النص المفهرس

صفحات 261-280

يقول: ﴿إن في ذلك لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]. فهذا من التَّوَسُم والْفِراسَةِ
الصادقة، وإعمالِ الفكرِ في دلائلِ الحكمة، واستنباطِ الفوائدِ اللطيفة من إشارات الشريعة.
وأمَّا قريةُ النملِ، ففيها من الْمُشَاكَلَةِ أيضًا، والمناسبة: أن زَمْزَمَ هي عينُ مَكّة التي يَرِدُها
الحجيجُ والعُمَّارُ من كل جانب، فيحملون إليها الْبُرَّ والشَّعِيرَ، وغير ذلك وهي لا تحرث
ولا تزْرَعُ، كما قال سبحانه خبرًا عن إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا إني أسْكَنْتُ من ذُرْيَّتي
بواد غير ذي زَرْع﴾. إلى قوله: ﴿وارْزُقْهُمْ من الثّمراتِ لعلهم يشكرون﴾ [إبراهيم: ٣٧]
وقرية النمل لا تحرثُ ولا تَبْذُر، وتجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب، وفي مكّة قال
الله سبحانه: ﴿وَضَرَب اللَّهُ مَثَلاَ قَرْية كانت آمنة مُطْمَئِنَّةً يأتيها رزْقُها رَغَدًا من كُلِّ مكان﴾
[النحل: ١١٢]. مع أن لفظ قرية النمل مأخوذ من قَرَيْتُ الماءَ في الْحَوْضِ: إذا جمعتُهُ،
والرُّؤْيا تُعبَّر على اللفظ تارة، وعلى المعنى أخرى، فقد اجتمع اللفظُ والمعنى في هذا
التأويل - والله أعلم(١).
من صفات زمزم:
وقد قيل لعبد الْمطّلِب في صفة زَمْزَمَ: لَا تَنْزِفُ(٢) أبدًا، ولا تُذَمُّ، وهذا بُرْهَانْ عظيم،
لأنها لم تَنْزِفْ من ذلك الحين إلى اليوم قطّ، وقد وقع فيها حَبَشِيٍّ فَنُزِحَتْ من أجله،
فوجَدُوا مَاءَها يَثور من ثلاثة أعْيُن، أقواها وأكثرها ماء: من ناحية الْحَجَرِ الأسْوَدِ، وذكر هذا
الحديثَ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وقوله: ولا تُذَمُّ، فيه نظرٌ، وليس هو على ما يَبْدُو من ظاهر اللفظ من أنها لا يَذُمُّها
أحدٌ، ولو كان من الذَّمُ لكان ماؤها أعذبَ المياه، ولَتضَلَّعَ منه كُلُّ مَنْ يشربُه، وقد تَقَدَّم في
الحديث أنه لا يتَضَلَّعُ منها منافقٌ، فماؤها إذًا مَذْمُومٌ عندهم، وقد كان خالدُ بن عَبْد الله
الْقَسْرِيّ أميرُ العراق يذمُّها، ويسميها: أُم جِعْلاَن(٣)، واحتفر بئرًا خارجَ مكة باسم الوليد بن
عبد الملك، وجعل يُفَضِّلها على زَمْزَم، ويحمل الناس على التبرُكِ بها دون زَمْزَم جُزْأة منه
على الله - عزّ وجلّ - وقلة حياء منه، وهو الذي يُغْلن ويفصح بلعن عليّ بن أبي طالب
- رضوان الله عليه - على المنبر (٤)، وإنما ذكرنا هذا، أنها قد ذُمَّت، فقوله إذًا: لا تُذَمُ من
قول العرب: بئر ذَمَّة أي: قليلة الماء، فهو من أذمَمْت البئر إذا وجدتَها ذَمَّة: كما تقول:
أجْبَنْتُ الرجل: إذا وجدتَه جبانًا، وأكْذَبْتُه إذا وجدته كاذبًا، وفي التنزيل: ﴿فإنهم لا
(١) تأويل طيب ومقبول. ورحم الله السهيلي. (٢) لا تنزف: أي لا تنزح.
(٣) الجعل: دابة سوداء صغيرة من دواب الأرض. (٤) كلام يحتاج إلى دليل ((صحيح)) يعتضده.
٢٦١

قال ابن إسحق: فلمَّا بُيِّن له شأنها، ودُلّ على موضعها، وعَرَف أنه قد صُدِق،
غَدَا بِمِعْوله ومعه ابنهُ الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولدٌ غيرَه فَحَفَرَ فيها. فلما
بدا لعبد المطلب الطَّيُّ، كَبَّرَ، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا: يا
عبد المطلب، إنها بئرُ أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقًّا فأشْرِكْنا معك فيها. قال: ما أنا
بفاعل، إن هذا الأمرَ قد خُصْصْتُ به دونكم، وأُغطيته من بينكم، فقالوا له: فأنصفنا،
فإِنَّا غيرُ تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أُحاكمكم إليه،
قالوا: كاهنة بني سَعْد هُذَيْم، قال: نعم، قال: وكانت بأشراف الشام، فركب
عبدُ المطلب ومعه نَفَر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كلّ قبيلة من قريش
يُكَذِّبونك ولكن الظالمين بآيات الله يَجْحدُون﴾ [الأنعام: ٣٣] وقد فسَّرَ أبو عبيد في غريب
الحديث قوله: حتى مررنا بيئر ذَمَّة. وأنشد:
مُخَيْسَةٌ(١) خُزْرًا(٢) كأن عيونها
ذِمَامُ الرَّكايا(٣) أَنْكَزَتْها المواتح(٤)
فهذا أولى ما حمل عليه معنى قوله. ولا تُذَمّ؛ لأنه نفي مطلق، وخبر صادق والله
أعلم - وحديث البئر الذَّمَّة التي ذكرها أبو عُبَيْد، حدّثنا به أبو بكر بن العربي الحافظ، قال:
أخبرنا القاضي أبو المطهر سعيد بن عبد الله بن أبي الرجاء قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ،
قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خَلاَّد قال: حدّثنا الحارث بن أبي أسامة. قال:
حدّثنا أبو النضر، قال: حدّثنا سليمان عن حُمَيْدٍ عن يونس عن الْبَرَاءِ قال: كنّا مع رسول
الله - ◌َ﴾ - في مَسِيرٍ فأتينا على رَكِيِّ ذَمَّة، يعني: قليلة الماء، قال: فِنزل فيها ستّةٌ - أنا
سادسُهم - ماحَةٌ (٥)، فَأَذْلِيَتْ إلينا دَلْوٌ، قال: ورسول الله - وَ﴿ - على الرَّكِيِّ، فجعلنا فيها
نصفَها، أو قريب ثُلُثَيها، فرفعت إلى رسول الله - ﴿ - قال: فجئت بإنائي. هل أجد شيئًا
أجعله في حلقي، فما وجدتُ، فَرُفعت الدَّلُ إلى رسول الله - ﴿ - فَغَمَس يده فيها، فقال
ما شاء الله أن يقول - قال: فأعيدت إلينا الدّلو بما فيها، قال: فلقد رأيت أحدَنا أُخْرِجَ بثوب
خَشْيَة الغرّق. قال: ثم ساحت، يعني: جَرَتْ نهرًا(٦).
(١) مخيسة: الإبل المخيسة هي التي لم تسرح.
(٢) خزرًا: الخزر هو كسر العين بصرها خلقة أو ضيقها وصغرها.
(٣) الركايا: جمع ركية وهي البئر.
(٤) المواتح: جمع متح وهو المستقى.
(٥) ماحة: قليلة الماء.
(٦) (صحيح)). أخرجه مسلم في التوبة. حديث رقم (٥٩) بنحوه مختصرًا وانظر غريب الحديث لابن
الجوزي (١/ ٤١٢- ٤١٣) (٣٤٠/٢).
٢٦٢

نَفَر. قال: والأرضُ إذ ذاك مَفَاوز. قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفَاوز بين
الحجاز والشام، فَنِي ماءُ عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالْهَلَكَة، فاسْتَسْقَوْا
مَنْ معهم منْ قبائل قُرَيش، فأَبَوْا عليهم، وقالوا: إنَّا بمفازة، ونحن نخشى على أنفسنا
مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القومُ، وما يتخوَّف على نفسه
وأصحابه، قال: ماذا تَرَوْن؟ قالوا: ما رَأْيُنَا إلا تَبَعْ لرأيك، فمُرنا بما شئت، قال: فإني
أرى أن يحفِر كلَّ رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوّة - فكلما مات رجل
دفعه أصحابُه في حُفْرته ثم وارَوه - حتى يكون آخركم رجلاً واحدًا، فضَيْعة رجل واحد
أيسر من ضَيْعة ركب جميعًا، قالوا: نعم ما أمرت به. فقام كلّ واحد منهم فحفر حفرته،
ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشًا، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا
بأيدينا هكذا للموت، لا نضرب في الأرض، ولا نبتغي لأنفسنا، لَعَجْز، فعسى الله أن
يَرْزقنا ماءً ببعض البلاد، ارْتَحِلُوا، فارتحلوا حتى إذا فَرَغُوا، ومَنْ معهم من قبائل قُرَيش
ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدّم عبد المطّلِب إلى راحلته فَركبها. فلما انبعثت به،
انفجرت من تحتها خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب، وكَبَّر أصحابه، ثم نزل
فَشَرِب، وشَرِب أصحابُه، واسْتَقَوْا حتى ملؤوا أسْقِيَتهم، ثم دعا القبائل من قُرَيش، فقال:
هَلُمَّ إلى الماء، فقد سقانا الله، فاشربوا واستقُوا، فجاءوا، فشَرِبوا واسْتَقَوْا. ثم قالوا: قد
- والله - قُضِي لك علينا يا عبد المطَّلِب، والله لا نخاصمك في زَمْزم أبدًا، إن الذي
سقاك هذا الماءَ بهذه الفَلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا. فرجع
ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلّوا بينه وبينها.
اشتقاق مفازة:
وذكر حديث عبد المطلب في مسيره مع قريش إلى الكاهنة، وذكر الْمَفَاوِزَ التي عطشوا
فيها. المفاوز: جمع مَفَازَةٍ، وفي اشتقاق اسمها ثلاثة أقوال. رُوِيَ عن الأصْمَعِيِّ أنها سُمِّيَتْ
مَفَازَةً على جهة التفاؤل لراكبها بالفوز والنجاة، ويُذكّر عن ابن الأعرابي أنه قال: سألت أبا
المكارم: لِمَ سُمِّيَت الفلاة مفازة؟ فقال: لأن راكبها إذا قطعها وجاوزها فاز. وقال بعضهم:
معناها: مَهْلَكة لأنه يقال: فاز الرجل، وفَوّزَ وفَادَ وفَطَسَ: إذا هلك. وذكر في غير رواية
علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - ثم ادع بالماء الرّويّ غير الكدَر يقال: ماءٌ رِوَى
بالكسر والقصر، ورَواء بالفتح والمد وفيه :
الجمع واسم الجمع:
يُسقَى حَجِيج الله في كل مَبَرْ. الحجيج: جمع حاج. وفي الجموع على وزن فَعِيل
كثير كالْعَبِيد والبَقِير والْمَعِيز والأبيل !! وأحسبه اسمًا للجمع؛ لأنه لو كان جمعًا له واحد من
٢٦٣

قال ابن إسحاق: فهذا الذي بلغني من حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في
زمزم، وقد سمعتُ مَن يُحدّث عن عبد المطلب أنه قيل له حين أَمِر بحَفْر زَمزم:
ثم ادعُ بالماء الرَّوِيِّ غير الكدِر
يَسْقي حجيجَ الله في كل مَبَرْ
ليس يُخاف منه شيء ما عَمَزْ
فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش فقال: تعلّموا أني قد أُمِزت أن
أخفِرَ لكم زمزم، فقالوا: فهل بُيِّن لك أين هي؟ قال: لا. قالوا فارجع إلى مَضجَعك
الذي رأيتَ فيه ما رأيتَ، فإن يك حقًّا من الله يُبَيِّن لك، وإن يك من الشيطان فلن يعود
إليك. فرجع عبدُ المطّلِب إلى مَضجعه، فنام فيه، فأتى فقيل له: اخْفِر زمزم، إنك إن
حفرتها لم تندم، وهي تراث من أبيك الأعظم، لا تَنْزِفُ أبدًا ولا تُذَمّ، تسقي الحَجیجَ
الأعظم، مثل نعَام جافل لم يُقْسَم، يَنْذِر فيها ناذرٌ لِمُنْعِم، تكون ميراثًا وعَقْدًا محكم،
ليستْ كبعض ما قد تعلم، وهي بين الفَرْث والدم.
قال ابن هشام: هذا الكلام، والكلام الذي قبله، من حديث عليّ في حفر زمزم من
قوله: ((لا تُنْزَفُ أبدًا ولا تُذَمّ)) إلى قوله: ((عند قرية النمل)) عندنا سجع وليس شعرًا.
قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين قيل له ذلك، قال: وأين هي؟ قيل له عند قرية
النمل، حيث ينقُر الغراب غدًا. والله أعلم أيّ ذلك كان.
فغدا عبد المطلب ومعه ابنهُ الحارث، وليس له يومئذ ولدٌ غيره، فوجد قرية
النمل، ووجد الغراب ينقُر عندها. بين الوثَتَيْن: إِساف ونائلة، اللذين كانت قُریش تنحر
عندهما ذبائحها. فجاء بِالْمِعْوَلِ وقام ليحفِرَ حيث أُمِر، فقامت إليه قريش حين رأوا جِدّه،
لفظه، لجرى على قياس واحد كسائر الجموع، وهذا يختلف واحِدُه فحجيج واحده: حاج،
وعبيد واحده: عبْدٌ، وبقِير واحده: بقرة، [ومَعِيز: واحده: مَاعِزا إلى غير ذلك، فجائز أن
يقال: إنه اسم للجمع غير أنه موضوع للكثرة؛ ولذلك لا يُصَغّر على لفظه، كما تصغّر أسماء
الجموع، فلا يقال في العبيد: عُبَيِّد، ولا في النخيل: نُخَيِّل، بل يرد إلى واحده، كما ترد
الجموع في التصغير، فيقال: نُخَيْلاَتُ وعُبَيْدُون، وإذا قلت: نخيل أو عَبيد، فهو اسم يتناول
الصغير والكبير من ذلك الجنس، قال الله سبحانه: ﴿وَزَرْعُ ونخيلٌ﴾ وقال: ﴿وما ربُّكَ بِظَلام
للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦] وحين ذكر المخاطبين منهم قال: العباد، وكذلك قال حين ذكر الثمر
من النخيل: ﴿وَالنَّخْلَ باسقاتٍ﴾ [قَ: ١٠] وقال: ﴿أَعْجَازُ نَخْلِ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] فتأمل
الفرق بين الجمعين في حكم البلاغة واختيار الكلام، وأما في مذهب أهل اللغة، فلم يفرّقوا
هذا التفريق، ولا نبّهوا على هذا الغرض الدقيق.
٢٦٤

فقالوا: والله لا نتركك تحفر بين وثَنَيْنا هذين اللذين ننحر عندهما، فقال عبد المطلب
لابنه الحارث: ذُذْ عني حتى أحفِر، فوالله لأمضينّ لمَا أُمرت به. فلما عرفوا أنه نازع
خلَّوا بينه وبين الْحَفْرِ، وكفُوا عنه، فلم يَحْفِرَ إلا يسيرًا، حتى بدا له الطَّيُّ، فَكَبَّر وعرف
أنه قد صُدِق فلما تمادى به الحفرُ وجد فيها غَزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذان
دَفنت جُرْهُم فيها حين خرجت من مكة، ووجد فيها أسيافًا قَلْعِيَّة وأدراعًا فقالت له قریش
يا عبد المطلب، لنا معك في هذا شِرْك وحقّ، قال: لا، ولكن هَلُمَّ إلى أمرٍ نَصَفٍ بيتي
وبينكم، نضرب عليها بالقِداح، قالوا: وكيف تصنع؟ قال: أجعل للكعبة قِذْحين، ولي
قِذْحين، ولكم قِذْحين، فمَن خرج له قِذْحاه على شيء كان له، ومَن تخلّف قِذْحاه فلا
شيءً له قالوا: أنصفتَ، فجعل قِذْحين أصفرين للكعبة، وقِذْحين أسودين لعبد المطلب،
وقِذْحين أبيضَين لقريش، ثم أعطوا صاحبَ القِداح الذي يضرب بها عند هُبّل - وهُبَل:
صنم في جوف الكعبة، وهو أعظم أصنامهم، وهو الذي يَعْني أبو سفيان بنُ حَرْب يوم
أُحُدٍ حين قال: أعْلِ هُبّل أي: أظهر دينك - وقام عبدُ المطلب يدعو الله عزّ وجلّ،
فضرب صاحبُ القِداح، فخرج الأصفران على الغَزَالَيْن للكعبة، وخرج الأسودان على
الأسياف، والأدراعُ لعبد المطلب، وتخلّف قِدْحا قُرَيش. فضرب عبد المطلب الأسياف
شروح:
وقوله: في كل مَبَر: هو مَفْعَل من الْبِرِّ، يريد: في مناسك الحج ومواضع الطاعة.
وقوله: مثل نعام جافل لم يقسم. الجافل: من جَفَلت الغنم: إذا انقلعت بجملتها،
ولم يُقسم أي: لم يُتوزّع، ولم يتفرق.
وقوله: ليس يخَاف منه شيءٌ ما عَمَر. أي: ما عمر هذا الماءُ، فإنه لا يؤذي، ولا
يُخاف منه ما يُخاف من المياه إدا أفرط في شربها، بل هو برَكة على كل حال، وعلى هذا
يجوز أن يحمل قوله: لا تَنْزِفُ، ولا تُذَم عاقبة شربها، وهذا تأويلٌ سائٌ أيضًا على ما قدّمناه
من التأويل، وكلاهما صحيح في صفتها.
وقوله: وضرب [في الباب] الغزالين حلية الكعبة، وهو أول ذهبٍ حُلْيَت به الكعبة،
وقد قَدَّمنا ذكر الغزالين، ومَن أهداهما إلى الكعبة، ومَن دفنهما من جُزْهم، وتقدم أن أول
مَن كسا الكعبة: تُبِّع، وأنه أول مَن اتخذ لها غَلَقًا إلى أن ضرب لها عبدُ المطلب بابَ حديد
من تلك الأسياف، واتخذ عبدُ المطلب حوضًا لزمزم يُسقَى منه، فكان يُخرَّبُ له بالليل
حَسَدًا له، فلما غَمَّه ذلك قيل له في النوم: قل: لا أحلّها لمغتسل، وهي لشارب حِلِّ وبِلِّ
وقد كُفِيتم، فلما أصبح قال ذلك، فكان بعدُ مَن أرادها بمكروه رُمِي بداء في جَسَدِه، حتى
انتهوا عنه. ذكره الزهري في سيره.
٢٦٥

بابًا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين من ذهب، فكان أوّلَ ذهب حُلْيَتْه الكعبة - فيما
يزعمون - ثم إن عبدَ المطّلب أقام سِقاية زمزم للحجَّاج.
ذكر بئار قبائل قريش بمكة
قال ابن هشام: وكانت قریش قبل حفر زمزم قد احتفرت بِثَارًا بمكة، فیما حدّثنا
زياد بنُ عبد الله البكائي(١) عن محمد بن إسحق، قال:
حفر عبدُ شمس بن عبد مناف الطِّيَّ، وهي البئر التي بأعلى مكة عند البيضاء، دار
محمّد بن يوسف.
وحَفَر هاشم بن عبد مناف بَذِّر، وهي البئر التي عند الْمُسْتَنْذَرِ، خَطْم الْخَنْدَمَة على
فم شِغْب أبي طالب، وزعموا أنه قال حين حَفَرها: لأجعلنَّها بلاغًا للناس.
قال ابن هشام: وقال الشاعر:
سقى اللهُ أمواهًا عرفتُ مكانها
◌ُرابًا وَمَلْكُوما وَبَذَّرَ والغَمْرا
قال ابن إسحاق: وحفر سَجْلَة، وهي بئر المُطْعِم بن عَدِيّ بن نَوْفل بن عَبْدَ مَناف
التي يَسْقون عليها اليوم. ويزعمُ بنو نوفل أنّ المُطْعِم ابتاعها من أسَد بن هاشم، ويزعُم
بنو هاشم أنه وَهَبها له حين ظهرت زمزم، فاسْتَغْنَوْا بها عن تلك الآبار.
بئار قریش بمكة
وقوله: وكانت قريش قبل حفر زمزم قد اتخذت بِئارًا بمكة. ذكروا أن قصّيًّا كانَ يسقي
الْحَجِيجَ في حياضٍ من أدَم، وكان ينقُل الماءَ إليها من آبارٍ خارجةٍ من مكة منها: بِثْرُ مَيْمُون
الحَضْرَمِيِّ، وكانْ يَتْبِذُ لهم الزبيبَ، ثم احتفر قُصَيّ العَجُولَ في دار أُمّ هانىء بنت أبي
طالب، وهي أول سِقاية اخْتُفِرت بمكة (٢)، وكنت العربُ إذا اسْتَقَوْا منها ارْتَجَزُوا، فقالوا:
إن قُصَيًّا قد وَفَى وقد صَدق
نُزْوى على العَجُول، ثم ننطلِقْ
[بِشِبَعِ الحج وريّ مُغْتَبِق](٣)
(١) تقدمت ترجمته غير مرة وبيان ضعفه.
(٢) وقيل كما في المراصد: أن العجول هي أول بئر حفرت بمكة.
(٣) غبق: الغين والباء والقاف كلمة واحدة وهي: الغبوق: شرب العشي. يقال: غبقت القوم غبقًا.
واغتبق اغتباقًا. مقاييس اللغة (٤١١/٤).
٢٦٦

وحفر أُميَّةُ بنُ عبد شَمْس الحَفْرَ لنفسهِ، وحفرت بنو أسد بن عبد العُزَّى: سُقَيَّة،
وهي بئر بَني أُسَد. وحفرت بنو عبد الدار: أُمَّ أخرَاد. وحفرت بنو جُمَح: السُّنْلَة، وهي
بئر خَلَف بن وَهْب. وحفرت بنو سَهْم: الغَمْرَ، وهي بئر بني سَهْم، وكانت آبار حفائر
خارجًا من مكّة قديمة من عهد مُرَّة بن كعب، وكِلاب بن مُرَّة، وكُبَراء قريش الأوائل
منها يَشْربون، وهي رُمّ، ورُمّ: بئر مُرَّة بن كَعْب بن لؤيّ. وحُمُّ، وخُمّ. بئر بني
كِلاب بن مُرَّة، والحَفْرُ. قال حُذَيفَة بن غانم أخو بني عَديّ بن كَعْب بن لُؤَيّ:
قال ابن هشام: وهو أبو أبي جَهْم بن حُذَيفة:
وقِدْمًا غنّينا قبل ذلك حَقْبةً ولا نَسْتقي إلا بِخُمّ(١) أو الْحَفْرِ (٢)
فلم تزل العَجُول قائمةً حياةً قصيٍّ، وبعد موته، حتى كَبِرَ عبدُ مناف بن قُصيٍّ، فسقط
فيها رجلٌ من بني جُعَيْل، فعَطِّلُوا الْعَجُول، واندفنت، واحْتَفَرَتْ كلَّ قبيلة بئرًا، واحتفر قُصَيِّ
سَجْلة، وقال حين حفرها:
أنا قُصيّ، وحفرت سَجْلهْ تُزوى الحَجِيجَ زُغْلة(٣) فَزُغْلهُ
وقيل: بل حفرها هاشم، ووهبها أسد بن هاشم لعَدِيّ بن نوفل، وفي ذلك تقول
خالدة بنت هاشم:
تُرْوِي الحجيج زُغْلَةٌ فَزُغْلَةْ
نحن وَهَبْنا لعَدِيِّ سَجْلَه
وأما أُم أحراد التي ذكرها، فأحراد: جمع: حِرْد، وهي قطعة من السَّنَامِ(٤)، فكأنها
سُمْيَتْ بهذا، لأنها تُثْبِت الشحم، أو تُسَمِّن الإبل، أو نحو هذا والحُرد: القَطا الواردة للماء،
فكأنها تَرِدُها الْقَطا والطيرُ، فيكون أخرَاد جمع: حُرْد بالضم على هذا. وقالت أُمَيَّة بنت
عُمَيْلة بن السَّبَّاق بن عبدِ الدار امرأةُ العَوَّام بن خُوَيْلد حين حفرت بنو عبد الدار أمَّ أخراد:
ليست كَبَذَّر البرور الْجَمَّادِ
نحن حَفَرْنا الْبَحر أمَّ أخرَادٍ
فأجابتها ضَرَّتُها: صفية بنت عبد المطلب أُم الزبير بن العوام رضي الله عنه:
نسقي الحجيج الأكبر
نحن حَفَزْنا بَذَّز
وأم أخرادَ شَزْ
من مُقبل ومُذيِز
(١) خم: أي مُنقى.
(٢) الحفر: أول الشيء.
(٣) زغلة: الزاء والغين واللام أصل يدل على رضاع وزَقٌ وما أشبهه. السابق (١٢/٣ - ١٣).
(٤) حرد: أي المنحاة أو المقصودة. الحاء والراء والدال أصول ثلاثة: القصد والغضب والتنخي.
السابق (٥١/٢).
٢٦٧

قال ابن هشام: وهذا البيتُ في قصيدة له، سأذكرها إن شاء الله في موضعها.
قال ابن إسحاق: فعفّت زمزم على البِئار التي كانت قبلها يَسْقي عليها الحاج
وانصرف الناسُ إليها لمكانها من المسجد الحرام؛ ولفضلها على ما سواها من المياه؛
ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وافتخرتْ بها بنو عبد مناف على قُرَيش
كلّها، وعلى سائر العرب، فقال مُسافر بن أبي عَمْرو بن أمية بن عبد شمس بن عَبْد
مناف، وهو يَفْخر على قريش بما وَلُوا عليهم من السِّقاية والرّفادة، وما أقاموا للناس من
ذلك، وبِزَمْزَمَ حين ظهرتْ لهم، وإنما كان بنو عَبْد مناف أهلَ بيت واحد، شَرفُ بعضهم
لبعض شرفٌ، وَفَضْلُ بعضِهم لبعض فَضْل:
ئِنَا فنمَى بِنا صُعُدَا
وَرِثْنا المجْد مِنْ آبا
وأما جُراب، فيحتمل أن يكون بمعنى: جَرِيب(١) نحو: كبار وكبير، والجريب:
الوادي، والجَرِيبُ أيضًا: مِكْيالٌ كبير، والجريب أيضًا: المزرعة.
وأما مَلْكوم فهو عندي مقلوب(٢)، والأصل: مَمكُول من: مَكَلْتُ البئر: إذا استخرجت
ماءها، والْمَكْلَة: ماء الرَّكِيَّة، وقد قالوا: بئر عَمِيقة، ومَعِيقة، فلا يبعد أن يكون هذا اللفظ
كذلك يقال فيه: مَمْكول ومَلْكُوم، والْمَلْكُومُ في اللغة: المظلوم إذا لم يكن مقلوبًا.
وأما بَذَّر فمن التبذير، وهو التفريق، ولعل ماءها كان يخرج متفرقًا من غير مكان
واحد، وهذا البناء في الأسماء قليل، نحو: شَلَّم وخَضَّم وبَذِّر، وهي أسماء أعلام، وشَلَّمُ:
اسم بيت المقدس، وأما في غير الأعلام، فلا يعرف إلا البَقّم، ولعل أصله أن يكون
أعجميًّا، فعرب.
وأما خُمّ وهي بئر مرة، فهي من خَمَمْتُ البيتَ إذا كنستُهُ، ويقال: فلان مَخْمُومُ القلبِ
أي: نَقِيُّه، فكأنها سُمِّیت بذلك لنقائها .
وأما غَدِيرُ خمِّت الذي عند الْجُحْفَةِ، فَسُمِّيَت بِغَيْضَةٍ عنده، يقال لها: خُمّ فيما ذكروا.
وأما رُمّ بئرُ بني كلاب بن مُرَّةً، فمن رَمَمْتُ الشيءَ إذا جَمَعْته وأصْلَحته، ومنه الحديث: كنا
أهل ثُمَّةٍ ورُمَّةٍ(٣)، ومنه: الرُّمَّان في قول سبيويه، لأنه عنده فُعْلاَن، وأما الأخْفَشُ فيقول
فيه: فُعَّالٌ، فيجعَل فيه النُّونَ أصْلِيَّة، ويقول: إن سَمِّيتَ به رجلاً صَرَفته. ومن قول
(١) الجريب: المقدار من الطعام وغيره.
(٢) مَلْكُوم: اسم ماء بمكة شرّفها الله تعالى. اللسان (٥٤٧/١٢).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (٥٦٣/٢).
٢٦٨

ألَمْ نَسْقِ الحَجِيجَ وَنَفْ ـحَرُ الدَّلاَّفَةِ الرُّفُدَا
عبدِ شَمْسٍ بن قُصَيِّ:
حتى ترى المجدَ بها قد تَمَّا
حَفَزْتُ رُمَّا، وحَفَرْتُ خُمَّا
وأما شُفَيَّةُ بئرُ بني أسَدٍ، فقال فيها الْحُوَيْرِثُ بن أسَدٍ :
ماءُ شُفَيَّة كماءِ الْمُزْنِ وليس ماؤُها بطَرْقِ أجْنٍ (١)
وأما سُنْلَةُ: بئر بني جُمَح، وهي بئرُ بني خَلَفِ بنِ وَهْبٍ - فقال فيها شاعرهم:
صَوْبَ سَحَابٍ ذو الجلال أنْزَلَهْ
نحن حَفَرْنا للحجيجِ سُئْبُلَه
تَصبُّ ماءً مثلَ ماءِ المعبله(٢)
ثم تركناها برأس الْقُتْبُلَه
نحن سَقَيْنَا الناسَ قبل الْمَسْأَلَه
من شرح شعر مسافر:
وأما الغَمْرُ: بئر بني سَهْمٍ، فقال فيها بعضُهم:
تَثْجُّ مَاءً أيَّما تَجِيج
نحن حفرنا الْغَمْرَ للخچیچِ
ذكر أكثرَه أبو عُبِيْد الْبَكْرِي، وبعضُ هذه الأرْجَازِ أو أكثره في كتاب الزُّبَيْرِ بن أبي
بكر رحمة الله عليه.
فصل: وذكر شعرَ مُسَافِرٍ بن أبي عَمْرو بن أُمَيَّةَ. واسمُ أبي عمرو: ذَكْوَان، وهو
الذي يقول فيه أبو سفيان:
ـرٍو، ولَيْتٌ يقولها الْمَخْزُونُ
لَيْتِ شِعْرِي مُسَافِرَ بن أبي عَمْـ
رك نَضْحُ الرُّمَّانِ وَالزَّيْتُون(٣)
بُورك الْمَيِّتُ الغريبُ كما بُو
في شعرٍ يرثيه به، وكان مات من حُبِّ صَعْبَة بنتِ الْخَضرَمِيِّ.
وفي الشعر: ونَنحر الدَّلاَفَةَ (٤) الرُّفُدا.
(١) أجن: ماء متغيّر.
(٢) المعبلة: العين والباء واللام (عبل) أصلّ صحيح يدل على ضَخَم وامتلاء وشدة. مقاييس اللغة
(٤/ ٢١٤).
(٣) في اللسان (٢/ ٦٢٠) يُنسب الشعر لأبي طالب بن عبد المطلب.
(٤) الدلافة: الإبل السمين.
٢٦٩

ـنايا شُدَّدًا رُفُدَا
ونُلْغى عنْدَ تَصْرِيفِ الْمـ
وَمَنْ ذَا خالِدٌ أَبَدا
فإنْ نَهْلِكْ، فلم نُمْلَكْ
وزَمْزَم في أرُومتِنَا
ونفْقأُ عَيْنَ مَنْ جَسدَ
قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له.
قال ابن إسحاق: وقال حُذَيفة بن غانم أخو بني عَديّ بن كَعْب بن لؤيّ.
وعبد مناف ذلك السيِّد الفهري
وساقي الحَجِيج، ثم للخُبْز هاشم
سقايتُه فَخْرًا على كلّ ذي فَخْرِ
طَوَى زمزَما عند المقام، فأصبحتْ
قال ابن هشام: يعني عَبْدَ المطّلب بن هاشم. وهذان البيتان في قصيدة لحُذيفة بن
غانم سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
الرُّفُدُ: جمع رَفُود من الرَّفد، وهي التي تملأ إناءين عند الحلب.
وقوله :
ونُلْفَى عند تَصْرِيفِ المنايا شُدَّدًا رُفُدًا
هو جمع رَفُود أيضًا من الرِّفد وهو: العون؛ والأول من الرَّفد بفتح الراء [وبكسرها]
وهو إناء كبير قال الشاعر:
٠
م وأسْرَى من مَعْشَرٍ أفْثَالِ
رُبَّ رَقْدٍ هَرَقْتُه ذلك الْيَوْ
وذكر أُمَّ عبدِ الله بن عَبْدِ المطلبِ، وهي: فاطمة بنتُ عَمْرو بن عائِذٍ بن عِمْرَان
هكذا قال ابن هشام. وقال ابن إسحاق: عائِذُ بن عَبْدٍ بن عمران بن مَخْزُومِ، والصحيح ما
قاله ابنُ هِشام؛ لأنَّ الزُّبِيْرِيِّينَ ذكروا أن عَبْدًا هو أخو عائِذ بن عِمْرانَ، وأنَّ بنتَ عبدٍ هي:
صَخْرَةُ امرأةٌ عَمْرو بن عائذٍ على قول ابن إسحق؛ لأنها كانت له عَمَّةً، لا بنتَ عمِّ،
فتأمله، فقد تكرر هذا النسب في السيرة مرارًا، وفي كل ذلك يقول ابن إسحاق: عائذ بن
عَبْد بن عِمْران، ويخالفه ابنُ هِشام(١). وصَخْرَةُ بنت عبدٍ أُم فاطمة، أُمها: تَخْمُرُ بنتُ
عبد بن قُصَيٍّ، وأُم تَخْمُر: سَلْمَىَ بنت عُمَيْرَةَ بن وَدِيعة بن الحارث بن فِهْرٍ .. قاله
الزّبَيْر(٢).
(١) انظر نسب قريش للزبيري (١٧) ونسب قريش للسدوس (٥).
(٢) انظر نسب قريش للزبيري (١٧) وفيه: ((سلمى بن عامر بن عميرة)).
٢٧٠

ذكر نذر عبد المطلب ذبح ولده
قال ابن إسحق: وكان عبدُ المطّلب بن هاشم - فيما يزعمون والله أعلم - قد نَذَر
حين لَقي من قُريش ما لقي عند حَفْر زمزم: لئن وُلد له عشرةُ نَفَر، ثم بلغوا معه حتى
يَمْنَعوه، لَيَنْحَرِنْ أحدَهم الله عندَ الكعبة. فلما توافى بنوه عشرةً، وعرف أنهم سيمنعونه،
جَمَعهم، ثم أخبرهم بنَذْره، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه وقالوا: كيف نَصْنَع؟
قال: ليأخذ كلّ رجل منكم قِدْحًا ثم يكتب فيه اسمَه، ثم ائتوني، ففعلوا، ثم أُتَوْه،
فدخل بهم على هُبَل في جَوْف الكعبة، وكان هُبَل على بئر في جوف الكعبة، وكانت
تلك البئر هي التي يُجمع فيها ما يُهدى للكعبة.
وكان عند هُبَل قِداح سَبْعة، كل قِدْح منها فيه كتاب. قِدْح فيه العَقْل، إذا اختلفوا
في العَقْلِ مَنْ يَحْمِله منهم، ضربوا بالقداح السَّبعة، فإن خرج العَقْلِ فَعَلى مَنْ خرَج
حَمْلُه. وقِذْح فيه: نعم. للأمر إذا أرادوه يُضرب، به في القِداح، فإن خرج قِذْح نعم،
عملوا به. وقِذْح فيه: لا، إذا أرادوا أمرًا ضربوا به في القِداح، فإن خرج ذلك القِداح لم
نذر عبد المطلب
فصل: وذكر نذَر عبد المطلبِ أن ينحَر ابنه إلى آخر الحديث. وفيه أن عبدَ الله،
يعني: والدَ رسول الله - رَ﴿ - كان أصغَر بني أبيه، وهذا غيرُ معروف، ولعلَّ الروايةَ: أصغر
بني أُمّه، وإلا فحمزَةُ كان أصغر من عبد الله، والعباسُ: أصغُر من حَمْزَةَ، ورُوِيّ عن
العباس - رضي اللهُ عنه - أنه قال: أذكر مولد رسولِ الله - ﴿ه - وأنا ابنُ ثلاثة أعوام أو
نحوِها، فجيء بي حتى نظرت إليه، وجعل النّسْوةُ يقلن لي: قَبْلْ أخاك، قَبِّلْ أخاك، فقبّلَته،
فكيف يصحّ أن يكونَ عبدُ الله هو الأصغر مع هذا؟! ولكن رواه البكائِيُّ كما تقدم، ولروايته
وجه، وهو أن يكونَ أصغرَ ولد أبيه حين أراد نحرَه، ثم وُلد له بعد ذلك حَمْزَةُ والعباسُ.
وسائرُ حديث عبد المطلب ليس فيه ما يُشْكِل. وفيه أن الدِّيّةَ كانت بِعشرٍ من الإبل قبل
هذه القصة: وأول مَن وُدِي بالمائة إذًا: عبد الله. وقد قَدَّمْنَا ما ذكره الأصْبَهَانِيُّ عن أبي
الْيَقْظَانِ أن أبا سَيّارة هو أول مَن جَعَلَ الدِّيَّةَ مائةً من الإبل، وأما أولُ مَنْ وُدِي بالإبل من
العربِ: فَيْدُ بن بَكْر بن هَوَازِن قتله أخوه معاويةُ جَدُّ بني عامر بن صَعْصَعَةً.
وأما الكاهنةُ التي تحاكموا إليها بالمدينة فاسمها: قُطْبَةُ. ذكرها عبد الغني في كتاب
الغوامض والمبهمات، وذكر ابن إسحق في رواية يونس أن اسمها: سَجَاح(١).
(١) انظر البداية (٢٣٠/٢).
٢٧١

يفعلوا ذلك الأمر، وقِدْح فيه: مِنْكم، وقِدْح فيه مُلْصَق: وقدح فيه: مِنْ غيرِكم. وقدح
فيه: المياه، إذا أرادوا أن يَخْفِروا للماء ضَرَبوا بالقِداح، وفيها ذلك القِدْح، فحيثما خرَج
عملوا به .
وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلامًا، أو يُنْكِحوا منكحًا، أو يَدْفنوا مَيْتًا، أو شكّوا في
نسب أحدهم، ذهبوا به إلى هُبَل وبمِئة درهم وجَزور، فأعْطَوْها صاحبَ القِداح الذي
يَضْرب بها، ثم قرّبوا صاحبَهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا هذا
فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا، فأخْرِج الحقَّ فيه. ثم يقولون لصاحب القداح:
اضرب، فإن خرج عليه: منكم، كان منهم وسيطًا، وإن خَرَج عليه: من غيرِكم، كان
خَليفًا، وإن خَرَج عليه: مُلْصَق، كان على مَنْزلته فيهم، لا نَسَب له، ولا حِلف، وإن
خرج فيه شيء، مما سِوَى هذا مِمَّا يَعمّلون به: نعم عملوا به، وإن خرج: لا، أخّروه
عامَه ذلك، حتى يأتوه به مرّةً أُخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به
القِداح .
فقال عبدُ المطلب لصاحب القِداح: اضرب على بنيَّ هؤلاء بقِداحهم هذه، وأخبره
بنذره الذي نَذَر، فأعطاه كلُّ رجل منهم قِذْحه الذي فيه اسمه، وكان عبد الله بن
عبد المطلب أصغَر بني أبيه، كان هو والزّبير وأبو طالب لفاطمة بنت عَمْرو بن عائذٍ بن
عبد بن عِمْران بن مخزوم بن يَقَظة بن مُرّة بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غالب بن فَهْر.
قال ابن هشام: عائذ بنُ عِمْران بن مَخْزوم.
قال ابن إسحاق: وكان عبد الله - فيما يزعمون - أحبَّ وَلَدِ عبد المطّلب إليه،
فكان عبدُ المطلب يرى أن السَّهْمَ إذا أخطأه فقد أشْوَى. وهو أبو رسول الله - وَلِّ - فلما
أخذ صاحبُ القِداحِ القداحَ ليضرب بها، قام عبدُ المطلب عند هُبَل يدعو الله، ثم ضرب
صاحبُ القِداح، فَخرج القِدْحُ على عبد الله، فأخذه عبدُ المطلب بيده وأخذ الشّفرة، ثم
أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها، فقالوا: ماذا تريد يا
عبد المطلب؟ قال: أذبحه، فقالت له قُرَيش وبَنوه: والله لا تذبحه أبدًا، حتى تُعْذَر فيه.
لئن فعلتَ هذا لا يزال الرجلُ يأتي بابنه حتى يذبَحَهُ، فما بقاء الناس على هذا؟! وقال له
الْمُغيرة بن عبد الله بن عَمْرو بن يَقَظة - وكان عبد الله ابنَ أُخت القوم: والله لا تذبحه
أبدًا، حتى تُعْذِر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فَدَيْناه. وقالت له قريش وبَنوه. لا تفعل،
وانطلق به إلى الحجاز، فإنَّ به عَرَّافة لها تابع، فسَلْها، ثم أنت على رأس أمرك، إن
أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فَرَج قبلْته.
٢٧٢

فانطلقوا حتى قَدِموا المدينةَ، فوجدوها فيما يزعمون - بخيبر. فركبوا حتى
جاؤوها، فسألوها، وقصّ عليها عبدُ المطّلب خبره وخبر ابنه، وما أراد به ونَذْره فيه،
فقالت لهم: ارجعوا عني اليومَ حتى يأتيني تابعي فأسأله. فرجعوا من عندها فلما خرجوا
عنها قام عبدُ المطلب يدعو الله، ثم غَدَوْا عليها، فقالت لهم: قد جاءني الخبرُ، كما
الدّية فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل، وكانت كذلك. قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم
قربوا صاحبكم، وقرّبوا عشرًا من الإبل، ثم اضربوا عليها، وعليه بالقِداح، فإن خرجت
على صاحبكم، فزِيدُوا من الإبل حتى يَرْضى ربُّكم، وإنْ خرجتْ على الإبل فانحروها
عنه، فقد رَضِي ربُّم، ونجا صاحبكم.
فخرجوا حتى قَدِموا مكةً، فلما أجمعوا على ذلك من الأمر، قام عبدُ المطلب
يدعو الله، ثم قرّبوا عبدَ الله وعشرًا من الإبل، وعبدُ المطلب قائمٌ عند هُبَل يدعو الله عزّ
وجلّ !! ثم ضربوا فخرج القِدْح على عبد الله، فزادوا عشرًا من الإبل، فبلغت الإبلُ
عشرين، وقام عبدُ المطلب يدعو الله عزّ وجلّ، ثم ضربوا فخرَج القِدْح على عبد الله،
فزادوا عشرًا من الإبل، فبلغت الإبل ثلاثين، وقام عبدُ المطّلب يدعو الله، ثم ضربوا،
فخرّج القِذْح على عبد الله، فزادوا عشرًا من الإبل، فبلغت الإبل أربعين، وقام
عبدُ المطلب يدعو الله، ثم ضربوا، فخرج القِذْح على عبد الله، فزادوا عشرًا من الإبل،
فبلغت الإبل خمسين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرَج القِذح على
عبد الله، فزادوا عشرًا من الإبل، فبلغت الإبل ستّين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم
ضربوا فخرج القِذْح على عبد الله، فزادوا عشرًا من الإبل، فبلغت الإبل سبعين، وقام
عبدُ المطلب يدعو الله، ثم ضرَبوا فخرج القِذْح على عبد الله، فزادوا عشرًا من الإبل،
فبلغت الإبل ثمانين، وقام عبدُ المطلب يدعو الله، ثم ضربوا، فخرج القِذْح على
عبد الله، فزادوا عشرًا من الإبل، فبلغت الإبل تِسْعين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم
ضربوا، فخرج القِذْح على عبد الله، فزادوا عشرًا من الإبل، فبلغت الإبل مئة، وقام
عبدُ المطّلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرَج القِدْح على الإبل، فقالت قريش ومَنْ حضر:
قد انتهى رِضا ربِّك يا عبد المطلب، فزعموا أن عبد المطلب قال: لا والله حتى أضربَ
عليها ثلاثَ مرات، فضربوا على عبد الله، وعلى الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله،
فخرج القِذْح على الإبل، ثم عادوا الثانية، وعبد المطلب قائم يدعو الله، فخرج القِذح
على الإبل، ثم عادوا الثالثة، وعبد المطلب قائم يدعو الله، فضربوا، فخرج القِذْح على
الإبل: فنُحِرَت: ثم تُركت لا يُصَدّ عنها إنسان ولا يُمْنع.
الروض الأنف/ ج ١/ ٢ ١٨
٢٧٣

قال ابن هشام: ويقال: إنسان ولا سَبُعْ.
قال ابن هشام: وبين أضعاف هذا الحديث رجز لم يصحّ عندنا عن أحد من أهل
العلم بالشعر.
ذكر المرأة المتعرّضة النكاح عبد الله بن عبد المطلب
قال ابن إسحاق: ثم انصرف عبد المطلب آخذًا بید عبد الله، فمرّ به ـ فیما
يزعمون - على امرأة من بني أسَد بن عبد العزى بن قُصيّ بن كِلاب بن مُرّة بن كعب بن
لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر: وهي أُخت وَرَقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزّى: وهي عند
الكعبة: فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أي تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي. قالت:
لك مثلُ الإبل التي نُحِرت عنك: وقَعْ عليّ الآن. قال: أنا مع أبي، ولا أستطيع خِلافَه.
ولا فراقه.
تزويج عبد الله
فصل: وذكرَ تزويجَ عبدِ اللهِ بن عبدِ المطلبِ آمنةً بنتِ وَهْب، وذكر الْبَرْقيُّ فِي سَبَبٍ
تَزويج عبد اللَّهِ آمنةً: أن عبد المطلبِ كان يأتي اليمنَ، وكان ينزل فيها على عظيم من
عظمائهم، فنزل عنده مَرَّةً، فإذا عندَه رجلٌ مِمَّن قرأ الكتب، فقال له: اثْذَنْ لي أُقِسْ
مَنْخِرَكَ(١)، فقال: دُونَك فانظر، فقال: أرى نُبُوَّةً ومُلْكًا، وأراهما في الْمَنَافَيْن: عبدٍ منافٍ بن
قُصَيّ، وعبدٍ مَنَافٍ بن زهرة، فلما انصرف عبدُ المطلب انطلق بابنه عبدِ الله، فتزوج
عبدُ الْمُطْلِبِ هالَة بنتَ وُهَيْبٍ، وهي أُم حمزة - رضي الله - عنه، وزَوَّج ابنَه عبدَ اللَّهِ آمنةً
بنت وهبٍ، فولدت له رسول الله - ﴾1 ۔۔
حول أمهات النبي تمان:
وذكر أُمَّها وأُمَّ أُمْها، والثالثةَ وهي: بَرَّةُ بنت عَوْفٍ، وقد قدّمنا في أول المولدِ ذكر أُم
الثالثة والرابعة والخامسة ونسبَهنّ، فليُنْظَر هنالك.
وأمَّا أُمُّ هالة فهي: الْعَبْلَةُ بنت المطلب، وأُمها خديجة بنت سُعَيْد بن سَهْم، وقد
أُشكل على بعض الناس في هذا الخبر أن عبد المطلب نَذَر نَخر أحدٍ بنيه إذا بلغوا عشرة،
ثم ذكر ابنُ إسْحَق أن تزويجَه هالَة أُمَّ ابنةٍ حَمزةً كان بعد وفائه بِنذره، فحمزةٌ والعباس
- رضي الله عنهما - إنما وُلدا بعد الوفاء بنذره، وإنما كان جميعُ أولاده عشرة. ولا إشكال
(١) منخرك: أنفك.
٢٧٤

فخرج به عبدُ المطلب حتى أتى به وهبّ بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب بن
مُرّة بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر - وهو يومئذ سيِّد بني زُهرة نسبًا وشرَفًا - فزوّجه
ابنته آمنة بنتَ وَهْب، وهي يومئذ أفضلُ امرأة في قُرَيش نسبًا وموضعًا.
وهي لِبَرّة بنت عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصَيّ بنِ كلاب بن مُرّة بن
كَعْب بن لؤَيّ بن غالب بن فِهْر. وبَرّة: لأُمَ حَبِيب بنت أسد بن عبد العزى بن قُصَيّ بن
كِلاب بن مُرّة بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر. وأُمَ حَبيب: لِبَرّة بنت عَوْف بن
عُبَيد بن عُوَيِجِ بن عَديّ بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غالب بن فهر.
فزعموا أنه دخل عليها حين أُمْلِكها مكانَه، فوضع عليها، فحملتْ برسول
الله - ◌َ﴾ - ثم خرج من عندها، فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضتْ، فقال لها:
مالك لا تَعْرِضين عليّ اليومَ ما كنتِ عرضتٍ عليّ بالإمس؟ قالت له: فارقك النورُ الذي
كان معك بالأمس(١)، فليس [لي] بك اليومَ حاجةٌ. وقد كانت تَسْمع من أخيها ورقةً بن
نَوْفل - وكان قد تنصَّر واتَّبع الكُتُبَ: أنه كائنٌ فِي هذه الأمة نبيّ.
في هذا، فإن جماعةٌ من العلماء قالوا: كان أعمامُهُ - عليه السلام - اثْنَيْ عشرَ، وقاله أبو
عُمَر، فإن صحّ هذا فلا إشكالَ في الخبر، وإن صحّ قولُ مَن قال: كانوا عشرةً بلا مزيدٍ،
فالولدُ يقع على البنين وبنيهم حقيقةً لا مجازًا، فكان عبدُ المطلب قد اجتمع له من وَلَدِه
وَوَلَدِ وَلَدِهِ عشرةُ رجالٍ حين وَفى بنذرِهِ.
المرأة التي دعت عبد الله:
ويروى أن عبدَ اللَّهِ بن عبد المطلب حين دعته المرأةُ الأسَدِيَّة إلى نفسها لِمَا رأت في
وجهِه من نورِ النُّبُوَّة، ورجت أن تحملَ بهذا النبي، فتكون أُمَّه دون غيرها، فقال عبد الله
حينئذ فیما ذکروا:
والحِلُّ لا حِلَّ فأَسْتبيئَةْ
أما الْحَرَامُ فالجِمَامُ دونَهْ
يحمي الكريمُ عِرْضَه ودينَهْ؟!
فكيف بالأمْرِ الذي تَبْغينَه
واسم هذه المرأة: رقيةُ بنت نَوْفل أُختُ ورقة بن نَوْفل؛ ثُكَتَى: أُمَّ قتال، وبهذه الْكُنِيَّةِ
وقع ذكرُها في رواية يُونُسَ عن ابن إسحاقٍ، وذكر الْبَرْقِيُّ عن هشام بن الْكَلْبِيِّ، قال: إنما
مرّ على امرأةٍ اسمها: فاطمة بنت مُرَّ، كانت من أجمل النساء وأعفّهنّ، وكانت قرأت
(١) تقدم الكلام على خرافة النور المحمدي الذي كان في جبهة أبينا آدم عليه السلام وانتقال هذا النور
عند احتضاره إلى ولده شيث، وهكذا حتى وصل إلى عبد الله بن المطلب ثم إلى النبي ◌َّر.
٢٧٥

قال ابن إسحاق: وحدّثني أبي إسحقُ بن يسار: أنه حُدّث، أن عبد الله إنما دخل
على امرأة كانت له مع آمنة بنت وَهْب، وقد عمل في طين له، وبه آثارٌ من الطين،
فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لِمَا رأت به من أثَر الطين، فخرج من عندها فتوضًأ
وغَسَل ما كان به من ذلك الطين، ثم خرج عامدًا إلى آمنة، فمرّ بها، فدعَتْه إلى نفسها،
فَأَبَى عليها، وعَمَد إلى آمنة، فدخل عليها فأصابها، فحملتْ بمحمد - وَّه ـ ثم مرّ بامرأته
تلك: فقال لها: هل لك؟ قالت: لا، مررتَ بي وبين عَيْنَيك غُرّة بيضاء، فدعوتُك فأبيتَ
عليّ، ودخلتَ على آمنة فَذَهَبَتْ بها.
قال ابن إسحاق: فزعموا أن امرأته تلك كَانت تحدّث: أنه مرّ بها وبين عَيْنيه غُرَّةٌ
مثل غُرّة الفَرَس، قالت: فدعوتُه رَجاءَ أن تكون تلك بي، فأبى عليّ، ودخل على آمنة،
فأصابها، فحملتْ برسول الله - ﴿ - فكان رسولُ الله - رَ﴾ - أوْسَطَ قومه نسبًا،
وأعظمَهم شرفًا من قِبَل أبيه وأُمّه - وَِ ..
ذكر ما قيل لآمنة عند حملها برسول الله {ياچ:
ويزعمون - فيما يتحدّث الناس والله أعلم - أنّ آمنة ابنة وَهْب أُمّ رسول الله - رَليو -
کانت تحدّث:
أنها أُتِيَتْ، حين حمَلتْ برَسول الله - وَ ﴿َ ـ فقيل لها: إنك قد حملتِ بسيِّد هذه
الأمة، فإذا وقع إلى الأرض، فقُولي: أُعِيذه بالواحد، من شرّ كلّ حاسد، ثم سمّيه:
محمدًا. ورأت حين حملت به أنه خرَج منها نورٌ رأتْ بَهِ قُصور بُضْرى، من أرض
الشام(١).
ثم لم يلبث عبدُ الله بن عبد المطلب، أبو رسول الله - بَ ل﴿ - أنْ هلَك، وأُمُ رسول
الله - (﴾ - حاملٌ به.
الكتبَ، فرأت نورَ النُّبُوَّةِ في وجهِه، فدعته إلى نكاحِها، فأبى، فلما أبى قالت:
فَتَلأْلاَّتْ بِحَناتِم(١) الْقَطْرِ
إني رأيتُ مُخِيلَةً نَشَأَتْ
ما حَوْلَه كإضاءَةِ الْفَجْرِ
فَلَمَأْتُّها (٢) نُورًا يُضيء به
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٩٨/١) وابن الجوزي في المنتظم (٢٤٨/٢) والطبري في تاريخه
(٤٥٣/١) وأبو نعيم في الدلائل (٩٤). وقال الحافظ: صححه الحاكم وابن حبان. وانظر الكامل
(٣٥٥/١) والخصائص للسيوطي (٧٨/١).
(٢) الحناتم: السحاب السوداء لامتلائها بالماء.
(٣) فلمأتها: أي أبصرتها.
٢٧٦

وَقَعَتْ بِه وعِمَارَةَ الْقَفْرِ
ورأيتُ سُفْيَاهَا حَيَا بَلَدٍ
ما كُلْ قَادِحٍ زَنْدِهِ يُورِي
ورأيتُه شَرَفًا أبوء به
منك الذي اسْتَلَبَتْ وما تَذْرِي
لِلَّهِ ما زُهْرِيَّةٌ سَلَبَتْ
وفي غريب ابن قتيبة: أن التي عرضت نفسها عليه هي: ليلى الْعَدَوِيَّةُ(١).
(١) انظر الفتح (٤١٧/١١). والبداية لابن كثير (٢/ ٢٣١- ٢٣٣) والطبري في تاريخه (٤٥٣/١)
والكامل لابن الأثير (٣٥٥/١) وطبقات ابن سعد (٩٨/١) والمنتظم لابن الجوزي (٢٤٢/٢)
والخصائص للسيوطي (٦٨/١). والحديث أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٩١).
٢٧٧

كلالته
عائلة
وسيلة
ولادة رسول الله
قال حدّثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال: حدّثنا زياد بن عبد الله البكائي عن
محمد بن إسحاق قال: وُلد رسول الله - وَ * - يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من
شهر ربيع الأوّل، عامَ الفيل(١).
قال ابن إسحاق: وحدثني المطّلب بن عبد الله بن قَيْس بن مَخْرَمَةَ عن أبيه عن
جَدِّه قيس بن مَخْرَمَةَ. قال:
ولدتُ أنا ورسولُ الله - رَ﴿ ◌ِ عامَ الفيل: فنحن لِدَتَانٍ(٢).
قال ابن إسحاق: وحدّثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف، عن
يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سَعْدٍ بن زُرَارَةَ الأنصاريّ. قال: حدّثني مَن
فصل في المولد
في تفسير بَقِيٍّ بن مَخْلَد أن إبليسَ - لعنه اللَّهُ - رَنَّ أُربَعَ رَنَّاتٍ(٣): رَنَّة حين لُعِن، ورَنَّة
حين أُهْبِطَ، ورَنَّة حين وُلِد رسولُ الله - وَّهِ - ورَنَّة حين أُنزلت فاتحةُ الكتاب. قال: والرَّنينُ
والنُّخَارُ(٤) من عملِ الشيطانِ. قال: ويُكرَه أن يقال: أُمُّ الكتابِ، ولكن: فاتحةُ الكتاب(٥).
ورُوِيَ عن عُثْمانَ بن أبي العاص عن أُمه أُمّ عثمان الثَّقَفِيَّة، واسمُها: فاطمةً بنت عبد الله،
(١) إسناده ضعيف - لضعف البكائي - تقدمت ترجمته غير مرة. وانظر في تاريخ الولادة طبقات ابن سعد
(١٠٠/١ - ١٠١) والبداية (٢٤٢/٢) والمنتظم (٢٤٥/٢) والدلائل لأبي نعيم (١١٠).
(٣) الرنة: الصيحة.
(٢) أخرجه أحمد والبيهقي.
(٤) النخار: صوت يخرج من الخياشيم.
(٥) انظر للمحقّق: ((اللباب في تفسير فاتحة الكتاب)).
٢٧٨

شِئْت(١) من رجال قومي عن حسَّان بن ثابت، قال: والله إني لغلام يفَعَة، ابن سبع سنين
أو ثمان، أعْقِل كلَّ ما سمعت، إذ سمعتُ يهوديًّا يصرخ بأعلى صوته على أطَمَةٍ بِيَثْرِبَ:
يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه، قالوا له: ويلك ما لك؟! قال: طَلَع الليلةَ نجمُ
أحمد الذي وُلد به (٢).
قال محمد بن إسحق: فسألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسَّان بن ثابت، فقلت:
ابْنُ كُمْ کان حسَّان بن ثابت مَقْدَمَ رسول الله - وَه ـ المدينة؟ فقال: ابن ستِّين، وقَدِمَها
رسول الله - رَ﴿ - وهو ابن ثلاث وخَمْسين سنةً، فسمع حسَّانُ ما سَمِع، وهو ابن سبع
سنین .
قال ابن إسحاق: فلما وضعتْه أُمُّهُ - وَلِّ ـ أرسلت إلى جدّه عبد المطلب: أنه قد
وُلد لك غلام، فأَتِه فانظر إليه، فأتاه فنظر إليه، وحدَّثَتْه بما رأت حين حَمَلتْ به، وما
قيل لها فيه، وما أُمرت به أن تُسمِّيه.
فيزعمون أن عبد المطلب أخذه، فدخل به الكعبةَ، فقام يدعو الله، ويشكر له ما
أعطاه، ثم خرج به إلى أَمّه فَدَفعه إليها، والتمس لرسول الله - صل * - الرضعاء.
قالت: ((حضرتُ ولادَةَ رسولِ الله - وَّ﴿ - فرأيتُ البيتَ حين وُضعَ قد امتلأ نورًا، ورأيت
النجومَ تدنو حتى ظننتُ أنها ستقع عَلَيَّ)»(٣). ذكره أبو عُمَر في كتاب النساء. وذكره الطَّرِيّ
أيضًا في التاريخ. ووُلِد رسولُ الله - وَّهِ - مَعْذُورًا مَسْرُورًا، أي: مَخْتُونًا مَقْطوع السُّرَّة يقال:
عُذِرَ الصَّبِيُّ وأُغْذِر. إذا خُيِّن(٤)، وكانت أُمُّه تحدّث أنها لم تجد حين حَمَلَتْ به ما تجده
الحوامِلُ من ثِقَلٍ ولا وَحَم، ولا غير ذلك، ولما وضعته - نَّه ــ وقع إلى الأرضِ مَقْبُوضَة
(١) مجاهيل.
(٢) أخرجه الحاكم (٤٨٦/٣) أخرجه أبو نعيم (٩٩) والبيهقي (١١٠/١) كلاهما في الدلائل.
(٣) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٩٣) والبيهقي في الدلائل (١١١/١) وأورده الهيثمي من المجمع
(٢٢٠/٨) وقال: رواه الطبراني وفيه: عبد العزيز بن عمران وهو متروك. والطبري في تاريخه
(٤٥٤/١). وأورده ابن الجوزي في المنتظم (٢٤٧/٢) وابن الأثير في الكامل (٣٥٦/١). وفي
شرح المواهب (١٦٣/١): ((والصحيح أن ولادته عليه الصلاة والسلام كانت نهارًا لا ليلاً)).
(٤) يشير إلى ما أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم وابن عساكر من طرق متعددة أن النبي وَلافي قال:
(من كرامتي على ربي أني ولدت مختونًا ولم يرَ أحد سوأتي)). وعن ابن عمر أنه قال: ((ولد
النبي ﴿ مسرورًا مختونًا)). وقد صحّحه الحافظ المقدس من ((المختارة)) وحسّنه الحافظ مغلطاي.
وضعف الحافظ ابن كثير في البداية (٢٤٧/٢) أحاديث الختان. ويقول ابن القيّم رحمه الله تعالى في
الزاد (٨١/١): ((ليس فيه حديث ثابت، وليس هذا من خواصّه، فإن كثيرًا من الناس يولد مختونًا)).
وانظر الخصائص للسيوطي (١/ ٩٠).
٢٧٩

أصابعُ يديه، مُشيرًا بِالسَّبَّابَةِ كالْمُسبِّح بها، وذكر ابنُ دُرَيْدٍ أنه أُلقيت عليه جَفْنَةٌ لئلا يراه أحدٌ
قبل جدّه، فجاء جدُّه، والْجَفْنَةُ قد انفَلَقَتْ عنه، ولما قيل له: ما سَمَّيْتَ ابنَك؟ فقال:
محمدًا، فقيل له: كيف سَمَّيْت باسم ليس لأحدٍ من آبائك وقومِك؟ فقال: إني لأرجو أنْ
يَحْمَدَه أهلُ الأرضِ كلُّهم(١)، وذلكَ لرؤيا كان رآها عبدُ المطلب، وقد ذكر حديثَها عَلِيٍّ
الْقِيرَوَانِيُّ العابِر في كتابٍ الْبُستان. قال: كان عبدُ المطلبِ قد رأى في منامه كأنَّ سِلْسِلَةٌ من
فِضَّةٍ خرجت من ظَهْرِه لها طَرَفّ في السماءِ وطَرَفٌ في الأرضِ، وطرف في المشرقِ،
وطَرَف في الْمَغْرِب، ثم عادت كأنها شَجَرةٌ، على كُلِّ ورقة منها نورٌ، وإذا أهلُ المشرِقِ
والْمَغْرِبِ كأنهم يَتَعَلَّقُون بها، فقَصَّها، فَعُبِّرت له بمولودٍ يكون من صُلْبِهِ يَتَّبِعِه أهلُ المشرقِ
والمغربِ، ويَحْمَدُه أهلُ السماءِ والأرضِ، فلذلك سَمَّاه: محمدًا مع ما حَدَّثته به أُمه حين
قيل لها: إنك حَمَلْتِ بسيد هذه الأُمَّةِ، فَإذا وَضَعْتِهِ فَسَمِّيه مُحمدًا. الحديث(١).
اسم محمد وأحمد(٢):
قال المؤلف: لا يُعْرَفُ في العربِ مَن تَسَمَّى بهذا الاسم قبله - ◌َّ - إلا ثلاثة طمع
آباؤهم - حين سمعوا بذكر محمد - وَلـ ـ وبقرب زمانه، وأنه يُبعث في الحجاز - أن يكون
ولدًا لهم. ذكرهم ابنُ فَوْرَكٍ في كتابِ الفصول، وهم: محمد بن سفيان بن مُجاشع، جَدْ جَدٌ
الْفَرَزْدَقِ الشاعرِ، والآخرُ: مُحَمَّد بن أُخَيْحَة بن الجُلاَحِ بنِ الْحَرِيشِ بن جمحى بن كُلْفَة بن
عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بنِ مالك بن الأَوْسِ، والآخَرَ: محمد بن حُمْران بن ربيعة، وكان
آباء هؤلاء الثلاثة قد وَفَدوا على بعضِ الملوكِ، وكان عنده عِلمٌ من الكتابِ الأوَّلِ، فأخبرهم
بمبعثِ النبي - ◌َ﴾ - وباسمه، وكان كلُّ واحدٍ منهم قد خَلَّف امرأته حاملاً، فنذَر كلُّ واحدٍ
منهم: إن وُلد له ذَكَر أن يُسَمِّيَه محمدًا، ففعلوا ذلك.
قال المؤلف: وهذا الاسم منقول من الصفة، فالْمُحَمَّدُ في اللغة هو الذي يُحْمَد حَمْدًا
بعد حمد، ولا يكون مُفَعَّل مثل: مُضَرَّب ومُمَدَّح إلا لمَن تكرر فيه الفعلُ مرة بعد مرة.
(١) أخرجه أبو نعيم (٨٥).
(٢) انظر في وجه تسمية النبي في ((محمد وأحمد)) أيضًا - ((جلاء الأفهام)) للعلامة ابن القيم رحمه الله
تعالى. آمين. وله أيضًا بحث طبي في نفس الموضوع فانظره - في الزاد (٨٦/١). ومن أسمائه
أيضًا ﴿ كما ورد في الصحيح أنه هو: الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وهو العاقب الذي ليس
بعده نبي، وهو أيضًا الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه - 185 -. انظر البخاري (٤٩٢/٨)
ومسلم في الفضائل (٢٣٥٤) والترمذي (٢٨٤٢). وقد قام بعض سَفَهَة الصوفية بتسميته تسعة
وتسعين اسمًا وقالوا إن هذا ((من)) أسمائه !!!.
٢٨٠