النص المفهرس

صفحات 41-60

قال ابن إسحق: فحدّثني يَحيى بنُ عروة بن الزبير، عن أبيه عُزوة بن الزبير، عن
عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثرُ ما رأيْتَ قريشًا أصابوا من رسول
الله - رَج﴿ - فيما كانوا يُظْهرون من عداوته؟ قال: حضرْتُهُم، وقد اجتمع أشرافهم يومًا في
الحِجر، فذكروا رسول الله وَله، فقالوا: ما رأينا مثلَ ما صَبرْنا عليه من أمر هذا الرجل
قطُّ: سفَّه أحلامَنا، وشتم آباءنا، وعاب دِيننا، وفرّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا، لقد صبرنا
منه على أمر عظيم، أو كما قالوا، فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله - وَلاره ـ فأقبل
يمشي حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفًا بالبيت، فلما مرّ بهم غَمَزُوه، ببعض القول،
قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله وَّر. قال: ثم مضى، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه
بمثلها، فعرفتُ ذلك في وجه رسول الله - وٍَّ﴾ - ثم مرَّ بهم الثالثةَ فغمزوه بمثلها،
فوقف، ثم قال: «أتسمعون يا معشرَ قُريش؟! أما والذي نفسي بيده، لقد جِئْتُكم
بالذَّبح)). قال: فأخذت القومَ كلمتُه حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائرٌ واقع،
حتى إن أشدّهم فيه وَصَاةً قَبْل ذلك ليَرْفَؤُه بأحسن ما يجدُ من القول، حتى إنه ليقول:
انصرفْ يا أبا القاسم، فوالله ما كنتَ جهولاً. قال فانصرف رسولُ الله وَّرَ، حتى إذا كان
الغدُ اجتمعوا في الحِجْر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما
بلغكم عنه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم في ذلك طلع عليهم رسولُ
الله - وَلّر - فوثبوا إليه وثبةَ رجل واحد، وأحاطوا به، يقولون: أنت الذي تقول كذا
وكذا، لِمَا كان يقول من عَيب آلهتهم ودينهم؟! فيقول رسول الله وَلير: ((نعم أنا الذي
أقول ذلك))، قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه. قال: فقام أبو بكر رضي
الله عنه دونه، وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟! ثم انصرفوا عنه، فإن
ذلك لأشدّ ما رأيتُ قريشًا نالوا منه قطّ.
قال ابن إسحاق: وحدّثني بعضُ آل أُمّ كُلْثوم ابنة أبي بكر، أنها قالت: رجع أبو
بكرٍ يومئذٍ وقد صَدَعوا فَرْق رأسه، ممَّا جَبَذُوه بلِخيته، وكان رجلاً كثيرَ الشعر.
قال ابن هشام: حدّثني بعض أهلِ العلم: إن أشدّ ما لقي رسول الله وَلّر من قريش
أنه خرج يومًا فلم يَلقه أحدٌ من الناس إلا حذّبه وآذاه، لا حُرَّ ولا عَبْد، فرجع رسولُ
اللهِ وَلَ إلى منزله، فتدثّر من شدَّة ما أصا: أنزل الله تعالى عليه: ﴿يا أيُّها المُدَّثِرُ قُمْ
فأنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢].
السبب في تلقيبه بالمدّثر والنذير العريان:
وذكر ابن إسحق قول رسول الله - وَلجه ـ: (دَثْرُوني دَثْرُوني)) فأنزل الله تعالى: ﴿يا
أيُّها الْمِذَّثِرِ قُمْ فَأَنْذِر﴾ قال بعض أهل العلم: في تسميته إياه بالْمدَثْرِ في هذا المقامِ
٤١

مُلاَطَفَةٌ وتأنيسٌ، ومن عادة العرب إذا قصدت الملاطفة أن تسمّي المخاطَب باسم مُشْتَقٌ
من الحالة التي هو فيها، كقوله عليه السلام لحذيفة: قم يَا نَوْمان (١)، وقوله لعليّ بن
أبي طالب - وقد تَرِب جنبُه: قم أبا تُرَابٍ(٢) فلو ناداه سبحانه، وهو في تلك الحال من
الكرب باسمه، أو بالأمر المجرد من هذه الملاطفة لَهَالَهُ ذلك، ولكن لما بُدِىء، بيأيّها
المدثر أنِسَ، وعلم أن ربّه راضٍ عنه، ألا تراه كيف قال عندما لَقِيَ من أهل الطائف من
شدة البلاء والكرب ما لقي: رَبِّ إن لم يكن بك غَضَبٌ عَلَيَّ فلا أبالي(٣) إلى آخر
الدعاء، فكان مطلوبُه رضا ربه، وبه كانت تهوّن عليه الشدائد. فإن قيل: كيف ينتظم
يأيّها المدّثر مع قوله: قم فأنذر، وما الرابط بين المعنيين، حتى يلتئما في قانون البلاغة،
ويتشاكلا في حكم الفصاحة؟ قلنا: من صفته عليه السلام ما وَصَف به نفسَه حين قال:
أنا النذير العُزيان(٤)، وهوَ مَثَلُ معروف عند العرب، يقال لمَن أَنْذَرَ بقُرب العدو، وبالغ
في الإنذار، وهو النذير العُزيان، وذلك أن النذير الجاذَّ يُجَرّد ثوبه، ويُشير به إذا خاف
أن يسبق العَدوُّ صوتَه، وقد قيل: إن أصل المثل لرجل من خَثْعَم سلَبه العدُوُّ ثوبَه،
وقطعوا يده، فانطلق إلى قومه نذيرًا على تلك الحال، فقوله عليه السلام: ((أنا النذير
العريان)) أي: مثلي مثل ذلك، والتدثّر بالثياب مُضاذٍّ للتَّعَرِّي، فكان في قوله: ﴿يأيها
المدّثر﴾ مع قوله: ﴿قم فأنذر﴾ والنذيرُ الجادُّ يسمى: الْعُزيان: تشاكل بَيِّنٌ، والتئام بديعٌ
وَسَمَاقَةٌ في المعنى، وجَزّالة في اللفظ.
تقديم المفعول على الفعل:
وقوله بعد هذا: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّر﴾ أي: ربّك كبّر، لا غيره لا يَكْبُر عليك شيء من أمر
الخلق، وفي تقديم المفعول على فعل الأمر إخلاصٌ، ومثله قوله: ﴿إِيَّاكِ نَعْبُدُ وإياك
نستعين﴾ أي: لا نعبد غيرك [ولا نستعين إلا بك]، ولم يَقُل: نعبدك ونستعينك، وفي
الحديث: إذا قال العبد: إياك نعبد، وإياك نستعين، يقول الله تعالى: أخلص لي عبدي
العبادةَ، واستعانني علیها، فهذه بيني وبين عبدي.
(١) (صحيح). أخرجه مسلم في الجهاد (٩٩) والبيهقي (١١٩/٩) وفي الدلائل له (٤٥٠/٣).
(٢) (صحيح)). أخرجه البخاري (١٢٠/١) ومسلم في فضائل الصحابة (٣٨) والبيهقي (٤٤٦/٢).
(٣) انظر القرطبي في تفسيره (٢١١/١٦) والبغوي (١٦٧/٦).
(٤) (صحيح)). أخرجه البخاري (١١٥/٩).
٤٢

عتبة بن ربيعة والرَّئي:
فصل: وذكر قول عتبة: إن كان هذا رَئِيًّا تراه. ولغةُ بني تميم: رِئِيّ بكسر الراء،
وكذلك يقولون في كل فعيل عين الفعل منه همزة، أو غيرها من حروف الْخَلْق، يكسرون
أوله، مثل: رحيم وشهيد والرَّئِيُّ: فَعيل بمعنى مَفْعول، ولا يكون إلا من الْجِنّ، ولا يكون
فَعِيل بمعنى مفعول في غير الجنّ. إلا أن يؤثر فيه الْفِعْل نحو: جريح وقتيل وذبيح وطحين،
ولا يقال من الشكر: شكير، ولا ذكرته فهو ذكير، ولا فيمن لُطِم: لطيم إلا أن تغير منه
اللطمة، كما قالوا: لطيم الشيطان. قال ابن الزبير حين قُتل عَمْرُو بن سعيد الأشْدَق [بن
العاص): ألا إن أبا ذِبَّانَ قتل لطيمَ الشيطان: ﴿كذلك نُوَلِّي بعضَ الظالمين بَعْضًا بما كانوا
يكسبون﴾ [الأنعام: ٢٩]. وقالوا من الحمد: حميد، ذهبوا به مذهب كريم، وكذلك قالوا
في الجنّ: رَئِيٍّ، وإن كانت الرؤيا لا تؤثّر في الْمَرْئيّ؛ لأنهم ذهبوا به مذهب قرين ونَجِيّ.
٤٣

إسلام حمزة رضي الله عنه(١)
قال ابن إسحاق: حدّثني رجل من أسْلم، كان واعيةً: أنّ أبا جهل مرّ برسول
الله وَّ عند الصَّفا فآذاه وشتمه، ونال منه بعضَ ما يكره من العَيْب لدينه، والتضعيف
لأمره، فلم يكلِّمه رسولُ الله - رَجَ رِ، ومَوْلاةٌ لعبد الله بن جُدْعان بن عمرو بن كَعْب بن
سَعْد بن تَيْم بن مُرّة في مَسْكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه، فعَمَد إلى نادٍ من قريش
عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أن أقْبل
مُتَوَشّحًا قوسَه، راجعًا من قَنَصٍ له، وكان صاحبَ قَنَصِ يَزْميه، ويخرج له، وكان إذا
رجع من قَنَصه لم يصل إلى أهله، حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمرّ على
نادٍ من قريش إلا وقف، وسلّم، وتحدّث معهم، وكان أعزّ فتّى في قريش، وأشدّ
شَكِيمة، فلما مرّ بالمَوْلاةِ، وقد رجع رسولُ اللهِ وَهِ إلى بيته قالت له: يا أبا عُمارة، لو
رأيتَ ما لقي ابنُ أخيك محمدٌ آنفًا من أبي الحَكَم بن هشام: وَجَده هُهنا جالسًا، فآذاه
وسبَّه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يكلِّمه محمدٌ وَر.
فاحتمل حمزةَ الغضبُ لِمَا أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى، ولم يَقِفْ على
إسلام حمزة
فصل: وذكر إسلام حمزةَ، وأُمُّه: هالةُ بنت أُهَيْب بن عبد مناف بن زهرة، وأُهَيْبٌ:
عمُّ آمنة بنت وهب تزوجها عبدُ المطلب، وتزوج ابنُه عبدُ الله آمنة في ساعةٍ واحدة، فولدت
هالةُ لعبد المطلب حمزة. وولدت آمنةُ لعبد الله رسولَ الله - وََّ - ثم أرضعتهما تُوَيْبَةُ كما
تقدم، وزاد غير ابن إسحق في إسلام حمزة أنه قال: لما احتملني الغضب، وقلت: أنا على
(١) انظر الكامل (٦٠١/١) والمنتظم لابن الجوزي (٣٨٤/٢) والطبري في تاريخه (٥٤٩/١).
٤٤

أحد، مُعِدًّا لأبي جهل إذا لَقِيه أن يُوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسًا في القوم
فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس، فضربه بها، فشجّه شجَّةً مُنكرة، ثمَ
قال: أتشتمه، فأنا على دينه أقول ما يقول؟! فَرُدَّ ذلك عليّ إن استطعت. فقامت رجالٌ
من بني مخزوم إلى حَمْزة، لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دَعُوا أبا عُمارة، فإني والله
قد سَبَيْتُ ابن أخيه سَبًّا قبيحًا، وتَمَّ حمزةُ رضي الله عنه على إسلامه، وعلى ما تابع عليه
رسول الله وَ﴿ من قومه. فلما أسلم حمزةُ عرفت قريشٌ أن رسول الله وَّر قد عزّ وامتنع،
وأن حمزة سيمنعه، فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.
عتبة بن ربيعة يذهب إلى الرسول (﴿ل﴾)(١):
قال ابن إسحاق: وحدّثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كَعْب القُرَظيّ، قال:
حُدّثت أن عُتبة بن ربيعة - وكان سيِّدًا - قال يومًا وهو جالس في نادي قريش ورسولُ
الله - وَّ﴿ - جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلِّمَه،
قوله، أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي، وبتّ من الشَّكُ في أمر عظيم لا أكتحل
بنوم، ثم أتيت الكعبة، وتضرعت إلى الله سبحانه أن يشرح صدري للحق، ويُذهِب عني
الريْب فما اسْتَثْمَمْتُ دعائي حتى زَاحَ عني الباطِلُ، وامتلأ قلبي يقينًا - أو كما قال - فغدوت
إلى رسول الله - رَ﴿ل ــ فأخبرته بما كان من أمري، فدعا لي بأن يُثَبِّتَنِي الله، وقال حمزة بن
عبد المطلب حين أسلم:
إلى الإسلامِ والدينِ الْحَنِيفِ
حَمِدْتُ اللَّهَ حين هَدى فُؤَادي
خبيرٍ بالعبادِ بهم لطيفٍ
الدِين جاء من رَبِّ عزيزٍ
تحذّر دمعُ ذي اللُّبِّ الْحَصِيفِ
بآياتٍ مُبَيِّئَةِ الْحُروف
فلا تَغْشَوْه بالقول العنيف
ولَمَّا نَقْضِ فيهم بالسيوف
عليها الطيرُ كالوِرد العَكُوف
به، فجزى القبائلَ من ثقيف
ولا أسقاهم صَوْبَ الخَريف
إذا تُلِيتْ رسائِلُه علينا
رسائلُ جاء أحمدُ مِن هداها
وأحمد مُضْطَفَى فينا مطاعٌ
فَلا واللَّهِ نُسلِمه لقوم
ونترك منهم قَتْلى بقاعٍ
وقد خُبْرت ما صنعت ثقيف
إللهُ الناس شَرّ جَزاءِ قومٍ
(١) بالمطبوع ((ص)) وقد تقدم الكلام عليه غير مرة.
٤٥

وأغْرِضَ عليه أمورًا لعلَّه يقبل بعْضَها، فنعطيه أيَّها شاء، ويكفَّ عنَّا؟ وذلك حين أسلم
حمزةُ، ورأوا أصحابَ رسول الله - وَّهِ - يَزِيدون ويَكْثُرون؛ فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قُم
إليه، فكلِّمه، فقام إليه عُتبةُ حتى جلس إلى رسول الله - بَّ رَ ـ فقال: يا بن أخي، إنك
منَّا حيثُ قد علمتَ من السِّطَة في العشيرة، والمكان في النَّسب، وإنك قد أتيت قومك
بأمر عظيم، فَرَّقْتَ به جماعتهم، وسفّهت به أحلامهم، وعِبْت به آلهتهم ودينَهم، وكفّرت
به من مضى من آبائهم، فاسمع منّي أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها
بعضَها. قال: فقال له رسول الله - بَلهـ: ((قلْ يا أبا الوليد، أسمَع))، قال: يا بن أخي
إن كنت إنما تريد بما جئتَ به من هذا الأمر مالاً، جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون
أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفًا سوّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت
تريد به مُلْكًا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيًّا (١) تراه لا تَستطيع ردّه عن
نفسك، طَلَبْنا لك الطبَّ، وبذَلنا فيه أموالنا حتى نُبرئك منه، فإنه ربما غلب التابعُ على
الرجل حتى يُداوَى منه، أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبةُ، ورسولُ الله - بَّه - يستمع
منه، قال: ((أقد فرغتَ يا أبا الوليد))؟ قال: نعم، قال: ((فاسمَعْ مني))، قال: أفعل،
فقال: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حَم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيم كتابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرآنًا
عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَغَلِمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فهم لا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّة ممَّا
تَدْعُونا إِلَيْه﴾ [فصلت: ١ - ٥]. ثم مضى رسول الله - رَ ﴿م ـ فيها يقرؤها عليه، فلما
سمعها منه عتبةُ أنْصت لها، وألقى يَدَيْهِ خَلْفَ ظهره معتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم انتهى
رسولُ الله - ◌َل ◌ّ ـ إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: ((قد سمعتَ يا أبا الوليد ما
سمعتَ، فأنت وذاك)).
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله: لقد جاءكم أبو الوليد
بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي
أني قد سمعتُ قولاً والله ما سمعت مثلَه قطُّ، والله ما هو بالشِّعر، ولا بالسِّحر، ولا
بالكهانة. يا معشرَ قُريش! أطيعوني واجعلوها بي، وخلُّوا بين هذا الرجل، وبين ما هو
فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعتُ منه نبأ عظيم، فإن تُصبْه العربُ فقد
كُفِيتُمُوه بغيركم، وإن يَظْهَرْ على العرب، فمُلْكُه مُلْککم، وعزّه عزُكم، وکنتم أسعدَ الناس
به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعُوا ما بدا لكم.
(١) أي مسّ من الجن.
٤٦

بين النبي (مَلٍ﴾)(١) وبين قريش
قال ابن إسحاق: ثم إن الإسلام جعل يَفْشو بمكة في قبائل قريش في الرجال
والنّساء، وقُريش تخبِس مَنْ قَدَرَت على حَبْسه، وتَفْتن مَن استطاعت فِتْتَتَه من المسلمين،
ثم إن أشراف قُريش من كل قَبيلة - كما حدّثني بعضُ أهل العلم عن سعيد بن جبير،
وعن عِكْرِمة مولى ابن عبّاس، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:
اجتمع عُثْبة بن ربيعة، وشَيْبة بن ربيعة، وأبو سُفيان بن حَرْب، والنَّضْر بن
الحارث، أخو بني عبد الدَّار، وأبو البَخْتَرِيّ بن هشام، والأسودُ بن المطَّلِب بن أسدٍ،
وَزَمّعة بن الأسود، والوليد بن المُغيرة، وأبو جهل بن هشام - لعنه الله - وعبد الله بن
أبي أُمية، والعاصُ بن وائل، ونُبيه ومُنَبِّه ابنا الحجَّاج السَّهْميَّان، وأمية بن خلف، أو
مَن اجتمع منهم. قال: اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظَهْر الكعبة، ثم قال بعضهم
لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلّموه وخاصموه حتى تُعْذِروا فيه، فبعثوا إليه: إن أشراف
قومك قد اجتمعوا لك ليكلِّموك، فأتهم، فجاءهم رسول الله - وَلهـــ سريعًا، وهو يظنّ
أنْ قد بَدًا لهم فيما كلَّمهم فيه بَدَاء، وكان عليهم حريصًا يحب رشدَهم، ويعزّ عليه
عَنَتُهم، حتى جلس إليهم، فقالوا له يا محمد، إنّا قد بعثنا إليك؛ لنكلُمك، وإنَّا والله
ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثلَ ما أدخلتَ على قومك، لقد شتمتَ
الآباء، وعِبْتَ الدينَ، وشتمتَ الآلهة، وسفَّهت الأحلامَ، وفرّقت الجماعة، فما بقي أمرٌ
قَبِيحٌ إلا قد جِئْتَه فيما بيننا وبَيْنك - أو كما قالوا له - فإن كنتَ إنما جئتَ بهذا الحديث
تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به
الشّرَف فينا، فنحن نُسَوِّدك علينا، وإن كنت تريد به مُلكًا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا
الذي يأتيك رَئيًّا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمّون التابع من الجنّ رَئِيًّا - فربما كان
ذلك، بذلنا لك أموالَنا في طَلب الطبّ لك حتى نُبرئك منه، أو نُعْذِر فيك، فقال لهم
رسولُ الله - ◌َ ﴿لـ: ((ما بي ما تقولون، ما جئتُ بما جئتكم به أطلبُ أموالكم، ولا
الشرفَ فيكم، ولا المُلْك عليكم. ولكنَّ الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليّ كتابًا،
طلب الآيات
فصل: وذكر ما سأله قومُه من الآيات وإزالة الجبال عنهم، وإنزال الملائكة عليه،
(١) بالمطبوع: ((ص). تقدم الكلام عليه مرارًا. واكتفى هنا بما تقدم من تعليق، وما يأتي بعد فهو كما
سبق.
٤٧

وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغتكم رسالات ربي، ونصحتُ لكم، فإن تقبلوا
مني ما جئتكم به، فهو حظْكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى
يحكم الله بيني وبينكم))، أو كما قال - وَلّرهــ قالوا: يا محمد، فإن كنت غيرَ قابل منّا
شيئًا مما عَرَضْناه عليك، فإنك قد علمتَ أنه ليس من الناس أحدٌ أضيقَ بلدًا، ولا أقلَّ
ماء، ولا أشدّ عيشًا منَّا، فسَلْ لنا ربَّك الذي بعثك بما بعثك به، فليُسَيز عنّا هذه
الجبالَ التي قد ضَيَّقَت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجّر لنا فيها أنهارًا كأنهار الشام
والعراق، وليبعث لنا مَن مضى من آبائنا، وليكن فيمن يُبعث لنا منهم: قُصيّ بن
كلاب، فإن كان شيخَ صِدْق، فنسألهم عمّا تقول: أحقُّ هو أم باطل، فإن صدَّقوك،
وصنعتَ ما سألناك، صَدَّقناك، وعرفنا به منزلَتَك من الله، وأنه بعثك رسولاً - كما
تقول - فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: ((ما بهذا بُعِثْتُ إليكم، إنما جئتُكم من الله
بما بعثني به، وقد بلَّغتكم ما أُزْسِلْت به إليكم، فإن تقبلوه، فهو حظّكم في الدنيا
والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله تعالى، حتى يحكم الله بيني وبينكم))، قالوا:
فإذا لم تفعل هذا لنا، فخذ لنفسك، سَلْ ربَّك أن يبعث معك مَلَكًا يصدّقك بما تقول،
ويراجعنا عنك وسَلْه، فليجعل لك جنانًا وقُصورًا وكنوزًا من ذهب وفضَّة يُغنيك بها عمّا
نراك تَبْتغي، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرفَ
فضلك ومنزلَتك من ربّك إن كنت رسولاً كما تزعم، فقال لهم رسول الله وَلَه: ((ما أنا
وغير ذلك، جهلاً منهم بحكمة الله تعالى في امتحانه الخلقَ، وتَعَبُّدِهِمْ بتصديق الرسل،
وأن يكون إيمانُهم عن نظر وفكر في الأدلة، فيقع الثواب على حسب ذلك، ولو كشف
الغطاء، وحصل لهم العلّم الضروري، بَطَلَتْ الحكمة التي من أجلها يكون الثواب
والعقاب، إذ لا يُؤْجَر الإنسان على ما ليس من كسبه، كما لا يؤجر على ما خُلق فيه من
لون وشعر ونحو ذلك، وإنما أعطاهم من الدليل ما يقتضي النظَرُ فيه العلْمَ الكَسْبي، وذلك
لا يحصل إلا بفعل من أفعال القلب، وهو النظر في الدليل، وفي وجه دلالة المعجزة على
صدق الرسول، وإلا فقد كان قادرًا سبحانه أن يأمرهم بكلام يسمعونه، ويغنيهم عن إرسال
الرسل إليهم، ولكنه سبحانه قسم الأمر بين الدارين، فجعل الأمْرَ يُعْلَّم في الدنيا بنظرٍ
واستدلال وتفكّر واعتبارٍ؛ لأنها دار تعبّد واختبار، وجعل الأمْرَ يُعلم في الآخرة بمعاينة
واضطرار، لا يُستحَق به ثواب ولا جزاء، وإنما يكون الجزاء فيها على ما سبق في الدار
الأولى، حكمة دبرها، وقضية أحكمها، وقد قال الله تعالى: ﴿وما منعنا أن نُرْسِلَ بالآيات
إلاّ أنْ كَذَّبَ بها الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. يريد - فيما قال أهل التأويل - إن التكذيب
بالآيات نحو ما سألوه من إزالة الجبال عنهم وإنزال الملائكة يوجب في حكم الله، ألاّ
٤٨

بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربَّه هذا، وما بُعِثْت إليكم بهذا، ولكنّ الله بعثني بشيرًا
ونذيرًا)) - أو كما قال -: ((فإن تقبلوا ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن
تردُّوه عليّ أصبرْ لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم))، قالوا: فأسقط السماء علينا
كِسَفًا كما زعمت أن ربَّك لو شاء فعل، فإنَّا لا نؤمن لك إلا أن تفعل، قال: فقال
رسولُ الله - وَلِ﴿ه -: ((ذلك إلى الله، إن شاء أن يفعله بكم فعل))، قالوا: يا محمد، أفما
عَلِم ربُّك أنَّا سنجلس معك، ونسألك عمّا سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدّم
إليك فيُعلمك ما تُراجعنا به، ويخبرك ما هو صانعٌ في ذلك بنا، إذا لم نقبل منك ما
جئتنا به! إنه قد بلغنا أنك إنما يعلِّمك هذا رجلٌ باليمامة يقال له: الرَّحمن، وإنَّا والله
لا نؤمن بالرَّحمن أبدًا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنَّا والله لا نتركك وهي بنات
الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله وبالملائكة قَبِيلاً.
فلما قالوا ذلك لرسول الله - وَّجرير، قام عنهم، وقام معه عبدُ الله بن أبي أُمَيَّة بن
يُلَبِّث الكافرين بها، وأن يعاجِلَهم بالنقمة، كما فعل بقوم صالح وبآل فرعون، فلو أُعطيت
قريشْ ما سألوه من الآيات، وجاءهم بما اقترحوا ثم كذبوا لم يَلْبَثُوا، ولكن الله أكرم
محمدًا في الأمة التي أرسله إليهم؛ إذ قد سبق في علمه أن يكذّب به مَن يكذب، ويصدق
به مَن يصدق، وابتعثه رحمة للعالمينَ بَرِّ وفاجرٍ، أما الْبَرُّ فرحمته إياهم في الدنيا والآخرة،
وأما الفاجر، فإنهم أمنوا من الْخَسْفِ والغرَق وإرسال حاصب عليهم من السماء. كذلك
قال بعض أهل التفسير في قوله: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] مع
أنهم لم يسألوا ما سألوا من الآيات إلا تَعَنْتًا واستهزاءً، لا على جهة الاسترشاد، ودفع
الشك، فقد كانوا رأوا من دلائل النبوة ما فيه شفاء لمَن أنصف، قال الله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ
يَكْفِهِمْ أَنَّا أنزلنا عليك الكتاب﴾ [العنكبوت: ٥١] الآية، وفي هذا المعنى قيل:
كانت بداهتهُ تُنبيك بالخبر
لو لم تكن فيه آياتٌ مبيّنة
وقد ذكر ابن إسحق في غير هذه الرواية أنهم سألوا أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، فَهَمَّ
رسولُ الله - * - أن يدعو الله لهم، فنزل جبريل، فقال لهم: ما شئتم إن شئتم فعلت ما
سألتم، ثم لا نُلْبِئُكُمْ إِن كذبتم بعد معاينة الآية، فقالوا: لا حاجة لنا بها(١).
عبد الله بن أبي أمية:
فصل: وذكر قول عبد الله بن أبي أُمية له، واسم أبي أُمية: حُذَيْفَةُ: والله لا أُومن بك
(١) أخرجه أحمد (٣١٦/٣) بنحوه.
الروض الأنف/ ج ٢/ ٢ ٤
٤٩

المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وهو ابن عمَّته فهو لعاتكة بنت عبد المطلب -
فقال له: يا محمد، عَرَض عليك قومُك ما عَرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم
أمورًا، ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول، ويصدّقوك ويتّبعوك فلم تفعل، ثم سألوك
أن تأخذَ لنفسك ما يَعْرفون به فضلَك عليهم، ومنزلَتك من الله، فلم تفعل، ثم سألوك أن
تعجّل لهم بعض ما تخوّفهم به من العذاب، فلم تفعل - أو كما قال له - فوالله لا أومن
بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سُلَّمًا، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر إليكَ حتى تأتيها، ثم تأتي
معك أربعةٌ من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وأيم الله أنْ لو فعلتَ ذلك ما
ظننتُ أني أصدّقك، ثم انصرف عن رسول الله - وَ ﴿ر - وانصرف رسولُ الله - عزَّ - إلى
أهله حزينًا آسفًا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دَعَوه، ولِمَا رأى من مُباعدتهم
إياه .
فلما قام عنهم رسولُ الله - بَّه- قال أبو جهل: يا معْشَرَ قريش، إن محمدًا قد أبى
إلا ما تَرَوْنَ من عَيْب ديننا، وشَتْم آبائنا، وتَسْفِيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله
لأجْلسَنَّ له غدًا بحَجَر ما أطيق حَمْله - أو كما قال - فإذا سجدَ في صلاته، فَضَخْتُ به
رأسه، فأسلِموني عند ذلك، أو امنعوني، فليصنَع بعد ذلك بنو عبد مَناف، ما بَدًا لهم،
قالوا: والله لا نُسْلمك لشيء أبدًا، فامْضٍ لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله - ول10ه ـ.
ينتظره، وغدا رسول الله - رَج1 - كما كان يغدو، وكان رسول الله - رَله - بمكّة وقِبْلَتُهُ إلى
الشام، فكان إذا صلَّى صَلَّى بين الركن اليماني والحجر الأسود، وجعلَ الكعبة بينه وبين
حتى تتخذَ سُلْمًا إلى آخر الكلام، وقد أسلم عبد الله بن أبي أمية قبل فتح مكة، وسيأتي ذكر
إسلامه.
همّ أبي جهل بإلقاء الحجر:
وذكر خبر أبي جهل، وما همّ به من إلقاء الحجر على رسول الله - پے ـ وهو ساجد،
وقد رواه النَّسَوِيُّ بإسناد إلى أبي هُرَيْرَةً قال: قال أبو جهل، وذكر الحديث إلى قوله: فنكّص
أبو جهلٍ على عَقِبَيْه، فقالوا: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لَخَنْدَقًا من نار، وهَوْلاً وأجنحةً،
فقال رسول الله - وَليو -: (لو دنا لاختطفته الملائكة عُضوًا عضوًا))، وخَرَّجه أيضًا مسلم (١)
(١) (صحيح)). أخرجه مسلم في صفات المنافقين. (٣٨) والبيهقي في الدلائل-(١٨٩/٢) والطبري في
تفسيره (٦٥/٣٠).
٥٠

الشام. فقام رسولُ الله - وَلَه ◌ِ يُصَلِّي وقد غَدَثْ قُريش، فجلسوا في أنديتهم يَنْتظرون ما
أبو جهل فاعل. فلما سَجَد رسولُ الله - وَ ر - احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه،
حتى إذا دنا منه رَجَع منهزمًا. مُنْتَقَعًا لونُه مرعوبًا. قد يَبِست يداه على حَجَره. حتى قَذَف
الحَجَر من يده. وقامت إليه رجال قُريش. فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمتُ
إليه لأفعلَ به ما قلتُ لكم البارحةَ، فلما دنوتُ منه عَرَض لي دونه فَخْلٌ من الإبل، لا
والله ما رأيت مثلَ هامَتِه، ولا مثل قَصَرته، ولا أنيابه لفَخْلٍ قطَّ. فَهَمَّ بي أن يأكلني.
قال ابن إسحاق: فذُكِر لي أن رسول الله - وَلَه - قال: «ذلك جبريلُ عليه السلام،
لو دنا لأخذه».
فلما قال لهم ذلك أبو جَهْل. قام النَّضرُ بن الحارث بن كَلَدَة بن عَلْقَمة بن عبد
مناف بن عبد الدار بن قُصَيّ.
قال ابن هشام: ويقال النضرُ بنُ الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف.
قال ابن إسحاق: فقال: يا معشر قريش. إنه والله قد نزل بكم أمرٌ ما أتيتم له بحيلة
بعد، قد كان محمد فيكم غلامًا حَدَثًا، أرضاكم فيكم. وأصدقكم حديثًا. وأعظمكم
أمانة. حتى إذا رأيتم في صُدْغيه الشَّيبَ، وجاءكم بما جاءكم به. قلتم: ساحرٌ، لا والله
ما هو بساحر. لقد رأينا السحرة ونَفْثهم وعَقْدهم، وقلتم: كاهن. لا والله ما هو بكامن؛
وذكر النَّسَوِيُّ أيضًا بإسناده إلى ابن عباس أن أبا جهل قال له: ألم أنْهَكَ؟ فوالله ما بمكة نادٍ
أعزّ من نادِيَّ، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿أرأيتَ الذي ينهى عَبْدًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلْيَدْعُ ناديه سَنَدْعُ
الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧ - ١٨].
تفسير أرأيت:
قال محمد بن يزيد: في الكلام حذفٌ، تقديرُه: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عبدًا إذا صَلَّى﴾،
أمُصِيبٌ هو أو مُخْطِىءٌ؟ وكذلك في قوله: ﴿أرأيتَ إن كان على الهدى﴾ [العلق: ١١] كأنه قال:
أليسَ مَن ينهاه بضالٌ؟ وقوله: ﴿لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيةِ﴾ [العلق: ١٥] أي لنأخُذَنَّ بها إلى النارِ، وقيل
معنى السَّفْع ههنا: إذلالُه وقَهْرُه، والنادي والنَّدَيُّ والمُنْتَدى بمعنى واحدٍ، وهو: مجلسُ
القوم الذين يَتَنَادَوْن إليه، وقال أهل التفسير فيه أقوالاً متقاربةً، قال بعضهم: فَلْيَذْعُ حَيَّه،
وقال بعضهم: عشيرتَه، وقال بعضُهم: مجلسَه، وفي أرأيتَ معنى: أخبرني، ولذلك قال
سيبويه: لم يجز إلغاؤها، كما تُلغى: علمتُ إذا قلتَ: علمت أزَيْدٌ عندك أم عَمْروٌ، ولا
يجوز هذا في: أرأيت، ولا بُدَّ من النَّصْبِ إذا قلت: أرأيت زَيْدًا، أَبُو مَنْ هو؟ قال
سيبويه: لأن دخولَ معنى أخبرني فيها لا يجعلها بمنزلة: أخبرني في جميع أحوالها، قال
٥١

قد رأينا الكهنة، وتخالُجَهُمْ وسَمِعْنا سَجْعهم، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر؛ قد
رأينا الشعرَ، وسَمِعْنا أصنافَه كلَّها: هَزجَه ورَجزه، وقلتم: مجنون، لا والله ما هو
بمجنون، لقد رأينا الجنونَ، فما هو بخَثْقه، ولا وَسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش،
فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمرٌ عظيم.
وكان النَّضْر بن الحارث من شياطين قُريش، وممّن كان يؤذي رسول الله - دَله -
وينصب له العداوةَ، وكان قد قَدِمَ الحِيرةَ، وتعلَّم بها أحاديثَ ملوك الفرس، وأحاديث
رُسْتُم وإسفندياذ، فكان إذا جلس رسولُ الله - وَلَ﴿ - مجلسًا فذكَّر فيه بالله، وحذّر قومه ما
أصاب مَنْ قبلَهم من الأمم من نقمة الله، خَلَفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا
معشر قُريش، أحسنُ حديثًا منه، فهَلُمَّ إليَّ، فأنا أُحدّثكم أحسنَ من حديثه، ثم يحدّثهم
عن ملوك فارس ورُستم وإسفندياذ. ثم يقول: بماذا محمدٌ أحسنُ حديثًا مني؟
قال ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثلَ ما أنزل الله.
قال ابن إسحاق: وكان ابن عبَّاس رضي الله عنهما يقول - فيما بلغني: نزل فيه
المؤلف: وظاهرُ القرآن يقضي بخلافٍ ما قال سيبويه إلاَّ بعد البيان، وذلك أنها في القرآن
مُلْغاةٌ؛ لأن الاستفهامَ هو مطلوبُها، وعليه وقعت في قوله: ﴿أرأيتَ إن كَذَّبَ وتولى ألَمْ
يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١٣]. فقوله: أَلَمْ يعلم: استفهامٌ، وعليه وقعت: أرأيت، وكذلك: أَرَأَيْتُمْ،
وأَرَأَيْتُكُمْ في الأنعام، فإن الاستفهام واقع بعدها نحو: ﴿هلْ يُهلَك إلا القَوْمُ الظالمون﴾
[الأنعام: ٤٧]. وهذا هو الذي منع سيبويه في: أرأيتَ وأرأيتُك أبو مَن أنت؟ وأما البيانُ
فالذي قاله سيبويه صحيح، ولكن إذا ولّى الاستفهامُ: أرأيتَ، ولم يكن لها مَفْعُولٌ سوى
الجملة، وأما في هذه المواضع التي في التنزيل، فليست الجملةُ المستفهَمُ عنها هي
مَفْعُول: أرأيت، إنما مَفْعُولها محذوفٌ يدلّ عليه الشرطُ، ولا بد من الشرط بعدها في هذه
الصور؛ لأن المعنى: أرأيتم صنيعكم إن كان كذا، وكذا، كما يقول القائل: أرأيت إن
لقيت العدو أتقاتله أم لا؟ تقدير الكلام: أرأيتَ رأيك أو صنيعك إن لقيت العدو فحرف
الشرط، وهو: إن، دالٌّ على ذلك المحذوف، ومُرْتبط به، والجملة المستفهَمُ عنها كلامٌ
مُسْتَأنَف منقطِع، إلا أن فيه زيادةً بيانٍ لما يستفهم عنه، ولو زال الشَّرط، ووليها الاستفهامُ
لَقَبُحَ كما قال سيبويه، ويحسُن في: علمت، وهل علمت وهل رأيت، وإنما قُبْحُه مع
أرأيت خاصة، وهي التي دخلها معنى: أخبرني فتدَبَّرِه.
الأساطير وشيء عن الفرس:
فصل: وذكر حديثَ النَّضْر بن الحارث، وما نزل فيه من قول الله تعالى: ﴿قالوا
٥٢

ثمان آيات من القرآن: قولُ الله عزّ وجلّ: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْه آياتنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾
[القلم: ١٥] وكلّ ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن.
فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه، وبعثوا معه عُقْبة بن أبي مُعَيط إلى
أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: سَلاهم عن محمد، وصفا لهم صِفَته، وأخبراهم
بقَوْله، فإنهم أهلُ الكتاب الأوّل، وعندهم عِلمْ ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرَجا حتى
قَدِما المدينةَ، فسألا أحبارَ يهود عن رسول الله - وََّ - وَوَصَفا لهم أمْره. وأخبراهم
ببعض قوله. وقالا لهم: إنكم أهلُ الثَّوراة. وقد جِئْناكم لتُخْبِرونا عن صاحبنا هذا.
فقالت لهما أحبار يهود: سَلُوه عن ثلاث نَأمُركم بهنّ. فإن أخبركم بهنّ، فهو نبيّ
مُرْسَلٌ. وإن لم يفعل فالرجل مُتقوِّل. فَرَوْا فيه رأيكم. سَلُوه عن فِتْيَةٍ ذهبوا في الدَّهر
أَسَاطِيرُ الأَوَّلين﴾ واحد الأساطير: أُسْطُورة كأُخْدُوثة وأحاديث، وهو ما سَطَّره الأوَّلُون،
وقيل: أساطير: جمع أسطار، وأسطارٌ جمعُ: سَطَر بفتح الطاء، وأما سَطْرٌ بسكون الطاء،
فجمعه: أسُطُرٌ، وجمع الجمع: أساطر بغير ياء، وذكر أن النضر بن الحارث كان يُحَدِّث
قريشًا بأحاديث رُسْتُمَ وإسفندياذ، وما تعلَّم في بلاد الفرس من أخبارهم، وذكر ما أنزل الله
في ذلك من قوله، وقد قيل فيه نزلت: ﴿ومَن قال سَأَنْزِلُ مثلَ ما أنزل الله﴾
[الأنعام: ٩٣]. وأما أحاديث رستم، ففي تاريخ الطبري(١) أن رُسْتُم بن ريسان كان يحارب
كي يستاسب بن كي لهراسب، بعدما قتل أباه لطراسب ابن كي أجو. وكي في أوائل هذه
الأسماء عبارة عن البهاء، ويقال: عبارة عن إدراك الثأر، ويقال لهؤلاء الملوك: الكينية من
أجل هذا، وكان رُسْتُم الذي يقال له: رُسْتُم سَيِّد بني ريسان من ملوك الترك، وكان كي
يستاسب قد غضب على ابنه، فسجنه حسدًا له على ما ظهر من وقائعه في الترك، حتى
صار الذكر له، فعندها ظهرت الترك على بلاد فارس، وسبَوا بنتين: ليستاسب، اسم
إحداهما: خمانة، أو نحو هذا، فلما رأى يستاسب ألاَّ يدين له بقتالهم أطلق ابنه من
السجن، وهو إسفندياذ، ورضي عنه وولاه أمر الجيوش، فنهد إلى رستم، وكانت بينهما
ملاحم يطول ذكرها، لكنه قتل رستم، واستباح عساكره، ودوّخ في بلاد الترك، واستخرج
أُختيه من أيديهم، ثم مات إسفندياذ قبل أبيه، وكان ملك أبيه نحوًا من مائة عام، ثم عهد
إلى بهمن بن إسفندياذ، فولاه الأمر بعد موته وبهمن بلغتهم: الحسن النيّة، ودام ملكه نيفًا
على مائة عام، وكان له ابنان: ساسان ودارا، وقد أملينا في أول الكتاب طرفًا من حديث
ساسان وبنيه، وهم الساسانية الذين قام عليهم الإسلام، ورُسْتُم آخرُ مذكور أيضًا قبل هذا
(١) الطبري في تاريخه (٣٢٩/٢٩٩/٢٩٨/٢٩٧/١).
٥٣

الأوَّل ما كان أمرهم، فإنه قد كان لهم حديثُ عجب، وسَلوه عن رجل طَوّاف قد بلغ
مشارق الأرض ومغاربها ما كان نَبؤُهُ، وسلوه عن الرُّوح ما هي؟ فإن أخبركم بذلك
فاتَّبعوه، فإنه نبيّ. وإن لم يفعل، فهو رجلٌ متقوّل. فاصنعوا في أمره ما بَدَا لكم. فأقبل
النَّضْر بن الحارث، وعُقْبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أَمَيَّة بن عبد شَمْس بن عبد
مناف بن قُصَيّ حتى قَدِما مكّة على قُريش. فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفَصْل ما
بينكم وبين محمدٍ. قد أخبرنا أحبارُ يهود أن نسأله عن أشياء أمَرونا بها، فإن أخبركم
عنها فهو نبيّ، وإن لم يفعل فالرجلُ مُتَقَوِّل. فرَوْا فيه رأيكم.
فجاؤوا رسول الله - وَله - فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فِتْية ذهبوا في الدَّهر الأوّل
قد كانت لهم قصّة عَجَبٌ، وعن رجل كان طوّافًا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها،
وأخبرنا عن الرُّوح ما هي؟ فقال لهم رسول الله - بَ ط يره -: ((أخبركم بما سألتم عنه غدًا))،
ولم يستثْنٍ، فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله - وَل ـ فيما يذكرون - خمسَ عشَرةً ليلة لا
يُحدث الله إليه في ذلك وَخْيًا، ولا يأتيه جبريل، حتى أزجف أهل مكة وقالوا: وَعَدنا
محمدٌ غدًا، واليوم خمس عشرةً ليلةً. قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء ممَّا سألناه عنه،
وحتى أحزنَ رسول الله - بِ ◌ّهِ مُكثُ الوحي عنه، وشقَّ عليه ما يتكلَّم به أهلُ مكة، ثم
جاءه جبريلُ من الله عزّ وجلّ بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حُزْنه عليهم،
وخبرُ ما سألوه عنه من أمر الفِتْيَة، والرجل الطّوَّاف، والروح.
في أحاديث كي قباذ، وكان قبل عهد سليمان، ثم كان رستم وزيرًا بعد كي قباذ لابنه كي
قاووس، وكانت الجنّ قد سُخّرت له. يقال إن سليمان أمرهم بذلك، فبلغ ملكُه من
العجائب ما لا يكاد أن يصدقه ذوو العقول لخروجها عن المعتاد لكن محمد بن جرير
الطبري ذكر منها أخبارًا عجيبة (١).
وذكر أنه هَمَّ بما همَّ به نمروذ من الصعود إلى السماء، فطرحته الريح، وضَعْضَعَتْ
أركانه، وهدمت بنيانّه، ثم ثاب إليه بعض جنوده، فصار كسائر الملوك يغلب تارة،
ويُغلب بخلاف ما كان قبل ذلك، وسار بجنوده إلى اليمن فَنَهَد إليه عمرو ذو الأذْعَار،
فهزمه عَمْرو، وأخذه أسيرًا، وحبسه في مَخْبِس حتى جاء رُسْتَم، وكان صاحب أمره،
فاسْتَنْقَذَه من عَمْرٍو، إمَّا بَطْوع، وإمَّا بإكراه، وردّه إلى بلاد فارس. ولابنه شاوخش مع
قراسيات ملك الترك خبر عجيب، وكان رستم هو القيِّم على شاوخش والكافل له في
(١) انظر التخريج السابق. وفيه بعض الاختلاف عما هنا. وفي تسخير سليمان الجن لرستم - نظر
ومقال.
٥٤

قال ابن إسحاق: فذُكر لي أن رسولَ الله - وَلَهـ قال لجبريل حين جاءه: لقد
احتبستّ عني يا جبريل حتى سُؤْتُ ظنًّا، فقال له جبريل: ﴿وَمَا نَتَزَّلُ إلاَّ بأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما
بينَ أيْدِينا ومَا خَلْفَنَا وما بينَ ذلكَ ومَا كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. فافتتح السورة
- تبارك وتعالى - بحَمده وذكر نُبُوَّةَ رسوله، لِما أنكروه عليه من ذلك، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكهف: ١ - ٢٦] يعني: محمدًا وََّ، إنك رسول مني:
أي تحقيق لما سألوه عنه من نبوّتك. ﴿ولم يجعل له عِوَجًا قيمًا﴾: أي معتدلاً، لا
اختلاف فيه. ﴿لَيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾: أي عاجل عقوبته في الدنيا، وَعَذَابًا ألِيمًا فِي
الآخِرةِ من عند ربك الذي بعثك رسولاً. ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالحاتِ أنَّ
لهُمْ أجْرًا حَسنًا ماكِئِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾: أي دار الخلد لاَ يَمُوتُونَ فِيها الذين صدَقوك بما جئت
به مما كذّبك به غيرهم، وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال. ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ
اللَّهُ وَلَدًا﴾ يعني: قريشًا في قولهم: إنا نعبد الملائكة، وهي بنات الله. ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ
عِلْم وَلا لآبائهِمْ﴾ الذين أعظموا فراقهم وعَيْب دينهم. ﴿كَبْرَتْ كَلِمَةً تخرُجُ مِنْ أقْوَاهِهِمْ﴾
أيَّ: لقولهم: إن الملائكة بناتُ الله. ﴿إِنْ يَقُولُونَ إلاَّ كَذِبًا فَلَعَلَّكَ باحِعٌ نَفْسَكَ﴾ يا محمد
﴿على آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَديثِ أُسَفًا﴾: أي لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجو
منهم، أي: لا نفعل.
قال ابن هشام: باخعُ نفسَك، أي: مُهْلِك نفسَك، فيما حدّثني أبو عُبيدة قال ذو
الرُّمَّة :
لشَيْءٍ نَحَتْه عن يَدَيْهِ المَقادِرُ
ألا أيُّهَذَا الباخعِ الوَجْدُ نفسَه
صغره، وكان آخر أمر شاوخش بعد عجائب أن قتله قراسيات، وقام ابنه كي خسرو
يطلب بثأره، فدارت بينه وبين الترك وقائع لم يسمع بمثلها، وكان الظفر له، فلما ظفروا
رأى أمله في أعدائه ما ملأ عينه قُرَّة، وقلبه سرورًا زهد في الدنيا، وأراد السياحة في
الأرض، فَتَعَاثَّ به أبناء فارس، وحذرتْه من شَتَات الشَّمْلِ بعده، وشماتة العدو،
فاستخلف عليهم: كي لهراسب، بن كي اجو، بن كي كينة، بن كي قاووس المتقدم
ذكره، ولا أدري: هل رستم الذي قتله إسفندياذ هو رُسْتَم صاحب كي قاووس، أم
غيره، والظاهر أنه ليس به، لأن مدة ما بين كي قاووس وكي يستاسب بعيدة جدًّا،
وأحسبه كما قدّمنا أنه كان من الترك، وهذا كله كان في مدة الكينية، وعند اشتغالهم
بقتال الترك استعملوا بُخْتَ نَصَّرَ البابلي على العراق، فكان من أموره مع بني إسرائيل
وإثخانه فيهم، وهدمه لبيت المقدس وإحراقه للتوراة وقتله لأولاد الأنبياء، واسترقاقه لنساء
٥٥

وجمعه: باخعون وَبَخَعة. وهذا البيت في قصيدة له. وتقول العرب: قد بخعتُ له
نُصْحِي ونَفْسي، أي جَهَدْت له. ﴿إِنّا جَعَلْنا ما على الأرضِ زِينَةٌ لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أخْسَنُ
عَمَلاً﴾ .
قال ابن إسحاق: أي: أيّهم اتّبع لأمرِي، واعمل بطاعتي. ﴿وإنّا لَجَاعِلونَ مَا عَلَيْها
صَعِيدًا جُرُزًا﴾: أي الأرض، وإنّ ما عليها لفانٍ وزائل، وإن المرجع إليَّ، فأجزي كُلاًّ
بعمله، فلاَ تَأْسَ، ولا يَخزنك ما تسمع وترى فيها.
قال ابن هشام: الصعيد: الأرض، وجمعه: صُعُد. قال ذو الرُّمَّة يصِف ظَبْيًا
صغیرًا :
دَبَّابةٌ فِي عِظام الرأسِ خُرْطومٌ
كأنَّه بالضُّحى تَرْمي الصعيدَ به
وهذا البيت في قصيدة له. والصعيد أيضًا: الطريق. وقد جاء في الحديث: ((إياكم
والقعودَ على الصُّعَدات)) يريد الطرق. والجُرز: الأرض التي لا تُنبت شيئًا، وجمعها:
أجراز. ويقال: سَنة جُرز، وسنون أجراز، وهي التي لا يكون فيها مطر، وتكون فيها
جُدُوبة ويُّيْس وشدّة. قال ذو الرُّمَّة يصف إيلاً:
فما بقيتْ إلا الضلوع الجَراشعُ
طوى النَّخْزُ والأجراز ما في بُطونها
وهذا البيت في قصيدة له.
ملوكهم ولذراريهم مع عيشه في بلاد العرب حين جاس خلال ديارهم، ما هو مشهور
في كتب التفاسير، ومعلوم عند أصحاب التواريخ.
فهذه جملة مختصرة تشرح لك ما وقع في كتاب ابن إسحق من ذكر رستم وإسفندياذ،
وكانت الكينية قبل مدة عيسى ابن مريم، أولهم في عهد أفْرِيدُون قبل موسى عليه السلام
بمئين من السنين، وآخرهم في مدة الإسكندر بن قليس والإسكندر هو الذي سلب ملكهم،
وقتل دارا بن دارا، وهو آخرهم، ثم كانت الأشغانية مع ملوك الطوائف أربعمائة وثمانين
عامًا، وقيل: أقل من ذلك في قولِ الطبري، وقولُ المسعودي: خمسمائة وعشر سنين في
خلال أمرهم بُعِث عيسى ابن مريم، ثم كانت الساسانية نحوًا من ثلاثين ملكًا حتى قام
الإسلام، ففض خَدَمَتَهُمْ. وخَضَدَ شوكتَهم، وهدم هياكلَهم، وأطفأ نيرانهم التي كانوا
يعبدون، وذلك كله في خلافة عمر.
٥٦

حول سورة الكهف
قال ابن إسحاق: ثم استقبل قصّة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفِتية، فقال: ﴿أمْ
عن سورتي الكهف والفرقان - سبب نزول الكهف
فصل: وذكر ابن إسحق إرسال قُرَيْشِ النضرَ بن الحارث وعُقْبَةَ بن أبي مُعَيْط إلى
يهود، وما رجعا به من عندهم من الفصل بينهم وبين النبي ◌َّرَ، فسألوه عن الأمورِ الثلاثة
التي قالت اليهود: إن أخبركم بها فهو نبي وإلا فهو مُتَقَوِّل، فقال لهم: سأخبركم غدًا، ولم
يقل: إن شاء الله، فأبطأ عنه الوحي في قول ابن إسحق خمسة عشر يومًا، وفي سِيَر الثَّيمي
وموسى بن عُقْبَةَ أن الوحيَ إنما أبطأ عنه ثلاثة أيام، ثم جاء جبريل بسورة الكهف.
لِمَ قدّم الحمد على الكتاب(١)؟ ! :
وذكر افتتاحَ الربِّ سبحانه بحمد نفسه، وذكر نبوّة نبيّه حمْدُه لنفسه تعالى خبرٌ باطِنُه
الأمْرُ والتعليمُ لعبده كيف يَحمدُه، إذ لولا ذلك لاقتضت الحالُ الوقوف عن تسميته،
والعبارات عن جلاله، لقصور كلِّ عبارةٍ عمّا هنالك من الجلال، وأوصافِ الكمال، ولمّا
كان الحمدُ واجبًا على العبد قُدِّم في هذه الآيةِ ليقترِن في اللفظِ بالحمد الذي هو واجبٌ
عليه، ولِيستشعرَ العبدُ وجوبَ الحمدِ عليه، وفي سورة الفرقان قال: ﴿تبارَك الذي نَزَّل
الْفُرقانَ على عبده﴾ وبدأ بذكر الْفُرقانِ الذي هو الكتابُ المبارك. قال الله سبحانه: ﴿وهذا
كتابٌ أنزلناه مُبَارٌ﴾ فلما افتتح السورة بتبارك الذي، بدأ بذكر الفرقان، وهو الكتاب
المبارك، ثم قال: على عبده، فانظر إلى تقديم ذكر عبده على الكتاب، وتقديم ذكر الكتاب
عليه في سورة الفرقان، وما في ذلك من تشاكُلِ اللفظ والتئامِ الكلام نرى الإعجازَ ظاهرًا،
والحكمةَ باهرةً، والبرهانَ واضحًا، وأنشد لذي الرُّمَّةِ.
(١) وقيل في تفسير فاتحة الكتاب: أن التسبيح مقدّم على التحميد، وأن الرجل بعد الصلاة يسبّح الله
ثلاثة وثلاثون ويحمد الله ثلاثة وثلاثون ... ، فكيف بدأ القرآن كله بالحمد ولم يبدأ بالتسبيح؟
قالوا: إن الحمد يتضمن في طياته التسبيح، إذا التسبيح من: سبّح، أي بعُد، فالتسبيح هو المباعدة
بين الله وبين كل نقص وعيب، ولما كان ذلك كذلك فهو مستحق للحمد إذ هو المنزه عن النقص
والعيوب، وقالوا: إن أول كلمة قالها آدم حين نفخت فيه الروح. قال: الحمد لله، فكانت هذه أول
كلمة يقولها أبو البشر آدم عليه السلام، وآخر كلمة يقولها المؤمنون يوم القيامة ﴿الحمد لله الذي
هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾. ﴿وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾
فكان أول كلمة قيلت هي: الحمد لله، وآخر ما يقال: الحمد لله، فلا حرم أن يكون أول الكلام
المنزّل على آخر الرسل: الحمد لله. والحمد لله ربّ العالمين. وانظر للمحقق ((اللباب في تفسير
فاتحة الكتاب)).
٥٧

حَسِبْتَ أنْ أصحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيم كانُوا مِنْ آيَاتِنا عَجَبا﴾: أي قد كان من آياتي فيما
وضعت على العباد من حُجَجي ما هو أعجب من ذلك.
قال ابن هشام: والرقيم: الكتاب الذي رُقِم فيه بخبرهم، وجمعه: رُقُم. قال
العجاج:
ومُسْتَقَرُّ المُصْحَف المُرقّمِ
وهذا البيت في أُرجوزة له.
شرح شواهد شعرية:
كأنه بالضُّحى ترمي الصعيد به
دَبَّابَةٌ في عظام الرأس خُرْطُومُ
يصف ولدَ الظبية: والْخُرْطُومُ: من أسماء الخمر، أي: كأنه من نشاطه دَبَّتِ الخمرُ في
رأسه. وأنشد له أيضًا:
طوى النَّخِزُ والأجرازُ. البيت. والنَّخزُ: النَّخْسُ، والنُّحازُ: داء يأخذ الإبلّ
والنحيزَةُ: الْغَريزَةُ، والنحيزة: نسيجة كالحزام: والضلوعُ الجَرَاشِعُ. هو جمع جُرْشُع. قال
صاحب العين. الْجُرْشُعُ: العظيم الصدر، فمعناه إذًا في البيت على هذا: الضلوعُ من الهزال
قد نَتَأَتْ، وبرزت كالصدر البارز.
الرقيم وأهل الكهف:
فصل: وذكر الرَّقِيمَ وفيه سوى ما قاله أقوال. رُوِيَ عن أنس أنه قال: الرقيمُ: الكلبُ،
وعن كعب أنه قال: هو اسم القرية التي خرجوا منها، وقيل: هو اسم الوادي وقيل: هو
صخرة، ويقال: لوح كتب فيه أسْماؤُهم ودينُهم وقصتُهم، وقال ابن عباس: كل القرآن أعلم
إلا الرقيمَ والْغِسْلَين وحنانًا والأَوَّاه(١)، وقد ذكرت أسماؤهم على الاختلاف في بعض ألفاظها
وهي: مليخا، كسليما، مرطوش بن أنس، أريطانس، أيونس، شاطيطوش(٢). وقيل في اسم
مدينتهم: أفوس، واختلف في بقائهم إلى الآن، فرُويَ عن ابن عباس أنه أنكر أن يكون بقي
شيء منهم، بل صاروا ترابًا قبل مبعث النبي بَّ، وقال بعض أصحاب الأخبار غير هذا،
وأن الأرضَ لم تأكلهم، ولم تغيرهم، وأنهم على مَقْرُبة من الْقُسْطَنْطِينِيَة، فالله أعلم. رُوِيَ
(١) فيه نظر.
(٢) معرفة أسمائهم ((علم لا ينفع وجهل لا يضر)). وإن كان في معرف أسمائهم خير لعرَّفهم الله تعالى
في كتابه أو على لسان رسول الله رَله. فلا حاجة بنا إلى البحث عن أسمائهم وطولهم وغير هذا.
٥٨

قال ابن إسحاق: ثم قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنَا مِنْ
لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا فَضَرَبْنا على آذَانِهِمْ فِي الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ
بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أيُّ الْحِزْبَيْنِ أَخْصَى لِمَا لَبِثوا أمَدًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ
نَبَأَهُمْ بالحَقّ﴾: أي بصدق الخبر عنهم. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِذْنَاهُمْ هُدَى وَرَبَطْنا
على قُلوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّمُواتِ والأرضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إلَهَا لَقَدْ قُلْنا
إِذَا شطَطًا﴾: أي لم يُشرِكوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم.
قال ابن هشام: والشطط: الغلو ومجاوزة الحق. قال أعشى بني قَيْس بن ثعلبة:
كالطَّعْن يذهبُ فيه الزيتُ والفُتُلُ
لا يَنْتهون، ولا يَنْهَى ذَوِي شَطَط
وهذا لبيت في قصيدة له.
﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخِذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّن﴾ .
قال ابن إسحاق: أي بحجة بالغة.
أنهم سيحجّون البيتَ إذا نزل عيسى ابن مريم. ألفيتُ هذا الخبرَ في كتاب البدء لابن أبي
خَيْئَمة (١).
إعراب أحصى:
وذكر قول الله تعالى: ﴿لنعلَم أيُّ الْحِزْبَيْن أخْصى لما لبثوا أمدا﴾ [الكهف: ١٢] قد
أمْلينا في إعراب هذه الآية نحوًا من كرّاسة، وذكرنا ما وهم فيه الزَّجَّاجُ من إعرابها؛ حيث
جعل أحصى اسمًا في موضع رفع على خبر المبتدأ، وأمَدًا: تمييز وهذا لا يصح؛ لأن
التمييز هو الفاعل في المعنى، فإذا قلت: أيّهم أعلم أبًا، فالأب هو العالم، وكذلك إذا قلت
أَيُّهم أفْرَهُ عَبْدًا، فالعبد هو الفارهُ، فيلزم على قوله إذًا أن يكونَ الأمَدُ فاعلاً بالإحصاء، وهذا
محال، بل هو مفعُول، وأحصى: فعل ماضٍ، وهو الناصب له، وذكرنا في ذلك الإملاء أنَّ
أيهم، قد يجوز فيه النصبُ بما قبله إذا جعلته خبرًا، وذلك على شُرُوط بيّنّاها هنالك لمَن
أراد الوقوف على حقيقتها، أي: ومواضعها، وكشفنا أسرارها.
عن الضرب وتزاور الشمس وفائدة القصة:
وقوله سبحانه: ﴿فضربنا على آذانهم﴾ أي: أنَّمْناهم، وإنما قيل في النائم: ضُرِب على
ـد
(١) ترى كم يكون عمرهم آنذاك؟! وكيف يبقى هؤلاء أحياء إلى زمن ليس عليه السلام، أي إلى قيام
الساعة وقد مات سيد ولد آدم - محمد ولو؟ !!!.
٥٩

﴿فَمَنْ أظْلمُ مِمَّنِ افْتَرَى على اللَّهِ كَذِبًا وإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ومَا يعْبُدونَ إلا اللَّهَ فَأْوُوا
إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَته ويُهَيِّىءْ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مِرْفَقًا وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا
طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُم ذَاتَ الشّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ
مِنْهُ﴾ .
أُذنه؛ لأن النائم ينتبه من جهة السَّمْع، والضربُ هنا مُستعار من ضربت الْقُفْلَ على البابِ،
وذكر قوله تعالى: ﴿تَزَاوَرَ عن کھْفِهم ذات اليمين﴾ الآية. وقيل في تَقْرِضُهم: تحاذیھم،
وقيل: تتجاوزهم شيئًا فشيئًا من الْقَرْضِ، وهو القطع، أي: تقطع ما هنالك من الأرض،
وهذا كله شرح اللفظ، وأمَّا فائدة المعنى، فإنه بيَّن أنهم في مَقْنُوَةٍ من الأرض، لا تدخل
عليهم الشمسُ، فتحرقهم، وتبلي ثيابهم، ويقلَّبون ذات اليمين وذات الشمال. لئلا تأكلَهم
الأرضُ، والفائدة العُظمى في هذه الصفة بيان كيفية حالهم في الكهف، وحال كلبهم، وأين
هو من الكهف، وأنه بالْوَصيد منه، وأن باب الكهف إلى جهة الشمال للحكمة التي تقدمت،
وأن هذا البيان لا يكاد يعرفه مَن رآهم، فإن المُطّلع عليهم يُمْلأ منهم رُعبًا، فلا يمكنه تأمُّل
هذه الدقائق من أحوالهم، والنبي عليه السلام لم يرَهم قطّ، ولا سمع بهم، ولا قرأ كتابًا فيه
صفتُهم؛ لأنه أُمِّيَّ في أُمة أُميّة، وقد جاءكم ببيان لا يأتي به مَن وصل إليهم حتى إن كلبَهم
قد ذكر، وذُكِر موضعُه وبسطُه ذراعيه بالْوَصيد، وهم في الفجوة، وفي هذا كله برهانٌ عظيم
على نبوّته، ودليلٌ واضح على صدقِه، وأنه غير مُتَقَوِّلٍ، كما زعموا، فقِفْ بقلبِك على
مضمون هذه الأوصاف، والمراد بها تُعْصَمْ إن شاء الله مما وقعت فيه الْمُلْحِدةٌ من
الاستخفاف بهذه الآية من كتاب الله، وقولهم: أيّ فائدة في أن تكون الشمسُ تَزَاوَرُ عن
كهفهم، وهكذا هو كل بيت يكون في مَقْنُوَةٍ، أي: بابه لجهة الشمال، فنَبَّه أهلَ المعاني على
الفائدة الأولى المُنبِئة عن لطف الله بهم، حيث جعلهم في مَقْنُوَةٍ تزاور عنهم الشمسُ فلا
تؤذيهم(١)، فقال: لمَن اقتصر من أهل التأويل على هذا: فما في ذكر الكلب وبسط ذراعيه
من الفائدة، وما فيه من معنى اللطف بهم؟ فالجواب: ما قدّمناه من أن الله سبحانه لم يترك
من بيان حالهم شيئًا، حتى ذكر حال كلبهم مع أن تأملهم متعذّر على مَن اطّلع عليهم من
أجل الرعب، فكيف مَن لم يرهم، ولا سمع بهم، لولا الوحي الذي جاءه من الله سبحانه
بالبيان الواضح الشافي، والبرهان الكافي، والرعب الذي كان يلحق المُطَّلِعَ عليهم، قيل:
كان مما طالت شعورهم وأظفارهم(٢). ومن الآيات في هذه القصة قوله سبحانه: ﴿في فَجْوَةٍ
٤٠
(١) وقيل: حتى لا تتغير أجسامهم وملابسهم فيصبيها العفن.
(٢) لو صحّ هذا وغيره من الكلام الذي طفحت به بعض كتب التفسير من وصف شكلهم وهيآتهم ما
تعجبوا عند استيقاظهم من نومهم إذا شاهد بعضهم بعضًا وقد تغير حاله، بل بقي شكلهم وسمتهم =
٦٠