النص المفهرس
صفحات 341-360
فدعا عليه نوح أن يَسْوَدَّ لون بنيه، فاسْوَدَّ كُوشُ بن حام ونسله إلى يوم القيامة، وقد قيل في سبب دعوة نوح على حام غير هذا (١)، والله أعلم. وذكر في الخبر عن ابن عباس، قال: أول مَن عاذ بالكعبة حوتٌ صغير، خاف من حوف كبير، فعاذ منه بالبيت، وذلك أيام الطوفان(٢). ذكره يحيى بن سلام، فلما نَضَبَ ماءُ الطوفان، كان مكان البيتِ رَبْوةً من مَدَرَةٍ(٣) وحجّ إليه هود وصالح، ومَن آمن معهما، وهو كذلك(٤). ويُذْكر أن يَعْرُبَ قال لهودٍ عليه السلام: ألا نَبنيه؟ قال: إنما يبنيه نبي كريم يأتي من بعدي يتخذه الرحمن خليلاً، فلما بعث الله إبراهيم وشبَّ إسماعيل بمكة أمِرَ إبراهيمُ ببناء الكعبة، فدلّته عليه السَّكِينة(٥)، وظَلَّلَتْ له على موضع البيت، فكانت عليه كالْجُحْفة(٦)، وذلك أن السَّكِينة من شأن الصلاة، فجُعِلت عَلَمًا على قِبلتها حكمةً من الله سبحانه، وبناه عليه السلام من خمسة أجْبُل، كانت الملائكة تأتيه بالحجارة منها، وهي: طَورُ تَيْنا، وطَور زَيْتا اللذين بالشام، والْجُودِيّ وهو بالجزيرة، ولُبْنَان وحِراء وهما بالحرم، كل هذا جمعناه من آثار مروية. وانتبه لحكمة الله كيف جعل بناءها من خمسة أجبل، فشاكل ذلك معناها؛ إذ هي قِبلة للصلاة الخمس وعمود الإسلام، وقد بُنِيَ على خمس، وكيف دلّت عليه السكينة؛ إذ هو قِبلة للصلاة، والسَّكينةُ من شأن الصلاة. قال عليه السلام: ((وأتُوها وعليكم السَّكينة)»(٧) فلما بلغ إبراهيمُ الركن جاءه جبريلُ بالحجر الأسود من جوف أبي قُبَيس، وروى الترمذي عن ابن عباس عن رسول الله - وَل﴿ه - قال: (أُنزِل الحجر الأسودُ من الجنة أشد بياضًا من اللبن، فسؤَدته خطايا بني آدم)»(٨)، وروى الترمذي أيضًا من طريق عبد الله بن عمرو مرفوعًا أن الركن الأسود والركن اليماني ياقوتتان من الجنة، ولولا ما طُمِسَ من نورهما لأضاءَتا ما بين المشرق والمغرب، وفي رواية غيره: لأَبْرَءًا مَن استلمهما (١) السابق. وقيل لأن حام رأى عورة أبيه فلم يسترها فغضب عليه، وستراها أخواه فدعا لهما. انظر سفر التكوين ١ صحاح رقم (٩). (٢) تقدم أنها كانت من هواء وقت الطوفان، فتأمل. (٣) المدر: الطين إذا ييس. (٤) كلام يفتقر إلى الدليل الصحيح من قرآن أو سُنّة ((صحيحة)). (٥) قيل هي ربح شديدة والقصة كلها في حاجة إلى دليل ((صحيح)) يقوّيها. (٦) الجحفة: بقية الماء في جوانب الحوض. (٧) (صحيح). أخرجه البخاري (١٦٤/١) وأحمد (٥٣٢/٢) والبيهقي في الكبرى (٩٣/٣). (٨) (ضعيف)). أخرجه الترمذي (٨٧٧). فيه عطاء بن السائب: صدوق اختلط. التقريب (٢٣/٢). ٣٤١ من الْخَرسِ والْجُذَامِ والْبَرَصِ(١)، وروى غير الترمذي من طريق علي رحمه الله أن العهدَ الذي أخذه الله على ذريّة آدم حين مسح ظهرَه ألا يُشركوا به شيئًا كتبه في صَكِّ، وألقمه الحجر الأسود؛ ولذلك يقول المستلم له: إيمانًا بك، ووفاء بعهدك(٢)، وذكر هذا الخبر الزبيرُ، وزاد عليه أن الله سبحانه أجرى نهرًا أطيب من اللبن، وألين من الزبد، فاستمدّ منه القلمُ الذي كتب العهدَ، قال: وكان أبو قُبَيْس يسمى: الأمين؛ لأن الركن كان مُودَعًا فيه، وأنه نادى إبراهيمَ حين بلغ بالبنيان إلى موضع الركنٍ، فأخبره عن الركْن فيه، ودلّه على موضعه منه(٢)، وانتبه من هلهنا إلى الحكمة في أن سوَّدته خطايا بني آدم دون غيره من حجارة الكعبة وأستارِها، وذلك أن العهدَ الذي فيه هي الفِطْرة التي فُطِر الناسُ عليها من توحيد الله، فكل مولود يولد على تلك الفطرة، وعلى ذلك الميثاقٍ، فلولا أن أبويه يُهَوِّدانه ويُنَصِرانه ويُمجِّسَانه، حتى يسودَّ قلبُه بالشرك، لما حال عن العهد، فقد صار قلب ابن آدم مَحَلاً لذلك العهد والميثاق، وصار الحجرُ محلاً لما كتب فيه من ذلك العهد والميثاق، فتناسبا، فاسْوَدَّ من الخطايا قلبُ ابنِ آدم بعدما كان وُلد عليه من ذلك العهد، واسودّ الحجرُ بعد ابيضاضه، وكانت الخطايا سببًا في ذلك حِكْمةً من الله سبحانه، فهذا ما ذُكر في بنيان الكعبة ملخصًا، منه ما ذكر الْمَاوَزِيُّ، ومنه ما ذكره الطبري، ومنه ما وقع في كتاب التمهيد لأبي عُمر(٣)، ونبذ أخذتها من كتاب فضائل مكة لِرَزِين بن معاوية، ومن كتاب أبي الوليد الأزرقي في أخبار مكة، ومن أحاديث في المسندات المروية، وسنورد في باقي الحديث بعض ما بلغنا في ذلك مستعينين بالله. وأما الركن اليماني فسُمِّي باليماني - فيما ذكر القُتَبِيُّ - لأن رجلاً من اليمن بناه اسمه: أُبَيُّ بن سالم وأنشد: لنا الركنُ من بيتِ الحرام وراثةٌ حول بناء المسجد الحرام: بقيةَ ما أبقى أُبيُّ بنُ سالم وأما المسجدُ الحرام فأول مَن بناه عمر بن الخطاب، وذلك أن الناس ضيقوا على الكعبة، وألصقوا دورهم بها، فقال عمر: إن الكعبة بيت الله، ولا بدّ للبيت من فناء، وإنكم دخلتم عليها، ولم تدخل عليكم، فاشترى تلك الدورَ من أهلها وهدمها، وبنى المسجدَ المحيط بها، ثم كان عثمان، فاشترى دُورًا أخرى، وأغلى في ثمنها، وزاد في سعة المسجد (١) (ضعيف)). أخرجه الترمذي (٨٧٨) وإسناده ضعيف أيضًا. (٢) لا صحة لهذا. (٣) يأتي السهيلي رحمه الله تعالى بأساطير ثم يزيدها بيانًا ويبني عليها بنيانًا. ٣٤٢ فلما كان ابنُ الزبير زاد في إتقانه، لا في سَعَته، وجعل فيه عَمَدًا من الرُّخَام، وزاد في أبوابه، وحسَّنَها، فلما كان عبد الملك بن مروان زاد في ارتفاع حائطِ المسجد، وحمل إليه السَّوارِي في البحر إلى جُدَّةَ، واحتملت من جُدَّة على العجل إلى مكةَ، وأمر الحجاج بن يوسف فكساها الديباجَ، وقد كنّا قدَّمنا أن ابنَ الزبير كساها الديباجَ قبل الحجّاج، ذكره الزبير بن بكار، وذكرنا أيضًا أن خالد بن جعفر بن كِلاَبٍ ممّن كساها الديباجَ قبل الإسلام، ثم كان الوليد بن عبد الملك فزاد في حَلْيھا، وصرف في مِيزابها وسَقْفها ما كان في مائدة سليمان بن داود عليهما السلام من ذهب وفضةٍ، وكانت قد احتملت إليه من طُلَيْطِلَة من جزيرةِ الأنْدلُس، وكانت لها أطواقٌ من ياقوتٍ وزَبَرْجَدٍ، وكانت قد اخْتُمِلت على بغل قوي فتفسَّخ تحتها، فضَرَب منها الوليدُ حِلْية للكعبة، فلما كان أبو جعفر المنصور وابنُه محمد المهديُّ زاد أيضًا في إتقان المسجد، وتحسين هيئته، ولم يحدُث فيه بعد ذلك عملٌ إلى الآن. وفي اشتراء عمر وعثمان الدورَ التي زادا فيها دليلٌ على أن رِباعَ أهل مكة مِلْكٌ لأهلها، يتصرفون فيها بالبيع والشراء إذا شاءوا، وفي ذلك اختلاف. كنز الكعبة والنجار القبطي: فصل: وذكر ابنُ إسحق دُوَيْكًا الذي سرق كنزَ الكعبة، وتقدَّم أن سارقًا سرق من مالها في زمن جُزْهم، وأنه دخل البئر التي فيها كنزُها فسقط عليه حجرٌ فحبسه فيها، حتى أُخرج منها، وانُتُزِع المالُ منه، ثم بعث الله حَيَّة لها رأس كرأس الْجَذيِ، بيضاءَ البطن سَوْدَاءَ الْمَثْنِ(١)، فكانت في بئرِ الكعبة خمسمائة عام فيما ذكر رزين، وهي التي ذكرها ابن إسحق، وكان لا يدنو أحدٌ من بئر الكعبة إلا اخزَأَلَّت أي: رفعت ذَنَبها، وكَشِّت أي: صَوَّتت. وذكر ابن إسحق أن سفينةً رماها البحر إلى جدّة، فتحطّمت، وذكر غيرُه عن ابن مُنَبِّهِ أن سفينة خجَّتْها الريح إلى الشُّعَيْبة، وهو مَرْفأ السفن من ساحل بحر الحجازِ، وهو كان مرفأ مكة ومرسى سفنها قبل جدّة. والشّعيبة بضم الشين ذكره البكري، وفسّر الخطابي خجَّتها: أي دفعتها بقوة، من الربح الْخَجُوجِ أي: الدَّفُوع. قال ابن إسحاق: وكان بمكة نجار قِبطي، وذكر غيره أنه كان عِلْجًا (٢) في السفينة التي خَجَّتها الريح إلى الشُّعَيْبة، وأن اسمَ ذلك النجار: يا قوم وكذلك رُوِيَ أيضًا في اسم النجار الذي عمل مِنْبَر رسول الله - 19 - من طَرْفاء الغابة، ولعله أن يكون هذا، فالله أعلم. (١) المتن: الجسد. (٢) العلج: العجمي. ٣٤٣ الحية والدابة : فصل: وذكر خبر الْعُقَابِ، أو الطائر الذي اختطف الحية من بئر الكعبة، وقال غيره: طرحها الطائر بالْحَجُونِ؛ فالتقمتها الأرض. وقال محمد بن الحسن المقري هذا القولَ، ثم قال: وهي الدابة التي تكلم الناسَ قبل يوم القيامة، واسمها: أقْصَى فيما ذُكِر، ومحمد بن الحسن المقري هو النَّقَّاشُ، وهو من أهل العلم - والله أعلم بصحة ما قال، غير أنه قد رُوِيّ في حديث آخر أن موسى عليه السلام سأل ربَّه أنْ يُرِيَه الدابة التي تُكَلِّم الناسَ، فأخرجها له من الأرض، فرأى منظرًا هالَه وأفزعه، فقال: أيْ رَبِّ: رُدَّها فَرَدَّها(١). لم ترع: وذكر ابن إسحق حديثَ الحجر الذي أُخِذَ من الكعبة، فوثب من يد آخِذه، حتى عاد إلى موضعه، وقال غيره: ضربوا بِالْمِعْوَل في حجر من أحجارها، فلمعت برقّة كادت تخطِف أبصارهم، وأخذ رجل منهم حجرًا، فطار من يده، وعاد إلى موضعه. وذكر ابن إسحق قولهم: اللَّهِمَّ لم تُرَغْ، وهي كلمة تُقال عند تسكين الرَّوع، والتأنيس، وإظهار اللين والبرّ في القول، ولا رَوْع في هذا الموطنِ فيُنْفى، ولكن الكلمةَ تقتضي إظهار قصد البِرّ؛ فلذلك تكلّموا بها، وعلى هذا يجوز التكلّم بها في الإسلام، وإن كان فيها ذكر الرَّوع الذي هو مُحالٌ في حقّ الباري تعالى، ولكن لما كان المقصود ما ذكرنا، جاز النطقُ بها، وسيأتي في هذا الكتاب إن شاء الله زيادة بيان عند قوله: فاغفر فداءً لك ما اقتفينا. ويُروَى أيضًا: اللَّهمَّ لم نَزِغُ، وهو جَليَّ لا يشكل. من تفسیر حديث أبي لهب: وذكر قولهم: لا تُدخِلوا في هذا البيت مهرَ بَغِيٍّ وهي الزانية، وهي فَعُول من البِغاء، فاندغمت الواو في الياء، ولا يجوز عندهم أن يكون على وزن فَعيل، لأن فَعيلاً بمعنى: فاعل يكون بالهاء في المؤنث كرحيمة وكريمة، وإنما يكون بغير هاء إذا كان في معنى: مفعول نحو: امرأة جریح وقتیل. وقوله: ولا بيع رِبًا يدل على أن الرِّبا كان محرَّمًا عليهم في الجاهلية، كما كان الظلم والبغاء، وهو الزنا محرّمًا عليهم، يعلمون ذلك ببقية من بقايا شرع إبراهيم عليه السلام، كما (١) كل هذا يفتقر إلى الدليل ((الصحيح)) الذي يعتضده. ٣٤٤ قال ابن إسحاق: وحُدّثت(١) أن قريشًا وجدوا في الركن كتابًا بالسُّزيانية، فلم يدروا ما هو، حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا هو: «أنا الله ذو بَكَّة، خلقتها يوم خلقتُ السموات والأرض، وصوّرتُ الشَّمْس والقمر، وحَفَفْتُهَا بسبعة أملاكِ حُنَفَاء، لا تزول حتى يزولَ أخْشِبَاها، مُبَارَكٌ لأهلها في الماء واللبن)). قال ابن هشام: أخشباها: جبلاها. قال ابن إسحاق: وحُدّثت(١) أنهم وجدوا في المقام كتابًا فيه: ((مكة بيت الله الحرام يأتيها رِزْقُها من ثلاثة سُبُل، لا يُحلُّها أوَّلُ مِنْ أهلها)). قال ابن إسحاق: وزعم ليثُ بن أبي سُلَيم أنهم وجدوا حجرًا في الكعبة قبل مَبْعث النبيّ وَّهُ بأربعين سنة - إنْ كان ما ذكر حقًّا - مكتوبًا فيه: ((مَنْ يَزْرَعْ خيرًا، يحصِدُ غِبْطَةً، ومَن يزرع شرًّا، يَحصِدُ نَدَامَةٌ. تعملون السيئات، وتُجْزَوْن الحسنات! أجَل، كما لا يُجتنى من الشَّوكُ العِنَب)). كان بقي فيهم الحجّ والعُمْرة وشيء من أحكام الطلاق والعِثْقِ وغير ذلك. وفي قوله سبحانه: ﴿وأحَلَّ الله البَيْعَ وحرَّم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥] دليل على تقديم التحريم. الحجر الذي كان مكتوبًا : فصل: وذكر الحجر الذي وُجد مكتوبًا في الكعبة، وفيه: أنا الله ذو بكّة لحديث. روى مَعْمَرُ بن راشد في الجامع عن الزهري أنه قال: بلغني أن قريشًا حين بَنَوْا الكعبة، وجدوا فيها حجرًا، وفيه ثلاثةُ صُفُوح(٢) في الصَّفح الأول: أنا الله ذُو بَكَّةَ صُغْتُها يوم صُغْت الشمس والقمر إلى آخر كلام ابن إسحاق، وفي الصَّفح الثاني: أنا الله ذو بَكَّة، خلقت الرَّحِمَ، واشتققت لها اسمًا من اسمي، فمَن وصلها وصلته، ومَن قطعها بَتَتُهُ، وفي الصّفْح الثالث: أنا الله ذو بَكَّة، خلقت الخير والشر، فطُوبَى لمَن كان الخير على يديه، وويلٌ لمَن كان الشر على يديه(٣)، وفي حديث ابن إسحق: لا يُحِلُّها أولُ من أهلها، يريد - والله أعلم - ما كان من استحلالِ قريشِ القتالَ فيها أيام ابن الزبير، وحُصَيْنِ بن نُمَيْرِ ثم الحجاج بعده، ولذلك قال ابن أبي ربيعة: ألا مَنْ لقلبٍ مُعَنْى غَزِلْ بِحُبِ الْمُحِلَّةِ أُخْتِ الْمُحِلّ يعني بالمحل: عبدَ الله بن الزبير لقتاله في الحرم. (١) فيه مجاهيل. (٢) صفوح: أي جوانب. (٣) أورده ابن كثير في البداية (٢٨١/٢) عن الزهري مرسلاً. ٣٤٥ قال ابن إسحاق: ثم إنَّ القبائل من قُرَيش جَمَعَت الحجارةَ لبنائها، كلُّ قَبيلة تجمع على حِدَةٍ، ثم بَنَوْها، حت بلغ البُنيان موضعَ الركن، فاختصموا فيه، كلُّ قبيلة تُريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تَحَاوَرُوا وتحالفوا؛ وأعدّوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جَفْنةً مَمْلُوءَةً دمًا، ثم تعاقدوا هم وبنو عديٍّ بن كَعْب بن لُؤَيّ على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فَسُمُّوا: لَعَقة الدم، فمكثت قُرَيش على ذلك أربعَ ليال أو خمسًا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد، وتشاوروا وتناصفوا. فزعم بعضُ أهل الرواية: أن أبا أُميَّة بن الْمُغيرة بن عبد الله بن عُمَرَ بن مَخْزُوم، وكان عامَئِذٍ أسنَّ قُرَيش كلها، قال: يا معشرَ قُرَيش! اجعلوا بينكم - فيما تختلفون فيه - أوّلَ مَن يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه، ففعلوا: فكان أولَ داخل عليهم رسولُ الله - وَ﴿ ـ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رَضِينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم أخبروه الخبرَ، قَال ◌َّر: ((هَلُمَّ إليَّ ثوبًا))، فأُتي به، فأخذ الركن فوَضَعه فيه بيده، ثم قال: ((لِتَأْخُذْ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا))، ففعلوا، حتى إذا بلغوا موضعه، وضعه هو بيده، ثم بنی علیه. حول الحجر الأسود وقواعد البيت: فصل: وذكر اختلافَهم في وضع الركن، وأن رسول الله - ◌َالتر ـ هو الذي وضعه بيده، وذكر غيره أن إبليس كان معهم في صورة شيخ نَجْدِيٍّ، وأنه صاح بأعلى صوته: يا معشر قريش: أرضيتم أن يضع هذا الركنَ، وهو شرفكم غلامٌ يتيمٌّ دون ذوي أسنانكم، فكان يثير شرًا فيما بينهم، ثم سكنوا ذلك. وأما وضع الركن حين بُنيت الكعبة في أيام ابن الزبير، فوضعه في الموضع الذي هو فيه الآن حمزةُ بنُ عبد الله بن الزُّبَيْر، وأبوه يصلّي بالناس في المسجد اغتنم شُغْلَ الناس عنه بالصلاة لمّا أحسّ منهم التنافسَ في ذلك، وخاف الخلافَ، فأقرّه أبوه. ذكر ذلك الزبيرُ بن أبي بكر. وذكر ابن إسحق أيضًا أنهم أفْضَوا إلى قواعد البيت، وإذا هي خُضْرٌ كَالأسْنِمَة، وليست هذه رواية السيرة، إنما الصحيح في الكتاب: كالأسِنَّة، وهو وهم من بعض النّقَلة عن ابن إسحق والله أعلم؛ فإنه لا يوجد في غير هذا الكتاب بهذا اللفظ لا عند الواقدي ولا غيره، وقد ذكر البخاري في بنيان الكعبة هذا الخبر، فقال فيه عن يزيد بن رُومان: فنظرت إليها، فإذا هي كأسْنِمة الإبل، وتشبيهُها بالأسِنة لا يشبه إلا في الزُّزقة، وتشبيهها بأسنمَة الإبل أولى، لعظمها، ولما تقدم في حديث بنيان الملائكة لها قبل هذا. ٣٤٦ وكانت قُرَيش تسمّي رسول الله - وَّه - قبل أن ينزل عليه الوحي: الأمين. فلما فرَغوا من البنيان، وبنَوْها على ما أرادوا، قال الزُّبَير بن عبد المطلب، فيما كان من أمر الحيّة التي كانت قريش تهاب بُنْيَانَ الكعبة لها. إلى الثُّعبان وهيَ لها اضْطِرَابُ عجِبْتُ لِمَا تَصَوَّبَتِ العُقَابُ وأحيانًا يكُونُ لَهَا وِثَابُ وقدْ كانَتْ يكُونُ لَهَا کَشِیشٌ إذا قُمْنا إلى التَّأسيس. شَدّت فلما أن خَشِينا الرِّجْزَ. جاءت فضَمَّتْها إليها، ثم خَلَّثْ فقُمْنا حاشِدِينَ إلى بناءٍ غدَاةً نُرَفْعِ التَّأسيسَ منهُ أَعَزَّ بهِ الملِيكُ بَنِي لُؤَيّ وقدْ حَشَدَتْ هُناك بَنو عَدِيٍّ فَبَوَّأنا المَلِيكُ بذاكَ عِزَّا قال ابن هشام: ويُزْوَی: تُهَيِّبُنا البِناءَ. وَقَدْ تُهَاب عُقابٌ تَتْلَئِبُّ لهَا انْصِباب لَنا البُنْیانَ، لَيْسَ لهُ حِجاب لنا منهُ القَوَاعدُ والتَّرَاب وَلَيْسَ على مُسَوِّينا ثِياب فَليْسِ لأصْله منهمْ ذَهاب ومُرّةُ قد تَقَدَّمَها كِلاب وعندَ الله يُلْتَمَسُ الثَّوَاب(١) وليسَ على مَسَاوِينا ثِياب شعر الزبير بن عبد المطلب: فصل: وذكر شعر الزبير بن عبد المطلب: عجبت لِمَا تَصَوَّبت العُقاب. إلى قوله: تَتْلَئِبُّ لها انْصِباب. قوله: تَتْلَئِبُّ، يقال: اثْلأَبَّ على طريقه إذا لم يُعَرِّجِ يَمْنَة وَلا يَسْرة، وكأنه مَنْحُوتٌ من أصلين كما تقدم في مثل هذا من تلا: إذا تبع، وأَلَبَ: إذا أقام، وأبَّ أيضًا قريبٌ من هذا المعنى. يقال: أبَّ إبابة - من كتاب العين - إذا استقام وتهيأ، فكأنه مُقِيمٌ مُسْتَمِرٍّ على ما يتلوه ويتبعه مما هو بسبيله، والاسم من اثْلأَبَّ: التُّلأبيَة على وزن الطُّمأنينة والقُشَغْرِيرة، قاله أبو عبيد. وقوله: وليس على مُسَوْينا ثيابُ. أي: مُسَوِّي البنيان. وهو في معنى الحديث الصحيح (١) انظر البداية (٢٨٣/٢). ٣٤٧ وكانت الكعبة على عهد رسول الله - ﴿﴿ - ثماني عَشْرةَ ذراعًا، وكانت تُكْسَى القَبَاطِي، ثم كُسِيَت البُرود. وأوّل مَن كساها الديباجَ: الحجّاجُ بن يوسف. حديث الحمس(١) قال ابن إسحاق: وقد كانت قُرَيش - لا أدري أقبلَ عام الفيل أم بعده - ابتدعت رأي الْحُمْس رأيًا رَأَوْهُ وأدارُوه، فقالوا: نحن بنو إبراهيم، وأهلُ الْحُرمة، وؤُلاة البيت، وقُطَّان مكة وساكنُها، فليس لأحدٍ من العرب مثلُ حقِّنا، ولا مثلُ منزلتنا، ولا تَعْرِفُ له العربُ مثلَ ما تعرف لنا، فلا تعظّموا شيئًا من الحِلِّ كما تعظّمون الحرم، فإنكم إنْ فعلتم ذلك استخفّت العربُ بِحُزْمتكم، وقالوا: قد عظّموا من الحِلِّ مثل ما عظّموا من الحرم. فتركوا الوقوفَ على عَرَفة، والإفاضة منها، وهم يَعْرِفون ويُقِرون أنها من الْمَشاعر والحجّ ودين إبراهيم - ﴿ - ويَرَوْنَ لسائر العرب أن يُفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهلُ الْحَرَم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الْحُرمة، ولا نعظّم غيرها، كما نُعَظُمها نحن الحمْس، والْحُمس: أهلُ الحرم، ثم جعلوا لمَن وَلدوا من العرب من ساكن الحِلّ والحرَمِ مثلَ الذي لهم، بولادتهم إياهم، يَحلّ لهم ما يحلّ لهم، ويَخْرُم عليهم ما يَخْرُم عليهم. وكانت كنّانَةُ وَخُزَاعَةُ قد دخلوا معهم في ذلك. في نقلانهم الحجارةَ إلى الكعبة أنهم كانوا ينقلونها عُراةً، ويرون ذلك دِينًا، وأنه من باب التَّشْمِير، والْجِدّ في الطاعة. وقول ابن هشام: ويُروى: مَساوِينا، يريد: السَّوْءآت، فهو جمع مَسَاءَةٍ، مفعلة من السَّوْءَة والأصل مَسَاوِىء، فسهلت الهمزة. الحمس فصل: وذكر الْحُمْسَ، وما ابتدعته قريشٌ في ذلك، والتَّحَمُّس: التشدد، وكانوا قد ذهبوا في ذلك مذهبَ التَّزَهْدِ والتََّلُّه، فكانت نساؤهم لا يَتْسُجْنَ الشَعَرَ ولا الْوَبَرَ، وكانوا لا يَسْلَؤُونَ السَّمْنَ، وَسَلأُ السَّمْنِ أن يُطْبِخِ الزُّبْدُ، حتى يصير سَمْنًا، قال أبرهة: نشرب ألبانّها ونَسْلَؤُها إن لنا صِرْمَةً (٢) مُخَيَّسَةٍ(٣) (١) انظر البداية (٢٨٣/٢). (٢) الصرمة: الإبل. (٣) المخيسة: التي لم تسرح. ٣٤٨ قال ابن هشام: وحدّثني أبو عُبَيدة النحويّ: أن بني عامر بن صَعْصعة معاوية بن بَكْر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك، وأنشدني لعَمْرو بن مَعْد یکرب: أعبّاسُ لَوْ كانَتْ شِيارًا جِيادُنا بتَثْليث ما ناصَبْتَ بعدى الأحامِسا قال ابن هشام: تثليث: موضع من بلادهم. والشّيار: الحسان. يعني بالأحامس: بَني عامر بن صَعْصعة. وبعبَّاس: عباسَ بن مِزْداس السُّلَمِي، وكان أغار على بَني زُبَيد بتثليث. وهذا البيت في قصيدة لعمرو. وأنشدني لَلقِيط بن زُرَارة الدَّارِمي في يوم جَبَلَة : أجْذِمْ إلَيك إنها بَنُو عَبْس الْمَعْشَرُ الجِلَّةُ في القوْمِ الْحُمْس لأن بني عَبْس كانوا يوم جَبلة حُلفاءَ في بني عامر بن صَعْصعة. ويومُ جَبَلة: يومٌ كان بين بني حنظلة بن مالك بن زَيد مَنَاةً بن تَميم، وبين بني عامر بن صَعْصعة، فكان الظّفر فيه لبني عامر بن صَعْصعة على بني حَنْظَلة، وقُتِل يومئذ لَقِيطُ بن زُرارَة بن عُدُس، وأُسِر حاجب بن زُرارة بن عُدُس، وانهزم عَمْرو بن عَمْرو بن ذكر قول ابن معد يكرب: أعباسُ لو كانت شِيارًا جِيادُنا. البيت شِيارًا من الشارة الحسنة يعني: سِمانًا حِسانًا وبعد البيت: ولكنها قِيدَتْ بِصَعْدَةً مَرَّةً فأصْبَحْن ما يمشين إلا تَكارُسًا(١) وأنشد أيضًا: أخْذِم إليك إنها بنو عَبْس. أخْذِمَ: زَجْرٌ معروفٌ للخيل وكذلك: أزْحِبْ، وهَبْ ومِقِطْ ومِقط وهِقَبْ. يوم جبلة: وذكر يوم جَبّلة. وجَبَلَة هضبة عالية، كانوا قد أخْرَزُوا فيها عيالَهم وأموالهم، وكان معهم في ذلك اليوم رئيسُ نَجْرانَ، وهو ابن الْجَوْنِ الْكِنْدِيّ وأخٌ للنعمان بن المنذر، أحسب اسمه: حَسَّانَ بنِ وَبَرَةَ، وهو أخو النعمان لأُمِّه، وفي أيام جَبَلَة كان مولدُ رسول الله - إِله - ولئِنْتَيْن وأربعين سنةً من ملك أنُوشِرْوَانَ بن قُبَاذ، وكان مولد أبيه عبد الله لأربع وعشرين مَضت من ملك أنوشروان المذكور، فبينه - عليه السلام - وبين أبيه عبد الله نحوَّ من ثمانٍ عَشْرَةَ سنةً . (١) تكارس: تراكم. ٣٤٩ عُدُس بن زَيْد بن عبد الله بن دَارِم بن مالك بن حَنْظلة. ففيه يقول جرير للفرزدق: كأنَّكَ لم تَشْهَدْ لَقِيطًا وحاجِبا وعَمْرَ بن عَمْرٍو إِذْ دَعَوْا: يَا لَدارمٍ وهذا البيت في قصيدة له : ثم التّقوا يومَ ذي نَجَب فكان الظَّفر لحَنْظلة على بَني عامر، وقُتل يومئذٍ حسَّان بن مُعاويّة الكِنْدِيّ، وهو أبو كَبْشة. وأُسِر يَزيد بن الصَّعِقِ الكِلابي، وانهزم الطَّفَيل بن مالك بن جَعْفر بن كلاب، أبو عامر بن الطفَيل. ففيه يقول الفرزدق: على قُرْزُل رَجْلاً وَكُوضَ الهَزَائِمِ ومنهنَّ إذ نجَّى طُفَيل بن مالك يَزيد على أُمّ الفِراخِ الجَوائِم ونحنُ ضَرَبْنا هامةً ابن خُویلد وهذان البيتان في قصيدة له. فقال جرير: ولاقى امْرَأَ في ضَمَّة الخَيْلِ مِصْفَعا ونحنُ خَضَبْنا لابن کَبْشة تاجَه وهذا البيت في قصيدة له. وحديث يوم جَبَلة، ويوم ذي نَجَبِ أطول مما ذكرنا. وإنما منعني من استقصائه ما ذكرتُ في حدیث یوم الفِجَار. قال ابن إسحاق: ثم ابتدعوا في ذلك أمورًا لم تكن لهم، حتى قالوا: لا ينبغي للحُمْسِ أن يَأْتَقِطوا الأقِطَ(١)، ولا يَسْأَلُوا السمن وهم حُرُم، ولا يدخلوا بيتًا من شَعَرٍ، ولا يَسْتَظِلُوا - إن استظلوا - إلا في بيوت الأدَم ما كانوا حُرُمًا، ثم رفعوا في ذلك، فقالوا: لا ينبغي لأهل الحِلّ أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحلّ إلى الحرم إذا جاءوا حُجَّاجًا أو عُمَّارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قَدِمُوا أوّل طَوافهم إلا في ثياب الْحُمْس. عدس والحلة والطلس : وذكر زُرارة بن عُدُس بن زيد، وهو: عدُس بضم الدال عند جميعهم إلا أبا عبيدة، فإنه كان يفتح الدال منه، وكل عُدَسٍ في العرب سواه فإنه مفتوح الدال. وذكر الحِلَّة وهم ما عدا الْحُمْس، وأنهم كانوا يطوفون غُرَاةً إن لم يجدوا ثياب أحْمَس، وكانوا يَقْصِدون في ذلك طرح الثياب التي اقترفوا فيها الذنوبَ عنهم، ولم يذكر الطُّلْسَ من الْعَرب، وهم صِنْفٌ ثالث (١) الإقط: اللبن المجفف. ٣٥٠ فإن لم يَجدوا منها شيئًا طافوا بالبيت عُراةً، فإن تكرَّم منكم مُتَكَرُمٌ من رجل أو امرأة، ولم يجد ثياب الْحُمْس. فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحِلّ، ألقاها إذا فرغ من طَوافه، ثم لم ينتفع بها، ولم يَمَسَّها هو، ولا أحدٌ غيرهُ أبدًا. وكانت العرب تسمّي تلك الثياب: اللَّقَى، فحملوا على ذلك العربَ. فدانت به، ووقفوا على عرفات، وأفاضوا منها، وطافوا بالبيت عُراةً، أمَّا الرجال فيّطوّفون عراة. وأمَّا النساء فتَضع إحداهنّ ثيابَها كلَّها إلا دِرْعًا مُفَرَّجًا عليها، ثم تَطوف فيه، فقالت امرأة من العرب، وهي كذلك تطوف البيت: الْيَوْمَ يَبْدُو بَغْضُهُ، أو كُلّهُ وما بَدا منهُ فَلا أُحِلُّه ومَنْ طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها من الحِلّ ألقاها، فلم ينتفع بها هو ولا غيره، فقال قائلٌ من العرب يذكر شيئًا تركه من ثيابه، فلا يَقْرَبُه - وهو يُحبُّه -: کفی خزنًا گرِّي علیھا کأنها لقّى بينَ أيدي الطَّائِفینَ حَرِیمُ يقول: لا تُمَسُّ. غير الحِلَّةِ، والْحُمْسٍ كانوا يأتون من أقصى اليمن طُلْسًا من الْغُبَارِ، فيطوفون بالبيت في تلك الثيابِ الطُّلْسِ، فسُمُّوا بذلك. ذكره محمد بن حبيب. اللَّقى: فصل: وذكر اللَّقى وهو الثوب الذي كان يُطْرَح بعد الطواف فلا يأخذه أحدٌ، وأنشد: كفى حَزَنًا كَرِّي عليه كأنه لَقى بين أيدي الطائفین حَرِيمٌ حريم: أي مُحرَّم، لا يؤخذ، ولا ينتفع به، وكل شيء مُطَرَّح، فهو لَقى قال الشاعر يصف فرخ قَطًا: تَزْوي لقّى أُلقِي في صَفْصَفٍ(١) تَصْهَرهُ الشمسُ، فما يَنْصَهِر تَزْوى بفتح التاء أي: تَسْتَقي له، ومن اللَّقى: حديث فاختة أُم حكيم بن حزام، وكانت دخَلت الكعبة وهي حامل مُتِمّ بحكيم بن حزام، فأجاءها الْمَخَاضُ، فلم تستطع الخروجَ من الكعبة، فوضعته فيها، فلُفَّت في الأنطاع هي وجنينُها، وطُرِحَ مَثْبِرُها وثيابُها التي كانت عليها، فجِعلت لَقّى لا تقرب. (١) الصفصف: المستوي من الأرض. ٣٥١ . فكانوا كذلك حتى بعث الله تعالى محمدًا - ﴿﴿ ـ فأنزل عليه حين أحكم له دينَه. وشَرعَ له سُنَنَ حجِّه: ﴿ثمَّ أفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أفاضَ النَّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّه إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ [البقرة: ١٩٩]. يعني قريشًا، والناس: العرب، فرفعهم في سُنَّة الحجّ إلى عرفات، والوقوف عليها والإفاضة منها. رجز المرأة الطائفة: فصل: وذكر قول المرأة: اليوم يبدو بعضه، أو كله البيتين ويُذكر أن هذه المرأة، هي ضُباعة بنت عامر بن صَعْصَعَة، ثم من بني سَلَمَة بن قُشَيْر، وذكر محمد بن حبيب أن رسول الله - رَ﴿ - خطبها، فذُكرت له عنها كِبْرة، فتركها، فقيل: إنها ماتت كَمَّدًا وحُزنًا على ذلك قال المؤلف: إن كان صحّ هذا، فما أخّرها عن أن تكون أُمَّا للمؤمنين، وزوجًا لرسول ربّ العالمين إلا قولها: اليوم يبدو بعضهُ أو كله. تَكْرِمَةً من الله لنبيه وعِلْمًا منه بغَيْرته، والله أغْيَرُ منه . أسطورة : ومما ذُكر من تَعَرِّيهم في الطواف أن رجلاً وامرأة طافا كذلك، فانضم الرجل إلى المرأة تلذُّذًا واستمتاعًا، فلصِق عَضْدُهُ بِعُضْدِها، ففزعا عند ذلك، وخرجا من المسجد، وهما ملتصقان، ولم يقدر أحدٌ على فَكِّ عضُده من عَضْدُها، حتى قال لهما قائل: توبا مما كان في ضميركما، وأخلصا لله التوبة، ففعلا، فانحلّ أحدهما من الآخر(١). قرزل وطفيل : وأنشد للفرزدق: ومنهن إذ نجى طُفَيْل بن مالك على قُرْزُلٍ رَجْلاَ رَكُوضَ الهزائم قُرْزُل: اسم فرسه، وكان طفيل يسمى: فارسَ قُرْزُل، وقرزل: القيد سمى الفرس به، كأنه يقيد ما يسابقه، كما قال امرؤ القيس : بمُنْجَرد قَيْدِ الأوابدِ هَيْكَل وطُفَيْلٌ هذا هو: والد عامر بن الطفيل، عدو الله وعدو رسوله، وأخو طفيل هذا: (١) أسطورة تشبه تلك القصة التي تنسب إلى الإمام أحمد أو مالك أن امرأة دخلت لتغسل امرأة فذكرت من عيوبها كذا وكذا، فإذا بها وقد التصقت يدها بيد المرأة الميتة، فشكوا ذلك إلى الإمام أحمد أو مالك - الشك مني - فأمر بجلدها حدّ القذف فانحلّت يدها !!!. ٣٥٢ وأنزل الله عليه فيما كانوا حَرَّموا على الناس من طعامهم ولبُوسهم عند البيت. حين طافوا عُراةً، وحرّموا ما جاءوا به من الحلّ من الطعام: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُم عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّبَاتٍ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الآياتِ لَقَوْمٍ يَعْلَمُون﴾ [الأعراف: ٣١ -٣٣]. فوضع الله تعالى أمرَ الْحُمس، وما كانت قُرَيش ابتدعت منه، عن الناس بالإسلام، حين بعث الله رسوله واله. عامرٌ مُلاعِب الأسِنَّة، وسنذكر لِمَ سُمِّي ملاعب، ونذكر إخوته وألقابهم في الكتاب إن شاء الله . الهامة : وقوله: على أُم الفِراخ الْجَوائِم. يعني: الهامة، وهي البُوم، وكانوا يعتقدون أن الرجُل إذا قُتِل خرجت من رأسِه هامةٌ تصيح: اسْقوني اسقوني، حتى يُؤْخذ بثأره. قال ذو الإصبع الْعَذْوَانِي : أَضْرِبْكَ حتى تقول الهامَةُ اسقوني شرح بیت جریر: فصل: وأنشد جرير: ولاقى أمرأ في ضَمّة الخيل مِصْفَعا ونحن خَضَبْنا لابن کَبْشَة تاجَه وجدت في حاشية الشيخ أبي بحر هذا البيت المعروف في اللغة أن - الْمِضْفَع: الخطيبُ البليغ، وليس هذا موضعه، لكن يقال في اللغةِ: صَقعه: إذا ضَرّبَه على شيءٍ مُصْمَتٍ يابس، قاله الأصمعي، فيشبه أن يكون مِصْقَع في هذا البيت من هذا المعنى، فيقال منه: رجل مِصْفَع كما يقال: مِحْرَب وفي الحديث: إن سعدًا لَمِخْرَبٌ، يعني [ابن] أبي وقاص. ما نزل من القرآن في أمر الحمس: فصل: وذكر ما أنزل الله تعالى في أمر الْحُمْسِ، وهو قوله تعالى: ﴿يا بني آدمَ خُذُوا زينَتكم عند كلِّ مَسْجِد وكلوا واشربوا﴾ الآية [الأعراف: ٣٠]. فقوله: وكلوا واشربوا إشارةٌ إلى ما كانت الْحُمْسُ حرمته من طعام الحج إلا طعامَ أخْمَس، وخذوا زينتكم: يعني اللباسَ، ولاَ تَتَعَرَّوا، ولذلك افتتح بقوله: يا بني آدم، بعد أن قصّ خبر آدم وزوجه، إذْ يخْصِفان عليهما من وَرَق الجنة، أي: إن كنتم تحتجّون بأنه دينُ آبائكم، فآدم أبوكم، ودينه: سترُ ٣٥٣ الروض الأنف/ ج ١/ م ٢٣ قال ابن إسحاق: حدّثني عبدُ الله بنُ أبي بَكْر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم، عن عثمان بن أبي سُلَيمان بن جُبير بن مُطْعَم، عن عَمِّه نافع بن جُبَيْر عن أبيه جُبير بن مُطْعِم. قال: لقد رأيت رسول الله - وَل﴿ - قبل أن ينزل عليه الوحيُّ، وإنه لواقفٌ على بَعير لَه بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم توفيقًا من الله له، وَل﴿ تسليمًا کثیرًا . أخبار الكهان من العرب والأحبار من يهود والرهبان من النصارى قال ابن إسحاق: وكانت الأحبار من اليهود، والرُّهبان من النصارى، والكُهَّانُ من الْعَوْرة، كما قال: ملّة أبيكم إبراهيم، أي: إن كانت عبادَةُ الأصنام دينَ آبائكم، فإبراهيم أبوكم، ولم يكن من المشركين، ومما نزل في ذلك: ﴿وما كان صلاتُهم عند البيت إلا مُكَآءً وتَصْدِيةٍ﴾(١) [الأنفال: ٣٥]. ففي التفسير أنهم كانوا يطوفون عُراة، ويصفقون بأيديهم ويصفّرون، فالمكاء: الصفير، والتصدِية: التصفيق. قال الراجز: وأنا من غَروِ الهوى أُصَدِي. ومما نزل من أمر الحمس: ﴿وليس البِرُّ بأنْ تَأْتُوا البيوتَ من ظُهورها﴾ [البقرة: ١٨٩]. لأن الْحُمْسَ لا يدخلون تحت سقف، ولا يحول بينهم وبين السماء عتبةُ باب ولا غيرها، فإن احتاج أحدهم إلى حاجة في داره تسنّم البيتَ من ظهره، ولم يدخل من الباب، فقال الله سبحانه: ﴿وأُتُوا البيوت من أبوابها واتَّقوا الله لَعلكم تُفْلِحون﴾ [البقرة: ١٨٩]. وقوف النبي بعرفة قبل الهجرة والنبوة: وذكر وقوف النبي ◌َّهِ بعرفةً مع الناس قبل الهجرة، وقبل النبوة توفيقًا من الله، حتى لا يفوته ثوابُ الحج، والوقوف بعرفة قال جبيرُ بن مُطْعِم حين رآه واقفًا بعرفةَ مع الناس: هذا رجل أحْمَسُ، فما باله لا يقف مع الْحُمْس حيث يقفون(٢)؟ !. فصل في الكهانة رُوِيَ في مأثور الأخبار أن إبليسَ كان يخترق السَّمواتِ قبل عيسى، فلما بُعث عيسى، (١) كحال الكثير من أهل الصوفية أصحاب ((الطرق))، فما صلاتهم وذكرهم إلا صياح وتصفير وتصفيق وصريخ وترنّح يمنة ويسرة ثم التشنّج من أثر الجنّ الذي يتلبس بهم إثر ما يترنحون به طلاسم وخزعبلات !!!. (٢) أخرجه أحمد بسند صحيح. ٣٥٤ العرب، قد تحدثوا بأمر رسول الله - رَ﴿ه - قبل مَبْعثه، لما تقارَب من زمانه. أمَّا الأحبار من يهود، والرهبان من النصارى. فعَمًّا وجدوا في كتبهم من صِفته وصِفة زمانه، وما كان من عَهْد أنبيائهم إليهم فيه، وأمَّا الكُهَّان من العَرب: فأتتهم به الشّياطينُ من الجنّ فيما تَسْتَرِق من السمع إذ كانت وهي لا تُحجَب عن ذلك بالقذْف بالنجوم، وكان الكاهنُ والكاهنة لا يزال يَقَع منهما ذِكْرُ بعضٍ أموره، لا تُلْقِي العربُ لذلك فيه بالاً، حتى بعثه الله تعالى، ووقعت تلك الأمور التي كانوا يَذْكرون. فعرفوها. فلما تقارب أمْرُ رسول الله - نَّه - وحَضَر مَبْعثه. حُجبت الشَّياطينُ عن السَّمْع، وحِيل بينها وبين الْمَقاعد التي كانت تَقْعُد لاستراق السمع فيها، فَرُمُوا بالنُّجوم، فعرفت الجنّ أن ذلك لأمرٍ حَدث من أمر الله في العباد، يقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمدٍ وَله حين بعثه، وهو يقُصّ عليه خبر الجنّ إذ حُجبوا عن السَّمع، فعرَفوا ما عرفوا، وما أنكروا من ذلك حين رأوا ما رأوا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إليَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنّ فقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبْنا ما أَنَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا وَأَنَّهُ كانَ يَقُول سَفِيهُنا على الله شَطَطا وَأَنَّا ظَنَنَّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِن على اللَّهِ كَذِبًا وأنَّهُ كانَ رِجالٌ منَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرجالٍ من الجن فَزَادُوهُمْ أو وُلد حُجِب عن ثلاث سماوات، فلما وُلد محمدٌ حُجِبَ عنها كلُّها، وقُذفت الشياطينُ بالنجوم وقالت قريش حين كثر القذف بالنجوم: قامت الساعة، فقال عُثْبة بن ربيعة: انظروا إلى الْعَيُّوق(١) فإن كان رُمِيَ به، فقد آن قيامُ الساعة، وإلاَّ فلا. وممن ذكر هذا الخبر الزبير بن أبي بكر. رمي الشياطين: وذكر ابن إسحق في هذا الباب ما رُمِيَت به الشياطين، حين ظهر القذفُ بالنجوم، لئلا يلتبِسَ بالوحي، وليكون ذلك أظهر للحجة، وأقطع للشبهة، والذي قاله صحيح: ولكن القذفَ بالنجوم قد كان قديمًا، وذلك موجود في أشعار القدماء من الجاهلية. منهم: عَوْفُ بن أجْرِع، وأوْسُ بنُ حَجَر، وبِشْر بن أبي خازم، وكلهم جاهلي، وقد وصفوا الرمي بالنجوم، وأبياتُهم في ذلك مذكورة في مُشْكِل ابن قُتَيْبَة في تفسير سورة الجن(٢)، وذكر عبد الرزاق في تفسيره عن مَعْمَرٍ عن ابن شهاب أنه سُئِلَ عن هذا الرمي بالنجوم: أكان في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكنه إذ جاء الإسلام غُلّظَ وشُدِّد، وفي قول الله سبحانه: ﴿وأَنَّا لَمَسْنَا السماءَ فوجدناها مُلِئت حَرَسًا شديدًا وشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] الآية ولم يقل: حُرست دليل على (١) العيوق: نجم أحمر كبير. (٢) انظر كتاب القرطين (١٨٤/٢) لابن مطرف. ٣٥٥ رَهَقًا﴾ ... إلى قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَفْعُدُ منْها مقَاعدَ للسَّمْعِ فَمَنْ يسْتَمعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا وأنَّا لا نَذْرِي أَشَرَّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرضِ أمْ أَرَادَ بِهَمْ رَبُّهُمْ رَشدًا﴾ [الجن: ١- ٦ ثم ١٠،٩]. فلما سمعت الجنّ القرآن عرَفتْ أنها إنما مُنعت من السَّمْع قبل ذلك، لئلا يُشكل الوحيُّ بشيء خبر السماءَ، فيَلتبس على أهل الأرض ما جاءهم من الله فيه، لؤُقوع الحُجَّة، وقَطْع الشبهة. فآمنوا وصدقوا، ثم: ﴿وَلَّوْا إِلى قَوْمهمْ مُنْذِرينَ قالوا يا قَوْمَنا إنَّا أنه قد كان منه شيء، فلما بُعث النبي - وَ ﴿ه ـ مُلِئَتْ حرسًا شديدًا وشُهبًا، وذلك لِيَنْحَسِمَ أمرُ الشياطين، وتخليطُهم، ولتكون الآية أبْينَ، والحجة أقطعَ، وإن وجد اليوم كاهن، فلا يدفع ذلك بما أخبر الله به من طرد الشياطين عن استراق السمع، فإن ذلك التغليظ والتشديد كان زمنَ النُّبُوَّةِ، ثم بقيت منه، أعني من استراقِ السمع بقايا يسيرة بدليل وجودِهم على النُّدُور في بعض الأزمنة، وفي بعض البلاد. وقد سُئِل رسول الله - ﴿ - عن الكُهَّان فقال: ليسوا بشيء، فقيل: إنهم يتكلمون بالكلمة، فتكون كما قالوا، فقال: تلك الكلمة من الجن يحفظها الجِنّ، فَيُقِرُّها في أُذُن وَلِيّه قَرَّ الزَّجاجة، فيخلط فيها أكثرَ من مائةٍ كذبة(١)، ويُروى: قَرَّ الدَّجاجَةَ بالدال، وعلى هذه الرواية تكلم قاسم بن ثابت في الدلائل. والزجاجة بالزاي أولى؛ لما ثبت في الصحيح، فيُقِرّها في أُذُن ولِيِّه، كما تُقِرُّ القارورة، ومعنى يُقِرُّها: يَصُبُّها ويُفْرغها، قال الراجز: ما يَسْتَفِزُّ فأُريك فقرها لا تُفْرِغَنْ فِي أُذُنِي قَرَّها وفي تفسير ابن سلام عن ابن عباس، قال: إذا رمى الشهابُ الْجِنيَّ لم يُخْطِئْه، ويحرق ما أصاب ولا يقتله، وعن الحسن قال: في أسرع من طرفة العين، وفي تفسير ابن سلام أيضًا عن أبي قَتَادَة أنه كان مع قوم، فرُمِيَ بنجم، فقال: لا تُتْبِعوه أبصارَكم، وفيه أيضًا عن حَفصٍ أنه سأل الحسَن: أَيُتْبعُ بصرَه الكوكب. فقال: قال سبحانه: ﴿وجعلناها رُجُومًا للشياطين﴾ [الملك: ٥]. وقال: ﴿أُوَلَم يَنْظروا في مَلَكُوتِ السَّمَواتِ والأرضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. قال: كيف نعلم إذا لم ننظر إليه، لأَتْبِعَنَّه بصري(٢). الجنّ الذين ذكرهم القرآن: وذكر النفر من الجن الذين نزل فيهم القرآن والذين: ﴿ولَّوْا إلى قومهمُ مُنذرين قالوا: (١) (صحيح). أخرجه البخاري (٥٨/٨) ومسلم في السلام (١٢٣) وأحمد (٨٧/٦) والطحاوي في المشكل (١١٤/٣). (٢) انظر تفسير الطبري وابن كثير والقرطبي. ٣٥٦ سَمِعْنا كتابًا أُنْزِلَ منْ بَعْدٍ مُوسَى مُصَدِّقًا لِما بينَ يَدَيْهِ يَهْدي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيق مُسْتَقِيم﴾ ... الآية [الأحقاف: ٣٠]. وكان قولُ الجنّ: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رجالٌ مِنَ الإنْسِ يعُوذُونَ بِرِجال مِنَ الجِنّ فَرَدُّوهمْ رَهَقًا﴾. أنه كان الرجلُ من العَرب من قُرَيش وغيرهم إذا سافر فنزل بَطْنَ وادٍ من الأرض لِيَبِيتَ فيه، قال: إني أعوذ بعَزيز هذا الوادي من الجنّ الليلةَ من شرّ ما فيه. قال ابن هشام: الرهق: الطغيان والسَّفه. قال رؤبة بن العجَّاج: إذا تَسْتَبِي الهَيَّامَةِ المُرَهَّقا [بِمُقْلَتيْ رِيمٍ وحِيدٍ أرشقا] يا قومنا إنّا سَمِعْنا كتابًا أُنْزِل من بعدٍ موسى﴾ [الأحقاف: ٣٠]. وفي الحديث أنهم كانوا من جِنَّ نَصِيبين. وفي التفسير أنهم كانوا يَهُودًا؛ ولذلك قالوا: من بعد موسى، ولم يقولوا من بعد عيسى ذكره ابن سلام(١). وكانوا سَبْعَةً، قد ذُكِروا بأسمائهم في التفاسير والمُسْنَدات، وهم: شاصر، وماصر، ومنشى، ولاشى، والأحقاب، وهؤلاء الخمسةُ ذكرهم ابن دُرَیدٍ، ووجدتُ في خبر حدّثني به أبو بكر بن طاهر الإشبيلي الْقَيْسِيّ عن أبي عَلِيِّ الْغَسَّانِي في فضل عمر بن عبد العزيز قال: بينما عمرُ بن عبد العزيز يمشي في أرض فلاةٍ فإذا حَيَّةٌ مَيِّئَةٌ فكفّنها بفَضْلَة من رِدَائِه، ودفنها فإذا قائلٌ يقول: يا سُرَّق اشهد، لَسَمِعْتُ رسول الله - دَله - يقول لك: ((ستموت بأرض فلاةٍ، فيكفنك ويدفنك رجلٌ صالح))، فقال: مَن أنت - يرحمك الله - فقال: رجل من الجنّ الذين تسمّعوا القرآن من رسول الله - وَ﴿ - لَم يبق منهم إلا أنا وسُرِّقٌ، وهذا سُرِّقٌ قد مات(٢). وذكر ابن سلام من طريق أبي إسحق [عَمْرو بنٍ عبد الله بن علي] السَّبِيعِي عن أشياخِه عن ابن مَسْعُودٍ أنه كان في نَفَرِ من أصحاب رسول الله - ◌َ﴿ - يمشون فرُفع لهم إعصارٌ، ثم جاء إعصارٌ أعظمُ منه، ثم انقشع، فإذا حَيَّةٌ قتيلٌ، فَعَمَدَ رجل منّا إلى ردائه فشقّه، وكفّن الحيّة ببعضه ودفنها. فلما جَنَّ الليلُ إذا امرأتان تتساءلان: أيُّكم دفن عَمْرو بن جابر؟ فقلنا: ما ندري مَنْ عمرو بن جابر؟ فقالتا: إن كنتم ابتغيتم الأجْرَ فقد وجدتموه. إن فَسَقَةَ الْجِنِّ اقتتلوا مع المؤمنين منهم، فقُتِل عمرو، وهو الحيَّة التي رأيتم، وهو من النفر الذين استمعوا القرآن من محمد - وَ * - ثم وَلَّوْا إلى قومهم مُنذرين !!. (١) وقالوا لأن عيسى جاء مصدقًا لموسى ولم ينسخ شريعته كما قال: ((لم أجىء لأنقض الناموس). أما القرآن فقد نسخ كل كتاب سبق. والله أعلى وأعلم. (٢) انظر كتاب ((عالم الجن)) للإشبيلي والسيوطي. ٣٥٧ وهذا البيت في أُرجوزة له. والرَّهَقُ أيضًا: طَلبك الشيء حتى تدنو منه، فتأخذه، أوْ لا تأخذه. قال رؤبة بن العجَّاج يصف خمير وَخْش: بَصْبَصْن واقْشَعرَزن من خَوْف الرّمَقْ [يَمِصَعْن بالأذناب من لَوْحِ وَبَقْ] وهذا البيت في أرجوزة له. والرهق أيضًا: مصدر لِقَول الرجل: رَهِقت الإثمَ أو العُسْرَ، الذي أرهقَتنِي رَهَقًّا شديدًا، أي: حملتُ الإثم أو العسر الذي حملتني حملاً شديدًا، وفي كتاب الله تعالى: ﴿فخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] وقوله: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]. قال ابن إسحاق: وحدّثني يَعْقوب بن عُثْبة بن المُغِيرة بن الأخنس أنه حُدِّث(١) أن ابن علاط والجن: فصل: وأما ما ذكره في معنى قوله سبحانه: ﴿وأنه كان رِجالٌ من الإنْسِ يعوذون برجالٍ من الْجِنْ﴾ الآية؛ [الجن: ٦]. فقد رُوِيّ في معنى ذلك عن حجاج بن عِلاَطٍ السَّلَّمِي، وهو والد نَصْرِ بن حَجَّاج الذي قيل فيه: أم لا سبيلَ إلى نصرٍ بن حَجَّاج أنه قَدِم مكة في ركب، فأجَنَّهم الليلُ بوادٍ مَخُوفٍ مُوحش، فقال له الركب: قم خذ لنفسك أمانًا، ولأصحابك، فجعل يطوف بالركب ويقول: أُعِيذ نفسي وأُعيد صَخبي من كل جِنِّيِّ بهذا الثَّقْب حتى أءوبَ سالمًا وَرَكْبي فسمع قارئًا: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ والإِنْسِ إن اسْتَطَعْتُمْ أن تَنْفُذوا من أقطارِ السَّمُوات والأرض فانْفُذُوا لا تَنْفُذُون إلا بسلطان﴾ الآية [الرحمن: ٣٣]. فلما قَدِمَ مكة خبَّرَ كفارَ قريش بما سمع، فقالوا: أصبت يا أبا كِلابٍ. إن هذا يزعم محمد أنه أُنْزِل عليه، فقال: والله لقد سمعتُه وسمعه هؤلاء معي، ثم أسلم وحَسُنَ إسلامُه، وهاجر إلى المدينة، وابْتَنَى بها مَسْجدًا فهو يُعْرَف به(٢). (١) فيه مجهول. (٢) قصة تفتقر إلى الدليل ((الصحيح)) يعتضدها ويقوم بها. فتأمل ولا تغترّ. ٣٥٨ أوَّل العرب فَزِع للرّمي بالنجوم - حين رُمِيَ بها - هذا الحيُّ من ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية أحد بني عِلاَج - قال: وكان أدهى العرب وأنْكَرَها رأيًا - فقالوا له: يا عمرو: ألم تَرَ ما حدث في السماء من القَذْف بهذه النجوم؟ قال: بلى فانظروا، فإن كانت معالم النُّجُوم التي يُهتدى بها في البرّ والبحر، وتُعرَف بها الأنْوَاءُ من الصَّيف والشتاء، لِمَا يُصلح النَّاس في معايشهم، هي التي يُرمى بها، فهو والله طَيُّ الدنيا، وهلاكُ هذا الخَلْق الذي فيها، وإن كانت نجومًا غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا لأمْرٍ أراد اللَّهُ به هذا الخَلْقْ، فما هو؟ وقال ابن إسحاق: وذكر محمد بنُ مسلم بن شهاب الزهريّ، عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، عن عبد الله بن العبَّاس، عن نفر من الأنصار: أن رسول الله وَلّ، قال لهم: ((ماذا كنتم تقولون في هذا النَّجم الذي يُرمى به))؟ قالوا: يا نبيّ الله كنّا نقول حين رأيناها يُرمى بها: مات مَلِك، مُلِّكَ مَلِكٌ، وُلد مولود، مات مَوْلودٌ، فقال رسول الله وَ لجر: ((ليس ذلك كذلك، ولكن الله تبارك وتعالى كان إذا قضى في خَلْقه أمرًا سمعه حَمَلَةُ العرش، فسبَّحوا، فسبَّح مَن تحتهم، فسبّح لتسبيحهم من تحت ذلك، فلا يزال التَّسْبيح يَهْبِط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيسبحوا ثم يقول بعضهم لبعض: مِمَّ سبَّحتم؟ فيقولون: سبَّح مَن فوقنا فسبَّحنَا لتسبيحهم، فيقولون: ألا تسألون مَن فوقكم: مِمَّ سبَّحوا؟ فيقولون مثل ذلك، حتى ينتهوا إلى حَمَلَةِ العرش، فيقال لهم: مِمَّ سبَّحتم؟ فيقولون: قضى الله في خَلْقه كذا وكذا، للأمر الذي كان، فيهبِطُ به الخبرُ من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيتحدّثوا به، فَتَسْتَرِفُّه الشياطين بالسَّمع، على توهم واختلاف، ثم يأتوا به الكهّان من أهلِ الأرض، فيحدّثوهم به، فيخطئون حول انقطاع الكهانة: فصل: وذكر ابن إسحق حديث ابن عباس وفيه: كنا نقول إذا رأيناه: يموت عظيمٌ أو يولد عظيم، وفي هذا دليل على ما قدَّمناه من أن القذف بالنجوم كان قديمًا، ولكنه إذ بُعث الرسول عليه السلام وغُلِّظ وشُدِّد - كما قال الزهري - وملئت السماءُ حرسًا. وقوله في آخر الحديث: وقد انقطعت الكهانةُ اليوم، فلا كهانةَ. يدل قولُه: اليوم على تخصيص ذلك الزمان كما قدمناه، والذي انقطع اليوم، وإلى يوم القيامة أن تدرك الشياطينُ ما كانت تدركه في الجاهلية الْجَهْلاء، وعند تمكنها من سماع أخبار السماء، وما يوجد اليوم من كلام الجنّ على ألسنة المجانين إنما هو خَبَرٌ منهم عما يَرَوْنه في الأرض، مِمَّا لا نراه نحن كسرقة سارقٍ، أو خَبيئته في مكان خَفِيٍّ، أو نحو ذلك، وإن أخبروا بما سيكون كان تَخَرُّصًا وتَظَنْيًا، فيصيبون قليلاً، ويخطئون کثیرًا. ٣٥٩ ويصِيبون، فيتحدّث به الكُهَّان، فيصيبون بعضًا ويُخطئون بعضًا. ثم إن الله عزّ وجلّ حجب الشياطين بهذه النجوم التي يُقذفون بها، فانقطعت الكهانةُ اليومَ، فلا كهانة))(١). قال ابن إسحاق: وحدّثني عَمْرو بن أبي جعفر، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ◌َبيبة، عن عليّ بن الحسين بن عليّ رضي الله عنه بمثل حديث ابن شهاب عنه. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم(٢): أن امرأة من بني سَهْم يقال لها الغَيْطَلَةُ، كانت كاهنةً في الجاهلية، فلما جاءها صاحبها في ليلةٍ من الليالي، فأنْقَضَّ وذلك القليل الذي يصيبون هو مما يتكلم به الملائكة في الْعَنان، كما في حديث البخاري، فيُطْرَدُون بالنجوم، فيضيفون إلى الكلمة الواحدة أكثر من مائةٍ كذبة - كما قال عليه السلام - في الحديث الذي قدمناه، فإن قلت: فقد كان صافُ بن صَيَّاد، وكان يَتَكَهَّنُ، ويدَّعي النبوة، وخَبَأَ له النبيَّ - وَّرِ - خَبِيثًا، فعلمه، وهو الدُخُ(٣) فأين انقطاع الكهانة في ذلك الزمان؟ قلنا: عن هذا جوابان، أحدهما ذكره الخطابي في أعلام الحديث قال: الدُخُ نبات يكون من النخيل، وخَبَأ له عليه السلام: ﴿فارْتَقِبْ يوم تأتي السماءُ بدُخانٍ مُبينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، فعلى هذا لم يصب ابن صياد ما خَبَأ له النبي - وَلخير .. الثاني: أن شيطانه كان يأتيه بما خَفِي من أخبار الأرض، ولا يأتيه بخبر السماء لمكان القذف والرجم، فإن كان أراد بالدُّخّ الدخانَ بقوة جُعِلت لهم في أسماعهم ليست لنا، فألقى الكلمة عن لسان صافٍ وحدها، إذ لم يُمكن سماع سائر الآية؛ ولذلك قال له النبي - عليه السلام -: اخْسَأْ فلن تَعْدُو قدر الله فيك أي: فلن تعدو منزلتك من الْعَجْز عن علم الغيب؛ وإنما الذي يمكن في حقه هذا القدرُ دون مزيد عليه، على هذا النحو فسّره الخطابي. الغيطلة الكاهنة وكهانتها : فصل: وذكر حديث الْغَيْطَلة الكاهنة، قال: وهِي من بني مُرَّة بن عَبْد مَناة بن كِنانة أخي مُذْلج، وهي: أُمُّ الغَياطل الذي ذكر أبو طالب، وسنذكر معنى الْغَيْطَلة عند شعر أبي طالب إن شاء الله. ونذكرها ههنا ما ألفَيْتُه في حاشية كتاب الشيخ أبي بحر في هذا الموضع. قال: الغيطلة بنت مالكِ بن الحارثِ بن عمرو بن الصَّعِق بن شَنُوق بن مُرَّةً، وشَنُوق أخو مُذْلِجٍ، وهكذا ذكر نسبها الزبيرُ. (١) (صحيح). أخرجه مسلم في السلام (١٢٤) مختصرًا. (٢) مجاهيل. (٣) الدخ: الدخان. وانظر الحديث في البخاري في كتاب الجنائز - باب (٧٩) ومسلم في كتاب الفتن (٩٥/٨٧) وأبو داود في الملاحم - باب (١٥) بتحقيقي - وأحمد (٣٨٠/١). ٣٦٠