النص المفهرس

صفحات 1-20

أرْضُ الْأَزْفُ
3
في تَفْسِيرِ السَّيَرَةِ النَّبَوَيَّةِلِأَبَنْ هِشَامِ
للإمَامِ أَيَ الْقَاسِمِ عَبد الرحمن بن عَبِدِالَّهِبِنْ أَحَ بنْ أَبَ الحَسَنْ
اخْتِعَ السُّهيلي
المتوفى سنة ٥٨١هـ
وَمَعَهِ
السّيرَة النّبويّة
للإمَامِ أَبَ محمدٌ عَبَد المَلكِ بِنْ هِشَّامِ المَعَافِريّ
المتوفى سَنَة ٢١٣هـ
عَلَّقَ عليه وَوضع حَراثيه
مجدى بن منصور بن سيد الشورى
تنبيه
وَضعَانصّ السِّيرَة النبوية لابن هِشَام في أعلىَ الصفحَات
وَوَضعَنَا أَسَفَل منهَانصّ الرَّوَضِ الأُنفُـ
وَفِصَلَنَا بِيهَمَا بخطٍ.
الجْزءُ الأوّل
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

اَلْهِالرَّمَنِ الَّحِ
بيـ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
وسيئات أعمالنا، إنه مَن يهده الله فلا مُضِلّ له، ومَن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله
حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون﴾ ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من
نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به
والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم
ذنوبكم ومَن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾.
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد ◌ّچ وكل محدثة
بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
بين يديك أخي في الله خير ما تقرأ بعد كتاب الله جلّ وعلا، بين يديك أفضل
القصص وأجملها، بين يديك السيرة العطرة التي تفوح منها أزكى وأنفس أنواع الطيب،
إنها سيرة خاتم المرسلين وسيد ولد آدم وخير ما أخرجت الأرض وطوت، إنها سيرة خير
مَن وطئت قدماه الأرض، إنه الشافع المشفع سيدنا وحبيبنا ومولانا وقدوتنا رسول
بين يديك أخي في الله العظمة والعبرة والحكمة في سيرة رسول الله وَله .
بين يديك أخي في الله السيرة النبوية فاحرص على قراءتها ودراستها دراسة متأنية
واضعًا قول الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله
واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا﴾ نصب عينيك، وستجد فيها السلوى لما تراه وتسمعه اليوم
من هو أن أتباع صاحب السيرة العطرة، وإنهم في ذيل القائمة، أصبحوا وقد تعلقوا بأذيال
أحفاد القردة والخنازير، آخذين منهم القدوة والإمامة والقيادة، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
٣

ترجمة ابن إسحق
هو: محمد بن إسحق بن يسار المطلبي، مولى قيس بن مخرمة، أبو عبد الله
المدني أحد الأئمة، لا سيما في المغازي والسِّيَّر.
ولد رحمه الله تعالى عام خمس وثمانين من هجرة صاحب السيرة العطرة - وله -
بالمدينة. وتوفي سنة إحدى وخمسين ومائة.
روى عن الأئمة، وأخرج له مسلم والبخاري استشهادًا، وأصحاب السُّنن الأربعة.
وقد اختلف فيه جرحًا وتعديلاً، فمن أهل العلم مَن جرحه كالإمام مالك
وأحمد بن حنبل وابن معين والدارقطني وغيرهم.
ومن أهل العلم مَن ذهب إلى تعديله كابن عيينة وأبي زرعة وابن معين أيضًا. وقد
ألّف رحمه الله تعالى - السيرة - بأمر أبي جعفر المنصور تعليمًا لابنه المهدي. يقول ابن
عدي فيه:
((لو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا أنه صرف الملوك من الاشتغال بكتب لا
يحصل منها شيء للاشتغال بمغازي رسول الله * ومبعثه ومبتدأ الخلق، لكانت هذه
فضيلة سبق بها ابن إسحاق، وقد فتشت أحاديثه الكثيرة فلم أجدها تهيىء أن يقطع عليه
بالضعف، وربما أخطأ واتهم في شيء بعد الشيء كما يخطىء غيره)).
قلت: نعم كفاه فضلاً وشرفًا أنه ألّف لنا هذه السيرة العطرة والتي قلّ أن تجد مثيلاً
لها .
٤

ترجمة ابن هشام
هو: صاحب السيرة والتي جمعها من مغازي وسِيَر رسول الله وَط هو لابن إسحاق،
فهذبها الأخير ولخّصها. وإليه تُنسب.
توفي رحمه الله تعالى وجزاه الله عنا كل خير سنة ثلاث عشرة ومائتين من هجرة
صاحب السّيرة.
٥

ترجمة الإمام السهيلي
هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسن، واسمه أصبغ بن
حسين بن سعدون بن رضوان بن فَتُّوح، وهو الداخل إلى الأندلس، أبو القاسم وأبو
زید.
قال تلميذه ابن دحية: ((هكذا أملى عليّ نسبه، وقال: إنه من ولد أبي رُويحة
الخثعمي الذي عقد له رسول الله وير لواء علم الفتح)) [انظر المطرب من أشعار
المغرب: ٢٣٠].
وقد عُرِفَ السهيلي رحمه الله تعالى بثلاث كِنى، اثنتان منها ذكرهما ابن دحية كما
تقدم والثالثة هي: أبو الحسن. انظر التكملة لابن الأبار (٣/ ٥٧٠).
وفي الوفيات: السُّهَيْلِيُّ: بضم السين المهملة وفتح الهاء وسكون الياء المثناة من
تحت وبعدها لام ثم ياء، هذه النسبة إلى سُهَيْل، وهي قرية بالقرب من مالقة سُمِّيَت
باسم الكوكب، لأنه لا يُرى في جميع الأندلس إلا من جبل مطلّ عليها. ويقول الحميري
سبب تسميتها [مالقة] بذلك: ((وهناك جبل مُنيف عالٍ يزعم أهل تلك الناحية أن النجم
المسمّى سهيلاً يُرى من أعلاه، ولذلك سمّى أبو القاسم الأستاذ الحافظ مؤلف الروض
الأنف: السهيلي)) انظر صفة جزيرة الأندلس: ١٨٠.
مولده :
ولد رحمه الله تعالى عام ثمانٍ وخمسمائة بمدينة مالقة، وتوفي في السادس
والعشرين من شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. انظر المطرب (٢٣٢ - ٢٣٣).
نشأته:
يقول تلميذه ابن دحية: ((نشأ بمالقة، وبها تَعرِّف، وفي أكنافها تصرَّف، حتى بزغت
في البلاغة شمسه، ونزعت إلى مطامح الهمم نفسه)). السابق (٢٣٠).
٦

عماه:
اتفقت أغلب المصادر على أن أبا القاسم قد أضرّ وهو في السابعة عشرة من عمره،
ولكن ابن دحية لا يشير إلى هذا، كما أن كلامه في الروض كما سيأتي يدفع هذا. وانظر
بغية الملتمس (٢٥٤).
تلاميذه :
كثير. منهم: أبو علي عمر بن محمد المعروف بالشلوبين (٥٦٢ - ٦٤٥).
أبو الخطاب عمر بن الحسن المعروف بابن دحية (توفي سنة ٦٣٣).
أبو علي عمر بن عبد المجيد الرَّبذي (توفي سنة ٦١٦).
مؤلفاته :
ورغم عمل السهيلي بالتدريس إلا أن هذا لم يأخذه عن التصنيف والتأليف، فأخرج
المصنفات الكثيرة والمسائل العديدة. ومنها:
١ - التعريف والإعلام بما أُبهِمَ في القرآن من الأسماء والأعلام.
٢ - كتاب الفرائض وشرح آيات الوصية.
٣ - نتائج الفكر في النحو.
٤ - الأمالي.
٥ - مسألة السرّ في عور الدجّال.
٦ - مسألة رؤية النبي ◌َّر في المنام.
٧ - الروض الأنف والشرع الرّوَى في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة
واحتوى. وهو الذي نقدمه لك. وهو يعتبر بحق من أجل كتبه وأنفعها.
منهج السهيلي رحمه الله تعالى في الشرح:
يعرض السهيلي رحمه الله تعالى رحمة واسعة وجزاه الله عنّا كل خير سيرة ابن
هشام، شارحًا ما أبهم منها من كلمات ومعاني، ويزيد أكثرها إيضاحًا وبيانًا، ثم هو كثيرًا
ما يتعرّض لنسب غامض فيُزيل غموضه، ثم نراه يتعرّض الإعراب بعض الكلمات فيأتي
بالدّرر من أعماق اللغة واضعًا إياها بين يديك بلا عناء أو مشقة.
وقد زاد شرحه للسيرة حُسْنًا فوق حسن، وجمالاً فوق جمال، فجاءت السيرة
النبوية سهلة يسيرة متدفقة في نعومة بين يدي القارىء.
٧

عملي في الكتاب
يعلم ربّ السموات والأرض - العليم الحكيم - قلّة زادي من تقوى وعلم وفكر،
وهو الغفور الرحيم، فقمت بالتحقيق الموجز الذي لا يُخرِج قارىء السيرة من متابعته
لحياة سيّد الْبَرِيَّة - بَله ـ إلى مصطلحات أهل الحديث من قولهم: هذا حديث معضل أو
مرسل أو مضطرب أو ضعيف أو موضوع أو حسن لذاته أو لغيره، فأتى له بالشواهد
والمتابعات التي قد تشتّت ذهنه وتقطع عليه أنس الصحبة مع سيرة النبي وَّر، فجاء
التحقيق موجزًا، وأدعو الله أن يكون مع إيجازه مفيدًا، فأقوم بتخريج الحديث من ثلاث
أو خمس مصادر - دون الإطالة، وقد أزيد القارىء فأحيله على بعض المصادر التي
تتحدث بإفاضة في المسألة المُشار إليها فأقول: وانظر كذا وكذا وكذا. هذا وقد قمت
بتحقيق النسخة التي قام بتحقيقها والتعليق عليها وشرحها فضيلة الشيخ: عبد الرحمن
الوكيل - الرئيس العام لجماعة أنصار السُّنّة المحمدية - رحمه الله تعالى رحمة واسعة
وجزاه الله عنّا كل خير - والشيخ رحمه الله تعالى غنيٌّ عن التعريف بمجهوداته في الدعوة
ومؤلفاته العديدة النافعة.
وقد وجدته رحمه الله تعالى قام بالتعليق والشرح والتحقيق على خير وجه، إلا أنه
رحمه الله تعالى قد يطيل في بعض المسائل مما يُخرِج قارىء السيرة عمّا هو بين يديه،
وقد وجدته أيضًا رحمه الله تعالى يخرّج الحديث فيقول: رواه أحمد مثلاً - دون أن يشير
إلى الجزء أو الصفحة، مما يعسر معه الوقوف على الحديث، خاصة إذا كان الحديث لم
يأتِ به الشارح كاملاً، أيضًا قد يكون الحديث في الصحيحين فأُحيل القارىء إلى مكانه
في الجزء والصفحة إذا أراد أن يقرأه كاملاً أو شرحه لابن حجر أو النووي رحمهما الله
تعالى.
ويجري على ما سبق أيضًا قوله: ((في اللسان ... )) دون الإشارة إلى الجزء
والصفحة أو الطبعة مما ييسّر على القارىء الوقوف عليه بسهولة ويُسْر.
٨

ثم إنه يُخرَّج الحديث دون الإشارة إلى صحته أو ضعفه إذا كان في غير
الصحيحين، فقمت بهذا حسبما يسّر الله تعالى، فأُصدّر الحديث ببيان درجته ثم تخريجه
دون الكلام على الشواهد أو المتابعات إذا كان حسنًا أو ضعيفًا ... الخ.
هذا وقد أبقيت الكثير من تعليقاته كما هي أو مختصرة جدًا، مع زيادة بيان وإيضاح
كما تقدم.
هذا وقد فاته رحمه الله تعالى تخريج بعض الأحاديث فقمت بتخريجها، وكذا بعض
الآيات.
هذا وقد وقع في الطبعة المحقّقة بعض الأخطاء المطبعية فقمت بتصحيحها،
وكذا وقع الخطأ في بعض ((ملازمه)) فقمت بوضعها في مكانها الصحيح والحمد لله
ربّ العالمين. هذا وقد وقع في الطبعة السابقة أن يقع الشرح في صفحات تَلِي متن
السيرة مما يجعل قارىء السيرة يتصفّح عدد من الصفحات حتى يضع يده على شرح
السهيلي. كما وقع هذا في نهاية الجزء الأول وأول الجزء الثاني !!!. فجاء في نهاية
الجزء الأول شرح ما في أول الجزء الثاني. فأدعو الله تعالى ألاً يقع مثل ما سبق في
هذه الطبعة .
هذا وقد وقع في شرح السهيلي عند ذكر - النبي وَل و - أن تكتب بدلاً من - وَيَر -:
((ص)). وأظنها من المطبعة، ثم إني قد وجدت الشيخ رحمه الله تعالى سلك نفس
المسلك - أو سلك ((الطابع)) نفس المسلك. فنبّهت عليه مرة بعد مرة ثم تركت التنبيه،
وكذا فعلت عند بيان ترجمة البكائي، نبّهت مرة تلو الأخرى ثم تركت التنبيه إذ قد وصل
ما أُريده إلى عقل القارىء.
هذا ويمكن تلخيص عملي في الكتاب في:
١ - تخريج الآيات القرآنية - التي لم تُخَرّج قبل.
٢ - تخريج الأحاديث وعزوها إلى مصادرها، مع بيان صحيحها من سقيها ما أمكن
ذلك.
٣ - التعليق على بعض الكلمات بالعودة بها إلى أصلها في اللغة العربية في اللسان
لابن منظور - ط. دار الكتب العلمية، ومقاييس اللغة لابن فارس، ط. مصطفى الحلبي -
بتحقيق وشرح فضيلة الشيخ عبد السلام محمد هارون رحمه الله تعالى.
٤ - تصحيح ما وقع من أخطاء - يسيرة - في الطبعة السابقة.
٩

٥ - عمل ترجمة لابن هشام.
٦ - عمل ترجمة لابن إسحاق.
٧ - عمل ترجمة للسهيلي رحمهم الله تعالى.
١٠

المؤلفات في السيرة
إليك أخي في الله بعض المؤلفات في السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة
وأزكى السلام - لمَن أراد مزيد بيان وإيضاح.
١ - البداية والنهاية، لابن كثير، مطبعة دار السعادة، ١٩٣٢.
٢ - تاريخ الأمم والملوك، لابن جرير الطبري، ط. الدار.
٣ - الكامل في التاريخ، لابن الأثير.، ط. الدار.
٤ - خلاصة السِّيّر، محبّ الدين أبو الجعفر بن عبد الله الطبري، دلي برنتينك
بريس دلس ١٣٤٣هـ.
٥ - زاد المعاد في هدى خير العباد، لابن القيم، المطبعة المصرية، الأولى،
١٣٤٧.
٦ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى - 18 -. للقاضي عياض، مطبعة عثمانية،
إستانبول ١٣١٢هـ.
٧ - طبقات ابن سعد، محمد بن سعد، مطبعة بريل ليدن، ١٣٢٢.
٨ - مختصر سيرة الرسول - 18 - لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
٩ - مروج الذهب، أبو الحسن علي المسعودي، مطبعة الشرق الإسلامية.
١٠ - الرحيق المختوم، صفيّ الرحمن المباركفوري.
١١ - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن
محمد بن الجوزي.، ط. الدار.
١١

نداء إلى أصحاب الطرق الصوفية
نداء أوجهه إلى أصحاب ((الطرق)) الصوفية: هذا هو ((طريق)) نبيّكم ورسولكم
محمد وَل﴿، وهذه هي سيرته عليكم بها. تعلّموها وعلّموها الناس، اعكفوا على دراستها
بدلاً من العكوف على دراسة سِيّر البدوي والشاذلي والدسوقي والرفاعي، أقطاب الأرض
الأربعة الموكلون بحفظ الأرض والقيام على ساكنيها بالرزق والمرض والحياة
والموت !!!.
أفيقوا أيها الناس من غفلتكم وكفانا ذلاً وهوانًا عانيناه منكم ومن خرافاتكم سنوات
وقرون طويلة، هذه هي سيرة نبيّكم احفظوها كما تحفظون حزب البحر والحزب الكبير
والصغير والأوراد الشركية التي ما أنزل الله بها من سلطان. هذه هي سيرة نبيّكم تعلّموا
منها كيف جاهد وعلّم أصحابه كيف يكون الجهاد مع النفس والجهاد أيضًا باللسان
والبنان .
اعلموا أيها الناس («القوم)) أن طريق محمد -* - واحد ((قل هذه سبيلي أدعوا إلى
الله على بصيرة أنا ومَن اتّبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين)) اقرأوا أيها الناس هذه
الآية مرة بعد مرة وسَلوا أنفسكم هل عملتم بها وأنتم تزعمون أنكم تحبونه وتتبعون
سنتكم، وهو القائل كما حكى القرآن ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر
لكم ذنوبکم﴾ .
أقول لكم: لم تعملوا بها. ولا أقول هذا افتراء - بل هذا هو الواقع المؤلم
المُشاهَد منكم، فهو يقول: ﴿هذه سبيلي﴾ فجعلتموها سُبل وطرق شتى، ولو كان ما
تدعون إليه حقًّا لكانت طريقًا واحدًا وليست طرقًا شتى - بيومية ونقشبندية ورفاعية
ودسوقية وشاذلية وبرهانية وبرهامية و ... و ... و ... ، والكل يدّعي زورًا وبهتانًا أنه على
((الطريق)) المستقيم، بل ووصل الأمر ببعضهم أن زعم أن رسول الله وَل* كان صوفيًّا -
وهو يقول في دعاء الاستفتاح ((وأنا أول المسلمين)) فسلبوا منه هذا الوصف العظيم
١٢

ونحلوه وألبسوه خرقة الصوفية، بل ويقول بعض أعلام ورؤوس الصوفية أن محمدًا هو
الله مفسّرًا قول الله تعالى: ﴿إن الذين يبايعونك تحت الشجرة إنما يبايعون الله﴾ فقال:
(إن الله حلَّ بالنبي في هذا الوقت)) - ﴿سبحانك ربي هذا بهتان عظيم﴾، وكفر وإلحاد
يُخرِج صاحبه ومَن اهتدى بهديه من دائرة الإسلام بالكلية .
أقول لكم: لم تعلموا أيضًا بقوله: ﴿ادعوا إلى الله على بصيرة﴾. فلم تدعوا إلى
الله تعالى، سلمًا أو حربًا، بل انزويتم في كهوفكم وفي خيامكم تاركين الأمة الإسلامية
فريسة سهلة في أيدي أهل الكفر والإلحاد والزندقة، وإذا دعوتم إلى الله لم تدعوا على
بصيرة ونور وهدى من القرآن والسُّنة، إنما أتيتم وخرجتم علينا بالخزعبلات والأوهام
والجبت، وعشتم في عالم مليء بالأساطير والخیالات الفاسدة، فالنبي عندكم لا زال حيًّا
والخضر والأولياء الصالحين والطالحين وأنهم يفعلون كذا وكذا وكذا، حتى سلبتم ربّ
السموات والأرض أوصافه بل وأخص أوصافه من خلق ورزق وإحياء وإماتة وأمر ونهي
فقدتم رأي شيوخكم على كلام الله تعالى وعلى سُنّة نبيّه وَ*، وأنتم تزعمون أنكم على
((الطريق) المستقيم.
أفيقوا أيها الناس فالأمة الإسلامية في حاجة إليكم - موخّدين مسلمين - وليس
صوفيين - داعين إلى الله تعالى على بصيرة وكلنا داع إلى الله تعالى كما قال: ﴿أنا ومَن
اتّبعني﴾، أفيقوا أيها الناس من غفلتكم ومن شرككم، وصحّحوا منهجكم وعقيدتكم من
قبل وليكن طريقنا واحد - هو طريق النبي ◌َّر.
هذه سيرة نبيّكم - اقرأوها وتعلّموا منها دون تعصّب وحمية لشيخ بعينه وتقديم
النظر على الأثر. هداني الله وإياكم إلى ((صراطه)) المستقيم. آمين.
وبعد: بقي أن أنقل إليك أخي في الله قول علي بن الحسين: ((كنا نُعَلَّم مغازي
النبي * كما نُعَلَّم السورة من القرآن)). هذا والله أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء
السبيل.
أخوكم في الله
مجدي بن منصور بن سيد الشورى
القاهرة/ مدينة السلام - ٢٨١٢٨٥١
١٣

(
١
بِسْ مَلِالرِّ الرَّحِي
مقدمة الروض الأنف (٢)
حمدًا لله المُقدَّم على كل أمرٍ ذي بالٍ، وذكرُه - سبحانه - حَرِيٍّ ألاَّ يفَارِقَ الخَلَد
والبال، كما بدَأنا - جلَّ وعلا - بجميل عوارفِه قبل الضراعة إليه والابتهال، فله الحمد
- تعالى - حمدًا لا يزال دائم الاقتبال. ضافِيَ السِّزْبال(٣)، جديدًا على مَرّ الجدیدین(٤)
غير بالٍ. على أن حمده - سبحانه - وشكره على نعمه، وجميل بلائه مِنَّةٌ من مِننه. وآلاء
من آلائه. فسبحان مَن لا غاية لجوده ونعمائه! ولا حَدَّ لجلاله، ولا حَضْر لأسمائه(٥)
والحمد لله الذي ألحقنا بعصابة(٦) الموحدين، ووفقنا للاعتصام بعُروة هذا الأمر المتين،
(١) بدأ المصنف رحمه الله تعالى - وجزاه الله عنّا كل خير - بالبسملة اقتداء بكتاب الله تعالى وبسُنّة
نبيّه ﴾، حيث بدأ تعالى كتابه الكريم بالبسملة فقال تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله
ربّ العالمين﴾ فبدأ بالبسملة وثنى بالحمد، ويقول تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي
الله ورسوله﴾. أما قول: ﴿كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر أو أخذم﴾. فهو قول
ضعيف. وكان ول﴿ يبدأ كتبه بالبسملة أيضًا.
(٢) الروض الأنف: أي دائم البهجة والجمال والرائحة الطيبة الكثير القطاف.
(٣) السربال: هو القميص والدرع.
(٤) الجديدين: أي الليل والنهار لتجددهما كل يوم وليلة.
(٥) حيث يقول ﴿ في الحديث الصحيح: ((اللَّهمَّ إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ
في حكمك عدلٌ في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سمِّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته
أحد من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك ... )) الحديث. (صحيح، أخرجه أحمد ١/
٣٩١، والحاكم ٥٠٩/١، والبيهقي في الصفات ص ٦- بتحقيقي) فدلّ هذا الحديث على أن لله
تعالى أسماء حُسنى استأثر بها في علم الغيب عندها لا يعلمها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. أما
الحديث الذي أخرجه الشيخان ((إن لله تسعة وتسعون اسمًا مَن أحصاها دخل الجنة)). أي إن من
أسماء الله تعالى تسعة وتسعين اسمًا مَن أحصاها - فعلِمَها وعَلِمَ معناها ومقتضاها وأثار هذه الأسماء
ودعا الله بها كلٌّ في موضعه، دخل الجنة. (انظر القول الأسنى في تفسير أسماء الله الحسنى
للمحقّق.
(٦) أي جماعة الموحدين.
٠
١٥

وخلقنا في إيَّان الإمامة الموعود ببركتها على لسان الصادق الأمين، إمامة سيدنا الخليفة
أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين(١)، الساطعةِ أنوارُها في جميع الآفاق.
المطفئة بصوب سحائبها، وَجوْب(٢) كتائبها جمراتِ الكفر والنفاق:
فازتَدَّ منتكِصًا بعينَيْ أرْمَدِ
في دولةٍ لحظ الزمان شعاعها
مَن كان مولدهُ تقدّم قبلَها
أو بعدها، فكأنه لم يُولد
فله الحمد - تعالى - على ذلك كلّه، حمدًا لا يزال يتجدد ويتوالى، وهو المسؤول
- سبحانه - أن يخصّ بأشرف صلواتهِ، وأكثف بركاته، الْمُجْتَبى من خليقتهِ، وَالْمَهدِي
بطريقته، المؤدّي إلى اللَّقَم الأفْيَح(٣) والهادي إلى معالم دين الله مَن أفلح، نبيَّه محمدًا
- صلّى الله عليه وآله وسلم - كما قد أقام به الملةَ الْعَوْجَاءَ، وأوضح بهديه الطريقة
الْبَلْجَاءَ(٤)، وَفَتح بهِ آذانًا صُمَّا وعيونًا عُمْيًا، وقلوبًا غُلْفًا(٥). فصلّى الله عليه، وعلى آله
صلاة تحلُّه أعلى منازلِ الزُّلفى.
الغاية من تأليف الكتاب:
(وبعد) فإني قد انتحيت في هذا الإملاء بعد استخارة ذي الطّوْلِ(٦)، والاستعانة
بمَنْ له القدرة والحول. إلى إيضاح ما وقع في سيرة رسول الله - وَل ير - التي سبق إلى
تأليفها أبو بكر محمد بن إسحق الْمطّلبي، ولخّصها عبدُ الملِك بن هشام الْمَعافِري(٧)
المِصْرِي النسَّابة(٨) النحوي(٩) مِمَّا بلغني علمُه، وَيُسّر لي فهمُهُ: من لفظُ غريب، أو
إعرابٍ غامضٍ، أو كلامٍ مُسْتَغْلِقْ(١٠)، أوْ نَسَبِ عَوِيصٍ، أوْ موضِع فقهٍ ينبغي التنبيهُ عليه،
أو خبرٍ ناقص يوجد السبيل إلى تتمته، مع الاعترافَ بكُلُول الْحَدِّ (١١)، عن مبلغ ذلك
(١) يعني رحمه الله تعالى: أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الذي تولى دولة الموحدين عام ٥٥٨
هجرية بالمغرب. وقد كان الرجل رحمه الله فقيهًا حافظًا متقنًا. قاله ابن خلكان. وقد بدأ السهيلي
رحمه الله تعالى في إملاء هذا الكتاب في المحرّم من عام ٥٦٩هـ، وانتهى من إملائه في جمادى
الأولى من نفس العام.
(٢) الجوب: القميص تلبسه المرأة. والصوب: المطر بقدر ما ينفع.
(٣) اللقم الأفيح: الطريق الواضح البيّن.
(٤) البلجاء: الواضحة.
(٥) غلفًا: عليها غشاوة. انظر مقاييس اللغة (٤/ ٣٤٠)
(٦) ذي الطول: صاحب الغنى والفضل.
(٧) المعافري: نسبة إلى معافر بن يعفر، وهم قبيل كبير نزح إلى مصر.
(٨) النسابة: العلم بالأنساب.
(١٠) كلام مستغلق: يصعب فهمه.
(٩) النحوي: العلم بالنحو.
(١١) كلول الحدّ: أي الضعف.
١٦

الْحَدِّ (١)، فليس الغرضُ المعتَمَدُ أن أستوليَ على ذلك الأمَدِ (٢)، ولكن لا ينبغي أن يُدَعَ
الْجَخْشُ (٣) من بَذَهِ (٤) الأغْيَار(٥)، ومَن سافرت في العلم همّتهُ، فلا يُلق عصا النَّسْيَار،
وقد قال الأول:
ن قليلاً فلن تُحِيطَ بِكُلِّة
افعلِ الخیر ما استطعتَ، وإن کا
إذا كنت تاركًا لأقَلْه؟!
ومتَى تبلغ الكثيرَ مِنَ الْفَضل
نسأل اللَّهَ التوفيق لما يرضيه، وشكرًا يَسْتَجْلِبُ المزيدَ من فضله ويقتضيه.
لماذا أتقن التأليف:
قال المؤلف أبو القاسم: قلت هذا؛ لأني كنت حين شرعت في إملاء هذا الكتاب
خُيِّل إليَّ أن المرامَ عسير، فجعلت أخطو خَطْوَ الْحَسِيرِ(٦). وأنهض نَهْضَ الْبَرَقِ(٧)
الْكَسِير، وقلت: كيف أرِد مَشْرَعًا(٨) لم يسبقني إليه فارِطُ(٩). وأسألُك سبيلاً لم تُوطَأ
قبلي بِخُفِّ ولا حَافر، فبينا أنا أتردد ترددَ الحائر، إذ سَفَعَ لي هنالك خاطِرِ: أنَّ هذا
الكتابَ سَيَرِدُ الْحَضْرَةِ الْعَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ الإمَامِيَّةِ(١٠). وأنَّ الإمامة ستلحظه بعينِ القبولِ، وأنه
سَيُكْتَتَب للخزانة المباركة - عَمَّرها الله - بحفظه وكَلاَءَته، وأمَدَّ أميرَ المؤمنين بتأييده
ورعايته، فينتظم الكتاب بِسْلِكْ أعْلاَقِها (١١)، ويتَّسِقُ مع تلك الأنوار في مطالع إشرافها،
فعند ذلك امتطيتُ صَهْوة الْجِدِّ، وَهَزَزْتُ نَبْعَةَ الْعَزْمِ. وَمَرِيْتُ أَخْلاَفَ الحفظ،
وَاجْتَهَرْتُ (١٢) ينابيعَ الفكر، وعصرتُ بُلاَلَة الطبع، فألفَيْتَُ - بحمد الله - البابَ فُتُحًا (١٣)
وسلَكتُ سُبُلَ رَبِّيَ ذُلُلاً، فَتَبَجَّسَتْ لي - بِمَنَّ الله تعالى - من المعاني الغريبة عُيُونُهَا،
وانثالثْ عَلَيَّ من الفوائد اللطيفةِ أبكارُها وعُونُهَا، وَطَفَقَتْ عقائلُ(١٤) الْكَلِمِ يَزْدَلِفْنَ(١٥) إليّ
بأَيَّتِهِنَّ أبدأ، فأعرضت عن بعضها إيثارًا للإيجاز، ودفعت في صدورٍ أكثرِها خشية الإطالة
والإملال، لكن تحصّل في هذا الكتابِ من فوائد العلوم والآداب، وأسماءِ الرجال
(١) الحدّ: أي النهاية.
٠٠٠
(٣) الجحش: ولد الحمار.
(٥) الأغيار: جمع عير وهو الحمار الوحشي.
(٧) البرق: الحَمَل.
(٩) فارطٌ: سابق.
(٢) الأمد: أي النهاية.
(٤) بذّه: غلبه وسبقه.
(٦) الحسير: المنقطع.
المشرع: مورد الماء.
(٨)
(١٠) كتابة عن الإمام أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.
(١٢) اجتهرت: أي نقيت.
(١١) أعلاقها: جمع علق - وهو الشيء النفيس.
(١٣) أي مفتوحًا.
(١٤) العقائل: جمع عقيلة وهي: السيدة الكريمة المخذّرة.
(١٥) يزدلفن: ازدلف: أي دنا وتقدم.
١٧

والأنساب، ومن الفقه الباطن اللَّبَاب(١)، وتعليل النحو، وصنعة الإعراب، ما هو
مُستَخرَجْ من نَيِّفٍ على مائة وعشرين ديوانًا، سوى ما أنتجه صدري، وَنَفِحَه فِكري.
وَنَتَجَه نظري، وَلَقِنْتُه عن مشيختي، من نُكَتٍ (٢) عِلْمِيَّةٍ لم أُسْبَق إليها، ولم أُزْحَم عليها،
كل ذلك بِيُمْنِ الله، وبركة هذا الأمر الْمُخبِيٍ لخوَاطِرِ الطالبين والموقظِ لهِمَم
الْمُستَرْشِدين، والمحرّك للقلوب الغافلة إلى الاطلاع على معالم الدين، مع أني قَلْلْتُ
الفُضُولَ، وَشَذَّبتُ أطرافَ الفصول، ولم أتتبع شُجُونَ الأحاديث، وللحديث شُجُونٌ، ولا
جَمَحَتْ بِي خَيْلُ الكلام إلى غاية لم أرِدها، وقد عَنَّت(٣) لي منه فُنون، فجاء الكتابُ من
أصغر الدواوين حَجْمًا. ولكنه كُنَيْفٌ(٤) مُلِىء علمًا، ولو ألَّفه غيري لقلت فيه أكثر من
قولي هذا.
وكان بَدْءُ إملائي هذا الكتابَ في شهر المحرم من سنة تسع وستين وخمسمائة،
وكان الفراغ منه في جُمادى الأولى من ذلك العام.
سنده :
فالكتابُ الذي تَصَدَّينا له من السِّيّر هو ما حدَّثنا به الإمام الحافِظ أبو بكر محمد بن
عبد الله بن الْعَرَبِيِّ سماعًا عليه قال: ثنا أبو الحسن الْقَرَافِيّ الشافعي، قال: ثنا أبو
محمد بن النحاس، قال: ثنا أبو محمد عبد الله بن جَعْفَر بن الورد، عن أبي سعيد:
عبد الرحيم بن عبد الله، بن عبد الرحيم بن أبي زرعة الزُّهْري البَرْقِيّ، عن أبي محمد
عبد الملك بن هشام، وحدّثنا به أيضًا - سماعًا عليه - أبو مَزْوَان عبد الملك بن سعيد بن
بُوْنُه القرشي الْعَبدري عن أبي بَحْرِ سُفْيَان بن العاص الأسدي عن أبي الوليد، هشام بن
أحمد الكناني.
وحدّثني به أيضًا أبو مَرْوَانَ، عن أبي بكر بن بُزْآلٍ، عن أبي عمر أحمد بن محمّد
المُقَّرِي الطَّلَمَنْكِي، عن أبي جعفر أحمد بن عون الله بن حُدَير، عن أبي محمد بن الورد
عن البرقي عن ابن هشام.
وحدّثني به أيضًا - سماعًا وإجازة - أبو بكر محمد بن طاهر الأشْبِيلِيّ عن أبي علي
الغساني، عن أبي عمر النَّمَرِيِّ وغيره عن أشياخه عن الطَّلَّمَنْكِيِّ بالإسناد المتقدم.
(١) اللباب: لبّ الشيء: خالصه.
(٢) النكتة: هي المعلومة المستخرجة بإعمال العقل.
(٣) عنت: أي خضعت. قال تعالى: ﴿وعنت الوجوه للحيّ القيّوم﴾.
(٤) الكنيف: وعاء العلم.
١٨

ترجمة ابن إسحق:
(فصل) ونبدأ بالتعريف بمؤلف الكتاب، وهو: أبو بكر محمد بن إسحق بن يسار
الْمُطّلبِيِّ بالولاء؛ لأن ولاءَه لقيس بن مَخْرَمة بن المطلب بن عبد مناف، وكان جدّه يسار
من سبي عين التمر (١)، سباه خالد بن الوليد.
ومحمد بن إسحق هذا - رحمه الله - ثبتّ في الحديث عند أكثر العلماء، وأما في
المغازي والسِّيّر، فلا تُجهل إمامته فيها. قال ابن شهاب الزُّهْرِيّ(٢): مَن أراد المغازي،
فعليه بابن إسحق. ذكره البخاري في التاريخ، وذكر عن سفيان بن عينيه(٣) أنه قال: ما
أدركت أحدًا يتهم ابن إسحق في حديثه، وذكر أيضًا عن شعبة بن الحجاج أنه قال: ابن
إسحق أمیرُ المؤمنین یعني: في الحدیث، وذکر أبو یحیی الساجي - رحمه الله - بإسنادٍ
له عن الزُّهْرِيِّ أنه قال: خرج إلى قريته باذام، فخرج إليه طلاب الحديث، فقال لهم:
أين أنتم من الغلام الأحول: أو: قد خلّفت فيكم الغلامَ الأحول يعني: ابن إسحق،
وذكر الساجي أيضًاً قال: كان أصحاب الزهري يلجؤون إلى محمد بن إسحق فيما شكُوا
فيه من حديث الزهري، ثقة منهم بحفظه، هذا معنى كلام الساجي نقلته من حفظي، لا
من كتاب.
وذكر عن يحيى بن مَعِين(٤)، وأحمد بن حنبل(٥)، ويحيى بن سعيد القطان(٦) أنهم
(١) عين التمر: بلد فتحه المسلمون عام ١٢هـ.
(٢) الزهري: هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله القرشي الزهري الفقيه الحافظ متفق على
جلالته وإمامته وهو من رؤوس الطبقة الرابعة. مات سنة خمس وعشرين [ومائة] وقيل قبل ذلك
بسنة أو سنتين. أخرج له أصحاب الكتب الستة. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أصحّ الأسانيد:
الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن جدّه عليّ. وقال البخاري: أصحّ الأسانيد: الزهري عن
سالم عن أبيه. التهذيب (٤٤٥/٩).
(٣) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكّي، ثقة حافظ فقيه
إمام حجة، إلا أنه تغيّر حفظه بآخره، وكان ربما دلس، لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة
الثامنة، وكان أثبت الناس عن عمرو بن دينار. مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وله إحدى
وتسعون سنة. أخرج له أصحاب الكتب الستّة. انظر ترجمته في تهذيب الكمال (١٧٧/١١)،
التهذيب (١١٧/٤)، التقريب (٣١٣/١).
(٤) هو يحيى بن معين بن عون الغطفاني مولاهم، أبو زكريا البغدادي، ثقة حافظ، إمام الجرح
والتعديل، من الطبقة العاشرة. وله الكتاب آلام في الجرح والتعديل الموسوم بهذا الاسم. مات سنة
ثلاث وثلاثين ومائة بالمدينة النبوية وله بضع وسبعون سنة. أخرج له أصحاب الكتب الستة. انظر
ترجمته في التهذيب (٢٨/١١).
(٥) هو إمام أهل السُّنة، الإمام المبتلى أحمد بن حنبل وكفاه فخرًا أنه الإمام أحمد بن حنبل.
(٦) هو الثقة الحافظ المتقن الإمام القدوة: يحيى بن سعيد القطان البصري من كبار التاسعة، مات سنة=
١٩

وثّقوا ابن إسحق، واحتجوا بحديثه، وذكر علي بن عمر الدارَقُطْني في السُّنن حديث
القُلَّتين من جميع طرقه(١)، وما فيه من الاضطراب، ثم قال في حديث جرى: وهذا يدل
على حفظ محمد بن إسحق، وشدة إتقانه.
قال المؤلف: وإنما لم يخرج البخاري عنه، وقد وثّقه، وكذلك وثّقه مسلم بن
الحجاج، ولم يخرج عنه أيضًا إلا حديثًا واحدًا في الرّجم، عن سعيد المقبري عن أبيه،
من أجلٍ طغن مالكِ فيه، وإنما طعن فيه مالك - فيما ذكر أبو عمر رحمه الله، عن
عبد الله بن إدريس الأَودِي - لأنه بلغه أن ابن إسحاق قال: ماتوا حديث مالك، فأنا
طبيبٌ بعِلَلِه، فقال مالك: وما ابن إسحق؟! إنما هو دَجَّال من الدجاجلة، نخن أخرجناه
من المدينة، يشير - والله أعلم - إلى أن الدَّجال لا يدخل المدينة(٢). قال ابن إدريس:
وما عرفت أن دجَّال! يُجمع على دجاجلة، حتى سمعتها عن مالك، وذكر أن ابن إسحق
مات ببغداد سنة إحدى وخمسين ومائة، وقد أدرك من لم يدركه مالك، روی حديثًا كثيرًا
عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيْمِيّ، ومالك إنما يُروَى عن رجل عنه، وذكر
الخطيب أحمدُ بن علي بن ثابت في تاريخه(٣) - فيما ذكر لي عنه - أنه - يعني ابن
إسحق - رأى أنس بن مالك، وعليه عمامة سوداء، والصبيان خلفه يَشْتَدُون(٤)،
ويقولون: هذا صاحبُ رسولِ الله - ◌َ﴿ - لا يموت حتى يلقى الدجال، وذكر الخطيب
أيضًا أنه رُوِيَ عن سعيد بن الْمُسَيِّبِ، والقاسم بن محمد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن.
وذكر أن يحيى بن سعيد الأنصاري شيخَ مالك روى عن ابن إسحاق قال: وروى
عنه سفيان الثوري، والحمادان: حمادُ بن سَلَمة بن دينار، وحماد بن زيد بن درهم،
وشُعبة. وذكر عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال: مَن أراد أن يتبخّر في المغازي،
فهو عيال على محمد بن إسحق، فهذا ما بلغنا عن محمد بن إسحق - رحمه الله(٥).
ثمان وتسعين ومائة وله ثمان وسبعون سنة. أخرج له أصحاب الكتب الستة.
=
(١) أخرجه الدارقطني (٢٦/١) بتحقيقي.
(٢) يشير إلى حديث مسلم: أن مكة والمدينة محرّمتان على الدجال أن يدخلهما.
(٣) انظر تاريخ بغداد (٢١٤/١).
(٤) یشتدون: أي يسرعون.
(٥) يقول الحافظ في تقريبه عن محمد بن إسحق: صدوق مدلس رُمِيَ بالتشيّع والقدر. التقريب
(٥٧٤٣). وفي التهذيب: رأى أنسًا وسعيد بن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن وروى عن أبيه
وعمّيه عبد الرحمن وموسى والأعرج و ... ثم قال: وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري
ويزيد بن أبي حبيب وهما من شيوخه وجرير بن حازم و ... ثم قال: قال المفضل الغلابي سألت
يحيى بن معين عنه فقال: كان ثقة وكان حسن الحديث. فقلت: إنهم يزعمون أنه رأى ابن
المسيب. فقال: إنه لقديم. وقال ابن شهاب وسُئِلَ عن مغازيه [أي مغازي ابن إسحق] فقال: هذا=
٢٠