النص المفهرس

صفحات 301-320

على رَجُلْ كَرِيمٍ غير وَغْل(١)
على الفَيَّاض شَيْبَّةَ ذي المعَالي
صَدُوق في المواطِن غیر نِكْس
طَوِيلِ الباعِ، أَزْوَعِ شَيْظَمِيّ(٤)
رَفيِعِ البيت أبْلجَ ذي فُضُول
كريمِ الْجَدِّ ليس بذي وُصُوم
عظيمِ الْحِلْمٍ منْ نَفَر كِرَام
فلو خَلَد امرؤٌ لقديم مجد
لكانَ مُخَلِّدًا أُخرَى اللّيالي
له الفَضْلُ الْمُبِين على العَبيد
أبيكِ الخَيْرِ وارِثِ كلّ جُود
ولا شَخْت(٢) المقام ولا سَنِيد(٣)
مُطاعٍ في عَشيرته حَمِيد
وغَيْثِ النَّاس في الزَّمنِ الْحَرُودِ
يَرُوقُ على المُسوَّد والْمَسُودِ
خَضَارِمَةٍ (٥)مَلائِثَةٍ أُسُودٍ
ولكنْ لا سَبِيلَ إلى الْخُلُودِ
لِفَضْ المَجد والْحَسِبِ التَّلِيد
يروى: كمنحدِر بكسر الدال أي: كالدرّ المنحدِر، وَمُنْحَدَر بفتح الدال فيكون التشبيهُ
راجعًا للفيضِ، فعلى روايةِ الكسر: شَبَّهت الدمْعَ بالدُّرُ الفريد، وعلى رواية الفتحِ شبّهت
الفيض بالانحدار.
وقولها: أبيك الْخَيْرِ. أرادت: الخيّر فخففت، كما يقال: هَيْنٌ وَهَيِّنٌ، وفي التنزيلِ:
﴿خَيْرَاتْ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]. وكان اسم أُمّ الدِّزْدَاءِ: خَيْرَةً بنت أبي حَذْرَد وكذلك أم
الحسن بن أبي الْحَسَنِ البصري، اسمُها: خَيْرَةُ، فهذا من المخفّف، ويجوز أن يكونَ الْخَيْرُ
مُهُنا هو ضد الشّرِّ، جعلته كلَّه خيرًا على المبالغة كما تقول: ما زيدٌ إلاَّ عِلْمٌ أو حُسْنٌ، وما
أنت إلا سَيْرٌ، وهو مَجاز حَسَنٌ، فعلى هذا الوجهِ لا يُثَنَّى ولا يُجْمَع ولا يُؤَنَّثُ، فيقال:
خَيْرَة.
وقولها: ولا شَخْت المقام ولا سَنِيد: الشّخْتُ: [الدقيق الضامِرُ لا هُزَالاً] ضدُّ
الضَّخم، تقول: ليس كذلك، ولكنّه ضَخْمُ المقام ظاهرُه. والسَّنيدُ: الضَّعيفُ الذي لا يَسْتَقِلُ
بنفسه، حتى يَسْنُدَ رأيَه إلى غيره.
وقولها: خَضَارِمَةٍ مَّلاَوِثَةٍ. ملاوثه: جَمْعُ مِلْوَاث من اللَّوْثَة، وهي القوة، كما قال
المُگعْبَر:
عند الْحَفِيظَةِ إِنْ ذو لَوْثَةٍ لاثا
(١) وغل: الوغل: الذي لا يصلح لشيء. أو السيىء الغذاء. مقاييس اللغة (١٢٧/٦).
(٣) السنيد: الضعيف.
(٢) الشخت: الهزيل القليل.
(٤) شيظمي: فتيّ الجسم قوي.
(٥) خضارمة ملاوثة أسود: كثير العطاء.
٣٠١

وقالت بَرَّة بنت عبد المطلب تبكي أباها:
على طَيْب الْخِيمِ والمُعْتَصَزْ
أَعَيْنِيّ جُودًا بِدَمْع ◌ِرَز
جميل المُحَيًّا عَظيم الخطّز
على ماجد الجدّ واري الزّناد
وذي المَجْد والعِزّ والمُفْتَخَزْ
على شَيْبَة الحمْد ذي المَكْرُمات
كثير المَكارِم، جَمّ الفَجَرْ
وذي الحلم والفَصل في النّائبات
مُنير، يلوحُ كَضَوْءِ القَمَرْ
بصّرْف اللَّيَّالي، ورَيْب القَدَرْ
له فَضْل مَجْد على قَومه
أَثَتْهُ الْمَنايا، فلم تُشْوِهِ
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب تبكي أباها:
بدمْعِكما بَعْدَ نَّوْم النيام
أَعَيْنيّ جُودًا، ولا تَبْخَلا
وشُوبا بكاءَكما بالْتِدام
اعَيْنَيَّ وَاسْتحتْفِرًا وَاسْكُبا
على رَجُلٍ غير نِكْس كَهَام
أُعَيْنِيّ، وَاسْتَخْرِطا وَاسْجُما
كريم الْمَسَّاعي، وفيّ الذِّمام
على الْجَحْفَلِ الغَمْر في النّائبات
وذي مَصْدق بعدُ ثَبْتِ الْمَقام
على شَيْبَةِ الْحَمْدِ، وَارِي الزِّناد
وَسَيْف لدَى الحرب صَمْصامَة
ومِرْدَى الْمُخَاصِم عند الخصام
وقد قيل: إن اسْمَ الليثِ منه أُخذ، إلاَّ أنَّ وَاوَه انقَلَبَتْ ياء؛ لأنه فَيْعَلٌ، فخُفّفِ كما
تقدم: في هَيْنِ وَهَيِّنٍ، ولَيْنِ ولَيْنِ .
وقول بَرَّةً:
أتته المنايا فلم تُشْوِهِ
أي: لم تُصِبِ الشّوَى(١)، بل أصابتِ الْمَقْتَلَ، وقد تقدم في حديث عبد المطلب
وضربه بالقِدَاح على عبد الله، وكان يَرَى أن السَّهْمَ إذا خرج على غيره أنَّه قد أُشُوِي، أي:
قد أخطأ مقتلّه، أي: مقتلَ عبد المطلب وابنه، ومَن رواه: أشوَى بفتح الواو فالسَّهْم هو
الذي أشْوَى وأخطأ، وبِكِلا الضبطين وجدتُه، ويقال أيضًا: أشْوَى الزَّرْعُ: إذا أفْرَكَ (٢) فالأول
من الشّوَى، وهذا من الشَّيِّ بالنارِ، قاله أبو حنيفة.
وقول عاتكة: ومِرْدَى الْمُخَاصِمِ، الْمِرْدَى: مِفْعَل من الرَّدَى، وهو الحجر الذي يقتل
(١) الشوى: جلد الرأس.
(٢) أفرك: أي صلح.
٣٠٢

وَفِ عُذْمِلِيّ صَمِيمٍ لُهَام
وسَهْلِ الْخَلِيقة طَلْقِ الیدیْنِ
تَبَنَّكَ في باذِخِ بَيْتُه
رفيعُ الذُّؤَابةِ صَغْبِ الْمَرامِ
وقالت أُم حَكِيم البَيْضاء بنت عَبْد المطّلِب تَبْكي أباها:
وبَكُي ذا النَّدَى وَالْمَكْرُمات
ألاَ يا عينُ جُودِي واسْتَهِلْي
بدمْعِ من دُمُوع هاطلات
ألا يا عَيْنُ وَيْحَكِ أسْعِفِينِي
أباكِ الْخَيْرَ تَيَّارَ الفُرات
كريم الْخِيمِ مَحمود الْهِبَات
وغَيْئًا في السِّنِينِ المُمْحِلات
تَرُوقُ لَهُ عُيُونُ النَّاظِرَات
إذا ما الذَّهْرُ أقْبَل بِالْهِنَات
بداهية، وخَصْم الْمُعضلات
وبكِّي، ما بَقيتٍ، الباكيات
وَبَكِّي خيرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطايا
طَوِيل الباعِ شَيْبة ذا الْمَعالي
وَصُولاً للقَرَابةِ هِبْرِزِيًّا
وَلَيْئًا حين تَشْتَجِرُ العَوَالي
عَقِيلَ بَني كِثَانة والْمُرَجَّى
ومَفْزَعَها إذا ما هاجَ هَیْجْ
فَبَکیه، ولا تَسَمِي پِحُزْن
وقالت أُمَيْمة بنت عبد المطّلِب تبكي أباها:
ألا هَلَك الراعي العشيرةَ ذو الفَقْد
ومَن يُؤلف الضَّيفَ الغريبّ بيوتّه
كسبتَ وليدًا خير ما يَكْسِبُ الفَتى
أبو الحارث الفَيَّاض، خلَّى مكانه
فإني لَباكٍ - ما بقيتُ - وَمُوجَعْ
سقاكَ وَلِيُّ النَّاس في القَبر مُمْطِرًا
فقد كانَ زَيْئًا للعَشيرَةِ كُلِّها
وساقي الْحَجِيجِ، والمحامي عن المجد
إذا ما سماءُ الناسِ تَبْخَلُ بالرَّعد
فلم تَنْفِكْ تزدادُ يا شَيْبةِ الحَمْد
فلا تَبْعُدَنْ، فكل حيّ إلى بُعْدٍ
وكان له أهلاً لما كان من وَجْدي
فسوف أُبكّيه، وإن كان في الأخد
وکان حمیدًا حیثُ ما کان من حَمْد
مَنْ أُصِيب به، وفي المثل: كُلُّ ضَبِّ عنده مِزْدَاتُه [أي: يقرب منه حتفه، لأنه يُرمى به
فيقتل].
وقولُها: وَفٍ. أي: وَفَى، وخفف للضرورة، وقوله: عُذْمُلِيّ. الْعُدْمُلِيّ: [وَالْعُدَامِلُ
وَالْعُدامِلي] الشديد. واللُّهامُ: فُعَالٌ من لَهِمْتُ الشيءَ أَلْهَمهُ: إذا، ابْتَلَعْته، قال الراجز:
[رُؤْبةُ بن العَجَّاج]:
كالحوت لا يُزْويه شيءٍ يَلْهَمُهُ يُصبح عَطْشَانًا وفي البحرِ فَمُهْ
٣٠٣

٠
وقالت أزوى بنتُ عبد المطّلب تَبْكي أباها:
بكَتْ عَيْني، وحُقّ لهَا البُکاءُ
عَلى سَهْلِ الْخَلِيقَةِ أَبْطَجِيّ
عَلى سَمْحٍ، سَجِيَّتُهُ الْحَياءُ
كَرِيم الخِيم، نِيَّتُه العَلاءُ
أبيكِ الْخَيْرِ ليسَ له كِفاءُ
عَلى الفَيَّاضِ شَيْبَةَ ذي المعالي
أغرّ كأنّ غُرّته ضِياءُ
طَويل الباع أمْلس، شَيْظَمِيِّ
له المَجْدُ الْمُقَدَّمُ والسَّناء
أُقَبِّ الكَشْح، أروع ذي فُضُول
قَديم الْمَجْد ليسَ له خَفاء
أُبيِّ الضَّيْم، أبْلَجَ مِبْرِزِيّ
وفاصِلِها إذا التُّمِسِ القَضاء
ومَغْقِلٍ مالكِ، ورَبيع فِهْر
ومنه سمّي الجيش: لُهَامًا .
وقولها: على الْجَحْفَلِ. جعلتْه كالْجَحْفَلِ، أي: يقوم وحده مقامه، وَالْجَحْفَلُ: لفظ
مَنْخوتٌ من أصلين، من: جَحَفَ وَجَفَلَ، وذلك أنه يَجْحَفُ ما يمر عليه أي: يَقْشُرِه،
وَيَجْفِل: أي يَقْلَع، ونظِيرُه نَهْشَلُ: الذئبُ، هو عندهم منحوت من أصلين أيضًا، من:
نَهَشْتُ اللحمَ ونَشَلْتُه، وعاتكةُ: اسمٌ منقول من الصَّفَات، يقال: امرأةٌ عاتِكَةٌ(١)، وهي
الْمُصَفّرة لبدنها بالزَّغْفَرَانِ والطِّيبِ. وقال الْقُتَّبِيُّ: عَتَكت القوسُ: إذا قَدَمَتْ وبه سُمِيت
المرأةُ. والقول الأولُ قولُ أبي حنيفة.
وقول أزْوَى: ومَعْقِلُ مالكِ وربيع فِهْر. تريد: بني مالكِ بن النضْر بن كِنَانَةً. وقولها:
بذي رُبَدٍ. تريد: سَيْفًا ذا طرائقَ. والرُّبَدُ: الطرائقُ. وقالَ صَخْرُ الْغَيُّ [الْهُذَلِيُّ]:
وصارِمٌ أُخْلِصَتْ خَشِيبَته
أبيضُ مَهْوّ في مَثْنِه رُبَدُ
وقول عاتكة: تَبَّك في باذخ بيتُه. أي: تَبَنَّك بيتُه في باذخ من الشَّرَفِ، ومعنى تَبَئُك:
تأَصِّل من الْبُنْك وهو: الأصْلُ. وَالْبُتْكُ أيضًا: ضَرْبٌ من الطّيب، وهو أيضًا عود السوس
[شجر يغمى به البيوت، ويدخل عصيره في الأدوية، وفي عروقه حلاوة شديدة، وفي فروعه
مرارة].
وقوله: فأشار إليهنّ برأسِه، وقد أضْمَت بفتح الهمزة والميم، هكذا قيده الشيخُ عن
أبي الوليد، ويقال: صَمّتَ وأصْمَتَ، وسَكَت وأسْكَت بمعنى واحد، [وسَمَح وأسمح،
وعصفت الريح وأعصفت، وطلعت على القوم وأطلعت. ابن قتيبة في أدب الكاتب].
(١) عاتكة: احمرت القدم.
٣٠٤

ويأسًا حين تَنْسكب الدّماء
وكان هُوَ الفَتَى كَرَمًا وجُودًا
كأنّ قُلُوبَ أكثرهم هَواء
إذا هابَ الكُمَاةُ الْمَوْتَ حتى
مضَى قُدُمًا بذي رُبّد خشیب
عليه حينَ تُبْصره البهاء
.قال ابن إسحاق: فزعم لي محمد بن سَعيد بن الْمُسَيِّب أنه أشار برأسه، وقد
أضْمَت: أنْ هكذا فابكِينني.
قال ابن هشام: المسيِّب بنُ حَزْن بن أبي وَهب بن عمْرو بن عائذ بنِ عِمْران بن
مخزوم.
قال ابن إسحاق: وقال حُذيفة بن غانم أخو بَني عَديّ بن كعب بن لُؤَيّ يبكي
عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، ويَذكر فضله، وفضلَ قُصيّ على قُريش، وفضلَ
وَلَده من بعده عليهم، وذلك أنه أُخِذ بغُزْم أربعة آلاف درهم بمكة، فوقف بها فمرّ به أبو
لَهَبٍ عبدُ العُزّى بن عبد المطّلب، فاقْتَكّه:
ولا تَسأما، أُسْقِيتُما سَبَل القَطْر
أَعَيْنَيَّ جُودًا بالدُّموع على الصَّدر
بُكاء امرِىٍ لم يُشْوِهِ نائبُ الدَّهر
وُجُودا بدَمعٍ، واسْفَحا كُلِّ شارق
على ذي خیاءٍ من قُریش، وذي سِتْر
وسُحًا، وجُمَّا، واسُجُمَا ما بَقيتما
أبو جهم:
وذكر شِعْر حُذَيْفَة بن غانم الْعَدَوِيِّ، وهو والد أبي جَهْم بن حُذَيفة، واسمُ أبي جَهْم:
عُبَيْدٌ، وهو الذي أهدى الْخَمِيصَّة لرسول الله - وََّ - فنظر إلى عَلَمها. الحديث. وقد رُوِّيَ
أيضًا هذا الحديثُ على وجهٍ آخَرَ، وهو أنَّ رسولَ الله - وَهَ - أَتِيَ بِخَمِيصَتَيْنٍ، فأعطى
إحداهما أبا جهم، وأمسك الأَخْرى، وفيها عَلمٌ، فلما نظر إلى عَلَمِها في الصَّلاةِ أرسلها إلى
أبي جَهْم، وأخَذ الأُخرى بدلاً منها، هكذا رواه الزُّبَيْرُ(١). وأُم أبي جَهْم: يُسَيْرةُ بنتُ
عبد الله بن أذَاة بن رِياح، وابن أذَاة: هو خالُ أبي قُحَافة، وسيأتي نَسبُ أُمّهَ، وقد قيل: إن
الشعرَ لِحُذَافَة بن غانم، وهو أخو حذيفة والد خارجة بن حذافة، وله يقول فيه: أخارجُ إنْ
أهْلِكْ. وفي الشعر: غيرُ نِكس ولا هَذْر. النّكسُ من السهام: الذي نُكْسَ في الكِنَانَة ليميزَه
الرامي، فلا يأخذه لرداءته. وقيل: الذي انكسر أعلاه، فَتُكِس وَرُدَّ أعلاه أسفله، وهو غير
جيد للرمي.
(١) الحديث أخرجه البخاري في الصلاة (باب ١٤) ومسلم في المساجد (٦٣/٦١) وأحمد (٣٧/٦).
الروض الأنف/ ج ١/ م ٢٠
٣٠٥

٦
على رجل جَلْد القُوى، ذي حَفِيظة
على الماجد البُهُلُول ذي الباع واللّهی
على خَيْرِ حَافٍ من مَعدٌ وناعلٍ
وخَيْرهم أضْلاً وفرعًا ومَعْدِنا
وأوْلاهُمُ بالْمَجْدِ والحِلْم والنُّهَى
على شَيْبة الْحَمْد الذي كان وجهُه
وساقي الحَجِيج ثم للخُبْزِ هاشم
طَوَى زَمْرَ ما عند المقام، فأصبحتْ
لِيَبْكِ عَلَيْه كُلِّ عاٍ بِكُزبة
بَنُوه سَرَاةٌ، كَهْلُهُمْ وشبابهم
قُصَيُّ الذي عادی کِنانة كلّها
فإن تكُ غالتْهُ الْمَنايا وَصَرْفُها
وأبقَى رِجالاً سادةً غيرَ عُزَّل
أبو عُثْبَة المُلْقِي إليّ حِبَاءه
وحَمزة مِثل البَدرِ، يهتزُّ للنَّدی
وعبدُ مناف ماجد ذو حَفيظة
كُهُولُهمُ خیرُ الكُهول، ونَسْلهم
جميلِ الْمُحَيًّا غير نِكْس ولا هَذْز
رَبيع لُؤَيٍّ في القُحُوطِ وفي العُسْرِ
كَرِيم المساعي، طيب الخِيم والنَّجر
وأخْظَاهُمُ بالمَكْرُماتِ وَبالذّكْر
وبالفَضْل عند المُجْحِفات من الغُبْر
يُضيء سَوَادَ اللَّيل كالقَمر البذْر
وعبدُ مناف، ذلك السَّيِّد الفِهْري
سِقايتُه فَخْرًا على كل ذي فَخْر
وآلُ قُصَيٍّ من مُقِلِّ وذي وَفْر
تغلَّق عنهمْ بيضة الطائِرِ الصَّفر
ورابطَ بيتَ الله في الْعُسْر واليُسر
فقد عاشَ مَيْمُونَ النَّقِيبَة والأمر
مَصاليتَ، أمثالَ الرُّدَيْنِيَّة السُّمْر
أغرّ، مِجان اللَّوْن من نَفَرَغُرَّ
نقيّ الثياب والذّمام من الغَدر
وصولٌ لذي القُربی رحيم بذي الصّهْر
كنّسْلِ المُلوك، لا تَبُور ولا تَخرِي
وقوله: لا تَبُور ولا تَخْرِي. أي: لا تَهلِكُ ولا تَنْقُص، ويقال للأفعى: حَارِيَةٌ لرقّتِها
وفي الحديث: ما زال جسم أبي بكر يَخرِي حُزنًا على رسول الله وَ﴿، أي: يَنْقُص لحمه،
حتى مات، والإجْرِيَّاء: السيرة وهي إفْعيلاء من الْجَزي، وليس لها نظِيرٌ في الأبنية إلا
الإِهچِيرا في معنى الهِجِیری.
وفيها قوله: وليس بها إلا شيوخ بني عمرو. يريد: بَنِي هاشِم؛ لأن اسمَّه عَمْرٌو.
وفيها: غَيْرِ عُزَّل، وهو: جمع أغْزَل، ولا يُجمع أفْعَل على فُعَل، ولكن جاء هكذا؛
لأن الأعزّلَ في مقابلة الرامح وقد يحملون الصفة على ضدّها، كما قالوا: عَدُوَّة - بتاء
التأنيث - حَمْلاً على صديقة، وقد يجوز أن يكون أجراه مَجْرى: حُسَّرٍ جمع: حاسِر (١)؛
(١) الحاسر: مَن لا مغفر له ولا درع.
٣٠٦

متى ما تُلاقي منهمُ الدَّهرَ ناشِئًا
هُمُ مَلَؤوا البَطْحاء مجْدًا وعزَّة
وفيهم بُناةٌ للعُلا، وعِمارةٌ
بإنكاح عَوْف بنته، ليُجیرنا
فَسِرْنا تِهامِيَّ البِلادِ ونَجْدَها
وهُمْ حَضروا والنَّاسُ بَادٍ فريقُهم
بَنَوْها دِیارًا جَمَّةً، وطَوَوا پِها
لكي يشربَ الحُجَّاجِ منها، وغيرُهم
ثلاثَةُ أَيَّامٍ تَظَلّ رِكابِهُمْ
تجِذْه بإجرِيًّا أوائلِه يجري
إذا استُبِقِ الخيرات في سالف العَصر
وعبدُ مناف جدّهمْ، جابرُ الكَسْر
من أعدائنا إذ أسْلَمَتْنَا بنو فِهْر
بأمْنِهِ حتى خاضت العِيرُ في البَخر
وليس بها إلا شُيُوخ بني عَمْرو
بنارًا تسُحَ الماء من قَبَجِ الْبَخرِ
إذا ابتدرُوها صُبْحَ تابعة النّخر
مُخَيَّسة بينَ الأخاشِب والحِجر
لأنه قريبٌ منه في المعنى.
تهام وشآم:
وقوله: فسّرنا تهَامِيَ البلاد مخفّفًا مثل يمانِيًا، والأصلُ في يَمانِ: يَمَنيُّ، فخفّفوا الياء،
وعوَّضوا منها ألفًا، والأصل في تَهَام: تِهامِيّ بكسر التاء من تهَامِيّ لأنه منسوب إلى تِهامة
ولكنهم حذفوا إحدى الياءَين، كما فعلوا في يَمانِ وفتحوا التاء من تَهام لما حذفوا الياء من
آخره، لتكون الفتحة فيه كالعوض من الياء، كما كانت الألف في يَمانٍّ، وكذلك الألف في
شَآم بفتح الهمزة، وألف بعدها عِوَضًا من الياء المحذوفة، فإنْ شَدَّدْتَ الياء من شام قلتَ:
شأمِّيّ بسكون الهمزة، وتذهب الألف التي كانت عوضًا من الياء لرجوع الياء المحذوفة، ولا
تقول في غير النسب: شَآم بالفتح والهمز، ولا في النسب إذا شددت الياء شَأْمي. وسألت
الأستاذ أبا القاسم بن الرماك - وكان إمامًا في صنعة العربية عن البيت الذي أملاه أبو علي في
النوادر، وهو قوله:
عليه، فَمَنْ دعاك إلى الفراق]
[أتَظْعَن عن حبيبك ثم تَبْكي
فتعلم أنه مُرُّ الْمَذاق]
[كأنك لم تَذُقِ لِلْبَيْنِ طَعْمًا
ولا تَظْعَن فِتُكْبَت باشتياق]
[أقِمْ وانْعَمْ بطول القرب منه
ولو يُعطى الشآمُ مع العِراق
فما اغتَاضَ المفَارِقُ من حبیب
فقال: مُحَدّث، ولم يره حُجَّةً. وكذلك وَجَدْتُ في شِعْرِ حبيب: الشّآمَ بالفتح كما في
هذا البيت. وليس بحجة أيضًا.
٣٠٧

وقِدْما غَنِينا قبْلَ ذلكَ حِقْبَةً
وهُمْ يَغْفِرُونِ الذَّنبَ يُنقَمِ دونَه
وهم جَمعوا حِلْف الأحابيش كلِّها
فَخارِجَ، إِمَّا أهْلِكِنَّ، فَلا تَزَل
ولا تنسَ ما أسدَى ابنُ لُبْنى؛ فإنه
وأنت ابن لُبْنى من قُصَيِّ إذا انْتَمَوْا
وأنْتَ تَناوَلْتَ العُلا فجمَعتَها
سبقتَ، وفُتَّ القومَ بَذْلاً ونائلاً
وأُمُّك سِرٌّ مِنْ خُزَاعَةٍ جَوْهَر
إلى سَبٍ الأبطال تُنّمى، وتَنْتَمي
ولا نَسْتقي إلا بخُمَّ أو الحَفْر
ويَعْفُون عن قولِ السَّفاهة والْهُجْرِ
وهم نَكِّلوا عنَّا غُوَاة بني بَكْر
لهم شاكرًا حتى تُغَيَّب في القَبْر
قد أَسْدَى يدًا مَحْقُوقة منك بالشّكْر
بحيث انتهى قصدُ الفؤاد من الصَّذر
إلى مَخْتِدٍ للمَجْدِ ذِي تَبَج جَسْرَ
وسُدت وليدًا كلَّ ذي سُؤْدَد غَمْر
إذا حَصَّل الأنسابَ يومًا ذَوُو الخُبْرِ
فأكرِمْ بها منسوبةً في ذُرَا الزُّهْر
[في اللسان: ((وقد جاء الشام لغة في الشأم قال المجنون:
فأقبلت من مصر إليها أعودها
وخُبِّرتُ ليلى بالشام مريضةً
وقال آخر:
أتتنا قريش قضّها بقضيضها
وأهل الحجاز والشام تَقَصَّف]
وقوله:
حذف الياء من هاء الكتابة:
حذف الياء من هاء الكناية بِأَمْنِهِ :
حتى خاضت العِيرُ في البحر
ضرورة، كما أنشد سيبويه(١):
سأجعل عينيه لِنَفْسِه مَقْنَعَا
في أبيات كثيرة أنشدها سيبويه، وهذا مع حذف الياء والواو، وبقاء حركة الهاء، فإن
سكنت الهاء بعد الحذف، فهو أقل في الاستعمال من نحو هذا، وأنشدوا:
ونِضْوَاي(٢) مُشْتَاقَان لَهُ أرِقَان
وهذا الذي ذكرناه هو في القياس أقوى؛ لأنه من باب حمل الوصل على الوقف نحو
قول الراجز:
لما رأى أن لا دَعَهْ ولا شِبَغْ
(١) وقيل: مالك بن خزيم الهمذان.
(٢) النضوي: البعير المهزول.
٣٠٨

وذو جَدٍ من قومها وأبو الجَبْر
أبُو شَمِرٍ منهمْ، وعَمْرو بنُ مالك
يُؤَيَّد في تلك المواطنٍ بالنَّصْر
وأسْعد قادَ النَّاسَ عِشْرین حِجَّةً
قال ابن هشام: ((أُمْك سِرّ من خزاعة))، يعني: أبا لهب، أُمه: لُبْنى بنت هاجر
الخُزَاعي. وقوله: ((باخرِيًّا أوائله)) عن غير ابن إسحق.
ومنه في التنزيل كثير نحو إثبات هاء السكت في الوصل، وإثبات الألف من أنا،
وإثبات ألف الفواصل نحو: ﴿وَتَظُنُون باللّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠٠] وهذا الذي ذكره
سيبويه من الضرورة في هاء الإضمار إنما هو إذا تحرك ما قبلها نحو: بِهِ ولَه، ولا يكون في
هاء المؤنث الْبَنَّةَ لخفة الألف، فإن سكن ما قبل الهاء نحو: فيه وبنيه كان الْحَذْفُ أحسنَ من
الإثباتِ؛ فإن قلت فقد قرأ عيسى بن مينا: نُصْلِه(١) ويُؤدّه(٢) وأزْجِه(٣) ونحو ذلك في اثني
عشر موضعًا بحذف الياء، وقيل الهاء متحرك، فكيف حسن هذا؟ قلنا: إن ما قبل الهاء في
هذه المواضع ساكن، وهو الياء من نُصْلِيه ويُؤدِّيه ويُؤتيه، ولكنه حذف للجازم، فمَن نظر
إلى اللفظ، وأنَّ ما قبل الهاء متحرك أثبت الياء كما أثبتها في: به وله، ومَن نظر إلى الكلمة
قبل دخول الجازم، رأى ما قبل الهاء ساكنًا، فحذل الياء، فهما وجهان حَسَنَان بخلاف ما
تقدم.
من شرح قصيدة حذيفة:
وذكر في هذا الشعر: وأسعدُ قاد الناس. وهو أسعد أبو حَسَّان بن أسعد، وقد تقدم
في التّبَابِعة، وكذلك أبو شَمِرٍ، وهو شَمِرٌ الذي بنى سَمَرْقَنْد، وأبوه: مالك، يقال له:
الأَمْلُوك (٤)، ويحتمل أن يكونَ أَراد أبا شَمِرِ الغَسَّانِيَّ والدَ الحُرث بن أبي شَمِرٍ.
وعَمْرو بن مالك الذي ذكر أحْسَبه عَمْرًا ذا الأذعار، وقد تقدم في التبابعة، وهو من
ملوك اليمن، وإنما جعلهم مَفْخَرًا لأبي لهب؛ لأن أُمه خُزاعية من سبأ، والتبابعة كُلُّهم من
حِمْير بن سَيٍّ، وقد تقدم الخلاف في خُزَاعَة.
وأبو جَبْرٍ الذي ذكره في هذا الشعر: ملكٌ من مُلوك اليمن ذكر الْقُتَبِيُّ أن سُمَيَّة أُم
(١) في قوله تعالى: ﴿ومَن يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما
تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾ [النساء: ١١٥] وهذه الآية هي التي استدل بها الشافعي رحمه
الله تعالى على الإجماع.
(٢) في قوله تعالى: ﴿ومنهم مَن إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا﴾ [الأعراف: ٧٥].
(٣) في قوله تعالى: ﴿قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين﴾ [الأعراف: ١١١].
(٤) الأملوك: جمع ملك.
٣٠٩

قال ابن إسحاق: وقال مَطْرود بن كَعْب الخُزاعي يَبْكي عبد المطلب وبَني عبد
مناف :
هلأَّ سألتَ عن آل عَبدِ مَناف
يُأَيُّها الرَّجُلُ الْمُحَوَّلُ رَخْلَهُ
ضَمِنُوك مِنْ جُزْمٍ ومن إقْراف
هَبَلَتِكَ أُمُّك، لو حَلَلْتَ بَدَارهم
زياد، كانت لأبي جَبْر ملك من ملوكِ اليمنِ، دفعها إلى الحرث بن كَلَدَة الْمُتَطَبْبِ في طِبٌّ
طَبَّه.
زيد أفضل إخوته:
وذكر ولايةَ العباس - رضي الله عنه - السِّقَاية، وقال: كان من أحدَثِ إخْوَتِهِ سنًّا،
وكذلك قال في صفةِ النبي - ◌ََّـ: كان من أفضل قومِه مُرُوءةً، وهذا مما منعه النحويون أن
يقال: زيد أفضل إخوته، وليس بممتنع، وهو موجود في مواضع كثيرة من هذا الكتاب،
وغيره، وحسُن لأن المعنى: زيد يَفْضُلُ إخوتَه، أو يَفْضُلُ قومَه؛ ولذلك ساغ فيه التنكير،
وإنما الذي يمتنع بإجماع: إضافة أفعل إلى التثنية مثل أن تقول: هو أكرم أخويه، إلا أن
تقول: الأخوين، بغير إضافة.
من شرح شعر مطرود:
فصل: وذكر في شعر مطرود: منعوك من جَوْرٍ ومن إقراف، أي: منعوك من أن تُنكِح
بناتِك أو أخَوَاتِك من لئيم، فيكون الابن مُقْرِفًا لِلؤْم أبيه، وكرم أَمه، فيلحقك وضمٌ من
ذلك، ونحو منه قول مُهَلْهِلَ(١):
جَنْبٍ، وكان الحِباءُ من أَدَمِ
أنكحَها فقدُها الأراقِمَ في
أي: أُنْكِحت لغربتها من غير كُفٍْ. قال مَبْرَمَان(٢): أنشدنا أبو بكر بن دريد: وكان
الخِبَاء من أدَم(٣)، بخاء معجمة الأعلى، وهو خطأ وتصحيف، وإنما هو بالحاء المهملة،
وهو معدود في تصحيفات ابن دريد، وفيه قول الْمُفَجَّع [البصري] ردًا على ابن دُرَيْدٍ :
الطَّرْفَ بِجَهْلٍ مكان تَغْترق(٤)
ألستَ قِدْمًا جعلتَ تَعْتَرقُ م
وهو حِباءُ يُهْدَى، ويُضْطَدَقُ
وقلت: كان الخِباءُ من أدَمٍ
(١) هو: امرؤ القيس بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر.
(٣) أدم: جلد.
(٢) برمان: لقب لأبي بكر الأزمي.
(٤) تغترق الطرف: تشغلهم بالنظر إليها عن النظر إلى غيرها لحُسنها.
٣١٠

حتى يَعُودَ فقيرُهُمْ كالكافي
الخالِطِينَ غنِيَّهُم بفَقيرهم
والظّاعنين لرِخلة الإيلاف
الْمُنْعِمين إذا النُّجومُ تغَيَّرت
حتى تغيبَ الشّمسُ في الرَّجَّاف
والْمُنْعِمِين إذا الرّياحُ تَنَاوَحَتْ
من فوق مثلك عقْد ذات نِطاف
إمَّا ملكْتَ أبا الفَعَال فمَا جَرَى
والفيض مُطَّلب أبي الأضياف
إلا أبيك أخِي الْمَكارِم وحدّه
وذلك أن مُهَلْهِلاً نزل في جَنْبٍ، وهو حَيٍّ وضيعٌ من مَذْحِج. فخطبت ابنته، فلم
يستطع مَنْعَها، فزوَّجَها، وكان نقدُها من أدَمٍ، فأنشد:
جَنْبٍ، وكان الحِباء من أدَمِ
أَنْكَحَها فَقْدُها الأراقِمَ في
ضُرْجَ ما أنفُ خاطبٍ بدَم
لو بأبانَيْنِ(١) جاء خاطبُها
وقوله: حتى تغيبَ الشمسُ بالرَّجَّافِ، يعني: البحر. لأنه يَرْجُف. ومن أسمائه أيضًا:
خُضَارَة، [سُمِّي بذلك لخُضْرَة مائه]. والدَّأْمَاء [سُمْي بذلك لتداؤم أمواجه أي: تراكمها،
وتكسر بعضها على بعض] وأبو خالد.
وقوله: عِقْدُ ذاتُ نِطافٍ. النُّطَفُ: اللؤلؤ الصافي. ووصِيفةٌ مُنَطَّفَةٌ [ومَتَنَطْفَة] أي:
مُقَرَّطَة بِتُومَتَيْنِ [والثُّومَة: اللُّؤلؤة، أو حبة تعمل من الفضة كالدُّرَّةِ] والنَّطَفُ في غير هذا:
التَّلطُّخُ بالْعَيْب، وكلاهما من أصل واحد، وإن كانا في الظاهر متضادين في المعنى؛ لأن
النُّطْفةَ هي الماء القليل، وقد يكون الكثير، وكأن اللؤلؤَ الصّافي أُخِذ من صفاء النُّطْفَةِ.
والنّطّفَ الذي هو العيب: أُخذ من نُطْفَة الإنسان، وهي ماؤه، أي كأنه لُطُخ بها.
وقوله: والْفَيْض مُطَّلب أبي الأضياف. يريد: أنه كان لأضيافه كالأب. والعرب تقوله
لكل جواد: أبو الأضياف. كما قال مُرَّةُ بن مَحْكَان [السَّغْدِي التَّمِيمِيّ سيد بني رُبَيْع]:
أُذْعَى أباهم، ولم أقْرِف بأُمْهِمُ
وقد عَمِرْت. ولم أعْرِفْ لهم نَسَبًا
اللهبي العائف:
فصل: وذكر خَبَرَ اللَّهْبِيِّ العائفِ. قال ابن هشام: ولِهْبٌ: حَيٍّ من الأزْدِ: وقال غيره:
وهو لِهْبُ بنُ أخْجَن بن كَعْب بن الحارثِ بنِ كعب بن عبدِ الله بن مالِكِ بن نَصْر بن
الأزْد. وهي القبيلة التي تُعْرفُ بالعِيافة(٢) والزّجْرِ. ومنهم اللُّهْبِيّ الذي زَجَر حين وقعت
(١) الأبانان: جبلان بالبادية واسم أحدهما: أبان والآخر: متالع.
(٢) العيافة: معرفة الأثر.
٣١١

٠٠
قال ابن إسحق: فلما هَلك عبدُ المطّلب بنُ هاشم وَلِيَ زمزمَ والسِّقَاية عليهما بعده
العبّاسُ بنُ عبد المطلب، وهو يومئذ من أحدث إخوته سِنًّا، فلم تزل إليه، حتى قام
الإسلامُ وهي بيده. فأقرّها رسولُ الله - نَّهِ - له على ما مَضَى من ولايته، فهي إلى آل
العبَّاس، بولاية العبّاس إياها، إلى اليوم.
الحصاةُ بِصَلْعَةٍ عُمَّرَ رضي الله عنه - فأذمَتْه، وذلك في الحج، فقال: أُشْعِر أميرُ الْمُؤمنين.
والله لا يَحُجُّ بعد هذا العام، فكان كذلك(١) واللَّهُبُ: شَقَّ في الجبلِ(٢) [والجمع: ألْهاب
ولُهُوبٌ] وبنو ثُمَالَةَ رَهْطُ الْمُبَرِّدِ الثُّمَالِيِّ: هُمْ بنو أسْلَم بن أحْجَن بن كَعْبٍ. وثُمَّالَّةُ: أُمُهُم.
وكانت العِيافة والزجر في لِهْب قال الشاعر(٣):
وقَد رُدَّ زَجْرُ العالمين إلی لِهْبِ
سألتُ أخا لِهْبٍ لِيَزْجُرَ زَجْرَةً
وقوله: لِيَعْتَافَ لهم: وهُو يَفْتَعِل من الْعَيْفِ. يقال: عِفْتُ الطيرَ. واعْتَفْتُها عِيَافَة
واغْتِيافًا: وعِفْتُ الطعامَ أعاقُه عَيْفًا. وعافت الطيرُ الماءَ عِيَافًا.
(١) لا صحة لهذا.
(٢) اللهب: المضيف بين الجبلين. مقاييس اللغة (٢١٣/٣).
(٣) هو: كُثَيّر عزّة.
٣١٢

كفالة أبي طالب لرسول الله وَله
وكان رسولُ الله - وَلِ﴿ - بعد عبد المطّلب مع عَمِّه أبي طالب، وكان عبدُ المطّلب
- فيما يزعمون - يُوصي به عَمَّه أبا طالب، وذلك لأنّ عبدَ الله أبا رسول الله - دَهــ،
وأبا طالب أخوان لأب وأُمَّ أُمُّهُمَا: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بنِ عِمْران بن
مَخْزُوم [بن يَقَظَّةَ بن مُرَّة].
قال ابن هاشم: عائذ بن عِمْران بن مَخْزوم.
قال ابن إسحاق: وكان أبو طالب هو الذي يَلي أمرّ رسول الله وَ﴿ بعد جدّه، فكان
إليه ومعه.
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبَير، أن أباه حدّثه: أنّ
رجلاً من لِهْب ـ قال ابن هشام: ولِهْب: من أزْدشَنُوءَةَ - كان عائقًا، فكان إذا قَدِمَ مكّة
أتاه رجالُ قُرَيش بغِلْمانهم ينظر إليهم، ويَعْتَاف لهم فيهم. قال: فأتى به أبو طالب، وهو
غلام مع مَن يأتيه، فنظر إلى رسول الله - ولوـ، ثم شغله عنه شيء، فلما فَرِغ قال:
((الغلام. عليّ به))، فلَمَّا رأى أبو طالب حِرْصَه عليه غَيِّبَه عنه، فجعل يقول: ((وَيْلَكُمْ!
رُدُّوا عليَّ الغلام الذي رأيت آنِفًا، فوالله لَيَكُونَنَّ له شأن)). قال: فانطلق أبو طالب.
قصة بحیری(١)
قال ابن إسحاق: ثم إنّ أبا طالب خرج في ركْبٍ تاجرًا إلى الشام، فلما تهيَّأ
للرحيل، وأجمع المسيرَ صَبَّ به رسولُ اللهِ ﴿هـ فيما يزعمون - فَرَّقَّ له، وقال: والله
قصة بحيرى
فصل: في قصة بحيرى وسَفَّر أبي طالبٍ بالنبي - ﴿ - وقع في سِيّر الزُّهْرِيِّ أن
(١) انظر البداية (٢٦٣/٢). الخصائص للسيوطي (١٤١/١) والطبري في تاريخه (٥١٩/١).
٣١٣

لأَخْرُجَنَّ به معي، ولا يفارقني، ولا أفارقه أبدًا، أو كما قال. فخرج به معه، فلما نزل
الركبُ بُصْرَى من أرض الشام، وبها راهب يقال له: بَحِيرَى في صَوْمَعَة له، وكان إليه
عِلْمُ أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قَطّ راهبٌ، إليه يصير علمهم عن
كتاب فيها - فيما يزعمون يتوارثونه كابرًا عن كابر. فلما نزلوا ذلك العام بِبَحِيرَى، وكانوا
كثيرًا ما يمرّون به قبلَ ذلك، فلا يكلّمهم، ولا يَغْرِض لهم، حتى كان ذلك العام. فلما
نزلوا به قريبًا من صَوْمعته صنع لهم طعامًا كثيرًا، وذلك - فيما يزعمون - عن شيء رآه
وهو في صومعته، يزعمون أنَّه رأى رسولَ الله - رَلتر - وهو في صَوْمعته في الرَّكْب حين
أقبلوا، وغَمَّامة تُظِلُه من بين القوم. قال: ثم أقبلوا فنزلوا في ظلّ شجرة قريبًا منه، فنظر
إلى الغمامة حين أظلَّت الشجرة، وتَهصَّرت أغصانُ الشجرة على رسول الله - زَّ ـ حتى
استصلّ تحتها، فلما رأى ذلك بَحِيرى نزل من صَوْمعته وقد أمر بذلك الطعام فصُنع، ثم
أرسل إليهم، فقال: إني قد صنعتُ لكم طعامًا يا معشرَ قُريش، فأنا أُحبُّ أن تحضُروا
كلُّكم، وصغيرُكم وكبيرُكم، وعبدُكم وحُرُّكم، فقال له رجل منهم: والله يا بَحِيرَى إنّ
لك لشأنًا اليومَ! ما كنتَ تصنع هذا بنا، وقد كنّا نَمُرّ بك كثيرًا، فما شأنك اليومَ؟! قال له
بَحيرَى كان حَبْرًا من يَهُودِ تَيْماءَ(١)، وفي المسعودي: أنه كان من عبد الْقَيْسِ، واسمُه:
سَرْجِسُ، وفي المعارف لابن قُتَيْبَةً(٢)، قال: سُمِع قبل الإسلام بقليلِ هاتفٌ يهتف: ألا إن
خيرَ أهلِ الأرْضِ ثلاثة: بَحيرَى، ورِبابُ بنُ الْبَرَاءِ الشَّنِّيّ والثالثُ: الْمُنتظَرُ، فكان الثالثُ
رسولَ الله - وَ﴿ِ - قال الْقُتَبِيُّ: وكان قَبْرُ رِبَابِ الشّنْيِّ، وقبر ولدِه من بعده، لا يزال يُرى
عليها طَشِّ، والطّشْ: المطرُ الضَّعيفُ(٣).
وقال فيه: فَصَبَّ رسولُ الله - ◌ِ - بعمه. الصَّبَابَةُ: رِقَّةُ الشوقِ، يقال: صَبِبْتُ - بكسر
الباء - أصَبُّ، ويذكر عن بعض السَّلَفِ أنه قرأ: ﴿أَصَبُ إليهِنَّ وأكُنْ من الْجاهِلين﴾
[يوسف: ٣٣]. وفي غير رواية أبي بَحْرٍ: ضَبَثَ(٤) به رسولُ الله - وَلِ - أي: لَّزِمه قال
الشاعر :
كأن فؤادي في يد ضَبَثَتْ به
مُحاذِرةً أن يَقْضِبَ الحبلَ قاضبُه
فكان رسول الله - ﴿﴿ ۔ إذ ذاك ابنَ تسع سنين فيما ذكر بعضُ من ألْف في السّيّرِ،
وقال الطبري: ابنِ ثِثْتَيْ عشرة سنة(٥).
(١) بلد صغير في أطراف الشام.
(٢) المعارف (ص ٣٠).
(٣) طش: الطاء والشين: أصل يدل على قلّة في مطر. انظر مقاييس اللغة (٤١٠/٣).
(٤) وفي الطبري: ضَبْ.
(٥) وفي الطبري: ابن تسع سنين.
٣١٤

بحيرَى: صدقتَ، قد كان ما تقول، ولكنّكم ضَيْفٌ، وقد أحببتُ أن أكرمكم، وأصنع
لكم طعامًا، فتأكلوا منه كُلُكم. فاجتمعوا إليه، وتخلّف رسولُ الله - وَل * - من بين
القوم، لحداثة سنّه، في رِحال القوم تحت الشجرة، فلما نَظَرَ بَحيرَى في القوم لم يَرَ
الصَّفَّةَ التي يعرِفُ ويَجدُ عنده، فقال: يا معشر قُريش: لا يتخلَفنّ أحدٌ منكم عن
طعامي، قالوا له: يا بَحيرَى، ما تخلَّف عنك أحدٌ ينبغي له أن يأتيكَ إلا غلامٌ، وهو
أحدثُ القوم سنًّا، فتخلّف في رِحالهم، فقال: لا تفعلوا، ادعوه، فليحضُر هذا الطعامَ
معكم، قال: فقال رجل من قُرَيش مع القوم: والَّلات والعُزَّى، إن كان لَلَوْمُ بنا أن
يتخلَّف ابن عبد الله بن عبد المطّلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتَضَنَه، وأجلسه
مع القوم. فلما رآه بَحيرَى، جعل يَلْحَظُه لَخْظًا شديدًا، ويَنْظُرُ إلى أشياء من جَسَده،
وقد كان يَجِدُها عنده من صفَته، حتى إذا فَرَغْ القومُ من طَعامهم وتفرّقوا، قام إليه
بَحيرَى، فقال: يا غلام، أسألك بحقّ الَّلات والعُزَّى إلا ما أخبرتني عَمَّا أسألكَ عنه،
وإنما قال له بَحيرَى ذلك؛ لأنه سَمع قَومه يَحلِفون بهما، فزَعموا أن رسول
اللهِ وَ﴿ قال: ((لا تسألني بالَّلات والعُزّى شيئًا، فوالله ما أبغضتُ شيئًا قطُ بُغضَهما))،
فقال له بَحيرَى: فبالله إلاَّ ما أخبرتَني عما أسألك عنه، فقال له: ((سَلْني عمَّا بدا لك)).
فجعل يسأله عن أشياء من حالِهِ من نَوْمِه وهَيْئته وأُموره، فجعل رسولُ اللهِ وَلِ يُخبره،
فيوافق ذلك ما عند بَحيرَى من صِفَتِهِ، ثم نظر إلى ظهره، فرأى خاتَمَ النبوّه بين كَتِفَيْه
على موضعه من صفَته التي عنده.
قال ابن هشام: وكان مثلَ أثر المِخْجَم.
من صفات ختم النبوة:
وذكر فيه خاتّمَ النبوة وقول ابن هشام: كان كأثر المِحْجَم يعني: أَثَرَ المِحْجَمَةِ القابضةِ
على اللحم، حتى يكون ناتِئًا. وفي الخبر أنه كان حوله حِيلاَن فيها شَعَراتٌ سُودٌ. وفي صفته
أيضًا أنه كان كالتفاحة، وكَزِرُ الْحَجَلَةِ وفسره الترمذي تفسيرًا وهِم فيه فقال: زِرُّ الْحَجَلَة
يقال: إنه بَيْضٌ له فتوهّم الْحَجَلَةَ من الْقَبَجِ وإنما هي حَجَلَة السَّرِير، واحدةُ: الْحِجَال،
وزِرُّها الذي يدخل في عُزوَتها - قال عليَّ - رِضوانُ اللَّهِ عليهِ - لأهل العراق: يا أشْبَاهَ
الرجال، ولا رِجَالَ، ويَا طَغَامَ الأحلام، ويا عقولَ رَبَّات الْحِجَالِ(١). وفي حديث آخر: كان
كبيضَة الحمامة، وفي حديث عَيَّاذِ بَن عَبْدٍ عَمْرٍو، قال: رأيت خاتَّمَ النبوة، وكان كَرُكْبَةٍ
الْعَنْزِ. ذكره النَّمَرِيُّ مُسْنَدًا في كتاب الاسْتِيعاب، فهذه خمس رواياتٍ في صفةٍ الخاتم:
(١) انظر نهج البلاغة (١٦٤/١).
٣١٥

قال ابن إسحاق: فلما فَرَغَ، أقبل على عَمَّه أبي طالب، فقال له: ما هذا الغلامُ
منك؟ قال: ابني. قال له بَحيرَى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه
حيًّا، قال: فإنه ابنُ أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأُمه حُبْلَى به، قال: صدقت،
فارجع بابن أخيك إلى بلده، واخذَر عليه يَهُودَ، فوالله لئن رأوه، وعرفوا منه ما عرفتُ
لَيَبْغُنَّه شرًا، فإنه كائنٌ لابن أخيك هذا شأنٌ عظيم، فأسْرع به إلى بلاده.
كالتفاحة وكَبَيْضَةِ الحمامةِ (١)، وكَزِرُ الْحَجْلَةِ(٢)، وكأثر الْمِحْجَم وكرُكْبَةِ الْعَنْزُ ورواية سادسة:
وهي رواية عبد الله بن سَرْجِس: قال: رأيت خاتم النبوة كالْجُمْع(٣) يعني: كالْمِحْجَمَة،
[وفي الآلة التي يجتمع بها دمُ الْحِجامة عند المصّ] لا كجُمْع الْكَفِّ، ومعناه كمعنى الأول
أي كأثر الْجُمْعِ. وقد قيل في الجُمْع: إنه جُمْعُ الكَفُ: قاله القُتَبِيُّ: والله أعلم.
وروايةٌ سابعة عن أبي سعيد الْخُذري - رضي الله عنه - وقد سئل عن خاتم النبوة:
فقال: بِضْعَة ناشزة(٤) هكذا: ووضع طَرَف السَّبَّابة في مَفْصِل الإبهام، أو دون الْمَفْصِلِ،
ذكرها يونس عن ابن إسحق، وفي صفته أيضًا رواية ثامنة، وهي رواية من شبهه بالسّلْعة(٥)،
وذلك لِنُتُوِّه، وقد تقدم حديث، فيه عن أبي ذر - رضي الله عنه - مرفوعًا بيانُ وَضْعِ الخاتم
بين كتفيه متى كان، وروى التّرْمِذِيُّ في مصنفه، قال: حدّثنا الفضل بن سهل أبو العباس
الأعرج البغدادي، حدّثنا عبدُ الرحمن بن غَزْوَان أبو نوح، أخبرنا يونس، عن أبي إسحق،
عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه
النبي - وَلجر ـ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا، فَحَلُوا رحالهم: فخرج
إليهم الراهبُ، وكانوا قبلَ ذلك يمرون به، فلا يخرج إليهم، ولا يلتفت: فجعل يَتَخَلَّلَهُمُ
الرَّاهبُ: وهم يَحلُون رِحَالَهم: حتى جاء فأخذ بِيَدِ رسول الله - وَل ـ وقال: هذا سيد
العالمين، هذا رسولُ ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخٌ من قريش: ما
عَلَّمَك؟. فقال: إنكم حين أشرفتم من العَقَبَةِ لم يبق حَجَرٌ، ولا شجر إلا خَرَّ ساجِدًا: ولا
يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غُضْرُوف كتفه. ويقال: غُرضُوف مثل
التفاحة. ثم رجع: فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به - وكان هو في رِغْيَة الإبل - قال: أُرسِلوا
إليه. فأقبل وعليه غَمامة تُظِلَّه، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فَيْء الشجرة، فلما
جلس مال فَيْءُ الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، قال: فبينما هو قائم
(١) (صحيح)). أخرجه مسلم والترمذي في الشمائل (٣٦٤٤).
(٢) أخرجه مسلم في الفضائل (١١١) وأحمد (٨٢/٥).
(٣) أخرجه مسلم في السابق (١١٢).
(٤) أخرجه مسلم في الشمائل (٣٥).
(٥) السلعة: زيادة في البدن كالغدة. والحديث أخرجه البيهقي في الدلائل (١١٧).
٣١٦

فخرج به عمّه أبو طالب سريعًا، حتى أقدَمه مكة حين فَرَغَ من تجارته بالشام
فزعموا فيما رَوى الناسُ: أن زُرَيْرًا وتَمَّامًا ودَريسًا - وهم نَفَر من أهل الكتاب - قد كانوا
رأوا من رسول الله - * - مثل ما رآه بَحِيرَى في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمِّه أبي
طالب، فأرادوه، فردّهم عنه بحيرى، وذكّرهم اللَّهَ وما يجدون في الكتاب من ذِكْرِه
وصفَتِه، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا به لم يخلُصوا إليْهِ، وَلمْ يَزِلْ بهم، حتى عرفوا ما
قال لهم، وصدّقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا عنه. فشّبّ رسول الله - بَلـ ـ والله تعالى
يَكْلؤُه، ويحفظه ويحوطُه من أقذار الجاهلية، لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ
أنْ كان رجلاً أفضلَ قومه مُرُوءَةً، وأحسنَهم خُلقًا، وأكرمَهم حَسَبًا، وأحسنهم جِوَارًا،
وأعظمهم حِلْمًا، وأصدقَهم حديثًا، وأعظمَهم أمانةً، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي
تُدنِّسُ الرجال، تَنَزُّهَا وتَكَرُّمًا، حتى ما اسمه في قومِهِ إلا الأمين، لمَا جمع الله فيه من
الأمور الصالحة.
عليهم، وهو يناشدُهم ألاَّ يذهبوا به إلى الروم، فإن الرومَ إن رأوه عرفوه بالصفة، فيقتُلُونه،
فالتفت فإذا سبعة قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم فقالوا: جئنا أن هذا
النبيَّ خارجٌ في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بُعِث إليه بِأَنَاسٍ، وإنّا قد اخترنا خيرة بعثنا إلى
طريقك هذا، فقال: هل خَلْفكم أحدٌ هو خير منكم، فقالوا: إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا،
قال: أَفَرَأيْتُمْ أمرًا أراد الله أن يقضيه: هل يستطيع أحدٌ من الناس رَدَّه؟ قالوا: لا، قال:
فبايَعُوه وأقاموا معه. قال: أنْشُدُكُمْ باللَّهِ أَيُكُم ولِيُّه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يُناشِدُه حتى
ردّه أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالاً - رضي الله عنهما - وزوَّده الراهبُ من الكَغْكِ
والزيت، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (١). ومما
قاله أبو طالب في هذه القصة:
أَلَمْ تَرَني منٍ بِعدِهَمُ هَمَمْتُه
بأحمدَ لما أنْ شَدَدْتُ مَطِيَّتي
بكى حَزَنًا والعِيسُ قد فَصَلَتْ بنا
ذكرت أباه، ثم رَقْرَقْتُ عَبْرَةٌ
فقلت: تروح راشدًا في عُمُومَةٍ
فرُخنا مع الْعِير التي راح أهلها
فلما هَبَطْنَا أرضَ بُضْرى تَشَرَّفوا
بغُزْقَة حُرّ الوالدِينِ كِرامٍ
لترحلَ إذْ ودَّعتُه بسلامٍ
وأمسكت بالكفين فَضْلَ زِمامٍ
تجود من العينين ذاتَ سِجَامٍ
مواسين في البَأْسَاءِ غير لئام
شآمِي الهوى، والأضْلُ عيرُ شآمِي
لنا فوق دُورٍ ينظرون جسامٍ
(١) ضعيف مضطرب. أخرجه الترمذي (٣٩٢٠).
٣١٧

وكان رسولُ اللهِ وَّهِ - فيما ذُكر لي - يُحَدّث عما كان الله يحفظه به في صِغَرِهِ وأمْر
جاهليته، أنه قال:
لقد رأيتُنِي في غِلْمانِ قُريش نَنْقُلُ حجارةً لبعض ما يلعب به الغلمانُ، كلُّنا قد
تَعَرَّى، وأخذ إزارَه، فجعله على رَقَبته، يحمل عليه الحجارة، فإني لأُقبل معهم كذلك
وأُذْبر، إذ لَكَمَني لاكِمْ ما أراه، لكمةً وَجِيعةٌ، ثم قال: شُدَّ عليك إزارك. قال: فأخذتُه
وشددتُه عليّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري عَلَيّ من بين أصحابي(١).
حرب الفجار (٢)
قال ابن هشام: فلما بلغ رسولُ الله - وَل﴿ - أربعَ عشرةَ سنةً، أو خمسَ عشرةَ سنةً
لنا بشراب طيِّبٍ وَطَعامٍ
فجاء بَحيرَى عند ذلك حاشدًا
فقلنا: جمعنا القوم غير غلامٍ
فقال: اجْمَعُوا أصحابكم لطعامنا
ذكره ابن إسحق في رواية يونس عنه، وذكر باقي الشعر.
حفظه في الصغر:
فصل: وذكر ما كان الله سبحانه وتعالى يحفظه به: أنه كان صغيرًا يلعب مع الغلمان،
فَتَعَرَّى فَلَكَمَّهُ لاكمْ. الحديث. وهذه القصة إنما وردت في الحديث الصحيح في حين بُنْيان
الكعبة، وكان رسولُ الله - وَلِ﴿ - يَنْقُلُ الحجارة مع قومه إليها، وكانوا يجعلون أُزُرَهُمْ على
عواتقهم لِتَقيّهم الحجارةَ، وكان رسولُ الله - وَلَ﴿ - يحملها على عاتقه، وإزارُه مَشدُودٌ عليه،
فقال له العباس رضي الله عنه: يا بن أخي! لو جعلتَ إزَارك على عاتقك، ففعلَ فسقَط
مَغْشيًا عليه، ثم قال: إزاري إزاري! فَشَدَّ عليه إزَارَه، وقام يحمل الحجارة، وفي حديث
آخر: أنه لما سقط، ضَمَّه العباسُ إلى نفسِه، وسأله عن شأنه، فأخبره أنه تُودي من السماء:
أنِ اشْدُد عليك إزارَكَ يا محمد، قال: وإنه لأوَّلُ ما نُودِي. وحديثُ ابن إسحق، إن صحّ أنه
كان ذلك في صغره، إذ كان يلعب مع الغلمان: فَمَحْمَلُه على أن هذا الأمرَ كان مرتين: مَرَّةً
في حال صغره، وَمَرَّةً في أُولِ اكْتِهالِه عند بنيان الكعبة.
قصة الفجار
والفِجار بكسر الفاء بمعنى: الْمُفَاجَرةِ كالقتالِ والمُقَاتَلَة، وذلك أنه كان قِتالاً في الشهرِ
(١) (صحيح)). أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
(٢) انظر المنتظم (٢٩٦/٢)/ الطبقات لابن سعد (١٢٦/١)/ الكامل (٤٦٨/١)/ البداية (٢٦٨/٢).
٣١٨

- فيما حدّثني أبُو عُبيدة النحويّ، عن أبي عمرو بن العلاء - هاجت حربُ الْفِجَار بين
قُريش، ومَن معها من كِنانة، وبين قَيْس عَيْلانَ. وكان الذي هاجها أنَّ عُزْوَةِ الرَّحَّال بن
عُثْبَة بن جَعْفَر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعَة بن معاوية بن بَكْر بن هَوَازن،
أجار لَطِيمةً للنعمان بن الْمُنْذر، فقال له الْبَرَّاض بن قَيْس، أحد بني ضَمْرة بن بَكْر بن
عَبْد مَنَاة بن كِنانة: أتُجيرها على كِنانة؟ قال: نعم، وعلى الخَلْق، فخرج فيها عُرْوَةٌ
الرّحَّال، وخرج الْبَرَّاض يَطْلب غَفْلته، حتى إذا كان بتَيْمِنَ ذي طَلاَّل بالعالية، غَفل
عُزْوَةُ، فَوثب عليه الْبَرَّاض، فقتله في الشهر الحرام، فلذلك سُمّي: الفِجَار. وقال
الْبرّاض في ذلك:
شَدَدْتُ لها - بني بَكْر ◌ِ ضُلوعي
ودَاهِيَةٍ تُهِمْ النَّاسِ قَبْلي
وأرْضَعْتُ الْمَواليَ بالضُّروع
هدَمْت بها بُيُوتَ بني کِلاب
فخَرّ يميدُ كالْجِدْعِ الصَّرِيع
رفعتُ له بذي طَلَأَّلَ كَفّي
الحرامِ، فَفَجَرُوا فيه جميعًا، فسمي: الْفِجَارَ، وكانت للعرب فِجَارَاتٌ أربع، ذكرها
المسعودي، آخرُها: فِجَارُ الْبَراضِ المذكور في السيرة، وكان لكنانةَ ولِقَيْس فيه أربعةُ أيام
مَذْكورة: يوم شَمْطة، ويوم الشّرِبِ، وهو أعظمُها يومًا، وفيه قَّد حَرْبُ بنُ أُمَيَّةَ وسُفْيَانْ
وأبو سُفْيَانَ أبناءُ أُمَيَّةَ أنْفُسَهم كي لَا يَفِرُوا، فَسُمُّوا: الْعَنابِسَ (١)، ويوم الْحُرَيْرَةِ عند نَخْلَة،
ويوم الشّرِبِ انهزمت قيسٌ إلاَّ بني نَضْرٍ منهم، فإنهم ثبتوا، وإنما لم يقاتل رسولُ
الله - رَ﴿ - مع أعمامِه، وكان يَنْبُلُ عليهم، وقد كان بلغ سِنَّ القتالِ؛ لأنها كانت حَرْبَ
فِجارٍ، وكانوا أيضًا كلَّهم كُفَّارًا، ولم يأذنِ اللَّهُ تعالى لمؤمن أن يقاتلَ إلاَّ لتكونَ كلمةُ اللَّهِ
هي العُليا.
واللَّطِيمةُ: عِيرٌ تَحْمِلُ الْبَزَّ والْعِطَرَ.
وقوله: بذي طَلاَّلَ بتشديد اللام، وإنما خففه لَبِيدٌ في الشعر الذي ذكره ابن إسحق
مهنا للضرورة.
منع تنوين العلم:
وقول البرّاضٍ: رفعتُ له بذي طَلاَّلَ كَفِّي. فلم يَصْرفه، يجوز أن يكونَ جعله اسمَ
بُقعةٍ، فترك إجراء الاسم للتأنيث والتعريف، فإن قلت: كان يجب أن يقول: بذاتٍ طَلأَّل،
أي: ذات هذا الاسم للمؤنث، كما قالوا: ذو عَمْرٍو أي: صاحبُ هذا الاسمِ، ولو كانت
(١) العنابس: جمع عنبس وهم أولاد أمية بن عبد شمس. والعنبس من أسماء الأسد.
٣١٩

وقال لَبيد بن مالك بن جَعْفَر بن کِلاب:
وعامرَ وَالخُطُوبُ لها مَوَالي
ابْلِغْ - إِنْ عَرَضْت - بني کِلاپٍ
وأخْوَالَ القَتيل بني هِلال
وبلغ إنْ عرضت بني نُمَيْرٍ
مُقيمًا عندَ تَيْمِنَ ذِي طَلاًَا(١)
بأنّ الوَافِدَ الرَّحَّالِ أمْسَى
وهذه الأبيات في أبيات له فيما ذكر ابنُ هشام. قال ابن هشام: فأتى آتٍ قريشًا،
فقال: إنّ الْبَرَّاض قد قَتل عُرْوَةَ، وهم في الشهر الحرام بعُكَاظ، فارتحلُوا، وهَوازنُ لا
تَشْعُرُ، ثم بلغهم الخبرُ فأتبعوهم، فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم، فاقتتلوا حتى جاء
الليل، ودخلوا الحرمَ، فأمسكت عنهم مَوازن، ثم التَّقَوْا بعد هذا اليوم أيامًا، والقومُ
أُنثى، لقالوا: ذاتُ هذا، فالجواب: أن قوله: بذي يجوز أن يكون وَضْفًا لطريق، أو جانب
مضافٍ إلى طَلاَّل اسم البقعة. وأحسنُ من هذا كُلُّه أن يكونَ طَلاَّلُ اسْمًا مذكّرًا عَلَمًا،
والاسمُ العلَمُ يجوز تركُ صرفِه في الشعرِ كثيرًا، وسيأتي في هذا الكتاب من الشواهدِ عليه ما
يدلُّك على كثرته في الكلام، ونؤخرُ القولَ في كشْفِ هذه المسألةِ وإيضاحِها إلى أن تأتيَ
تلك الشواهدُ - إن شاء الله - ووقع في شعر البَرَّاضِ مُشَدَّدًا، وفي شعر لَبِيدِ الذي بعد هذا
مُخُفَّفًا، وقلنا: إن لبيدًا خففه للضرورة، ولم يُقَل: إنه شَدَّدَ للضرورة، وإن الأصلَ فيه
التخفيف، لأنه فَعَّال من الطَلِّ، كأنه موضعٌ يكثر فيه الطَّلِّ، فَطَلاَّل بالتخفيف لا معنى له،
وأيضًا؛ فإنّا وجدناه في الكلام المنثورِ مُشَدَّدًا، وكذلك تقيد في كلام ابن إسحق هذا في
أصلِ الشيخ أبي بَخرٍ .
من تفسير شعر البراض:
وقوله في البيت الثاني: وألحقتُ المواليَ بالضُّروعِ. جمع: ضرْعٍ، هو في معنى
قولهم: لئِيمٌ راضعٌ، أي: ألحقتُ المواليَ بمنزلتهم من اللُّؤْمِ ورَضاع الضَّرُوع، وأظهرت
فَسَالَتْهُمْ (٢) وهَتَكْتُ بيوتَ أشرافِ بني كِلابٍ وصُرَحَائِهِم (٣).
وقول لبيد: بَيْنِ تَيْمَنَ ذي طَلاَلٍ. بكسر الميم ويفتحها، ولم يَصْرِفْهُ لِوَزْنِ الفِعل،
والتعريف؛ لأنه تَفْعِل، أوْ تَفْعَل من الْيُمْن أو الْيَمينِ.
(١) ذي طلال: وادي بفدك وقيل بنجد.
(٢) الغسل: الفاء والسين والام أصلٌ صحيح يدل على ضعف وقلّة. من ذلك: الرجل الفسل: وهو
الرديء من الرجال. مقاييس اللغة (٥٠٣/٤).
(٣) صرحائهم: جمع صرح.
٣٢٠