النص المفهرس

صفحات 1-20

وَصِ الأنف
کے
3
في تَفْسِير السّيَرَةِ النَّبَوَيَّةِلِأَبَنْ هِشَامِ
للإمَامِ أَبَ الْقَاسِمِ عَبد الرحمن بن عَبدِ اللَّهِبِن أَحَدَ بن أبي الحَسَن
اخْتِعَ السَّهيلي
المتوفى سنة ٥٨١ هـ
وَمَعَهِ
السِّيَرَة النَّبَوَيَّة
للإِمَامِ أَبَ محمد عَبَد الملك بن هشام المَعَافِريّ
المتوفى سنة ٢١٣هـ
عَّقَ عليه وَوضع حواشيه
مجدى بن منصور بن سيد الشورى
تنبيه
وَضعَانص السِّيرَةِ النبوَّةَ لْنِ هِشَّامٍ في أعلى الصفحات
وَوَضعَنَا أَسَفَل منهَا نصّ الرَّوَضِ الأُنُفُ
وَفصَلَنَا بِيهَمَا بخطٍ
الجُزءُ الثاني
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

بِسْم ◌َلِهِالرّمنِ الرَّحِي
مبادأة رسول الله وعَظله قومه
قال ابن إسحاق: ثم دخل الناس في الإسلام أزسالاً من الرجال والنساء، حتى فشا
ذكر الإسلام بمكة، وتُحُدِّث به. ثم إن الله - عزّ وجلّ - أمر رسولَه - وَ ل * - أن يصدع بما
جاءه منه، وأن يباديَ الناسَ بأمره، وأن يدعوَ إليه، وكان بين ما أخفَى رسولُ الله - دَله -
أمرَه، واستتَر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاثُ سنين - فيما بلغني - من مَبْعثه،
ثم قال الله تعالى له: ﴿فاضْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وأغْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]. وقال
تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ إنّي أنا
النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾(١) [الشعراء: ٢١٥ - ٢١٧].
قال ابن هشام: فاصدع: افرُق بين الحقّ والباطل. قال أبو ذُؤَيب الهذليّ، واسمه:
خُويلد بن خالد، يصف أُتُنْ وَخْشِ وفَخْلَها:
يَسَرِّ يَفِيض على القِداح ويَصْدعُ
وكأنهُنَّ رِبابَةٌ، وكأنّه
مبادأة رسول الله وعَ ظله قومه
أصل الصلاة لغة:
ذكر في الحديث: أن أبا طالب حَدِبَ على رسول الله - وَ *و - وقام دونه: أصل
الْحَدَبِ: انحناء في الظهر، ثم استُعِير فيمن عطف على غيره، ورقّ له كما قال النابغة:
إنْ ظالمًا فيهم، وإنْ مظلوما
حَدِبَتْ عليّ بطونُ ضَبَّة كلها
٠
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (١٩٩/١) والوفا (٢٤٠) والمنتظم لابن الجوزي (٣٦٤/١).
٣

أي: يُفرّق على القِداح ويبيّن أنصباءها. وهذا البيت في قصيدة له. وقال رؤبة بن
العجَّاج:
تَصْدَعُ بالحقّ، وتنفِي مَن ظَلمْ
أنتَ الحَليمُ، والأميرُ الْمُنْتَقم
وهذان البيتان في أُرجوزة له.
صلاة الرسول وأصحابه في الشعاب:
قال ابن إسحاق: وكان أصحابُ رسول الله وَلَّ إذا صلَّوا، ذهبوا في الشّعاب،
فاسْتَخْفَوْا بصلاتهم من قومهم، فبينا سَعْد بن أبي وقّاص فِي نَفَرِ من أصحاب رسول
الله - رَجُ - في شِغْبٍ من شِعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفرٌ من المشركين - وهم يصلُون -
فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعدُ بن أبي وقّاصٍ يومئذ
رجلاً من المشركين بلَخي بعير، فشجَّه، فكان أوّلَ دم هُريق في الإسلام(١).
عداوة الشرك للرسول ومساومته لعمّه:
قال ابن إسحاق: فلما بادى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قَومه بالإسلام
وصدَع به كما أمره الله، لم يبعد منه قَوْمُه، ولم يردّوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر
آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خِلافَه وعداوته، إلا مَنْ عَصم
الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليل مُسْتخفُون، وحَدِب على رسول الله وَلِّ عمّه أبو
طالب، ومنعه وقام دونه، ومضى رسولُ الله - وَّمَ - على أمر الله، مُظْهرًا لأمره، لا يردّه
ومثل ذلك الصلاة، أصلها: انحناء وانعطاف من الصَّلَوَيْن وهما: عرقان في الظهر إلى
الفخذين، ثم قالوا: صَلَّى عليه، أي: انحنى عليه، ثم سمُّوا الرحمة حُنُوًّا وصلاة، إذا أرادوا
المبالغة فيها، فقولك: صلّى الله على محمد، هو أرقّ وأبلغ من قولك: رحم الله محمدًا في
الحنوّ والعطف. والصلاة أصلها في المحسوسات عُبِر بها عن هذا المعنى مبالغة وتأكيدًا كما
قال الشاعر :
فما زِلت في لِيني [له] وتعطّفي عليه، كما تحنو على الولد الأُمّ
ومنه قيل: صَلَّيت على الميت أي: دعوت له دعاء مَن يحنو عليه ويتعطّف عليه.
ولذلك لا تكون الصلاة بمعنى الدعاء على الإطلاق: لا تقول: صَلَّيتُ على العدو، أي:
دعوت عليه. إنما يقال: صَلَّيتُ عليه في معنى الْحُنُوِّ والرحمة والعطف؛ لأنها في الأصل
(١) أخرجه ابن الجوزي في الوفا (٢٦٣) وذكره ابن الجوزي في المنتظم (٣٦٧/١) ونسبه لابن برير.
٤

عنه شيء. فلما رأت قريش، أن رسول الله وَّهُ لا يُغْتبهم مِنْ شيء، أنكروه عليه، مِن
فراقهم وعَيْب آلهتهم، ورأوا أن عمَّه أبا طالب قد حَدِب عليه، وقام دونه، فلم يُسْلمه
لهم، مشى رجالٌ من أشراف قُريش إلى أبي طالب، عُتبةُ وشَيْبة ابنا ربيعة بن عبد
شَمْس بن عبد منافٍ بن قُصَيّ بن كِلاب بن مُرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب. وأبو
سفيان بن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شَمْس بن عبد مناف بن قُصَيّ بن كِلاب بن مُرّة بن
كَغْب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر.
قال ابن هشام: واسم أبي سفيان: صَخْر.
قال ابن إسحاق: وأبو البَخْتَرِيّ، واسمه: العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن
عبد العُزّى بن قُصَيّ بن كِلاب بن مُرّة بن كَعْب بن لؤَيّ.
انعطاف، ومن أجل ذلك عُدِّيت في اللفظ بعلَى، فتقول: صلّيت عليه، أي: حَنَوْتُ عليه،
ولا تقول في الدعاء إلا: دعوتُ له، فتُعَدِّي الفعل باللام، إلاَّ أن تريد الشرَّ والدعاءَ على
العدو، فهذا فرق ما بين الصلاة والدعاء، وأهلُ اللغة لم يفرقوا، ولكن قالوا: الصلاة بمعنى
الدعاء إطلاقًا، ولم يَفرقُوا بين حالٍ وحالٍ، ولا ذكروا التعدّي باللام، ولا بعلى، ولا بدّ من
تقييد العبارة، لما ذكرناه، وقد يكون الْحَدَبُ أيضًا مستعملاً في معنى المخالفة إذا قُرن
بالْقَعَسِ كقول الشاعر :
لينتزعوا ما خَلْفَ ظهرك فاخدَب
وإن حَدِبُوا، فأقعَس(١) وإن هم تقاعسوا
و کقول الآخر:
كمثل وَقْمِك(٣) جُهّالاً بِجُهَّال
ولن يُنَهْنِه (٢) قومًا أنت خائِفَهم
ووازن الشرَّ مِثْقَالاً بمثقال
فاقْعَسُ إذا حَدِبوا، واخدب إذا قَعِسوا
أنشده الجاحظ في كتاب الحیوان له.
أبو البختري:
فصل: وذكر مجيء النفر من قريش إلى أبي طالب في أمر النبي ◌َّر، وذكر أنسابهم،
(١) القعس: دخول الظهر وخروج الظهر. والقصيدة في كتاب الحيوان للجاحظ (١٧٤/٥) منسوبة لأبي
الأسود الدؤلي. والقاف والعين والسين أصل صحيح يدل على ثبات وقوة، والأقعسان: جبلان
طويلان، وليل أقعس: أي طويل ثابت. انظر مقاييس اللغة (١٠٩/٥).
(٢) نهنه: زجر.
(٣) وقم الرجل: أكرهه وأذله.
٥

-٠
قال ابن هشام: أبو البَخْتَرِيِّ: العاص بن هاشم.
قال ابن إسحاق: والأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيّ بن
كلاب بن مُرّة بن كَعْب بن لؤَيّ. وأبو جهل - واسمه عمرو، وكان يُكنى أبا الحَكَم -
ابن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَّر بن مخزوم بن يقَظّة بن مُرّة بن كَعْب بن لُؤَيّ.
والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزوم بن يَقَظة بن مرّة بن كعب بن لؤي،
ونُبيه ومُنبِّه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سَهْم بن عمرو بن هُصَيص بن
کعب بن لؤيّ. والعاص بن وائل.
قال ابن هشام: العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سهم بن عمرو بن
مُصَیص بن کعب بن لؤيّ.
قال ابن إسحاق: أو مَنْ مشى منهم. فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سبّ
آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلَّل آباءنا، فإمَّا أن تُكفَّه عنَّا، وإما أن تُخلِّي بيننا
وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنَكْفيكه، فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقًا،
وردهم ردًّا جميلاً، فانصرفوا عنه.
ومضى رسولُ اللهِ وَّرَ على ما هو عليه، يُظهِر دينَ الله، ويدعو إليه، ثم شَرِيَ
الأمرُ بينه وبينهم حتى تباعد الرجالُ، وتضاغنوا، وأكثرت قُرَيشْ ذِكْرَ رسول الله - دَطه -
بينها، فتذامروا فيه، وحضَّ بعضُهم بعضًا عليه، ثم إنهم مَشَوْا إلى أبي طالب مرّة أخرى،
فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سِنَّا وشرفًا ومنزلةً فينا، وإنّا قد اسْتَنْهيناك من ابن أخيك
فلم تَنْهه عنَّا، وإنّا والله لا نَصْبر على هذا مِنْ شَتم آبائنا، وتَسْفيه أحلامنا، وعَنْب آلهتنا،
حتى تكفّه عنّا، أو نُنازله وإِيَّاك في ذلك، حتى يَهْلِك أحدُ الفريقين، أو كما قالوا له. ثم
انصرفوا عنه، فعظم على أبي طالب فراقُ قومه وعداوتهم، ولم يَطِبْ نفسًا بإسلام رسول
الله - رَ﴾ - لهم ولا خِذْلانه(١).
وذكر فيهم أبا الْبَخْتَرِيِّ بن هشام، قال: واسمُه: العاصي بن هشام، وقال ابن هشام: هو
العاصي بن هاشم، والذي قاله ابن إسحق هو قول ابن الكلبي، والذي قاله ابن هشام هو
قول الزبير بن أبي بكر وقول مُضْعَبٍ(٢) وهكذا وجدت في حاشية كتاب الشيخ أبي بحر:
سفيان بن العاصي.
(١) البيهقي في الدلائل (١٨٧/٢) وابن الجوزي المنتظم (٣٦٨/١) الكامل لابن الأثير (٥٨٥/١).
(٢) انظره في نسب قريش (٢٠٩).
٦

مناصرة أبي طالب للرسول
قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عُثْبة بن المُغيرة بن الأخنس أنه حُدِّث: أنَّ
قريشًا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله - * - فقال له: يا بن
أخي، إنّ قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبْقِ عليّ،
وعلى نفسك، ولا تُحَمِّلني من الأمر ما لا أُطيق: فظنّ رسول الله - وَلَّهِ - أنه قد بدًا لعمه
فيه أنه خاذِلُهُ ومُسْلمه، وأنه قد ضعُف عن نصرته والقيام معه. قال: رسول الله - دَلير -:
(يا عمّ، والله لو وضعوا الشمسَ في يَميني، والقمرَ فيَ يَساري على أن أترك هذا الأمر
لو وضعوا الشمس في يميني
فصل: وذكر قول النبي - 9هـ ((والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي
على أن أدعَ هذا الذي جئت به ما تركته))، أو كما قال(١). خَصَّ الشمسَ باليمين؛ لأنها الآية
الْمُبْصِرةُ، وخصّ القمر بالشمال لأنها الآية الْمَمْحُوَّة، وقد قال عمر - رحمه الله - لرجل،
قال له: إني رأيت في المنام كأن الشمس والقمر يقتتلان، ومع كل واحد منهما نُجُومٌ، فقال
عمر: مع أيّهما كنت؟ فقال: مع القمر، قال: كنت مع الآية الْمَمْحُوَّة، اذهب، فلا تعمل لي
عملاً، وكان عاملاً له، فعزَلَه، فقُتل الرجل في صِفِينَ مع معاوية، واسمه: حابس بن سعد،
وخصَّ رسول الله - وَلَّه ◌ِ النَّيِّرين(٢) حين ضَرب المثل بهما؛ لأن نورَهما محسوسٌ، والنورُ
الذي جاء به من عند الله - وهو الذي أرادوه على تركه - هو لا مَحَالَة أشرفُ من النور
المخلوقِ، قال الله سبحانه: ﴿يُريدون أنْ يُطْفِئوا نُورَ الله بأفواهِهِم ويأبى اللَّهُ إلاَّ أن يُتِمَّ
نورَه﴾ [التوبة: ٣٣]. فاقتضت بلاغة النبوة - لما أرادوه على ترك النور الأعلى - أن يقابله
بالنور الأدنى، وأن يخصّ أعلى النيّرين، وهي الآية المبصِرة بأشرف اليدين، وهي اليمنى
بلاغةٌ لا مثلها، وحكمة لا يَجهل اللبيبُ فضلها(٣) .
البداء :
وقول ابن إسحاق: ظنّ رسول الله - نَّهِ - أن قد بَدَا لعمّه بَداء، أي: ظهر له رأي،
(١) ((ضعيف)). أخرجه الطبري في تاريخه (٥٤٥/١) والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٨٧) وابن إسحاق في
المغازي (٢٨٤/١). وهو معضل.
(٢) النيرين: الشمس والقمر.
(٣) تقدم تخريج الحديث وبيان ضعفه وبين السهيلي على بعض الأحاديث الضعاف كلام كثير وإن كان
حسنًا وتأويل وتفسير مقبول، ولكنه يزداد حُسنًا إذا كان الحديث صحيح. فرحمه الله تعالى رحمة
واسعة وجزاه الله عنّا كل خير.
٧

حتى يُظهره الله، أو أهْلِكَ فيه، ما تركتُه)). قال: ثم اسْتَعْبَرَ رسول الله - ◌َّار - فبكى ثم
قام، فلما ولّى ناداه أبو طالب، فقال: أقْبِل يا ابن أخي، قال: فأقبل عليه رسول
الله - رَ * - فقال: اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببتَ، فوالله لا أُسْلِمك لشيء أبدًا.
قال ابن إسحاق: ثم إن قريشًا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول
الله - ◌َّد - وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشَوا إليه بعمارة بن
فسمّى الرأي بَداء، لأنه شيء يبدو بعد ما خفي، والمصدر البَذْء والبُدُوُّ والاسم: البَدَاء، ولا
يقال في المصدر: بَدا له بُدُوٌّ، كما لا يقال: ظهر له ظهورٌ بالرفع؛ لأن الذي يظهر، ويبدو
هاهنا هو الاسم: نحو الْبَدَاء وأنشد أبو علي:
لعلك والموعودُ حَقِّ وَفاؤُه
بدا لك في تلك الْقَلُوصِ(١) بَدَاء
ومن أجل أن البُدُو هو الظهور، كان البَداء في وصف الباري - سبحانه - مُحالاً؛ لأنه
لا يبدو له شيء كان غائبًا عنه، والنَّسْخُ للحكم ليس ببَدَاء كما توهمت الجَهَلَة من الرافضة
واليهود، إنما هو تبديل حكم بحكم بقدر قدَّره، وعلم عِلمه، وقد يجوز أن يقال: بَدًا له أن
يفعل كذا، ويكون معناه: أراد. وهذا من المجاز الذي لا سبيل إلى إطلاقه إلا بإذن من
صاحب الشرع، وقد صحّ في ذلك ما خرّجه البخاري في حديث الثلاثة: الأعمى والأفرع
والأبرص، وأنه عليه السلام قال: بدا لله أن يبتلِهم(٢)، فبدا هنا بمعنى: أراد، وذكرنا
الرَّافضة، لأن ابن أعين، ومَن اتبعه منهم، يُجيزون البَدَاء على الله تعالى، ويجعلونه والنسخَ
شيئًا واحدًا، واليهود لا تُجيز النسخ يحسبونه بَدَاءً، ومنهم مَن أجاز البَدَاء كالرافضة، ويُروَى
أن عليًا - رحمه الله - صلّى يومًا، ثم ضحك فَسُئِل عن ضَحِكه فقال: تذكرت أبا طالب حين
فرضت الصلاة، ورآني أُصلّي مع رسول الله - وَله- بنخلة فقال: ((ما هذا الفعل الذي أرى))؟
فلما أخبرناه، قال: ((هذا حسن، ولكنْ لا أفعله أبدًا، لا أُحبّ أنْ تعلُوني اسْتِي)) فتذكرت
الآن قوله، فضحكت(٣).
عرض قريش على أبي طالب:
فصل: وذكر قول الْمَلأ من قريش لأبي طالب: هذا عُمَارة بن الوليد أنْهَد فتّى في
قريش، وأجمله، فخذه مكان ابن أخيك. أنْهدُ. أي: أقوى وأجلد، ويقال: فرسٌ نَهْدٌ للذي
يتقدّم الخيل، وأصل هذه الكلمة: التقدم، ومنه يقال: نَهدَ ثديُ الجارية، أي: برز قُدُمَّد.
(١) القلوص من الإبل: الشابة.
(٢) ((صحيح)). أخرجه البخاري (١٣٧/٣).
(٣) أخرجه ابن الجوزي في المنتظم (٣٥٩/١).
٨

الوليد بن الْمُغِيرة، فقالوا له - فيما بلغني -: يا أبا طالب، هذا عُمَارَةُ بن الوليد، أَنْهَدُ
فَتى في قريش وأجملُه، فخذْه فلك عَقْله ونَصْرُه، واتخذه ولدًا فهو لك، وأسْلِمْ إلينا
ابنَ أخيك هذا، الذي قد خالف دينَك ودينَ آبائك، وفرّق جماعة قومك، وسفَّه
أحلامهم، فنقتله فإنما هو رجل برجل، فقال: والله لبئس ما تَسُومونني! أتُعطونني ابنَكم
أغذوه لكم، وأُعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبدًا. قال: فقال المُطْعِم بن
عَدِيّ بن نوفل بن عبد مناف بن قُصَيّ: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومُك، وجهدوا
على التخلّص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئًا، فقال أبو طالب للمُطعم:
والله ما أنْصفوني، ولكنَّك قد أجمعتَ خذلاني ومُظاهرة القوم عليّ، فاصنع ما بَدَا
لك، أو كما قال. قال: فحَقِبَ الأمر، وحَميت الحربُ، وتنابذ القومُ، وبادى بعضُهم
بعضًا.
فقال أبو طالب عند ذلك - يُعَرّض بالمُطْعِم بن عديّ - ويَعُمُّ مَن خذَله من بني عَبْد
مناف، ومَنْ عاداه من قبائل قُرَيش، ويذكر ما سألوه، وما تباعد من أمرهم:
وعمارة بن الوليد هذا المذكور هو: الذي أرسلته قريش مع عمرو بن العاص إلى أرض
الحبشة فسُحر هناك، وجُنّ، وسنزيد في خبره شيئًا بعد هذا إن شاء الله.
وذكّروا أن أبا طالب قال لهم حين سألوه أن يأخذ عُمارة بدلاً من محمد وَلّ: أرأيتم
ناقة تحنّ إلى غير فصيلها وتَرْأَمُه(١) لا أُعطيكم ابني تقتُلونه أبدًا، وآخذ ابنكم أكفله،
وأغذوه، ولهو معنى ما ذكر ابن إسحاق قال ابن إسحق فَحقِب الأمرُ عند ذلك، يريد: اشتد،
وهو من قولك: حِقب البعير إذا راغ عنه الحَقَب من شدة الجهد والنصب، وإذا عسر عليه
البول أيضًا لشدّ الْحَقَبِ (٢) على ذلك الموضع، فيقال منه: حَقِب البعير، ثم يستعمل في
الأمر إذا عَسِرَ، وكذلك قوله: فشَرِي الأمر عند ذلك، أي: انتشر الشرّ، ومنه الشّرَى، وهي
قُروح تنتشر على البدن(٣)، يقال منه: شَرِي جلدُ الرجل، يَشْرَى شَرَى(٤).
شعر أبي طالب:
فصل: وذكر شعر أبي طالب:
(١) ترأمه: تحبه وتحنو عليه.
(٢) الحقب: الحزام يلي حقو البعير.
(٣) كالبثور الصغار.
(٤) انظر مزيد إيضاح للقصة في تاريخ الطبري (٥٤٥/١) ط. دار الكتب العلمية. وكذا المنتظم لابن
الجوزي (٣٦٧/١).
٩

ألا قُلْ لعَمْرو والوليد ومُطْعِمٍ
من الْخُورِ حَبْحابٌ كثيرٌ رُغاؤه
تخَلَّف خَلْف الوِزد ليس بلاحق
أَرَى أَخَوَيْنا من أبِينا وأُمُنا
بَلى لهما أمْرٌ، وَلَكِنْ تَجَرِجُمَا
ألا ليتَ حظّي من حِیَاطَتِكم بَكْرُ
يُرَشّ على الساقين من بَوْله قَطْرُ
إذا ما عَلا الفَيْفَاءَ قيل له: وَبْر
إذا سُئلا قالا: إلى غيرنا الأمر
كما جَزْجمَتْ من رأس ذي عَلَقٍ صَخْر
ألا قُلْ لعمرو والوليد. إلى آخر الشعر.
وفيه :
ألا ليت حَظّي من چِیاطتكم بَكْر
أي: إن بكرًا من الإبل أنفع لي منكم، فليته لي بدلاً من حياطتكم كما قال طرفة في
عَمْرو بن هند:
فَلَيتِ لنا مكان الْمَلْكِ عَمْرو
رَغُوثًا(١) حولَ قُبَّتِنا تَخُور
وقوله: من الخُوُرِ حَبْحَابُ. الخُور: الضُّعَاف، والحَبْحَابُ بالحاء: الصغير. وفي
حاشية كتاب الشيخ أبي بحر: جَبْجَاب بالجيم، وفسّره فقال: هو الكثير الْهَذْر، وفي الشعر:
إذا ما علا الفيفَاء قيل له: وَبْرُ
أي يُشبَّه بالْوَبْر لصغره، ويحتمل أن يكون أراد: يَصْغُرَ في العين لعلو المكان وبعده،
والْفَيْفاء فَعْلاء، ولولا قولهم: الفيْف، لكان حمله على باب القَضْقَاضِ(٢) والجَرْجَارِ(٣)
أُوْلَى، ولكن سُمع الْفَيْفُ، فعلم أن الألفين زائدتان، وأنه من باب قَّلِقَ وسَلِسَ الذي
ضوعفت فيه فاء الفعل دون عَيْنه، وهي ألفاظ بسيرة نحو قَلَقِ وسَلسٍ وثُلُثٍ وسُدُسٍ، وقد
اعتنينا بجمعها من الكلام، ولعل لها موضعًا تذكر فيه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، ولا
تكون ألف فَيْفَاء للإلحاق فيصرف؛ لأنه ليس في الكلام: فغلال، فإن قيل: يكون ملحقًا
بقَضْقَاض وبابه، قلنا: قَضْقَاض ثنائي مضاعف، فلا يُلْحق به الثلاثي، كما لا يلحق الرَّباعي
بالثلاثي، ولا الأكبر بالأقل، وقد حكي فيفاة بالقصر وليست ألفها للتأنيث، إذ لا يجمع بين
علامتي تأنيث، فهي إذا من باب أرطاة ونحوها، كأنها ملحقَةٌ بسَلْهَبة(٤). وفي الشعر:
كما جَرْجَمَتْ من رأس ذِي عَلَق صَخْرُ
(١) الرغوث: هي كل مرضعة.
(٣) الجرجار: ضرب من النبات.
(٢) القضقاض: شجر من الحمض.
(٤) السلهبة: الجسيمة من النساء.
١٠

هُمَا نَبَذانا مِثْلَ ما يُنبَذُ الجمر
أُخْصّ خُصُوصًا عبد شمس ونَوْفلاً
فقد أصبحا منهم أكفُّهما صِفْر
هُمَا أغْمَزَا للقَوْمِ في أخوَيْهما
وكانوا لنا مولى إذا بُغِي النَّصْر
وتَيْمٌ وَمَخْزومٍ وزُهرة منهُمُ
لا منهم ما كان من نَسْلنا شَفْر
فوالله لا تنفكّ منَّا عَداوَةٌ
وَكانوا كَجَفْرٍ بئس ما صنعت جَفْر
فقَدْ سَفُهَتْ أحلامُهم وعُقولُهُمْ
قال ابن هشام: تركنا منها بيتين أقذع فيهما.
قال ابن إسحاق: ثم إن قريشًا تذامروا بينهم على مَنْ في القبائل منهم من أصحاب
رسول الله - رَ﴾ - الذين أسلموا معه، فوثبتْ كلُّ قبيلة على مَنْ فيهم من المسلمين
يعذّبونَهم، ويفْتِنُونهمْ عن دينهم، ومَنَع الله رسولَه - وَلَـــ منهم بعمه أبي طالب، وقد قام
أبو طالب، حين رأى قريشًا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب، فدعاهم
إلى ما هو عليه، مِنْ مَنْع رسول الله - وَطير - والقيام دونه، فاجتمعوا إليه، وقاموا معه،
وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب، عدوّ الله الملعون.
وترك صَرْف عَلَق، إما لأنَّه جعله اسم بقعة، وإما لأنه اسم علم، وتزك صرف الاسم
العلم سائغٌ في الشعر، وإن لم يكن مُؤنثًا ولا عَجَميًّا نحو قول عبَّاس بن مِزْداس:
يفوقان مِرْداسَ في المَجْمعِ
وما كان حِصْنٌ ولا حابسٌ
ونحو قول الآخر :
نسيتَ أهلاً وسَهْلاً
يا مَن جَفَاني ومَلأَ
رأيتَ مَاليَ قَلأَ
وماتَ مَرْحَبُ لما
فلم يصرف مَرْحَبًا، وسيأتي في هذا الكتاب شواهدُ كثيرة على هذا، ونشرح العِلَّة فيه
إن شاء الله تعالى(١)، ولو رُوِيَ: من رأس ذي عَلَق الصخر بحذف التنوين لالتقاء الساكنين،
لكان حَسَنًا، كما قُرىء: ﴿قل هو الله أحدُ الله الصَّمَدُ﴾ بحذف التنوين من أحد، وهي رواية
ابن أبي عمرو بن العلاء، وقال الشاعر:
حميد الذي أمج دارَه
(١) انظر ألفية الإمام مالك (٢٢٤/٣ - ٢٢٨).
١١

فلما رأى أبو طالب من قومه ما سرّه في جَهْدهم معه، وحَدَبهم عليه، جعل
يمدحهم ويذكر قديمَهم، ويذكر فضلَ رسول الله - وَّر - فيهم ومكانَه منهم، ليشُدّ لهم
رأيَهم، وليَحْدَبوا معه على أمره، فقال:
فِعَبْدُ مناف سِرُّها وصَميمُها
إذا اجتمعَتْ يومًا قُرَيشٌ لِمَفخْرٍ
فِفِي هاشم أشْرَافُها وقَديمُها
فإن حُصّلت أشرافُ عبْدِ مَنافها
عَلَينا فلم تَظْفَر وطاشتْ حلومُها
تَداعَتْ قُرَيش غَثُها وسَمِينُها
إذا ما ثَنَوْا صُعْر الْخُدود نُقيمها
وكُنَّا قَدِيمًا لا نُقِرُّ ظُلامَةً
ونَضْرِبُ عن أجحارها مَن يَرُومُها
ونحمي حِماها كلَّ يَوْمٍ كَرِيهة
بأكنافنا تندَيَ وتَنْمِي أَرُومُها
بنا انْتَعَش العود الذَّوَاءُ، وإنما
موقف الوليد بن المغيرة من القرآن(١)
ثم إن الوليد بن المُغيرة اجتمع إليه نفرٌ من قُرَيش - وكان ذا سنّ فيهم، وقد حضَر
وقال آخر :
ولا ذاكر الله إلا قليلا
وأنشد قول أبي طالب:
فعبْدُ مَناف سِرُّها وصَمِيمُهَا
إذا اجتمعت يومًا قُريش لِمَفْخَز
قوله: سرّها، أي: وَسَطُها، وسرّ الوادي وَسِرَارتهُ: وَسَطْه، وقد تقدّم متى يكون
الوسط مدحًا، وأن ذلك في موضعَين: في وصف الشهود، وفي النسب، وبيَّنَّا السرّ في
ذلك.
وقال في القصيدة: ونضرب عن أحجارها مَنْ يرُومها. أي ندفع عن حصونها
ومعاقلها، وإن كانت الرواية: أجحارها بتقديم الجيم، فهو جمع جُخر والْجُخر هنا مُستعار،
وإنما يريد عن بيوتها ومساكنها.
موقف الوليد من القرآن
وذكر خبر الوليد بن المغيرة وقوله: فيما جاء به النبي - وَلّرـــ من الوحي والقرآن: قد
سمعنا الشعر فما هو بهَزَجِه، ولا رَجَزَه. والهَزجُ من أعاريض الشّعر معروفٌ عند
(١) انظر الكامل (١/ ٥٩٢).
١٢

الموسمُ، فقال لهم: يا معشَر قرَيْش، إنه قد حضر هذا الموسمُ، وإن وفود العرب ستقدم
عليكم فيه، وقد سَمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمِعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا،
فيكذّب بعضكم بعضًا، ويردّ قولُكم بعضُه بعضًا، قالوا: فأنتَ يا أبا عبد شمس، فقُلْ،
وأقِمْ لنا رأيًا نقول به، قال: بل أنتم، فقولوا أسْمَعْ، قالوا: نقول: كاهن، قال: لا والله
ما هو بكاهن، لقد رأينا الكُهَّان، فما هو بزَمْزَمة الكاهن ولا سَجْعه، قالوا: فنقول:
مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجُنون وعرفناه، فما هو بخلقه، ولا تَخَالِجُه،
ولا وَسْوستِه، قالوا: فنقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشِّعر كلَّه: رجزَه
وهَزجه وقَريضَه ومَقْبوضه ومَبْسوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو
بساحر، لقد رأينا السُّحَّار وسِخْرَهم، فما هو بنَفْثهم ولا عَقْدهم، قالوا: فما نقول يا أبا
عبد شمس؟ قال: والله إن لِقوله لحلاوةً، وإن أصلَه لَعَذْق، وإن فَرْعه لجَناة - قال ابن
هشام: ويقال لغَدَق - وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرِف أنه باطل، وإن أقرب القول
العَروضيين، ولا أعرِفُ له اشتقاقًا إلا أن يكون من قولهم في وصف الذباب: هَزِجٌ، أي:
مُتَرَّنم (١)، وأما الرَّجَزُ(٢) فيحتمل أن يكون من رجزت الحمل إذا عدلته بالرِّجازة، وهو شيء
يعدل به الحمل، وكذلك الرَّجَزُ في الشعر أشطار مُعَذَّلة، ويجوز أن يكون من رَجَزَتْ النَاقَةُ
إذا أصابتها رِعْدَةٌ عند قيامها، كما قال الشاعر: حتى تَقومَ تَكَلَّفَ الرَّجْزَاء فالْمُرْتَجِزُ كأنه
مُرْتَعِدٌ عند إنشادِهِ لِقِصَرِ الأبيات.
وقوله: قد سمعنا الكهان، فما هو بزَمْزَمَةِ الكاهِنِ ولا سَجْعه: الزَّمْزَمةُ صوت ضعيف
كنحو ما كانت الفُرْسُ تفعله عند شربها الماءَ، ويقال أيضًا: زَمْزَم الرَّعْد، وهو صوت له قبل
الْهَدْرِ، وكذلك الْكُهَّان، كانت لهم زَمْزَمَةُ الله أعلم بكيْفِيَّتها، وأما زَمْزَمَةُ الْفُرْس، فكانت من
أُنُوفهم .
وقول الوليد: إن أصله لَعَذْقٌ، وإن فَرْعَه لَجَناة. استعارة من النَّخْلة التي ثبَتَ أصلُها،
(١) هزج: الهاء والزاء والجيم: أصل صحيح يدل على صوت. يقولون الهزج: صوت الرعد، وبه شُبَّه
الهَزَج من الأغاني. قال: كأنها جارية تهزج. انظر مقاييس اللغة (٥٢/٦). وفي اللسان (٣٩٠/٢).
الهزج: صوت مطرب، والهزج: نوع من أعاريض الشعر، وهو مفاعيلن مفاعيلن، على هذا البناء
كله أربعة أجزاء سُمِّي بذلك لتقارب أجزائه.
(٢) رجز: الراء والجيم والزاء أصل يدل على اضطراب، من ذلك الرجز داء يصيب الإبل في أعجازها،
فإذا ثارت الناقة ارتعشت فَخِذاها، ومن هذا اشتقاق الرجز من الشعر؛ لأنه مقطوع مضطرب.
مقاييس اللغة (٤٨٩/٢). وفي اللسان (٣٥٠/٥): قال ابن سيدة: ((الرجز شعر ابتداء أجزائه سيان ثم
وتد، وهو وزن يسهل من السمع ويقع في النفس ... )).
١٣

فيه لأنْ تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يُفَرْق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه،
وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بِسُبُل
النَّاس حين قَدِموا المؤسِمَ، لا يمرّ بهم أحدٌ إلا حذَّروه إياه، وذكروا لهم أمرَه.
ما نزل في حق الوليد من القرآن
فأنزل الله تعالى في الوليد بن المُغيرة، وفي ذلك من قوله: ﴿ذَرْنِي ومَنْ خَلَقْتُ
وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُودًا وبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ كَلاَّ إِنَّهُ
كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١١ - ١٦] أي خَصيمًا .
قال ابن هشام: عنيدًا: معاند مخالف. قال رؤبةُ بن العجَّاج:
ونحن ضَرَّابون رأس العُنَّدِ
وقوي وطاب فرعها إذا جنى(١)، والنخلة هي: الْعَذْقُ بفتح العين، ورواية ابن إسحق أفصح
من رواية ابن هشام؛ لأنها استعارة تامّة يشبه آخرُ الكلام أولَه، ورواية ابن هشام: إن أصله
لَغدقٌ، وهو الماء الكثير، ومنه يقال: غَيْدَق الرجلُ إذا كثر بصاقُه، وأحدُ أعمام النبي - وَلَرَ -
كان يُسَمّى: الْغَيْداق لكثرة عطائه، والْغَيْدِقُ أيضًا ولدُ الضَّبِّ، وهو أكبر من الْحِسْلِ قاله
قُطْرُبٌ في كتاب الأفعال والأسماء له(٢).
﴿ذرني ومَن خلقت وحيدًا﴾
فصل: وذكر ابن إسحق قول الله تعالى: ﴿ذَرْني ومَنْ خَلَقْتُ وحيدًا﴾ الآيات التي
نزلت في الوليد، وفيها له تهديد ووعيد شديد، لأن مَعْنى: ﴿ذَرْني وَمَنْ خلقتُ﴾ أي دَعْني
وإياه، فسترى ما أصنع به، كما قال: ﴿فَذَرْني ومَنْ يُكَذِّبُ بهذا الحديث﴾ [القلم: ٤٤]
وهي كلمة يقولها المغتاظ إذا اشتد غيظه وغضبُه، وكرِه أن يُشْفَعَ لمَن اغتاظ عليه، فمعنى
الكلام: أي: لا شفاعةَ تنفع لهذا الكافرِ، ولا استغفار يا محمدُ منك، ولا من غيرك(٣)
وقوله: ﴿وبنين شهودًا﴾ أي: مقيمين معه غير محتاجين إلى الأسفار والغيبة عنه، لأن ماله
ممدودًا والمالُ الممدود عندهم: اثنا عشر ألف دينار، فصاعدًا ﴿وَمَهَّدْتُ له تمهيدًا﴾ أي:
هَيَّأْتُ له، وقدّمت له مقدمات اسْتِذْراجًا له، وقوله تعالى: ﴿سأُزْهِقُه صَعُودًا﴾ هي عَقَبَةٌ في
جهنم، يقال لها: الصَّعُود مسيرُها سبعين سنةً، يكلَّفُ الكافر أن يَصْعَدَها، فإذا صعدها بعد
(١) جنى: أي طاب.
(٢) انظر نواد أبي زيد (ص ٩٢).
(٣) قوله: ((وهي كلمة يقولها المغتاظ إذا اشتد غيظه وغضبه)) لا تليق وصفًا لغضب الله تعالى وتفسيرًا
لقوله.
١٤

وهذا البيت في أُرجوزة له:
﴿سأُزْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكْرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ
وبَسَرَ﴾ [المدثر: ١٧ - ٢٢].
قال ابن هشام: بسر: كره وَجْهه. قال العجَّاج:
مُضَبَّر اللَّخِيَيْنِ بَسْرًا مِنْهَا
يصف كراهية وجهه. وهذا البيت في أُرجوزة له:
﴿ثُمَّ أذْبَرَ واسْتَكْبَرَ فَقال إن هذا إلاَّ سِخْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إلاَّ قَوْلُ البَشَرِ﴾
[المدثر: ٢٣ - ٢٥].
قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى: في رسوله - رَلر ـ وفيما جاء به من الله تعالى،
وفي النفر الذين كانوا معه يُصنّفون القول في رسول الله وَّر، وفيما جاء به من الله تعالى:
﴿كما أَنْزِلْنا على الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضِينَ فَوَرَبِّك لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا
يَعْمَلُون﴾ [الحجر: ٩٠ - ٩٣].
قال ابن هشام: واحدة العِضين: عِضَة، يقول: عَضَّوْه: فرقوه(١). قال رؤبة بن
العجَّاج :
وليس دينُ اللَّهِ بالمُعَضَّى
عذاب طويل صُبَّ من أعلاها، ولا يتنفس، ثم لا يزال كذلك أبدًا، كذلك جاء في
التفسير(٢).
وقوله سبحانه: ﴿فَقُتِل كيف قَدَّر﴾ أي: لُعِن كيفما كان تقديرُه فكيف هاهنا من حروف
الشرط، وقيل معنى قتل: أي هو: أهل أن يُدْعى عليه بالقتل، وقد فسّر ابنُ هشام: بَسَر
والْبَسْرُ أيضًا: القهر، والْبَسْر حمل الفحل على الناقة قبل وقت الضُراب. وفسّر عِضين،
(١) وقد وقع في هذا بعض الرعاة الذين جعلوا القرآن مناسبات ومواسم، فإذا جاء الحج أخذوا بعضه
وإذا جاء رمضان أخذوا بعضه وإذا جاء الإسراء أخذوا بعضه وهكذا ... ، ثم لا تجدوا أكثرهم يأخذ
قوله تعالى: ﴿ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ فلا تكاد تسمعها أو تسمع لها
تفسيرًا وكأنها ليست من كتاب الله تعالى: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾، فأظهروا
وبينوا بعض الكتاب وأضعفوا البعض الآخر، فلا مناسبة لذكره !!!.
(٢) (ضعيف الإسناد)). أخرجه الترمذي (٣٣٢٦). وفيه ابن لهيعة: ضعيف. ودراج: ضعيف الرواية عن
أبي الهيثم.
١٥

وهذا البيت في أُرجوزة له.
قال ابن إسحاق: فجعل أولئك النفرُ يقولون ذلك في رسول الله - بَّهِ - لِمَنْ لَقُوا
من الناس، وصدرت العربُ من ذلك المؤسِم بأمر رسول الله - صَلّ ـ فانتشر ذكره في
بلاد العرب كلِّها.
أبو طالب يفخر بنسبه وابن أخيه
فلما خَشي أبو طالب دَهْماءَ العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تَعَوَّذَّ فيها
بحَرَم مكة وبمكانه منها، وتودَّد فيها أشرافُ قومه، وهو على ذلك يُخبرهم وغيرَهم في
ذلك من شعره أنه غير مُسْلم رسولَ الله - وَلّ - ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلِك دونه،
فقال :
وقد قطعوا كلّ العُرَى والوَسائل
ولمَّا رأيتُ القَوْمَ لا وُدّ فيهِمُ
وقد طاوَعُوا أمْرَ العَدوّ المُزايل
وقد صارَحُونا بالعَدَاوَةِ والأَذَى
يَعَضُونَ غَيْظًا خَلْفنا بالأنامل
وقد حالَفُوا قَوْمًا عَلَيْنا أظِنَّةً
وأبيضَ عَضْب من تُراث المَقَاول
صَبَرْتُ لهم نَفْسي بسَمْراء سَمْحةٍ
وجعله من عَضَّيت أي فَرَّقت، وفي الحديث: ((لا تَعْضِيَة في ميراث إلا ما احتمله الْقَسَمُ))(١)
ومعنى هذا الحديث موافقٌ لمذهب ابن القاسم ورأيه في كل ما لا ينتفع به إذا قسم أو كان
فيه ضرر على الشريكين ألاّ يقسم، وهو خلاف رأي مالك، وحجة مالك قول الله تعالى:
﴿مِمَّا قلّ منه أو كَثُر نصيبًا مَفْروضًا﴾ [النساء: ٧]. وقد قيل في عِضِين إنه جمع عِضَة،
وهي السِّحر وأنشدوا:
ت في العقَد العاضِه الْمُعْضِه
أعوذ بربي من النافثا
ومنه قولهم:
يا لِلْعَضِيهَةِ ویا لِلأَفيكَة [ويا لِلْبَهيتة]
شرح لامية أبي طالب
فصل: وذكر قصيدة أبي طالب إلى آخرها، وفيها: وأبيض عَضْبٍ من تُراث الْمَقاول.
(١) (ضعيف)). أخرجه البيهقي في الكبرى (١٣٣/١) والدارقطني (٢١٩/٤) بتحقيقي. فيه صديق بن
موسى بن عبد الله: ليس بحجة.
١٦

وأمسكت من أثْوَابِهِ بالوَصَائل
وأحضرتُ عند البيت رَهْطي وإخوتي
لديّ حيثُ يُقْضى حَلْفَه كلُّ نافل
قِيامًا مَعّا مُسْتقبِلينَ رِتاجَه
بمُفضى السُّيولِ من إسافَ ونائل
وحيثُ يُنيخِ الأشْعَرون رِكَابهم
مُخَيَّسةٌ بينَ السَّديس وبازل
مُوَسَّمةُ الأعْضَادِ، أوْ قَصِرَاتها
قد شرحنا الأقيال والمقاول، فيما تقدم، وتراث أصله: وُراث من وَرثت، ولكن لا تبدل هذه
الواو تاء إلا في مواضع محفوظة، وعِلتها كثرة وجود التاء في تصاريف الكلمة، فالتراث مال
قد تُؤُورث. وتَوارثه قوم عن قوم، فالتاء مستعملة في التوريث والتوارث، وكذلك تجاه
البيت، التاء مستعملة في التَّوَجُهِ والتّوجيه ونحوه، فلما ألفَوْها في تصاريف الكلمة لم ينكروا
قلبَ الواو إليها، كما فعلوا في ريحان وهو من الرَّوح لكثرة الياء في تصاريف الكلمة، كما
قدّمنا قبل، وهي في تراث وبابه أبعد؛ لأن الياء المألوفة في مادة الكلمة زائدة، وياء ريحان
ليست كذلك، وكذلك التُّكَأة من توكأت وتَتْرَى من الثَّواتر، والتَّوْلَج من التَّوَلُجِ والْمُتَّلِجِ،
لأنهم يقولون: اتَّلَجَ بالتشديد، فتصير الواو تاءً للإدغام، حتى يقولوا: مُتَّلِج فيجعلونها تاء
دون الإدغام، وهذا أشبه بقياس رَيْحان وبابه؛ فإن التاء الأولى من مُتَّلِج أصلية وهي في مُتَّلج
إذا ضُعِّفت أصلية أيضًا، فهي هي، فقف على هذا الأصل؛ فإنه سرّ الباب(١). وأراد
بالمقاول: آباءه، شبههم بالملوك، ولم يكونوا ملوكًا، ولا كان فيهم مِنْ ملكِ بدليل حديث
أبي سفيان حين قال له هرقل: هل كان في آبائه من ملك؟ فقال: لا. ويحتمل أن يكون هذا
السيف الذي ذكر أبو طالب من هِبَات الملوك لأبيه، فقد وهب ابنُ ذي يزن لعبد المطلب
هباتٍ جَزْلة حين وفد عليه مع قريش، يهنئونه بظفره بالحبشة، وذلك بعد مولد رسول
الله - ◌َلر - بعامين.
وقوله :
مُوسَّمة الأعضاد أو قَصَراتها
يعني [مُعَلَّمَة] بسمة في أعضادها، ويقال لذلك الوسم السِّطَاعِ والخِبَاط في الفخذ
والرَّقْمَة أيضًا في الْعُضُد، ويقال للوسم في الْكَشْحِ: الكِشاح ولما في قَصَرِه العُنُقِ: العِلاط،
والْعُلْطَتَانِ والشّعْب أيضًا في العنق، وهو كالمِحْجَن، وفي الْعُنُقِ وسم آخر أيضًا يقال له قَيْدُ
الفَرَس. قال الراجز:
كُومٌ على أعناقها قَيْدُ الْفَرَسْ
تنجو إذا الليل تدانى، والتَّبَس
(١) انظر شرح الشافية للرضي (٨٠/٣).
الروض الأنف/ ج ٢/ م ٢
١٧

ولوسُوم الإبل أسماء كثيرة وباب طويل، ذكر أبو عبيد أكثره في كتاب الإبل، فمنها
الْمُشَيْطَنَةُ والْمُفَعَّاة والقُرْمَة وهي في الأنف، وكذلك الْجُرْف والخُطَّاف وهي في العنق،
والدَّلو وَالْمُشْطِ وَالْفِرْتاج والتُّؤْثُور والدِّمَاع في موضع الدمع، والصّداغ في موضع الصُذْغ
واللّجَام من الخدّ إلى العين، يقال منه: بعير مَلْجوم، والهلال والخِرَاش وهو من الصُّدغ إلى
الذقن.
وقوله: أو قَصَراتها جمع قَصَرَة، وهي أصل العنق، وخفضها بالعطف على الأعضاد،
ولا يجوز أن تكون في موضع نصب كما تقول: هو ضارب الرجل وزيدًا في باب اسم
الفاعل؛ لأن قوله: موَسَّمة الأعضاد من باب الصفة المشبهة، وهي لا تعمل إلا مُضمرة،
واسم الفاعل يُضْمر إذا عطف على المخفوض، وذلك أن الصفة لا تعمل بالمعنى، وإنما
تعمل بشبَهٍ لفظي بينها، وبين اسم الفاعل، فإذا زال اللفظ، ورجع إلى الإضمار لم تعمل،
وتخالف اسم الفاعل أيضًا؛ لأن معمولها لا يتقدم عليها، كما يتقدم المفعول على اسم
الفاعل، وذلك أن منصوبها فاعل في المعنى، والفاعلُ لا يتقدم، والصفة لا يُفصل بينها وبين
منصوبها بالظرف، ويجوز ذلك في اسم الفاعل، والصفة لا تعمل إلا بمعنى الحال، واسمُ
الفاعل يعمل بمعنى الحال والاستقبال، نعم ويعمل بمعنى الماضي إذا دخلت عليه الألف
واللام، ولو رُوِيَ: موسمة الأعضادَ بنَصب الدال على معنى: موسمةٌ الأعضادَ بالتنوين،
وحذفه لالتقاء الساكنين، لجاز كما رُوِيَ في شعر حُنْدُجٍ:
كَبِكْرٍ مُقَانَاة البياضَ
بالنصبِ وبالرفع أيضًا، أي: البياض منهم على نيّة التنوين في مقاناة، وحذفه لالتقاء
الساكنين، وأما الخفض فلا خفاء به. وإذا كانت القَصَراتُ مخفوضةً بالعطف على الأعضاد،
ففیه شاهد لمَن قال: هو حسن وجهه کما روی سیبویه حين أنشد:
كُمَيْتًا(١) الأعالي(٢) جَوْنَتَا(٣) مُضْطَلاهُما (٤)
وفي حديث أُم زرعٍ: صُفْرُ ردائِها، ومِلْء كسائها(٥) مثل حسنةُ وجهِها، وفي الأمالي
(١) كميتًا: مثنى كميت وهي الحمرة الشديدة المائلة إلى السواد.
(٢) أعالي: الجارتين.
(٣) الجونة: السوداء.
(٤) مصطلي: أي محترق بالنار.
(٥) (صحيح). أخرجه البخاري (٧/ ٣٥) ومسلم في فضائل الصحابة (٩٢) وابن أبي عاصم (٩/ ١٧١).
١٨

ترى الوَذْعِ فيها، والرُّخامَ وزبنةً
بِأغناقِها مَعْقُودَةً كالْعَشاكل
علَيْنا بسُوءٍ، أوْ مُلِحٌ بباطل
أُعُودُ برَبّ النَّاسِ مِن كلُّ طاعٍ
ومن مُلْحِقٍ في الدين ما لم نُحاول
ومِنْ كاشِجٍ يَسْعَى لنا بِمَعِيبَةٍ
من صفة النبي وَّهِ: شَئْنُ الكفّين طويلُ أصابعِه(١)، أعني: مثل صِفْر ردائها.
وقوله: ترى الودع فيه. الْوَدَع، والْوَذع بالسكون والفتح: خرزات تنظم، ويتحلى بها
النساء والصّبيان كما قال :
والْحِلْمِ حلم صبي يَمرُس(٤) الوَدَعه
[السِّنُّ من جَلْتَزِيزٍ (٢) عَوْزَمِ(٣) خَلَقِ]
وقال الشاعرُ:
مثل الجمال عليها يُحمَلِ الْوَدَعُ
إن الرُّواة بلا فَهْمٍ لما حفظوا
ولا الجِمَالُ بحمل الْوَذْع تَنتفع
لا الوَدْعُ ينفعه حملُ الجِمال له
ويقال: إن هذه الخرزات يقذفها البحر، وأنها حيوان في جوف البحر، فإذا قذفها
ماتت، ولها بريق ولون حسن، وتصلب صلابة الحجر، فتثقب، ويتخذ منها القلائد، واسمها
مشتق من وَدَعْته أي: تركته، لأن البحر ينضب عنها ويدعها، فهي وَدَع مثل قَبَض(٥)
ونفَض (٦)، وإذا قلت الْوَدْعِ بالسكون فهي من باب ما سُمِّي بالمصدر.
وقوله: والرُّخام أي: ما قطع من الرُّخام، فنظم وهو حجر أبيض ناصع: والعثاكل:
أراد العثاكيل (٧)، فحذف الياء ضرورة كما قال ابن مُضَاض: وفيها العصافر، أراد: العصافير،
وفي أول القصيدة: وقد حالفوا قومًا علينا أظِنَّة [جمع ظَنِين] أي مُتّهم، ولو كان بالضاد مع
قوله، علينا، لعاد معناه مَذْحًا لهم، كأنه قال: أشِحَّةً علينا، كما أنشد عمرو بن بَحْر
[الجاحظ](٨):
لو كنت في قوم عليك أشِحَّةً
عليك ألا إن مَنْ طاح(٩) طائخُ
١
(١) ((صحيح)). أخرجه البخاري (١٣٣/٧).
(٢) الجلنز: الغليظ الشديد.
(٣) العزوم: الناقة السمينة وفيها بقية شباب، كتّى بها عن النساء كما كنّى عنهنّ بالقوارير.
(٤) المرسة: الجبل لتمرّس الأيدي به.
(٥) قبض: بمعنى مقبوض.
(٦) نفض. مصدر نفضت الثوب.
(٧) العثاكيل: جمع عثكال وهو: العِذْق. اللسان (٤٢٥/١١).
(٨) انظر (٥٠/١). مع اختلاف يسير في الألفاظ.
(٩) الطح: البَسْطُ. اللسان (٥٢٨/٢).
١٩

وثَوْرٍ، وَمَنْ أرْسَى ثَبِيرًا مكانَه
وبالبيت، حَقَّ البيت، من بطن مكة
وبالحَجر المُسْوَدّ إذ يمْسَحُونه
وراقٍ لِيَزْقى في حِرَاءَ ونازل
وباللَّهِ إِنَّ اللَّهَ ليسَ بغافِل
إذا اكْتَنَفُوه بالضُّحى والأصائل(١)
يودون لو خاطوا عليك جُلودهم
وفيها:
وهل يدفع الموتَ النفوسُ الشحائحُ
وثَوْرٍ ومَن أرسى ثَبِيرًا مكانّه
وراقٍ ليرقَى في حِرَاء ونازلٍ
ثور: جبل بمكة، وثَبير: جبل من جبالها ذكروا أن ثبيرًا كان رجلاً من هُذيل مات في
ذلك الجبل، فعرف الجبل به، كما عرف أبو قبيس(٢) بقُبَيْس بن شَالح رجل من جُرْهم، كان
قد وشى بين عمرو بن مُضاض، وبين ابنة عمّه مَيَّة، فنذرت ألا تكلمه، وكان شديد الكَلَف
بها، فحلف ليقتلَنّ قُبَيْسًا، فهرب منه في الجبل المعروف به، وانقطع خبرُه فإمَّا مات، وإما
تردّى منه، فسمى الجبل: أبا قبيس وهو خبر طويل ذكره ابن هشام في غير هذا الكتاب.
وقوله: وراق ليرقى قد تقدم القول فيه، وأصحّ الروايتين فيه: وراق لبِرُقي حراء
ونازل. قال الْبَزْقِيُّ: هكذا رواه ابن إسحاق وغيره، وهو الصواب. قال المؤلف: فالوهم فيه
إذًا من ابن هشام، أو من البكائي، والله أعلم.
وقوله: وبالحجر الأسود، فيه زحاف يسمى: الكَفّ، وهو حذف النون من مفاعيلن
وهو بعد الواو من الأسود ونحوه قول حُندُجٍ:
ألا رُبَّ يوم لك منهنّ صالح
وموضع الزحاف بعد اللام من ذلك.
وقوله :
إذا اكتنفوه بالضُحى والأصائل
الأصائل: جمع أصيلة، والأُصُل جمع أصيل، وذلك أن فعائل جمع فعيلة، والأصيلة:
لغة معروفة في الأصيل، وظن بعضهم أن أصائل: جمع آصال على وزن أفعال، وآصال:
جمع أُصُل نحو أطناب وطُنُب، وأُصُل: جمع أصيل مثل رُغُفٍ: جمع رغيف، فأصائل على
قولهم: جَمْعُ جَمْعِ الْجَمْعِ، وهذا خطأ بيِّن من وجوه منها: أن جمعَ جمعِ الجمعِ لم يوجد
(١) الأصائل: جمع أصيلة، والأُصُل: جمع أصيل.
(٢) جبل مشرف على مكة. وفي التهذيب: جبل مشرف على مسجد مكة.
٢٠