النص المفهرس

صفحات 21-40

ومَوْطىءِ إبراهيمَ في الصَّخرِ رَطْبةً
على قَدميهِ حافيًا غيرَ ناعلٍ
قطّ في الكلام، فيكون هذا نظيره، وعن جهة القياس إذ كانوا لا يجمعون الجمع الذي ليس
لأدنى العدد، فأخرَى ألا يجمعوا جمع الجمع، وأبين خطأ في هذا القول غفلتُهم عن الهمزة
التي هي فاء الفعل التي في أصيل وأصُل، وكذلك هي فاء الفعل في أصائل، لأنها فعائل،
وتوهموها زائدة كالتي في أقاويل، ولو كانت كذلك كانت الصاد فاء الفعل، وإنما هي عينه،
كما هي في أصيل وأصل، فلو كانت أصائل جمع آصال، مثل أقوال وأقاويل لاجتمعت
همزة الجمع مع همزة الأصل ولقالوا فيه: أواصيل بتسهيل الهمزة الثانية، ووجه آخر من
الخطأ بيِّنَ أيضًا، وهو أن أفاعيل جمع أفعال، لا بُدَّ من ياءٍ قبل آخره، كما قالوا في أقاويل،
فكان يكون أواصيل، وليس في أصائل حرف مَدِّ ولينٍ قبل آخره إنما هي همزة فعائِل، ومن
الخطأ في قولهم أيضًا: أن جعلوا أُصُلاً جمعًا كثيرًاً مثل رُغُف، ثم زعموا أن آصالاً جمعٌ
له، فهم بمنزلة مَن قال في رُغُفِ جمع أرغاف، فإن قيل: فجمع أي شيء هي آصال؟ قلنا:
جمع أصُل الذي هو اسم مُفْرد في معنى الأصائل لا جمع أَصُل الذي هو جمع، فإن قيل :
فهل يقال أُصُلٌ واحد، كما يقال أصيلٌ واحد؟ قلنا: قد قال بعضُ أرباب اللغة ذلك،
واستشهدوا بقول الأعشى:
ولا بأحسَنَ منها إذْ دَنَا الأُصُلُ
يومًا بأطيبَ منها نَشْرَ رائحةٍ
أي: دنا الأصيل، فإن صحّ أن الأصلُ بمعنى الأصيل، وإلا فاصال جمع أصيل على
حذف الياء الزائدة مثل طَوِيٍّ (١) وأطْواء، ولا أعرف أحدًا قال هذا القول، أعني: جَمْعَ جَمْعٍ
الْجَمْعِ غير الزَّجَّاجِيّ وابن عزيز.
وقوله:
وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة
يعني موضع قدميه حين غسلت كَثَّتُه(٢) رأسَه، وهو راكب، فاعتمد بقدمه على الصخرة
حين أمال رأسَه ليُغسلَ، وكانت سارة قد أخذت عليه عهدًا حين استأذنها في أن يطالع
تَرِكَتَه(٣) بمكة، فحلف لها أنه لا ينزل عن دابته، ولا يزيد على السلام، واستطلاع الحال
غَيْرَةً من سارة عليه من هاجر، فحين اعتمد على الصخرة أبقى الله فيها أثر قدمه آيةً. قال الله
سبحانه: ﴿فيه آيَاتٌ بَيِّناتٌ مَقَامُ إبراهيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] أي: منها مقام إبراهيم، ومَن
(١) طوي: بئر.
(٢) كَثْتُه: أي امرأة ابنه إسماعيل عليها الصلاة والسلام، وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة وأزكى السلام.
(٣) أي من تركتهما بمكة وهما: إسماعيل وأمه هاجر عليها السلام.
٢١

وأشْواطٍ بين المَزْوتين إلى الصَّفا
ومَنْ حَجّ بيتَ اللَّهِ مِنْ كل راكب
وبالمَشْعَرِ الأَقْصَى إذا عَمَّدوا له
وَتَوْقَافِهِم فَوْقَ الجِبالِ عَشِيَّةً
وليلةٍ جَمْعٍ والمنازل مِن مِنى
وَجَمْع إذَا ما المُقْرَباتِ أَجَزْفَه
وما فيهما من صُورة وَتَّمَائِلٍ
ومِنْ كل ذي نَذْر ومنْ كل راجل
إِلآلٍ إلى مُفْضَى الشِّراجِ القَوابل
يُقيمون بالأيدي صُدورَ الرّواحل
وهَلْ فوقها من حُزمة ومَنازل
سِراعًا كما يَخْرُجْنَ من وَقْع وابِل
جعل مَقامًا بدلاً من آياتٍ، قال: الْمَقامُ جمع مقامة، وقيل: بل هو أثر قدمه حين رفع
القواعد من البيت وهو قائم عليه.
وقوله: بين الْمَرْوَتَيْنِ: هو كنحو ما تقدم في بطن المكْتين والْحَمَّتَيْن وعُنَيْزَتَيْن، مما
ورد مُثَنَّى من أسماء المواضع، وهو واحد في الحقيقة، وذكرنا العلة في مجيئه مثنى
ومجموعًا في الشعر. وفيها قوله:
وبالْمَشْعَرِ الأَقْصَى إذا قَصَدُوا له ألاَلا
البيت. فالمشعر الأقصى: عَرَفةُ، وألالا: جبل عَرَفة. قال النابغة:
يَزُزْنَ أَلاَلاَ سَيْرُهُنَّ الثَّدَافُعُ
وسُمّي: أَلالاً لأن الحجيج إذا رأوه أَلُّوا في السير أي: اجتهدوا فيه؛ ليدركوا الموقف
قال الراجز:
بارك فيكَ الله من ذي ألِ (١)
مُهْرَ أَبِي الْحَبْحَابِ لا تَشَلِّي
والشّراج: جمع شَرْج، وهو مسيل الماءِ، والقوابلُ: المتقابلة. وفيها قوله: وحَطْمِهُمُ
سُمْرَ الصَّفَاحِ: جمع صَفْح، وهو سَطْح الجبل، والسُّمْر يجوز أن يكون أراد به السَّمُرَ، يقال
فيه: سَمُر وَسَمْر بسكون الميم، ويجوز نقل ضمة الميم إلى ما قبلها إلى السين، كما قالوا
في حَسُنَ: حُسْنَ، وكذا وقع في الأصل بضم السين، غير أن هذا النَّقل إنما يقع غالبًا فيما
يُراد به المدح أو الذمّ نحو حَسُن وقبُح، كما قال: وحُسْنَ ذا أدبا. أي حَسُن ذا أدَبًا، وجائز
أن يراد بالسُّمْر هُهنا جمع: أسَمْرَ وسَمْراء ويكون وصفًا للنبات، والشجر كما يوصف
بالدُّهْمَة إذا كان مُخْضَرًّا، وفي التنزيل: ﴿مُذْهَامَّتَان﴾ [الرحمن: ٦٤] أي: خضراوان إلى
السواد .
(١) انظر إصلاح المنطق لابن السكّيت (ص ٢٣).
٢٢

وبالجمْرة الكُبْرَى إذا صَمَدوا(١) لها
وكِنْدَةَ إِذْ هُم بالْحِصاب عَشِيَّةٌ
حَلِيفان شَدَّا عَقْدَ ما اخْتَلفا له
وَحَطْمِهِمُ سمَزْ الرِّمَاحِ وَشَرْحَهُ
فهَل بعْد هذا من مَعاذٍ لعائذٍ
يُطاع بنا أمْرُ العِدَا وَدّ أنَّنا
كذَبْتُمْ وبيتِ اللَّه نَشْرك مكّةً
كذبتم - وبيتِ الله - نُبْزَى محمدًا
ونُسْلِمُه حتى نُصرَّع حولَه
ويَنْهَضَ قومٌ فِي الحديد إليكُمُ
وحتی تری ذا الضُغْن یرکب رَڈعه
يَؤُمُّون قَذْفًا رأسَها بالجَنادِل
تُجِيز بهم حُجَّاجُ بَكْر بن وائل
ورَدًّا عليه عاطفات الوَسائِل
وشِبْرِقَهُ وَخْدَ النَّعَامِ الحوامل
وهل مِنْ مُعيذ يثَّقي اللَّهَ عاذل
تُسَدُّ بنا أبوابُ تُرك وكابُل
ونظْعَن إلا أمْرُكم في بَلابِلِ
ولمَّا نُطاعِن دونَه ونُنَاضل
ونَذْهل عن أبْنائِنا والحَلائل
نُهوضَ الرَّوايا تحت ذات الصَّلاصل
من الطَّعْنِ فِعْلِ الأَنْكَبِ(٢) الْمُتَحامل
وقوله: وشِبْرِقَه. وهو نبات يقال ليابسه: الْحَلِيّ، والرطبة: الشّبْرِق.
وقوله: نبذي محمدًا أي نسلبه ونُغلب عليه.
وقوله: نُهوضَ الرَّوايا. هي الإبل تحمل الماءَ واحدتها: راوية، والأسْقِيَةُ أيضًا يقال
لها: روایا، وأصل هذا الجمع: رَوَاوِي ثم يصير في القياس: روائي مثل حوائل جمع:
حول، ولكنهم قلبوا الكسرة فتحة بعدما قدّموا الياء قبلها، وصار وزنه: فوالع، وإنما قلبوه
كراهية اجتماع واوين، واو فواعل، الواو التي هي عين الفعل، ووجه آخر، وهو أن الواو
الثانية قياسها أن تنقلب همزة في الجمع لوقوع الألف بين واوين، فلما انقلبت همزة قلبوها
ياء، كما فعلوا في خطايا وبابه، مما الهمزة فيه معترضة في الجمع، والصَّلاصل. المزادات
لها صَلْصَلة بالماء(٣).
(١) صمدوا لها: أي توجهوا لها. و((الصمد)) اسم من أسماء الله تعالى كما ورد في القرآن في قوله
تعالى: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد﴾. والصمد: قيل هو الذي لا جوف له، وقيل: أي السيد،
وقيل: الذي توجه إليه في قضاء الحوائج، وقيل الصمد: هو الذي ((لم يلد ولم يولد ولم يكن له
كفوًا أحد)). ويطلب الاسم غير معرّف على الله وعلى خلقه، ولا يطلق معرفًا إلا على الله تعالى،
ولذا جاء في التنزيل بالتعريف، بخلاف اسمه تعالى الأحد. وانظر للمحقق ((القول الأسنى في تفسير
الأسماء الحسنى)).
(٢) الأنكب من الإبل: كأنما يمشي في شِقِّ.
(٣) وقيل الصلصلة: بقية الماء.
=
٢٣

وإنّا - لَعَمْرُ الله - إنْ جَدَّ ما أرى
بكَفَّيْ فَتّى مثلِ الشّهابِ سَمَيْدَع
شُهورًا وأيَّامًا وحَوْلاً مُجَرَّما
وما تَزْكُ قومٍ - لا أبا لك - سيِّدًا
وأبيضَ يُسْتسقى الغَمامُ بوجْهِه
يلُوذ به الهُلأَّكُ من آل هاشم
لَعَمْري لقد أجْرى أسِيدٌ وبِكْرُه
وعثمانُ لم يَرْبَع علينا وقُنْفُذٌ
أطاعا أُبَيًّا، وابنَ عَبْدِ يَغُوثِهِم
كما قد لَقِينا مِنْ سُبَيْعِ ونَوفَل
فإن يُلْفَيا، أو يُمْكنِ الله منهما
وذاك أبو عَمْرو أبى غيرَ بُغْضنا
يُناجِي بنا في كلّ مُمْسِى ومُصْبَح
ويُؤْلِي لنا بالله ما إنْ يَغُشُّنا
لَتَلْتَبِسَنْ أسْيافُنا بالأماثل
أخِي ثقةٍ حامي الحقيقة باسل
علينا وتأتي حِجَّةٌ بعدَ قابل
يَحُوطِ الذّمار غير ذَرْبٍ مُواكِل
ثُمَالَ اليتامى عِصْمةً للأرامل
فهُمْ عنده في رَحْمة وفَواضِل
إلى بُغْضنا وجَزّآنا لآكل
ولكن أطاعا أمْرَ تلك القبائل
ولم يَرْقُبا فينا مقالةً قائل
وكُلِّ تَوَلى مُعْرِضًا لم يُجَامِل
نَكِلْ لهما صاعًا بِصَاعِ المُكايل
ليُظْعِننا في أهل شاءٍ وجامل
فناجِ أبا عَمْرٍ بنا ثم خاتل
بَلى قد تراهُ جَهْرَةً غير حائل
وفيها قوله: غير ذَرْبٍ مواكل. وهو مخفف من ذَرِب والذّرِبُ: اللسان الفاحش
المنطق، والمواكل الذي لا جدّ عنده فهو يَكِل أموره إلى غيره.
وفيها قوله: ثِمالَ اليتامى، أي: يَثْمُلُهُم، ويقوم بهم، يقال: هو ثِمال مالٍ أي يقوم به.
وفيها قوله:
لِيُظْعِنَنَا في أهل شاء وجامل
الشَّاء والشّرِيُّ: اسم للجمع مثل الباقر والبقير، ولا واحد لشاء، والشّرِيُّ من لفظه،
وإذا قالوا في الواحد: شاة، فليس من هذا؛ لأن لام الفعل في شاة هاء بدليل قولهم في
التصغير: شُوَيْهة، وفي الجمع شياه، والجامل اسم جمع بمنزلة الباقر.
وقوله: وكنتم زمانًا حَطْبَ قِدرٍ: حَطْب اسم للجمع مثل رَكْب، وليس بجمع، لأنك
تقول في تصغيره: حُطيْب ورُكّيب.
وقوله: حِطابُ أقدُرٍ: هو جمع حَاطب فلا يُصغّر، إلا أن ترده إلى الواحد، فتقول:
حُوَيْطبون، ومعنى البيت: أي: كنتم متفقين لا تَخْطِبون إلا لقِدْرٍ واحدةٍ، فأنتم الآن بخلاف ذلك.
٢٤

أضاق عليه بُغْضُنا كلَّ تَلْعة
وسائِلْ أبا الوليد ماذا حَبَوْتَنا
وكُنْتَ امْرءًا مِمَّنْ يُعاش برَأْيه
فعُثْبةُ لا تَسْمع بنا قولَ كاشِحٍ
وَمَرَّ أبو سُفْيانَ عَنْيَ مُعْرِضًا
يَفِرُّ إلى نَجْدٍ وَبَزْدٍ مِياهِهِ
ويُخبرنا فعلَ المُناصِحِ أنَّهُ
أمُطْعِمُ لم أخْذُلْك في يومٍ بَحدَةٍ
ولا يوم خَصْم إذا أتَوْك ألِدَّة
أُمُطْعِمُ إِنَّ القَوْمَ ساموك خُطَّة
من الأرض بين أخْشُبٍ فَمَجَادِل
بسَغْيِكَ فِينا مُعْرِضًا كالمُخَاتِل
ورَخْمتِه فينا ولستَ بجاهِل
حَسودٍ كَذوب مُبْغض ذي دَغاوِل
كما مرَّ قَيْلٌ من عِظام المَقَاول
ويزعمُ أني لسْتُ عنكم بغافِل
شَفيقٌ، ويخفى عارمات الدَّوَاخل
ولا مُغْظِم عند الأُمور الجلائل
أُولِي جَدَلٍ من الخُصومِ الْمَسَاجِلِ
وإني متى أُوكّلْ فَلَسْتُ بوائِل
وفيها قوله:
من الأرض بين أخْشُبٍ فَمَجَادِل
أراد الأخاشب، وهي جبال مكة(١)، وجاء به على أخْشُب، لأنه في معنى أجْبُل، مع
أن الاسم قد يجمع على حذف الزوائد كما يصغّرونه كذلك، والْمَجَادِل: جمع مِجدل وهو:
القصر، كأنه يريد ما بين جبال مكة، فقصور الشام أو العراق، والفاء من قوله: فمجادل
تعطي الاتصال بخلاف الواو، كقوله بين الدَّخُول فَحَوْمَل، وتقول: مُطِرْنا بين مكَة فالمدينة
إذا اتصل المطر من هذا إلى هذه، ولو كانت الواو لم تعط هذا المعنى.
وقوله:
أُولِي جَدَلٍ من الْخُصُومِ الْمَسَاجِلِ
يُروى بالجيم وبالحاء فمَن رواه بالجيم فهو من الْمُسَاجَلة في القول، وأصله في استقاء
الماء بالسَّجل، وصبّه فكأنه جمع مَساجِل على تقدير حذف الألف الزائدة من مفاعل، أو
جمع مِسْجَل بكسر الميم، وهو من نعت الخصوم، ومَن رواه المساحِل بالحاء، فهو جمع
مِسْحل وهو اللسان، وليس بصفة للخصوم، إنما هو مخفوض بالإضافة، أي: خصماء
الألسنة، وقال ابن أحمر:
مَنْ خطيبٌ إذا ما انحلَّ مِسْحَله
أي: لسانهُ وهو أيضًا من السّخل وهو الصَّبُّ، ومنه حديث أيوب حين فرج عنه،
فجاءت سحابة فسَحَلَتْ في بَدَرِهِ ذهبًا، وجاءت أخرى فسَحَلت في البيدرِ(٢) الآخر فضة.
(١) أخاشب مكة: جبالها.
(٢) البيدر: الجرن.
٢٥

جَزَى اللَّهُ عنَّا عبدَ شمس ونَوْفلاً
بميزان قِسْط لا يُخِسُّ شَعيرةً
لقد سَفُهت أحلامُ قوْم تبدّلوا
ونحنُ الصَّميمُ من ذُؤابة هاشِم
وسَهْمٌ وَمَخْزُومِ تَمالَوْا وأَلْبُواً
عُقوبة شرّ عاجلاً غيرَ آجِل
له شاهدٌ من نفْسِه غير عائل
بني خَلَفٍ قَيْضًا بنا والغَياطل
وآلٍ قُصَيٍّ في الْخُطوب الأوَائل
علينا العِدَا من كلِّ ◌ِمْل وخامِل
فصل: وفيها :
لقد سَفُهَت أحلامُ قوم تبدلوا
بني خُلَفٍ قَيْضًا بنا والغَيَاطِل
قَيْضًا أي: معاوضة، ومنه قول النبي عليه السلام لذي الْجَوْشن(١): إن شئت قايَضْتُك
به المختارَ من دُروع بَذْرٍ، فقال: ما كنتُ لاقِيضَه اليوم اليوم بشيءٍ(٢) يعني: فَرَسًا له، يقال
له: ابن الْقَرحَاء. وقال أبو الشّيص:
ليس المُقِلَّ عن الزمان براضٍ
لا تنكري صَدِّي ولا إعراضي
خَلَقًا، وبئس مَثُوبة الْمُقْتَاضِ
بُدِّلت من بُزْدِ الشباب مُلاَءَةً
والغياطل: بنو سهم، لأن أُمهم الْغَيْطَلةُ، وقد تقدم نسبها، وقيل: إن بني سهم سُمُّوا
بالغياطل، لأن رجلاً منهم قتل جَانًّا طاف بالبيت سَبْعًا، ثم خرج من المسجد فقتله، فأظْلمت
مكةُ، حتى فزِعوا من شدة الظلمة التي أصابتهم، والْغَيْطَلَةُ: الظُّلْمة الشديدة، والْغَيْطَلَةُ أيضًا:
الشجرُ الملتف، والْغَيْطَلةُ: اختلاط الأصوات، والغيطلة: البقرة الوحشية، والغيطلة: غَلَبَة
النعاس، وقوله: يُخِسُّ شعيرةٌ، أي: ينقص، والْخَسيسُ: الناقص من كل شيء، ويُروَى في
غير السيرة: يَحُصُّ بالصاد والحاء مهملةً من حَصِّ الشّعر: إذا أذهبه.
وقولُه: من كل ◌ِمْلٍ وخاملٍ: الطّمْلُ: اللص، كذا وجدته في كتاب أبي بحر، وفي
العين: الطّمْلِ الرجل الفاحش، وَالطّمل والطّمْلاَلُ: الفقير، والطّمْلُ: الذئب(٣). وقوله:
لِقْحَةٌ غَير باهل: الباهل: الناقة التي لا صِرَارَ على أخْلاَفها، فهي مباحة الحَلْبِ يقال: ناقة
مَصْرورة، إذا كان على خَلْفِها صِرار يمنع الفصيل من أن يرضع، وليست الْمُصَرَّةُ من هذا
المعنى، إنما هي التي جُمع لَبنُها في ضَرْعِها، فهو من الماء الصَّرَى(٤)، وقد غلط أبو علي
(١) هو: أرس بن الأعور، وقيل شرحبيل. وهو أشهر.
(٢) أخرجه أبو داود في الجهاد (٢٧٣٩).
(٤) الصرى: أي الذي طال مكثه.
(٣) انظر اللسان (٤٠٨/١١).
٢٦

فِعَبْدَ مَناف أنتمُ خيرُ قَوْمكم
لَعَمْرِي لِقَد وَهَنْتُمُ وعَجَزْتُمُ
وكنتم حَديثًا حَطْبَ قِذْرٍ وأنتمُ
ليَهْنىء بني عَبْد مَناف عُقوقُنا
فإنْ نَكُ قوْمًا نَثَئِزْ ما صنعتُمُ
وسائطُ كانت في لؤَيِّ بن غالبٍ
ورهط نُفَيل شَرُّ مَن وطىء الحَصى
فأبلِغِ قُصَيًّا أن سيُنشر أمرُنا
ولو طرَقت ليلاً قصيًّا عظيمةٌ
ولو صَدَقوا ضَرْبًا خِلال بيوتهم
فكلُّ صديقٍ وابنٍ أُخت نَعُدَّه
سوى أنّ رَهطًا من كِلاب بن مُرَّة
فلا تُشْركوا في أمْركم كلَّ واغل
وجِئْتم بأمرٍ مُخْطِىء للمفاصل
أَلاَنَ حِطابُ أُقَدُرٍ ومَراجل
وخِذْلانُنا، وتركُنا في المعاقل
وَتَحْتَلِبُوها لِقْحة غيرَ باهِلِ
نَفاهم إلينا كلٌّ صَفْر حُلاحِل(١)
وألأَمُ حافٍ مِن مَعَدْ وناعِل
وبَشْرِ قُصَيًّا بعدَنا بالشَّخاذل
إذًا ما لجأنا دونهم في الْمَداخل
لكنَّا أُسَى عند النساء المَطافل(٢)
لَعَمْري - وَجَدنا غِبَّه غير طائل
بَرَاءُ إلَيْنا من مَعَقَّةٍ خاذِل
في البارع، فجعل الْمُصَرَّاة بمعنى الْمَصْرُورَةِ، وله وجه بعيد، وذلك أن يُختَجَّ له بقلبٍ
إحدى الراءين ياءً مثل: قَصَيْتُ أظفاري، غير أنه بعيد في المعنى، وقالت امرأةُ المغيرةِ
تعاتب زوجَها، وتذكر أنها جاءته كالناقة الباهِلةِ التي لا صِرار على أخلافِها: أطعمتُك مَأْدُومي
وَأَبْتَشْتُكَ مَكْتومي، وجِئْتُك باهلاً غيرَ ذاتِ صِرَارٍ، وفي الحديث: لا تورد الإبل بُهْلاً [أو
بُهَّلاً]، فإن الشياطينَ تَرْضَعُها (٣)، أي: لا أصِرَّةَ عليها.
وفيها قوله:
. بُرَاءٌ إلينا من مَعَقَّةٍ خاذل
يقال: قومٌ بُراءٌ [بالضَّمُّ] وبَراءُ بالفتح، وبِراء بالكسر، فأما بِراء بالكسرِ، فجمعُ بريءٍ،
مثل كريم وكِرام، وأما بَراء فمصدر، مثل سَلَام والهمزةُ فيه، وفي الذي قبله لام الفعلِ،
ويقالُ: رجلٌ بَراء ورجلان بَرَاء، وإذا كسرتها أو ضممتها لم يجز إلا في الجمع، وأما بُراء
بضم الباء، فالأصل فيه بُرآءُ مثل كُرَمَاء فاستثقلوا اجتماعَ الهمزتين، فحذفوا الأولى، وكان
وزنه فُعَلاَء، فلما حَذَفوا التي هي لام الفعل صار وزنه فُعَاء، وانصرف لأنه أشبه فُعالاً،
(١) حلاحل: موضع، والجيم أعلى اللسان (١١/ ١٧٤).
(٢) أي أصحاب الأطفال.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٣٠).
٢٧

وَهَنَّا لَهُم حتى تبَدَّد جمْعُهمُ
وكان لَنا حوض السِّقاية فيهم
شَباب من الْمُطَيِّبين وهاشِم
فما أدركوا ذَخْلاً ولا سَفَكوا دمًا
بضرب ترَى الفِتْيان فيه، كأنَهُم
بني أُمَةٍ مخبوبةٍ هِنْدِكيَّة
ولكننَّا نسلّ كِرامٌ لسادةٍ
ونعم ابنُ أُخت القوم غيرَ مُكذّب
أَشَمُّ مِنَ الشُّمّ البَهاليل يَنتمي
لعَمْري لقد كَلِفْتُ وجدًا بأحمد
فلا زال في الدُّنيا جمالاً لأهلها
فمَنْ مِثْلُه في النَّاس أيُّ مؤَمَّل
حليمٌ رشيد عادل غيرُ طائش
فوالله لولا أن أجيء بسُبَّة
لكنَّا اتبغناه على كلّ حالَة
لقد عَلِموا أنَّ ابنَنا لا مُكَذَّبٌ
فأصبح فينا أحمدٌ في أرُومَة
حَدِبْتُ بنفسي دونه وحَمَيْتُه
فأيَّدَه ربُّ العِباد بنَصْره
رجالٌ كِرامٌ غيرُ مِيلٍ نَمَّاهُم
وَيَخْسُرَ عنَّا كلُّ باغٍ وجاهل
ونحنُ الكُدَى من غالب والكواهل
كبِيض السُّيوفِ بين أيدي الصَّياقل(١)
ولا حالَفوا إلا شِرّ القَبائل
ضَوَارِي أُسُود فوق لَخمٍ خَرادِل
بني جُمح عُبَيدٍ قيسٍ بن عاقل
بهم نُعِيَ الأقوام عند البَواطل
زهيرٌ حُسامًا مُفْرَدًا مِنْ حَمائل
إلى حسب في خَوْمة المجد فاضل
وإخوته دَأبَ المحِبِّ المواصل
وزَيْنًا لمَن والاه ربّ المشاكل
إذا قاسه الحكّام عند التَّفاضل
يُوالي إلَهَا ليسَ عنه بغافِل
تُجَرُّ على أشْياخِنا في المحافل
من الدَّهر جِدًّا غير قول التَّهازل
لَدَيْنَا، ولا يُغْنَى بقَوْل الأباطل
تُقصِّر عنه سَوْرةُ الْمُتَطاول
ودافعتُ عنه بالذِّرا والكَلاكِل(٢)
وأظهر دينًا حقُّه غيرُ باطل
إلى الخَيْرِ آبَاءٌ كِرامُ المَحاصل
والنسب إليه إذا سمّيت به: بُراوى، والنسب إلى الآخرين بَرائِيّ وبِرَائي، وزعم بعضهم إلى
أن بُراء بضم أوله من الجمع الذي جاء على فُعال، وهي ثمانية ألفاظ: فَرير وفُرار وعَزْنَ
وعُزان، ولم يصنع شيئًا، وقال النحاس: بُراء بضم الباء.
(١) الصيقل: شَحَّاذُ السيوف وجَلاَّؤها. والجمع صياقل وصياقلة. اللسان (٣٨٠/١١).
(٢) الكلاكل: الكلكل والكلكال: الصدر من كل شيء، والكلكل من الفرس ما بين محزمه إلى ما مس
الأرض منه إذا ريض. اللسان (١١/ ٥٩٧).
٢٨

فلا بدَّ يومًا مَرَّة مِنْ تَزايُل
فإن تكُ كعبٌ من لؤيّ صُقَيْبةٌ
قال ابن هشام: هذا ما صحَّ لي من هذه القصيدة، وبعضُ أهل العلم بالشعر ينكر
أكثرها .
قال ابن هشام: وحدّثنِي مَنْ أثق به، قال: أقحط أهلُ المدينة، فأتَوْا رسولَ
الله - رَ﴿ - فَشَكَوْا ذلك إليه، فصَعَد رسولُ اللهِوَّرِ المنبرَ فاستسقى، فما لبث أنْ جاء من
المطر ما أتاه أهلُ الضواحي يشكون منه الغَرقَ، فقال رسولُ اللهِ وَِّ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنا ولا
علينا))، فانجاب السحابُ عن المدينة، فصار حوَاليْها كالإكليل؛ فقال رسولُ الله صلّى الله
عليه وآله وسلّم: ((لو أدرك أبو طالب هذا اليومَ لسرّه))، فقال له بعضُ أصْحابه: كأنك يا
رسولَ الله أردت قولَه:
ثِمَالَ اليتامى عِصْمةً للأَرامِل
وأبيضَ يُسْتسقى الغمامُ بوَجْهه
قال: أجل(١).
الاستسقاء :
فصل: وذكر حديث استسقاء رسول الله - ر19َّ - بالمدينة، وهو حديث مَرْوِي من طرق
كثيرة، وبألفاظ مختلفة .
وقوله: حتى أتاه أهلُ الضواحي يشكون الغَرق. الضواحي: جمع ضاحية، وهي
الأرض البرازُ التي ليس فيها ما يُكِنُّ من المطر، ولا مَنْجاة من السيول، وقيل: ضاحية كل
بلد: خارجه. وقوله عليه السلام: ((اللَّهمَّ حَوَالَيْنَا، ولا علينا»، كقوله في حديث آخر: «اللَّهمَّ
مَنَابِتَ الشجر، وبطون الأودية، وظهور الآكام))، فلم يقل: اللَّهمَّ ارفعه عنّا - هو من حُسْن
الأدبِ في الدعاء؛ لأنها رحمة الله، ونعمته المطلوبة منه، فكيف يُطلَب منه رفع نعمته،
وكشف رحمته، وإنما يُسْأَل سبحانه كشف البلاء، والمزيد من النعماء، ففيه تعليم كيفية
الاستسقاء. وقال: اللَّهمَّ مَنَابِتَ الشجر، ولم يقل: اضْرِفها إلى منابت الشجر؛ لأن الربّ
تعالى أعلم بوجه اللطف، وطريق المصلحة كان ذلك بمطرٍ أو بِندَى أو طَلِّ، أو كيف شاء،
وكذلك بطون الأودية، والقدر الذي يحتاج إليه من مائها.
فصل: فإن قيل: كيف قال أبو طالب:
وأبْيضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بوجهه
(١) (صحيح)). أخرجه البخاري (١٥/٢) ومسلم في الاستسقاء (٩/٨) والنسائي (١٦٠/٣) دون ((لو
أدرك أبو طالب هذا اليوم ... )).
٢٩

قال ابن هشام: وقوله ((وشِبْرِقَهُ)) عن غير ابن إسحق.
قال ابن إسحاق: والغياطل: من بني سهم بن عمرو بن هُصَيص، وأبو سفيان بنُ
حرب بن أُمَيَّة. ومُطْعِمُ بن عديّ بن نَوْفل بن عبد مناف. وزُهير بن أبي أُمَيَّة بن
المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم، وأُمه: عاتكة بنت عبد المطلب. قال ابن
إسحق: وأَسِيدٌ، وبِكْرهُ: عتَّابُ بن أسيد بن أبي العِيص بن أميَّة بن عبد شَمْس بن عَبد
مناف بن قصيّ. وعثمان بن عُبيد الله: أخو طلحة بن عُبيد الله الثَّيْميّ. وقُنْفذ بن
عمير بن جُذْعان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تَيْم بن مُرّة. وأبو الوليد عُثْبةُ بنُ ربيعة.
وأُبيِّ: الأخنس بن شَرِيق الثقفيّ، حليف بني زُهرة بن كلاب.
قال ابن هشام: وإنما سُمِّي الأخنس؛ لأنه خَنس بالقوم يوم بدر، وإنما اسمُه:
أُبيِّ، وهو من بني عِلاج، وهو عِلاج بن أبي سَلَمة بن عوف بن عُقْبَةَ. والأسود بنُ عَبد
يَغُوث بن وَهْب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. وسُبَيع بنُ خالد، أبو بَلْحارث بن
فِهْر. ونوفل بنُ خُوَيلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ، وهو ابن العَدَويَّة. وكان من
ولم يَرَهُ قطّ استسقى، وإنما كانت استسقاءاته عليه السلام بالمدينة في سفر وحَضَر،
وفيها شوهد ما كان من سرعة إجابة الله له.
فالجواب: أن أبا طالب قد شاهد من ذلك أيضًا في حياة عبد المطلب ما دلّه على
ما قال، روى أبو سَلْمَان حَمَد بن محمد بن إبراهيم [بن الخطاب الخطابي] البُسْتِي
النيسابوري(١)، أن رُقَيْقَةً بنت أبي صَيْفِيٍّ بن هاشم قالت: تتابعت على قريش سِنُو جَذْبٍ
قد أفْحَلَتْ الظِّلفَ، وأَرَقَّت العظم، فبينا أنا راقدة اللَّهمَّ، أو مُهَدَّمة، ومعي صِنوى إذ أُنَا
بهاتفٍ صَيِّتٍ يصرخ بصوتٍ صَحِلٍ يقول: يا معشر قريش إن هذا النبيَّ المبعوثَ منكم،
هذا إِبَّانُ نُجومِه، فَحَيِّ هَلاَ بالْحَيّاً والخصب، ألا فانظروا منكم رجلاً طُوَّالاً عُظَّامًا أبيضَ
فَظًّا، أَشَمَّ الْعِرْنين، له فخر يَكْظِمُ عليه(٢). ألاَ فَلْيَخْلُص هو وولدُه، ولْيُذْلِفْ إليه من كل
بَطْنِ رْجَلٌ، ألا فَلْيَشُنُّوا من الماءِ، ولْيَمَسُّوا من الطيب، وَليطوفوا بالبيت سَبْعًا، ألاَ وفيهم
الطيب الطاهر لذاته، ألا فليذُ الرجلُ، وليؤمِّن القومُ، ألا فَغِثْتُم أبدًا ما عشتم. قالت:
فأصبحتُ مذعورة قَد قَفَّ جلدي، ووَلِهِ عَقلي، فَاقْتَصَصْتُ رُؤْياي، فوالحُرمةِ وَالحَرَمِ إنْ
بقي أبْطَحِيٍّ إلاَّ قال: هذا شَيْبةُ الْحَمْدِ، وَتَتَامَّت عنده قريشٌ، وَانفض إليه الناس من كُلِّ
بَطْنٍ رجلٌ، فَشَنُوا وَمَسُوا وَاستلموا وَاطَّوَّفُوا، ثم ارْتَقَوا أبا قُبَيْسٍ، وطَفِقَ القوم يَدِغُون
(١) هو الإمام الخطابي صاحب شرح سنن أبي داود ((معالم السنن)) توفي سنة ٣٨٨هـ.
(٢) يكظم عليه: أي لا يظهره.
٣٠

شياطين قُرَيش، وهو الذي قَرَن بين أبي بكر الصدّيق وطَلْحة بن عُبَيْد الله رضي الله عنهما
في حَبْل حين أسْلما، فبذلك كانا يُسمَّيان: القَرينين، فقتله عليّ بن أبي طالب عليه
السلام يوم بَذْر. وأبو عمرو: قُرَظَة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف. ((وقوم علينا
أِنَّة)): بنو بكر بن عبد مَنَاة بنت كنانة، فهؤلاء الذين عَدَّد أبو طالب في شعره من
العرب .
ذكر الرسول ((أَلي))(١) ينتشر:
فلما انتشر أمرُ رسولِ الله - وَ﴿ - في العرب، وبَلَغ البُلْدَانَ، ذُكر بالمدينة، ولم
يكن حيٍّ من العرب أعلمَ بأمر رسولِ الله - وَّ﴿ ــ حين ذكر، وقبلَ أن يُذكر من هذا الحيّ
من الأوس والخَزْرَج، وذلك لِمَا كانوا يسمعون من أحبار اليهود، وكانوا لهم حلفاء،
ومعهم في بلادهم. فلما وقع ذِكْره بالمدينة، وتحدّثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف.
قال أبو قَيْس بن الأسْلت، أخو بني واقف.
حولَه، ما إن يدركَ سعيُهُمْ مُهَلةٌ، حتى قَرُّوا بذروة الجبل، وَاسْتَكَفَّوا جَنَابَيه، فقام
عبدُ المطلب، فاعْتَضَد ابنَ ابنه محمدًا - وَ لّره ــ فرفعه على عاتِقه، وَهو يومئذ غُلام قد
أَيْفَع، أو قد كَرَبَ، ثم قال: اللَّهمَّ سادَّ الْخَلَّة، وكاشفَ الكُزْبة أنت عالم غير مُعلَّم،
ومسؤول غيرُ مُبَخَّلٍ، وهذه عِبِذَاؤُكَ، وإماؤك بِعَذِراتٍ حَرَمِك يشكون إليك سَنَتَهم،
فاسْمَعَنَّ اللَّهمَّ، وأمطِّرِنَّ علينا غَيْئًا مَرِيعًا مُغْدِقًا، فما راموا والبيت، حتى انفجرت السماءُ
بمائها، وكَظَّ الوادي بثَجِيجِه(٢). رواه أبو سليمان عن ابن الأعرابي. قال: حدّثنا محمد بن
علي بن البُخْتُرِيّ، نا يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن
عبد الرحمن بن عوف، نا عبد العزيز بن عِمْران، عن ابن حُوَيِّصَةَ، قال يحدّث مَخْرَمة بن
نُفَيل عن أُمه رُقَيْقَة بنت أبي صَيْفيِّ.
وذكر الحديث، ورواه بإسناد آخر إلى رُقَيْقَة، وفيه: ألا فانظروا منكم رجلاً وَسيطًا
عُظَامًا جُسَامًا أوْطَف الأهداب، وأن عبد المطلب قام ومعه رسول الله ـ رََّ - قد أَيْفَعَ أو
کرَبَ، وذكر القصة.
(١) بالمطبوع ((ص)) بدلاً من وَله. وقد تقدم التنبيه على مثلها.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير وفيه زهير بن حصن قال الذهبي: لا يُعرف. قاله الهيثمي في المجمع
.(٢١٥/٢). وأخرجه البخاري في الاستسقاء (١٠٠٨) عن ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب:
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
٣١

أبو قيس بن الأسلت ونسبه وشعره في الرسول (قَلي))
قال ابن هشام: نَسَب ابنُ إسحق أبا قَيْس هذا ههنا إلى بني واقف، ونسبه في
حديث الفِيل إلى خَطْمة؛ لأن العرب قد تنسب الرجلَ إلى أخي جدّه الذي هو أشهر
منه .
قال ابن هشام: حدّثني أبو عُبيدة أنّ الحَكم بن عَمْرو الغِفاريّ من ولد نُعَيلة أخي
غِفار، وهو غِفار بن مُلَيل، ونُعَيْلة بنُ مُليل بن ضَمْرة بن بَكْر بن عبد مناة، وقد قالوا:
عُتْبة بنُ غَزْوان السُّلَميّ، وهو من ولد مازن بن منصور وسُليم بن منصور.
قال ابن هشام: فأبو قيس بن الأسلت: من بني وائلٍ، ووائلٌ، وواقف وَخَطْمَةُ
إخوة من الأوس.
قال ابن إسحاق: فقال أبو قَيْس بن الأسلت - وكان يحبّ قريشًا، وكان لهم
صِهِرًا، كانت عنده أرنب بنت أسد بن عبد العُزّى بن قُصيّ، وكان يُقيم عندهم السنينَ
بامرأته - قصيدةً يعظُم فيها الحُزمة، وينهي قُرَيشًا فيها عن الحَرب، ويأمرهم بالكفّ
بعضهم عن بعض، ويذكر فضلَهم وأحلامَهم، ويأمرهم بالكَفِّ عن رسولِ الله وَرَ،
ويذكرهم بلاءَ الله عندهم، ودَفْعَه عنهم الفِيل وكيدَه عنهم، فقال:
ابن الأسلت وقصيدته
فصل: وذكر ابنُ هشام كلّ مَن سمّاه أبو طالب في قصيدته، أو أشار إليه، وعرف بهم
تعريفًا مُسْتغنيًا عن الزيد. وذكر قصيدة أبي قيس صَيْفِي بن الأسْلَت، واسمُ الأسلتِ: عامرٌ،
والأسْلَتُ: هو الشديد الْفَطَس يقال: سَلَتَ اللَّهُ أنفَه، ومن السلت حديث بشر بن عاصم
حين أراد عمر أن يستعمله، فلما كتب له عهدَه أبي أن يقبله، وقال: لا حاجة لي به. إني
سمعت رسول الله - رَ﴿ - يقول: ((إن الوُلاةَ يُجَاء بهم يوم القيامة، فيقفون على جِسْرِ جَهَنَّم،
فمَن كان مُطاوِعًا لله تناوله بيمينه حتى ينجيه، ومَن كان عاصيًا لله انخرق به الجسر إلى وادٍ
من نارٍ تلتهب التهابًا))، قال: فأرسل عمرُ إلى أبي ذَرِّ، وإلى سَلْمانَ، فقال لأبي ذَرِّ: أنت
سمعت هذا من رسول الله - ر19َّ ـ قال: نعم والله، وبعد الوادي وادٍ آخر من نارٍ. قال:
وسأل سَلْمانَ، فكره أن يخبره بشيء، فقال عمر: مَن يأخذها بما فيها؟ فقال أبو ذر: مَن
سَلَتِ اللَّهُ أَنْفَه وعينيه، وأضْرَعَ خَدَّه إلى الأرض ذكره ابن أبي شيبة(١) .
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢١٧/١٢). وذكره الحافظ في المطالب (٢٠٤٧).
٣٢

يا راكبًا إِمَّا عَرَضَت فَبَلْغن
رسول امرىءٍ قد راعه ذاتُ بَيْنِكم
وقد كانَ عندي للهُموم مُعَرَّسٌ(١)
نُبَيْتُكُم شَرْجَيْن كل قبيلة
أُعيذكُمُ بالله مِنْ شرّ صُنْعكم
وإظهار أخلاقٍ، وَنَجْوَى سَقيمةٍ
فَذَكِّزْهُمُ بالله أوَّلَ وَهْلةٍ
وقُلْ لهُم والله يحكم حُكْمَه
متى تَبْعثوها، تبعثوها ذَميمةً
مُغَلغَلةَ عنّي لُؤَيَّ بن غالبٍ
على النأيِ مَخزونٍ بذلك ناصب
فلم أقْضٍ منها حاجتي ومآربي
لها أزْمَلٌ مِنْ بين مُذْكٍ وحاطب
وشَرِّ تَباغِيكم ودَسُ العَقارب
كَوَخْزِ الأشافي وَقعُها حقُّ صائب
وإحلال أحرام الظّباء الشَّوازب
ذَرُوا الحربَ تذهب عنكم في المَراحب
هي الغُول للأقْصَيْن أو للأقارب
وأول القصيدة :
يا راكبًا إِمَّا عَرَضت فَبَلْغَنْ
البيت. الْمُغَلْغَلَةُ: الداخلة إلى أقصى ما يراد بلوغه منها، ومنه تغلغل في البلاد: إذا
بالغ في الدخول فيها، وأصله: تَغَلَّلَ وَمُغَلَّلَة، وَلكن قلبوا إحدى اللامين غينًا، كما فعلوا في
كثير من المضاعَف، وَأصله من الْغَللِ وَالْغِلاَلَةِ، فأما الْغَلَلُ فماءٌ يستره النباتُ والشجرُ، وأما
الْغِلاَلَةُ فساترةٌ لما تحتها.
وفيها. نُبَيتُكم شَرْجَيْن. أي: فريقين مختلفين، وَنُبِئْتُكم لفظٌ مشكل وَفي حاشية
الشيخ: نبيتكم شَرْجَين، وَهو بيِّن في المعنى، وَفيه زِحاف خَرْم، وَلكن لا يعاب المعنى
بذلك، وَأما لفظ التَّبَيّت في هذا البيت، فبعيد من معناه، وَالأَزْمَلُ: الصوت، وَالْمُذْكي:
الذي يوقد النار، وَالحاطب: الذي يَخطِب لها، ضُرِب هذا مثلاً لنار الحرب، كما قال
الآخر :
وَيوشك أن يكونَ لها ضِرام
أرى خَلَلَ الرَّمادِ وَمِيضَ جَمْرٍ
وإن الحربَ أولُها الكلامُ(٢)
فإن النارَ بالْعُودين تُذْكَى
وقوله: وهي الغُول للأدنى، أي: هي الهلاك، يقال: الغضبُ: غول الحِلْم، أي
يهلكه، والْغَوْلُ بفتح الغين: وَجَعُ البطن، قاله البخاري في تفسير قوله: ﴿لا فيها غَوْلٌ﴾.
وقوله: وإحلالُ إحرامِ الظباء الشّوازِب(٣). أي: إن بلدَكم بلدٌ حَرَامٌ تأمن فيه الظباء الشوازِبُ
(١) المُعَرِّس: الذي يسير نهاره ويُعَرِّس أي ينزل أول الليل.
(٢) انظر مروج الذهب (٢٥٦/٣).
(٣) التي يحرم صيدها في الحرم.
الروض الأنف/ ج ٢/ م ٣ ٠
٣٣

تُقَطّع أزحامًا، وتُهْلِكُ أُمَّةً
وتَسْتبدلوا بالأَتْحَمِيَّة بعدها
وبالمِسْك والكافور غُبْرًا سَوابغا
فإِيَّاكُم والحربَ لا تَغْلَقَنَّكم
تَزَيَّنُ للأقوام، ثُمَّ يَرَوْنها
تُحَرِّق، لا تُشْوِي ضعيفًا، وتَنتَحي
ألم تعلموا ما كان في حرب دَاحسٍ
وتَبْرِي السَّديف(١) من سَنام وغارب
شَليلاً وأصداءَ ثيابَ الْمُحَارب
كأنّ قَتِيرَيْها عيونُ الجَنادب
وحَوْضًا وخِيم الماء مُرَّ المشارب
بعاقبةٍ إِذْ بَيَّنت، أُمَّ صاحب
ذوي العِزّ منكم بالْحُتُوف الصَّوائب
فتَعْتبروا أو كان في حَزْب حاطب
التي تأتيه من بُعْدٍ، لتأمنَ فيه، فهي شازِبة أي: ضامرة من بعد المسافة، وإذا لم تَحِلُوا
بالظباءِ فيه، فَأَخْرَى ألاّ تَحِلُوا بدمائكم، وإحرامُ الظباءِ: كونُها في الحرم، يقال لمَن دخل في
الشهر الحرام، أو في البلد الحرام: مُخْرِمٌ. والأتْحَمِيَّةُ: ثيابٌ رِقاقْ تصنع باليمن، والشليل:
دِرْعْ قصيرة، والأصْدَاء: جمع صَدَأ الحديد، والقَتِير: حَلَقُ الدِّرْعِ شبهها بعيون الْجَرَادِ،
وأخذ هذا المعنى التّنُوخِيُّ فقال:
فخاطتهَا بأعينها الجَرادُ
كأثوابِ الأراقمِ مَزَّقتها
وقوله في وصف الحرب:
تَزَيَّن للأقوام، ثم يَرَوْنَها
هو کقول عمرو بن معدي کرب:
بعاقبةٍ إِذْ بَيَّتت أُمَّ صاحب
تسعى بِبَزَّتهَا لكل جَهُول
الحربُ أولُ ما تكون فَتِيَّةٌ
ولَّت عجوزًا غيرَ ذاتٍ خليل
حتى إذا اشتعلت وشَبَّ ضِرامُها
مكروهةً للشَّمِ والتَّقْبيل
شَمْطَاءَ جَزَّتِ رَأْسَها، فتنكرت
فقوله: أُم صاحب، أي: عجوزًا كأُم صاحب لك، إذ لا يصحب الرجلَ إلا رجُلٌ في
سنّه، وفي جامع البخاري: كانوا إذا وقعت الحرب يأمرون بحفظ هذه الأبيات، يعني: أبيات
عمرو المتقدمة.
وقوله :
ألم تعلموا ما كان في حرب داحسٍ
(١) السديف: لحم السَّنام.
٣٤

وكم قد أصابتْ من شَريف مُسوَّد
عظيمٍ رَمادِ النَّارِ يُحمّد أمرُه
وماءٍ هُرِيق في الضَّلال كأنما
يخبّركُم عنها امرؤٌ حقُّ عالمٍ
فبِيعُوا الحِرابَ مِلْمُحَارب، واذكروا
وليّ امرىءٍ، فاختار دِینا، فلا یكُنْ
أقيمُوا لَنا دينًا حَنِيفًا فأنتمُ
وأنتم لهَذا النَّاسِ نور وعِضمةٌ
وأنتم - إذا ما حُصِّل الناسُ - جَوْهرٌ
تَصونون أجسادًا کِرامًا عَتيقةً
طويلِ العِماد، ضيفُه غيرُ خائب
وذي شِيمةٍ مَخضٍ كريم المَضارب
أذاعت به ريح الصَّبا والجَنائب
بأيّامها والعِلْمُ عِلْمُ التَّجارب
حِسابَكُمُ، وَاللَّهُ خيرُ مُحاسِب
عليكم رقيباً غيرَ رَبّ الثَّواقب
لنا غايَةٌ قد يُهتدى بالذّوائبِ
تُؤَمُّون، والأحلام غير عَوازب
لكم سُرَّةِ البَطْحاء شُمُّ الأرانب
مُهذَّبة الأنسَاب غيرَ أشائبٍ
يُذْكَر معنى داحسٍ إذا ذكره ابن إسحق بعد هذه القصيدة إن شاء الله تعالى.
وقوله فيها: وَلِيّ امرىءٍ فاختار دينًا فإنما. أي: هو وليّ امرىءٍ اختار دينًا،
والفاء زائدة على أصلٍ أبي الحسن، قال في قولهم: زيدًا فاضرِب: الفاءُ مُعَلَّقة أي:
زائدة، ومَن لا يقول بهذا القول يجعل الفاء عاطفة على فعل مضمر، كأنه قال: ولي
امرىء تَدَيَّن، فاختار دينًا، أو نحو هذا، وقد تقدّم شرح باقي القصيدة في آخر قصة
الحبشة .
وقال فيها: كريم المضارب، وفي حاشية كتاب الشيخ: لعله الضرائب، يريد: جمع
ضريبة، ولا يبعد أيضًا أن يكون قال: المضارب. يريد أن مضارب سيوفهِ غير مذمومة، ولا
راجعة عليه إلا بالثناء والحمد والوصف بالمكارم.
وفيها قوله: وماء هُريق في الضلال. ويُروى: في الصِّلال جمع صَلَّة، وهي الأرض
التي لا تمسك الماء، أي رُبَّ ماءٍ هُريق في الضلال من أجل السراب، لأنه لا يُهْرِيقُ ماءً من
أجل السَّرابِ إلا ضالّ غير مميز بمواضع الماء، وأذاعت به، أي: بدّدته، فلم ينتفع به،
وهذا مثل ضربه للنظر في عواقب الأمور، ويُروى: وما اهْرِيق في أمر، ومعناه: والذي
أُهْرِيق في أمر الضلال، فوصل ألف القطع ضرورة، ويقال: أُرِيق الماء، وأُهْرِيق بالجمع بين
الهمزة والهاء، وهي أقلّها، ولتعليلها موضع غير هذا.
٣٥

يرى طالبُ الحاجات نحو بيوتكم
لقد علم الأقوامُ أنّ سَراتكم
وأفضله رأيًا، وأعلاه سُنَّة
فقوموا، فصَلُوا رَبَّكُم، وتمَسَّحوا
فعندكم منه بلاؤٌ ومَضْدَق
كتيبتُه بالسَّهلِ تُمْسِي، ورَجْلُه
فلما أتاكم نَصرُ ذي العَرْش، ردَّهم
فولَّوْا سِرَاعًا هاربينَ، ولم يَؤُنْ
فإن تَهْلِكوا، نَهْلِكْ وتَهلِكْ مَواسم
عصائبَ هلكى تَهْتَدِي بعَصائب
على كلّ حال خيرُ أهلِ الْجَبَاجِب
وأقْوَلُه للحقّ وَسْط المواكب
بأركان هذا البيت بين الأخاشب
غَدَاةَ أبى يَكْسُومِ هادِي الكَتَائب
على القاذفات في رُؤوس المناقب
جُنودُ المليك بين سافٍ وحاصِب
إلى أهله مِ الْحُبْشِ غيرُ عَصائب
يُعاش بها، قولُ امرىءٍ غيرِ كاذب
قال ابن هشام: أنشدني بيتَه: ((وماءٍ هُرِيق))، وبيتَه: (فبيعوا الحراب))، وقوله: ((ولِيُّ
امرىءٍ فاختار))، وقوله :
على القاذفات في رؤوس المناقب
أبو زيد الأنصاريّ وغيره.
حرب داحس
قال ابن هشام: وأما قوله:
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس
وقوله فيها: بين سافٍ وحاصب: السافي: الذي يَزْمي بالتراب، والحاصب الذي يَقْذف
٠
بالحصباء .
وفيها ذكر الجَبَاجِب، وهي منازل مِنى. كذا قال ابن إسحق، وقال البَرْقِيُّ: هي حُفَر
بمِنى، يُجمع فيها دم الْبُدْن، والهدايا، والعرب تعظمها وتفخر بها، وقيل: الجباجب:
الكُروش. يقال للكَرِشِ: جَبْجَبة بفتح الجيم، والذي تقدّم واحدُه: جُبْجُبَة بالضم (١).
(٢)
حرب داحس
فصل: وذكر حديث حرب داحس مختصرًا، وداحس: اسم فرس كان لقيس بن أبي
(١) في الراصد: الجبجبة: ماء معروف بنواهي اليمامة.
(٢) انظر الكامل (٤٤٩/١) النقائض بين جرير والفرزدق لأبي عبيدة (٧٦/١).
٣٦

فحدّثني أبو عُبيدة النحويّ: أن داحسًا فَرَس كان لقَيْس بن زُهير بن جَذيمة بن
رَواحة بن ربيعة بن الحارث بن مازن بن قُطَيْعة بن عَبْس بن بَغيض بن رَيْث بن غَطَفان،
أجراه مع فرس لحُذيفة بن بَذْر بن عَمْرو بن زيد بن جُؤْية بن لَوْذان بن ثَعْلَبَةَ بن
عدي بن فزارة بن ذُبيان بن بَغيض بن رَيْث بن غَطَفان، يقال لها: الغَبْراء. فدسَّ حُذيفة
قومًا وأمرهم أن يضربوا وَجْه داحس، إن رأوه قد جاء سابقًا، فجاء داحس سابقًا،
فضَربوا وجهَه، وجاءت الغبراء. فلما جاء فارس داحس أخبر قيسًا الخبرَ، فوثب أخوه
مالك بن زُهَير، فلطم وجهَ الغبراء، فقام حَمَلُ بنُ بدر، فلطم مالكًا. ثم إن أبا الجُنَيْدِب
العَبْسيّ لقي عوفَ بن حُذيفة فقتله، ثم لقي رجلٌ من بني فَزارة مالكًا فقتله فقال حَمَلُ بن
بَذْر أخو حُذيفة بن بَذْر:
فإن تطلبوا منَّا سوى الحقّ تَنْدَموا
قَتَلْنا بعَوفٍ مالكًا وهو ثَأُرُنا
زهير، ومعنى داحس: مدحوس كما قيل: ماء دافق، أي: مدفوق، والدَّخسُ: إدخال اليد
بقوة في ضيق، كما رُوِيّ أن رسول الله - رَلير - مرّ بغلام يسلخ شاة، فأمره أن ينتحي ليُریه،
ثم دَحَس عليه السلام بيده بين الجِلْد واللحم، حتى بلغ الإبِطَ ثم صلّى، ولم يتوضأ(١).
فَدَاحِسٌ سُمِّي بهذا الاسم؛ لأن أُمه كانت لرجل من بني تَمِيمٍ، ثم من بني يَرْبُوعِ اسمه:
قِرْواش بن عَوْف، وكان اسم الفرس: جَلْوَى، وكان ذو العُقَّلَ فرسًا عتيقًا لِحَوْطِ بن جابر،
فخرجت به فتاتان له، لتسقيه، فبصر بجلْوَى، فأذْلَى حين رآها، فضَحِك غِلْمةٌ كانوا هنالك،
فاستحيت الفتاتان، ونكَّستا رأسيهما، فأفلت ذو العُقَّال حتى نَزَا على جَلْوى، وقيل ذلك
لِحَوْطِ فأقبل مغضبًا، وهو يسعى حتى ضرب بيده في التراب، ثم دَحَسها في رَحم الفرس،
فسطًا عليها، فأخرج ماءَ الفحل منها، واشتملت الرحمُ على بقية الماء، وحملت بمهر
فسَمَّوه: داحِسًا، وأظهرُ ما فيه أن يكون مِثْلَ: لابِنٍ وتامِرٍ، وأن لا يكون فاعلاً بمعنى
مفعول، فهو داحس بن ذي العُقَّال بن أعْوَج الذي تُنْسب إليه الخيل الأعْوَجِيَّة(٢) في قول
بعضهم، وقد تقدم غير هذا القول - ابن سَبَلٍ(٣)، وكان لغني بن يَعْصُر، وفيه يقال:
إنْ دَايمُوا جاد، وإن جادَ وَبَل
إن الجواد بن الجواد بن سَبَل
وفي ذي العُقَّال يقول جرير:
تمسي جيادُ الخيل حول بيوتنا
من آل أعوجَ، أو لذي العُقَّال
(١) ((حسن)). أخرجه أبو داود (١٨٥) بتحقيقي. وابن ماجة في الذبائح (٣١٧٩).
(٢) أعوج: فرس لبني هلال تنسب إليه الأعوجيات.
(٣) سبل: هي أم أعوج سالف الذكر.
٣٧

وهذا البيت في أبيات له. وقال الربيع بن زياد العَبْسي:
ترجو النّساءُ عواقبَ الأطهار
أُفَبَعْدَ مقْتل مالكِ بن زُهَير
وهذا البيت في قصيدة له.
فوقعت الحرب بين عَبْس وفَزارة، فقُتِلَ حُذيفة بن بدر وأخوه حَمَل بن بدر، فقال
قيس بن زُهَير بن جَذيمة يرئي حُذيفة، وجَزِع عليه :
وعلى الهَباءة فارسٌ ذو مَصْدَقٍ
كم فارسٍ يُذْعى وليس بفارسٍ
حتى تَبيد قبائلٌ لم تُخْلَق
فابكوا حُذيفة لن تُرِئَوا مثلَه
وهذان البيتان في أبيات له. وقال قيس بن زهير:
على أنّ الفتى حَملَ بنَ بَذْرٍ بَغَى، والظُلمُ مَرْتَعهُ وخيم
وهذا البيت في أبيات له: وقال الحارث بن زهير أخو قيس بن زهير:
تركتُ على الهَباءة غيرَ فخْرٍ
حُذَيفةَ عنده قِصَدُ العَوالي
وأنشد:
أَفَبِعْد مَقْتَلٍ مالكِ بن زُهَيْرٍ
ترجو النساءُ عواقبَ الأطهار
وفيه إقواء، وهو حذف نصف سبب من القسم الأول، وقد تكلمنا على معنى الإقواء
قبل، وأما اختلاف القوافي فيسمى: اكتفاء، وإقواء أيضًا لأنه من الكُفْء، فكأنه جعل الرفع
كفئًا للخفض، فسوّى بينهما، وفيها قوله:
ترجو النساءُ عواقبَ الأطهار. كقول الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم
دون النساء ولو باتت بأطهار
فيقال: إن حرب داحس دامت أربعين سنة، لم تحمل فيها أُنثى، لأنهم كانوا لا يقربون
النساء ما داموا محاربين، وذكر الأضبهَانِيُّ أن حرب داحِس كانت بعد يوم جَبَلة بأربعين
سنة، وقد تقدّم يوم جَبَلة، وأن رسول الله وَلاير ولد في تلك الأيام، وقال لبيد:
لو كان للنفسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ
وغَنِیتُ خَزْسًا قبل مجری داحسٍ
وكان لبيدٌ في حربٍ جَبَلَة ابنَ عَشْرِ سنين، وقوله: حَرْسًا أي: وقتًا من الدهر، وَيروى
سَبْتًا وَالمعنى وَاحد، وَكان إجراء داحس وَالغبراءِ على ذاتِ الإصادِ موضعٍ في بلاد فَزَارَةً،
٣٨

وهذا البيت في أبيات له.
قال ابن هشام: ويقال: أرسل قيسٌ داحسًا والغَبْراء، وأرسل حُذَيفةُ الخطَّارَ
والخَنْفاء، والأوّل أصحّ الحديثين. وهو حديث طويل مَنعني من استقصائه قَطْعُه حديثَ
سيرة رسول الله ◌َالقول.
حرب حاطب:
قال ابن هشام: وأما قوله: ((حرب حاطب)). فيَغْني حاطب بن الحارث بن قَيْس بن
هَيْشَة بن الحارث بن أُميَّة بن معاوية بن مالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مالك بن
الأوس، كان قتل يهوديًّا جارًا للخَزْرج، فخرج إليه يزيدُ بن الحارث بن قيس بن
مالك بن أحمرَ بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج - وهو
الذي يقال له: ابن فُسْحُم، وفُسْحم: أمَّه، وهي امرأة من القَيْن بن جَسْر - ليلاً في نفر
من بني الحارث بن الخزرج فقتلوه، فوقعت الحرب بين الأوس والخزرج فاقتتلوا قتالاً
شديدًا، فكان الظفر للخزرج على الأوس، وقُتل يومئذٍ سُوَيد بن صامت بن خالد بن
عطيّة بن حَوْط بن حَبيب بن عَمْرو بن عوف بن مالك بن الأوس، قَتله المُجذَّر بن ذَیَّادٍ
البلوي، واسمه عبد الله، حليف بني عَوْف بن الخزرج. فلما كان يوم أُحُد خرج
المجذّر بن ذَيَّاد مع رسول الله - بَّهـــ وخرج معه الحارث بن سُوَيد بن صامت، فوجد
الحارثُ بن سُوَيد غِرَّة من الْمُجَذَّر فقتله بأبيه. وسأذكر حديثَه في موضعه - إن شاء الله
تعالى - ثم كانت بينهم حروب منعني من ذكرها واستقصاء هذا الحديث ما ذكرت في
حدیث حرب داحس.
وَكان آخرُ أيام حرب داحس بقَلَهَى من أرضٍ قيس، وَهناك اصطلحت عبس وَمنُولةٍ: وَهي أُم
بني فَزَارة: شَمْخِ وَعَدِي وَمازن، فيقال لهذا الموضع: قَلَهَى، وَأما قَلَّهِي فموضع بالحجاز،
وَفيه اعتزل سعدُ بن أبي وقاص حين قُتل عثمان، وَأمر ألاَ يُحَدِّث بشيء من أخبار الناس،
وَألا يسمع منها شيئًا، حتى يصطلحوا، وَيقال: إن الْحَنْفَاءَ كانت فرسَ حُذَيْفَةَ، وَأنها أُجريت
مع الغبراء ذلك اليوم، قال الشاعر:
أتته الرَّزايا من وُجوه الفوائد
إذا كان غيرُ الله للمرء عُدَّةً
وَكان يراها عُدَّةً للشدائدِ
فقد جَرَّتِ الْحَنْفَاءُ حَتْفَ حُذَيْفَةٍ
وَأما حرب حاطب الذي ذكرها، فهي حربٌ كانت على يد حاطب بن الحارث بن
قَيْس بن هَيْشَة بن الأوسِ، فتُسبَت إليه، وَكانت بين الأوس وَالْخَزْرِج.
٣٩

حكيم بن أمية ينهي قومه عن عداوة الرسول:
قال ابن إسحاق: وقال حكيم بن أُميَّة بن حارثة بن الأوْقص السُّلميّ، حليف بني
أُمَيَّة وقد أسلم، يورّع قومَه عَمَّا أجمعوا عليه من عداوة رسول الله بَّل، وكان فيهم شريفًا
مُطاعًا:
عليه، وهل غضبانُ للرُّشْد سامعُ
هل قائلٌ قولاً من الحقّ قاعدٌ
لأقصَى الموالي والأقارب جامعُ
وهل سَيِّدٌ تَرجو العشيرةُ نَفْعَه
وأهْجُركم ما دام مُذْلٍ ونازع
تبرأتُ إلا وجهَ مَنْ يملك الصَّبا
ولو راعني مِنَ الصَّديق روائع
وأُسْلِم وَجْهِي للإلله ومنْطِقِي
ذكرى ما لقيه رسول الله وَالقر من قومه
مفتريات قريش وإيذاؤهم للرسول أمثلته:
قال ابن إسحاق: ثم إن قريشًا اشتدّ أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول
الله وََّ، ومَنْ أسْلم معه منهم، فأغْرَوْا برسول الله بَّهِ: سفهاءهم، فكذّبوه، وآذَوْه،
ورموه بالشِّعر والسِّحر والكهانة والجنُون، ورسولُ اللهِ وَِّ مُظْهِرٌ لأمر الله لا يُسْتخفی به،
مُبادٍ لهم بما يكرهون من عَيْب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إيَّهم على كفرهم.
ما لقي رسول الله (َّد) من قومه
فصل: فيما لقي رسول الله وَل﴿ من قومه، ذكر ابن إسحق والواقدي والتَّيْمِي، وابن
عُقْبَةً وغيرهم في هذا الباب أمورًا كثيرةً تتقارب ألفاظها ومعانيها، وبعضهم يزيد على بعض،
فمنها حَثْوُ سفهائهم الترابَ على رأسه، ومنها أنهم كانوا يَنْضِدُون. الْفَرْثَ والأفْحَاث(١)
والدمَاء على بابه، ويطرحون رحم الشاة في بُرْمَتِهِ، ومنها: بَصْقُ أَميَّة بن خلف في وجهه،
ومنها: وطء عقبة بن أبي مُعَيْط على رقبته، وهو ساجد عند الكعبة حتى كادت عيناه تبرزان،
حين اجتمعوا له عند الحجر، وقد ذكره ابن إسحق، وزاد غيره الخبر
ومنها أخذهم بمُخْتَقِه
أنهم خنقوه خنقًا شديدًا وقام أبو بكر دونه فَجَبَذُوا رأسه ولحيته حتى سقط أكثرُ شعره، وأما
السَّبُّ والْهَجْو والتلقيب وتعذيب أصحابه وأحبائه، وهو ينظر، فقد ذكر من ذلك ابن إسحق
ما في الكتاب، وقد قال أبو جهل لسُمَيَّة أُمُّ عَمَّار بن ياسر: ما آمنتِ بمحمد إلا لأنك عَشِقْتِه
لجمالِهِ، ثم طعنها بالحِربة في قُبُلها حتى قتلها، والأخبار في هذا المعنى كثيرة.
(١) الأفحاث: جمع فحث: بعض ما في الكرش.
٤٠