النص المفهرس
صفحات 81-100
رجال حِمْير، وخرج الْحَبْران بمصاحفهما (١) في أعناقهما تَعْرَق جباههما لم تضرّهما، فأصفقت عند ذاك حمير على دينه، فمن هنالك، وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن. قال ابن إسحاق: وقد حدّثني محدّث(٢) أن الحَبْرين، ومَنْ خرج من حمير، إنما اتبعوا النار، ليردّوها، وقالوا: مَن ردّها فهو أولى بالحق، فدنا منها رجال من حمير بأوثانهم، ليردوها فدنت منهم لتأكلهم، فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردّها، ودنا منها الحَبْران بعد ذلك، وجعلا يتلوان التوراة وتنكُص عنهما، حتى ردّاها إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما. والله أعلم أيّ ذلك كان. الزَّبْنِ(٣)، والنسب إليه زَبَانيٍّ على غير قياسٍ. ولو سُمِّي به رجلٌ لقيل في النسب إليه. زَبَنيٌّ على القياس. قال سيبويه: الأَحب بالحاء المهملة. يقوله أهل النسب، وأبو عُبَيْدة يقوله بالجيم، وإنما قالت بنت الأحب هذا الشعرَ في حربٍ كانت بَيْن بني السَّبَّاقِ بن عبد الدار، وبين بني علي بن سَعْد بن تميم حتى تَفَانَوا. ولحقت طائفة من بني السَّباق بَعكٌّ. فهمُ فيهم. قال: وهو أول بَغْي كان في قريش. وقد قيل: أول بغي كان في قريش بغي الأقايِش، وهم بنو أَقَيْش من بنّي سَهْم، بغى بعضُهم على بعض، فلما كثر بغيُهم على الناس أرسل الله عليهم فأرةً تحمل فَتيلَةً، فأخرقت الدار التي كانت فيها مساكنُهم، فلم يبق لهم عَقِبٌ. كسوة الكعبة : وقولها: وكسا بَنِيَّتها الْحَبِير. تريد: الْحَبِرَاتِ(٤) والرحيضُ من الشعير أي الْمُنَقَّى والمصفّى منه، وقال ابن إسحق في غير هذا الموضع: أول مَن كسا الكعبة الديباجَ: الحجاجُ، وذكر جماعةٌ سواه مِنهم الدَّارَقُطْنِيّ. فُتَّيْلَة بنت جَنَاب أُم العباس بن عبد المطلب. كانت قد أضلَّت العباسَ صَغيرًا، فنزرت: إن وجدتْه أن تكسوَ الكعبةً الديباجَ، ففعلت ذلك حين وجدته. وكانت من بيت مملكةٍ، وسيأتي ذكر نسبها فيما بعدُ - إن شاء الله . وقال الزبير النسَّابة: بل أول مَن كساها الدّيباج عبدُ الله بن الزَّبير(٥). (١) بمصاحفهما: أي بكتبهما. وهي التوراة. (٣) الزبن: الدفع. يقال: الحرب تزيّن الناس إذا صدمتهم. انظر مقاييس اللغة لابن فارس (٤٦/٣). (٢) مجهول. (٤) الحبرات: جمع حبرة - نوع من الثياب المخططة. (٥) وذكر الواقدي أن أول مَن كساها الديباج هو يزيد بن معاوية، واتّبع ابن الزبير أثره. ٨١ الروض الأنف/ ج ١/ م ٦ مصير رئام قال ابن إسحاق: وكان رئام بيتًا لهم يعظّمونه، وينحرون عنده، ويكلَّمون منه، إذ كانوا على شركهم، فقال الحَبْران لتُبَّع: إنما هو شيطان يفتنهم بذلك فخلّ بيننا وبينه، قال: فشأنكما به، فاستخرَجا منه - فيما يزعم أهل اليمن - كلبًا أسود فذبحاه، ثم هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم - كما ذُكر لي - بها آثار الدماء التي كانت تُهْرَاق عليه. ملك حسان بن تبان وقتل عمرو أخيه له: فلما ملك ابنه حسان بن تُبان أسعد أبي كَرِب، سار بأهل اليمن، يريد أن يطأ به أرضَ العرب، وأرضَ الأعاجم، حتى إذا كانوا ببعض أرض العراق - قال ابن هشام: بالبَخرين، فيما ذَكّر لي بعضُ أهل العلم - كرهتْ حِمْير وقبائلُ اليمن المسيرَ معه، وأرادوا الرّجعة إلى بلادهم وأهلهم، فكلّموا أخًا له يقال له عمرو، وكان معه في جيشه، فقالوا له: اقتل أخاك حسَّان، ونملكك علينا، وترجع بنا إلى بلادنا، فأجابهم، فاجتمعت على ذلك إلاّ ذا رُعَين الحميريّ، فإنه نهاه عن ذلك فلم يقبل منه. فقال ذو رُعَین : سَعيدٌ مَن يبيت قريرَ عَيْن ألا مَنْ يَشْترِي سَهَرًا بنومٍ رئام وذكر البيت الذي كان لهم يقال له: رِئام، وهو فِعال من رَئِمت الأنثى ولدها تَرْأَمُه رِثْمًا ورِثَامًا: إذا عطفت عليه ورحمته. فاشْتقّوا لهذا البيتِ اسمًا لموضِع الرحمة التي كانوا يلتمسون في عبادته، والله أعلم. وفي رواية یونس عن ابن إسحق أن رِئامًا كان فيه شيطان، وكانوا يَمْلؤون له حیاضًا من دماء القربانِ، فيخرج فيصيب منها، ويكلمهم، وكانوا يعبدونه، فلما جاء الْحَبْران مع تُبَّع نشرا التوراةً عنده، وجعلا يقرآنها؛ فطار ذلك الشيطانُ حتى وقع في البحر. لغة ونحو: وقوله في حديث عَمْرو أخي حسان وهو الذي كان يقال له: مَوْثَبَان(١) وقد تقدم: لِمَ لُقِّب بذلك. وقول ذِي رُعَيْن له في البيتين: ألاَ مَنْ يشتري سهرًا بنوم سَعيدٌ مَنْ يبيت قرير عَيْن(٢) (١) عند الطبري (٤٣٣/١) أنه سُمِّ بذلك لأنه وثب على أخيه حسان لقتله. (٢) انظر الطبري (٤٣٢/١). ٨٢ فإمَّا حِميّرٌ غدرتْ، وخانت فمعذرةُ الإله لذي رُعَيْنِ (١) ثم كتبهما في رقعة، وختم عليها، ثم أتى بهما عَمْرًا، فقال له: ضع لي هذا الكتاب عندك، ففعل، ثم قتل عمرو أخاه حسَّان، ورجع بمَن معه إلى اليمن. فقال رجل من حمیر: لاهِ عينا الذي رأى مثل حسان قتيلاً في سالف الأحقابٍ(٢) معناه: أمَنْ يَشْتري، وحَسُن حَذْف ألِف الاستفهام ههنا لتقدم همزةٍ ألا. كما حَسُن في قول امرىءٍ القيس: أحَارِ تَرِى بَرْقًا أريكَ وَميضَه. أراد: أترى وفي البيت حَذْفٌ تقديرُه: بل مَنْ يبيت قرير عين هو السعيد. فحذف الخبر لدلالةِ أول الكلام عليه. وفي كتاب ابن دريد: سَعيدٌ أمْ يَبيت بحذف مَنْ، وهذا من باب حذف الموصوف، وإقامة الصفةُ مقامه؛ لأن من ههنا نكرة موصوفة، ومثله قول الراجز: لو قلت ما في قَوْمِها لم تأثم يَفْضُلها في حَسَبٍ ومِيسَم أي: مَن يَفْضُلها، وهذا، إنما يوجد في الكلام إذا كان الفعل مضارعًا لا ماضيًا، قاله ابن السراج وغيرُه. وذُو رُعَيْنٍ تصغيرُ رَعْن، والرَّعْنُ: أنفُ الْجبل، ورُعَيْن جَبَل باليمن قاله صاحب العين، وإليه يُنسب ذُو رُعَيْن(٣) . وقوله في الأبيات بعد هذا: لاهٍ(٤) مَن رأى مثل حَسَّان أراد لِلَّهِ وحذف لامَ الْجَرّ واللامَ الأُخرى مع ألف الوصل، وهذا حذف كثير. ولكنه جاز في هذا الاسم خاصةً لكثرة دوره على الألسنة. مثل قول الفرّاء: لِهَنَّك مِنْ بَرقٍ علي كريم. أراد: والله إنَّكَ. وقال بعضهم: أراد لأَنَّك وأبدل الهمزة هاءَ. وهذا بعيد، لأن اللامَ لا تجمع مع إنّ، إلا أن تؤخَّر اللام إلى الخَبر، لأنهما حرفان مؤكدان، وليس انقلاب الهمزة هاءَ بمُزيلِ العلةَ المانعةَ من اجتماعهما . (١) انظر تاريخ الطبري (٤٣٢/١). (٢) الأحقاب: الأزمان. قال تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابًا﴾ [النبأ: ٢٣]. (٣) انظر مقاييس اللغة (٤٠٧/٢). (٤) لاه: أي تحيّر. انظر ((اللباب في تفسير فاتحة الكتاب)) للمحقّق. ٨٣ قتلته مَقاوِل خشيةَ الحَبس غداةٌ قِلُوا: لبَابِ لبَابٍ ميْتُكُمْ خيرُنا وَحَيْكُم ربَّ عليْنا، وكُلُكُمْ أزبابي(١) قال ابن إسحاق: وقوله: لباب لباب: لا بأس لا بأس، بلغة حمير. قال ابن هشام: ویروی: لِباب لِباب. هلاك عمرو: قال ابن إسحاق: فلما نزل عمرو بن تُبَان اليمنَ مُنع منه النوم، وسُلِّط عليه السهر، فلما جَهَدَه ذلك سأل الأطباءَ والحُزاة من الكهَّان والعرَّافين عما به، فقال له قائل منهم: إنه ما قتل رجل قطُّ أخاه، أو ذا رَحِمه بغيًا على مثل ما قتلتَ أخاك عليه، إلا ذهب نومُهُ، وسُلِّط عليه السهر، فلما قيل له ذلك جعل يقتل كلّ مَن أمره بقتل أخيه حسَّان من أشراف اليمن، حتى خلَص إلى ذي رُعَين، فقال له ذو رُعَين: إن لي عندك براءةً، فقال: وما هي؟ قال: الكتاب الذي دفعتُ إليك، فأخرجه فإذا البيتان، فتركه، ورأى أنه قد نصحه. وهلك عمرو، فَمَرِج أمْرُ حِمير عند ذلك وتفرَّقوا. المقاول(٢): وقوله: قتلته المقاول: يريد الأقيالَ، وهم الذين دون التّبَابعة واحدهم: قَيْل مثل سيّد، ثم خفّف واستعمل بالياء في إفراده وجمعه، وإن كان أصله الواو، لأنّ معناه: الذي يقول ويُسمع قولُه، ولكنهم كرِهوا أن يقولوا: أقوال، فيلتبس بجمع قول، كما قالوا: عِيد وأعياد، وإن كان مَن عادَ يُعُود لكن أماتوا الواوَ فيه إماتة، كي لا يُشبه جمعَ العود، وإذا أرادوا إحياء الواو في جمع قيل، قالوا: مَقاول كأنه جمع مِقْوَل، أو جمع: مَقال ومقالة، فلم يبعدوا من معنى القول، وأمِنوا اللَّبْسَ، وقد قالوا: محاسن ومذاكر لا واحدَ لها من لفظها، وكأنهم ذهبوا أيضًا في مقاول مذهب الْمَرازِب، وهم ملوك العجم، والله أعلم. على أنهم قالوا: أقيال وأقوال، ولم يقولوا في جمع عيد إلا أعياد، ومثل عيدٍ وأعياد. ريح وأرياح في لغة بني أسدٍ، وقد صَرَّفوا من الْقَيْلِ فعلاً، وقالوا: قال علينا فلان، أي: مَلَك والقِيالة: الإمارة، ومنه قول النبي - وَّر- في تسبيحه الذي رواه التّرمِذي: ((سبحان (١) انظر تاريخ الطبري (٤٣٢/١). (٢) المقاول: القاف والياء واللام أصلُ كلمة الواو، وإنما كُتِب ماهنا للفظ. فالقيل: الملك من ملوك حمير وجمعه أقيال. ومَن جمعه على الأقوال فواحدهم قَيِّل بتشديد الياء. انظر مقاييس اللغة (٤٤/٥ - ٤٥). ٨٤ خبر لخنيعة وذي نواس فوثب عليهم رجل من حِمْير لم يكن من بيوت المملكة، يقال له: لَخْنيعة ينوف ذو شَناتر، فقتل خيارَهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، فقال قائل من حِمْير للخنيعة: وتبني بأيديها لَهَا الذلَّ حِمْيَرُ تُقتِّلُ أبناءها وتَنْفِي سَرَّاتَهَا وما ضيَّعت من دينها فهو أكثر تُدَمِّر دُنْياها بطَيْش حُلُومها وإسرافها تأتي الشرورَ فتخسر كذلك القُرون قبل ذاك بظُلمها الذي لبس العزّ، وقال به))(١). أيْ مَلَك به وقهر. كذا فسره الْهَرَوِيُّ فِي الْغَريبين. خبر لخنيعة وذي نواس وقال فيه ابن دريد: لخَنيعة وقال: هو من اللَّخَع، وهو استرخاءٌ في الْجِسم(٢)، وذُو شَنَاتر. الشَّنَاتِرُ: الأصابع بلغة حِمْير، واحدُها: شُنْتُرةُ، وذُو نواس(٣) اسمه: زُرْعَة، وهو من قولهم للغلام: زَرَعك اللَّهُ، أي أنبتك، وسُمُّوا بزارع كما سُمُّوا بنابت، وقال الله تعالى: ﴿أَنْتُمْ تَزْرَعُونه أمْ نحن الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٤] أي: تنبتونه، وفي مُسْنَد وكيع بن الجراح عن أبي عبد الرحمن الْجَبْليّ أنه كان يكره أن يقول الرجل: زَرَعت في أرضي كذا وكذا، لأن اللَّهَ هو الزارع، وفي مسند الْبَزَّار - مرفوعًا - إلى النبي - ◌َّه - النهيُ عن ذلك أيضًا(٤)، وقد تكلمنا على وجه هذا الحديث، في غير هذا الإملاء فقد جاء في الصحيح: ((ما من مُسْلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا)) الحديث(٥). وفي كتاب الله أيضًا قال: ﴿تَزْرَعُون سَبْع سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: ٤٧]، وسُمِّي ذا نواس بغديرتين كانتا له تَنوسان، أي ضفيرتان من شعر، والنَّوْسُ: الحركة والاضطرابُ فيما كان متعلّقًا، قال الراجز: على البعير نائسًا ذَّبَاذِبي لو رأتني والنعاسُ غالِبي (١) ((إسناده ضعيف)). أخرجه الترمذي (٣٤١٩) من حديث ابن عباس. مطوّلاً. وفيه ((سبحان الذي تعطف العز وقال به، سبحان الذي لبس المجد وتكرّم به)). قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي ليلى من هذا الوجه. وفيه ابن أبي ليلى: ضعيف. وداود بن علي بن عبد الله بن عباس. مقبول. التقريب (٢٣٣/١). (٢) لخع: اللام والخاء والعين كلمة واحدة. قال ابن دريد: اللخع: استرخاء في الجسم. مقاييس اللغة (٢٤١/٥). (٣) نوس: النون والواو والسين أصلّ يدل على اضطراب وتذبذب. وسُمِّي أبو نواس لذؤابتين له كانتا تنوسان. مقاييس اللغة (٣٦٩/٥). (٤) أخرجه البزار (٩٦/٢). (٥) أخرجه البخاري (١٣٥/٣) ومسلم في المساقاة (١٢) والترمذي (١٣٨٢) وأحمد (٢٢٩/٣). ٨٥ فسوق لخنيعة : وكان لخنيعة امرأً فاسقًا يعمل عملَ قوم لوط، فكان يُرسل إلى الغلام من أبناء الملوك، فيقع عليه في مَشْرُبة له قد صنعها لذلك، لئلاَّ يَمْلِك بعد ذلك ثم يطلُع من مشرُبته تلك إلى حَرَسه ومَن حضر من جنده، قد أخذ مِسْواكًا، فجعله فِي فِيْه، أي: ليُعَلمهم أنه قد فرغ منه، حتى بعث إلى زُرعةَ ذي نُواس بن تُبان أسعد أخي حسَّان، وكان صبيًّا صغيرًا حين قُتل حسَّان، ثم شبّ غلامًا جميلاً وسيمًا، ذا هيئة وعقل، فلما أتاه رسولُه، عرف ما يريد منه، فأخذ سكينًا جديدًا لطيفًا، فخبَّأه بين قدمه ونعله، ثم أتاه، فلما خلا معه وثب إليه فواثبه ذو نواس، فَوَجَأَهُ حتى قتله. ثم حزّ رأسه، فوضعه في الكُوّة التي كان يُشرف منها، ووضع مِسْواكَه في فيه، ثم خرج على الناس، فقالوا له: ذا نواس أرَطْب أم يَباس؟ فقال: سَلْ نَخْماس اسْتُرْطُبان ذو نواس. استرطبان لا بأس. قال ابن هشام: هذا كلام حِمْير. ونخماس: الرأس. فنظروا إلى الكوّة فإذا رأس لَخْنيعة مقطوع، فخرجوا في إثر ذي نواس حتى أدركوه، فقالوا: ما ينبغي أن يملكنا غيرك، إذ أرَختنا من هذا الخبيث. يريد: ذَبَاذِبَ الْقميص، وقال ابن قتيبة: أراد بالذَّبَاذِب مَذاكيرَه، والأَوَّلُ أشبهُ بالمعنى. وذكر قول ذي نواس للحرس حين قالوا له: أَرَطْبٌ أم يَبَاسُ، والْيَبَاسُ والْيَبيسُ: مثل الكِبار والْكَبير فقال لهم: سَلْ نَخماسَ، والنَّحماسُ في لغتهم هو الرَّأس كما ذكر، ووقع في نسخة أبي بحر التي قيّدها على أبو الوليد الوقشي: نَخْماس بنون وخاء منقوطة، ولعل هذا هو الصحيح إذ يحتمل أن يكون النخماس في لغتهم هو: الرأس ثم صُحِّف وقيده كراع بالتاء المنقوطة باثنتين من فوق والحاء المهملة - فيما ذُكر لي - وقوله: اسْتُرْطُبَان إلى آخر الكلام مُشكِل يفسّره ما ذكره أبو الْفَرَج في الأغاني قال: كان الغلامُ إذا خرج من عند لَخْنيعة، وقد لاَطَ به قطعوا مَشافِرَ ناقته وذَنبها: وصاحوا به: أرَطْبٌ أم يَبَاس، فلما خرج ذو نواس من عنده، وركب ناقةً له يقال لها: السَّراب؛ قالوا: ذا نواس أرَطْبٌ أم يَبّاس، فقال: ((ستعلم الأحراسُ اسْتَ ذي نُواس اسْتِ رَطْبَان أم يَبَاسَ)) فهذا اللفظ مفهومٌ. والذي وقع في الأصل هذا معناه، ولفظه قريب من هذا، ولعله تغيير في اللفظ - والله أعلم - وكان ملك لَخْنِيعَة سبعًا وعشرين سنةً، وملك ذو نواس بعده ثمانيًا وستين سنة. قاله ابن قُتَيْبَةٍ(١). (١) انظر تاريخ الطبري (٤٣٣/١). الكامل في التاريخ لابن الأثير (٣٢٨/١). ٨٦ ملك ذي نواس : فملَّكُوه، واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن، فكان آخرَ ملوك حمير. وهو صاحب الأخدود، وتسمَّى: يوسف، فأقام في ملكه زمانًا. بقايا من أهل دين عيسى بنجران: وبنّجْران بقايا من أهل دين عيسى ابن مريم عليه السلام على الإنجيل. أهل فضل واستقامة من أهل دينهم، لهم رأس يقال له: عبد الله بن الثامر. وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان، وأهلُها وسائرُ العرب كلها أهل أوثان يعبدونها، وذلك أن رجلاً من بقايا أهل ذلك الدين يقال له: فَيْمِيُون، وقع بين أظهرهم، فحملهم عليه. فدانوا به. ابتداء وقوع النصرانية بنجران حديث فيميون قال ابن إسحق (١): حدثني المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخْنَس عن وهب بن مُنَبِّه اليماني أنه حدّثهم أن موقع ذلك الدين بنجران كان أنَّ رجلاً من بقايا أهل دين عيسى ابن مريم يقال له فَيْمِيُون، وكان رجلاً صالحًا مجتهدًا زاهدًا في الدنيا، مُجاب الدعوة، حدیث فيمؤن ويُذكَر عن الطبري أنه قال فيه: قيمؤن بالقاف، وشك فيه، وقال الْقُتَبِيُّ فيه: رجل من آل جَفْنَةَ من غَسَّان جاءهم من الشام، فحملهم على دين عيسى - عليه السلام - ولم يسَمِّه، وقال فيه النقاش: اسمُه: يحيى، وكان أبوه ملكًا فتوفي، وأراد قَومُه أن يملُكوه بعد أبيه، ففر من الملك، ولزم السّيّاحة(٢)، وذكر الطبري قصة الرَّجُلِ الذي دعا لابنِهِ، فشُفي بأتم مما ذكرها ابنُ إسحق، قال: فيمؤن حين دخل مع الرجل، وكشف له عن ابنه: ((اللَّهمَّ عبدٌ من عبادك دخل عليه عدوُك في نعمتك، ليفسدَها عليه، فاشفه وعافه وامنعه منه))(٣)، فقام الصبي: ليس به بأس، فتبين من هذا أن الصبيَّ كان مجنونًا لقوله: دخل عليه عدوُك، يعني: الشيطان، وليس هذا في حديث ابن إسحق. (١) انظر تاريخ الطبري (٤٣٤/١). (٢) السياحة في الأرض: الانتقال فيها من بلد إلى بلد. (٣) الطبري (٤٣٤/١). ٨٧ وكان سائحًا ينزل بين القرى، لا يُعْرَف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يُعرف بها، وكان لا يأكل إلا من كَسْب يديه. وكان بنَّاء يعمل الطين، وكان يعظّم الأحد، فإذا كان يوم الأحد لم يعمل فيه شيئًا، وخرج إلى فَلاة من الأرض يصلّي بها حتى يُمسي. قال: وكان في قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفيًا، ففَطِن لشأنه رجلٌ من أهلها يقال له: صالح، فأحبَّه صالح حبًّا لم يحبَّه شيئًا كان قبله. فكان يتبعه حيث ذهب. ولا يفطن له فَيْميون، حتى خرج مرة في يوم الأحد إلى فلاة من الأرض. كما كان يصنع، وقد اتّبعه صالح وفَيْمُيُون لا يدري - فجلس صالح منه منظر العين مستخفيًا منه. لا يحبّ أن يعلم بمكانه، وقام فيميون يصلّي، فبينما هو يصلّي إذ أقبل نحوه الّين - الحية ذات الرؤوس السبعة - فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت، ورآها صالح ولم يدرِ ما أصابها، فخافها عليه. فعِيلَ عَوْلُه. فصرخ: يا فَيْمِيُون! التنين قد أقبل نحوك، فلم يلتفت إليه، وأقبل على صلاته حتى فرغ منها وأمسى، فانصرف، وعَرَف أنه قد عُرِف، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه. فقال له: يا فيميون! تعلم والله أني ما أحببت شيئًا قطّ حبَّكَ، وقد أردت صحبتك، والكينونة معك حيث كنت، فقال: ما شئت. أمري كما ترى، فإن علمتَ أنك تقوى عليه فنعم، فلزمه صالح، وقد كاد أهل القرية يفطنون لشأنه، وكان إذا فاجأه العبدُ به الضُّرّ دعا له فشُفي، وإذا دُعِيَ إلى أحد به ضرّ لم يأته، وكان لرجل من أهل القرية ابنّ ضرير، فسأل عن شأن فَيميون، فقيل له: إنه لا يأتي أحدًا دعاه، ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر فعمد الرجل إلى ابنه ذلك، فوضعه في حُجرته، وألقى عليه ثوبًا، ثم جاءه فقال له: يا فيميون، إني قد أردت أن أعمل في بيتي عملاً، فانطلق معي إليه حتى تنظر إليه، فأُشارطك عليه، فانطلق معه حتى دخل حجرته، ثم قال له: ما تريد أن تعمل في بيتك هذا؟ قال: كذا وكذا، ثم انتَشَطَ الرجلُ الثوبَ عن الصبيّ ثم قال له: يا فيميون، عبد من عباد الله أصابه ما ترى، فادع الله له، فدعا له فَيْمِيُون، فقام الصبيّ ليس به بأس، وعرف فيميون أنه قد عُرِف، فخرج من القرية، واتبعه صالح، فبينما هو يمشي في بعض وذكر ابن إسحق في الرواية الأخرى عن محمد بن كعب الْقُرَظِيّ، وعن بعض أهل نَجْران، وما ذكروه من خبر فيمؤن، قال: ولم يُسَمُّوه لي بالاسم الذي سمّاه ابن مُنَبِّه. قال المؤلف رحمه الله: يحتمل أنهم سَمَّوْه: يحيى، وهو الاسم الذي تقدم ذكرُه، وما قاله النقاش والقُتّبيُّ. وفيه ذكر قرية نجران في هذا الحديث، ونجرانُ اسمُ رجل كان أول مَن نزلها، فسُمِّيت به، وهو نَجْران بن زَيْد بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان. قاله البكري. ٨٨ الشام، إذ مرَّ بشجرة عظيمة، فناداه منها رجل، فقال: يا فيميون. قال: نعم. قال: ما زلتُ أنظرك، وأقول: متى هو جاء؟ حتى سمعت صوتك، فعرفت أنك هو. لا تَبْرَخ حتى تقوم عليّ، فإني ميت الآن. قال: فمات، وقام عليه حتى واراه ثم انصرف، وتبعه صالح، حتى وطئا بعضَ أرض العرب، فعدوا عليهما، فاختطفتهما سيّارة من بعض العرب، فخرجوا بهما، حتى باعوهما بنَجْران، وأهلُ نجران يومئذ على دين العرب، يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم، لها عيد في كل سنة، إذا كان ذلك العيد علَّقُوا عليها كل ثوب حسن وجدوه، وحليّ النساء ثم خرجوا إليها، فعكفوا عليها يومًا. فابتاع فيميونَ رجلٌ من أشرافهم، وابتاع صالحًا آخرُ، فكان فيميون إذا قام من الليل - يتھجَّد في بيت له أسكنه إياه سيده - يصلّي، استسرج له البيت نورًا، حتى يصبح من غير مصباح، فرأى ذلك سيدُه، فأعجبه ما يرى منه، فسأله عن دينه، فأخبره به، وقال له فَيْمِيُونُ: إنما أنتم في باطل. إن هذه النخلة لا تضرّ ولا تنفع، ولو دعوت عليها إلهي الذي أعبده، لأهلكها، وهو الله وحده لا شريك له، قال: فقال له سيده: فافعل، فإنك إن فعلت دخلنا في دينك، وتركنا ما نحن عليه. قال: فقام فيميون، فتطهّر وصلَّى ركعتين، ثم دعا الله عليها، فأرسل الله عليها ريحًا فجَعَفَتْها من أصلها فألقتها فاتبعه عند ذلك أهلُ نَجْران على دينه، فحملهم على الشريعة من دين عيسى ابن مريم عليه السلام، ثم دخلت عليهم الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض، فمن هنالك كانت النصرانية بِنَجْرَان في أرض العرب. قال ابن إسحاق: فهذا حديث وَهْب بن مُنَبِّه عن أهل نجران(١). وذكر أصحاب الأخدود، وما أنزل الله تعالى فيهم، وقد روى ابن سنجر عن جُبَيْر بن نُفَيْر، قال: الذين خددوا الأخدود ثلاثةٌ: تُبَّعْ صاحب اليمن، وقُسْطَتْطِينُ بن هِلاني - وهي أُمُّه حين صرف النصارى عن التوحيد، ودينِ المسيح إلى عبادة الصليب، وبُخْتُتَصَّرُ من أهل بابل حين أمر الناس أن يَسْجدوا إليه، فامتنع دانيالُ وأصحابُه، فألقاهم في النار، فكانت بردًا وسلامًا عليهم، وحرق الذين بغَوا عليهم. (١) انظر الطبري (٤٣٤/١ - ٤٣٥) وتاريخ ابن الأثير (٣٢٨/١ - ٣٣٠). ٨٩ أمر عبد الله بن الثامر، وقصة أصحاب الأخدود فيميون والساحر : قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القُرَظيّ، وحدّثني أيضًا بعض أهل نَجْران عن أهلها: أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها قريبًا من نَجْران - ونجرانُ: القرية العُظْمى التي إليها جِمَاعُ أهل تلك البلاد - ساحرٌ يعلّم غلمان أهل نجران السحرَ، فلما نزلها فَيْمِيُون - ولم يسمُّوه لي باسمه الذي سمّاه به وَهْب بن مُنَبِّه، قالوا: رجل نزلها - ابتنى خيمة بين نجران، وبين تلك القرية التي بها الساحر، فجعل أهل نجران يُرْسِلون غلمانهم إلى ذلك الساحر، يعلمهم السحر، فبعث إليه الثَّامرُ ابنَه عبدَ الله بن الثامر مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مرّ بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى منه من صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه، ويسمع منه حتى أسلم، فوحّد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فَقُه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم - وكان يعلَمه ــ فكتمه إياه وقال له: يا بن أخي إنك لن تحملَهُ، خبر ابن الثامر التفاضل بين الأسماء الإلهية: وذكر فيه الاسم الأعظم، وقول الراهب له: إنك لن تطيقَه. أي: لن تطيق شروطَه، والانتهاض بما يجب من حقه، وقد قيل في قوله الله تعالى: ﴿وقال الذي عنده عِلمٌ من الكتاب﴾ [النمل: ٤٠] إنه أُوتي الاسمَ الأعظمَ الذي إذا دعى اللَّهُ به أجاب، وهو آصف بن برخيا في قول أكثرهم، وقيل غير ذلك. وأعجب ما قيل فيه: إنه ضَبَّةُ بن أُدّ بن طابخ قاله النقاش، ولا يصحّ، وهي مسألة اختلف فيها العلماء، فذهبت طائفة إلى ترك التفضيل بين أسماء الله تعالى، وقالوا: لا يجوز أن يكون اسمٌ من أسمائه أعظمَ من الاسم الآخر، وقالوا: إذا أمر في خبر، أو أثر ذكرُ الاسم الأعظم، فمعناه: العظيم؛ كما قالوا: إني لأُوْجَل أي: وَجِلاً، وكما قال بعضهم في أكبر من قولك: الله أكبر: إن أكبرَ بمعنى كبير، وإن لم يكن قول سيبويه، وذكروا أن أهونَ بمعنى: هَيِّن من قوله عزّ وجل: ﴿وهو أهْوَنُ عليه﴾ [الروم: ٢٧] وأكثروا الاستشهادَ على هذا ونسب أبو الحَسنِ بن بَطَّال هذا القولَ إلى جماعةٍ منهم: ابن أبي زيد، والقابسي وغيرهما، ومما احتجّوا به أيضًا: أن رسول الله - وَ ل * - لم يكن ليحرِّم العلمَ بهذا الاسم، وقد علمه مَنْ هو دونه مَن ليس بنَبيِّ؛ ولم يكن ليدعو حين اجتهدَ في الدعاء لأُمته ألاَّ يجعل بأسهم بينهم، وهو رؤوف بهم، عزيز عليه عَنَتُهم إلا بالاسم الأعظم، ليُسْتَجابَ له فيه، فلما منع ذلك علمنا أنه ليس اسم من أسماء الله إلا وهو ٩٠ أخشى عليك ضعفَك عنه - والثامر أبو عبد الله لا يظنّ إلا أنّ ابنَه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبدُ الله أنّ صاحبَه قد ضنّ به عنه، وتخوّف ضعفَه فيه، عَمّد إلى قداح فجمعها، ثم لم يُبْقِ لله اسمًا يعلمه إلاَّ كتبه في قِدْح، لكلّ اسم قِدْحْ، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارًا، ثم جعل يقذفها فيها قِذْحًا قِذْحًا، حتى إذا مرّ بالاسم الأعظم قذف فيها بقِذْحه، فوثب القِدْح حتى خرج منها لم تضرّه شيئًا. فأخذه ثم أتى صاحبه، كسائر الأسماء في الحكم والفضيلة، يستجيب الله إذا دُعِيَ ببعضها إن شاء، ويمنع إذا شاء، وقال الله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أو اذْعُوا الرحمَنَ أيَّا مَّا تدعوا فَلَهُ الأسماءُ الحسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وظاهرُ هذا الكلام: التسويةُ بين أسمائه الحسنى، وكذلك ذهب هؤلاء وغيرهُم من العلماء إلى أنه ليس شيء من كلام الله تعالى أفضل من شيء، لأنه كلام واحد من رب واحد، فيستحيل التفاضل فيه. قال الشيخ الفقيه الحافظ أبو القاسم - عفا الله عنه: وجه استفتاح الكلام معهم أن يقال: هل يستحيل هذا عقلاً، أم يستحيل شرعًا؟ ولا يستحيل عقلاً أن يفضّل الله سبحانه عملاً من البرّ على عمل، وكلمةً من الذكر على كلمة، فإن التفضيلَ راجع إلى زيادة الثوابٍ ونُقصانه، وقد فُضّلت الفرائضُ على النوافل، بإجماع، وفُضِّلت الصلاةُ والجهاد على كثير من الأعمال والدعاء، والذكرُ عملٌ من الأعمال، فلا يبعد أن يكونَ بعضُه أقربَ إلى الإجابة من بعض، وأجزلَ ثوابًا في الآخرة من بعض، والأسماءُ عبارة عن المسمَّى، وهي من كلام الله سبحانه القديم(١)، ولا نقول في كلام الله: هُو هُو، ولا هُو غيره، كذلك لا نقول في أسمائه التي تضمنها كلامُه: إنهَا هُوَ، ولَ هِي غيره فإن تكلمنا نحن بها بألسنتنا المخلوقةِ وألفاظنا الْمُحدَثة، فكلامُنا عمل من أعمالنا، والله - سبحانه وتعالى - يقول: ﴿واللَّهُ خلقكُمْ وما تعملون﴾ [الصافات: ٣]، وقُبْحًا للمعتزلة(٢)؛ فإنهم زعموا أن كلامَه مخلوق فأسماؤه على أصلهم الفاسد مُحدَثة غير الْمُسَمَّى بها، وسَوَّوا بين كلام الخالق، وكلام المخلوق في (١) القديم: ليس اسمًا من أسماء الله تعالى. انظر للمحقّق ((القول الأسنى في تفسير أسماء الله الحسنى)) والقواعد المثلى لفضيلة الشيخ العثيمين حفظه الله تعالى. والأولى والصحيح أن نقول أنه تعالى هو: ((الأول)) إذ هو الاسم الذي ورد به القرآن. والله أعلى وأعلم. (٢) المعتزلة: أتباع واصل بن عطاء، وسبب تسميتهم بهذا لاعتزالهم مجلس الحسن البصري، وهم القائلون بأن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، إنما هو في منزلة بين منزلتين. فخالفوا بهذا الخوارج القائلين بكفره وخلوده في النار، والمرجئة القائلين بأنه كامل الإيمان [كإيمان النبي (وَلتر] وإن ارتكب ما ارتكب إذ الإيمان عندهم هو تصديق القلب أو إقراره فقط، مخالفين أيضًا أهل السُّنّة والجماعة القائلين بعصيانه أو فسقه أو كفره مع الإيمان أيضًا. انظر حكم تارك الصلاة لابن القيم رحمه الله تعالى. آمين. ٩١ فأخبره بأنه قد علِيم الاسمَ الذي كتمه، فقال: وما هو؟ قال: هو كذا وكذا، قال: وكيف عَلِمْته؟ فأخبره بما صنع، قال: أي ابنَ أخي، قد أصبتَه فأمسِك على نفسك، وما أظنّ أن تفعل. الْغَيْرِيَّة والحدوث، وإذا ثبت هذا، وصحّ جواز التفضيل بين الأسماء إذا دعونا بها، فكذلك القولُ في تفضيل السور، والآي بعضها على بعض، فإن ذلك راجع إلى التلاوة، التي هي عملنا، لا إلى الْمَتْلُوٌ الذي هو كلام ربّنا، وصفة من صفاته القديمة، وقد قال - ◌َلڑ ۔ لأُبيِّ : ((أيُّ آيةٍ معك في كتاب الله أعظم))؟ فقال: ﴿الله لا إله إلا هو الحيّ القيّومِ﴾، فقال: ((لِيَهْنِكَ العلمُ أبا الْمُنْذِر)) (١)، ومُحال أن يريد بقوله: أعظم معنى عظيم؛ لأن القرآن كله عظيم، فكيف يقول له: أيّ آية في القرآن عظيمة، وكل آية فيه عظيمة كذلك؟ وكل ما استشهدوا به من قولهم: أكبر بمعنى كبير، وأهون بمعنى هَيِّن باطل عند حُذّاق النحاة، ولولا أن نخرج عمّا نحن بصدَدِهِ، لأوضحنا بطلانَه، بما لا قِبلَ لهم به، ولو كان صحيحًا في العربية، ما جاز أن يُخمل عليه قوله: ((أيّ آية معك في كتاب الله أعظم))، لأن القرآنَ كله عظيم، وإنما سأله عن الأعظم منه، والأفضل في ثواب التلاوة، وقرب الإجابة، وفي هذا الحديث دليل أيضًا على ثبوتَ الاسم الأعظم، وأن لِلْه اسمًا هو أعظم أسمائه، ومُحالٌ أن يَخْلُوَ القرآن عن ذلك الاسم، والله تعالى يقول: ﴿ما فَرَّطْنَا في الكتابِ منْ شيءٍ﴾(٢) [الأنعام: ٣٨]، فهو في القرآن لا مَحَالَة. وما كان الله لِيحرمَه محمدًا، وأمته، وقد فضّله على الأنبياءِ، وفضَّلهم على الأمم، فإن قلتَ: فأين هو في القرآن؟ فقد قيل: إنه أُخفي فيه، كما أُخفيت الساعة في يوم الجمعة، وليلةُ الْقَدْرِ في رمضان؛ ليجتهدَ الناسُ ولاَ يتَّكلوا. قال الفقيه الحافظ أبو القاسم - رضي الله عنه - في قول النبي - وَله - لأُبيِّ: أيّ آية معك في كتاب الله أعظم، ولم يقل: أفضل إشارة إلى الاسم الأعظم أنه فيها، إذ لا يُتَصَوَّرَ أن تكون هي أعظم آيةٍ، ويكون الاسمُ الأعظمُ في أُخرى دونها. بل: إنما صارت أعظمَ الآياتِ؛ لأن الاسمَّ الأعظمَ فيها. ألا ترى كيف هَنَّأَ رسولُ الله - وَّهِ - أَبَيًّا، بما أعطاه الله تعالى من العِلْم، وما هَنَّأه إلا بعظيم بأن عرف الاسمَ الأعظم، والآية العُظمى التي كانت الأمم قبلنا لا يعلمه منهم إلا الأفراد، عبدُ الله بن الثامر، واصف صَاحب سليمان عليه السلام، وبَلعُوم قبل أن يتبعه الشيطان(٣) فكان من الغاوين، وقد جاء مَنصوصًا في حديث أم سلمة - رضي الله عنها - الذي خرَّجه الترمذي وأبو داود، ويُروَى أيضًا عن أسماء بنت يزيد - وكنيتها: أُم سلمة - (١) أخرجه مسلم في المسافرين (٢٥٨). (٢) وقيل هو اللوح المحفوظ. (٣) قوله أن عبد الله بن الثامر وآصف صاحب سليمان وبلعوم قبل أن يتبعه الشيطان كانوا على علم باسم الله الأعظم في حاجة إلى دليل صحيح يعضده. ٩٢ ابن الثامر يدعو إلى الإسلام: فجعل عبد الله بن الثَّامر إذا دخل نَجْران لم يَلْقَ أحَدًا به ضرّ إلا قال: يا عبد الله، أتوحّد الله، وتدخل في ديني، وأدعو الله، فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحّد الله ويُسلم، ويدعو له فَيُشفَى، حتى لم يبق بنجران أحدٌ به ضرِّ إلا أتاه فاتَّبعه على أمره، ودعا له فعُوفي، حتى رُفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدتَ عَليَّ فلعل الحديث واحد أنها سألت رسول الله - وَّلجر - عن الاسم الأعظم، فقال رسول الله - رَّلجر -: ((هو في هاتين الآيتين ﴿الله لا إله إلاّ هو الحيُّ الْقَيُّوَم﴾ و﴿أَلَّم الله لا إله إلا هو الحيَّ القيوم﴾(١). وقال سبحانه: ﴿هوَ الْخَيُّ لا إله إلا هو فادعوهُ مخلصين له الدين﴾ الآية أي: فادعوه بهذا الاسم، ثم قال: ﴿الحمدُ لله ربّ العالمين) تنبيهًا لنا على حمده وشكره، إذ علّمنا من هذا الاسم العظيم ما لم نكن نعلم، فإن قلت: فقد روى أبو داود والترمذي أيضًا أن رسول الله - وَلجر - سمَع رجلاً - وهو زيد أبو عَيَّاشِ الزَّرَقِيّ - ذكر اسمه الحرث بن أبي أسامة في مسنده - يقول: ((اللَّهمَّ إني أسألك، بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الْمَنَّان بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام، فقال: لقد دعا الله باسمه الأعظم))(٢). ويُروَى أنه قال له في هذا الحديث: غفر الله له غفر الله له. وروى الترمذي نحو هذا فيمن قال: ((اللَّهمَّ إنِّي أسألك؛ فإنك الله الذي لا إله إلا أنتَ الأحد الصمد الذي لم تلد ولم تُولد))(٣) وهذا معارض لحديث أم سلمة، قلنا: لا مُعارضة بين هذا، وبين ما تقدم، فإنّا لم نقل: إن الاسمَ الأعظَمَ، هو الحيُّ القيُّوم، بل: الحيُّ القيومُ: صفتان تابعتان للاسم الأعظم. وتتميم لذكره، وكذلك الْمَنَّان. وذو الجلال والإكرام في حديث أبي داود، وقد خرّجه الترمذي أيضًا في الدعوات، وكذلك الأحد الصَّمَّدُ في حديث الترمذي. وقولك: الله لا إله إلا هو: هو الاسمُ، لأنه لا سَمِيٍّ له، ولم يَتَسَمَّ به غَيْرُه، وقد قال بعضُ العلماء في التسعة والتسعين اسمًا: إنها كلها تابعة للاسم الذي هو الله، وهو تمام المائة، فهي مائةٌ على عَدَد درج الجنة، إذ قد ثبت في الصحيح أنها مائةُ دَرجةٍ (٤) بين كل درجتين مسيرةُ مائة عام، وقال في الأسماء: ((مَن أحصاها دخل الجنة))(٥) فهي على عدد درج الجنة، وأسماؤه تعالى (١) ((إسناده ضعيف)). أخرجه الترمذي (٣٤٧٢) وأبو داود (١٤٩٦) بتحقيقي وابن ماجة (٣٨٥٥) وفيه شهر بن حوشب ضعيف وعبيد الله القداح متكلّم فيه. (٢) ((حسن)). أخرجه النسائي (٥٢/٣) وأبو داود (١٤٩٥). (٣) ((حسن). أخرجه أبو داود (٤٨٥) والنسائي (٥٢/٣) والترمذي (٣٤٧١) وابن ماجة (٣٨٥٧). (٤) انظر البخاري في الجهاد باب رقم (٤) ومسلم في الإمارة (١١٦) وفي الفتن (١١٠). (٥) أخرجه البخاري (٢٥٩/٣) ومسلم في الذكر والدعاء (٦) والترمذي (٣٥٠٦). ٩٣ أهلَ قَرْيتي، وخالَفت ديني ودين آبائي، لأمثِّلنَّ بك، قال: لا تقدر على ذلك. قال: فجعل يُرسل به إلى الجبل الطويل، فيُطْرَح على رأسه، فيقع إلى الأرض ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنَجران، بُحورٍ لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيُلْقَى فيها، فيخرج لا تُحصَى، وإنما هذه الأسماء هي المفضلة على غيرها، والمذكورةُ في القرآن. يدلّ على ذلك قولُه في الصحيح: ((أسألك بأسمائك الحُسْنى ما علمتُ منها وما لم أعلم)) (١) ووقع في جامع ابن وَهْب: ((سبحانك لا أُحصي أسماءَك)) ومما يدل على أنه الاسم الأعظم أنك تضيف جميع الأسماء إليه، ولا تضيفه إليها. تقول: العزيز اسم من أسماء الله، ولا تقول: اللَّهُ اسمُ من أسماء العزيز، وفُخّمت اللامُ من اسمه - وإن كانت لا تُفَخَّم لام في كلام العرب إلا مع حروف الإطباق نحو الطلاق، ولا تُفخِّم لام في شيء من أسمائه، ولا شيء من الحروف الواقعة في أسمائه التي ليست بمستعلية إلا في هذا الاسم العظيم المنتظم من ألفٍ ولامَيْن وهاء. فالألف من مبدأ الصوت، والهاء راجعة إلى مخرج الألف، فَشاكل اللفظُ المعنى، وطابقه، لأن المسمَّى بهذا الاسم منه المبدأ، وإليه المعاد. والإعادةُ أهون من الابتداء عند المخاطبين، فكذلك الهاء أخفّ وألين في اللفظ من الهمزة التي هي مبدأ الاسم. أخبرت بهذا الكلام أو نحوه في الاسم وحروفه عن ابن فَوْرك رحمه الله. ذكره أبو بكر شيخُنا في كتاب شرح الأسماء الحسنى له. فإن قيل: فأين ما ذكروه عن الاسم الأعظم، وأنه لا يُدعى الله به إلاَّ أجاب، ولا يُسْأل به شيئًا إلا أعطاه. قلنا: عن ذلك جوابان، أحدهما: أن هذا الاسمَ كان عند مَن كان قبلنا - إذا علمه - مصونًا غير مبتذلٍ، معظّمًا لا يمسّه إلا طاهر، ولا يلفظ به إلا طاهر، ويكون الذي يعرفه عاملاً بمقتضاهُ مُتَألْهَا مُخْبِتًا، قد امتلأ قلبُه بعظمة المسمَّى به لا يَلتفت إلى غيره، ولا يخاف سواه، فلما ابْتُذِل وتُكلِّم به في مَعْرِض البَطَالات والهزل، ولم يُعمل بمقتضاه ذهبت من القلوب هيبتُه، فلم يكن فيه من سرعة الإجابة، وتعجيل قضاء الحاجة للداعي ما كان قبل. ألا ترى قولَ أيوب عليه السلام في بلائه: «قد كنت أمرّ بالرجلين يتنازعَان، فيذكران اللَّهَ - يعني في تنازعهما، أي تخاصمهما - فأرجع إلى بيتي، فأُكفّر عنهما كراهةَ أن يُذكرَ اللَّهُ إلا في حق)) وفي الحديث عن النبي - وَ ير -: ((كرهت أن أذكر الله إلا على طُهْر))(٢) فقد لاح لك تعظيم الأنبياء له . (١) وفي الحديث: ((أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك)). أخرجه أحمد (٣٩١/١) والبيهقي في الصفات (٦) بتحقيقي. (٢) (صحيح)). أخرجه أبو داود (١٧) وابن ماجة (٣٥٠) والنسائي (٣٣/١). ٩٤ ليس به بأس، فلما غلبه، قال له عبد الله بن الثامر: إنك والله لن تقدر على قتلي حتى توحِّد الله، فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت ذلك، سُلْطت عليّ فقتلتني. قال: فوحَّد الله تعالى ذلك الملكُ، وشهد شهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصًا في يده، فشجَّه شجَّة غير كبيرة، فقتله، ثم هلك الملك مكانَه، واستجمع أهلُ نَجْران على دين عبد الله بن الثامر - وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم من الإنجيل وحُكْمِهِ - ثم أصابهم مثلُ ما أصاب أهلَ دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل النصرانية بنّجْران، والله أعلم بذلك. قال ابن إسحاق: فهذا حديث محمد بن كعب القُرَظِيّ وبعضِ أهلِ نَجْران عن عبد الله بن الثامر، والله أعلم أيّ ذلك كان(١). والجواب الثاني: أن الدعاء به إذا كان من القلب، ولم يكن بمُجَرَّد اللسان استُجيب للعبد، غير أن الاستجابة تنقسم كما قال - عليه السلام - إمَّا أن يُعَجَّل له ما سأل وَإِمَّا أنْ يُدَّخر له، وذلك خيرٌ مما طلب، وإما أن يُصرَف عنه من البلاء بقدر ما سأل من الخير(٢)، وأما دعاء النبي - وَّر ◌ِ لأَمته ألاَّ يجعلَ بأسهم بينهم(٣)، فَمُنِعَهَا، فقد أُعطِيَ عِوضًا لهم من ذلك: الشفاعة لهم في الآخرة، وقد قال: ((أُمتي هذه أُمة مرحومة، ليس عليها في الآخرةِ عذابٌ، عذابُها في الدنيا: الزلازِلُ وَالْفِتَنُ)). خرّجه أبو داود(٤)، فإذا كانت الفتنُ سببًا لصرف عذاب الآخرة عن الأمة، فما خاب دعاؤه لهم. على أنني تأمَّلت هذا الحديث، وتأملت حديثه الآخر حين نزلت: ﴿قُلْ هو القادر على أن يَبْعثَ عليكم عذابًا من فوقِكم﴾ [الأنعام: ٦٥]. فقال: أعوذ بوجهك. فلما سَمِع: ﴿أوْ مِنْ تحتِ أرجلِكم﴾ قال: أعوذ بوجهك، فلما سمع ﴿أُوْ يَلْبسَكُمْ شِيَعًا ويذيق بعضكم بأسَ بعض﴾. قال: هذه أهون(٥). فَمِنْ هاهنا - والله أعلم - أُعيذت أُمته من الأُولى والثانية، ومنع الثالثة، حين سألها بعدُ. وقد عرضت هذا الكلامَ على رجلٍ من فقهاء زماننا، فقال: هذا حسن جدًّا، غير أنّا لا (١) انظر تاريخ الطبري (٤٣٥/١) والكامل في التاريخ لابن الأثير (٣٣٠/١ - ٣٣٣ والبداية والنهاية (٢ / ١١٩ - ١٢١). (٢) يشير إلى قوله ◌ّهر: ((ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله ثلاث: إما أن يعجّل له دعوته وإما أن يدّخرها ... )) الحديث. أخرجه أحمد (١٨/٣) والبخاري في الأدب (٧١٠). (٣) انظر مسلم في كتاب الفتن (٢٠) وأحمد (١٨٢/١) والطبراني في الكبير (٦٥/١). (٤) ((حسن)). أخرجه أبو داود (٤٢٧٨ - بتحقيقي) والحاكم (٤٤٤/٤). (٥) (صحيح)). أخرجه البخاري (٧١/٦). ٩٥ ندري: أكانت مسألتُه بعد نزول الآية، أم لا؟ فإن كان بعد نزول الآية، فأخلِقْ بهذا النظرِ أن يكون صحيحًا. قلت له: أليس في الْمُوَطّأ أنه دعا بها في مسجد بني معاويةً، وهو في المدينة، ولا خلاف أن سورة الأنعام مكيّة؟ فقال: نعم، وسلَّم وأذعن للحق، وأقرَّ به. رحمه الله. هل الشهداء أحياء في قبورهم؟ فصل: وذكر من وجدان عبد الله في خَرِبَةٍ من خِرَبٍ نجران. يصدقه قولُه تعالى: ﴿ولا تخسَبَنَّ الذين قُتِلوا في سبيلِ اللَّهِ أمواتًا بل أحياءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية وما وجد في صدرِ هذه الآيةِ من شهداءِ أحد، وغيرِهم على هذه الصورةِ لم يتغيروا بعد الدُّهُورِ الطويلةِ كحمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - فإنه وُجد حين حفر معاويةُ العينَ صحيحًا لم يتغير، وأصابت الفأسُ أصبعَه، فدمِيت، وكذلك أبو جابر عبد الله بن حَرام، وعَمْرو بن الْجَمُوحِ، وطلحة بن عبد الله - رضي الله عنهم - استخرجته بنتهُ عائشةُ من قبره حين رأته في المنام، فأمرها أن تنقله من موضعه، فاستخرجته من موضعه بعد ثلاثين سنةً لم يتغير. ذكره ابن قتيبة في المعارف. والأخبار بذلك صحيحةٌ. وقد قال - عليه السلام -: ((إن اللَّهَ حرّم على الأرض أن تأكلَ أجساد الأنبياءِ»(١). خرّجه سُلَيْمَان بن الأشْعث. وذكر أبو جَعْفر الداوودي في كتاب الناس هذا الحديث بزيادة: ذكر الشهداءِ والعلماءِ والمؤذِّنين، وهي زيادة غريبة لم تقع لي في مسند، غير أن الداوودي من أهل الثقة والعلم. وفي المسند من طريق أنسٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - وَلغيره -: ((الأنبياء أحياءٌ يصلّون في قبورهم)(٢). انفرد به ثابت الْبُنَانِيُّ عن أنسٍ، وقد رُوِيَ أن ثابتًا الْتُمس في قبره بعدما دُفن، فلم يوجد، فذكر ذلك لينته. فقالت: كان يصلّي فلم تَرَوه، لأني كنت أسمعه إذا تهجّد بالليل يقول: (اللَّهمَّ اجعلني مِمَّن يُصَلِّي في قبره بعد الموت)). وفي الصحيح: أن رسول الله - بَلِّ - قال: (مررت بموسى - عليه السلام - وهو يصلّي في قبره))(٣). (١) (صحيح)). أخرجه ابن ماجة (١٠٨٥) وأبو داود وأحمد (٨/٤) والبيهقي (٢٤٩/٣) والحاكم (٤/ ٥٦٠). (٢) (ضعيف)). أخرجه البيهقي في ((حياة الأنبياء)) (٤). فيه أحمد بن علي الحسنوي متّهم بالكذب ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ضعيف. (٣) (صحيح)). أخرجه مسلم في الإيمان (٢٧٦) وفي الفضائل (١٦٥) والنسائي (٢١٦/٣). وهذه خصوصية لموسى عليه السلام. وما حاول السهيلي رحمه الله تعالى إثباته من حياة الشهداء في قبورهم يفتقر إلى الأثر الصحيح أو النقل الصريح، ولكنهم ((أحياء عند ربهم - وليس في قبورهم - یرزقون». ٩٦ أصحاب الأُخدود ومعناه فسار إليهم ذو نُواس بجنوده، فدعاهم إلى اليهوديّة، وخيَّرهم بين ذلك والقتل فاختاروا القتل، فَخدّ لهم الأخدودَ، فحرَّق مَنْ حرق بالنار، وقتل مَن قتل بالسيف، ومثّل بهم، حتى قتل منهم قريبًا من عشرين ألفًا، ففي ذي نواس وجنده تلك أنزل الله تعالى على رسوله سيدنا محمد نَّه: ﴿قُتِلَ أصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى ما يَفْعَلُونَ بالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج]. أصحاب الأخدود وحديث عبد الله بن الثامر إنما رواه ابن إسحق موقوفًا على محمد بن كعب الْقُرَظِيّ عن بعض أهل نجران، ليصل به حديث فيمؤن، وهو حديث ثابت عن رسول الله - وَلجر - من طريق ابن أبي ليلى عن صُهَيْب عن رسول الله - وَ له - فهو أولى أن يُعتَمَد عليه: وهو يخالف حديث ابن إسحقَ في ألفاظ كثيرة. قال: كان رسول الله - وَ ل﴾ . - إذا حدّث بهذا الحديث يعني حديثًا تقدم قبل هذا الحديث يحدّث بهذا الحديث الآخر. قال: كان ملك من الملوك، وكان لذلك الملك كاهنٌ يَكْهُنْ له، فقال الكاهن: انظروا لي غلامًا فَهِمّا أو قال: فَطْنًا لَقِنَا؛ فَأُعَلِّمه علمي هذا، فإني أخاف أن أموتَ؛ فينقطعَ منكم هذا العلم، ولا يكون فيكم مَن يعلمه، قال: فنظروا له غلامًا على ما وصف، فأمروه أن يَخضُرَ ذلك الكاهن وأن يختلف إليه، فجعل يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهبٌ في صَوْمعة قالَ مَعْمر: أحسب أن أصحابَ الصوامع يومئذ كانوا مسلمين(١). قال: فجعل الغلامُ يسأل الراهب كُلِّما مرّ به، فلم يزل به حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله، قال: فجعل الغلام يمكث عند الراهب، ويبطىء على الكاهن، فأرسل الكاهنُ إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغُلام الراهبَ بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك الكاهنُ: أين كنتَ، فقل: كنتُ عند أهلي، فإذا قال لك أهلُك: أين كنت؟ فأخبرهم أنك كنت عند الكاهن، قال: فبينما الغلام على ذلك إذ مرّ بجماعة من الناس كثير قد حبستهم دابّةٌ، فقال بعضُهم: إن تلك الدّابَّة كانت أسدًا، فأخذ الغلامُ حجرًا، فقال: اللَّهمَّ إن كان ما يقول الراهب حقًّا فأسألُك أن تقتله، قال: ثم رمى، فقتل الدابَّةَ، فقال الناسُ: مَنْ قتلها؟ فقالوا: الغلامُ، ففزع الناس، وقالوا: لقد علم هذا الغلامُ علمًا لم يعلمه أحدٌ. قال: فسمع به أعمى، فقال له: إن أنت رَدَذت بصري فلك كذا وكذا، فقال له: لا أُريد منك هذا، ولكن أرأيت إن رجع إليك بصرُك أتؤمن بالذي ردّه؟ (١) المسلم: كلّ مَن استسلم لأمر الله تعالى وانقاد له بلا مقاومة. الروض الأنف/ ج ١ / ٢ ٧ ٩٧ قال: نعم. قال: فدعا الله، فردّ عليه بصَره فآمن الأعمى، فبلغ الملكَ أمرُهُمْ، فبعث إليهم، فأتى بهم، فقال: لأقتلنَّ كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبَه، فأمر بالراهب وبالرَّجل الذي كان أعمى، فَوَضع المنشارَ على مَفْرِق أحدهما فقتله، ثم قتل الآخر بقتلة أُخرى، ثم أمر بالغلام، فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا، فألقوه من رأسه، فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انْتَهَوْا إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يُلقوه منه، جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل، ويتردّون منه، حتى لم يبقَ منهم إلا الغلام، قال؛ ثم رجع فأمر به الملكُ أن ينطلقوا به إلى البحر، فيلقونه فيه، فانطُلِقَ به إلى البحر، فغرَّق الله الذين كانوا معه، وأنجاه، فقال الغلام للملك: إنك لا تقتلني حتى تصلبني وترميني، وتقول إذا رَمَيْتني: ((باسم الله ربِّ هذا الغلام)). قال: فأمر به، فَصُلب ثم رماه، فقال: باسم الله ربِّ هذا الغلام: فوضع الغلام يدَه على صُذْغه حين رمي ثم مات، فقال الناس: لقد علم هذا الغلامُ علْمًا مَا عَلِمه أحدٌ، فإنّا نؤمن بربّ هذا الغلام، قال: فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثةٌ، فهذا العالم كلُهم قد خالفوك، قال؛ فخدَّ أَخْدُودًا، ثم ألقى فيه الحطب والنار، ثم جمع الناسَ، فقال: مَن رجع عن ذنبه تَركناه، ومَن لم يرجع ألقيناه في هذه النار، فجعل يلقيهم في ذلك الأخدود. قال: يقول الله سبحانه -: ﴿قُتِل أصحابُ الأُخْدُودِ النارِ ذات الْوَقُودِ﴾ حتى بلغ: ﴿العزيز الحميد﴾ [البروج]. قال: فأما الغلامُ فإنه دُفن. قال: فيذكر أنه أُخْرِج في زمن عُمَر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأُصبعُه على صُدغه، كما وضعها حين قُتل. رواه الترمذي عن محمود بن غَيْلان عن عبد الرزاق عن مَعْمر، ورواه مُسلم عن هَدَّاب بن خالد عن حَمَّاد بن سَلَمة، ثم اتفقا عن ثابت، عن ابن أبي ليلى عن صُهَيْب غير أن في حديثٍ مسلم أن الأعمى الذي شُفِيَ، كان جليسًا للملك، وأنه جاءه بعد ما شُفِيَ، فجلس من الملك كما كان يجلس فقال: مَنْ ردّ عليك بَصرك، قال: رَبِّي، قال: وهل لك رَبِّ غيري؟! فقال: الله ربّي وربُّك، فأمر بالمِنشارِ، فجُعل على رأسه حتى وقع شِقَّاه، وأمر بالراهب ففعل به، مثل ذلك، وزاد مسلم في آخر الحديث. قال: فأُتي بامرأةٍ لتُلْقى في النار، ومعها صبي يرضع فقال لها الغلام: يا أُمّه لا تجزعي، فإنك على الحق، وذكر ابن قتيبة أن الغلام الرضيع كان من سبعة أشهر(١). حديث الحبشة: وذكر فيه دَوْسًا ذا ثَعْلبان الذي أتى قيصرَ. ودوس: هو ابن تُبَّع الذي قتله أخوه، قاله ابن إسحق في غير رواية ابن هشام. (١) أخرجه مسلم في الزهد (٧٣) والترمذي في التفسير (٨٥) وأحمد في مسنده (٦/ ١٧). ٩٨ وذكر فيه قيصرَ وكتابَه للنجاشي. وقيصر اسم علَم لكل مَن وَلِيّ الروم وتفسيره بلسانهم: البقير الذي بُقِر(١) بَطنُ أُمّه عنه، وكان أول مَن تَسَمَّى به بُقَيْرًا، فلما ملك وعُرف به، تَسَمَّى به كل مَن ملك بعده. قاله المسعودي. وإنما كتب بذلك إلى النجاشِيِّ؛ لأنه على دينه، وكان أقرب إلى اليمن منه، وذكر غير ابن إسحق أن ذا نُواس أدخل الحبشة صنعاء اليمن، حين رأى أن لا قِبَلَ له بهم، بعد أن اسْتَنفَر جميعَ الْمَقَاوِلٍ، ليكونوا معه يدًا واحدة عليهم، فأبوا إلا أن يحمى كلُّ واحد منهم خَوْزَته على حدته، فخرج إليهم ومعه مفاتيح خزائنه وأمواله، على أن يُسالموه ومَن معه، ولا يقتلوا أحدًا فكتبوا إلى النجاشي بذلك، فأمرهم أن يَقْبَلوا ذلك منهم، فدخلوا صنعاءَ ودفع إليهم المفاتيح، وأمرهم أن يَقْبضوا ما في بلاده من خزائن أمواله، ثم كتب هو إلى كل موضع من أرضه: أن اقْتُلوا كل ثور أسودَ، فقتل أكثر الحبشة، فلما بلغ ذلك النجاشيّ وجّه جيشًا إلى أبرهة، وعليهم أرياطُ وأمره أن يقتل ذا نُواس، ويخرب ثلث بلاده، ويقتل ثلث الرجال، ويسبي ثلث النساء والذرية ففعل ذلك أبرهة. وأبرهة بالحبشة: هو الأبيض الوجهِ، وفي هذا قوة لقول من قال: إن أبرهة هذا هو أبْرهَةَ بن الصُّبَاحِ الحميري! وليس بأبي يَكْسُوم الْحَبَشِيّ، وإن الحبشةَ كانوا قد أمَّروا أبْرهَة بن الصُّبَاح على اليمن، وهذا القول ذكره ابن سلام في تفسيره، واقتحم ذو نُواس البحر، فهلك وقام بأمره من بعده ذو جَدَن، واسمه: عَلَسُ بن الحارثِ أخو سُبَيْع بن الحارث، والْجَدَنُ: حُسن الصوت، يقال: إنه أول مَن أظهر الغناء باليمن فسُمِّي به، وجَدَن أيضًا: مفازة باليمن، زعم البكري أن ذا جَدَنٍ إليها يُنسب، فحارب الحبشة بعد ذي نُواس فكسروا جُنْدَه، وغلبوه على أمره، فَفَرَّ إلى البحر كما فعل ذو نُواس، فهلك فيه، وذكروا سبب منازعة أبْرهَة لأزياط، وأن ذلك إنما كان، لأن أبرهة بلَّغ النجاشِيّ أنه استبدّ بنفسه، ولم يرسل إليه من جباية اليمن شيئًا، فوجّه أرياطًا إلى خلعه، فعند ذلك دعاه أبرهة إلى المبارزة - كما ذكر ابن إسحق - وذكر الطبري(٢) أن عَتْوَدَةَ الغلام الذي قتل أرياطًا. والْعَتْوَدَةُ: الشدة، وقد قيل في اسمه أرْيَجْدَةُ. قال له أبرهة: احتكم عليَّ، قال: أحتكم: أن لا تزفّ امرأة إلى بعلها، حتى أكونَ أنا الذي أبدأ بها قبله، ففعل ذلك أبرهة، وغَبَر العبدُ زمانًا يفعل ذلك، فلما اشتد الغيظُ بأهل اليمن، قتلوا عَتْوَدة غِيلة، فقال لهم الملك: قد أنى لكم يأهل اليمن أن تفعلوا فعل الأحرار، وأن تغضبوا لِحُرَمِكُمْ، ولو علمت أن هذا العبد يسألني هذا الذي سأل ما حكَّمتهُ، ولكن والله لا يؤخذ منكم فيه دِية، ولا تُطْلبون بذَخْل(٣)، (١) بقر: شق. (٣) الذحل: الحقد والثأر. (٢) انظر تاريخ الطبري (٤٣٧/١). ٩٩ قال ابن هشام: الأخْدُودُ: الحفر المستطيل في الأرض، كالخندق والجدول ونحوه، وجمعه: أخاديد. قال ذو الرُّمّة - واسمهُ: غَيلان بن عُقْبة، أحد بني عديّ بن عبد مناف بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر. بين الْغَلاَةِ وبين النخل أُخْدُودُ مِنَ العراقيّة اللاتي يُحيل لها وحيثما وقع اسم أرياط في رواية يونس، لم يسمِّه بهذا الاسم، إنما سمّاه رَوْزَنة أو نحو هذا . وذكر الطبري(١) أن سيف بن ذي يزن لما فعل ذو نواس بالحبشة ما فعل، ثم ظفروا به بعث عظيمهمُ))(٢) إلى أبي مُرَّة سيف بن ذي يزن، فانتزع منه ريحانة بنت عَلْقَمَة بن مالك، وكانت قد ولدت له مَغْدي كرب. فملكها أبرهة. وأوْلَدَها مسروق بن أبرهة، وعند ذلك توجه سيف إلى كسرى أنو شِرْوان يطلب منه الغوث على الحبشة، فوعده بذلك وأقام عنده سنين، ثم مات وخلفه ابنهُ مَعْدِي كَرِبُ في طلب الثأر، فأُدخل على كسرى، فقال له: مَن أنت؟ فقال: رجل يطلب إرث أبيه، وهو وَعْد الملك الذي وَعَد به، فسأل عنه كسرى: أهو من بيت مملكة أم لا؟ فأخبر أنه من بيت مُلك فوجَّه معه وهرَزَ الفارس في سبعة آلاف وخمسمائة من الفرس، وقال ابن إسحق: في ثمانمائة غرق منهم مائتان، وسلم ستمائة: والقول الأولُ قولُ ابن قتيبة وهو أشبه بالصواب، إذ يبعد مقاومة الحبشة بستمائة، وإن كان قد جمع إليهم من العرب - كما ذكر ابن إسحق - ما جمع. ثم إن مَعْدٍ يَكرِبَ بن سيف لما قتل الحبشة وملك هو وَوَهْرَز اليمنَ أقام في ذلك نحو أربع سنين. ثم قتلته عَبيد له، كان قد اتخذهم من أولئك الحبشة، خرج بهم إلى الصيد فَزَرَقُوه(٣) بحرابهم، ثم هربوا فأُتبعوا فِقُتِلوا. وتفرّق أمر اليمن بعده إلى مخالف(٤) عليها مقاولٌ كملوك الطوائف لا يدين بعضُهم لبعض إلا ما كان من صنعاء، وكون الأبناء فيها، حتى جاء الإسلام. فصل: واستشهد ابن هشام في هذا الخبر على الأخدود ببيت ذي الرُّمة، وهو: غَيْلان بن عُقْبة بن بُهَيْش بضم الباء والشين: وسُمِّي ذا الرُّمَّة ببيت قاله في الوتد: أشعثَ باقي رُمَّةِ التَّقْلِيدِ. وقيل إن مَيَّةَ سمّته بذلك، وكان قد قال لها: أصلحِي لي هذا الدلو، فقالت له: إني خَرْقاء(٥)، فولّى وهي على عنقه بِرُمَّتِها، فنادته: يا ذا الرُّمَّةِ إن كنتُ خرقاءً فإن لي أمة صَنَاعًا؛ فلذلك سمّاها بِخَرْقَاءَ، كما سمّته بذي الرَّمَّة. (١) الطبري (٤٣٨/١) والكامل في التاريخ (٣٣٤/١). (٢) سمّاه الطبري في تاريخه: أبرهة كما سيأتي في سياق الكلام. (٣) زرقوه: أي طعنوه. (٤) مخالف: أمير لبلدة أو حاكم لبلدة وما أشبه. (٥) خرقاء: أي لا أُحسن صنعة. ١٠٠