النص المفهرس
صفحات 121-140
غَنَاءٍ(١) فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نَفْر: وما غَنَاء رجل أسير بيدَيْ مَلِك ينتظر أن يقتله غُدُوًّا أو عشيًّا؟! ما عندنا غَنَاءٌ فِي شيء مما نزل بك إلا أن أَنَيسًا سائس الفيل صديق لي، وسأُرسل إليه فأُوصيه بك، وأعظم عليه حقّك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، فتكلِّمه بما بدا لك. ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك، فقال: حسبي. فبعث ذو نَفْر إلى أُتَيْس، فقال له: إن عبد المطلب سيِّد قريش، وصاحب عِير مكة، يُطْعِم الناس بالسَّهل، والوحوشَ في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مئتي بعير، فاستأذن له عليه، وَانْفَعْه عنده بما استطعت، فقال: أفعل. فكلَّم أنيسٌ أبرهة، فقال له: أيها الملك، هذا سيِّد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عِير مكة، وهو يُطعم الناس في السهل، والوحوشَ في رؤوس الجبال، فأذن له عليك، فيكلِّمك في حاجته، قال: فأذن له أبرهة. عبد المطلب وأبرهة قال: وكان عبد الْمُطَّلِبِ أوسمَ الناس وأجملَهم وأعظمهم، فلما رآه أبرهة أجَلَّه وأعظمه وأكرمه عن أن يُجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشةُ يجلس معه على سرير مُلكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لِتَرْجَمَانِه: قل له: حاجتك؟ فقال له ذلك التُّرْجُمَان، فقال: حاجتي أن يردّ عليَّ الملكُ مئتي بَعير أصابها لي، فلما قال له ذلك، قال أبرهة لِتَرْجُمَانه: قل له: قد كنتَ أعجبتَنِي وسامة عبد المطلب وقوله في صفة عبد المطلب: أوسمُ الناس وأجمله. ذكر سيبويه هذا الكلام مَحكِيًّا عن العرب، ووجههُ عندهم أنه محمول على المعنى، فكأنك قلت: أحسن رجل وأجملهُ، فأفرد الاسمَ الْمُضْمَرَ التفاتًا إلى هذا المعنى، وهو عندي مَحْمُولٌ على الْجِنسِ، كأنه حين ذكر الناسَ قال: هو أجمل هذا الجنس من الْخَلْقِ، وإنما عَدلنا عن ذلك التقدير الأول، لأن في الحديث الصحيح: ((خيرُ نساءٍ رَكبْنَ الإبلَ صوالحُ نساءٍ قُرَيْشٍ: أحْنَاهُ على وَلَدِهِ في صِغَرِهِ، وأزعاه على زَوْجِ في ذات يده))(٢)، ولا يستقيم ههُنا حملُه على الإفراد، لأن المفردَ هُهُنا امرأة، فلو نظر إلى واحد النساءِ لقال: أحناها على وَلَدِهِ، فإذًا التقدير: أحنى هذا الجنس الذي هو النساء، وهذا الصنف، ونحو هذا. (١) من غَنَّاء: أي ما يُغنّى. (٢) ((صحيح)). أخرجه البخاري (٧/ ٨٥) ومسلم في الفضائل (٢٠١/٢٠٠) وأحمد (٢٦٩/٢). ١٢١ حين رأيتُك، ثم قد زَهِذْت فيك حين كلَّمتني، أتكلِّمني في مئتي بعير أصبتُها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه؟ !! قال له عبد المطلب: إني أنا ربّ(١) الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا سيمنعه، قال: ما كان ليمتنع منّي، قال: أنت وذاك. وكان - فيما يزعم بعض أهل العلم - قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة، حين بعث إليه حُناطَةِ، يَعْمُرُ بْن نُفاثة بن عديّ بن الدُّئل بن بكر بن مناة بن كنانة - وهو يومئذ سيد بني بكر - وخويلدُ بن وائلة الهذلي - وهو يومئذ سيِّد هذيل - فعرضوا على أبرهة ثُلثَ أموال تِهَامة، على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم. والله أعلم، أكان ذلك، أم لا، فردّ أبرهة على عبد المطلب الإبلّ التي أصاب له. عبد المطلب يستغيث بالله : فلما انصرفوا عنه، انصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبرَ، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرّز في شَعَف الجبال والشّعاب: تخوّفا عليهم من مَعَرَّة الجيش، وذكر قول عبد المطلب : ـنع رَخله فامنع حِلاَلَك لا هُمَّ إن المرءَ يمـ العرب تحذف الألف واللام من اللَّهُمَّ، وتكتفي بما بقي، وكذلك تقول: لاهِ أبوكَ تريد: لله أبوك، وقد تقدم. قول مَن قال في لِهَنَّك [أو: لَهِنَّك]، وأن المعنى: والله إنك، وهذا لكثرة دَوْر هذا الاسم على الألسنة، وقد قالوا فيما هو دونه في الاستعمال: أجِنَّك تفعل كذا وكذا. أي من أجل أنك تفعل كذا وكذا والْحِلال في هذا البيت: القوم الْحُلُولُ في المكان، والحلال مَركب من مراكب النساء. قال الشاعر: بغير حِلالٍ غادرته مُجَخْفَلٍ والحِلال أيضًا: متاعُ البيت، وجائز أن يستعيره ههُنا، وفي الرجز بيت ثالث لم يقع في الأصل وهو قوله: وعابديه اليوم الك وانْصُز على آلِ الصليبِ وفيه حجة على النَّحاس والزبيدي حيث زعما، ومَن قال بقولهما أنه لا يقال اللَّهمَّ صَلّ على محمد وعلى آله، لأن الْمُضْمَرَ يردّ المعتل إلى أصله، وأصله: أهلٌ فلا يُقال إلا: وعلى أهْلِهِ، وبهذه المسألة ختم النَّحاس كتابه الكافي. وقولهُما خطأ من وجوهٍ، وغيرُ معروف في (١) ربّ الإبل: أي صاحبها. ١٢٢ 1 ثم قام عبد المطلب، فأخذ بحَلْقَة باب الكعبة، وقام معه نَفَر من قريش يدعون الله، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: ـنع رَخْلَه فامنع حَلاَلَك لا هُمَّ إنَّ العَبْدَ يمْـ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ وَمِحالُهمْ غَذْوًا محَالك قال ابن هشام: هذا ما صحّ له منها (١). شاعر یدعو على الأسود: قال ابن إسحاق: وقال عِكْرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدَّار بن قُصيّ : الآخذَ الهَجْمَةِ فيها التقليد لا هُمَّ أخْزِ الأسْودَ بن مَقْصود يَخْبِسها وهي أُولاَتُ التَّطريد بينَ حِرَاءَ وَثَبِيرٍ فالْبِيد أخْفِرْه يا ربّ وأنت مَحمود فَضَمَّها إلى طَمَاطِمٍ سُوذ قال ابن هشام: هذا ما صحّ له منها، والطماطم: الأعلاج. قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب خَلْقة باب الكعبة، وانطلق هو ومَن معه من قريش إلى شَعَف الجبال، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبرهةُ فاعلٌ بمكة إذا دخلها . قياسٍ ولا سماع، وما وجدنا قطّ مضمَرًا يردّ معتلاً إلى أصله إلا قولهم: أعْطَيْتُكُمُوه برذَ الواو، وليس هو من هذا الباب في وِزْدٍ ولا صَدَرٍ، ولا نقول أيضًا: إن آلاً أصلُه: أهلْ، ولا هو في معناه، ولا نقول: إن أُهَيْلاً تصغيرُ آلٍ، كما ظن بعضُهم، ولِتوجيه الحجاج عليهم موضعً غير هذا، وفي الكامل من قول الكتابي لمعاوية حين ذكر عبد الملك من آلك، وليس منك. وقول عكرمة بن عامر: الآخذُ الْهَجْمَةَ فيها التقليد(٢): الْهَجْمَة: هي ما بين التسعين إلى المائة، والمائةُ منها: هُنَيْدَة، والمائتان: هِنْد، وقال بعضهم: والثلاثمائة أَمَامة، وأنشدوا: تَبَيَّنْ رُوَيْدًا ما أُمَامَةُ مِنْ هِنْدٍ وكأن اشتقاقَ الهَجْمَة من الْهَجِيمَةِ، وهو: الثَّخين من اللَّبَنِ، لأنه لما كَثُر لبنُها لكثرتها، لم يُمْزَجْ بماءٍ، وشُرب صِرْفًا ثَخينًا، ويقال للقدح الذي يُحلب فيه إذا كان كبيرًا: هَجْم. (١) انظر البداية (١٥٩/٢) والكامل (٣٤٢/١). (٢) التقليد: أي القلائد. ١٢٣ ٠ أبرهة والفيل والكعبة فلما أصبح أبرهة تهيَّأ لدخول مكة، وهيَّأ فيلَه، وَعبَّى جيشه - وكان اسم الفيل محمودا - وأبرهة مُجْمِعٌ لهدم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن. فلما وجَّهوا الفيل إلى مكة، أقبل نُفَيل بن حَبِيب حتى قام إلى جَتْب الفيل، ثم أخذ بأذنه، فقال: ابرُكْ محمود، أو ارجع راشدًا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسلَ أذنه. فبرك الفيل، وخرج نُفيل بن حَبيب يشتد حتى أصْعد في الجبل، وضربوا الفيلَ ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطَّبَززين؛ ليقوم فأبى، فأدخلوا مَحاجن لهم في مَرَاقْه فَزَغُوه بها ليقوم فأبى، فوجّهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول، ووجّهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المَشْرق ففَعَل مثل ذلك، ووجَّهوه إلى مكة فبرك، فأرسل الله تعالى عليهم طيرًا من البحر أمثالَ الخَطاطيف والبَلَسان، مع كلّ طائرِ منها ثَلاثَةُ أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحِجران في رجليه، أمثال الْحِمَّص والعَدَس، لا تُصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلُّهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريقَ الذي منه جاءوا، ويسألون عن نُفيل بن حَبيب، ليدلَّهم على الطريقِ إلى اليمن، فقال نُفَيْلٌ حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: والأشرمُ المَغْلوبُ ليس الغالبُ أينَ الْمَفَرُّ وَالإِلهُ الطَّالِبُ قال ابن هشام: قوله: ((ليس الغالب)) عن غير ابن إسحق. قال ابن إسحاق: وقال نفيل أيضًا: نَعِمْناكم مع الإصباح عينا ألا حُبِّيتِ عنَّا يا رُدّيْنا الذي جَنْب المُحَصَّب ما رأينا رُدَيْنةُ لو رأيتٍ - ولا ترَيْه ولم تأسَى على ما فاتَ بَيْنا إذًا لعذرتِني وحمِدتِ أمري وخِفْتُ حِجارةً تُلْقَى علينا حَمِدتُ الله إذ أبصرتُ طيرًا كأنَّ عليّ للحِبْشان دَیْنا وَكُلُّ القوْم يسأل عن نُفَيل في حدیث الفيل وقوله: أخْفِرْهُ يا ربّ. أي انقض عزمه وعهده فلا تؤمنه، يقال: أخْفَرْت الرجل، إذا نقضت عهدَه، وخَفَرْتُه أخْفِرُه: إذا أجَرْتُه، فينبغي أن لا يضبط هذا إلا بقطع الهمزة وفتحِها، لئلا يصيرَ الدعاءُ عليه دعاءً له. وقولُه: إلى طَمَاطِم سود. يعني: الْعُلُوجِ. ويقال لكل أعجمي: طُمْطُمَانيّ وِطِمْطِم ويُذكَر عن الأخفش: طَمْطَم بفتح الطاء. ١٢٤ فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهْلِكون بكل مَهْلِك على كل مَنْهَل، وأُصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أُنْمُلة أُنْمُلة: كلما سقطت أَنْمُلَة، أتْبعتها منه مدّة تَمثُ قَيْحًا ودَما، حتى قَدِموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدرُه عن قلبه، فيما يزعمون. قال ابن إسحاق: حدّثني يعقوب بن عُثْبة أنه حُدّث: أن أول ما رؤيت الحَضْبة والجُدَرِيّ بأرضٍ العرب ذلك العامَ، وأنه أول ما رُؤِيَ بها مَرائر الشجر: الْحَزْمَل والْحَنْظَلِ والعُشَر ذلك العامَ. قصة الفيل في القرآن: قال ابن إسحاق: فلما بعث الله تعالى محمدًا - وَ ل﴿ل ـ كان مما يَعُدُّ الله على قريش من نعمته عليهم وفضله، ما ردّ عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلِ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلِ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجْيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾(١). وَقال: ﴿لَإِيلاَفِ قُرَيْشِ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشَّتَاءِ وَالْصَّيْفِ فَلَّيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِن جُوعٍ وَآمَنَّهُم مِّن خَوْفٍ﴾(٢). أي لئلا يغير شيئًا من حالهم التي كانوا عليها، لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه. قال ابن هشام: الأبابيل: الجماعات، ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه، وأما السّجِيل، فأخبرني يونس النحويّ وأبو عُبيدة أنه عند العرب: الشديد الصلب، قال رُؤْبة بن العجَّاج: ترميهمُ حجارٌ من سِجِّيلْ ومسَّهم ما مَسَّ أصحاب الفيل ولعبتْ طيرٌ بهم أبابيل وهذه الأبيات في أرجوزة له. ذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية، جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنما هو سِنْجُ وجِلُّ يعني بالسنج: الحجر، وبِالْجِلِّ: الطين، يعني: الحجارة من هذين الجنسين: الحجر والطين. والعَصْفُ: ورق الزرع الذي وقوله: عَبَّى جيشه. يقال: عَبَيْتُ الجيشَ بغير همزة، وعَبَّأْتُ المتاعَ بالهمز، وقد حُكِيَ عَبَّأْتُ الجيشَ بِالْهَمْزِ وهو قليل. (١) سورة الفيل. (٢) سورة قريش. ١٢٥ لم يُعْصَف، وواحدته عَصْفَة. قال: وأخبرني أبو عبيدة النحويّ أنه يقال له: العُصافة والعَصيفة. وأنشدني لعَلْقمة بن عَبَدة أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم: حَدُورُها من أتِيِّ الماءِ مَطْمومُ تَسقى مَذانبَ قد مالت عَصِيفتُها وهذا البيت في قصيدة له. وقال الراجز: فصُيِّروا مثلَ كَعَصْف مأكول قال ابن هشام: ولهذا البيت تفسير في النحو. وقوله: فبرك الفيلُ. فيه نظر؛ لأن الفيلَ لا يَبْرُكُ، فيحتمل أن يكونَ بُروكُه: سقوطه إلى الأرض، لما جاءه من أمر الله سبحانه، ويحتمل أن يكون فَعَل فِعْلَ البارك الذي يَلْزم موضعه، ولا يبرح، فَعُبِر بالبروك عن ذلك، وقد سمعت مَن يقول: إن في الْفِيلة صنفًا منها يَبْرُك كما يَبْرُك الجملُ، فإن صحَّ وإلاّ فتأويلُه ما قدّمناه. والأسودُ بن مقصود صاحب الفيل: هو الأسودُ بن مقصود بن الحارث بن مُنَبِّه بن مالكِ بن كعبٍ بن الحارث بن كعب بن عَمْرو بن عِلَّةً ويقال فيه: عُلَه على وزن عمر، ابن خالد بن مَذْجج، وكان الأسود قد بعثه النجاشي مع الفيلة والجيش، وكانت الفيلة ثلاثة عشر فيلاً، فهلكت كلُّها إلا محمودًا، وهو فيل النجاشي؛ من أجل أنه أبى من التوجّه إلى الحرم والله أعلم. ونُفَيْلٌ الذي ذكره هو: نُفَيْلُ بن عبد الله بن جُزء بن عامر بن مالك بن واهب بن جَلِيحَة بن أكُلُب بن ربيعة بن عِفْرِس بن جلف بن أفْتَل، وهو: خَثْعَم. كذلك نسبه البرقي. وفي الكتاب: نفيل بن حبيب، ونفيل من الْمسَمَّيْنَ بالنبات قاله أبو حنيفة. وقال: هو تصغير نَفَّل، وهو نبت مُسْلَنْطِح(١) على الأرض. وذكر النقّاش أن الطير كانت أنيابُها كأنياب السَّبُع وأكُفُّها كأكُفُ الكِلاب، وذكر البرقي أن ابن عباس قال: أصغرُ الحجارة كرأس الإنسان، وكبارُها كالإبل(٢). وهذا الذي ذكره البرقي ذكره ابن إسحق في رواية يونس عنه. وفي تفسير النقاش أن السَّيْل اختَمل جثثهم، (١) مسلنطح: أي منبسط. (٢) جاء بعض أصحاب العمائم وأصحاب العالمية الأزهرية ليقول لنا إن ما وقع إنما هو داء ومرض دبّ في أصحاب الفيل ولا صحة لحديث الطير الأبابيل وما تحمله من حجارة، جاء من أنكر وكذب صريح القرآن، جاء من أنكر وجود نبي مرسل يسمى إبراهيم عليه السلام ويقول: إن تحدّث القرآن عن إبراهيم وإسماعيل فلا يكن هذا في إثبات وجودهما. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون من رؤوس زماننا وعمدائها . ١٢٦ فألقاها في البحر، وكانت قصة الفيل أول الْمُحَرَّم من سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين. وقوله: فضربوا رأسَه بالطَّبْرَزين هكذا تقيد في نسخةِ الشيخ أبي بحر بسكون الباء، وذكره البكري في المعجم، وأن الأصلَ فيه طَبَرْزِين بفتح الباء، وقال: طَبَر هو الفأس وذكر طَبَرَسْتَانَ بفتح الباء، وقال معناه: شَجَرٌ قُطع بفأسٍ؛ لأنها قبل أن تُبنى كانت شَجْراء فقُطِعَتْ، ولم يقل في طَبَرِيَّة مثل هذا. قال: ولكنها نسبت إلى طَبَاراء، وهو اسمُ الملكِ الذي بناها، وقد ألفَيتهُ في شعرِ قديم: طَبَرْزِين - بفتح الباء - كما قال البكري، وجائز في طَبَرْزِين - وإن كان ما ذكر أن تسكن الباء - لأن العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبًا لا يُقرُّها على حال. قاله ابن جنّيّ. وقوله: فبزغوه، أي: أدْمَوْه، ومنه سُمِّيَ الْمِبْزَغُ، وفي رواية يونس عن ابن إسحق أن الفيلَ رَبَضَ، فجعلوا يقسمون بالله أنهم رَادُّوه إلى اليمن، فحرَّك لهم أذنيه، كأنه يأخذ عليهم عهدًا بذلك، فإذا أقسموا له، قام يُهرول، فيِردُّونه إلى مكة، فَيَرْبِضُ، فيحلفون له، فيحرك لهم أُذُنيه كالمؤكِّدِ علیھم، ففعلوا ذلك مرارًا. وقوله: أمثال الْحِمَّص والْعَدَس يقال: حِمَّص، وحِمِّص، كما يقال: جِلَّق وجِلْق قاله الزبيدي، ولم يذكر أبو حنيفة في الْحِمَّص إلا الْفَتْحَ وليس لهما نظير في الأبنية إلا الْحِلْزة وهو القصير، وقال ابن الأنباري: الحِلِزُّ: البخيل بتشديد الزاي، وصوَّب القالي هذه الرواية في الغريب المصنف، لأن فِعَّلا بالتشديد ليس من الصفات عند سيبويه. ويعني بمماثلة الحجارة لِلْحِمَّص أنها على شكلِها - والله أعلم - لأنه قد رُوِيَ أنها كانت ضِخامًا تكسر الرؤوس، ورُوِيَ أن مخالب الطير كانت كأكُفُّ الكلاب - والله أعلم - وفي رواية يونس عن ابن إسحاق قال: جاءتهم طيرٌ من البحر كرجالٍ الهند، وفي رواية أخرى عنه أنهم اسْتَشْعَروا العذاب في ليلة ذلك اليوم؛ لأنهم نظروا إلى النجوم كالحةً إليهم، تكاد تكلمهم من اقترابها منهم، ففزعوا لذلك(١). وقولُ نُفَيْل: وَلَمْ تَأْسَى على ما فات بَيْنا نصَب بَيْنا نَصْب المصدر المؤكَّدِ لما قبله، إذ كان في معناه، ولم يكن على لفظِهِ، لأن فات: معنى: فارق وبان، كأنه قال: على ما فات فَوْتًا، أو بان بينًا، ولا يصح لأن يكون (١) روايات كثيرة تفتقر إلى دليل ((صحيح)) يعتضدها. ١٢٧ مفعولاً من أجله يعمل فيه تأسى، لأن الأسى باطِنٌ في القلب، والبين ظاهر، ولا يجوز أن يكون المفعول من أجله إلا بعكسٍ هذا. تقول: بكى أسَفًا، وخرج خَوْفًا، وانطلق حِزْصًا على كذا، ولو عكستَ الكلام كان خلفًا من القول وهذا أحد شروطِ المفعول من أجلِه، ولعل له موضعًا من الكتاب فنذكره فيه. وقوله: نَعِمْنَاكمْ مع الإصباح عَيْنًا: دعاء، أي: نعِمنا بكم، فعدّى الفعلَ لمّا حذف حرفَ الجرّ، وهذا كما تقول: أنعم الله بك عينًا. وقوله في أول البيت: ألا حُيِّيت عنّا يا رُدَيْنا. هو اسم امرأةٍ، كأنها سُمِيتْ بتصغير رُذْنَة، وهي القطعة من الرَّدَن وهو الحرير. ويقال المُقَدَّم الكُمِّ: رُدْنٌ، ولكنهُ مذَكَّر، وأما دُرَيْنة بتقديم الدال على الراء، فهو اسمٌ للأحمق(١) قاله الخلیل. وقوله: في خبر أبْرهَة: تبعتها مدة تَمُثُ قَيْحًا ودَمًا. ألْفَيْتَهُ في نسخة الشيخ: تَمُثُ، وتَمِثْ بالضم والكسر. فعلى رواية الضم يكون الفعلُ متعديًا، ونصب قيحًا على المفعول، وعلى رواية الكسر يكون غير مُتَعدٌ، ونَصَب قَيْحًا على التمييز في قول أكثرهم، وهو عندنا على الحال، وهو من باب: تصبَّب عرقًا، وتَفَقَّأَ شَخْمًا، وكذلك كان يقول شيخنا أبو الحسين في مثل هذا، وقد أفصح سيبويه في لفظ الحالِ في: ذَهَبْنَ كَلاَكِلاً وصُدورًا. وأَشْرَق كاهِلاً، وهذا مثلُه، ولكشفِ القناع عن حقيقة هذا موضعٌ غير هذا وإنما قلنا: إن مَنْ رواه تمُثُ بضم الميم، فهو مُتَعدٍّ، كأنه مضاعف، والمضاعَف إذا كان متعديًا كان في المستقبل مضمومًا نحو: رَدَّه يَرُدُّه إلاَّ ما شذْ منه، نحو عَلَّ يَعُل ويَعِلُ، وهرَّ الكأس يهُرُّ ويهِرُّ، وإذا كان غير متعدٍّ كان مكسورًا في المستقبل نحو: خفَّ يخِف، وفرّ يفرّ إلا ستة أفعال جاءت فيها اللغتان جميعًا، وهي في أدب الكاتب وغيره، فغنينا بذلك عن ذكرها. على أنهم قد أغفلوا: هَبَّ يهُبُّ وخبَّ يَخُبُّ وأجِّ يَؤُجُّ إذا أسرع، وشك في الأمر يشُك، ومعنى تَمُثُ قَيْحًا: أي: تسيل، يقال: فلان يَمْثُ كما يمُثُ الزُّقُّ(٢). وقوله: يسقط أنْمَلَةً أَثْمَلَةِ(٣) أي: ينتثر جسمُه، والأُثُمُلَةُ: طرف الأصْبَع، ولكنْ قد يُعَبَّرَ بها عن طرف غير الأَصْبُع، والجزءُ الصغير. ففي مُسْنَد الْحَارث بن أبي أسامة عن رسول الله - ◌َ * -: إن في الشجرة شجرةً هي مثل المؤمن، لا تسقط لها أُنْمُلَةٌ. ثم قال: هي النخلة، وكذلك المؤمن لا تسقط له دعوة. (١) انظر مقاييس اللغة (٢٧٠/٢). (٢) الزق: وعاء من جلد يُصنَع للشراب. (٣) أنملة: مفرد أنامل وهي أطراف الأصابع. ١٢٨ وقوله: مرائر الشجر يقال: شجرةٌ مُرَّةٌ، ثم تجمع على مرائر، كما تجمع: حُرَّة على حرائر، ولا تعرف فُعْلَة تجمع على فعائل إلا في هذين الحرفين(١)، وقياس جمعهما فُعَل نحو: دُرَّة ودُرر، ولكن الْحُرَّةَ من النساء في معنى: الكريمةِ والْعَقيلة، ونحو ذلك، فأجْرَؤها مَجْرَى ما هو في معناها من الْفَعِيلَة، وكذلك الْمُرُّ قياسه: أن يقال فيه: مرير؛ لأن المرارة في الشيء طبيعة، فقياسُ فِعْله: أن يكون فَعُل كما تقول: عَذُبَ الشيءُ وقَبُحَ. وعَسِرُ إِذا صار عسيرًا، وإذا كان قياسُه فَعُل فقياسُ الصفة منه أن تكون على فَعيل، والأنثى: فَعِيلةٌ، والشيء المُرُّ عسيرٌ أكلهُ شديدٌ، فأجروا الجمع مجرى هذه الصفات التي هي على فعيل؛ لأنها طباع وخصال، وأفعالُ الطّباع والخِصَال كلّها تجري هذا المجرى. وذَكَّر الْعُشَرَ. وهو شَجَرٌ مرّ يحمل ثَمَرًا كالأُتْرُجُ، وليس فيه مُنْتَفَع، ولبن الْعُشَرِ تُعالَج به الجلودُ قبل أن تجعل في الْمَنِيئَةِ، وهي: المدبغة كما تعالج بالْغَلْقة، وهي شجرة، وفي الْعُشَرِ: الْخُرْفِعُ والْخِرْفِعُ، وهو شبه القُطن ويُجنى من الْعُشَرِ: الْمغافير، واحدها: مُغْفُور، ومَغافِر، وواحدها: مِغْفَر، ويقال لها: سُكَّر الْعُشَر، ولا تكون المغافير إلا فيه، وفي الرِّمْثِ، وفي الثُّمام، والثُمامُ: أكثرُهَا لَّى، وفي المثل: هذا الْجَنَى لا أن يُكَدَّ الْمِغْفَرُ(٢) من كتاب أبي حنيفة. وذكر ابنُ هشام: الأَبابيلَ، وقال: لم يُسْمَع لها بواحدٍ، وقال غيره: واحدها: إيَّاله، وإبَّوْل، وزاد ابن عزيز: وإبيل، وأنشد ابن هشام لرُؤْيَةَ: وصُيِّرُوا مثل كَعَضْفٍ مأكول وقال: ولهذا البيت تفسير في النحو، وتفسيره: أن الكاف تكون حرفَ جَرِّ، وتكون اسمًا بمعنى: مثل، ويدلّك أنها حرف: وقوعها صِلَة للذي؛ لأنك تقول؛ رأيت الذي كزيد، ولو قلت: الذي مثل زيد لم يحسن، ويدلك أنها تكون اسمًا دخولُ حرف الجرّ عليها، كقوله: ورُخْنَا بكابنِ الماءِ ينْفُض رأسَه. ودخول الكاف عليها، وأنشدوا: وصَالياتٍ كَكَمًا يُؤَثْفَين (٣) [أو يُؤْثَفَيْن]. وإذا دخلت على مثلٍ، كقوله تعالى: ﴿لَيْس كمثلِه شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فهي إذًا حرف؛ إذْ لا يستقيم أن يقال: مثلُ مثلِه، وكذلك هي حرف في (١) (صحيح). أخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين (٦٤/٦٣) والبغوي في شرح السُّنّة (٣٠٧/١) وأحمد في مسنده (١٢/٢). بلفظ: ((لا يسقط ورقها، لا يتحات ورقها)). (٢) المغفر: صمغ حلو يسيل من شجر العرنج أو العرفط. (٣) جزء من قصيدة لخطام بن نصر بن عياض بن يربوع. هو: المجاشعي. ١٢٩ الروض الأنف/ ج ١ / م ٩ وإيلاف قريش: إيلافهم الخروج إلى الشام في تجارتهم، وكانت لهم خَرْجتان: خَزْجة في الشتاء، وخَرْجة في الصيف. أخبرني أبو زيد الأنصاريّ: أن العرب تقول: ألفت الشيء إلْفًا، وآلفته إيلافًا، في معنى واحد، وأنشدني لذي الرُّمَّة: شعاع الضحى في لونها يتوضحَ من المُؤلِفات الرمل أدماءُ حُرةٍ بيت رُؤْبة: ((مثل كَعَصْفٍ)) لكنها مُقحمة لتأكيد التشبيه، كما أقحموا اللام من قوله: يا بُؤْسَ للحرب، ولا يجوز أن يقحم حرفٌ من حروف الجر سوى اللام، والكاف، أما اللام؛ فلأنها تعطي بنفسها معنى الإضافة، فلم تغيّر معناها، وكذلك الكاف تعطي معنى التشبيه، فأُفْحمت لتأكيد معنى المماثلة، غير أن دخول مثل عليها كما في بيت رُؤبة قبيح، ودخولُها على مثل كما في القرآن أحسن شيء؛ لأنها حرف جرّ تعمل في الاسم، والاسم لا يعمل فيها، فلا يتقدم عليها إلا أن يقحمها كما أقحمت اللام. وأنشد شاهدًا على العَصيفة قول علقمة، وآخره: جَدُورُها من أَتِيِّ الماء مَظْمُومُ. وهذا البيت أنشده أبو حنيفة في النبات جُدورُها: هو جمع جَذْر بالجيم، وهي الحواجز التي تحبس الماء، ويقال للجذر حُباسٌ أيضًا: وفي الحديث: ((أمْسِكِ الماءَ حتى يَبْلُغَ الْجَدْرَ، ثم أرْسِلْهُ))(١). وقد ذكر غيره رواية الجِيم، وقال: إنما قال: جُدُورها من أَتِيِّ الماء مَظْمُوم. وأفرد الخبر، لأنه رَدَّه على كُلِّ واحد من الْجَذر كما قال الآخر: ترى جوانِبهَا بالشّخم مفتوقا أي: تری کل جانب فيها. فصل: ويقال للعَصيفة أيضًا: أَذَنة(٢)، ولما تُحيط به الْجُدور التي تمسك الماءَ دَبْرَةَ وحِبس ومَشارة، ولمَفْتَح الماء منها: آغِيةٌ بالتخفيف والتثقيل [أو أُتِيُّ]. وذكر إيلافَ قريش للرحلتين، وقال: هو مصدر ألِفْتُ الشيءَ والَفْتُه فجعله من الإلْفِ للشّيء، وفيه تفسير آخر أليق، لأن السفر قطعة من العذاب، ولا تألَفه النفس، وإنما تألف الدَّعَةَ والْكَيْنُونَةَ مع الأهْلِ. قال الهروي: هي حبالٌ، أي: عهودٌ كانت بينهم وبين ملوك العجَم، فكان هاشم يؤالفَ إلى مَلِكِ الشام، وكان المُطَّلِبُ يؤالف إلى كِسرى، والآخران يؤالفان أحدُهما إلى مَلِكِ مصرَ، والآخر إلى ملك الحبشة، وهما: عَبْدُ شمس ونوفَلٌ. قال: (١) (صحيح). أخرجه البخاري (١٤٥/٣) وأبو داود (٣٦٣٧) والترمذي (١٣٦٣- ٣٠٢٧). (٢) أذنة: ورق الحنّة. ١٣٠ وهذا البيت في قصيدة له، وقال مَطْرود بن كَغْب الخزاعيّ: والظّاعنين لرِخْلَة الإيلافِ الْمُنْعِمين إذا النجومُ تغَیَّرت وهذا البيت في أبيات له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. والإيلاف أيضًا: أن يكون للإنسان ألف من الإبل، أو البقر: أو الغنم، أو غير ذلك. يقال: آلف فلان إيلافًا. قال الكُميت بن زيد، أحد بني أسد بن خُزَيمةَ بن مُذْركة بن إلياس بن مُضَر بن نزار معدّ: بِعامٍ يقول له المُؤْلِفو ن هذا الْمُعِيم لنا المُرْجِلُ وهذا البيت في قصيدة له. والإيلاف أيضًا: أن يصير القوم ألفًا، يقال آلف القوم إيلافًا. قال الكُمَيت بن زيد: ومعنى يؤالِف: يعاهد ويصالح، ونحو هذا، فيكون الفعل منه أيضًا آلفَ على وزن فَاعَل، والمصدر إلافًا بغير ياء مثل: قِتالاً، ويكون الفعل منه أيضًا آَلَفَ على وزن أفْعَل مثل: آمن، ويكون المصدر: إيلافًا بالياء مثل: إيمانًا، وقد قرىء لإلاف قريش بغير ياء، ولو كان مِن آلَفْتُ الشيءَ على وزن أفْعَلْت إذا ألِفْته لم تكن هذه القراءةُ صحيحة، وقد قرأها ابن عامر، فدلّ هذا على صحة ما قاله الهروي، وقد حكاه عمّن تقدّمه. وظاهرُ كلام ابن إسحق أن اللامَ من قوله تعالى: ﴿لإيلافٍ قُرَيْش﴾ متعلقة بقوله سبحانه: ﴿فجعلهم كَعَصْفٍ مَأْكُول﴾ وقد قاله غيرُه، ومذهب الخليل وسيبويه: أنها متعلقة بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذا البيت﴾ أي: فليعبدوه من أجل ما فعل بهم. وقال قوم: هي لامُ التعجب، وهي متعلقة بمضمر، كأنه قال: اعْجَبْ لإيلافِ قريش، كما قال - ﴿ ـ في سعد بن معاذ - رضي الله عنه !! - حين دفن: ((سُبْحَانَ الله لهذا العبد الصالح ضمّ في قبره، حتى فَرّج الله عنه !! ))(١). وقال في عبد حبشي مات بالمدينة: ((لهذا العبد الْخَبشيِّ جاء من أرضه وسمائه إلى الأرض التي خُلق منها))(٢). أي: اغْجَبُوا لهذا العبد الصالح. وأنشد للْكُمَيْت: نَ: أهذا الْمُعِيمُ لنا الْمُرْجِلُ بعام يقول له الْمُؤْلِفُو الْمُؤْلِفُ: صاحبُ الأَلْفِ من الإبلِ، كما ذكر، والْمُعِيمُ بالميم: من الْعَيْمة أي: تجعل تلك السنةُ صاحبَ الألف من الإبل يَعَامُ إلى اللبن، وتُرْجِلُه، فَيمشي راجلاً، لَعَجِف الدوابٌ (١) أخرجه أحمد (٣٢٧/٣) والحاكم (٣٠٦/٣) وصححه. (٢) أحمد في مسنده (٤/ ١٣٠). ١٣١ بني سَعْد بنٍ ضَبَّةً مُؤلِفينا وآل مُزَيقِياءَ غداةً لاقَوْا وهذا البيت في قصيدة له. والإيلاف أيضًا: أن تؤلّف الشيء إلى الشيء فيألفه ويلزمه، يقال: آلفته إياه إيلافًا. والإيلاف أيضًا: أن تصيِّر ما دون الألف ألفًا، يقال: آلفته إيلافًا . مصير الفيل وسائسه : قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة ابنة عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارَة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((لقد رأيتُ قائدَ الفيل وسائسَه بمكة أعْمَيَيْنِ مُفْعَدَيْن يستطعمان الناس))(١). ما قيل في صفة الفيل من الشعر قال ابن إسحاق: فلما رد الله الحبشةَ عن مكّة، وأصابهم بما أصابهم به من النقمة، أعظمت العربُ قريشًا، وقالوا: هم أهل الله، قاتل الله عنهم وكفاهم مؤونةً عدوّهم، فقالوا في ذلك أشعارًا يذكرون فيها ما صنع الله بالحبشة، وما ردّ عن قريشٍ من كيدهم. فقال عبد الله بن الزِّبَعْرَي بن عَدِيّ بن قَيْس بن عَدِيّ بن سُعَيْدٍ بن سَهْم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فِهْر: تَنَكَّلوا عن بَطْن مكَّة، إنها كانت قَدِيمًا لا يُرَامُ حَرِيمُها وهُزالها . وذكر قول ابن الزّبَعْرَي: تَتَكّْلوا عن بَطْن مكة. البيت، ونسبه إلى عديّ بن سُعَيْد بن سَهْم، وكرر هذا النسبَ في كتابه مرارًا وهو خطأ، والصواب: سَعْد بن سهم، وإنما سُعَيْدٌ: أخو سَعْد، وهو في نسب عَمْرو بن العاص بن وائل .. وقد أنشد في الكتاب ما يدلّ على خلاف قوله: وهو قول الْمُبْرِق، وهو عبدُ الله بن الحارث بن عَديّ بن سَعْد: عَدِي بنِ سَعْدٍ في الخطوب الأوائل فإن تَكُ كانت في عَدِيٍّ أمانةٌ فقال: عدي بن سعد، ولم يقل: سُعَيْد، وكذلك ذكره الواقدي والزُّبَيْريُّون وغيرهم. حول الشعر الذي قيل في الفيل وقوله: تَنكلوا عن بطن مكة إنها. وهذا خَرْم في الكامل، وقد وجد في غير هذا البيت (١) أخرجه البزار ورجاله ثقات، قاله الهيثمي في المجمع (٢٨٥/٣). ١٣٢ إِذْ لا ◌َزِيزَ مِنَ الأنامِ يرومُها لم تخلق الشّعري لياليَ حُرِّمتْ سائِلْ أمير الجَيش عنها ما رَأى ولَسَوْفَ يُنْبِي الجاهلين عليمُها ستُونَ ألفًا لم يثوبوا أرضَهم ولم يَعِشْ بعد الإياب سَقيمها كانت بها عادّ، وجُرْهُم قبلهم والله مِنْ فوق العباد يُقِيمها قال ابن إسحاق: يعني ابنُ الزبعري بقوله: بعد الإياب سقيمها أبرهة، إذ حملوه معهم حين أصابه ما أصابه، حتى مات بصنعاء. وقال أبو قَيْس بن الأسْلَت الأنصاريّ ثم الْخَطْمِيُّ، واسمه: صَيْفِيّ. قال ابن هشام: أبو قيس: صَيْفِيُّ بن الأسلت بن جُشّم بن وائل بن زَيْد بن قيس بن عامرة بن مرّة بن مالك بن الأوس: شٍ إِذْ كُلَّما بعثوه رَزَمْ ومن صُنْعه يوم فِيل الحبُو وقد شَرَّموا أنفَه فانخرم مَحَاجِئُهم تختَ أقْرَابِهِ إذا يمَمَّوه قَفاه كُلِم وقد جَعَلوا سَوْطَهُ مِغْولاً وقد باء بالظُلم مَنْ كان ثمْ فولى وأذبَرَ أدْرَاجَهُ فأرسلَ مَنْ فَوْقهم حاصِبًا فلَفَّهم مثل لفّ القُزُم وقد ثَأْجُوا كثُواج الغَنَم تَجُضّ على الصَّبر أحبارُهم قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له. والقصيدة أيضًا تُروَى لأُمية بن أبي الصَّلْت. قال ابن إسحاق: وقال أبو قَيْس بن الأسْلت: بأركان هذا البيت بين الأخاشب فَقُوموا فَصَلُّوا ربَّكم، وتمَسَّحُوا غداة أبي يَكْسومَ هادِي الكتائب فعِنْدكم منهُ بَلاءُ مُصَدَّق على القاذفات في رؤوس المنَاقب كتيبتُه بالسهل تُمْسي، وَرَجْلُه جنودُ المليك بين ساف وحاصب فلما أتاكم نَصْرُ ذي العرش رَدَّهم إلى أهله مِلْحِبْشٍ غيرُ عصائب فولَّوْا سراعًا هاربين ولم يَؤُب ١٣٣ قال ابن هشام: أنشدني أبو زيد الأنصاريّ قولَه: على القاذفات في رؤوس المناقب وهذه الأبيات في قصيدة لأبي قيس، سأذكرها في موضعها إن شاء الله. وقوله: (غداة أبي يَكْسوم)): يعني: أبرهة، كان يكنى أبا يكسوم. قال ابن إسحاق: وقال طالب بن أبي طالب بن عبد المطلب: وجيش أبي يَكْسوم إذا مَلَؤُوا الشّعْبا ألم تعلموا ما كان في حزب داحس لأصبحتُم لا تمْنعونَ لكم سِرْبا فلولا دفاعُ الله لا شَيْءَ غيرُهُ قال ابن هشام: وهذان البيتان في قصيدة له في يوم بَذْر، سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق: وقال أبو الصَّلت بن أبي ربيعة الثّقفي في شأن الفيل، ويذكر الحنيفيَّة دين إبراهيم عليه السلام. قال ابن هشام: تُروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة الثّقفيّ : لا يُمارِي فِيهنَّ إلا الکَفُورُ إِنَّ آياتٍ رَبِّنا ثاقِباتٌ مُسْتبينٌ حِسابُه مَقْدور بِمَهَاةٍ شُعَاعُها مَنْشُورُ ظلّ يخبو كأنه مَعْقُورُ ـ من صخر كَبْكِّبٍ مَخدور لٌّ ملاويثٌ في الحُروب صُقُورُ كلُّهم عَظُمُ ساقه مَكسورُ ـه إلا دينَ الحنيفة بُور خُلِقَ اللَّيْلِ والنَّهار فكُلٌّ ثم يَجلو النّهارَ رَبِّ رحيم حُبِس الفيلُ بالْمُغَمَّسٍ، حتى لازمًا حَلْقةِ الْجِرَان كما قُطّ حوله من ملوك كِنْدة أبطا خلّفوه ثم ابْذَعَرُّوا جميعًا كلٌّ دين يومَ القيامة عند اللَّ قال ابن هشام: وقال الفرزدق - واسمه هَمّام بن غالب أحد بني مُجاشع بن دَارِم بن مالك بن حَنْظلة بن مالك بن زَيْد مَناة بن تميم - يمدح سليمان بن عبد الملك بن مروان، ويهجو الحجّاج بن يوسف، ويذكر الفيل وجيشه: غِنَّى قال: إني مُرْتقٍ في السَّلالمِ فلمّا طغى الحجّاج حین طغى به إلى جبل من خَشّيَةِ الماءِ عاصمٍ فكان كما قال ابنُ نوحٍ: سأرتقي ١٣٤ عن القِبْلة البيضاء ذاتِ الْمَحَارِمِ رَمى اللَّهُ في جُثمانه مثلَ ما رَمی هَباءً، وكانوا مُطْرَخِمِّي الطَّراخِم جُنودًا تسوق الفِيلَ حتى أعادهم إليه عظيمُ المشركين الأعاجم نُصِرْتَ كنصر البيت إذ ساق فيلَه وهذه الأبيات في قصيدة له. قال ابن هشام: وقال عبد الله بن قيس الرُّقَيَّاتُ. أحدُ بني عامر بن لؤي بن غالب يذكر أبرهة - وهو الأشرم - والفيل: ـ فولى وجَيْشَهُ مَهْزومُ كاده الأشرمُ الذي جاء بالفيـ نْدل حتى كأنَّه مَرْجومُ واستهلَّتِ عليهمُ الطيرُ بالجَّـ ذاك من يَغْزُهُ من الناس يَرْجِعْ. وهوَ فَلِّ من الجيوش ذَميمُ وهذه الأبيات في قصيدة له. ولدا أبرهة: قال ابن إسحق: فلما هلك أبرهة، مَلَك الحَبشة ابنهُ يَكْسُومُ بن أبرهة، وبه كان يُكْنَى، فلما هلك يَكْسوم بن أبرهة، مَلَك اليمنَ في الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة. في أشعار هذا الكتاب الْخَرمُ في الكامِلِ، ولا يبعد أن يدخل الْخَرْمُ في مُتَفَاعل، فيحذف من السبب حَرْفٌ، كما حُذِف من الْوَتَدِ في الطويل حرف، وإذا وجد حذف السبب الثقيل كُلِّه، فأحرَى أن يجوز حذفُ حرف منه، وذلك في قول ابن مُفَرِّغ: هَامَةٌ(١) تدعو صَدَى بين الْمُشَقِّرِ (٢) واليمامة(٣) وهو من الْمُرَفَّل، والمرفلُ من الكامل. ألا ترى أن قبله: وشَرَيْتُ بُزْدًا لَيْتني من بعد بُزْدٍ كنت هَامَة فالمحذوفُ من الطويل إذا خُرم حَرْف من وتَد مجموع، والمحذوف من الكامل إذا خرم: حرف من سَبَب ثقيل، بعده سَبَبٌ خفيف، ولما كان الإضمارُ فيه كثيرًا، وهو إسكان التاء من مُتَّفاعِلن، فمن ثمَّ قال أبو علي: لا يجوز فيه الْخَرْمُ، لأن ذلك يؤول إلى الابتداء بساكن، وهذا الكلام لِمَنْ تدَبَّره بارد غَثّ؛ لأن الكلمة التي يدخلها الْخَرْمُ لم يكن قَطُ فيها إضمار نحو: تَتَكَّلوا عن بطن مكةَ، والتي يدخلها الإضمار، لا يُتَصَوَّرُ فيها الْخَرْمُ نحو: لا (١) الهامة: من طير الليل وهو الصدى. (٢) المشقر: حصن بين البحرين ونجران. (٣) اليمامة: بلد بنجد. ١٣٥ يَبْعَدَنْ قومي، ونحو قوله: ((لم تُخْلَق الشّعرى ليالي حُرِّمت)) فتعليلُه في هذا الشعر إذًا لا يفيد شيئًا، وما أبعد العربَ من الالتفات إلى هذه الأغراض التي يستعملها بعضُ النحاة، وهي أوهى من نسج الْخَزَرْنَقِ(١). وقوله : لم تُخْلَقِ الشِّغْرى ليالِيَ حُرْمت إن كان ابن الزِّبَعْرَي قال هذا في الإسلام فهو مُنْتَزَعْ من قول النبي - وَلَّم -: ((إن الله حَرَّم مكةً، ولم يحرمها الناس))(٢). ومن قوله في حديث آخر: ((إن الله حَرَّمها يوم خَلَق السماواتِ والأرض))(٣)، والتربة خُلِقت قبل خلق الكواكب، وإن كان ابن الزَّبَغْري، قال هذا في الجاهلية، فإنما أخذه - والله أعلم - من الكتاب الذي وجدوه في الحجر بالخط الْمُسْنَد حين بَنَوا الكعبة، وفيه: أنا اللَّهُ رَبُّ مكّة خلقتُها يوم خَلَقْتُ السموات والأرضَ. الحديث. وقوله: ((ولم يَعِشْ بعد الإيابِ سقيمُها)» هكذا في النسخة المقيدة على أبي الوليد المقابلة بالأصلين اللذين كانا عنده، وقابلها أبو بَخرِ - رحمه الله - بهما مرتين، وحَسِبَ بعضُهم أنه كَسْرٌ في البيت، فزاد من قِبَل نفسه، فقال: بل لم يعش. فأفسد المعنى، وإنما هو خَرْمٌ في أول القسم من عَجُز البيت كما كان في الصَّذْر من أول بيت منها. وقول قيس بن الأسلتِ: مثل لفّ الْقُزُم. الْقُزُم: صِغار الْغَنَم. ويقال: رُذَال المال، ورَزّمِ: ثبت ولزِم موضِعه، وأرْزَم من الرَّزيم، وهو صوتٌ ليس بالقوي، وكذلك صَوْتُ الفيل ضئيلٌ على عِظَمِ خِلْقَتِهِ، ويَفْرَق من الْهِرّ وينفِرُ منه، وقد احْتيلَ على الْفِيَلَةِ في بعض الحروب مع الهند. أُحضِّرتْ لها الهِرَّة، فذُعِرت ووَلَّت، وكان سببًا لهزيمة القوم. ذكره المسعودي، ونسَبَ هذه الحيلة إلى هرون بن موسى حين غزا بلادَ الهند، وأولُ مَنْ ذَلّل الفيلةَ - فيما قال الطبري - أفريدون بن أثفيان، ومعنى أثفيان: صاحب البقر، وهو أول مَن نَتَجَ البغالَ، واتخذ للخيل السروج والؤُكُفَ(٤) - فيما ذكروا - وأما أول مَن سخّر الخيلَ وركبها (فطمهورث)) وهو الثالث من ملوك الأرضٍ - فيما زعموا - وتُؤاجُ الغنم: صوتُها، ووقع في النسخة: ثَجُوا، وعليه مكتوبٌ: الصوابُ: تأجُوا كَثُواج الغنم. (١) الخزرنق: العنكبوت. (٢) ((صحيح)). أخرجه أحمد (٢٨٥/٦) والترمذي (١٤٠٦). (٣) (صحيح)). أخرجه البخاري (١٩٤/٥) وابن ماجة (٣٠٠٩) وأحمد (٣٢/٤). (٤) الوكف: جمع وكاف بردعة الحمار. ١٣٦ وقول ابن الأسْلت: فقوموا، فصَلُوا رَبَّكم وتَمَسَّخوا. سيأتي شرحُ هذه الأبيات في القصيدة حيث يذكرها ابن إسحق بكمالها - إن شاء الله. وذكر قول طالب بن أبي طالب: ((فأصبحتُم لا تمنعون لكم سَرْبًا)) ويُروى سِرْبًا بالكسر، والسَّرْب بالفتح: المالُ الراعي(١)، والسّرب بالكسر: القطيعُ من الْبَقَر والظّباء، ومن النساءِ أيضًا. قال الشاعر: فلم تَرَعَيْني مثلَ سِرْبٍ رأيتُه خَرَجْنَ عَلَيْنَا من زُقَاق ابن واقف وطالبُ بن أبي طالبٍ كان أسنَّ من عَقيلِ بعشرة أعوام، وكان عَقِيلٌ أُسَنَّ من جعفر بعشرة أعوام، وجعفر أسَنَّ من عليٍّ - رضي الله عنه - بمثل ذلك، وذكروا أن طالبًا اختطفته الجنّ، فذهب، ولم يذكر أنه أسْلَم (٢) . وذكر شعرَ أبي الصَّلْت، واسمه: ربيعةُ بن وَهْبٍ بن عِلاج. وفيه حبس الفيل بالْمُغَمِسَّ وأن كسر الميم الآخرة أشهرُ فيه. وفيه: بِمَهَاةٍ شُعَاعُهَا منشور. والْمَهَاةُ: الشمسُ، سُمِيت بذلك لصفائها، والْمَهَامِنَ الأجسام: الصافي الذي يُرى باطنُه من ظاهِره. والمهاة: الْبِلَّوْرةُ، والمهاةُ: الظّْيَة. ومن أسماءِ الشمس: الْغَزَالَةُ إذا ارتفعت، فهذا في معنى الْمهَاةِ. ومن أسمائها: الْبُتَيْرَاءُ. سُئِل عليّ بن أبي طالب - رضوان الله عليه - عن وقت صلاة الضحى، فقال: حتى ترتفع الْبُتَيْرَاءُ. ذكره الهروي والخطابي، ومن أسمائها: حَنَاذٍ، وبَراحٍ، والضّح، وذُكاء، والجارية والبيضاء، وبُوحٌ، ويقال: يوحّ بالياء، وهو قول الفارسي، وبالباء ذكره ابن الأنباري، والشّرْقُ والسّراج. وقوله: ((حَلْقَه الْجِران)) الْجِرانُ: العُنُقُ يريد: ألقى بجرانه إلى الأرض، وهذا يقوّي أنه برك كما تقدم، ألا تراه يقول: كما قُطّر(٣) من صَخْرٍ كَبْكَبٍ، وهو: جَبَلٌ. مَحدورٌ أي: حَجَرٌ حَدَرَ حتى بلغ الأرض. وقوله: ابْذَعَرُّوا: تفرقوا من ذُعْرٍ، وهي كلمة مَنْحُوتَةٌ من أصلين من الْبَذْرِ والذُّعر. وقوله: إلا دين الحنيفة. يريد: بالحنيفة: الأمة الحنيفة، أي: المسلمة التي على دين إبراهيم الحنيف - * - وذلك: أنه حَنَف عن اليهودية والنصرانية، أي عدل عنها، فسمّي حنيفًا، أو حَنَفَ عمّا كان يعبد آباؤه وقومُه. (١) المال الراعي: الماشية. (٣) قُطْر: رمی به على جانبه. (٢) تقدم التنبيه إلى خرافة خطف الجن للإنس. ١٣٧ خروج سيف بن ذي يزن وملك وهرز على اليمن سيف وشكواه لقيصر: فلما طال البلاء على أهل اليمن، خرَجَ سيفُ بن ذي يَزَنَ الْحِمْيَرِيُّ وكان يكنى وقوله في شعر الفرزدق: كما قال ابن نوح. اسمه: يام، وقيل: كنعان. وقوله: ((مُطْرَخِمْي الطَّرَاخِم)) الْمُطْرَخِمُّ: الممتلىءُ كبرًا أو غَضَبًا. والطَّرَاخِمُ: جمع مُطْرَخِمٍّ على قياس الجمع، فإن الْمُطْرخِمَّ اسمُ من ستة أحرف، فيُحذف منه في الجمع والتصغير ما فيه من الزوائد، وفيه زائدتان: الميم الأولى، والميم المدغمة في الميم الآخرة؛ لأن الحرف المضاعف حرفان، يقال في تصغير مُطْرِخُمُّ: طُرَيْخِمْ، وفي جمعه: طراخم، وفي مُسْبَطِرُ: سَبَاطِرٍ، وذكره يعقوبُ في الألفاظ بالغين، فقال: اطْرَغَمَّ الرجلُ، ولم يذكر الْخَاءَ . وذكر عبد الله بن قَيْس الرُّقَيَّات. واختلف في تلقيبه: قيس الرُقَيَّات، فقيل: كان له ثلاث جدّات كلهنّ: رقية، فمَن قال فيه: ابن الرُّقَيَّات، فإنه نسبه إلى جَدَّاته، ومَن قال: قيس الرقيات دون ذكر ابن، فإنه نِسْبَةٌ، وقيل: بل شَبَّبَ بثلاث نِسوة كلهنّ تسمى: رقية، وقيل: بل ببيت قاله وهو: ((رُقَّةُ ما رُقَّةُ ما رُقَّةُ أيها الرجل)). وقال الزبير: كان يُشبّب بِرُقَيَّةً بنت عبد الواحد بن أبي السَّرح من بني ضَباب بن حُجَيْرٍ بن عَبْد بن مَعيص، وبابنة عمِّ لها اسمها رقية، وهو ابن قيس بن شُرَيْح من بني حُجَيْر أيضًا، وحُجَيْرٌ أخو حُجْر بن عبد بن مَعَيص بن عامر رهط عَمْرو بن أُمْ مَكْتُوم الأَغْمى. وقوله: ((حتى كأنَّه مَرْجُوٌ)) وهو قد رُجِمَ، فكيف شَبَّهه بالمرجوم وهو مَرْجُومٌ بالحجارة، وهل يجوز أن يُقالَ في مقتول: كأنه مقتول؟ فنقول: لمّا ذكر استهلال الطير، وجعَلها كالسحابِ يَسْتَهِلُ بالمطرِ، والمطر ليس برجْمٍ، وإنما الرجْم بالأكُف ونحوها، شبّهه بالمرجوم الذي يرجُمه الآدميون، أو مَن يَعْقِل ويتعمّد الرجْمَ من عدُوِّ ونحوه، فعند ذلك يكونُ المقتولُ بالحجارة مَرْجُومًا على الحقيقة، ولمّا لم يكن جيش الحبشةِ كذلك، وإنما أُمْطِروا حجارةٌ فمن ثمّ قال :. كأنه مرجوم. سيف بن ذي يزن و کسری وذکر سيف بن ذي يزن وخبره مع النعمان وکسری، وقد ذكرنا قصته في أول حديث الحبشة، وأنه مات عند كسرى، وقام ابنهُ مقامه في الطلب، وهو سَيْفُ بن ذي يَزّن بن ذي أصْبَح بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن عبد شمس بن ١٣٨ بأبي مُرّة، حتى قَدِمَ على قيصر ملك الرّوم، فشكا إليه ما هم فيه، وسأله أن يخرجهم عنه، ويَلِيَهم هو، ويبعث إليهم مَنْ شاء من الروم، فيكون له ملك اليمن، فلم يُشْكِه. شفاعة النعمان لدى كسرى: فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر - وهو عامل كسرى على الحيرة، وما يليها من أرض العراق - فشكا إليه أمرَ الحبشة، فقال له النعمان: إن لي على كسرى وِفادةً في كلّ عام، فأقِمْ حتى يكون ذلك، ففعل، ثم خرج معه فأدخله على كسرى، وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه، وكان تاجه مثل القَنْقَل العظيم - فيما يزعمون - يُضرب فيه الياقوت واللؤلؤ والزبرجد بالذهب والفضة، مُعَلَّقًا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك، وكانت عُنقه لا تحمل تاجَه، إنما يُستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك، ثم يُدخِل رأسَه في تاجه، فإذا استوى في مجلسه كُشِفت عنه الثيابُ، فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك، إلا بَرَك هيبةً له، فلما دخل عليه سيفُ بن ذي يزن بَرَك. کسری یعاون ابن ذي یزن: قال ابن هشام: حدّثني أبو عبيدة: أن سَيْفًا لما دخل عليه طأطأ رأسَه، فقال الملك: إن هذا الأحمق يدخل عليّ من هذا الباب الطويل، ثم يطأطىء رأسَه؟! فقيل ذلك لسَيْف، فقال: إنما فعلتُ هذا لهمّي، لأنه يَضِيق عنه كلُّ شيء. قال ابن إسحاق: ثم قال له: أيها الملك، غَلَبَتْنا على بلادنا الأغْرِبَةُ، فقال له كِسْرى: أيّ الأغربة: الحَبشة أم السِّند؟ فقال: بل الْحَبَشَة، فجئتك لتَنْصُرني، ويكون مُلْك بلادي لك، قال: بَعُدت بلادُك مع قلّة خَيْرها، فلم أكن لأوَرِّطَ جيشًا من فارس بأرض العرب، لا حاجة لي بذلك، ثم أجازه بعشرة آلاف درهم وافٍ، وكساه كُسْوةً حسنة، فلما قبض ذلك منه سَيْفُ خرج، فجعل ينثر ذلك الوَرِقَ للناس، فبلغ ذلك الملكَ، فقال: إن لهذا لشأنًا، ثم بعث إليه، فقال: عَمَدت إلى حِباء الملك تَنْثُره للناس، فقال: وما أصنع بهذا؟ ما جبال أرضي التي حثتُ منها إلا ذهَبٌ وفضّة - يرغبه فيها - وائل بن الغَوْث بن قَطَن بن عَرِيب بن زهير بن أيْمَنُ بن الْهَمَيْسَع بن الْعَرَنْجَحِ وهو: حِمْيَرُ بن سبأ، وكسرى هذا هو: أنُو شروان بن قُبَاذ، ومعناه مُجَدِّدُ الْمَّلك، لأنه جَمَّع مُلكَ فارسٍ بعد شتاتٍ. والثُّعمانُ: اسمٌ منقول من النُّعْمانِ الذي هو الدمُ. قاله صاحبُ العين، والْقَنْقَلُ الذي شبّه به التاج هو مِكيال عظيم. قال الراجز يصف الْكَمْأَةَ: مالك لا تَجْرُفُها بالْقَتْقَل لا خير في الْكَمْأَةِ إنْ لم تَفْعل ١٣٩ فجمع كسرى مَرَازِبَتَهُ، فقال لهم: ماذا تَرَوْن في أمر هذا الرجل، وما جاء له؟ فقال قائل: أيها الملك، إن في سُجونك رجالاً قد حبستَهم لِلْقَتْل، فلو أنك بعثتَهم معه، فإنْ يَهْلِكوا كان ذلك الذي أردتَ بهم، وإن ظَفِروا كان مُلْکًا ازددتَه، فبعث معه کسری مَنْ كان في سجونه، وكانوا ثمانمائة رجل. انتصار سيف وقول الشعراء فيه: واستعمل عليهم رجلاً يقال له وَهْرِز، وكان ذا سنّ فيهم، وأفضلهم حسبًا وبَيْتًا، فخرجوا في ثمان سفائن، فغَرقت سفينتان، ووصل إلى ساحل عَدَن ستُّ سفائن، فجمع سَيْف إلى وَهَرِزِ مَن استطاع من قومه، وقال له: رِجْلي مع رِجلك حتى نموت جميعًا، أو نظفر جميعًا. قال له وهرِز: أنصفتَ، وخرج إليه مَسْروق بن أبرهة ملك اليمن، وجمع إليه جندَه، فأرسل إليهم وَهرِز ابنًا له؛ ليقاتلهم، فيختبر قتالهم، فقُتِل ابنُ وَهْرِز، فزاده ذلك حَنَقًّا عليهم، فلما تواقف الناس على مَصَافْهم، قال وَهْرَز: أُرُونِي مَلِكَهم، فقالوا له: أترى رجلاً على الفِيل عاقدًا تاجَه على رأسه، بين عَيْنَيْه ياقوتةٌ حمراء؟ قال: نعم، قالوا: ذاكَ مَلِكُهم، فقال: اتركوه، قال: فوقفوا طويلاً، ثم قال: عَلام هو؟ قالوا: قد تحوّل على الفَرَس، قال: اتركوه. فوقفوا طويلاً، ثم قال: عَلام هو؟ قالوا: قد تحوّل على البغلة. قال وَهْرَز: بنتُ الحمار ذلّ وذَلَّ مُلْكُه، إني سأزميه، فإن رأيتم أصحابَه لم يتحرّكوا، فاثبتُوا حتى أُوذِنَكم، فإني قد أخطأتُ الرجل، وإن رأيتمُ القومَ قد استداروا ولاثوا به، فقد أصبتُ الرجل، فاحملوا عليهم. ثم وَتَّرَ قوسَه، وكانت فيما يزعمون لا يُوَتِّرُها غيرُه من شدتها، وأمر بحاجِبَيْه، فعُصِّبا له، ثم رماه، فصَكّ الياقوتةَ التي بين عينيه، فتغلغلت النُّشَّابَةُ في رأسه حتى خرجت من قفاه، وفي الغربيين للهروي: الْقَنْقَلِ: مِكيالٌ يسع ثلاثة وثلاثين مَنّا، ولم يذكر كم الْمَنَا، وأحسبه وزن رطلين، وهذا التاجُ قد أتى به عُمَر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين استلب مِنْ يَزْدَجِرْد بن شهريار، تصيَّرَ إليه من قبل جدّه أنو شروان المذكور، فلما أتى به عمر رضي الله عنه، دعا سُراقةً بن مالك الْمُذلجِيِّ، فحلاه بأسْوِرَةٍ كسرى، وجعل التاج على رأسه، وقال له: ((قل: الحمد لله الذي نّزَع تاجَ كسرى، مَلِك الأمْلاكِ من رأسه، ووضعه في رأس أعرابي من بني مُذْلِج، وذلك بعزّ الإسلام وبركته لا بِقُوَّتنا)) وإنما خَصَّ عمر سُراقة بهذا؛ لأنَّ رسول الله - وََّ - كان قال له: ((يا سُراقُ كيف بك إذا وُضِع تاجُ كسرى على رأسِك وإسْوارُه في يديك))(١) أو كما قال ◌َله. (١) أخرجه البيهقي في الدلائل (١٣١/٣). ١٤٠