النص المفهرس

صفحات 361-380

تحتها، ثم قال: أذرِ ما أذرِ، يوم عَقْر ونَحْر، فقالت قُرَيش حين بلغها ذلك: ما يريد؟
ثم جاءها ليلة أخرى، فأنْقَضَ تحتها، ثم قال: شُعُوبٌ، ما شُعُوبْ، تُصرع فيه کعبٌ
لِجُنُوب: فلما بلغ ذلك قريشًا، قالوا: ماذا يريد؟ إن هذا لأمرٌ هو كائن، فانظروا ما
هو؟ فما عرفوه حتى كانت وقعة بَذْر وأُحُد بالشّعب، فعرفوا أنه الذي كان جاء إلى
صاحبته .
قال ابن هشام: الْغَيْطَلَةُ: من بني مُرَّةَ بن عَبْد مناة بن كنانة، إخوة مُذْلِج بن مرة،
وهي أُم الغياطل الذين ذكر أبو طالب في قوله:
لقَد سَفُهَتْ أحلامُ قَوْمٍ تَبَدَّلوا بَنِي خَلَف قَيْضًا بنا والغَيَاطِلِ
فقيل لولدها: الغياطل، وهم من بَني سهم بن عَمْرو بن هُصَيْص. وهذا البيت في
قصيدة له، سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
قال ابن إسحاق: وحدّثني عليّ بن نافع الْجُرَشِيّ: أنَّ جَنْبًا بَطْنًا من اليمن، كان لهم
كاهنّ في الجاهلية، فلما ذُكر أمر رسول الله وَّر، وانتشر في العرب، قالت له جَنْب:
انظر لنا في أمر هذا الرجل، واجتمعوا له في أسفل جبله، فنزل عليهم حين طلعت
الشمس، فوقف لهم قائمًا مُتَّكِئًا على قوس له، فرفع رأسه إلى السماءِ طويلاً، ثم جعل
وذكر قولها: شُعُوب وما شعوب، تُصرَع فيها كَعْبٌ لجُنُوب. كعبٌ مهنا هو:
كَعْبُ بن لُؤَيٍّ، والذين صُرِعوا لجنوبهم ببدرٍ وأُحُدٍ من أشرافٍ قريش، معظمهم من
كعب بن لُؤَيٍّ، وشُعُوبٌ همهنا أحسبه بضم الشين، ولم أجده مقيدًا، وكأنه جَمْعُ شِعبٍ،
وقول ابن إسحق يدل على هذا حين قال: فلم يُذْرَ ما قالت، حتى قُتِل مَنْ قُتِلَ ببدرٍ وأُحَدٍ
بالشّعب.
وذكر قول التابع: أذرِ ما أذرٍ، وقيد عن أبي عَلِيٍّ فيه رواية أخرى: وما بَذْر؟ وهي
أبْيَنُ من هذه، وفي غير رواية الْبَكَّائِيّ عن ابن إسحق أن فاطمةً بنت النعمان النَّجَّارية كان لها
تابعٌ من الجن، وكان إذا جاءها اقتحم عليها في بيتها، فلما كان في أول البعث أتاها، فقعد
على حائطِ الدار، ولم يدخل فقالت له: لِمَ لا تدخل؟ فقال: قد بُعث نبي بتحريم الزِّنا،
فذلك أول ما ذُكر النبي ◌َّه بالمدينة (١).
(١) قصة في حاجة إلى دليل ((صحيح)) يعتضدها. وقد لاحظ أخي القارىء تكرار هذه الكلمة السابقة
مرارًا. وذلك أن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد نصير. وما خرج عنهما فنقول
للقائل ((قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)) ونحن والحمد لله أمة السند والدليل عباد الله وحده،
ولسنا عباد للعلماء والشيوخ. وقد أخرج أبو نعيم في الدلائل الحديث بنحوه (٦٩).
٣٦١

يَنْزُو، ثم قال: أيها الناس، إن الله أكرم محمدًا واصطفاه، وطهَّر قلبه وحشاه، ومُكْتُه
فيكم أيها الناس قليل، ثم اشْتَدَّ في جبله راجعًا من حيث جاء.
ثقيف ولهب والرمي بالنجوم:
فصل: وذكر إنكارَ ثقيفٍ للرَّمْي بالنجوم، وما قاله عَمْرو بن أُمَيَّة أحد بني عِلاَج إلى
آخر الحديث، وهو كلام صحيح المعنى، لكنّ فيه إبهامًا لقوله: وإن كانت غير هذه النجوم
فهو لأمرٍ حدث، فما هو وقد فعل ما فعلت ثقيف بنو لِهْبٍ عند فزعهم للرمي بالنجوم،
فاجتمعوا إلى كاهن لهم يقال له: خَطر، فبيّن لهم الخبر، وما حدث من أمر النبوّة. روى
أبو جَعْفر العَقِيلي في كتاب الصحابة عن رجل من بني لِهْبٍ يقال له: لِهْبٌ أو لُهَيْب. وقد
تكلمنا على نسب لِهْبٍ في هذا الكتاب. قال لُهَيْب: حضرت مع رسول الله وَّـ، فذكرت
عنده الكهانة، فقلت: بأبي وأمي: نحن أول مَن عرف حراسة السماء، وزجْرَ الشياطين،
ومنعهم من استراقّ السمع عند قذف النجوم، وذلك أنّا اجتمعنا إلى كاهن لنا يقال له:
خَطَر بن مالك، وكان شيخًا كبيرًا، قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سنة، وكان من أعلم
كهّاننا، فقلنا: يا خَطَرُ هل عندك علم من هذه النجوم التي يُرمى بها، فإنّا قد فزعنا لها،
وخشينا سوء عاقبتها؟ فقال:
إثْتُوني بسَخّر
أُخبركُمُ الخبر
أبِخَيْرِ أم ضرر
أو لأمن أو حذر
قال: فانصرفنا عنه يومنا، فلما كان من غد في وجه السَّحَر أتيناه، فإذا هو قائم على
قدميه، شاخص في السماء بعينيه، فناديناه: أخَطَرٌ يا خَطَرُ؟ فأومأ إلينا: أنْ أمسكوا، فانقضّ
نجم عظيم من السماء، وصرخ الكاهن رافعًا صوته:
خَامَرَهُ عقابُهُ
أصابَهُ إصابة
أحرقه شهابُـه
عاجله عذابُه
زايــلــه جوابَـهُ
بَلْبَله بَلْبالُه
يا وَيْلَه ما حاله
تَقَطَّعَتْ حِبالُه
عاوده خَبَالُه
وغُيِّرت أحواله
٣٦٢

ثم أمسك طويلاً وهو يقول:
أُخبركُم بالحق والبيان
يا مَعْشَرَ بني فَخْطَانٍ
والبلدِ الْمُؤْتَمنِ السُّدَّان
أقسمت بالكعبةِ والأركانِ
بثاقبٍ بِكَفِّ ذي سلطان
لقد مُنِع السمعَ عُتَاةُ الجان
يُبْعث بالتنزيل والقرآن
من أجْلٍ مَبْعوثٍ عظيم الشانِ
تَبْطُل به عبادةُ الأوثان
وبالهدى وفاصلِ القرآن
قال: فقلنا: وَيْحَكَ يا خطر إنك لتذكر أمرًا عظيمًا، فماذا ترى لقومك؟ فقال:
أن يَتْبَعوا خَيرَ نَبِيِّ الإنس
أرى لِقَوْمِي ما أرى لِنَفْسِي
يُبعثُ في مكةَ دارِ الْحُمْسِ
بُزهانهُ مثلُ شُعاعِ الشمس
بِمُحكّمِ التَّنْزِيلِ غيرِ اللَّبْس
فقلنا له: يا خَطَرُ، ومِمَّن هو؟ فقال: والحياة والعَيْش. إنه لمن قريش، ما في حِلْمِهِ
طَيش، ولا في خلقه هَيْش(١) يكون في جَيْشٍ، وأي ◌َيْش، من آل قَخْطانَ وآل أيْش، فقلت
له: بيّن لنا: من أي قريش هو؟ فقال: والبيت ذي الدعائم، والركن والأحائم، إنه لَمِنْ نجل
هاشم، من معشر کرائم، يُبْعَثُ بِالْمَلاَحِمْ، وقتل كل ظالم، ثم قال: هذا هو البيان، أخبرني
به رئيس الجان، ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر - ثم سكت
وأُغمي عليه، فما أفاق إلا بعد ثلاثة، فقال: لا إله إلا الله؛ فقال رسول الله - صل*ه -: ((لقد
نطق عن مثل نُبُوَّة، وإنه ليُبْعَثُ يوم القيامة أُمة وحده(٢).
إ
أصل ألف إصابة:
قال المؤلف: في هذا الخبر قوله: أصابه إصابة، هكذا قيّدته بكسر الهمزة من إصابة
عَلَى أبي بكر بن طاهر، وأخبرني به عن أبي علي الغَسَّانِيِّ، ووجهه أن تكون الهمزة بدلاً من
واو مكسورة مثل وشاح وإشاح [ووسادة وإسادة]، والمعنى: أصابه وصَابه جمع: وَصَب
مثل: جَمل وجِمَالة.
(١) أي شيء قبيح.
(٢) أورده الحافظ في الإصابة (٣٧١/٣) وفيه عمارة بن زيد متهم بالوضع.
٣٦٣

قال ابن إسحاق: وحدّثني مَن لا أنَّهم (١) عن عبد الله بن كَعْب، مولى عثمان بن
معنى كلمة أيش والأحائم:
وقوله: من آل قحطان وآل أيْشٍ، يعني بآل قحطان: الأنصار؛ لأنهم من قحطان، وأما
آل أيش، فيحتمل أن تكون قبيلة من الجِن المؤمنين، ينسبون إلى أيْش، فإن يكن هذا، وإلا
فله معنى في المدح غريب، تقول: فلان أيش هو وابن أيش، ومعناه: أي شيء أي شيء
عظيم فكأنه أراد من آل قحطان، ومن المهاجرين الذي يقال فيهم مثل هذا، كما تقول: هم،
وما هم؟ وزيد ما زيد، وأيّ شيء زيد، وأيش في معنى: أي شيء، كما يقال وَيْلُمُّه في
معنى: ويل أُمه على الحذف لكثرة الاستعمال، وهذا كما قال: هو في جيش أيما جيش،
والله أعلم. وأحسبه أراد بآل أيش: بني أُقَيش، وهم حلفاءُ الأنصار من الجن؛ فحذف من
الاسم حرفًا، وقد تفعل العرب مثل هذا، وقد وقع ذكر بني أَقَيش في السيرة في الحديث
البَيْعَةِ .
وذكر الركن والأحائم يجوز أن يكون أراد: الأحاوم بالواو، فهمز الواو الانكسارها،
والأحاوم: جمع أحوام والأحوام جميع حَوْم، وهو الماء في البئر، فكأنه أراد: ماء زمزم،
والْخَوْم أيضًا: إبل كثيرة ترد الماء، فعبّر بالأحائم عن وُرَّاد زمزم، ويجوز أن يريد بها الطير
وحمامَ مكة التي تحوم على الماء، فيكون بمعنى الحوائم، وقلب اللفظ، فصار بعد فواعل:
أفاعل، والله أعلم.
حيّ جنب:
فصل: وذكر أن جَنْبًا وهم حَيٍّ من اليمن اجتمعوا إلى كاهن لهم، فسألوه عن أمر
النبي - وَلِ﴾ - حين رمى بالنجوم إلى آخر الحديث: جَنْبٌ هم من مَذْحِج، وهم: عَيِّذُ الله،
وأَنَس الله، وزَيْدُ الله، وأوْسُ الله، وجُعْفِي، والحكم، وجِزوة، بنو سعد العشيرة بن مَذْحِج،
ومَذْحج هو: مالك بن أُدَد، وسُمُّوا: جنبًا لأنهم جانبوا بني عمهم صُدَاء ويزيدا بني سعد
العشيرة بن مَذْحج. قاله الدارَقُطْنِي. وذكر في موضع آخر خلافًا في أسمائهم، وذكر فيهم
بني غَلِيٍّ بالغين، وليس في العرب غَلِيٍّ غيره، قال مهلهِل:
جَنْبٍ، وكان الجِباءُ من أدَم
أنْكَحها فَقْدُها الأراقِمَ في
معنى خلت في وشيعة:
فصل: وذكر حديث عمر، وقوله للرجل: أكنت كاهنًا في الجاهلية؟ فقال الرجل:
(١) مجهول.
٣٦٤

عفَّان، أنه حدَّثَ: أن عمر بن الخطاب، بينما هو جالس في مَسْجد رسول الله وَله، إذ
أقبل رجل من العرب داخلاً المسجدَ، يريد عمرَ بن الخطاب، فلما نَظر إليه عمر رضي
الله عنه، قال: إن هذا الرجلَ لَعَلَى شِرْكه ما فارقه بعدُ، أو لقد كان كاهنًا في الجاهلية.
فَسَلَّم عليه الرجلُ، ثم جلس، فقال له عمر - رضي الله عنه: هل أسلمتَ؟ قال: نعم يا
أمير المؤمنين، قال له: فهل كنت كاهنًا في الجاهلية؟ فقال الرجل: سُبحان الله يا أمير
المؤمنين! لقد خِلْتَ فِيَّ، واستقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رَعِيَّتِك منذ وَلِيتَ ما
وليتَ، فقال عمر: اللَّهِمَّ غَفْرًا، قد كنَّا في الجاهلية على شرِّ من هذا، نعبد الأصنام،
ونَعْتَنِقِ الأوثان، حتى أكرمنا الله برسوله وبالإسلام، قال: نعم، والله يا أمير المؤمنين،
لقد كنتُ كاهنًا في الجاهلية، قال: فأخبرني ما جاءك به صاحِبُك، قال: جاءني قبل
الإسلام بشهر أو شَيْعِه، فقال: ألم تَرَ إلى الجنّ وإبلاسها، وإياسها من دينها، ولُحوقها
بالقِلاص وأخلاسها.
قال ابن هشام: هذا الكلام سجع، وليس بشعر.
قال عبد الله بن كعب: فقال عمرُ بن الخطاب عند ذلك يُحَدِّث الناس: والله إني
لَعِنْدَ وَثَنٍ من أوثان الجاهلية في نَّفَر من قريش، قد ذَبح له رجل من العرب عجلاً، فنحن
ننتظر قَسَّمه ليَقْسِم لنا منه، إذ سمعت من جوف العجل صوتًا ما سمعت صوتًا قَطْ أَنْفَذَ
منه، وذلك قُبَيل الإسلام بشهر أو شَيْعه، يقول: يا ذَرِيح، أمرٌ نَجِيح، رجل يَصيح،
يقول: لا إله إلا الله(١).
سُبْحانَ الله يا أمير المؤمنين لقد خِلْتَ فيَّ، واستقبلْتَني بأمر ما أراك استقبلت به أحدًا منذ
وليت! وذكر الحديث، وقوله: خِلت فيَّ هو من باب حذف الجملة الواقعة بعد خِلت
وظننت، كقولهم في المثل: مَنْ يسمع يَخَل، ولا يجوز حذف أحد المفعولين مع بقاء
الآخر، لأن حكمهما حكم الابتداء والخبر، فإذا حذفت الجملة كلها جاز؛ لأن حكمهما
حكم المفعول، والمفعول قد يجوز حذفه، ولكن لا بدّ من قرينة تدل على المراد، ففي
قولهم: مَن يسمع يَخَل دليل يدلّ على المفعول، وهو يسمع، وفي قوله، خِلْتَ فِيَّ دليل
أيضًا، وهو قوله: فِيَّ، كأنه قال: خِلتَ الشّرفِيّ أو نحو، هذا وقوله: قبل الإسلام بشهر أو
شَيْعة أي: دونه بقليل، وشَيْع كل شيء: ما هو تَبَع له، وهو من الشّياع وهي: خَطب صغار
تجعل مع الكبار تَبعًا لها، ومنه: الْمُشَيِّعة، وهي: الشاة تتبع الغنم، لأنها دونها من القوة.
(١) ((صحيح)). أخرجه البخاري في مناقب الأنصار - حديث رقم (٣٨٦٦).
٣٦٥

قال ابن هشام: ويقال: رجل يصيح، بلسان فصيح، يقول: لا إله إلا الله.
وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر.
وَشَدِّها العِيسَ بأخلاسها
عَجِبْتُ للْجِنّ وإِبْلاسِهَا
ما مُؤمنو الجِنّ كأنجاسِها
تَھْوي إلى مكّة تبغي الهُدى
جليح وسواد بن قارب:
والصوت الذي سمعه عمر من العجل يا جَلِيح سمعت بعض أشياخنا يقول: هو اسم
شيطان، والجليح في اللغة: ما تطاير من رؤوس النبات، وخفّ نحو القطن وشبهه،
والواحدة: جليحة، والذي وقع في السيرة: يا ذريح، وكأنه نِداءٌ للعجل المذبوح لقولهم:
أحمر ذَرِيجِيٍّ، أي: شديد الحمرة، فصار وصفًا للعجل الذبيح من أجل الدم: ومَن رواه: يا
جليح، فمآله إلى هذا المعنى؛ لأن العجل قد جُلح أي: كشف عنه الجلد، فالله أعلم، وهذا
الرجل الذي كان كاهنًا هو سواد بن قارب الدوسِيّ في قول ابن الكلبي، وقال غيره: هو
سَدُوسِيّ وفيه يقول القائل:
إلى الغايات في جَنْبي سواد
ألاَ لِلَّهِ علم لا يُجَارَى
فلم يَبْعَل، وأخبر بالسَّدَاد
أثيناه نسائله امتحانا
وهذان البيتان في شعر وخبر ذكره أبو علي القالي في أماليه، وروى غير ابن إسحاق
هذا الخير عن عمر على غير هذا الوجه، وأن عمر مازحه، فقال: ما فعلت كهانتُك يا
سواد؟! فغضِب، وقال: قد كنت أنا وأنت على شرٍّ من هذا من عبادة الأصنام وأكل
المَيْتَاتِ، أفتُعيرني بأمر تُبْتُ منه؟! فقال عمر حينئذ: اللَّهُمَّ غَفْرًا. وذكر غير ابن إسحق في
هذا الحديث سِيَاقَةً حسنة وزيادة مفيدة، وذكر أنه حَدَّث عمر أن رَئِيَّه جاء ثلاث ليال
متواليات، هو فيها كلها بين النائم واليقظان، فقال: قم يا سَوَادُ، واسمع مقالتي، واعقِل إن
كنت تعقل، قد بُعث رسول الله - وَلّ ـ من لُؤَيِّ بن غالب يدعو إلى الله وعبادته، وأنشده
في كل ليلة من الثلاث الليالي ثلاثة أبيات معناها واحد وقافيتها مختلفة:
وشَدِها العِيسَ بِأَقْتَابِها
عجبت لِلْجِنّ وتَطْلابها
ما صادقُ الجنّ کَكَذّابها
تَھوِي إلى مكةً تبغي الهدى
ليس قُدامَاها كأذْنابها
فارحَل إلى الصَّفْوَة من هاشم
وقال له في الثانية:
وشَدِّها الْعِيسَ بأخلاسها
عَجِبْتُ للجنّ وإبلاسِها
٣٦٦

قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغنا من الكُهّان من العرب.
ما طاهرُ الْجِنَّ كأنجاسِها
تهوي إلى مكة تبغي الْهُدى
ليس ذُنَابى الطيرٍ من رأسِها
فازحَل إلى الصفوةٍ من هاشم
وقال له في الثالثة:
وشَدِّهَا العِيسَ بأكْوارها
عجبت لِلْجِنّ وتَخْفَارِها
ما مؤمنُ الجن ككَفَّارِها
تَھوِي إلى مكة تبغي الهدى
ليس قُداماها كأدبَارها
فارحَل إلى الأثْقينَ من هاشمٍ
وذكّر تمام الخبر، وفي آخر شعر سواد قدم على رسول الله - وَلقر ـ فأنشده ما كان من
الجنّي رِئِيَّة ثلاث ليال متواليات، وذلك قوله :
ولم يك فيما قد بَلَوْتُ بكاذب
أتاني نَجيِّي بعد هَذٍ وَرَقْدَةٍ
أتاك نَبِيٍّ من لُؤَيِّ بن غالب
بِيَ الْعِرْمِسُ الْوَجْنَا هُجُولِ السَّبَاسِب
وأنك مأمون على كل غائب
إلى الله يا بن الأكرَمِين الأطايب
وإن كان فيما جئت شَيْبُ الذَّوَائِب
بِمُغْنٍ فَتِيلاً عن سَوادٍ بن قارب(١)
ثلاثَ لِيال قولُه كل ليلة
فرفّعتُ أذيال الإزار وشَمَّرَتْ
فأشهد أن اللَّهَ لا شيءَ غيرُه
وأنك أذنّى المرسلين وَسِيلةً
فَمُزْنَا بما يأتيك من وحي رَبِّنا
وكن لي شفيعًا يوم لاذُو شفاعةٍ
سواد ودوس عند وفاة الرسول (أولا):
ولسَوَادٍ بن قارب هذا مقامٌ حميدٌ في دَوْسٍ حين بلغهم وفاةُ رسول الله - رَّهِ - فقام
حينئذ سوادٌ، فقال: يا معشر الأزْدِ، إن من سعادة القوم أن يتعظوا بغيرهم، ومن شقائهم ألا
يتعظوا إلا بأنفسهم، ومَن لم تنفعه التجارب ضرّته، ومَن لَمْ يَسَعْه الحقُّ لم يسعه الباطلُ،
وإنما تُسْلِمون اليوم بما أسلمتم به أمس، وقد علمتم أن النبي - وَّ ــ قد تناول قومًا أَبْعَدَ
(١) أخرجه ابن الجوزي في المنتظم، (٣٤٣/٢) والصالحي في السيرة (٢/ ٢٨١) وأخرجه أبو نعيم في
الدلائل (٧٣) والبيهقي في الدلائل (٢٤٨/٢) وأورده السيوطي في الخصائص (١٧٠/١) ونسبه
للبيهقي مع اختلاف في بعض ألفاظه. والعرمس: الناقة الصلبة الشديدة. اللسان (١٣٨/٦).
والهجل: المطمئن من الأرض نحو الغائط. السابق (٦٨٩/١١). والسباسب: المفاوز، أي
الصحراء. السابق (٤٦٠/١).
٣٦٧

إنذار يهود برسول الله ملف:
قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادة، عن رجال من قومه(١)، قالوا:
إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهُداه، لِمَا كنَّا نسمع من رجال يهود،
كنّا أهلَ شِرْك أصحابَ أوثان، وكانوا أهلَ كتاب، عندهم علمٌ ليس لنا، وكانت لا تزال
منكم فَظفِر بهم، وأوْعَد قومًا أكثر منكم فأخافهم، ولم يمنعه منكم عُدَّة ولا عدد، وكل بلاء
مَنْسِيٍّ إلا بقي أثره في الناس، ولا ينبغي لأهل البلاء إلا أن يكونوا أذكّر من أهل العافية
للعافية، وإنما كَفَّ نبيَّ الله عنكم ما كفّكم عنه، فلم تزالوا خارجين مما فيه أهلُ البلاء،
داخلين مما فيه أهلُ العافية، حتى قَدِمَ على رسول الله - وَلَّ - خطيبُكم ونقيبُكم فَعَبَّر
الخطيبُ عن الشاهد، ونقَّب النقيب عن الغائب، ولست أدري لعله تكون للناس جَوْلَةٌ فإن
تكن، فالسَّلاَمَةُ منها: الأَنَاةُ، والله يُحبُّها، فأحِبُّوها، فأجابه القوم وسمعوا قوله، فقال في
ذلك سواد بن قارب:
وأرى المصيبةً بعدها تَزْداد
جَلَّت مصيبتُك الغداةَ سوادُ
- صلّى الإلله عليه - ما يَغْتَاد
أو هل لمَن فقد النبيَّ فؤاد؟
جَفَّ الجنَابُ، فأجدب الرُّوَّادُ
وتَصَدَّعت وَجْدًا به الأكباد
حُلُمًا تضمَّنَ سَكْرَتَيْه رُقاد
باقٍ لَعَمْرُكَ في النفوسِ تِلاَد
الحقُّ حَقٌّ والجهادُ جهَادُ
بُذِلت له الأموالُ والأولاد
هذا له الأغياب والأشهاد
لو كان يَفْديه فداه سَواد
أمْرًا لِعاصفٍ ريحه إرْعَادُ
للأرض - إن رجفت بنا - أوتاد
زِدْتُم، وليس لِمُنْيَةٍ مزْدادُ
أبقى لنا فَقْدُ النبي محمدٍ
حُزْنًا لَعَمْرُك في الفؤادِ مُخَامِرًا
كنّا نَحُلُ به جَنَابًا مُمْرِعًا
فبكت عليه أرضُنا وسماؤنا
قَلَّ المتاعُ به، وكان عِیانُه
كان العِيان هو الطَّريفَ وحزنُه
إن النبيَّ وفاته كحياتِه
لو قيل: تَفْدُون النَّبِيَّ مُحَمَّدًا
وتسارعت فيه النفوسُ ببذلِها
هذا، وهذا لا يرد نَبِيَّنَا
أنّى أُحاذر والحوادثُ جَمَّةٌ
إن خَلَّ منه ما يُخاف فَأَنْتُم
لو زاد قومٌ فَوْق مُثْية صاحبٍ
(١) مجاهيل.
٣٦٨

بيننا وبينهم شرور، فإذا نِلْنا منهم بعضَ ما يكرهون، قالوا لنا: إنه تقارب زمانُ نبيّ يُبعَث
الآن نقتلُكم معه قَتْلَ عادٍ وإرَم، فكنَّا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسولَه وَلـ
أجَبْناه حين دعانا إلى الله تعالى، وعرَفنا ما كانوا يتوعَّدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنًا به،
وكفروا به، ففينا وفيهم نَزل هؤلاء الآياتِ من البقرة: ﴿وَلَّمَا جاءَهُمْ كِتَابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ
مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ على الَّذِينِ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا
بِهِ فَلَعَنَةُ اللَّهِ على الكافِرِين﴾ [البقرة: ٧٩].
قال ابن هشام: يستفتحون: يستنصرون، ويستفتحون أيضًا: يتحاكمون، وفي كتاب
الله تعالى: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وَبينَ قَوْمِنا بالحق وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].
قال ابن إسحاق: وحدّثني صالحُ بن إبراهيم بن عَبْد الرحمن بن عَوْف عن
محمود بن لَبيد أخي بَني عَبْد الأشْهل عن سَلَمة بن سَلاَمة بن وَقْش - وكان سَلَمَةُ من
كاهنة قریش:
فأعجب القومَ شِعْرُه، وقولُه: فأجابوا إلى ما أحب، ومن هذا الباب خَبَرُ سَوْدَاء بنت
زُهْرَة بن كلاب، وذلك أنها حين وُلدت ورآها أبوها زَرْقَاءَ شَيْمَاءَ(١) أمر بِوأْدِها، وكانوا
يَئِدُون مِنَ البناتِ ما كان على هذه الصفة فأرسلها إلى الْحَجُون لتدفن هناك، فلما حفر لها
الحافرُ، وأراد دفنها سمع هاتفًا يقول لا تَئِذْن الصَّبِيَّة، وخَلِّها في الْبَريَّة، فالتفت فلم يرَ شيئًا،
فعاد لدفنها، فسمع الهاتفَ يهتف بسجع آخر في المعنى، فرجع إلى أبيها، فأخبره بما سمع،
فقال: إن لها لشأنًا، وتركها، فكانت كاهنةَ قُرَيْش، فقالت يومًا لبني زُهرة: إن فيكم نذيرةً،
أو تلد نذيرًا، فاعْرِضوا عَلَيَّ بناتكم، فعُرِضْنَ عليها، فقالت في كل واحدة منهنّ قولاً ظهر
بعد حين، حتى عُرِضت عليها آمنةُ بنتُ وَهْبٍ، فقالت: هذه النذيرةُ، أو تلد نذيرًا، وهو
خبر طويلٌ ذكر الزُّبَيْرُ منه يسيرًا، وأورده بطوله أبو بكر النَّقَّاشُ، وفيه ذكر جَهَنَّمَ - أعاذنا اللَّهُ
منها - ولم يكن اسمُ جَهَنَّمَ، مَسْوغًا به عندهم، فقالوا لها: وما جَهَنَّم، فقالت: سيخبركم
النذيرُ عنها(٢)
حديث سلمة:
فصل: وذكر ابن إسحق حديث سَلَمَةَ بن سَلامة بن وَقْشٍ، وما سمع من اليهودي
حين ذكر الجنة والنار، وقال: آية ذلك نَبِيَّ: مبعوثٌ قد أظلَّ زمانُه إلى آخر الحديث، وليس
فيه إشكال، وابن وَقْشٍ يقال فيه: وَقَش بتحريك القاف وتسكينِها، والْوَقْش: الحركة.
(١) شيماء: أي فيه شامة تميزها.
(٢) قصة في حاجة إلى دليل ((صحيح)) يعتضدها، وظاهرها يشهد بوضعها.
٣٦٩
الروض الأنف/ ج ١/ م ٢٤

أصحاب بَذْر - قال: كان لنا جارٌ من يَهُودَ في بني عَبْد الأشْهل، قال: فخرج علينا يومًا
من بيته، حتى وقف على بني عَبْد الأشْهل - قال سَلَمَةُ: وأنا يومئذ أحدثُ مَن فيه سِنَّا،
عليَّ بُرْدةٌ لي، مُضْطَجِعْ فيها بفِناء أهلي - فذكر القيامةَ والبعث والحِساب والميزان والجنَّة
والنار، قال: فقال ذلك لقوم أهلِ شِرْكٍ أصحاب أوثان لا يَرَون أنّ بعثًا كائنٌ بعد
الموت، فقالوا له: وَيْحَكَ يا فلان !! أوَ ترى هذا كائنًا، أنّ الناس يُبعثون بعد موتهم إلى
دارٍ فيها جنّة ونار، يُجزَون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يُحلَف به، ويَوَدُّ أن له
بحظّه من تلك النار أعظم تَنُورٍ في الدار، يُحْمُونه ثم يُدخلونه إياه فيُطَيِّعونه عليه، بأن
يَنْجو من تلك النار غدًا، فقالوا له: وَيْحَكَ يا فلان! فما آية ذلك؟ قال: نبيّ مَبْعوث من
نحو هذه البلاد - وأشار بيده إلى مكة واليمن - فقالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليَّ، وأنا
مِن أحدثهم سِنَّا، فقال: إن يَسْتنفِذْ هذا الغلامُ عمرَه يُذْركه. قال سَلَمة: فوالله ما ذهب
الليل والنهار حتى بعث الله محمدًا رسوله - بَ ل﴿ه ـ وهو حيٍّ بين أظهرنا، فآمنًا به، وكفر
به بَغْيًا وحسدًا. قال: فقلنا له: وَيْحَكَ يا فلان !! ألست الذي قلتَ لنا فيه ما قلت؟ قال؛
بلی. ولكن ليس به(١) .
قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عُمر بن قتادة عن شيخ من بني قُرَيظة(٢) قال:
قال لي: هل تدري عَمّ كان إسلام ثَعْلبة بن سَعْية وأسِيد بن سَعْية وأَسَد بن عبيد نَفَرٍ من
بني هَدَلْ، إخوة بني قريظة، كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا ساداتهم في الإسلام.
قال: قلت: لا، قال: فإن رجلاً من يَهُودَ من أهل الشام، يقال له: ابن الهَيِّبَان، قَدِمَ
علينا قُبَيل الإسلام بسنين، فحلّ بين أظْهُرِنا، لا والله ما رأينا رجلاً قَطْ لا يصلي الخمس
حديث ابن الهيبان وبنو سعية:
فصل: وذكر حديث ابن الْهَيََّان، وما بَشِّر به من أمْرٍ النبي - وَّر - وأن ذلك كان سببَ
إسلام ثعلبة بن سَعْية وأسِيد بن سَعْية وَأَسَدَ بن سَعْيَة، وهم من بني هَذْل، والْهَيَّبَانُ من
المسمّين بالصفات، يقال قُطْن هَيَّبان أي: منتفش، وأنشد أبو حنيفة:
تُطِير اللُّغَامَ(٣) الْهَيَّبَان، كأنه
جَنَى عُشَرٍ (٤) تَنْفِيه أشْداقُها الْهُدْل(٥)
والْهَيِّبَان أيضًا: الجبان، وقد قدّمنا الاختلاف في هَذلٍ، وأما أسِيد بن سَعْية، فقال
إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، عن ابن إسحاق، وهو أحد
(١) ((حسن)). أخرجه أحمد (٤٦٧/٣).
(٣) اللغام: زيد أفواه الإبل.
(٥) الهدل: استرخاء المشفر الأسفل من الجمل.
(٢) مجهول.
(٤) العشر: ضرب من الشجر.
٣٧٠

أفضل منه، فأقام عندنا فكنا إذا قَحَطَ عنّا المطرُ قُلْنا له: اخرُج يا بن الهَيِّان فاسْتَسْق لنا،
فيقول: لا والله، حتى تُقَدِّموا بين يدي مَخْرَجكم صدقةً، فنقول له: كم؟ فيقول: صاعًا
من تَمر: أو مُدَّيْن من شَعِير. قال: فنُخرجها، ثم يَخْرج بنا إلى ظاهر حَرّتنا، فيستسْقي
اللَّهَ لنا. فوالله ما يَبْرَحُ مَجْلسه، حتى تمرّ السحابة ونُسْقَى، قد فعل ذلك غيرَ مرّة ولا
مرتين ولا ثلاث. قال: ثم حَضَرَتْه الوفاةُ عندنا. فلما عَرَف أنه مَيِّت، قال: يا معشر
يَهُودَ، ما ترونه أخْرَجني من أرض الْخَمَرِ والْخَمِيرِ إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا:
إنك أعلم، قال: فإني إنما قَدِمتُ هذه البلدةَ أتوكَّف خروجَ نبيّ قد أظَلَّ زمانهُ، وهذه
البلدة مُهاجَره، فكنت أرجو أن يُبعثَ، فأتبعه، وقد أظلَّكم زمانه، فلا تُسْبَقُنَّ إليه يا معشر
يهود، فإنه يُبعث بسَفْك الدماء، وسَبْي الذَّراري والنساء مِمَّن خالفه، فلا يمنعكم ذلك
منه. فلما بُعث رسول الله - رَ﴿ه ـ وحاصَر بني قُرَيظة، قال هؤلاء الفِتْية، وكانوا شبابًا
أحداثًا: يا بني قَرَيظة، والله إنه لَلنَِّيُّ الذي كان عَهِد إليكم فيه ابنُ الهَيِّان، قالوا: ليس به
رواة المغازي عنه أُسَيد بن سعية بضم الألف، وقال يونس بن بكير عن ابن إسحق، وهو
قول الواقدي وغيره أسيد بفتحها قال: الدارَقُطْنِي: وهذا هو الصواب، ولا يصحّ ما قاله
إبراهيم عن ابن إسحق، وبنو سَعْيَةً هؤلاء فيهم أنزل الله عزّ وجل ﴿من أهل الكتاب أُمَّةٌ
قائمةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] الآية، وسَغية أبوهم يقال له: ابن العريض، وهو بالسِّين
المهملة، والياء المنقوطة باثنين.
سُغْنَة الحبر وإسلامه:
وأما سُعْنَةُ بالنون، فزيد بن سُعنة حَبْر من أحبار يهود، كان قد داين النبيَّ - وَّ -
فجاءه يتقاضاه قبل الأجل، فقال: ألا تَقْضِيني يا محمد، فإنكم يا بني عبد المطلب مُطْلٌ،
وما أردت إلا أن أعلم علمكم، فارتعد عمر، ودار، كأنه في فَلَك، وجعل يلحظ يمينًا
وشمالاً، وقال: تقول هذا لرسول الله يا عدُوَّ الله؟! فقال له رسول الله وَ له: ((إنّا إلى غير هذا
منك أحوجُ يا عمر: أن تأمرَني بحسن الأداء، وتأمرَه بحسن التَّبِعَة، قم فاقْضِهِ عني، فوالله ما
حلّ الأجَّلُ، وزده عشرين صاعًا بما رَوَّعتَه))، وفي حديث آخر: أنه قال: ((دعه؛ فإن
لصاحب الحق مقالاً)، ويُذكّر أنه أسلم(١) لِما رأى من موافقة وصف النبي عليه السلام لما
كان عنده في التوراة، وكان يجده موصوفًا بالحلم، فلما رأى من حِلمه ما رأى أسلم، وتوفّي
غازيًا مع رسول الله - بَّر - في غزوة تَّبُوك، ويقال في اسمه: سَعْية بالياء كما في الأول،
ولم يذكره الدارقطني إلا بالنون.
(١) ((حسن)). أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٥٢).
٣٧١

قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته، فنزلوا وأسلموا، وأخرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم.
قال ابن إسحاق: فبهذا ما بلغنا عن أخبار يَهود.
حديث إسلام سلمان رضي الله عنه
قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصمُ بن عُمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن
لَبيد، عن عبد الله بن عبَّاس، قال: حدّثني سَلْمان الفارسي مِنْ فيه قال: كنتُ رجلاً
فارسيًّا من أهل إصْبَهان من أهل قَرْية يُقال لها: جَيّ، وكان أبي دِهْقانَ قَرْيته، وكنتُ
أحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إليه، لم يزل به حُبُّه إياي حتى حَبسني في بيته كما تُخْبَس الجارية،
واجتهدت في المجوسية حتى كنتُ قَطَنَ النار الذي يوقدها، لا يتركها تَخْبو ساعةً. قال:
وكانت لأبي ضيعةٌ عظيمة، قال: فشُغل في بُنيانٍ له يومًا، فقال لي: يا بني، إني قد
شُغِلت في بُنياني هذا اليوم عن ضَيْعتي، فاذهب إليها، فاطّلعها - وأمَرني فيها ببعض ما
يُريد - ثم قال لي: ولا تَحْتَبِسْ عني؛ فإنك إن احتبستَ عني كنتَ أهم إليَّ من ضَيْعتي،
وشَغَلْتني عن كل شيء من أمري. قال: فخرجت أُريد ضيعته التي بعثني إليها، فمررتُ
بكنيسة من كنائس التّصارى، فسمعت أصواتَهم فيها وهم يصلُّون، وكنت لا أدري ما أمْرُ
الناس، لِحَبْس أبي إيَّاي في بيته، فلما سمعتُ أصواتَهم دخلتُ عليهم، أنظر ما يَصْنعون،
فلما رأيتُهم، أعجبتني صلاتهم، ورغبتُ في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين
الذي نحن عليه، فوالله ما بَرِخْتُهم حتى غَرَبت الشمسُ، وتركت ضيعة أبي فلم آتِها، ثم
قلت لهم: أين أصْل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. فرجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي،
وشغلته عن عمله کله، فلما جئته قال؛ أي بنيّ أین کنت؟ أو لم أكُن عهدتُ إليك ما
عهدتُ؟ قال: قلت له: يا أبتِ، مررتُ بأناس يصلُون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت
من دينهم، فوالله ما زِلْت عندهم حتى غَرَبت الشمس، قال: أي بُني، ليس في ذلك
الدينِ خيرٌ، دينُك، ودينُ آبائك خيرٌ منه، قال: قلت له: كلا والله، إنه لخيرٌ من ديننا.
قال: فخافني، فجعل في رِجْلَيَّ قیدًا، ثم حبسني في بيته.
حدیث سلمان
فصل: وذكر حديث سَلْمان بطوله، وقال: كنت من أهل أصبهان هكذا قيده البكري
في كتاب الْمُعْجَم بالكسر في الهمزة، وإصْبَه بالعربية: فَرَسٌ، وقيل: هو العسكر، فمعنى
الكلمة: موضع العسكر أو الخيل، أو نحو هذا. وليس في حديث سلمان على طوله
إشكال، ووقع في الأصل في هذا الحديث: فلما رآني رسول الله - وَ﴿ - اسْتَذْبَرْتُه، ورأيت
في حاشية الشيخ: أُسْتَدِيرُ به، وكذلك وقع فيه: أحييها له بالفَقِير، وفي حاشية الشيخ:
الوجه التّفْقِير.
٣٧٢

قال: وبعثت إلى النّصارى فقلت لهم: إذا قَدم عليكم رَكْبٌ من الشام فأخبروني
بهم. قال: فَقَدِم عليهم ركبٌ من الشام تُجار من النصارى، فأخبروني بهم، فقلت لهم:
إذا قَضَوْا حوائجَهم، وأرادُوا الرَّجعة إلى بلادهم، فآذِنوني بهم: قال: فلما أرادوا الرجعة
إلى بلادهم، أخبروني بهم، فألقيتُ الحديدَ من رِجليّ، ثم خرجت معهم، حتى قَدِمْت
الشام فلما قَدِمتُها قلت: مَنْ أفضلُ أهل هذا الدين عِلْمًا؟ قالوا: الأَسْقُفَ في الكنيسة.
قال: فجِئته، فقلت له: إني قد رَغِبْت في هذا الدين، فأحببت أن أكونَ معك،
وأخذُمُك في كنيستك، فأتعلَّم منك، وأُصلّي معك، قال: ادخُل، فدخلت معه. قال:
وكان رَجُلَ سَوْء، يأمرهم بالصدقة، ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه شيئًا منها اكتنزه
لنفسه، ولم يُعْطه المساكين، حتى جمع سَبْع قِلال من ذهب ووَرِق. قال: فأبغضتُه بغضًا
شديدًا، لما رأيته يَصْنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النَّصارى، ليدفنوه، فقُلْتُ لهم: إنَّ هذا
كان رجل سَوْء، يأمركم بالصدقة، ويرغُبكم فيها، فإذا جئتموه بها، اكْتَنَزَها لنفسه، ولم
يُعْطِ المساكينَ منها شيئًا. قال: فقالوا لي: وما عِلْمُكَ بذلك؟ قال: قلت لهم: أنا أدلكم
على كنزه، قالوا: فدُلِّنا عليه، قال: فأرَيتُهم موضِعَه، فاستخرجوا سَبْع قِلال مملوءة ذهبًا
وَوَرِقًا، قال: فلما رأوها قالوا: والله لا نَذْفنه أبدًا. قال: فصَلبوه، ورجموه بالحجارة،
وجاءوا برجل آخر، فجعلوه مكانه.
قال: يقول سلمان: فما رأيتُ رجلاً لا يصلي الخمس، أرىَ أنه كان أفضلَ منه،
وأزهد في الدنيا، ولا أرغبَ في الآخرة ولا أدابَ ليلاً ولا نهارًا منه. قال: فأحببته حبًّا
لم أحبَّه قبله مِثْلَه. قال: فأقمتُ معه زمانًا، ثم حضرته الوفاةُ، فقلتُ له: يا فلان، إني
قد كنت معك، وأحببتك حبًّا لم أُحبَّه شيئًا قبلك، وقد حَضَرك ما ترى من أمر الله
تعالى، فإلى مَنْ تُوصي بي؟ وبِمَ تأمرني؟ قال: أَيْ بُنَّيّ، والله ما أعلم اليوم أحدًا على ما
كنتُ عليه، فقد هلك الناس، وبدَّلوا وتركوا أكْثَر ما كانوا عليه، إلا رجلاً بالمَوْصِل،
وهو فلان، وهو على ما كنتُ عليه فالْحَق به.
/ أسماء النخلة:
والْفَقِيرُ للنّخلة. يقال لها في الكَرْمَةِ: حَيِيَّة، وجمعها: حَيَايَا، وهي الْحَفِيرة، وإذا
خرجت النخلة من النواة فهي: غَرِيسة، ثم يقال لها: وَدِيَّة، ثم فَسِيلة، ثم أَشَاءَة، فإذا فاتت
اليد فهي: جَبَّارة، وهي الْعَضيد، والكُتِيلة، ويقال للتي لم تخرج من النواة، لكنها اجْتُنَّتْ
من جنب أُمها: قَلْعَةً وجَثِيئة، وهي الجَثائث والهِرَاء، ويقال للنخلة الطويلة: عَوَانة بلغة
عمان، وعَيْدَانة بلغة غيرهم، وهي فَيْعالة من عَدَن بالمكان، واختلف فيها قول صاحب كتاب
العين، فجعلها تارة: فَيْعالة من عَدَن، ثم جعلها في باب المعتل العين فَعْلانة.
٣٧٣

فلما مات وغُيِّب لحقتُ بصاحب المَوْصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصاني
عند موته أن ألحقَ بك، وأخبرني أنك على أمره، قال: فقال لي: أقِمْ عندي، فأقمتُ
عنده، فوجدتُه خيرَ رجلٍ على أمْرٍ صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت
له يا فلان: إن فلانًا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما
ترى، فإلى مَن تُوصي بي؟ وبِمَ تأمرني؟ قال: يا بنيّ، والله ما أعلم رجلاً على مثل ما
كنّا عليه، إلا رجلاً بنَصِيبين، وهو فلان، فالحق به.
فلما مات وغُيِّب لحقت بصاحب نَصِيبين، فأخبرته خبري، وما أمرني به صاحبايَ،
فقال: أقِمْ عندي، فأقمتُ عنده فوجدته على أمر صاحبيه. فأقمتُ مع خير رجلٍ، فوالله
ما لَبِث أن نزل به الموتُ، فلما حُضِر، قلت له: يا فلان، إن فلانًا كان أوصى بي إلى
فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى مَن تُوصي بي؟ وبِمَ تأمرني؟ قال: يا بنيّ، والله ما
أعلمه بَقِي أحدٌ على أمرنا آمُرك أن تأتيه إلا رجلاً بعَمُّورِيَةَ من أرض الروم، فإنه على مثل
ما نحن عليه، فإن أحببت فأتِه، فإنه على أمْرِنا.
فلما مات وغُيِّب لحقت بصاحب عمورية، فأخبرته خَبري، فقال: أُقِمْ عندي،
فأقمت عند خيرَ رجلٍ، على هَذي أصحابه وأمْرهم. قال: واكْتَسَبت حتى كانت لي
بقرات وغُنَيمة. قال: ثم نزل به أمرُ الله، فلما حُضِر، قلت له: يا فلان، إني كنت مع
فلان، فأوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك،
فإلى مَنْ تُوصي به؟ وبِمَ تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل
ما كنّا عليه مِن الناس آمرك به أن تأتيه، ولكنه قد أظلَّ زمان نبيّ، وهو مبعوث بدين
إبراهيم عليه السلام، يخرج بأرض العرب مُهاجرَه إلى أرض بين حَرَّتين، بينهما نخل، به
علامات لا تخفى، يأكل الهدِيَّة، ولا يأكل الصدقة، وبين كَتفَيْه خاتم النبوّة، فإن
استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
قال: ثم مات وغُيِّب، ومكثت بعمُورِيَةَ ما شاء الله أن أمكث، ثم مرّ بي نَفَر مِنْ
كَلْبٍ تجّار، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بَقراتي هذه وغُنَيمتي
ومن الْفَسِيلة حديث أنس: أن رسول الله - * - قال: ((إن قامت الساعة، وبِيَدِ أحدكم
فَسِيلة، فاستطاع أن يغرسها قبل أن تقوم الساعة، فلْيَغْرِسها))(١) من مصنّف حمّاد بن سلمة.
والذين صحبوا سلمان من النصارى كانوا على الحقِّ على دين عيسى ابن مريم، وكانوا ثلاثين
يُداولُونه سيدًا بعد سيد.
(١) (صحيح)). أخرجه أحمد (١٩١/٣) والبخاري في الأدب (٤٧٩).
٣٧٤

هذه، قالوا: نعم. فَأَعْطَيْتُمُوها، وحملوني معهم، حتى إذا بلغوا وادي القُرى ظلموني،
فباعوني من رجل يهودي عَبْدًا، فكنت عنده، ورأيت النخلَ، فرجوت أن يكون البلد
الذي وَصَف لي صاحبي، ولم يَحِقَّ في نفسي، فبينا أنا عنده، إذ قَدِمَ عليه ابنُ عمّ له من
بني قريظة من المدينة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها،
فعرفتها بِصفَة صاحبي، فأقمت بها، وبُعث رسول الله وَّ، فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع
له بذكر، مع ما أنا فيه من شغل الرقُ، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عَذْق
لسيدي أعمل له في بعضَ العمل، وسيّدي جالس تحتي، إذا أقبل ابنُ عمّ له، حتى وقف
عليه، فقال: يا فلان، قاتل الله بني قَيْلة، والله إنهم الآن لمجتمعون بقُبَاء على رجل قَدِم
عليهم من مگّة اليوم، يزعمون أنه نبيّ.
قال ابن هشام: قيلة: بنت كاهل بن عُذْرة بن سَعْد بن زَيْد بن لَيْث بن سَوْد بن
أُسْلمُ بن الحافِ بن قُضاعة، أم الأوس والخزرج.
قال النعمان بن بشير الأنصاري يمدح الأوْسَ والْخَزْرَجَ:
عليهم خليطٌ في مُخالطةٍ عَتْبًا
بها ليلُ مِنْ أولاد قَيْلة لم يَجِدْ
يَرَوْنَ عليهم فِعْلَ آبائهم نَحْبَا
مسَاميح أبْطال يُرَاحُون للندی
وهذان البيتان في قصيدة له :
قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عُمر بن قتادة الأنصاريّ، عن محمود بن
لَبيد، عن عبد الله بن عبَّاس، قال: قال سَلْمان: فلما سمعتُها أخذَتْني العُرَواء. قال ابن
هشام: العُرَوَاء: الرِّعدة من البرد والانتفاض، فإن كان مع ذلك عَرَق فهي الرُّحَضاء،
وكلاهما ممدود - حتى ظننتُ أني سأسقط على سيدي، فنزلت عن النخلة، فجعلت
أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ فغضب سيّدي، فلَكمني لَكْمَةً شديدة، ثم
قال: ما لك ولهذا؟ أقْبِلْ على عملك، قال: قلت: لا شيء، إنما أردت أن أَسْتَثبِتَه
عما قال.
قال: وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيتُ أخذتُه، ثم ذهبت به إلى
رسول الله - رَ﴿ه - وهو بقُباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجلٌ صالح،
من فقه حديث سلمان:
وذكر في آخر الحديث أنه جمع شَيْئًا، فجاء به النبيَّ - وَ ال ـ ـ ليختبره: أيأكل الصدقة،
أم لا، فلم يَسْألُه رسول الله - وَ﴾ - أحُرٌّ أنت أم عَبْدٌ، ولا: من أين لك هذا، ففي هذا من
الْفِقْهِ: قبولُ الهديَّةِ وتركُ سؤال الْمُهْدِي، وكذلك الصَّدقة.
٣٧٥
:

ومعك أصحاب لك غُرباء ذَوُو حاجة، وهذا شيءٌ قد كان عندي للصَّدَقة، فرأيتكم أحقّ
به من غيركم، قال: فقرّبته إليه، فقال رسول الله - رَّ - لأصحابه: كلوا، وأمْسَكَ يدَه،
فلم يأكل. قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة. قال ثم انصرفتُ عنه، فجَمَعت شيئًا،
وتحوّل رسول الله - 18 - إلى المدينة، ثم جئته به، فقلت له: إني قد رأيتك لا تأكل
الصدقة، فهذه هَديَّة أكرمتكَ بها. قال: فأكل رسول الله - وَلّره ـ منها، وأمر أصحابه،
فأكلوا معه. قال: فقلت في نفسي: هاتان ثِنْتَانٍ، قال: ثم جئت رسول الله - رَله - وهو
بِبَقِيعِ الغَرْقَدِ، قد تَبِعَ جِنازَةَ رجلٍ من أصحابه، عَليّ شَمْلَتَانٍ لي، وهو جالس في
أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي
صاحبي، فلما رآني رسول الله - وَّهِ اسْتَذْبَرْتُه، عَرَفَ أني أسْتَثْبِتُ في شيءٍ وُصف لي،
فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفتُه، فأكبَبْت عليه أَقبله، وأبكي. فقال لي
رسول الله وَالر: ((تحوّل))، فتحوّلت فجلستُ بين يديه، فقصصت عليه حديثي، كما
حدّثتُك يا بن عبَّاس، فأعجب رسول الله - صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم - أن يسمع
ذلك أصحابُه. ثم شغل سلمانَ الرِّقُ حتى وفاته مع رسول الله - ێ - بدرٌ وأُحُد.
حكم الصدقة للنبي ومصدر مال سلمان:
وفي الحديث: مَنْ قُدِّمَ إليه طعَامٌ فليأكل ولا يَسْأل. وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال
حديث سَلْمَانَ حُجَّةٌ على مَن قال إن العبد لا يملِك، وقال: لو كان لا يملِك ما قبل
النبي - وَلِ﴾ - صدقَتَه، ولا قال لأصحابه: كلوا صدقته. ذكر غير ابن إسحق في حديث
سَلْمان الوجه الذي جمع منه سلمانُ ما أهدى للنبي - وَ ﴿ - فقال: قال سَلْمان: كنت عبدًا
لامرأةٍ، فسألتُ سيدتي أن تهبّ لي يومًا، فعملت في ذلك اليوم على صاع أو صاعين من
تَمْر، وجئت به النبي - وَ﴿ ـ فلما رأيته لا يأكل الصدقة، سألت سيدتي أن تَهَبَ لي يومًا
آخر، فعملت فيه على ذلك، ثم جئت به هدية للنبي - ◌َّليه ـ فقبله وأكل منه، فبيَّن في هذه
الرواية الوجة الذي جمع منه سلمانُ ما ذكر في حديث ابن إسحق، والصدقة التي قال النبي
عليه السلام: لا تحِلُّ لمحمد، ولا لآل محمد هي المفروضة دون التَّطَوُّعِ، قاله الشافعي،
غير أن رسول الله - * - لم يكن تحلّ له صدقة الفَرض ولا التطوع، وهو معنى قول
مالك.
وقال الثوري: لا تَحِلُّ الصدقة لآل محمد فرضُها ولا نفْلُها ولا لمواليهم، لأن مَوْلَى
القوم من أنفسهم، بذلك جاء الحديث. وقال مالك: تحلّ لمواليهم، وقالت جماعة، منهم
أبو يوسف: لا تَحِلُّ لآل محمد صدقة غيرهم، وتَحِلُّ لهم صدقة بعضهم على بعض، وهم
بنو هاشم وبنو عبد المطلب.
٣٧٦

قال سَلْمانُ: ثم قال لي رسول الله وَله: كاتِبْ يا سَلْمان فكاتبت صاحبي على
ثلثمائة نخلة أُخييها له بالفَقِير، وأربعين أوقية. فقال رسول الله - رَله - لأصحابه: أعينوا
أخاكم، فأعانوني بالنخل، الرجلُ بثلاثين وَدِيَّةً، والرجل بعشرين وَدِيةً، والرجل بخَمْسَ
عشرةَ وديَّةً، والرجل بعشرٍ، يُعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلثمائة وديَّةٍ،
فقال لي رسول الله - وَ ل﴿هـ: اذهب يا سَلْمان فَفَقِّر لها، فإذا فَرَغت فَأْتِنِي، أكُنْ أنا أضعها
بيدي. قال: فَفَقَّرت، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغتُ جئتُه، فأخبرتهُ، فخرج رسول
الله - رَيُ - معي إليها، فجعلنا نقرّب إليه الوَدِيّ، ويضعه رسول الله - بَلقوله - بيده، حتى
فَرَغْنا. فوالذي نَفْس سَلْمان بيده، ما ماتت منها وَدِيةٌ واحِدة. قال: فأدّيتُ النخل، وبَقي
عليّ المال. فَأَتِيَ رسول الله - وَه - بمثل بَيْضة الدَّجاجة من ذهب، من بعض الْمَعادن،
فقال: ((ما فعل الفارسيّ المُكاتَب))؟ قال: فدُعيت له، فقال: ((خُذْ هذه، فأدّها ممَّا عليك
يا سَلْمان)». قال: قلت: وأين تَقَع هذه يا رسول الله ممَّا عليّ؟ فقال: ((خُذْها، فإنّ الله
سيؤدي بها عنك)). قال: فأخذتها، فوزنت لهم منها - والذي نفسُ سَلْمان بيده - أربعينَ
أوقية، فأوفَيْتُهم حقَّهم منها، وعَتَقَ سَلْمانُ. فشهدتُ مع رسول الله - صلّى الله عليه وآله
وسلّم - الخَنْدَقَ حُرًّا، ثم لَم يَقُتْني معه مَشْهَدْ.
قال ابن إسحاق: وحدّثني يزيد بن أبي حَبيب، عن رجل(١) من عَبْد القَيْس عن
سَلْمان: أنه قال: لمَّا قلت: وأين تقع هذه مِنَ الذي عليّ يا رسول الله؟ أخذها رسولُ
اللهِ وَ﴿، فقلّبها على لسانه، ثم قال: ((خذها فأوْفِهمْ منها». فأخذتها، فأوفيتهم منها
حقّهم كلَّه، أربعين أوقية.
أول مَن مات بعد الهجرة:
وقول سلمان: فأتيت رسول الله وهو في جِنَازَةِ بعض أصحابه. صاحبُه الذي مات في
تلك الأيام: كُلْتُوم بن الهِذْم الذي نزل عليه النبي - وَّر .. قال الطبري(٢): أول مَن مات من
أصحاب النبي - * - بعد قدومه المدينة بأيام قليلة: كُلْثُومُ بن الهِدْم، ثم مات بعده
أسعد بن زُرَارَةً.
فصل: وذكر ابن إسحق في مكاتبة سلمان أنه فَقَر لثلاثمائة وَدِيَّةٍ أي: حفر، وأن
رسول الله ـ رٍَّ﴾ - وضعها كلها بيده، فلم تمت منها وَدِيَّةٌ واحدة، وذكر البخاري حديث
سَلْمَان كما ذكره ابن إسحق غير أنه ذكر أن سلمان غرس بيده وَدِيَّة واحدة، وغرس رسولُ
الله - رَ﴿ - سائرها، فعاشت كلَّها إلا التي غرس سَلْمَانُ. هذا معنى حديث البخاري.
(١) مجهول.
(٢) تاريخ الطبري (٥٧١/١).
٣٧٧

قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عُمَر بن قَتادة، قال: حدّثنِي مَن لا أتّهم(١)
عن عُمر بن عبد العزيز بن مروان، قال: حُدِّثت عن سلمان الفارسيّ: أنه قال: الرسول
الله - وَلِ﴿ - حين أخبره خبرَه: إنَّ صاحبٌ عمُّورَيَة قال له: اثْتِ كذا وكذا من أرض
الشام، فإنّ بها رجلاً بين غَيْضَتَيْن، يخرج في كل سنة مِن هذه الغَيضة إلى هذه الغَيضة
مُسْتَجِيزًا، يعترضه ذَوُو الأسقام، فلا يدعو لأحدٍ منهم إلا شُفي، فاسأله عن هذا الدين
الذي تبتغي، فهو يخبرك عنه، قال سَلْمان: فخرجتُ حتى أتيت حيث وصف لي،
فوجدتُ الناسَ قد اجتمعُوا بمَرْضاهم هنالك، حتى خرج لهم تلك الليلةَ، مُسْتَجِيزًا من
إحدى الغَيْضَتَيْنِ إلى الأخرى، فَغَشِيَه الناسُ بمَرْضاهم، لا يدعو لمريض إلا شُفي،
وغلبوني عليه، فلم أخلُص إليه حتى دخل الغِيْضة التي يريد أن يدخل، إلا مَنْكِبَهُ. قال:
فتناولتهُ: فقال: مَنْ هذا؟ والتفتَ إليَّ، فقلت: يرحمك الله، أخبرني عن الْحَنِيفِيَّة دين
إبراهيم. قال: إنك لتسألني عن شيء ما يسأل عنه الناسُ اليومَ، قد أظلَّك زمانُ نبيّ
يُبعث بهذا الدين من أهل الحرم، فأَتِه فهو يَخمِلك عليه. قال: ثم دخل. قال: فقال
رسول الله - ◌َ﴿ ـ لسلمان: لئن كنتَ صَدَقتني يا سلمان، لقد لقِيتَ عيسى ابنَ مَرْيَم على
نبِينا وعليه السلام(٢).
أسطورة نزول عيسى قبل بعثة النبي:
فصل: وذكر عن داود بن الْحُصَيْن قال: حدّثني مَنْ لا أتهم عن عمر بن عبد العزيز
قال: قال سلمانُ للنبي - وََّ ـــ وذكر خبرَ الرجل الذي كان يخرج مُسْتَجِيزًا من غَيْضَةٍ إلى
غَيْضَةٍ، ويلقاه الناسُ بمرضاهم، فلا يدعو لمريض إلا شُفي، وأن النبي - وَّر - قال: ((إن
كنت صَدَقْتَنِي يا سلمان، فقد رأيتَ عيسى ابن مريم)). إسنادُ هذا الحديث مقطوع، وفيه
رجل مجهول، ويقال: إن ذلك الرجلَ هو الحسنُ بن عمارة، وهو ضعيف بإجماع منهم،
فإنْ صحّ الحديثُ(٣)، فلا نَكَارَةَ في مَثْنِه، فقد ذكر الطبري أن المسيح عليه السلام نزل بعدما
رفع، وأُمُّه وامرأةٌ أُخْرى عند الْجِذْع الذي فيه الصليب يَتَّكِئان، فكلمهما، وأخبرهما أنه لم
يُقْتَل، وأن الله رفعه وأرسل إلى الحواريِّين، ووجّههم إلى البلاد، وإذا جاز أن ينزل مرة جاز
أن ينزل مرارًا، ولكن لا يُعلم أنه هو حتى ينزلَ النزول الظاهرَ فيكسر الصليبَ ويقتل الخنزيرَ
(١) مجهول.
(٢) (صحيح)). أخرجه أحمد (٤٤١/٥ - ٤٤٤) وابن سعد في الطبقات (٥٣/١/٤) والجزري في
أسد الغابة (٤١٧/٢) والطبراني (٦٠٦٥) والخطيب في تاريخ بغداد (١٩٤/١) وأبو نعيم في
السير (٥٠٥/١).
(٣) لم يصح.
٣٧٨

ذكر ورقة بن نوفل بن أسد بن العزى
وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمرو بن نفيل
قال ابن إسحاق: واجتمعت قُرَيش يومًا في عيدٍ لهم عند صنم من أصنامهم، كانوا
يعظّمونه ويَنْحَرُون له، ويعكِفُون عنده، ويُديرون به، وكان ذلك عِيدًا لهم، في كل سنة
يومًا، فخلَص منهم أربعةُ نَفَر نَجِيًّا، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقُوا، وليكْتُم بعضُكم
على بعض، قالوا: أجل، وهم: وَرَقة بن نَوْفل بن أسَد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ بنِ
كِلاب بن مُرّة بن كعب بن لؤي، وعُبيد الله بن جَحْش بن رِئابٍ بن يَعْمَّر بن صَبْرة بن
مُرّة بن كبير بن غَثْم بن دُودان بن أسد بن خُزَيْمَة، وكانت أُمه أُمَيْمَةَ بنت عبد المطلب.
وعثمان بن الحُوَيْرِث بن أسَد بن عبد العُزَّى بن قُصيّ، وَزَيْد بن عَمْرو بن نُفَيل بن
عبد العُزَّى بن عبد الله بن قُرْط بن رِيَاحِ بن رِزَاح بن عديّ بن كُغْب بن لؤيّ، فقال
بعضهم لبعضٍ: تعلَّموا والله ما قومُكم على شيء! لقد أخْطَؤُوا دينَ أبيهم إبراهيم! ما
حَجَرٌ نُطيف به، لا يسمع ولا يُبْصر، ولا يضرّ ولا ينفع؟! يا قوم التمسوا لأنفسكم،
فإنكم والله ما أنتم على شيء، فتفرّقوا في البُلْدان يلتمسون الحنيفية، دينَ إبراهيم.
كما جاء في الصحيح والله أعلم، ويُروى أنه إذا نزل تزويج امرأة من جُذام، ويدفن إذا مات
في الرَّوضة التي فيها النبي عليه السلام(١).
ذکر حدیث ورقة بن نوفل
فصل: وذكر حديث وَرَقَة بن نوفل، وعبيد الله بن جَخْش، وعثمان بن الْحُوَيْرِثِ،
وزَيْد بن عَمْرو بن نُفَيْل وما تَنَاجَوْا به، وقال: زيد بن عمرو بن نفيل إلى آخر النسب،
والمعروفُ في نسبه ونسب ابن عمه عمر بن الخطاب: نُفَيل بن رياح بن عبد الله بن
قُرْط بن رِزاح بتقديم رياح على عبد الله، ورِزاح بكسر الراء قيده الشيخُ أبو بحر، وزَعم
الدارَقُطْني أنه رَزاح بالفتح، وإنما رِزاح بالكسر: رِزاح بن ربيعة أخو قُصَيٍّ لأَمه الذي تقدم
ذكره.
الزواج من امرأة الأب في الجاهلية:
وأُمّ زيد هي: الحَيْدَاء بنت خالد الفَهْمية، وهي امرأة جدّه نُفَيْل ولدت له الخَطَّابَ فهو
(١) أسطورة كما قال رحمه الله تعالى، أما كونه عليه السلام ينزل فيتزوج امرأة من جذام ويدفن في
الروضة الشريفة فهذا كلام يفتقر إلى دليل ((صحيح)) يعتضده - والله أعلى وأعلم.
٣٧٩

فأمَّا وَرَقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية، واتُّبَعَ الكتبَ من أهلها، حتى علم علمًا .
من أهل الكتاب، وأمَّا عُبيد الله بن جَخش، فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى
أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأتهُ أُمّ حبيبة بنت أبي سُفيان مُسْلِمَةً،
فلما قدمها تنصَّر، وفارق الإسلام، حتى هلك هنالك نَصْرانيًّا.
أخو الخطاب لأُمه، وابن أخيه، وكان ذلك مُبَاحًا في الجاهلية بشرع متقدّم(١)، ولم تكن من
الْحُرُمَاتِ التي انْتَهَكُوها، ولا من العظائم التي ابتدعوها، لأنه أمر كان في عمود نسب رسول
الله - ◌َ﴿ - فكِنَانة تزوج امرأة أبيه خُزَيْمة، وهي بَرَّةُ بنت مُرِّ، فولدت له النَّضْرَ بن كنانة،
وهاشمٌ أيضًا قد تزوج امرأة أبيه وافدة فولدت له ضعيفة، ولكن هو خارج عن عمود نسب
رسول الله -* - لأنها لم تلد جَدًّا له، أعني: واقِدة، وقد قال عليه السلام: أنا من نكاح
لا من سِفاح (٢)، ولذلك قال سبحانه: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نكح آباؤكم من النساء إلاَّ ما قد
سَلَف﴾ [النساء: ٢٢]. أي: إلا ما سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام: وفائدة هذا الاستثناء
ألاَّ يُعاب نسبُ رسول الله - ﴿ - وليعلم أنه لم يكن في أجداده مَن كان لِغَيَّةٍ (٣) ولا من
سفاح. ألا نرى أنه لم يقل في شيء نهى عنه في القرآن: إلا ما قد سلف، نحو قوله: ﴿ولا
تقربوا الزِّنا﴾ ولم يقل إلا ما قد سلف: ﴿ولا تقتلوا النفسَ التي حَرَّم الله﴾ [الإسراء: ٣٠]
ولم يقل إلا ما قد سلف، ولا في شيءٍ من المعاصي التي نهى عنها إلا في هذه، وفي
الجمع بين الأختين؛ لأن الجمع بين الأختين قد كان مُباحًا أيضًا في شرع من قبلنا، وقد
جمع يعقوبُ بين راحِيل وأُختها لِيَا فقوله: إلا ما قد سلف الْتِفَاتَةٌ إلى هذا المعنى، وتنبيه
على هذا المغزَى(٤)، وهذه النكتة لَقِئْتُها من شيخنا الإمام الحافظ أبي بكر محمد بن العربي
- رحمه الله - وزيد هذا هو: والد سعيد بن زيد أحد العشرة الذين شُهِد لهم بالجنة، وأُم
سعيد: فاطمة بنت نَعْجَة بن خلف الْخُزاعي [عند الزبير: بَعْجَة بن أُمَيَّة بن خُوَيْلِد بن
خالد بن اليمعر بن خزّاعة].
تفسير بعض قول ابن جحش:
وذكر قول عبد اللَّهِ بن جحش حين تنصّر بالحبشة: فقَّحْنا وصَأْصَأْتُم، وشرح فَقّخنا
بقوله: فقّح الجُروُ: إذا فتح عينيه، وهكذا ذكره أبو عبيد، وزاد: جَصَّص أيضًا، وذكر أبو
(١) أي شرع هذا الذي يبيح ما قاله. وانظر نسب قريش للزبيري (١٧).
(٢) (ضعيف)). أخرجه الطبري في تاريخه (٥٧/١١) وابن عساكر (٣٤٧/١) وابن أبي شيبة (٤٣٢/١)
والبيهقي (٧/ ١٩٠) وابن سعد (٣٢/١/١) وغيرهم.
(٣) لغية: أي زنًا.
(٤) والآية تحتمل تفسيرًا آخر، فلا يقتصر على هذا بعينه.
٣٨٠