النص المفهرس

صفحات 141-160

ونُكِس عن دابته، واستدارت الحَبَشة ولائت به وحملت عليهم الفُرْسُ، وانهزموا، فقُتِلوا
وهربوا في كل وجه، وأقبل وَهْرِز، ليدخل صنعاء، حتى إذا أتى بابها، قال: لا تدخلُ
رايتي مُنَكْسَةً أبدًا، اهدموا الباب، فَهُدِم، ثم دخلها ناصبًا رايتَه فقال سيفُ بن ذي يَزَن
الحميريّ :
أنهُما قد الْتَأَمَا
يظنّ النَّاسِ بالْمَلِكَيْنِ
فإنَّ الخَطْبَ قد فَقُما
ومَنْ يسْمع بلأْمِهِما
ورَوَّنْنا الكَثِيبَ دَمَا
قَتَلْنا القَيْلَ مَسْرُوقًا
سِ وَهْرِزَ مُقْسِمُ قَسَما
وإِنَّ القَيْلُ قَيلَ النَّا
يُفِىء السَّبْيَ وَالنَّعَمَا
يذوق مُشَعْشَعًا حتى
قال ابن هشام: وهذه الأبيات في أبيات له. وأنشدني خلاد بن قُرَّةَ السَّدُوسي
آخرَها بيتًا لأعشى بَني قيس بن ثعلبة في قصيدة له وغيرُه من أهل العلم بالشعر يُنكرها
له.
وذكر قُدومَ سيفٍ مع وَهْرِز على صَنْعَاءَ في ستمائة، وقد قدَّمنا قول ابن قُتَيْبَةً أنهم كانوا
سبعة آلافٍ وخمسمائة، وانضافت إليهم قبائل من العرب.
صنعاء:
وذكر دخول وَهْرِز صنعاءَ وهدمه بابها، وإنما كانت تسمى قبل ذلك أوَال.
قال ابن الكلبي: وسُمِّيت: صنعاء لقول وهرز حين دخلها: صَنْعة صنعة، يريد أنَّ
الحبشة أحكَمَتْ صنعها، قال ابن مُقْبِلٍ يذكر أوَال:
وكأنها سُفُنّ بِسِيف أوال
عَمَد الحُداة بها لعارضٍ قريةٍ
وقال جرير:
سَفين الْهِندِ رَوَّح من أوَالا
وشبهت الْحُدُوجِ غداة قَوِّ
وقال الأخطل:
خُوصٍ، كأنَّ شَكِيمَهُنَّ مُعَلَّقٌ
بِقَنَا رُدَيْئَة، أو جُذُوع أوالٍ
وقد قيل إن صنعاء اسم الذي بناها، وهو: صنعاء بن أوال بن عبير بن عابر بن
شالخ، فكانت تُعرَف تارة بأوال، وتارة بصنعاء.
١٤١

قال ابن إسحاق: وقال أبو الصّلت بن أبي ربيعة الثَّقفي، قال ابن هشام: وتروى
لأمية بن أبي الصَّلْت:
رَيَّم في البَحرِ للأعْداءِ أحوالا
ليَطْلُب الوِتْر أمثالُ ابن ذي يَزنٍ
يمَّمَ قَيْصَرَ لمَّا حان رِحْلَتُه
ثم انثنى نحو كِسْرى بعد عاشرةٍ
متى أتى بِبَنِي الأحرار يَخْمِلُهُم
الله دَرُهُمُ من عُضْبة خَرَجوا
بِيضًا مَرَازِيَةً، غُلْبًا أساورةٌ
يَرمون عن شُدُفٍ كأنها غُبُطْ
أرسلتَ أُسْدًا على سُؤد الكِلاب فقد
فاشْرَبْ هنيئًا عليك التَّاجُ مُرْتَفِقًا
وَاشرَبْ هنيئًا فقد شالت نَعامتهم
تلك المَكارِمُ لا تُغْبانٍ من لبنٍ
فلم يجد عندَه بعضَ الذي سالا
من السنينَ يُهِين النّفْسَ والمَالا
إنَّك عَمْري لقد أسْرَعَتْ قِلقالا
ما إنْ أرَى لهمُ في الناس أمثالا
أُسْدًا تُرَبِّبُ في الغَيْضات أشْبالا
بزَمْخَرٍ يُعجل الْمَزْمِيَّ إعجالا
أضحى شريدُهُم في الأرض فُلأَّلا
في رأس غُمْدان دارًا منك مِخلالا
وأسْبِلِ اليومَ في بُرْدَيك إسبالا
شِيبًا بِمَاءٍ فعادا بَعْدُ أبوالا
قال ابن هشام: هذا ما صحّ له مما روى ابن إسحق منها، إلا آخرها بيتًا قوله:
تلك المكارم لا قَعْبانِ من لَبَن
شرح لامية ابن أبي الصلت:
وقوله في شعر أمية بن أبي الصلت: ريَّم في الْبَحر. أي: أقام فيه، ومنه الروایم،
وهي الأثافي، كذلك وجدته في حاشية الشيخ التي عارضها بكتابي ((أبي الوليد الوقشي))،
وهو عندي غلط، لأن الروايم من رَأَمت إذا عطفت، وريَّمَ ليس من رَأَم، وإنما هو من
الرَّيْم، وهو الدَرَجُ، أو من الرَّيْم الذي هو الزيادة والفضل، أو من رام يَريم إذا برح، كأنه
يريد: غاب زمانًا، وأحوالاً، ثم رجع للأعداء، وارتقى في درجات المجد أحوالاً إن كان من
الرَّيْم الذي هو الدَّرْجَ، ووجدته في غير هذا الكتاب: خَيَّم مكان رَيَّم، فهذا معناه: أقام.
وقوله: عَمْرِي. أراد: لَعَمْري وقد قال الطائي:
عَمْرِي لقد نصح الزمانُ، وإنه لمن العجائب ناصحٌ لا يُشْفق
وقوله: أسرعت قَلْقالاً بفتح القاف وكسرها، وكقول الآخر: ((وقَلْقَل يبغي العزّ كُلِّ
مُقَلْقَل)) وهي شدة الحركة.
١٤٢

فإنه للنابغة(١) الجعديّ. واسمه: [حِبَّانُ بن] عبد الله بن قيس، أحد بني جَعْدة بن
كَعْب بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعَة بن معاوية بن بكر بن هوازن، في قصيدة له.
وقوله: ((يرمون عن شُدُف كأنها غبط)) الشَّدَفُ: الشخص، ويجمع على شُدُف، ولم
يرد ههنا إلا الْقِسِيِّ، وليس شُدفٌ جمعًا لِشَدَف، وإنما هو جمع شَدُوف، وهو النشيط
المرح يقال: شَدِفَ، فهو شَدِفٌ، ثم تقول: شَدُوف، كما تقول مَرُوح، وقد يستعار الْمَرَح
والنشاط للْقِيِّ لحُسْن تأتِيها وجودة رَمْيها وإصابتها، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل، لأن فَعَلاً
لا يجمع على فُعُل إلا وَثَن وَوُثُن، فإن قلت: فيجمع على فُعول مثل: أُسُود، فتقول:
شدوف، ثم تجمع الجمع، فتقول: شُدُف، قلنا: الجمع الكثير لا يجمع، وإنما يجمع منه
أبنيةُ القليل. نحو: أفعال وأفعُل وأفْعِلة، وأشبه ما يقال في هذا البيت: إنه جمع على غير
قياس، هذا إن كان الشُّدُفُ: الْقِسِيَّ، ويجوز أن يكون جمع شَدَفًا على شُذْف مثل: أسد
وأسْد، ثم حرّك الدال، وجائز أن يكون أراد: المرِحَ من الخيل كما تقدم. وجعلها كالْغُبُط
لإشراف ظهورها وعلوها.
وقوله: يرمون عن شُدف أي: يدفعون عنها بالرمي، ويكون الزَّمْخَرُ: الْقِسِيّ(٢)، أو
النَّبل. والْغُبُطُ: الْهَوَادِجُ، والزَّمْخَرُ: الْقَصَبُ الفارسي.
وقوله: في رأس غُمدان. ذكر ابن هشام أن غُمدان أسّسه يعرب بن قحطان وأكمله
بعده، واحتله وائلُ بن حمير بن سبأ، وكان ملكًا متوّجًا كأبيه وجدّه.
وقوله: شالَت نَعَامتهم، أي: هلكوا، والنعامة: باطنُ الْقَدَم، وشالت ارتفعت، ومَن
هلك ارتفعت رِجلاه، وانتكس رأسه، فظهرت نَعامة قدمه، تقول العرب: تَنَعَّمْتَ إذا مشيت
حافيّا، قال الشاعر:
ألا إنما البأساء للْمُتَنَعْم
تَنَعَّمْتُ لما جاءني سوء فعلهم
والنعامة أيضًا: الظلمة، والنعامة: الدِّعَامةُ التي تكون عليها الْبَكَرَةُ، والنعامة: الجماعة
من الناس، وابن النعامة: عرق في باطن القدم.
النابغة وعدي بن زيد:
وذكر النابغة الجعدي واسمه: قيس بن عبد الله، وقيل إن اسمه: حِبَّان بن قيس بن
عبد الله بن وَحْوَح، والْوَخْوَح في اللغة: وسط الوادي، قاله أبو عبيد وأبو حنيفة، وهو أحد
(١) النابغة: الرجل العظيم الشأن.
(٢) الزمخر: المزمار والنشاب والكثير الملتفّ من الشجر.
١٤٣

قال ابن إسحاق: وقال عديّ بن زَيْد الحِيرِيّ، وكان أحدَ بني تميم. قال ابن
هشام: ثم أحد بني امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم، ويقال: عديّ من العباد من أهل
الحيرة :
ولاةُ مُلْكٍ جَزْلٍ مواهبُها
ما بعدَ صَنْعاءَ كان يَعْمُرُها
ـمُزْن وتَنْدَى مِسْكًا مَحَارِبُها
ـكائِد ما تُرتَقَى غَوَارِبُها
جاوبها بالعَشِيّ قاصِبُها
ـرَارٍ فرسانُها مَواكبُها
ـحَتْف وَتَسْعَى بها توالبُها
مَنْقَلِ مُخْضَرَّة كتائبُها
ـيَكْسوم لا يُفْلِحَنَّ هاربها
لت إمَّةٌ ثابتٌ مَرَاتبها
مُ جُونٌ جَمَّ عجائبهـ
قد اطْمأنّتْ بِها مَرَازبها
رَفَّعَها مَنْ بَنَى لدى قَزَعِ الـ
محفوفةٌ بالجبال دون عُرَى الْـ
يَأْنَسُ فيها صَوْتُ النُّهامِ إذا
ساقَتْ إليه الأسبابُ جُنْدَ بني الأَخـ
وفَوَّزت بالبغال تُوسَق بالـ
حتى رآها الأقْوالُ من طَرَف الْـ
يومُ يُنادون آل بَزبر والـ
وكان يوم باقي الحديث وزا
وبُدّل الفَيْجُ بالزرافة والأيًا
بعد بَني تُبَّع نَخَاوِرَةٌ
قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له. وأنشدني أبو زيد الأنصاريّ ورواه لي
عن الْمُفَضَّلِ الضَّبِيِّ، قوله:
يوم ينادن آل بربر والْيَكْسُوم
وهذا الذي عنى سطيخ بقوله: ((يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك
أحدًا منهم باليمن)). والذي عنى شقّ بقوله: ((غلام ليس بدَنِيِّ، ولا مُدن، يخرج عليهم
من بيت ذي يَزّنْ)).
النوابغ، وهم ثمانية ذكرهم البكري، وذكر الأعاشي وهم خمسة عشر. والنابغة شاعرٌ مُعَمِّر
عاش مائتين وأربعين سنة أكثرها في الجاهلية، وقدومه على رسول الله - رَلير - وإنشاده إياه،
ودعاء النبي - ﴿ - ألا يَفْضَّ الله فاه مشهورٌ(١)، وفي كتب الأدب والخبر مسطور، فلا معنى
للإطالة به.
(١) ((إسناده ضعيف)). أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصفهان (١/ ٧٤) من طريق يعلى بن الأشدق
وهو ساقط. انظر القصيدة في الأغاني (٦/٥) وانظر أيضًا الإصابة (٢١٨/٦) والمطالب العالية
(٤ / ٤٠٦٥).
١٤٤

وذكر شعر عديّ بن زيد العِبادِي، نُسب إلى العباد، وهم من عبد القيس بن أفْصَى بن
دُغْمِيِّ بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة، قيل: إنهم انتسلوا من أربعة: عبد المسيح، وعبد
كُلال، وعبد الله، وعبد ياليل، وكذلك سائرهم في اسم كل واحد منهم: عَبْد، وكانوا قَدِموا
على ملك فَتَسَمَّوْا له، فقال: أنتم العِباد فَسُمُّوا بذلك، وقد قيل غير هذا. وفي الحديث
المسند: أبعد الناس عن الإسلام الرومُ والعِبادُ(١)، وأحسبهم هؤلاء؛ لأنهم تنصروا، وهم من
ربيعة، ثم من بني عبد القيس، والله أعلم. والذي ذكره الطبري في نسب عديّ بن زيد أنه
ابن زيد بن حماد بن أيوب بن مجروف بن عامر بن عُصَيَّة بن امرىء القيس بن زيد مناة بن
تميم. وقد دخل بنو امرىء القيس بن زيد مناة في العباد. فلذلك ينسَب عدي إليهم.
وقوله: صَوْتُ النُّهام، يريد ذكّر اليوم، وقاصبُها: الذي يزمر في القصب.
وقوله فيها: دُون ◌ُرى الكائد يريد: عُرى السماء وأسبابها (٢)، ووقع في نسخة الشيخ:
عَرى بفتح العين، وهي الناحية، وأضافها إلى الكائد، وهو الذي كادهم، والباري - سبحانه
وتعالی - کیدُه متین.
وقوله: فَوَّزَت بالبغال أي: ركبت المفاوز(٣).
وقوله: تُوسَق بالحتف، أي: أوسق البغالَ الحتوف، وتَوالبُها: جمع تَوْلَب، وهو ولد
الحمار، والتاء في تَولبٍ بدل من واو، كما في تَوْءَم(٤) وتَوْلج(٥) وفي توراة على أحد
القولين، لأن اشتقاق التّوْلب من الوالبة، وهي ما يولده الزَّزع، وجمعها: أوَالِبَ.
وقوله: من طرف الْمَنْقَلِ أي: من أعالي حصونها، والْمِنْقَالُ: الخَرْجُ ينقل إلى الملوك
من قرية إلى قرية، فكأن الْمَنْقَلَ من هذا، والله أعلم.
وقوله: مخضرة كتائبها. يعني من الحديد، ومنه الكتيبة الخضراء.
وقوله: ينادون آل بربر؛ لأن البربر والْحَبَشَةَ من ولد حام .. وقد قيل إنهم من ولد
جالوت من العماليق.
(١) العِبادُ: قبائل شتى من بطون العرب اجتمعوا بالحيرة على النصرانية.
(٢) العرى: ما يستر الشيء عنك.
(٣) المفاوز: الصحراء. وقيل في تسميتها مفاوز من باب التفاؤل؛ لأن مَن نجا منها فقد فاز، كما سمّوا
اللدیغ سليمًا.
(٤) توقّم: هو المولود مع غيره.
(٥) التولج: كناس الوحش.
الروض الأنف/ ج ١/ م ١٠
١٤٥

ذكر ما انتهى إليه أمر الفرس باليمن:
مدة ملك الحبشة باليمن:
قال ابن إسحاق: فأقام وَهْرِز والفرس باليمن، فمن بقية ذلك الجيشِ من الفرس:
الأبناءُ الذين باليمن اليوم. وكان ملك الحبشة باليمن، فيما بين أن دخلها أزياط إلى أن
قتلت الفرس مسروقَ بن أبرهة وأخْرَجَتِ الحبشة، اثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم
أربعة: أرياط، ثم أبرهة، ثم يَكْسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة.
أمراء الفرس على اليمن:
قال ابن هشام: ثم مات وَهْرِز، فأمَر كسرى ابنَه الْمَرْزُبَان بن وَهْرِز على اليمن، ثم
وقد قيل في جالوت إنه من الْخزَرِ، وإن أفريقس لما خرج من أرض كنعان سمع لهم
بَرْبَرَةً، وهي اختلاط الأصوات، فقال: ما أكثر بَرْبَرَتَهُم !. فسُمُّوا بذلك، وقيل غير هذا.
وقوله: والغرب أراد: الغرُب بضم الراء جمع: غراب، وإن كان المعروف: أغربة
وغِربان، ولكن القياس لا يدفعه، وعنى بهم السودان.
وقوله: وبدل الْفَيْج بالزرافة، وهو المنفرد في مشيته، والزرافة: الجماعة وقيل في
الزرافة التي هي حيوان طويل العنق: إنه اختلط فيها النسل بين الإبل الوحشية، والبقر
الوحشية والنعام، وإنها متولّدة من هذه الأجناس الثلاثة. وكذلك ذكر الزبيدي وغيره، وأنكر
الجاحظ هذا في كتاب الحيوان له، وقال: إنما دخل هذا الغلط عليهم من تسمية الفُرْس لها
(اشتر - كاو - ماه))(١). والفرس إنما سمُّته بذلك، لأن في خِلقتها شبهًا من جَمَلٍ ونَعامة
وَبقَرة، فاشْتر هو: الجمل، وكاو: النعامة، وماه: البقرة، والفُرْس تركّب الأسماءً وتمزج
الألفاظ إذا كان في المسمَّى شبه من شيئين، أو أشياء، ويقال: زرافّة بتشديد الفاء حكاه أبو
عبيد عن الْقَنَانِيِّ.
وقوله: بعد بني تُبِّع بَجَاوِرَةٌ. هكذا في نسخة سفيان بن أبي العاص الأسدي مصحّحًا
عليه، وقد كتب في الحاشية: نَخَاوَرَةٌ في الأمين، وفي الحاشية النَّخَاوِرَةُ: الكرام، وكذلك
في المسموعة على ابن هشام يعني نسختي أبي الوليد الوقشي اللتين قابل بهما مرتين، ويعني
بالحاشية حاشية ((تينك الأمين))! وأن فيهما: نخاورة بالنون والخاء المنقوطة، وهم الكرام كما
ذکر.
(١) انظر كتاب الحيوان للجاحظ (٧٦/٧).
١٤٦

مات المَرْزُبان، فأمر كسرى ابْنَهُ التَّيْنُجان بن الْمَرْزُبَانِ على اليمن، ثم مات التينُجان، فأمَّر
كسرى ابن التَّيْنُجَانِ على اليمن، ثم عزله وأمَّر باذانَ، فلم يزل باذانُ عليها حتى بعث الله
محمدًا النبيّ - رَالر ..
حديث يتنبأ بقتل كسرى
فبلغني عن الزُّهْريّ أنه قال:
كتب كسرى إلى باذان: أنه بلغني أن رجلاً من قريش خرج بمكة، يزعم أنه نبيّ،
فسِرْ إليه فاسْتَتِبْهُ، فإن تاب، وإلا فابعث إليّ برأسه، فبعث باذانُ بكتاب كسرى إلى
رسول الله - ◌َ﴾ - فكتب إليه رسول الله - وَالله -: ((إن الله قد وعدني أن يُقْتَلَ كِسْرى في
يوم كذا من شهر كذا)) فلما أتى باذانَ الكتابُ تَوقّف لينظر، وقال: إن كان نبيًّا، فسيكون
ما قال، فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله - بَ ير - قال ابن هشام: قتل على
يدي ابنه شِيرَوَيْهِ، وقال خالد بن حِقِّ الشَّيْبَانِيُّ:
بأسيافٍ كمَا اقْتُسِم اللْحَامُ
وكِسْرَى إِذْ تَقَسَّمَهُ بَنُوهُ
أَنَى، ولَكُلّ حامِلَةٍ تِمَّام
تَمَخَّضَتِ المَنُونُ له بِيَوْمٍ
باذان يسلم:
قال الزهري: فلما بلغ ذلك باذانَ بعث بإسلامه، وإسلام مَن معه من الفرس إلى
رسول الله - 19 - فقالت الرسل من الفرس لرسول الله - ◌َ*لـ: إلى مَنْ نحن يا رسول
الله؟ قال: ((أنتم منَّا وإلينا أهلَ البيت))(١).
قال ابن هشام: فبلغني عن الزهري أنه قال: فَمِنْ ثَمَّ قال رسول الله - دَ ور -:
(سَلْمان منَّا أهل البيت))(٢).
باذان وكسرى
وذكر قصةً باذان، وما كتب به إلى كسرى، وكِسرى هذا هو أبَرْوَيْزِ بن هُرْمُز بن
أنو شروان، ومعنى أبْرَوَيْزِ بالعربية: المظَفَّر، وهو الذي غلبَ الروم حين أنزل الله ﴿أّم
غُلِيتِ الرُّومُ في أدنى الأرض﴾ [أول الروم] وهو الذي عُرض على الله في المنام، فقال
(١) انظر تاريخ الطبري (٤٥٥/١).
(٢) ((إسناده ضعيف)). أخرجه الحاكم (٥٩٨/٣) والطبراني (٢٦١/٦) والطبري في تاريخه (٩٢/٢).
١٤٧

له: سَلْم ما في يديك إلى صاحب الْهِرَاوَةِ، فلم يزل مذعورًا من ذلك، حتى كتب إليه
النعمانُ بن المنذر بظهورِ النبي - وَّه- بِتهامة (١)؛ فعلم أن الأمر سيصير إليه، حتى كان
من أمره ما كان، وهو الذي كتب إليه النبي - وَّ - وحفيدُه: يَزْدَجِرْدُ بن شهريار بن
أبْرَوَيْز، وهو آخر ملوك الفرس، وكان سَلْبُ مُلكه، وهَذْمُ سلطانه على يدي عمر بن
الخطاب، ثم قتل هو في أول خلافة عثمان، وُجِد مُسْتَخْفيًا في رَحَى (٢) فقُتل وطُرِح في
قناة الرحى، وذلك بِمَرْو من أرض فارس.
وذكر حديث باذان ومقتلَ كسرى، وكان مقتلُ كسرى حين قتله بنوه ليلة الثلاثاء لعشر
من جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة، وأسلم باذان باليمن في سنة عشر، وفيها بعث
رسول الله وَّ* إلى الأبناء(٣) يدعوهم إلى الإسلام، فمن الأبناء: وَهْبُ بن مُنَبِّه بن سَيْج بن
ذُكْبار، وطاووس وذَادَوَيْه وفيروز اللذان قتلا الأسودَ الْعَنْسِيَّ الكذاب، وقد قيل في طاووس:
إنه ليس من الأبناء، وإنه من حِمْيَر، وقد قيل: من فارس، واسمه: ذَكْوانُ بن كَيْسَان وهو
مولى بُجَيْر بن ريسان؛ وقد قيل: مولى الْجَعْد، وكان يقال له طاووس القُرَّاء لجماله.
وقول خالد بن حِقّ:
تَمَخَّضَتِ الْمنُونُ له بيومٍ
أنى؛ ولكل حامِلةٍ تِمام(٤)
الْمَنُونِ: الْمَنِيَّةُ، وهو أيضًا من أسماء الدهر، وهو مِن مَنَنْتُ الحبلَ إذا قطعتُه، وفَعُول
إذا كان بمعنى فاعِل، لم تدخل التاءُ في مؤنثه لِسرِّ بديع ذكرناه في غير هذا الكتاب، فيقال:
امرأةٌ صَبُورٌ وَشكُورٌ، فمعنى الْمِنُون: الْمَقْطُوعِ، وتمخضت أي: حَمَلت، والْمخَاضُ:
الحمل، ووزنه: فَعَالَ، ومَخَاضَة الماء، ومخاضة [النهر] وزنه: مَفْعَل من الْخَوْض.
وقوله: أنَى، أي: حان، وقد قلبوه، فقالوا: آن يئين، والدليل على أنَّ آن يئين مقلوب
من: أنَى يَأْنِي، قوله: آناء الليل، وواحدها: إنّى وأنّى وإنّيّ، فالنون مقدمة على الياء في كل
هذا، وفي كل ما صُرِّفَ منه نحو: الإناء، والآني: الذي بلغ أناه أي: منتهى وقته في
التسخين، وهذا المعنى كقولهم في المثل: الدهر حُبلى لا يدري ما تضع، إن كان أراد
(١) لعله يقصد مكة.
(٢) الرحى من الأرض: مكان غليظ مستدير يكون بين رمال.
(٣) الأبناء: يعني أبناء فارس الذين استوطنوا اليمن.
(٤) وشرح البيت كما في اللسان: أن المنيّة تهيأت لأن تلد له الموت. وهو منسوب إلى عمرو بن
حسان.
١٤٨

عود إلى شقّ وسطيح:
قال ابن هشام: فهو الذي عنى سطيح بقوله: ((نبيّ زكيّ، يأتيه الوحي من قبل
العَليّ)). والذي عَنى شقُّ بقوله: ((بل ينقطع برسول مُرْسَل، يأتي بالحقّ والعدل، من أهل
الدين والفَضْل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفَضْل)).
كتاب الحجر
قال ابن إسحاق: وكان في حَجَر باليمن - فيما يزعمون - كتاب بالزَّبُور كُتب في
بالمنون في البيت: الدهر، وإن كان أراد بالمنون: الْمَنِيَّة، فبعيد أن يقال: تمخضت المَنُونُ
له بهذا اليوم الذي مات فيه، فإن موته: منيتُه، فكيف تتمخض الْمَنِيَّة بالمنية إلا أن يريد
أسبابها، وما مُنِيَ له، أي: قُدِّرَ من وقتها، فتصحّ الاستعارة حينئذ، ويستقيم التشبيه.
وقول ابن حِقّ: وَكِسْرى إذ تقسمه بنوه. وإنما كان قتله على يدي ابنه شيرويه، لكن
ذكر بنيه لأن بدء الشّرّ بينه وبينهم أن فرخان رأى في النوم: أنه قاعد على سرير الملك في
موضع أبيه، فبلغ أباه ذلك، فكتب إلى ابنه شهريار - وكان واليًا له على بعض البلاد: أن
اقْتُلْ أخاك فرخان، فأخفى شهريار الكتابَ من أخيه، فكتب إليه مرة أخرى، فأبى من ذلك،
فعزله وولّى فرخان، وأمره بقتل شهريار، فعزم على ذلك، فأراه شهريار الكتاب الذي كتب
له أبوه فيه، فتواطئا عند ذلك على القيام على أبيهما، وأرسلا إلى ملك الروم يستعينان به في
خبر طويل، فكان هذا بدء الشرّ، ثم إن الفرس خلعت كسرى لأحداث أحدثها، وولّت ابنه
شيرويه، فكان كسرى أبْرَوَيْزِ ربما أشار برأي من مَخْبِسه، فقالت المَرَازِبة لشيرويه: لا يستقيم
لك الملك إلا أن تقتل أباك(١)، فأرسل إليه مَن يقتله، فيقال: إنه كان يُضرَب بالسيف، فما
يعمل فيه شيئًا، ففُتِّش فَوُجِدَ على عَضِده حجر معلق كالخَرَزة، فَتُزِعَ فعملت فيه السلاحُ،
وكان قبل يقول لابنه: يا قصير العمر، فلم يدم أمره بعده إلا أقل من ستة أشهر - فيما
ذكروا - والله أعلم (٢).
ذمار وحميرَ وفارس والحبشة
وقوله: وجد بحجر باليمن: لمن مُلْكُ ذِمار؟
وحكى ابن هشام عن يونس ذَمار بفتح الذال، فَدل على أن رواية ابن إسحق بالكسر،
(١) القصة في حاجة إلى دليل ((صحيح)) يثبتها.
(٢) انظر تاريخ الطبري (٤٨٥/١) والكامل (٣٨١/١).
١٤٩

الزمان الأوّل: ((لَمَن مُلْك ذِمار (١)؟ لِحمْير الأخيار، لمَن مُلْك ذِمار؟ للحبشة الأشرار،
لمَن مُلك ذِمار؟ لفارس الأحرار، لمَن مُلك ذِمار؟ لقريش التّجَار)).
وذِمار: اليمن أو صنعاء. قال ابن هشام: ذَمار: بالفتح، فيما أخبرني يونس.
الأعشى ونبوءة شق وسطيح:
قال ابن إسحاق: وقال الأعشى - أعشى بَني قَيْس بن ثعلبة في وقوع ما قال سَطيح
وصاحبه :
ما نَظَرَتْ ذاتُ أشفارٍ كنَظْرتها حَقًّا كما صدق الذِّتْبِيُّ إذ سَجَعا
وكانت العرب تقول لسَطيح: الذّثْبِيّ؛ لأنه سطيح بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن
ذئب.
قال ابن هشام: وهذا البيت في قصيدة له.
فإذا كان بكسر الذال فهو غير مصروف؛ لأنه اسم لمدينة والغالب عليه التأنيث، ويجوز
صرفه أيضًا؛ لأنه اسم بلد، وإذا فُتحت الذال، فهو مبني مثل: رَقاشٍ وخَذام، وبنو تميم
يعربون مثل هذا البناء فيقولون: رَقاشُ [وحَذامُ] في الرفعِ ورَقَاش وحَذَامَ في النصب
والخفض يعربونه، ولا يصرفونه، فإذا كان لام الفعل راء اتفقوا مع أهل الحجاز على البناء
والكسر. وذَمارٍ: من ذَمَرْتُ الرجل إذا حَرَّضْته على الحرب.
وقوله: لحمير الأخيار؛ لأنهم كانوا أهل دين، كما تقدم في حديث فيمون وابن
الثامر.
وقوله: لفارس الأحرار؛ فلأن المُلْك فيهم متوارث من أول الدنيا من عهد جيومرت
في زعمهم إلى أن جاء الإسلام، لم يدينوا لملك من غيرهم، ولا أدّوا الأتاوة (٢) لذي سلطان
من سواهم فكانوا أحرارًا لذلك.
وأما قوله: للحبشة الأشرار فلِما أحدثوا في اليمن من الْعَيْث والفساد وإخراب البلاد،
حتى همّوا بهدم بيت الله الحرام، وسيهدمونه في آخر الزمان إذا رفع القرآن، وذهب من
الصدور الإيمان، وهذا الكلام المسجّع ذكره المسعودي منظومًا(٣).
(١) ذمار: قرية باليمن. وقيل اسم لصنعاء.
(٢) الأتاوة: الخراج أو الجزية.
(٣) انظر مروج الذهب (٨٨/٢).
١٥٠

ـت فقالت: لِحِمْيَر الأخيار
حين شِيدتْ ذِمارٍ قيل: لمَن أنـ
أنا لِلْحَبْشِ أخبث الأشرار
ثم سِيلت: مَنْ بعد ذاك؟ فقالت:
ـت؟ فقالت: لفارس الأحرار
ثم قالوا مِنْ بعد ذاك: لمَن أنـ
ـت، فقالت: إلى قريش التّجارِ
ثم قالوا مِن بعد ذاك: لمَن أنـ
وهذا الكلام الذي ذكر أنه وُجِدَ مكتوبًا بالحجر هو - فيما زعموا - من كلام هود
- عليه السلام - وُجد مكتوبًا في منبره، وعند قبره حين كشفت الريح العاصفة عن منبره
الرمل، حتى ظهر، وذلك قبل ملك بِلْقِيس بِيسير، وكان خَطَّه بالْمُسْنَد، ويقال: إن الذي بنى
ذمار هو شَمِر بن الأُمْلُوك، والأَملوك هو: مالك بن ذي المنار، ويقال: ذِمَارٍ وظّفارٍ، ومنه
المثل: مَن دخل ظفار حَمَّر أي تكلم بالحميرية .
زرقاء اليمامة
وذكر قول الأعشى:
ما نظرت ذاتُ أشْفار (١) كَتَظْرتها
البيت. يريد: زرقاء اليمامة، وكانت تُبصر على مسيرة ثلاثة أيام، وقد تقدم طرف من
ذكرها في خبر جَديس وَطَسْم، وقبل البيت:
أو يَخْصِفُ النَّعلَ لَهْفِي أَيَّةٌ صَنَعَا
قالت: أرَى رَجُلاً في كَفْه كَتِفٌ
ذُو آلٍ حَسَّان يُزْجى الْمَوتَ وَالسَّلَعَا (٢)
فكذّبوها بما قالت، فصبّحھُم
وكان جيشُ حَسَّان هذا قد أُمِروا أن يُخَيِّلُوا عليها بأن يُمسكَ كلِّ واحد منهم نَعْلاً كأنه
يَخْصِفُها، وكَتِفًا كأنه يأكلها، وأن يَجْعلوا على أكتافهم أغصانَ الشجر، فلما أبصرتهم، قالت
لقومها: قد جاءتكم الشّجَرُ، أو قد غزَتِكُمْ حِمْيَرُ، فقالوا: قد كَبِرْتٍ وخَرِفْتٍ، فكذبوها،
فاسْتُبِحَتْ بَيْضَتُهم (٣)، وهو الذي ذكر الأَغْشَى.
(١) أشفار: جمع شفر: ويعني شفر الجفن الذي ينبت عليه الهدب.
(٢) السلع: شجر مرّ ينبت في اليمن. وانظر القصيدة عند الطبري في تاريخه (١/ ٤٩٧).
(٣) بيضتهم: حماهم.
١٥١

قصة ملك الحضر
قال ابن هشام: وحدّثني خَلاّد بن قُرّة بن خالد السَّدُوسيّ عن جَنَّاد، أو عن بعض
علماء أهل الكوفة بالنسب: أنه يقال: إن النعمان بن المنذر من ولد ساطِرُون ملك
الْحَضْر. والْحَضر (١): حِضْن عظيم كالمدينة، كان على شاطىء الفرات، وهو الذي ذكر
عديّ بن زيد في قوله:
ـة يُجْبَى إليه والخابُور
وأخو الحَضْر إذ بناه وإذ دِجْـ
فللطير في ذُراه وُكُور
شاده مَزْمَرًا وجَلَّله كِلْسًا
ـمُلْك عنه فبابُه مهجورُ
لم يَهَبْهُ رَیْبُ الْمَنُونِ فبان الْـ
قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له.
والذي ذكره أبو دُوَاد الإياديّ في قوله:
ـر على ربِّ أهله السَّاطِرُونِ
وأرى الموتَ قد تَدَلَّى من الْخَضْ
وهذا البيت في قصيدة له. ويقال: إنها لخلف الأحمر، ويقال: لحماد الراوية.
كيف استولى سابور على الحضر
وكان كسرى سابور ذو الأكتاف غزا ساطِرُون ملك الْحَضْرِ، فحصره سنتين،
فأشرفت بنتُ ساطِرُون يومًا، فنظرت إلى سابور، وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من
ذهب مُكَلَّل بالزَّبَرْجَدِ والياقوت واللؤلؤ، وكان جميلاً، فدسّت إليه: أتتزوّجني إن فتحتُ
لك بابَ الحضر؟ فقال: نعم، فلما أمسى ساطرون شرب حتى سَكِرَ، وكان لا يبيت إلا
سكران، فأخذت مفاتيحَ بابِ الْحَضْرِ من تحت رأسه، فبعثت بها مع مولى لها ففتح
الباب، فدخل سابور، فقتل ساطِرُون، واستباح الحَضْر وخرّبه، وسار بها فتزوّجها، فبينا
هي نائمة على فراشها ليلاً إذ جعلت تَتَمَلْمَلُ لا تنامُ، فدعا لها بشمع، فقُتِّش فراشُها،
فَوُجِدَ عليه ورقَة آس، فقال لها سابور: أهذا الذي أسْهَركِ؟ قالت: نعم، قال: فما كان
خبر الْخَضْرِ والساطِرون
ذكر فيه قول من قال: إن النعمان من ولد الساطِرون، وهو صاحب الْحَضْر. قال
المؤلف: فنذكر شرح قصة الْحَضْر وصاحبه، وما قيل في ذلك ملَخَّصًا بعون الله. الساطِرون
بالسريانية: هو الْمَلِكُ، واسمُ الساطرون: الضَّيْزَن بن معاوية. قال الطبري: هو جْرْمُقَّانِيّ(٢)،
(١) الحضر: مدينة مبنية بالحجارة.
(٢) الجرامقة: قوم من العجم صاروا بالموصل في أوائل الإسلام. وجرمق: بلدة بفارس.
١٥٢

أبوك يصنع بكِ؟ قالت: كان يفرش لي الديباجَ، ويُلبسني الحرير، ويُطْعمني المخ،
ويَسْقيني الخمر، قال: أفكان جزاءُ أبيك ما صنعتٍ به؟ أنت إليّ بذلك أسْرع، ثُم أمرّ
بها، فرُبطت قُرون رأسها بذنَب فَرَسٍ، ثم رَكَض الفرس، حتى قتلها، ففيه يقول أعشى
بني قيس بن ثعلبة:
بنُعْمَى، وهل خالدٌ مَنْ نَعِمْ
ألم تَرَ للحَضْر إذ أهلهُ
دِ حَولِينَ تَضْرِبُ فيه القُدُمْ
أقام به شاهَبُورُ الجنو
أناب إليه فلم ينتقم
فلمَّا دَعا رَبَّه دَعْوةً
وهذه الأبيات في قصيدة له.
وقال عديّ بن زيد في ذلك:
والْحَضْرُ صَابَتْ عليهِ دَاهِيةٌ
رَبِيَّة لم تُوَقْ وَالدَها
إذْ غَبَقَتْه صَهْباءً صافيةٌ
فأسلمت أهْلَهَا بِلَيْلَتِها
فكان حظُّ العَرُوس إذ جَشّر الصـ
وخُرّب الخَضْر، واستُبيح، وقد
وهذه الأبيات في قصيدة له.
من فَوقه أيّدٌ مناكبُها
لِحَيْنِها إذ أضاع رَاقبُها
والخمرُ وَهْلٌ يَهيم شاربُها
تظنّ أن الرئيسَ خاطبُها
ـبحُ دماءً تجري سَبَائِبُها
أُخرِقَ في خِذْرِها مشاجِبُها
وقال ابن الكلبي: هو قُضَاعي من العرب الذين تَنَخُوا بالسَّواد، فسُمُّوا: تَنُوخ، أي: أقاموا
بها، وهم قبائلُ شَتَّى، ونسبه ابنُ الكلبي، فقال: هو ابن معاوية بن عَبِيد، ووجدته بخط أبي
بحر: عُبيد بضم العين بن أجْرَم مِنْ بني سَلِيح بن حُلْوان بن الحاف بن ◌ُضاعة، وأُمه:
جَيْهَلَة، وبها كان يُعْرف، وهي أيضًا قُضاعية من بني تَزِيدَ الذين تُنْسب إليهم الثيابُ التَّزِيديةُ.
وذکر قول أبي دُوَادٍ :
ـر على رَبِّ أهلِهِ السَّاطِرُونِ
وأرى الموت قد تَدَلَّى من الْخَضـ
واسم أبي دُوَاد: جاريةُ بن حَجَّاج، وقيل: حَنْظَلَةُ بن شَرْقِيّ وبعد هذا البيت:
ونعيم وجَوْهرٍ مَكْنونُ(١)
صرعته الأيامُ من بعد مُلكٍ
(١) انظر مروج الذهب للمسعودي (٢٥٦/٢).
١٥٣

وكان الضَّيْزَنُ مِن ملوك الطوائف، وكان يَقْدُمهم إذا اجتمعوا لحربٍ عَدوِّ من غيرهم،
وكانت الْحَضْر بين دَجلَة والفُرات، وكان ملكهُ يبلغ أطْرَارَ الشام، وكان سابور قد تغيب عن
العراق إلى خُرَاسانَ، فأغار الضَّيْزن على بلاده بمَن معه من العرب، فلما قَفَل سابور، وأُخبِرَ
بصنع الضَّيْزَنِ تَهَدَ إليه، وأقام عليه أربع سنين.
وذكر الأعشى في شعره حَوْلَين لا يقدر على فتح الحصن، وكان للضيزن بنت اسمُها:
النّضِيرَةُ، وفيها قيل:
ـرْبَاعُ(١) منها فجانبُ الثَّرْثَارِ(٢)
أُقْفَرَ الْحَضْرُ مِن نَضِيرَةً فالمِـ
وكانت سُنَّتهم في الجارية إذا عَرَكَتْ أي: حاضت، أخرجوها إلى رَبَض المدينة،
فعَركت النضيرةُ، فَأُخْرِجت إلى رَبَض الْحَضْرِ (٣)؛ فأشرفت ذات يوم فأبصرت سابورَ - وكان
من أجملِ الناس - فَهَوِيته فأرسلت إليه أن يتزوجها، وتفتح له الْحَضْر، واشترطت عليه،
والتزم لها ما أرادت، ثم اخْتُلِف في السبب الذي دلّت عليه، فقال ابنُ إسحق ما في
الكتاب، وقال المسعودي(٤): دلّته على نهر واسع [اسمه الثَّرْثَارُ] كان يدخل منه الماء إلى
الحَضْر، فقطع لهم الماء، ودخلوا منه.
وقال الطبري(٥): دلّته على طِلَسْم(٦) [أو طِلَّسْم] كان في الْحَضْرِ، وكان في علمهم أنه
لا يُفتح حتى تؤخذ حمامة وَزْقَاءُ، وتُخْضَب رِجلاَها بحيْضِ جارية بكر زرقاء، ثم تُرْسَل
الحمامة، فتنزل على سور الْحَضْرِ، فيقع الطّلَّسْمُ، فيفتح الحَضْر، ففعل سابور ذلك، فاستباح
الحضر، وأباد قبائلَ من قُضَاعَة كانوا فيه، منهم: بنو عبيد رهط الضَّيْزنِ، لم يبق منهم
عقب، وحرق خزائن الضَّيْزَنِ، واكتسح ما فيها، ثم قَفَلَ بنضيرة معه، وذكر الطبري في قتله
إياها حين تَمَلْمَلَتْ على الفراش الوثير، ولين الحرير: أنه قال لها: ما كان يصنع بك أبوك؟
فقالت: كان يطعمني المخ والزبد وشُهْد أبكارِ النحل وصفو الخمر. وذُكِرَ أنه كان يرى مُخّها
من صفاء بشرتها، وأن ورقة الآس أذمتها في عُكْنَةٍ(٧) من عُكَنِها، وأن الفراش الذي نامت
عليه كان من حريرٍ حَشْوُه القَزّ. وقال المسعودي: كان حشوه زَغَب(٨) الطير، ثم اتفقوا في
صُورة قتلها كما ذكر ابن إسحق غير أن ابن إسحق قال: كان المستبيحَ للحضْر سابور ذو
(١) المرباع: المكان ينبت نباته في أول الربيع.
(٣) ربض الحضر: ربض المدينة.
(٥) الطبري في تاريخه (٣٩٥/١).
(٧) العكنة: طرفي البطن من السمن.
(٨) زغب الطير: الشعيرات الصفر على ريش الفرخ.
(٢) الثّرثارِ: وادٍ عظيم بالجزيرة.
(٤) مروج الذهب (٢٥٦/٢).
(٦) نوع من التعويذات الشركية.
١٥٤

الأكتافِ، وجعله غير سابور بن أزدشير بن بابك، وقد تقدم أن أزدشير هو أول مَن جمع
ملك فارس، وأذلَّ ملوك الطوائفِ، حتى دان الملك له، والضَّيْزَنُ: كان من ملوك الطوائف،
فيبعد أن تكون هذه القصة لسابور ذي الأكتافِ، وهو سابور بن هُرمز، وهو ذو الأكتاف؛
لأنه كان بعد سابور الأكبر بدهر طويل، وبينهم ملوكٌ مُسَمّون في كتب التاريخ، وهم:
هُرْمُز بن سابور، وبهرام بن هُرْمُز، وبهرام بن بهرام، ويهرام الثالث، ونرسي بن بهرام،
وبعده كان ابنه سابور ذو الأكتاف والله أعلم.
وقول الأعشى: شاهبور الجنودِ بخفض الدال يدل على أنه ليس بشاهبور ذي الأكتاف،
وأما إنشاده لأبيات عدي بن زيد:
وأخو الْخَضْر إذ بناه وإذ
دِجْلة يُجْبَى إليه والْخَابُورُ
فللشعر خبر عجيب. حدّثنا إجازةً القاضي الحافظ أبو بكر، عن ابن أيوب عن
الْبُرْقَانِيِّ، عن أبي الحسن علي بن عمر، قال: حدّثنا أبو بكر الأزرق يوسف بن يعقوب بن
إسحق بن الْبُهْلُولِ، قال: حدّثني جدّي، قال: حدثني أبي، عن إسحق بن زياد من بني
سلمة بن لؤي، عن شبيب بن شيبة، عن خالد بن صفوان بن الأهْتَم، قال: أوفدني
يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك في وفد [أهلِ] العراق قال: فقَدِمت عليه، وقد
خرج مُتَبَدِيًا بقرابته وأهله وحشمِه وغاشيتِه من جلسائه، فنزل في أرض قاع صَخْصَح
مُتَنَايفٍ(١) أفْيَح(٢) في عام [قد] بَكْرَ(٣) وَسْمِيُّه(٤)، وتتابع وَلْيُه(٥)، وأخذت الأرضُ [فيه]
زينتها من اختلاف أنوارٍ نَبْتِها من نَورِ ربيع مُونِقٍ، فهو أحسن منظرًا، وأحسن مسْتنظرًا،
وأحسن مُخْتَبرًا بصعيد كأن ترابه قِطَعُ الكافور، حتى لو أن قطعة أُلقيت فيه لم تَتْرَبْ(٦) قال:
وقد ضُرب له سرادق مِنْ حِبَرَةٍ كان صنعه له يوسف بن عمر باليمن، فيه فُسطاط، فيه أربعة
أفرشة من خَزِّ أحمر، مثلها مَرَافِقِها(٧) وعليه دُرَّاعَةٌ(٨) من خزّ أحمر، مثلها عمامتها، قال:
وقد أخذ الناس مجالسهم، فأخرجت رأسي من ناحية الطاق، فنظر إليَّ شِبْهَ الْمُسْتَنْطِقِ [لي]؛
فقلت: أتمّ الله عليك يا أمير المؤمنين نعمةً سَوَّغَكَها بِشُكْرٍ، وجعل ما قلَّدك من هذا الأمر
رُشدًا، وعاقبة ما تؤول إليه حمدًا، وأخلصه لك بالتَّقى، وكثّره لك بالنماء، ولا كدر عليك
(١) متنايف: أي مرتفع.
(٣) بكر: بادر.
(٥) تتابع وليّه: أي الذي يليه.
(٧) مرافقها: ما يتكأ عليه.
(٨) الدراعة: جبة مشقوقة المقدم وثوب من صوف.
(٢) أفيح: واسع.
(٤) وسميه: الوسمي: مطر الربيع الأول.
(٦) لم تترب: أي لم يصبها التراب.
١٥٥

منه ما صفا، ولا خالط سرورَه الردى؛ فقد أصبحتَ للمسلمين ثقة ومُسْتَرَاحًا. إليك يقصدون
في أمورهم، وإليك يفزعون في مظالمهم، وما أجد يا أمير المؤمنين شيئًا - جعلني الله
فداءك - هو أبلغ في قضاء حقك وتوقير مجلسك مما منّ الله [جَلَّ وعزَّ] به عليّ من
مُجَالَسَتِكَ، والنظرِ إلى وجهك من أن أُذَكِّركُ نِعَمَ الله عليك، وأُنَبِّهك لشكرها، وما أجد يا
أمير المؤمنين شيئًا هو أبلغ من حديث مَن سلفَ قبلك من الملوك، فإن أذِنَ لي أمير
المؤمنين أخبرته عنه. قال: فاستوى جالسًا - وكان متكئًا - ثم قال: هات يا بنَ الأهتمِ،
[قال]: فقلت: يا أمير المؤمنين إن مَلِكًا من الملوك قبلَك خرجَ في عام مثل عامنا هذا إلَى
الْخَوَرْنَقِ (١) والسَّدير(٢) في عام قد بكّر وَسْمِيُّه، وتتابع وَلْيه، وأخذت الأرضُ فيه زينتها من
نَوْرِ ربيعٍ مُونقٍ، فهو في أحسنٍ منظرٍ وأحسن مُسْتَنظَرٍ، وأحسن مُخْتَبَرٍ بصعيد كأن ترابَه قطعُ
الكافور حتى لو أن قطعَة أُلقيت فيه لم تَتْرَب. قال: وقد كان أُعْطِي فَتَاء السِّنَّ مع الكثرة
والغلبة والقهر، قال: فنظر فأبعد النَّظَر، فقال لجلسائه: لمَن [مِثْلُ] هذا؟ هل رأيتم مثل ما
أنا فيه؟ [و] هل أُعْطِي أحد مثل ما أُعْطِيتُ؟ قال: وعنده رجل من بقايا حَمَلة الحُجَّة،
والْمُضِيِّ على أدب الحقِّ ومنهاجِه. قال: ولن تخْلُوا الأرضُ من قائم لله بحجته في عباده،
فقال: أيها الملِكُ إنك قد سألت عن أمرٍ: أفَتَأْذَنُ في الجوابِ عنه؟ قال: نعم. قال: أرأيتَ
ما أنت فيه: أشيءٌ لم تزل فيه، أم شيء صار إليك ميراثًا من غيرك، وهو زائلٌ عنك،
وصائر إلى غيرك، كما صار إليك ميراثًا من لَدُنْ غيرك؟ قال: فَكَذلك هو. قال: فلا أراك
[إلا] أُعجبت بشيء يسير تكون فيه قليلاً، وتغيب عنه طويلاً، وتكون غدًا بحسابه مُرْتَهَنًا.
قال: وَيْحك فأين المهرب؟ وأين الْمَطْلَبُ؟ قال: إما أن تقيم في ملكك، تعمل فيه بطاعة
[اللَّهِ] رَبُك على ما ساءَكُ وسَرَّك، ومَضَّك(٣) وأرْمَضَك(٤)، وإمَّا أن تضعَ تاجَك، وتضعَ
أطْمارك(٥)، وتلبَسَ أمْساحَك(٦)، وتَعْبُدَ رَبَّك في هذا الجبل حتى يأتيك أجلُك. قال: فإذا
كان في السَّحَرِ فَاقْرَعْ عليّ بابي، فإنّي مختارٌ أحد الرَّأْيَين، فإن اخْتَرْتُ ما أنا فيه كنت وزيرًا،
لا تُعْصَى، وإن اختَرْتُ خلواتِ الأرض وقَفْر البلاد كنت رفيقًا، لا تُخالَف. قال: فقرع عليه
بابه عند السحر، فإذا هو قد وضع تاجَه، [وخلع أطماره] وليس أمساحه، وتهيأ للسياحة،
قال: فلزِما - والله - الجبلَ حتى أتتهما آجالهما، وهو حيث يقول أحدُ بني تميم: عديُّ بن
(١) الخورنق: قصر كبير بناه النعمان بن امرىء القيس.
(٢) السدير: موضع بالحيرة. وقيل: قصر قريب من الخورنق، وهو أشبه.
(٤) أرمضك: أوجعك.
(٣) ومضك: آلمك.
(٥) أطمار: جمع طمر. وهو الثوب الخلق.
(٦) المسوح: كساء من شعر.
١٥٦

[زيد] بن سالمٍ الْمُرِّيّ الْعَدَوِيّ:
أيها الشامِت الْمُعَيِّر بالد
أمْ لَدَيْكَ الْعَهْدُ الوثيقُ من الأيا
مَنْ رأيت الْمَنُونَ خلَّذْنَ، أم مَّنْ
أين كسرى كسرى الملوك أنّو
وبنو الأصفرِ الكرامُ ملوكُ الر
وأخو الْحَضْرِ إذ بناه وإذ دَجْـ
شادَه مَزْمَرًا(٢)، وَجلَّله يكِلْسْ
لم يَهَبْهُ رَيْبُ الْمَنُون فبا
وتذكّر ربَّ الْخَوَزنق إذ
سَرَّه مالُه وكثرةُ ما يملك
فارْعَوَى قلبهُ(٤)، وقال: وما غِبْطَةُ
ثم أضْحَوْا كأنهم وَرَقْ جَفَّ
ثم بَعْدَ الفلاح والْمُلْك
هر أأنتَ المُبرَّءُ الْمَوْفورُ؟!
م؟! بل أنت جاهلٌ مَغرور
ذا عليه من أن يُضام خَفير!
شِزوان أم أين قبله سابور؟!
وم؟! لم يبق منهمُ مَذْكور
ـلّةُ تُجْبَى إليه والخابور(١)
](٣) فَللطِيرٍ في ذُراه وُكور
ن الْمُلْكُ عنه، فبابه مَهْجور
أشرف يومًا، ولِلْهُدى تفكيرُ
والبحرُ مُغْرِضًا والسَّدير
حَيٍّ إلى الممات يصير؟!
فألْوَتْ به(٥) الصّبا والدَّبور
والإِمَّةِ (٦) وارتهمُ هناك الْقُبور
قال فبكى [والله] هشام حتى أخْضَل(٧) لِخْيَتَه، وبلَّ عمامته، وأمر بِنَزْع أبنيتِه، وبنقلان
قَرابَتِهِ وأهلِه وحَشَمِه وغاشِيَتِه من جلسائه، ولزم قَصْرَه. قال: فأقبلت الموالي والحشَمُ على
خالد بن صفوان بن الأهتم، وقالوا: ما أردت إلى أمير المؤمنين؟! أفسدت عليه لذّتَه،
ونغَّصت عليه مأدبته. قال: إليكم عني فإني عاهدت الله [عزّ وجل] عهدًا ألاَّ أخلوَ بملك إلاَّ
ذكّرته الله عزّ وجل.
والذي ذكره عديّ بن زيد في هذا الشعر هو: النعمان بن امرىء القيس جدّ النعمان بن
المنذر، وأول هذا الشعر:
أَرَوَاحْ مُوَدِّعٌ أم بُكُورُ [لك] فانْظُرْ لأَيِّ ذاك تصير
(١) الخابور: نهر كبير مخرجه من رأس عين يصبّ إلى الفرات.
(٢) المرمر: الرخام.
(٣) الكلس: الجير.
(٤) ارعوی قلبه: أي ارتدع.
(٥) ألوت به: ذهبت به.
(٦) الإمَّة: النعمة .
(٧) أخضل لحيته: أي ابتلت.
١٥٧

قاله عديّ، وهو في سجن النعمان بن المنذر، وفيه قُتل وهو: عَدِيُّ بن زيد بن
حماد بن زيد بن أيوب بن مَخْروب بن عامر بن عُصَيَّة بن امرىء القيس بن زيد بن مناة بن
تميم. وقال عمرو بن آلة بن الخنساء:
أَلَمْ يُنْبِثْكَ والأَنبَاءُ تَنْمى (١)
بما لاقت سَراة بني الْعَبيد
:
وأخلاس الكتائب(٢) من تَزِيد(٣)
ومَضْرَعْ ضَيْزَنٍ وبني أبيه
وبالأبطالٍ سابُورُ الجنُودِ
أتاهم بالفُيول مُجَلَّلات
كأنَّ ثِقالَه زُبَرُ الْحَديد(٥)
فهدَّم من أواسِي(٤) الْحَضْرِ صَخْرًا
وقال الأعشى:
دٍ حولين تضرب فيه الْقُدُمْ
أقام به شَاهبورُ الجنو
وقد قدّمنا أنَّ شاهبور معناه: ابنُ الملك، وأن بور هو: الابنُ بلسانهم، وفي هذا البيتِ
دليل على ما قلناه من أن سابورَ مُغَيَّرٌ عن شاهبور. والقُدُم: جمع قَدُوم، وهو الفأس
ونحوه، والْقَدوم: اسمُ موضع أيضًا اخْتَتَن فيه إبراهيمُ عليه السلام الذي جاء في الحديث أن
إبراهيم اخْتَتَن بالقَدُوم(٦) مُخفف أيضًا، وقد رُوِيّ فيه التشديد. وبعده:
ومثل مُجاوره لم يقُمْ
فهل زادَه ربُّـ قُوَّةٌ
هلُمُّوا إلى أمركم قد صُرٍم
وكان دعا قومه دعوة
أرى الموتّ يجْشَمُه من جَشِمْ(٧)
فموتوا كرامًا بأسيافكم
وفي الشعر: وهلْ خالدٌ مَنْ نَعِمْ. يقال: نَعِمَ يَنْعِم وَيَنْعَم مثل حَسِب يحسِب ويَحْسَبُ.
وفي أدب الكاتب أنه يقال: نَعِم يَنْعُم مثل فَضل يَفضُل. حُكِي ذلك عن سيبويه، وهو غلط
من الْقُتَبِيِّ، ومَنْ تأمله في كتاب سيبويه تبيَّن له غَلطُ القُتَبِيِّ، وأن سيبويه لم يذكر الضمَّ إلا
في فَضل يفضُل.
(١) تنمى: تنتشر.
(٣) تزيد: هو ابن حلوان.
(٢) أحلاس الكتائب: شجعانها الملازمون لها.
(٤) أواسي: جمع آسية. وهو الأساس.
(٥) زبر الحديد: أي قطع الحديد الضخمة.
(٦) ((صحيح)). أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء (٤/ ١٧٠) ومسلم في الفضائل (١٥١) وأحمد في
مسنده (٤١٨/٢) والطبري في تاريخه (١٧٢/١) والبخاري في الأدب (١٢٤٤).
(٧) الأبيات للأعشى ميمون بن قيس. انظر تاريخ الطبري (٣٩٥/١).
١٥٨

وقول عدي بن زيد: رَبِيَّة لم تُوقِ والدَها. يحتمل أن تكون فَعيلة من ربيتُ إلا أن
القياس في فَعيلة بمعنى: مفعولة أن تكون بغير هاء، ويحتمل أنه أراد معنى الرَّبو والنماء،
لأنها رَبَتْ في نِعمة فتكون بمعنى فاعلة، ويكون البناء موافقًا للقياس، وأصحّ من هذين
الوجهين أن يكون أراد: ربيئة بالهمز، وسَهَّل الهمزة فصارت ياء، وجعلها ربيئة؛ لأنها كانت
طليعة حيث اطّلعت، حتى رأت سابور وجنوده، ويقال للطليعة(١) ذَكَرًا كان أو أنثى: ربيئة،
ويقال له: رباء على وزن فعال وأنشدوا: رباءُ شماء لا يأوي نقلتها، البيت.
وقوله أضاع راقبُها، أي أضاع الْمَرْبَأَةَ الذي يرقبها ويحرسها، ويحتمل أن تكون الهاء
عائدة على الجارية أي: أضاعها حافظُها.
وقوله: والخمر وَهْل. يقال: وَهِلِ الرجلُ وَهْلاً وَوَهَلاً إذا أراد شيئًا، فذهب وهمُه إلى
غيره. ويقال فيه: وَهَم أيضًا بفتح الهاء، وأما وهِم بالكسر، فمعناه: غلط، وأوهم بالألف
معناه: أسقط.
وقوله: سبائبُها. السبائب جمع: سَبِيبةٍ، وهي كالعمامة أو نحوها، ومنه السِّبُّ وهو:
الخمار.
وقوله: في خِذْرها مشاجبُها. المشاجبُ: جمع مِشْجَب، وهو ما تُعلَّق منه الثياب،
ومنه قول جابر: وإن ثيابي لَعَلى الْمِشْجَب(٢) وكانوا يسمّون القربة: شَجْبًا؛ لأنها جلد ماءٍ قد
شَجِب أي: عَطِب، وكانوا لا يمسِكون القربة وهي الشّجْبُ إلاَّ مُعَلَّقةً، فَالْعَود الذي تُعَلَّق به
هو الْمِشْجَبُ حقيقة، ثم اتسعوا، فَسمُّوا ما تُعلَّقُ به الثيابُ مِشْجَبًا تشبيهاً به.
وفي شعر عَدِيَّ المتقدم ذكر الخابور، وهو وادٍ معروفٌ، وهو فاعول من خَبَرْتُ
الأَرْضَ إذا حرثتها، وهو وادٍ عظيمٌ عليه مزارع. قالت ليلى أُختُ الوليد بن طَريف
الخارجي الشّيبانِي، حين قتل أخوها الوليدُ: قتله يزيدُ بن مَزِيد الشَّيْبَانِيّ أيام الرشيد، فلما
قتل قالت أُخته:
كأنك لم تَخْزَن على ابن طَرِيف
أيا شَجَر الْخابور مالك مُورقًا
فَدَيْنَاه من ساداتنا بأُلوف
فقدناه فُقْدَانَ الربيع وليتنا
(١) الطليعة: الذي يرقب العدو من مكانٍ عالٍ لئلا يدهم قومه.
(٢) (صحيح)). أخرجه البخاري في الصلاة. حديث رقم (٣٥٢) وأحمد (٢٣٩/٢).
١٥٩

ذکر ولد نزار بن معدّ
قال ابن إسحاق: فولد نزار بن معدّ ثلاثة نفر: مُضَر بن نِزار، ورَبيعة بن نزار،
وأنمار بن نزار.
قال ابن هشام: وإياد بن نزار. قال الحارثُ بن دَوْس الإيادي، ويُروَى لأبي دُوَاد
الإيادي، واسمه: جارة بن الحجاج:
وفُتُوّ حسنٌ أوجُههُمْ
مِنْ إيادِ بن نِزَارِ بْنِ معدّ
وهذا البيت في أبيات له.
فأُمُّ مضر وإياد: سَوْدَة بنت عكّ بن عَذْنان. وأُمُ ربيعة وأنمار: شُقَيقة بنت عكّ بن
عَذْنان، ويقال: جُمْعة بنت عكّ بن عَدنان.
أولاد أنمار:
قال ابن إسحاق: فأنمار: أبو خَثعَم وبَجيلة. قال جَرير بن عبد الله البَجَلِيّ وكان
سيِّد بَجيلة، وهو الذي يقول له القائل:
نِعْمَ الفَتى، وبثْستِ القَبِيلَةْ
لولا جَریرٌ مَلَکَثْ بجیلہ
وهو ينافر الفُرافِصةَ الكَلْبِيّ إلى الأقْرَع بن حابس التَّميمِي.
إنّك إن تَضْرع أخَاكَ تُضْرعُ
يا أقرعُ بن حابِسٍ يا أقرعُ
وأما الخافُور بالفاء فنباتٌ تخفُر ريحُه أي: تقطع شهوة النساء، كما يفعل الْحَبَقْ، ويقال
له الْمَرْو، وبهذا الاسم يعرفه الناس وهو الزَّغْبَرُ أيْضًا (١).
ذكر نزار بن معدّ ومَن تناسل منهم
قد ذكرنا أولادَ معدّ العشرة فيما تقدم، فأما مُضَر فقد تقدم ذكره في عمود نسب
النبي - * - وذكرنا أنه أول مَن سَنّ حُداء الإبل، وسببُه ـ فيما ذكروا - أنه سقط عن بعير،
فوثبت يدُه، وكان أحسنَ الناسِ صوتًا، فكان يمشي خلف الإبل، ويقول: وايديَّاه وايَدَيَّاه،
يترنّم بذلك فأعْنَقَتِ الإبل، وذهب كَلاَلُها؛ فكان ذلك أصل الْحُدَاء عند العرب، وذلك أنها
تُشّط بحدائها الإبل، فتسرع.
(١) انظر تاريخ الطبري (٣٩٥/١).
١٦٠