النص المفهرس
صفحات 401-420
قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سَبْعًا، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهرُ الذي أراد اللَّهُ تعالى به فيه ما أراد من كرامته، من السَّنَة التي بعثه اللَّهُ تعالى فيها، وذلك، الشهر: شهر رمضان، خرج رسول الله وَل﴿ إلى حِراء، كما كان يخرج لجٍواره ومعه أهلهُ، حتى إذا كانت اللَّيلةُ التي أكرمه اللَّهُ فِيها برسالته ورَحِم العبادَ بها، جاءه جبريلُ عليه السلام بأمر الله تعالى. قال رسول الله وَله: «فجاءني جبريلُ، وأنا نائم، كيفية الوحي: فصل: وذكر نزول جبريل على رسول الله - وَلقر - قال: في الحديث: فأتاني وأنا نائم، وقال في آخره: فهيبت من نومي، فكأنما كُتِبَتْ في قلبي كتابًا، وليس ذكرُ النوم في حديث عائشة ولا غيرها، بل في حديث عروة عن عائشة ما يدل ظاهره على أن نزول جبريل حين نزل بسورة اقرأ، كان في اليقظة؛ لأنها قالت في أول الحديث: أول ما بُدىء به رسول الله - رَج -: الرؤيا الصادقة، كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حَبَّبَ الله إليه الخَلاء - إلى قولها - حتى جاءه الحقُّ، وهو بغار حراء، فجاءه جبريلُ. فذكرت في هذا الحديث أن الرؤيا كانت قبل نزول جبريل على النبي - عليه السلام - بالقرآن، وقد يمكن الجمع بين الحديثين بأن النبي - ﴿ه ـ جاءه جبريلُ في المنام قبل أن يأتيه في اليقظة تَوْطِئَةً وتيسيرًا عليه ورفقًا به، لأن أمر النُّبُوءة عظيم، وعِبْؤُها ثقيل، والبشر ضعيف، وسيأتي في حديث الإسْراء من مقالة العلماء ما يؤكد هذا ويصححه، وقد ثبت بالطرق الصِّحاح عن عامر الشّعبي أن رسول الله - وَ﴿ - وكّل به إسرافيلُ، فكان يتراءى له ثلاث سنين، ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء ثم وكّل به جبريلُ فجاءه بالقرآن والوحي(١)، فعلى هذا كان نزولُ الوحي عليه - 18 - في أحوال مختلفة، فمنها: النوم كما في حديث ابن إسحق، وكما قالت عائشة أيضًا: أول ما بدىء به رسول الله - رَالجهـ: الرؤيا الصادقة(٢) وقد قال إبراهيم عليه السلام: ﴿إني أرى في المنام أني أذْبَحُك فانْظُرْ ماذَا تَرى﴾ فقال له ابنه: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَر﴾ [الصافات: ١٠٢]، فدلّ على أن الوحي كان يأتيهم في المنام، كما يأتيهم في اليقظة. ومنها: أن يُنْفثَ في رُوعه الكلام نَفْئًا، كما قال عليه السلام: إن رُوحِ القُّدُس نَفَث في رُوعِي أن نفسًا لن تموتَ، حتى تستكملَ أجَلَهَا ورزقَها، فاتقوا الله وأجْمِلوا في الطلب(٣) (١) بل الذي وكل به من البداية هو جبريل عليه السلام كما صرّح بذلك القرآن وجاءت به السُّنّة الصحيحة . (٢) تقدم تخريجه. (٣) (صحيح). أخرجه البغوي في شرح السُّنّة (١٤/ ٣٠٤) وفي مسند الشهاب (١١٥٢/١١٥١) وابن عبد البرّ في التمهيد (٢٨٤/١). الروض الأنف/ ج ١/ م ٢٦ ٤٠١ وقال مجاهد، وأكثر المفسرين في قوله سبحانه: ﴿وما كان لبشَرِ أن يُكلِّمَهُ الله إلا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١]. قال هو أن ينْفُثَ في رُوعه بالوحي. ومنها: أن يأتيه الوحي في مثل صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وهو أشدُّه عليه، وقيل: إن ذلك لَيَسْتَجْمِعَ قلبه عند تلك الصلصلة، فيكون أوعى لما يسمع، وألْقَنَ لما يلقى. ومنها: أن يتمثل له الملكُ رجلاً، فقد كان يأتيه في صورة دِخية بن خليفة، ويُروى أن دِخْية إذا قَدِمَ المدينة لم تبق مُعْصِرٌ(١) إلاَّ خرجت تنظر إليه لفرط جَمَاله. وقال ابن سلام في قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارةً أو لَهْوًا﴾ [الجمعة: ١١]. قال: كان اللهو نظَرَهم إلى وجه دِخيةَ لجماله(٢). ومنها: أن يتراءى له جبريل في صورته التي خلقه الله فيها، له ستمائة جناح، ينتشر منها اللؤلؤ والياقوتُ. ومنها: أن يكلِّمه الله من وراء حجابٍ: إما في اليقظة كما كلمه في ليلة الإسراء، وإمَّا في النوم، كما قال في حديث معاذ الذي رواه الترمذي، قال: أتاني ربّي في أحسن صورة، فقال: فِيمَ يختصم الملأ الأعلى، فقلت: لا أدري. فوضع كفّه بين كتفيَّ، فوجدت بَرْدَها بين ثُنْدُوَتَيَّ (٣) وتجلى لي علم كل شيء، وقال: يا محمد، فِيمَ يختصم الْمَلأُ الأعلى، فقلت: في الكفّارات، فقال: وما هُنَّ!؟ فقلت: الوضوءُ عند الْكَريهات، ونَقْل الأقدام إلى الحسنات، وانتظار الصلوات بعد الصلوات، فمَن فعل ذلك عاش حَميدًا، ومات حَميدًا، وكان من ذنبه كَمَنْ ولدته أُمُّه، وذكر الحديث(٤). فهذه ستة أحوال، وحالة سابعة قد قدّمنا ذكرَها، وهي نزول إسرافيل عليه بكلمات من الوحي قبل جبريل فهذه سبعُ صور في كيفية نزول الوحي على محمد - وَل﴿ ـ لم أرَ أحدًا جمعها كهذا الجَمْع، وقد استشهدنا على صحتها بما فيه غُنْيَة، وقد أملينا أيضًا في حقيقة رؤيته عليه السلام ربَّه في المنام على أحسن صورة، ويُروَى: على صورة شاب مسألةً بديعةً كاشفة لقناع اللَّبْس، فلتنظر هنالك. (١) المعصر: المرأة الشابة. (٢) أحد التفاسير. (٣) ثندوتي: لحمة الثدي. (٤) (حسن)). أخرجه الترمذي (٣٢٣٤) وأحمد (٣٦٨/١) والطبراني (٣٤٩/٨) والطبري في تفسيره (١٩٢/٧) وابن أبي عاصم في السُّنّة (٢٠٤/١). ٤٠٢ بنَمّط من دِيبَاجٍ فيه كتابٌ، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ؟ قال: فغَتَّني به، حتى ظننتُ من تفسیر حدیث الوحي: فصل: وذكر في الحديث أن جبريل أتاه بِنَمَطِ(١) من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ، قال بعض المفسرين في قوله: ﴿ألّم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ إنها إشارة إلى الكتاب الذي جاءه به جِبْريلُ حين قال: اقرأ، وفي الآية أقوال غير هذه، منها: أنها إشارة إلى ما تضمنه قوله سبحانه: آلم؛ لأن هذه الحروف المقطعة تضمنت معاني الكتاب كله، فهي كالترجمة له. معنی اقرأ باسم ربك: وقوله: ما أنا بقارىء، أي: إني أُمِّيَّ، فلا أقرأ الكتب، قالها ثلاثًا فقيل له: اقرأ باسم ربك، أي: إنك لا تقرؤه بِحَوْلِكَ، ولا بصفة نفسك، ولا بمعرفتك، ولكن اقرأ مفتتحًا باسم ربك مستعينًا به، فهو يعلمك كما خلقك وكما نزع عنك عَلَقَ الدم، ومَغْمَزَ الشيطان بعدما خلقه فيك، كما خلقه في كل إنسانٍ(٢). والآيتان المتقدمتان لمحمد، والآخرتان: لأُمته، وهما قوله تعالى: ﴿الذي علِّم بالقلم علَّم الإنسان ما لم يعلَمْ﴾ لأنها كانت أُمَّةً أُمَّيَّةً لا تكتب، فصاروا أهل كتابٍ، وأصحابَ قلم، فتعلّموا القرآن بالقلم، وتعلّمه نبيُّهم تلقينًا من جبريل نزّله على قلبه بإذن الله، ليكون من المرسلين. حول بسم الله: فصل: وفي قوله: اقرأ باسم ربك من الفقه: وجوب استفتاح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم، غير أنه أمْرٌ مُبْهَم لم يبين له بأيّ اسم من أسماء ربّه يفتتح، حتى جاء البيان بعدُ في قوله: ﴿بسم الله مَجْرِيها﴾ [هود: ٤١] ثم قوله تعالى: ﴿وإنه بِسْم الله الرحمن الرحيم) [النمل: ٣٠]. ثم كان بعد ذلك ينزل جبريل عليه ببسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة، وقد ثبتت في سواد المصحف بإجماع من الصحابة على ذلك، وما ذكره البخاري من مصحف الحسن البصري، فشذوذ، فهي على هذا من القرآن، إذ لا يكتب في المصحف ما ليس بقرآن، ولا يلتزم قول الشافعي أنها آية من كل سورة، ولا أنها آية من الفاتحة، بل نقول: إنها آية من كتاب الله تعالى، مقترنة مع السورة، وهو قول داود وأبي حنيفة، وهو (١) نمط: وعاء. (٢) قلت: وفيه أيضًا أي أقرأ الكتاب وهذا القرآن باسم الذي أنزله ﴿اقرأ باسم ربك﴾ وأنت تعرف يا محمد مَن هو ربك إنه ﴿ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق﴾ واعلم يا محمد أن ﴿ربك هو الأكرم الذي علَّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم﴾ وها هو تعالى يمُنّ عليك بهذا القرآن ويعلّمك إياه من طريق جبريل القوي الأمين. والله أعلى وأعلم. ٤٠٣ أنه الموت، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ؟ قال: فغَتَّني به، حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: قلت: ماذا أقرأ؟ قال: فغتَّني به، حتى ظننتُ أنه الموت، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: فقلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: ﴿اقرأْ باسْم رَبِّك الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ عَلَقِ اقْرأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بالقَلمْ عَلَّمَ الإنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾: قال: فقرأتها، ثم انتهى، فانصرف عني، وهببتُ من نومي،َ فكأنما كُتِيتْ في قلبي كتابًا. قال: فخرجتُ حتى إذا كنتُ في وسط من الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله، وأنا قول بيِّن القوة لمَن أنصف، وحين نزلت بسم الله الرحمن الرحيم سبَّحت الجبال، فقالت قريش: سَحَرَ محمد الجبال ذكره النقاش (١)، وإن صحّ ما ذكره، فلمعنّى مَّا سبَّحت عند نزولها خاصة، وذلك أنها آية أنزلت على آل داود، وقد كانت الجبال تسبَّح مع داود، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سخَّرنا الجبالَ معه يُسَبِّحْن بالعَشِيِّ والإشراق﴾ [ص: ١٨] وقال: ﴿إنه من سُلَيْمانَ وإنه بِسْم الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل: ٣٠](٢). وفي الحديث ذكر نَمَطَ الديباج من الكتاب، وفيه دليل وإشارة إلى أن هذا الكِتابَ يفتح على أُمَّته مُلك الأعاجم، ويسلبونهم الديباجَ والحرير الذي كان زِيَّهم وزينَتهم، وبه أيضًا ينال ملكُ الآخرة ولباسُ الجنة وهو الحرير والديباج، وفي سِيَّر موسى بن عقبة، وسِيَر سليمان بن المعتمر زيادة، وهو أن جبريلَ أتاه بُدرْنُوكِ(٣) من ديباج مَنْسوج بالدُر والياقوت، فأجلسه عليه، غير أن موسى بن عقبة قال: ببساط، ولم يقل: دُزْنُوك، وقال في سِيَر ابن المعتمر: إن الله تعالى أنزل عليه: ﴿أَلَمْ نَشْرَح لك صَدْرَك﴾ الآيات، کأنه یشیر به، فمسح جبريلُ صدره، وقال: اللَّهِمَّ اشرح صدرَه، وارفع ذكره، وضع عنه وِزْرَه، ويصحّح ما رواه ابن المعتمر أن الله تعالى أنزل عليه: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ الآيات، كأنه يشير إلى ذلك الدعاء الذي كان من جبريل، والله أعلم. الغط : وقوله في الحديث: فغطّني، ويُروَى: فَسَأَبَنِي، ويُروى: سَأَتَني، وأحسبه أيضًا يُروى: فَذَعَتَني وكلها بمعنى واحد، وهو الخَنْقِ والغَمّ، ومن الذَّعْتِ حديثه الآخر: أن الشيطانَ عرض له، وهو يصلّي قال: فَذَعَتُه، حتى وجدت بَرْدَ لِسانه على يدي، ثم ذكرت قول أخي (١) قوله: ((وحين نزلت بسم الله الرحمن الرحيم سبحت الجبال فقالت قريش: سحر محمد الجبال)). قول في حاجة إلى دليل صحيح يعتضده. (٢) تأويل بعيد. (٣) الدرنوك: ضرب من البُسط. ٤٠٤ سليمان: (رَبِّ هَبْ لي مُلْكًا لا ينبغي لأحدٍ من بَعْدِي)) الحديث(١)، وكان في ذلك إظهارٌ للشدّة والجِد في الأمر، وأن يأخذ الكتابَ بقوة، ويترك الأناةَ فإنه أمر ليس بالْهُوَيْنَى، وقد انتزع بعضُ التابعين وهو شُرَيْخْ القاضي من هذا: ألاّ يُضرَب الصبي على القرآن إلا ثلاثًا كما غَطّ جبريل عليه السلام محمدًا - وَّر - ثلاثًا، وعلى رواية ابن إسحق أن ذلك في نومه(٢). كان، يكون في تلك الغَطَّات الثلاث من التأويل ثلاثُ شدائد، يُبْتلى بها أولاً، ثم يأتي الفرج والرَّوْح، وكذلك كان لَقِيَ هو وأصحابه، شدةً من الجوع في شِغْب الخِيف، حين تعاقدت قريش ألاَّ يبيعوا منهم، ولا يتركوا مِيرَةً تصل إليهم، وشدةً أخرى من الخوف والإبعاد بالقتل، وشدةً أخرى من الإجلاء عن أحبّ الأوطان إليه، ثم كانت العاقبة للمتقين، والحمد لله ربّ العالمين. ما أنا بقاریء: وقوله في حديث ابن إسحق: اقرأ، قال: ما أقرأ، يحتمل أن تكون ما استفهامًا، يريد: أيّ شيء أقرأ؟ ويحتمل أن تكون نفيًا، ورواية البخاري ومسلم تدلّ على أنه أراد النفي، أي: ما أُحسِن أن أقرأ، كما تقدم من قوله: ما أنا بقارىءٍ (٣). (١) (صحيح). أخرجه البخاري (١٢٤/١) ومسلم في المساجد (٣٩) وأحمد (٢٩٨/٢) وأبو عوانة (١٤٤/٢) والبغوي في شرح السُّنّة (٢٩٩/٣). (٢) بل في اليقظة كما جاءت الرواية في الصحيحين وغيرهما. (٣) قلت: ويلحظ أن قوله وَلير: ((ما أنا بقارىء)) جاء بصيغة اسم الفاعل: أي أنه ليس من صفاتي القراءة. كما في قوله تعالى حكاية عن الشيطان قوله يوم القيامة: ((وما أنا بمصرخكم)) أي ليس من صفاتي أن أغيثكم أو أساعدكم، وكما في قوله تعالى عن السّحرة: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ فليس من صفاتهم الضرّ، إنما هو بإذن الله تعالى، وكما نفى أخوة يوسف عن أنفسهم تهمة السرقة فلم يقولوا وما نحن بالذين يسرقون، ولكنهم قالوا: ﴿وما نحن بسارقين﴾ أي إننا لم نسرق بالأمس ولن نسرق اليوم ولن نكون سارقين غدًا ﴿فما نحن بسارقين﴾ فنفوا تهمة السرقة عنهم بصيغة اسم الفاعل، وهكذا النبي محمد ويّي لما لم يكن قد قرأ بالأمس ولم يكن وعدًا للقراءة اليوم أو غدًا لفقده مقوّمات القراءة قال: ((ما أنا بقارىء))، فلذلك قال له جبريل عليه السلام ﴿اقرأ﴾ ولكن ليس بقوتك أنت ولا بصفاتك وإعدادك ولكن ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم﴾. -- 醬 -LJai ٤٠٥ جبريل. قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظرُ، فإذا جبريلُ في صورة رجل صافٍّ قَدَمَيْهِ في أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسولُ الله وأنا جبريل. قال: فوقفت أنظر إليه فما أتقدّم وما أتأخّرُ، وجعلت أضْرِف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيتُه كذلك، فما زلتُ واقفًا ما أتقدّم أمامي، وما أرجع ورائي، حتى بَعثتْ خديجةُ رُسلَها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة، ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني. وانصرفتُ راجعًا إلى أهلي، حتى أتيت خديجةَ، فجلست إلى فخذها مُضيفًا إليها، فقالت: يا أبا القاسم، أين كنتَ؟ فوالله لقد بعثتُ رُسُلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا لي، ثم حدّثتها بالذي رأيتُ، فقالت: أبشر يا بنَ عمِّ واثبُتْ فوالذي نفسُ خديجةَ بيَدِهِ إني لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأمَّة. رؤية جبريل ومعنى اسمه : وذكر رؤيتَه لجبريل، وهو صَافِّ قدميه، وفي حديث جابر أنه رآه على رَفْرَفٍ(١) بين السماء والأرض، ويُروى: على عرش بين السماء والأرض، وفي حديث البخاري الذي ذكره في آخر الجامع أنه حين فَتَرَ عنه الوحي، كان يأتي شواهق الجبال يهمّ بأن يُلقي نفسه منها، فكان جبريل يَتَراءَى له بين السماء والأرض، يقول له: أنت رسول الله، وأنا جبريل(٢). واسم جبريل سُزياني، ومعناه: عبد الرحمن، أو عبد العزيز. هكذا جاء عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا أيضًا، والوقف أصله. وأكثر الناس على أن آخر الاسم منه هو اسم الله، وهو: إبل، وكان شيخنا رحمه الله يذهب مذهب طائفة من أهل العلم في أن هذه الأسماء إضافتها مقلوبة، وكذلك الإضافة في كلام العجم، يقولون في غلام زيدٍ: زيد غلام، فعلى هذا يكون إيل عبارة عن العبد، ويكون أولُ الاسم عبارةً عن اسم من أسماء الله تعالى، ألا تری کیف قال في حديث ابن عباس: جبريل وميكائيل، كما تقول: عبد الله وعبد الرحمن، ألا ترى أن لفظ عبد يتكرر بلفظ واحد، والأسماء ألفاظها مختلفة. حول معنى إل وخرافة الرهبان: وأما إلَّ بالتشديد من قوله تعالى: ﴿إِلاَّ ولا ذِمَّةٍ﴾ [التوبة: ١٠] فَحَذَارِ حَذار من أن تقول فيه: هو اسم الله، فتسمى الله باسم لم يُسَمِّ به نفسه ألا ترى أن جميع أسماء الله تعالى (١) الرفرف: ضرب من البساط. والحديث أخرجه الترمذي في التفسيرة سورة (٥٣) وأحمد في مسنده (٤٤٤/٤١٨/٣٩٤/١). وانظر البخاري في التفسير سورة رقم (٥٣). (٢) أخرجه البخاري في التعبير حديث رقم (٩٩٨٢) وهو في ثنايا حديث بدء الوحي السابق. ٤٠٦ ثم قامت فجمعت عليها ثيابَها، ثم انطلقت إلى ورَقَة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ، وهو ابن عمها، وكان ورقة قد تنصَّر، وقرأ الكتبَ، وسَمِع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها به رسولُ اللهِ وَّر، أنه رأى وسمع، فقال ورقةُ بن نوفَل: قُدُّوس قُدُّوس، والذي نفس ورقةَ بيده، لئن كنتِ صَدقْتِيني يا خديجةٌ لقد جاءه النامُوسُ الأكبرُ الذي كان يأتي موسَى، وإنه لنبيُّ هذه الأمة، فقولي له: فليثبُتْ. فرجعت خديجة إلى رسول الله وَطر، فأخبرته بقول ورقة بن نوفل، فلما قضى رسول الله وَير جِوارَه وانصرف، صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة، فطاف بها، فلَقيه ورقةُ بن نوفل، وهو يطوف بالكعبة، فقال: يا بن أخي أخبرني بما رأيتَ وسمعت، معرفة، و((إِلَّ)) نكرة، وحاشا لله أن يكون اسمه نكرة (١)، وإنما الألُّ كل ما له حُزْمة وحق، فَمِمَّا له حق ويجب تعظيمه: القرابة والرَّحِمُ والجوار والعهد، وهو من ألْلت: إذا اجتهدت في الشيء وحافظت عليه، ولم تضيعه، ومنه: الألَّ في السير وهو الجِد، ومنه قول الكُمَيت [یصف رجُلاً]: إذا دَعَتْ أَلَلَيْهَا الكاعبُ الْفُضُل وأنتَ ما أنت في غَبْراءَ مُجْدِبةٍ يريد: اجتهدت في الدعاء، وإذا كان الألُّ بالفتح المصدرَ، فالإلُّ بالكسر: الاسم كالذَّبْح في الذّبح، فهو إذًا الشيءُ المحافظ عليه، وقول الصَّدِّيقِ: [عن كلام مُسَيْلِمَةً]: هذا كلام لم يخرج من إلّ ولا برِّ، أي: لم يصدر عن ربوبية، لأن الرَّبوبية حقُّها واجبٌ مُعظّمٌ، وكذلك فسَّره أبو عُبَيْد، واتفق في اسم جبريل عليه السلام أنه موافق من جهة العربية لمعناه، وإن كان أعجميًّا، فإن الجبرَ هو إصلاح ما وهَى، وجبريل موكل بالوحي، وفي الوحي إصلاح ما فسد، وجَبْر ما وَهَى من الدين، ولم يكن معروفًا بمَكة ولا بأرض العرب فلما أخبر النبيُّ وَلِّ خديجة به انطلقت تسأل مَنْ عنده علمٌ من الكتاب كعَدَّاس ونَسْطُور الراهِب، فقال لها: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ! أنّى لهذا الاسم أن يُذكر في هذه البلاد، وقد قدّمنا هذا الخبرَ عنها، وهو في سِيَرِ التَّيْمِي لما ذكرناه قبل، وفي كتاب الْمُعَيْطِي عن أشهب قال: سُئِلَ مالك عن التسَمِّي بجبريل أو مَن يُسَمِّي به ولدَه، فكره ذلك، ولم يعجبه. (١) بل من أسمائه تعالى أنه ((أحد)) كما في سورة الإخلاص ﴿قل هو الله أحد) ولكن هذا الاسم إذا أطلق في حال الإثبات فإنما يختص بالله عزّ وجل وحده، ألا ترى لما قال بلال رضي الله عنه وهو يُعذّب: ((أحدٌ أحدٌ)) فهم الكفار أنه يعني - يعني - الله تعالى - وأما إذا جاء هذا الاسم أو هذه اللفظة في النفي أو الإضافة فهي تعمّ وتشمل كما في نهاية السورة نفسها، وفي حال الإضافة كقوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ وكقوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم﴾. انظر للمحقّق القول الأسنى في تفسير أسماء الله الحسنى. ٤٠٧ فأخبره رسولُ اللهِ وَلِ﴾، فقال له ورقةُ: والذي نفسي بيده، إنك لنبيّ هذه الأمة، ولقد جاءك النَّاموسُ الأكبرُ الذي جاء موسى، وَلِتُكَذَّبَنَّه ولتُؤْذَّيَّنَّه، ولتُخْرَجَنَّه، ولَتُقَاتَلَهْ، ولئن أنا أدركتُ ذلك اليوم لأَنْصُرَنَّ الله نصرًا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه، فقبَّل يافوخه، ثم انصرف رسول الله وَلته إلى منزله(١). قال ابن إسحاق: وحدّثني إسماعيل بن أبي حَكيم مولى آل الزبير: أنه حُدِّث(٢) عن خديجة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله وَله: أي ابْنَ عمّ، أتستطيع أن تُخْبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: ((نعم)). قالت: فإذا جاءك فأخبرني به. فجاءه جبريلُ عليه السلام، كما كان يصنع، فقال رسولُ اللهِ وَ﴿ لخديجة: ((يا خديجة، هذا جبريلُ قد جاءني))، قالت: قم يا بن عمّ فاجلس على فخذي اليسرى، قال: فقام رسول الله - 19 - فجلس عليها، قالت: هل تراه؟ قال: ((نعم))، قالت: فتحوّلْ، فاجلس على فخذي اليمنى، قالت فتحوّل رسول الله و ﴿، فجلس على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟ قال: ((نعم))، قالت: فتحول فاجلس في حجري، قالت: فتحول رسول الله - دَله - فجلس في حجرها، قالت: هل تراه؟ قال: ((نعم))، قال: فَتَحسَّرت وألقت خِمارها - ورسول الله وَّر جالس في حجرها -، ثم قالت له: هل تراه؟ قال: ((لا))، قالت: يا بن عمّ، اثْبُتْ وأبْشِر، فوالله إنَّه لَمَلَكُ وما هذا بشيطان. قال ابن إسحاق: وقد حدّثتُ عبدَ الله بن حسن هذا الحديث، فقال: قد سمعتُ أُمي فاطمة بنت حُسين تحدّث بهذا الحديث عن خديجة، إلا أني سمعتها تقول: أدخلتْ رسول الله وَل﴿ بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبريلُ، فقالت لرسول الله وَله: إن هذا لَمَلَكٌ، وما هو بشيطان. معنى الناموس : وقول ورقة: لقد جاءه الناموسُ الأكبرُ الذي كان يأتي موسى. الناموس: صاحب سِرّ الْمَلِكِ، قال بعضُهم: هو صاحبُ سِرِّ الخير، والجاسوسُ: هو صاحبُ سرُّ الشرّ، وقد فسّره أبو عبيد وأنشد: فأبْلغ يَزِيدَ إِنْ عَرَضْتَ ومُنْذِرًا عَمَّهُمَا والْمُسْتَشِزَّ الْمُنَامِسَا(٣) (١) أخرجه البخاري (٣٧/٩) ومسلم (١٣٩/١) وأحمد (٢٣٣/٢٣٢/٦) مع اختلاف يسير. (٢) فيه انقطاع. (٣) المنامس: أي الداخل في الناموس. والبيت للكميت كما في اللسان (٢٤٤/٦). ٤٠٨ لِمَ ذکر موسى ولم يذكر عيسى: وإنما ذكر ورقةُ موسى ولم يذكر عيسى، وهو أقرب، لأن وَرَقَةَ كان قد تنصّر، والنصارى لا يقولون في عيسى: إنه نبيَّ يأتيه جبريلُ، إنما يقولون فيه: إن أُقْنُومًا(١) من الأقانيم الثلاثةِ اللَّهُوتيّة حلّ بناسُوتٍ(٢) الْمَسيح، واتَّحَدَ به على اختلافٍ بينهم في ذلك الحلول، وهو أُقنومُ الكلمة، والكَلِمةُ عندهم: عبارةٌ عن العِلم، فلذلك كان المسيحُ عندهم، يعلم الغيب، ويخبر بما في غد، فلما كان هذا من مذهب النصارى الْكذَبة على الله، المدّعين المحال، عدل عن ذكر عيسى إلى ذكر موسى لعلمه، أو لاعتقاده أن جبريلَ كان ينزل على موسى، لكن وَرَقَةً قد ثبت إيمانُه بمحمد عليه السلامُ(٣) وقد قدّمنا حديث الترمذي أن رسول الله - * - رآه في المنام، وعليه ثياب بيض إلى آخر الحديث(٤). حول هاء السكت والفعل تدرك: وقول ورقة: لتُكَذِّبَنَّه، وَلَتُؤْذَيَنَّهُ، ولا يُنطق بهذه الهاء إلا ساكنة لأنها هاء السكت، وليست بهاء إضمار. وقوله: إن أُذرك ذلك اليوم أنصرْك نصرًا مُؤَزَّرًا، وقال في الحديث: إن يُذْركني يومُك وهو القياسُ، لأن ورقةَ سابقٌ بالوجودِ، والسابقُ هو الذي يُذْركه مَن يأتي بعدَه، كما جاء في الحديث: أشقى الناس مَن أدركته الساعة وهو حيّ، ورواية ابن إسحق أيضًا لها وَجْهٌ، لأن المعنى: أترى ذلك اليوم، فسمَّى رؤيتَه إدراكًا، وفي التنزيل: ﴿لا تُدْرِكُه الأبصارُ﴾(٥) أي: لا تراه على أحد القولين. وقوله: مُؤَزَّرًا من الأزْر وهو القوة والعون. شرح: أو مخرجي؟ فصل: وفي حديث البخاري أن رسول الله - رَ﴿ ـ قال لورقةَ: أَوَ مُخْرِجِيٍّ هم. لا بُدَّ من تشديد الياء في مخرجي، لأنه جمع، والأصل مُخْرجُويَ فأدغمت الواوُ في الياء وهو خبر ابتداء مقدّم، ولو كان المبتدأ اسمًا ظاهر الجاز تخفيفُ الياء، ويكون الاسمُ الظاهرُ فاعلاً لا مبتدأ، كما تقول: أضارب قومُك، أخارجٌ إخوتُك فَتُفْرِد، لأنك رفعت به فاعلاً، وهو حَسَنٌ في مذهب سيبويه والأخفش، ولولا الاستفهام ما جاز الإفراد إلا على مذهب الأخفش، فإنه يقول: قائم الزيدون دون استفهام، فإن كان الاسم المبتدأ من المُضْمَرَات نحو: أخارجٌ أنت، (١) أقنومًا: أي أصل من الأصول الثلاثة. (٣) لم يثبت هذا. (٥) سورة الأنعام آية رقم (١٠٣). (٢) أي بجسد المسيح عليه السلام. (٤) تقدم تخريجه وبيان ضعفه. ٤٠٩ وأقائم هو؟ لم يصحّ فيه إلا الابتداء، لأن الفاعلَ إذا كان مُضْمَرًا لم يكن منفصلاً لا تقول: قام أنا، ولا ذهب أنت وكذلك لا تقول: أذاهب أنت على حدِّ الفاعل ولكن على المبتدأ، وإذا كان على حَدّ المبتدأ، فلا بدّ من جمع الخبر، فعلى هذا تقول: أَمُخْرِجِيَّ هم، تريد: مخرجون، ثم أضف إلى الياء، وحذف النون، وأدغمت الواو كما يقتضي القياس. حول اليافوخ والذهاب إلى ورقة: فصل: وذكر أن ورقة بن نوفل لَقِيَ النبي عليه السلام، فقبّل يافُوخَه قد تقدّم ذكر اليافوخ، وأنه يَفْعُول مهموز، وأنه لا يقال في رأس الطفل يافوخ حتى يشْتَدَّ وإنما يقال له: الغاذية، وذكرنا قول العجاج: ضَربٌ إذا أصاب اليافيخ حَفَر. ولو كان يافوخ فَاعُولاً، كما ظن بعضهم لم يجز همزهُ في الواحد. ولا في الجمع وفي رواية يونس عن ابن إسحق بسنده إلى أبي مَيْسرةً عمرو بن شُرَخْبِيل أن رسول الله وَله. قال لخديجة: ((إني إذا خلوت وحدي سمعت نداءً، وقد خشيتُ والله أن يكونَ لهذا أمرٌ)). قالت: مَعَاذَ اللَّهِ ما كان الله ليفعلَ ذلك بك. فوالله إنك لتؤدّي الأمانة وتصل الرحمَ. وتَصْدُقُ الحديث، فلما دخل أبو بكر، وليس [عندها] رسول الله - رَ﴿ - ثم ذكرت خديجةُ له ذلك، فقالت: يا عَتيقُ اذهبْ مع محمد إلى وَرقةَ، فلما دخل رسول الله - وَلفور - أخذ أبو بكر بيده. فقال: انطلق بنا إلى ورقة بن نوفل. فقال: ((ومَن أخبرك)»؟ قال: خديجة، فانطلقا إليه، فقَصًّا عليه، فقال: ((إني إذا خلوت وحدي سمعت نداءً خلفي: يا محمد يا محمد، فأنطلقُ هاربًا في الأرض)). فقال له: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت، حتى تسمع ما يقول لك. ثم اثتِني، فأخبرني، فلما خلا ناداه: يا محمد قل: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله ربّ العالمين. حتى بلغ: ولا الضالين. قل: لا إله إلا الله. فأتى ورقةَ، فذكر ذلك له، فقال له ورقة: أبْشِر، ثم أبْشِر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابنُ مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك ستُؤْمَر بالجهاد بعد يومك هذا. ولئن أدركني ذلك لأَجاهدَنَّ معك. فلما تُوفّيَ ورقةُ قال رسول الله وَلّى: ((لقد رأيت الْقَسَّ في الجنة، وعليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي وصدّقني)»(١)، يعني: وَرَقَة، وفي رواية (١) تقدم تخريجه وبيان ضعفه، والذي ذهب مع النبي وَي إنما هي خديجة رضي الله عنها وأرضاه كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، ولا صحة لزعمه أن الذي ذهب معه هو أبو بكر، وإلا ما الحاجة إلى عرض الإسلام عليه مرة أخرى وتأخّر إسلامه إن كان شهد ما دار مع ورقة. ٤١٠ يونسٍ أيضًا أنه عليه السلام قال لرجل سَبَّ ورقة: أما عَلِمْتَ أني رأيت لورقة جَنَّةً أو جنتين، وهذا الحديث الأخير قد أسنده البزار(١). لقد خشيت على نفسي: فصل: وفي الصحيح أنه قال لخديجة: لقد خشيت على نفسي، وتكلم العلماء في معنى هذه الخشية بأقوال كثيرة، فذهب أبو بكر الإسماعيلي(٢) إلى أن هذه الخشية كانت منه قبل أن يحصل له العلمُ بأن الذي جاءه مَلَك من عند الله، وكان أشقّ شيء عليه أن يقال عنه: مجنون، ولم يرَ الإسماعيلي أن هذا مُحال في مبدإِ الأمر؛ لأن العلمَ الضروري قد لا يحصل دفعة واحدة، وضرب مثلاً بالبيت من الشعر تسمع أوله، فلا تدري أنَظُمْ هو أم نثر، فإذا استمر الإنشاد، علمت قطعًا أنه قُصِد به قَصْد الشعر، كذلك لما استمر الوحيُّ واقترنت به القرائن المقتضية للعلم القطعي، حصل العلم الْقَطْعِيّ، وقد أثنى الله تعالى عليه بهذا العلم فقال: ﴿آمن الرسولُ بما أُنْزِل إليه من ربه والمؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿وملائكته وکتبِه ورُسُله﴾ فإيمانه بالله وبملائكته إيمان كسْبِيٍّ موعود عليه بالثوابِ الجزيل، كما وعد على سائر أفعاله الْمُكتَسبة كانت من أفعال القلب أو أفعال الجوارح، وقد قيل في قوله: ((لقد خشيت على نفسي))، أي: خشيت ألاّ أنهض بأعباء النبوّة، وأن أضعف عنها، ثم أزال الله خشيته، ورَزَقه الأنْدَ والقوة والثبات والعصمة، وقد قيل: إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه، ولا غَزْوَ، فإنه بشر يَخْشى من القتل والإذاية الشديدة ما يخشاه البشر، ثم يُهوّن عليه الصبرُ في ذات الله كلِّ خشية، ويجلب إلى قلبه كلَّ شجاعة وقوة، وقد قيل في معنى الخشية أقوال غير هذه، رغبت عن التطويل بذكرها(٣). (١) ((ضعيف)) وأخرجه الحاكم (١٣٤/٣). (٢) هو: أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني - أحد الحفّاظ المحدّثين - توفي سنة ٣٧١هـ. (٣) انظر فتح الباري (١/ ٢٧). ٤١١ ٠ ابتداء تنزيل القرآن قال ابن إسحاق: فابتُدِىء رسولُ الله و﴿ بالتنزيل في شهر رمضان، بقول الله عزّ وجلّ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أَنْزِلَ فِيهِ القُرآن هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدَى والفُرْقان﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أدْرَاكَ ما ليْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرِ سَلامٌ هِيَ حتى مَطْلَعِ الفَجْر﴾ القدر. وقال الله تعالى: ﴿حَم والكِتابِ المُبِين إنَّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلةٍ مُبارَكَةٍ إنَّا كُنَّا مَّنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيم أمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ١ - ٥]. وقال تعالى: ﴿إِنْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وما أَنْزَلْنا على عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَّقَى الجَمْعانِ﴾ [الأنفال: ٤١]. وذلك مُلْتقى رسول الله وَّه والمُشركين ببدر. قال ابن إسحاق: وحدّثني أبو جَعْفَر محمد بن عليّ بن حُسَين: أنَّ رسول اللهِ وَله التقى هو والمُشركون بيذْر يومَ الجمعة. صبيحَة سَبْعَ عَشْرَةً من رمضان. متى نزل القرآن؟ فصل: وذكر قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِل فيه القرآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. إلى آخر الآية، مستشهدًا بذلك على أن القرآن أُنزل في شهر رمضان، وفي ليلة القدر من رمضان، وهذا يحمل تأويلين: أحدهما: أن يكون أراد بدء النزول وأوله؛ لأن القرآن نزل في أكثر من عشرين سنة في رمضان وغيره، والثاني: ما قاله ابن عباس: أنه نزلَ جملة واحدة إلى سماء الدنيا، فجُعل في بيت العزَّةِ مَكْنونًا في الصحف المكرّمة، المرفوعة الْمُطَهَّرة، ثم نزلت منه الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة في أجوبة السائلين، والنوازل الحادثة إلى أن توفي - 18 - وهذا التأويل أشبه بالظاهر، وأصح في النقل والله أعلم(١). (١) وهو الأرجح والأشهر. والله أعلى وأعلم. ٤١٢ قال ابن إسحاق: ثم تَتَّامّ الوحيُّ إلى رسول الله وَّه. وهو مؤمنٌ بالله مُصَدّق بما جاءه منه، قد قبلَه بقَبوله، وتحمَّل منه ما حُمِّلَه على رضا العباد وسَخَطهم، والنبوّةُ أثقال ومُؤنة، لا يحملها، ولا يستطيع بها إلا أهل القوّة والعزم من الرسل بعون الله تعالى وتوفيقه، لما يَلْقَوْن من الناس، وما يُرَدّ عليهم مما جاءوا به عن الله سبحانه وتعالى. قال: فمضى رسولُ اللهِ وَّ على أمْرِ الله، على ما يَلْقَى من قومه من الخلاف والأذى. حول إضافة شهر إلى رمضان: فصل: وفي قوله تعالى: ﴿شهر رمضان﴾ فذكر الشهر مضافًا إلى رمضان، واختار الكتاب والموثقون النطق به بهذا اللفظ دون أن يقولوا: كتب في رمضان، وترجم البخاري والنّسوي(١) على جواز اللفظین جميعًا وأوردا حدیث رسول الله - ێير -: ((من صام رمضان، وإذا جاء رمضان))، ولم يقل: شهر رمضان، وقد بيّنت أن لكل مقام مقامه، ولا بدّ من ذكر شهر في مقام، ومن حذفه في مقام آخر، والحكمة في ذكره إذا ذكر في القرآن، والحكمة أيضًا في حذفه إذا حذف من اللفظ، وأين يصلح الحذف، ويكون أبلغ من الذكر، كل هذا مبين في كتاب ((نتائج الفكر))(٢)، فهناك أوردنا فيه فوائد تعجز عنها هِمَم أهل هذا العصر. أدناها تساوي رِخْلة عند مَن عرف قدرها، غير أنّا نشير إلى بعضها، فنقول: قال سيبويه: ومما لا يكون العمل إلا فيه كله: المحرم وصفر، يريد أن الاسم العلم يتناول اللفظ كله، وذلك إذا قلت: الأحد أو الاثنين، فإن قلت يوم الأحد أو شهر المحرم كان ظرفًا، ولم يجرِ مجرى المفعولات، وزال العموم من اللفظ، لأنك تريد: في الشهر وفي اليوم، ولذلك قال عليه السلام: مَن صام رمضان، ولم يقل شهر رمضان؛ ليكون العمل فيه كله، وهذه إشارة إلى بعض تلك الفوائد التي أحكمناها في غير هذا الكتاب. حبّ الرسول (َا﴾))(٣) وطنه: بقية من حديث ورقة، وذلك أنه قال لرسول الله وَله: لتُكَذَّبَنَّة، فلم يقل له النبي ◌َّ شيئًا، ثم قال: وَلَتُؤْذَيَنَّة، فلم يقل له شيئًا، ثم قال: ولَتُخْرَجَنَّة، فقال: ((أو مُخْرِجِيَّ هم))؟ ففي هذا دليل على حبّ الوطن وشدة مفارقته على النفس، وأيضًا فإنه حرَم الله وجوار بيته، (١) هو: أبو العباس الحسين بن سفيان النسوي. له مسند النسوي. (٢) مطبوع بعنوان ((أمالي السهيلي)) مطبعة دار السعادة. انظر ص (٦٣). (٣) بالمطبوع بدلاً من (﴿): (ص) وهو اختصار لـ(﴿) وهو اختصار سخيف باستعمالهم أيضًا ((صلعم)) وما هي إلا فكرة أختها يهودية أو نصرانية أو علمانية كما مرّ. فانتبه. ٤١٣ إسلام خديجة بنت خويلد وآمنت به خديجةُ بنتُ خُوَيلد، وصدقت بما جاءه من الله، ووازرته على أمره، وكانت أوّلَ مَن آمن بالله وبرسوله، وصدق بما جاء منه، فخفف الله بذلك عن نبيه وَلآه لا يسمع شيئًا مما يكرهُه مِنْ رَدِّ عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرّج الله عنه به إذا رجَعَ إليها، تُثَبِّته، وتخفّف عليه، وتصدقُه وتهوّن عليه أمر الناس، رحمها الله تعالى. وبلدة أبيه إسماعيل، فلذلك تحرّكت نفسه عند ذكر الخروج منه ما لم تتحرك قبل ذلك، فقال: ((أو مُخْرِجِيَّ هم))؟ والموضع الدالّ على تحرّك النفس وتحرّقها إدخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الإخراج بالسؤال عنه، وذلك أن الواو تُرَدّ إلى الكلام المتقدّم، وتُشعِر المخاطَب بأن الاستفهام على جهة الإنكار، أو التفجّع لكلامه أو التألّم منه. ذکر عبد الله بن حسن: فصل: وذكر عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وقوله: حدّثتني أُمي فاطمة بنت الحسين أن خديجة أدخلته بين ثوبها. الحديث عبد الله هذا هو: عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وأُمُّه: فاطمة بنت الحسين أُخت سُكَيْنة، واسمها: آمنة، وسكينة لقب لها التي كانت ذات دُعَابةٍ ومَزْح، وفي سكينة وأمها الرباب يقول الحسين بن علي - رضي الله عن جميعهم: إذا زارت سُكينةُ والرّباب(١) كأن الليلَ موصولٌ بِلَيْلٍ أي: زادت قومها، وهم: بنو عُلَيْم بن جَنابٍ من كَلْبٍ، ثم من بني كَعْبٍ بن عُلَيْمِ، ويعرف بنو كعب بن عُلَيْم ببني زَيدَ غير مصروف؛ لأنه اسم أَمهم، وعبد الله بن حسن هُو والد الطالِبِينَ القائمين على بني العباس، وهم: محمد ويحيى وإدريس مات إدريس بإفريقية فارًّا من الرشيد، ومات مسمومًا في دُلاَعةٍ (٢) أكلها، ووقع في كتاب الزبير بن أبي بكر قال: قال عبد الرحمن بن زيد: قال آدم عليه السلام: مما فُضِّل به عليّ ابني صاحبُ البعير أن زوجَه كانت عونًا له على تبليغ أمر الله، وأن زوجي كانت عونًا لي على المعصية (٣). حديث عبد الله بن جعفر وغيره عن خديجة فصل: وذكر حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أن رسولَ الله - وَلغيره - أمر أن (١) انظر الأغاني للأصفهاني ونسب قريش (٥٩). (٢) ضرب من محار البحر. (٣) كذب والنداء على آدم وزوجه عليهما السلام. ٤١٤ قال ابن إسحاق: وحدّثني هشام بن عُزوة، عن أبيه عُزوة بن الزبير، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: أُمِرْتُ أنْ أُبَشِّرَ خديجة ببيتٍ من قَصب، لا صَخَب فيه ولا نَصَب(١). قال ابن هشام: القصب ههنا: اللؤلؤ المجوّف. يبشّر خديجة ببيت من قَصَبٍ، لا صَخَب فيه، ولا نَصَب. هذا حديث مُزْسل، وقد رواه مسلم متصلاً عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما غِرْتَ على أحد ما غِرْتَ على خديجة، ولقد هَلَكَتْ قبل أن يتزوجني رسول الله - وَّه ـ بثلاث سنين، ولقد أُمِرَ أن يبشّرها بيت من قَصَبٍ في الجنة(٢). وفي حديث آخر أن عائشة قالت: ما تذكُر من عجوزٍ حمراء الشّذقين هلكت في الدهر، قد أبْدَلَكَ الله خيرًا منها، فغضب، وقال: ((والله ما أبدلني الله خيرًا منها؛ آمنت بي حين كذّبني الناس، وواسَتْنِي بمالها حين حَرَمني الناس، ورُزِقت الولد منها، وحُرِمته من غيرها))(٣)، وروى يونس عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي، قال: حدّثنا أبو نجيح قال: أُهْدِيَ لرسول الله وَ﴿وَ جَزُورٌ أو لحمٌ، فأخذ رسول الله - وَل﴿ - عظمًا منها، فناوله الرسول بيده؛ فقال: اذهب بهذا إلى فلانة، فقالت عائشة: لِمَّ غَمِرَتْ (٤) يدُك؟ فقال رسول الله - وَالِ﴾ - مغضَبًا: ((إن خديجةَ أوصتني بها))، فغارت عائشة، وقالت: لكأنه ليس في الأرض امرأة إلا خديجة، فقام رسول الله - رَ﴿هـ مغضَبًا، فلبث ما شاء الله ثم رجع، فإذا أم رُومان قالت يا رسول الله: ما لك ولعائشة؟! إنها حَدَثةٌ، وإنك أحقّ مَن تجاوز عنها، فأخذ بِشِذْقٍ عائشة، وقال: ألست القائلة: ((كأنما ليس على الأرضِ امرأةٌ إلا خديجة، والله لقد آمنت بي إذ كفر قومُك، ورزقت مني الولد وحُرِمتموه)»، وفي صحيح مُسْلم أن رسول الله - رَ﴿ - قال: ((خير نسائها: مريمُ بنتِ عِمران، وخير نسائها: خديجة))(٥)، والهاء في نسائها حين ذكر مريم عائدةٌ على السماء، والهاءُ في نسائها حين ذكر خديجة عائدةٌ على الأرض، وذلك أن هذا الحديثَ رواه وَكِيعٌ وأبو أُسَامة وابن نُمَيْر في آخرين، وأشار وكيعْ من بينهم حين حدّث بالحديث بإصبعه إلى السماء عند ذكر مريم، وإلى الأرض عند ذكر (١) (صحيح). أخرجه أحمد (٢٥/١) والحاكم (١٨٥/١٨٤/٣) والخطيب (٢٣٤/١٢). (٢) (صحيح)). أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (٧٤) والبخاري في مناقب الأنصار (٣٨١٦). (٣) (صحيح)). أخرجه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٢١) ومسلم في فضائل الصحابة (٧٨) الجزء الأول منه. (٤) الغمر: دسم اللحم. (٥) ((صحيح)). أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (٦٩). ٤١٥ خديجة، وهذه إشارة ليست من رأيه، وإنما هي زيادة من حديثه عن النبي - وَال * - وزيادة العدل مقبولة، ويحتمل أن يكون معنى إشارته إلى السماء والأرض عند ذكرهما، أي: هما خير نساءٍ بين السماء والأرض وهذا أثبت عندي بظاهر الحديث. ولعلنا أن نذكر اختلاف العلماء في التفضيل بين مريم وخديجة وعائشة - رضي الله عنهن - وأزواج النبي - نَّر - وما نَزَع به كلّ فريق منهم. حول ما بُشِرت به خديجة: وأما قوله: ببيتٍ من قَصَبٍ، فقد رواه الخطّابي مفسّرًا، وقال فيه: قالت خديجة: يا رسولَ الله، هل في الجنة قَصَبٌ؟ فقال: ((إنه قَصَبٌ من لُؤْلؤَ مُجَبِّى. قال الخطابي: يجوز أن يكون معناه: مُجَوَّبًا من قولك: جُبْت الثوبَ إذا خرقته، فيكون من المقلوب، ويجوز أن يكون الأصل مُجَبًَّا بباءين من الجَبِّ وهو القطع أي: قطع داخله، وقلبت الباء ياء، كما قالوا: تظنّيت من الظّنّ، وتقصَّيت أظفاري، وتكلم أصحاب المعاني في هذا الحديث، وقالوا: كيف لم يبشّرها إلا ببيتٍ، وأدنى أهل الجنة منزلةً مَن يُعطَى مسيرة ألف عام في الجنة، كما في حديث ابن عمر، خرَّجه الترمذي، وكيف لم ينعت هذا البيت بشيء من أوصاف النعيم والبهجة أكثر من نفي الصَّخَب وهو: رفع الصوت، فأما أبو بكر الإسْكَاف، فقال في كتاب فوائد الأخبار له: معنى الحديث: أنه بُشِرت ببيت زائد على ما أعدّ الله لها مما هو ثواب لإيمانها وعملها؛ ولذلك قال: لا صَخَب فيه ولا نَصَب، أي: لم تَنْصَب فيه، ولم تَصْخَب. أي: إنما أُعْطِيَتْه زيادة على جميع العمل الذي نصبت فيه. قال المؤلف رحمه الله: لا أدري ما هذا التأويل، ولا يقتضيه ظاهر الحديث، ولا يوجد شاهد يعضده، وأما الخطابي، فقال: البيت هاهنا عبارة عن قصر، وقد يقال لمنزل الرجل: بيته، والذي قاله صحيح، يقال في القوم: هم أهل بيت شرف وبيت عزّ، وفي التنزيل: ﴿غَيْرَ بَيتٍ من الْمُسْلِمِين﴾(١) ولكن لذكر البيت ههنا بهذا اللفظ ولقوله: ببيت، ولم يقل: بقصر معنًى لائق بصورة الحال، وذلك أنها كانت رَبَّةَ بيت إسلام لم يكن على الأرض بيت إسلام إلاَّ بيتها حين آمنت، وأيضًا فإنها أول مَن بنى بيتًا في الإسلام بتزويجها رسول الله - وَلغيره - ورغبتها فيه، وجزاء الفعل يذكر بلفظ الفعل، وإن كان أشرف منه لما جاء: ((مَن كَسَا مسلمًا على عُزيٍ كساه الله من حُلَلِ الجنة، ومَن سفى مسلمًا على ظمإِ سقاه الله من الرحيق(٢)، ومن (١) سورة الذاريات آية رقم (٣٦). (٢) ((صحيح)). أخرجه مسلم وأبو داود (١٦٨٢) والترمذي (٢٤٤٩) والبيهقي في الآداب (٩٤) بتحقيقي بنحوه. ٤١٦ هذا الباب قوله عليه السلام: ((مَن بنى الله مَسْجِدًا بنى الله له مثله في الجنة))(١) لم يرد مثله في كونه مسجدًا، ولا في صفته ولكن قابل البنيان بالبنيان، أي كما بَنى يُبنى له، كما قابل الكُسْوَة بالكُسْوة وَالسُّقْيا، بالسَّقيا، فهاهنا وقعت المماثلة، لا في ذات الْمَبْنِيِّ أَو الْمَكْسُوْ، وإذا ثبت هذا، فمن ههنا اقتضت الفصاحة أن يُعَبَّر لها عمّا بُشِرت به بلفظ البيت، وإن كان فيه مالا عينٌ رأته، ولا أُذُنَّ سَمِعَتْه، ولا خَطَر على قلب بشر، ومِن تَسْمِية الجزاء على الفعل بالفعل في عكس ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿نَسُوا الله فَنَسِيَهُم﴾(٢)، ﴿ومَكَروا ومَكَرِ اللَّهُ﴾(٣). وأما قولُه: لا صَخَب فيه، ولا نَصَب، فإنه أيضًا من باب ما كنّا بسبيله، لأنه - عليه السلام - دعاها إلى الإيمان، فأجابته عَفْوًا، لم تخوِجه إلى أن يَصْخَب كما يصخب الْبَعْل إذا تعصّت عليه حليلَتُه، ولا أن ينْصَب، بل أزالت عنه كل نصب، وآنَسَتْه من كل وحشة، وهَوَّنت عليه كل مكروه، وأراحته بمالها من كل كَدِّ ونصَب، فوصف منزلها الذي بُشِرت به بالصفة المقابلة لفَعالها وصورته. وأما قوله: من قَصَب، ولم يقل: من لؤلؤ، وإن كان المعنى واحدًا، ولكن في اختصاصه هذا اللفظَ من الْمُشاكلة المذكورة والمقابلة بلفظ الجزاء للفظ العمل أنها - رضي الله عنها - كانت قد أحرزت قَصَب السَّبْقِ إلى الإيمان دون غيرها من الرجال والنِّسْوان. والعربُ تسمّي السابقَ مُخْرِزًا للْقَصَب. قال الشاعر: أُمَيّةُ حتى أخرزُوا القَصَبَاتِ مَشَى ابن الزُّبَيْرِ الْقَهْقَرَى، وتقدمت فاقتضت البلاغةُ أن يعبّر بالعبارة المشاكِلة لعملها في جميع ألفاظ الحديث فتأمله. (١) (صحيح)). أخرجه البخاري (١٢٢/١) ومسلم في الزهد (٤٤/٤٣) وفي المساجد (٢٤) وأحمد (٧٠/٦١/١) والترمذي (٣١٨) وابن ماجه (٧٣٦). (٢) سورة التوبة آية رقم (٦٧). (٣) سورة آل عمران آية رقم (٥٤). ٤١٧ الروض الأنف/ ج ١/ م ٢٧ قال ابن هشام: وحدّثني مَنْ أثق به(١)، أن جبريل عليه السلام أتَى رسول الله وَله؛ فقال: أقْرىء خديجةَ السلامَ من ربها، فقال رسول الله وَله: ((يا خديجة، هذا جبريلُ يُقرئك السلام من الموازنة بين خديجة وعائشة: فصل: وذكر قول رسول الله﴿ لخَدِيجة: ((هذا جبريلُ يُقرئك السلام من ربك)). الحديث يُذْكَر عن أبي بكر بن داود أنه سُئِل: أعائشة أفضلُ، أم خديجة؟ فقال: ((عائشةٌ أقرأها رسولُ اللهِ وََّ السلامَ من جبريل، وخديجة أقرأها جبريلُ السلامَ من ربِّها على لسان محمد - رَ﴿ ـ فهي أفضل))، قيل له: فمَن أفضلُ، أخديجةُ أم فاطمةُ؟ فقال: إن رسولَ الله - رَ﴿ - قال: ((إن فاطمةَ بَضْعَةٌ مني(٢) فلا أعْدِل ببَضْعَة من رسول الله أحدًا»، وهذا استقراء حَسَنٌ، ويشهد لصحة هذا الاستقراء أنَّ أبا لُبَابَةَ حين ارْتَبَطَ نفسَه، وحلف ألاّ يَحُلَّه إلا رسولُ الله - وَ﴿ه ـ فجاءت فاطمةُ لِتَحُلَّهُ، فأبى من أجل قَسّمه، فقال رسول الله - رَ * -: ((إنما فاطمة مُضْغَةٌ مني))، فحلّته وسنذكر الحديث بإسناده في موضعِه، إن شاء الله تعالى، ويدلّ أيضًا على تفضيل فاطمة قولُه - عليه السلام - لها: ((أما تَرْضَيْن أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلاَّ مريم))(٣)؟ فدخل في هذا الحديث أُمُّها وأخواتُها، وقد تكلم الناس في المعنى الذي سادت به فاطمةُ غيرَها دون أخواتها، فقيل: إنها وَلَدت سيدَ هذه الأمة، وهو الحسنُ الذي يقول فيه النبي - وَّهـ: ((إن ابني هذا سيد))(٤)، وهو خليفةٌ، بَعْلُها خليفة أيضًا، وأحسن من هذا القول قول مَن قال: سادت أخواتها وأمَّها، لأنهن مُتْن في حياة النبي - وَل﴿ - فكنّ في صحيفته، ومات أبوها وهو سيّد العالمين، فكان رُزْؤُه في صحيفتها وميزانِها، وقد روَى البَزَّار من طريق عائشةً أنه - وَ ل19 ـ قال لفاطمة: ((هي خير بناتي؛ إنها أُصيبت بي))(٥)، فحقٌّ لمَن كانت هذه حاله أن يسودَ نساء أهل الجنة، وهذا حَسَنٌ، والله أعلم. ومن سُؤْدُدِها أيضًا أن المهدي الْمُبشّر به آخر الزمان من ذُرِّيتها، فهي مخصوصةٌ بهذا كله والأحاديث الواردة في أمر المهدي كثيرة، وقد جمعها أبو بكر بن أبي خَيْئَمَةً فأكثر، ومن أغربها إسنادًا ما ذكره أبو بكر الإسكاف في فوائد الأخبار مسندًا إلى مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: (مَن كَذِّب (١) مجهول. (٢) (صحيح). أخرجه البخاري (٢٦/٥) ومسلم في فضائل الصحابة (٩٦). (٣) (صحيح). أخرجه البخاري (٧٩/٨) ومسلم في فضائل الصحابة (٩٩). (٤) (صحيح)) أخرجه البخاري (٢٤٤/٣) وأحمد (٣٨/٥) وابن عساكر (٣١٥/٤). (٥) أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط بعضه ورواه البزار ورجاله رجال الصحيح. قاله الهيثمي في المجموع (٢١٣/٩). ٤١٨ ربك))، فقالت خديجة: اللَّهُ السلامُ، ومنه السلامُ، وعلى جبريل السلام(١). بالدَّجَّال فقد كفر، ومَن كذّب بالمَهْدِيِّ فقد كفر))(٢)، وقال في طلوع الشمس من مغربها مثلَ ذلك فيما أحسب. الله السلام: وقول خديجة: الله السلامُ، ومنه السلام، وعلى جبريل السلامُ، علمت بفقهها أن الله سبحانه لا يُرَدُّ عليه السلام، كما يُرَدّ على المخلوق؛ لأن السلام دعاء بالسلامة فكان معنى قولها: الله السلام، فكيف أقول عليه السلام، والسلام منه يُسْئَل، ومنه يأتي؟ ولكن على جبريلَ السلامُ، فالذي يحصل من هذا الكلام من الفقه أنه لا يليق بالله سبحانه إلا الثَّنَاءُ عليه، فجعلت مكان رد التحية على الله ثناء عليه، كما عملوا في التشهّد حين قالوا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان، فقيل لهم: لا تقولوا هذا، ولكن قولوا: التحياتُ الله، وقد ذكرنا في غير هذا الكتاب فوائد جمّة في معنى التحيات إلى آخر التشهد. وقولها: ومنه السلام، إن كانت أرادت السلام التحية، فهو خَير يُراد به التشكّر، كما تقول: هذه النعمة من الله، وإن كانت أرادت السلام بالسلامةً من سوء، فهو خبرٌ يراد به المسألة، كما تقول: منه يُسْأَل الخير. وذهب أكثرُ أهل اللغة إلى أن السلامَ والسلامةَ بمعنى واحد كالرَّضَاع والرَّضَاعة، ولو تأملوا كلام العرب وما تعطيه هاءُ التأنيث من التحديد لرأوا أن بينهما فُرْقانًا عظيمًا، وأن الْجَلال أعمّ من الجلالَة بكثير، وأن اللَّذاذ أبلغ من اللَّذاذة، وأن الرَّضاعة تقع على الرَّضْعة الواحدة، والرَّضاع أكثرُ من ذلك، فكذلك السلامُ، والسلامةُ، وقِسْ على هذا: تَمْرة وتَمْرًا، ولَقَاة ولَقّى، وضَرْبَة وضَرْبًا، إلى غير ذلك، وتسمّى سبحانه بالسلام لما شمل جميع الخليقة، وعمّهم من السلامة من الاختلال والتفاوت إذ الكل جارٍ على نظام الحكمة، كذلك سَلِمِ الثّقَلان من جَوْر، وظلم أن يأتيهم من قِبَله سبحانه، فإنما الكُلُّ مُدَبَّرٌ بفضلٍ أو عدل، أما الكافر فلا يجري عليه إلا عدله، وأما المؤمنُ فيغمره فضلُه، فهو سبحانه في جميع أفعاله سلامٌ، لا حَيْفَ ولا ظلم، ولا تفاوت ولا اختلال، ومَن زعم من المفسّرين لهذا الاسم أنه تسمّى به لسلامته من الآفات والعيوب، فقد أتى بشنيع من القول، إنما السلامُ من سُلِم منه، والسالم مَنْ سَلِم من غيره، وانظر إلى قوله سبحانه: ﴿كوني بَرْدًا وسلامًا﴾(٣) (١) (صحيح)). أخرجه البخاري (١٣٦/٤) ومسلم في فضائل الصحابة (٩١) بنحوه من حديث عائشة رضي الله عنها. وابن عساكر (٣٦٤/٥). (٢) أورده السيوطي في الحاوي (١٦١/٢) وابن حجر الهيثمي في كتاب ((الفتاوى الحديثية)) ص (٣٧) بتحقيقي - وهو منسوب إليه - وإنما هو مستقّى من بعض مؤلفات السيوطي كما بيّنت هناك. فانظره. (٣) سورة الأنبياء آية رقم (٦٩). ٤١٩ قال ابن إسحاق: ثم فَتَر الوحي عن رسول الله - وَليزر - فترة من ذلك، حتى شقّ ذلك عليه، فأحزنه، فجاءه جبريلُ بسورة الضحى، يُقسم له ربه، وهو الذي أكرمه بما أكرمه به، ما ودّعه وما قلاه، فقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. يقول: ما صَرَمك فتركك، وما أبغضكَ منذ أحَبَّكَّ. ﴿وَللآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ أي: لَمَا عندي من مَرْجعك إليَّ، خيرٌ لك مما عَجَّلْت لك من الكرامة في الدنيا. ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ من الفَلْج في الدنيا، والثواب في الآخرة: ﴿أَلَّمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عائلا فأغْنَى﴾ يعرّفه الله ما ابتدأه به من كرامته في عاجل أمره، ومنّه عليه في يُتمه وضَلالته، واستنقاذه من ذلك كله برحمته. قال ابن هشام: سجَى: سكن. قال أمية بن أبي الصَّلْتِ الثقفي: وسَجا اللَّيلُ بالظّلام البَھیمِ إذْ أتى مَوْهِنًا وقد نام صَخبي وهذا البيت في قصيدة له، ويقال للعَيْن إذا سكن طرْفُها: ساجية، وسجا طرفها. وإلى قوله: ﴿سلام هي﴾(١) ولا يقال في الحائط: سالم من الْعَمى، ولا في الْحَجَرِ أنه سالم من الزكام، أو من السُّعال إنما يقال: سالم فيمن تجوز عليه الآفة، ويتوقعها ثم يَسْلَم منها، والْقُدُّوسُ سبحانه مُتَعَالٍ عن توقع الآفات مُتَتَزّه عن جواز النقائص، ومَن هذه صفته لا يقال: سَلِم، ولا يَتَسمَّى بسالم، وهم قد جعلوا سلامًا بمعنى سالم، والذي ذكرناه أولُ، هو معنى قول أكثر السلف والسَّلامة: خَصْلَةٌ واحدة من خِصال السلام(٢). فترة الوحي : فصل: وذكر فترة الوحي عن رسول الله - * - ولم يذكر مقدار مدة الفترة، وقد جاء في بعض الأحاديث الْمُسْنَدة أنها كانت سنتين ونصفَ سنة، فمن هنا يتّفق ما قاله أنس بن مالك أن مُكْثه بمكة كان عشر سنين، وقول ابن عباس: ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، وكان قد ابتدىء بالرؤيا الصادقة ستة أشهر، فمَن عَدَّ مدة الفترة، وأضاف إليها الأشهر الستة، كانت كما قال ابن عباس، ومَنْ عَدَّها من حین حَمِيَ الوحي وتتابع، كما في حديث جابر كانت عشر سنين. ووجهٌ آخر في الجمع بين القولين أيضًا، وهو أن الشعبي قال: وكّل أسرافيلُ بنبوّة محمد - رَ﴾ - ثلاث سنين، ثم جاءه بالقرآن جبريلُ وقد قدّمنا هذا الحديث(٣)، ورواه أبو عمر في كتاب الاستيعاب، وإذا صحّ فهو أيضًا وجه من الجمع بين الحديثين، والله أعلم. (١) سورة القدر آية رقم (٥) .. (٢) انظر للمحقّق ((القول الأسنى في تفسير أسماء الله الحسنى)). (٣) وتقدم معه الكلام أن هذا لا صحة له. ٤٢٠