع
النجاشي، وقد أهلك الله عدوَّه، ومكّن له في بلاده، واستوثَق عليه أمر الحبشة، فكنّا
عنده في خير مَنْزل، حتى قدمْنا على رسولِ اللهِ وَّ ر وهو بمكة.
قصة تملّك النجاشي على الحبشة:
قال ابن إسحاق: قال الزهريّ: فحدّثت ◌ُروة بن الزبير حديثَ أبي بكر بن
عبد الرحمن، عن أُمّ سلمة زوج النبي ◌ََّ، فقال: هل تدري ما قولُه: ما أخذ الله مني
الرّشوَة حين رد عليّ مُلْكي، فآخذ الرِّشوَة فيه، وما أطاع النَّاسَ فِيَّ، فأطيع الناسَ فيه؟
قال: قلت: لا، قال: فإن عائشة أُمّ المؤمنين حدّثتني أن أباه كان ملكَ قومه، ولم يكن
له ولدٌ إلا النجاشي، وكان للنجاشي عمّ، له من صلبه اثنا عَشَر رجلاً، وكانوا أهلَ بيت
مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو أنَّا قتلنا أبا النجاشيّ، وملَّكنا أخاه فإنه لا ولد له
غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صُلبه اثني عَشَر رجلاً، فتوارثوا مُلْكه من بعده، بقيت
الحبشة بعده دهرًا، فَغَدَوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملَّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك
حینًا .
النجاشي أصحمة:
فصل: وذكر حديثَ عائشة عن النّجَاشِيِّ حين ردّ الله عليه ملكه، وأن قومه كانوا
باعُوه، فلما مَرِجَ أمرُ الحبشة، أخذوه من سيده واسْتَرَدُّوه. وظاهرُ الحديث يدل على أنهم
أخذوه منه قبل أن يأتي به بلادَه لقوله: خرجوا في طلبه، فأدركوه، وقد بيّن في حديث آخر
١١٥

ونشأ النجاشي مع عمِّه - وكان لبيبًا حازمًا من الرجال - فغلب على أمْر عمِّه، ونزل
منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشةُ مكانَه منه، قالت بينها: والله لقد غَلَب هذا الفتى على
أمر عمّه، وإنا لنتخوّف أن يملِّكَهُ علينا، وإن ملَّكه علينا ليقتلنا أجمعين، لقد عَرَف أَنَّا
نحن قتلنا أباه. فَمَشَوْا إلى عمِّه، فقالوا: إمّا أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تخرجه من بين
أظهرنا، فإنَّا قد خِفْناه على أنفسنا، قال: ويلكم! قتلتُ أباه بالأمس، وأقتله اليومَ! بل
أُخرجه من بلادكم. قالت: فخرجوا به إلى السوق، فباعوه إلى رجل من التجّار بستمائة
درهم، فقذفه في سفينة فانطلق به، حتى إذا كان العَشِيّ من ذلك اليوم، هاجت سَحَابٌ
من سحائب الخريف، فخرج عمّه يَسْتمطر تحتها، فأصابته صاعقةٌ، فقتلته. قالت:
ففزعت الحبشةُ إلى وَلَده، فإذا هو مُحمِقٍ، ليس في ولده خيرٌ، فمرج على الحبشة
أمرُهم.
فلما ضاق عليهم ما هُم فيه من ذلك، قال بعضهم لبعض: تعلّموا والله أن مَلِككم
الذي لا يُقيم أمرَكم غيرُه لَلْذِي بِعْتم غدوةً، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة، فأدركوه
الآن. قالت: فخرجوا في طلبه، وطَلَبِ الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه
منه، ثم جاؤوا به، فعقدوا عليه التاجَ، وأقعدوه على سرير المُلْك، فملْكوه.
فجاءهم التاجرُ الذي كانوا باعوه منه، فقال: إمَّا أن تُعطوني مالي، وإمَّا أن أُكلِّمه
في ذلك؟ قالوا: لا نُعطيك شيئًا، قال: إذن والله أُكلِّمه، قالوا: فدونك وإيّاه. قالت:
فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعتُ غلامًا من قوم بالسوق بستمائة درهم،
فأسْلَموا إليَّ غلامي، وأخذوا دراهمي، حتى إذا سرت بغلامي، أذركوني، فأخذوا
أن سيده كان من العرب وأنه استعبده طويلاً، وهو الذي يقتضيه قوله: فلما مَرِجَ على الحبشة
أمْرُهم، وضاق عليهم ما هم فيه، وهذا يدلّ على طول المدة في مغيبه عنهم، وقد رُوِيَ أن
وقعة بدر حين انتهى خبرها إلى النجاشي علم بها قبل مَنْ عنده من المسلمين، فأرسل
إليهم، فلما دخلوا عليه إذا هو قد لبس مِسْحًا، وقعد على التراب والرماد، فقالوا له: ما هذا
أيها الملك؟! فقال: إنّا نجد في الإنجيل أن الله سبحانه إذا أحدث بعبده، وجب على العبد
أن يحدث لله تواضعًا، وإن الله قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة، وهي أن النبي
محمدًا - وَ﴿ ـ بلغني أنه التقى هو وأعداؤه بوادٍ يقال له: بدر كثير الأراك، كنت أرعى فيه
الغنم على سيدي، وهو من بني ضَمْرَة، وأن الله قد هزم أعداءه فيه، ونصر دينه، فدلّ هذا
الخبر على طول مكثه في بلاد العرب، فمن هنا - والله أعلم - تعلم من لسان العرب ما فهم
به سورة مريم حين تُليت عليه، حتى بكى، وأخْضَل لحيته، ورُوِيَ عنه أنه قال: إنّا نجد في
الإنجيل أن اللعنة تقع في الأرض إذا كانت إمارة الصبيان.
١١٦

غلامي، ومنعوني دَراهمي. قالت: فقال لهم النجاشي: لتُعْطُنَّه دراهمَه، أو ليضعنّ غلامُه
يده في يده، فليذهبنّ به حيث شاء، قالوا: بل نُعطيه دراهمه. قالت: فلذلك يقول: ما
أخذ الله مني رِشوةً حين ردّ عليّ مُلْكي، فآخذ الرّشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ، فأُطيع
الناس فيه. قلت: وكان ذلك أول ما خُبِرَ من صَلابته في دينه، وعَذله في حكمه.
قال ابن إسحاق: وحدّثني يزيد بن رُومان عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت:
لما مات النجاشي، كان يُتحدّث أنه لا يزال يُرى على قَبره نورٌ(١).
إسلام النجاشي والصلاة عليه
قال ابن إسحاق: وحدّثني جَغْفر بن محمد، عن أبيه، قال: اجتمعت الحبشة،
فقالوا للنجاشيّ: إنك قد فارقتَ دينَنا، وخرجوا عليه قال: فأرسل إلى جعفر وأصحابه،
من فقه حديث الهجرة إلى الحبشة:
فصل: ومما في حديث الهجرة إلى الحبشة من الفقه أن جَعْفَر بن أبي طالب قال
لرسول الله - 9 -: كيف نصلّي في السفينة إذا ركبنا في البحر؟ فقال ◌َله: ((صلُ قائمًا إلا
أن تخاف الغرق)»(٢) خرّجه الدَّارَقُطْنِي، ولكن في إسناده مقال، وفي مُسْند ابن أبي شيبة:
وصلّى أنسٌ في السفينة جالسًا. وذكر البخاري عن الحسن: يصلّ قائمًا إلا أنْ يَضُرَّ بأهلها.
حول كتاب النجاشي والصلاة عليه
فصل: وذكر الكتاب الذي كتبه النجاشي، وجعله بين صدره وقَبَائِه، وقال للقوم:
أشهد أن عيسى لم يزد على هذا، وفيه من الفقه أنه لا ينبغي للمؤمن أن يكْذِب كذبًا
صُرَاحًا، ولا أن يعطي بلسانه الكفر، وإن أُكْره ما أمكنه الحيلة، وفي الْمَعَاريض مَنْدُوحَةٌ
عن الكذب(٣)، وكذلك قال أهل العلم في قول النبي عليه السلام: ((ليس بالكاذب مَن
أصلح بين اثنين، فقال خيرًا))(٤). روته أم كلثوم بنت عُقْبة. قالوا: معناه أن يُعَرِّضَ، ولا
(١) تقدم تخريجه والتعليق عليه.
(٢) (ضعيف الإسناد)) الدارقطني (٢٩٤/١) بتحقيقي والحاكم (٢٧٥/١) والبيهقي (١٥٥/٣) وابن
الجوزي في العلل (٤١٥/١).
(٣) أخرجه البيهقي في الآداب (٣٩٢) بتحقيقي. والبيهقي (١٩٩/١٠) وابن عدي (٩٦٣/٣).
ومندوحة: أي سعة.
(٤) (صحيح). أخرجه البخاري (٣/ ٢٤٠) ومسلم في البرّ والصلة (١٠١) بنحوه والبيهقي في الآداب
(١٣١) وأبو داود (٤٩٢٠) وكلاهما بتحقيقي.
١١٧

فَهَيَّأ لهم سُفنًا، وقال: اركبوا فيها، وكُونوا كما أنتم، فإن هُزمتُ فامضوا حتى تلحقوا
بحيث شئتُم، وإن ظفرتُ فاثبتُوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا
الله، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، ويشهد أن عيسى ابن مريم عبدُه ورسوله، وروحه،
وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قَبَائه عند الْمَنْكِب الأيمن، وخرج إلى الحبشة،
وصَفُوا له، فقال: يا معشر الحبشة، ألستُ أحقَّ الناس بكم؟ قالوا: بلى، قال: فكيف
رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما لكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن
عيسى عبدٌ، قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول: هو ابنُ الله، فقال النجاشيّ،
ووضع يده على صدره على قَبَائه: هو يشهد أن عيسى ابن مريم لم يَزِد على هذا شيئًا،
يُفْصِحَ بالكذب، مثل أن يقول: سمعته يستغفر لك، ويدعو لك، وهو يعني أنه سمعه
يستغفر للمسلمين، ويدعو لهم؛ لأن الآخر من جملة المسلمين، ويحتال في التعريض ما
استطاع، ولا يختلق الكذبَ اختلافًا، وكذلك في خُدْعَةِ الحرب يُوَرِّي، ويَكْنِي، ولا يختلق
الكذب يستحله بما جاء من إباحة الكذب في خُدَع الحرب، هذا كله ما وجد إلى الكناية
سبيلاً.
وذكر أن رسول الله - وَلّه - صلّى على النجاشي، واستغفر له (١)، وكان موتُ النجاشي
في رجب من سنة تسع، ونعاه رسول الله وَلّ إلى الناس في اليوم الذي مات فيه، وصلّى
عليه بالبقيع، رُفع إليه سَرِيرُه بأرض الحبشة حتى رآه، وهو بالمدينة فصلّى عليه، وتكلم
المنافقون، فقالوا: أيصلّي على هذا العِلْج؟! فأنزل الله تعالى:
﴿وإنَّ مِنْ أهل الكتابِ لمَنْ يُؤْمِنُ بالله وما أُنْزِل إليكم وما أُنزل إليهم﴾(٢)
[آل عمران: ١٩٩]. ومن رواية يونس عن ابن إسحق أن أبا نیزر مولی علي بن أبي طالب،
كان ابنًا للنجاشي نفسه، وأن عليًّا وجده عند تاجر بمكة، فاشتراه منه، وأعتقه مكافأة لما
صنع أبوه مع المسلمين(٣) .
وذكر أن الحبشة مَرِجَ عليها أمرها بعد النجاشي، وأنهم أرسلوا وفدًا منهم إلى أبي
نَيْزَر، وهو مع علي ليملكوه ويتوّجوه، ولم يختلفوا عليه فأبى وقال: ما كنت لأطلب
الملك بعد أن منّ الله عليّ بالإسلام، قال: وكان أبو نَيزَر من أطول الناس قامة،
(١) (صحيح)). أخرجه البخاري (١٤٧/٣) ومسلم وغيرهما.
(٢) لا صحة لقصة رفع سرير النجاشي وسبب نزول الآية.
(٣) انظر الإصابة (١٣٣/٣).
١١٨

وإنما يعني ما كَتَب، فرضوا وانصرفوا، فبلغ ذلك النبي ◌ََّ، فلما مات النجاشيُّ صلّى
عليه واستغفر له.
وأحسنهم وجهًا، قال: ولم يكن لونه كألوان الحبشة، ولكن إذا رأيته قلت: هذا رجل
من العرب.
١١٩

ذكر إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه(١)
قال ابن إسحق: ولما قَدِمَ عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة على قُرَيش،
ولم يُدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله - وَّل ◌َه ـ وردّهما النجاشيُّ بما يكرهونه،
وأسلم عمرُ بن الخطّاب - وكان رجلاً ذا شكيمة لا يُرام ما وراء ظهره - امتنع به أصحابُ
رسول الله وََّ، وبحَمْزة حتى عازُّوا قُرَيشًا، وكان عبدُ الله بن مسعود يقول: ما كنّا نقدر
على أن نصلّي عند الكعبة، حتى أسلم عمر بن الخطّاب، فلما أسلم قاتل قريشًا، حتى
صلّى عند الكعبة، وصلَّينا معه، وكان إسلام عمر بعد خروج مَنْ خرج من أصحاب
رسول الله وَ﴾ إلى الحبشة.
قال البكائي: قال: حدّثني مِسْعَرُ بن كِدَام، عن سَعْد بن إبراهيم، قال: قال
عبد الله بن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت
رحمة، ولقد كنّا ما نصلّي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم، قاتل قريشًا حتى
صلّی عند الكعبة، وصلَّینا معه.
قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عَيَّاش بن أبي
إسلام عمر وحدیث خباب
فصل: في حديث إسلام عمر. ذكره إلى آخره، وليس فيه إشكال، وكان إسلام عمر
والمسلمون إذْ ذاك بضعة وأربعون رجلاً، وإحدى عشرة امرأة.
(١) انظر أسد الغابة (١٤٥/٤) الاستيعاب (١٤٤/٣) صفة الصفوة (٢٦٨/١) الطبقات الكبرى (١٤١/٩)
حلية الأولياء (٣٨/١) الكاشف (٣٠٩/٢) الإصابة (٢٧٩/٤) غاية النهاية (١٩١/١) المنتظم
(٢/ ٣٨٤) الطبري (٥٤٩/١).
١٢٠