النص المفهرس
صفحات 241-260
والطبراني وغيره ، وقال الترمذي : ( غريب وفي إسناده مقال ، وفائد راويه ضعيف ) اهـ(١) وذِكْرُ ابن الجوزي له في ((الموضوعات))(٢) .. مردود ؛ فقد قال الحاكم : ( حديث فائد مستقيم ؛ إلا أن الشيخين لم يخرّجا له ، وإنما أخرجت حديثه شاهداً)(٣)، وقال ابن عَدِيّ: ( هو مع ضعفه يُكتَب حديثه)(٤) ، وفي الجملة هو حديث ضعيف جداً، يُكتَب في فضائل الأعمال ، وأما كونه موضوعاً .. فلا، قاله السخاويّ(٥) ، لكن قال السبكيّ وغيره : محل العمل بالحديث الضعيف ما لم يشتد ضعفه ، وإلا .. لم يعمل به في الفضائل أيضاً . وجاء بسند ضعيف: (( من كانت له حاجة إلى الله .. فليُسبغ الوضوء وليصلِّ ركعتين ، يقرأ في الأولى بـ(الفاتحة) و( آية الكرسي) ، وفي الثانية بـ( الفاتحة) و(آمن الرسول)، ثم يتشهَّد ويسلّم ويدعو بهذا الدعاء: اللهمَّ ؛ يا مؤنسَ كلِّ وحيد ، ويا صاحبَ كلِّ فريد ، ويا قريباً غير بعيد ، ويا شاهداً غير غائب ، ويا غالباً غير مغلوب ، يا حيُّ يا قيوم ، يا ذا الجلال والإِكرام ، يا بديع السماوات والأرض ؛ أسألك باسمك الرحمن الرحيم ، الحيّ القيوم ، الذي عَنَت له الوجوه ، وخشعت له الأصوات ، ووَجِلت له القلوب من خشيته : أن تصلِّي على محمد ، وعلى آل محمد ، وأن تفعل بي كذا ؛ فإنه تُقضَى حاجته)) (٦). (١) أخرجه الترمذي (٤٧٩)، وابن ماجه (١٣٨٤)، والطبراني في ((الأوسط)) (٣٤٢٢). (٢) الموضوعات (٢/ ٦١). (٣) المستدرك (٣٢٠/١). (٤) الكامل (٢٦/٦) . (٥) القول البديع (ص ٤٣٢ ). (٦) ذكره الإمام السيوطي في ((اللآلى المصنوعة)) (٤١/٢)، وعزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (٤٣٢) للديلمي في ((الفردوس))، ولأبي القاسم التيمي في ((الترغيب)). ٢٤١ وفي رواية سندها واهٍ بمرَّة : أنه صلى الله عليه وسلم علَّم [أُم] أيمن كيفية أُخرى مخالفةً للكيفية السابقة؛ فلشدة ضعفها لا حاجة لنا بذكرها(١) ، على أن فيها تعمُّد السجود بين التشهد والسلام لغير سَهْوٍ يقتضيه ، وهو مبطل للصلاة كما مر . وفي أُخرى موقوفة على ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : ( من كانت له حاجة إلى الله .. فَلَيَصُمْ يوم الإِثنين والخميس والجمعة ، فإذا كان يوم الجمعة .. تطهّر وراح إلى المسجد ، فتصدَّقَ بصدقةٍ قلَّت أو كثُرت ، فإذا صلَّى الجمعة .. قال : اللهمَّ؛ إني أسألك باسمك ، بسم الله الرحمن الرحيم ، الذي لا إله إلا هو ، عالم الغيب والشهادة ، الرحمن الرحيم ، أسألك باسمك ، بسم الله الرحمن الرحيم ، الذي لا إله إلا هو ، الحيّ القيوم ، الذي لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم ، الذي ملأتْ عظمته السماوات والأرض ، وأسألك باسمك ، بسم الله الرحمن الرحيم ، الذي لا إله إلا هو ، الذي عَنَتْ له الوجوه ، وخَشعت له الأصوات ، ووَجِلت القلوب من خشيته : أن تصلِّي على محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن تقضي حاجتي ، وهي كذا وكذا ، فإنه يُستجَاب له إن شاء الله تعالى ، قال : وكان يقال : لا تعلِّموها سفهاءكم؛ لئلا يدعوا بها في مأثم، أو قطيعة رَحِم) (٢). وأخرج كثيرون - منهم : الترمذي وقال : حسن صحيح ، والحاكم وقال : صحيح على شرطهما - : أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في حاجة ، فكان عثمان لا يلتفت [إليه] ، فلقي عثمان بن حُنيف فشكا إليه ذلك ، فقال له : ائت الميضأة فتوضأ ، ثم ائتِ المسجد فصلِّ فيه ركعتين ، ثم قل : اللهم ؛ إني أسألك وأتوجَّه إليك بنبيِّك محمد صلى الله عليه (١) حديث أم أيمن عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص ٤٣٢) لعبد الرزاق الطبسي. (٢) في جميع النسخ: ( موقوفة على ابن عمر)، وعزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) ( ص٤٣٣ ) لأبي موسى المديني والنميري موقوفاً على ابن عمرو . ٢٤٢ وسلم نبي الرحمة ، يا محمد إني أتَوجّه بك إلى ربي ، فتقضي لي حاجتي ، واذكر حاجتك ، ثم رُخْ حتى أروح ، فانطلق الرجل ، فصنع ذلك ، ثم أتى باب عثمان بن عفان ، فجاءه البوَّاب ، فأخذ بيده وأدخله على عثمان ، وأجلسه معه على الطُّنْفِسة (١) ، فقال : ما حاجتك ؟ فذكر حاجته ، فقضاها له ، ثم قال : ما فهمت حاجتك حتى كان الساعة ، وما كانت لك من حاجة فسَلْ . ثم إن الرجل خرج من عنده ، فلقي عثمان بن حُنيف ، فقال له : جزاك الله تعالى خيراً ، ما كان ينظر في حاجتي ، ولا يلتفت إليَّ حتى كلَّمْتَهُ ، فقال له عثمان بن حنيف : ما كلمتُهُ ولا كلَّمني ، ولكنِّي شهدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل ضرير البصر (٢) ، فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( ائتِ الميضأة فتوضأ، ثم ائتِ المسجد فصَلِّ ركعتين ، ثم قُلْ: اللهمَّ ؛ إني أسألك وأتوجَّه إليك بنبيّك نبيِّ الرحمة ، يا محمد إني أتوجَّه بك إلى ربِّي، فيُجَلِّي لي عن بصري ، اللهمَّ؛ شفِّعه فيَّ ، وشفعني في نفسي))، قال عثمان: فوالله؛ ما تفرَّقنا وطال بنا الحديث .. حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضرر ، وفي لفظ: (( اللهمَّ ؛ إني أسألك وأتوجَّه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة ، يا محمد إني متوجّه بكَ إلى ربي في حاجتي هذه تقضيها لي ، اللهم ؛ شفِّعه فيَّ ، وشفِّعني فيه)) أي : في قضائها ، وهذه القصة ذكرت استطراداً(٣). وفي ((الإِحياء)) مرفوعاً: ((إذا سألتم الله عز وجل حاجة .. فابدؤوا بالصلاة عليَّ ؛ فإن الله تعالى أكرم من أن يُسأل حاجتين ، فيقضيَ إحداهما (١) الطُّنفِسة - بكسر الطاء والفاء، وبضمهما، وبكسر الطاء وفتح الفاء - : البساط الذي له خمل رقيق . (٢) في النسخ : ( وأتاه رجل ) ، والتصويب من الطبراني . (٣) أخرجه الحاكم (٥٢٦/١)، والترمذي (٣٥٧٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٤١٩)، وأحمد (١٣٨/٤)، وأخرجه مطولاً بذكر القصة البيهقي في ((دلائل النبوة)) (١٦٨/٦)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٠/٩) و((الدعاء)) (١٠٥٠). ٢٤٣ ويَرُدَّ الأُخرى)) (١) ، والمعروف : أنه من قول أبي الدرداء ، ولعل أبا سليمان الداراني أخذ منه قوله : ( إذا أردت أن تسأل الله تعالى حاجة .. فصلِّ على محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم سَلْ حاجتك ، ثم صلِّ عليه صلى الله عليه وسلم ؛ فإن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم مقبولة ، والله عز وجل أكرم من أن يرد ما بينهما ) . وأخرج الديلمي قصة طويلة عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه وقعت له مع المنصور ، وخلاصه منه على خلاف القياس بواسطة دعاء دعا به ، وذَكَرَهُ ، لكن سند ذلك ضعيف جدّاً(٢). وفي ((ربيع الأبرار)): ( أن رجلاً خاف من عبد الملك بن مروان ، فلم يقرَّ به مكان ، فسمع هاتفاً من وادٍ : أين أنت من السَّبُع ؟ فقال : وأيُّ سَبُع يرحمك الله تعالى ؟ فقال : سبحان الواحد الذي ليس غيره إلله ، سبحان الدائم الذي لا نفاد له ، سبحان القديم الذي لا نِدَّ له ، سبحان الذي يحيي ويميت ، سبحان الذي هو كلَّ يوم في شأن ، سبحان الذي يَخْلُق ما يُرى وما لا يُرى ، سُبحان الذي عَلِم كلَّ شيءٍ بغير تعليم ، اللهمَّ ؛ إني أسألك بحق هؤلاء الكلمات وحُزمتهن : أن تصلِّي على محمد ، وأن تفعل بي كذا)(٣). وأمر ابنُ طُولون بضرب عنق شخص ، فطلب أن يُمَكَّنَ من صلاة ركعتين فمُكِّن ، ثم سُمع يقول وهو يشير بإصبعيه : يا لطيفاً فيما يشاء ، يا فعَالاً لِما يريد ؛ صلِّ على محمد وآله ، والطف بي في هذه الساعة ، وخلِّصني من يديه ، ثم فُتِّش عليه فلم يوجد ، ولم يكن بالمحل الذي هو فيه طَاقٌ ، فقيل (١) الإحياء (٣٠٧/١). (٢) ذكر القصة بطولها الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٤٣٦)، وعزاها للديلمي أيضاً، وأخرجها كذلك ابن عساكر في ((تاريخه)) (١٨ / ٨٧)، وفي الدعاء الذي دعا به: ( ... ويا ذا النعماء التي لا تحصى عدداً؛ أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد، وبك أدرأ في نحور الأعداء والجبارين ... ) إلخ. (٣) ربيع الأبرار (٢/ ٥٢٦). ٢٤٤ لابن طولون ، فقال للسياف : صدقت ، هذه دعوة مستجابة . وبَقِيَ في الباب آثار عن ابن عباس وغيره . والحاصل : أن من توسَّل بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم أَنجِح قصده ، وبُلِّغ مراده ؛ فإنه ذو الجاه الرَّفيع ، والجود الوسيع ، وكيف لا ؛ وقد برىء الأكمه بواسطة التَّوسل به ؟! وهذا من أعظم المعجزات ، بل إجابة المتوسلين بجاهه صلى الله عليه وسلم تتضمن معجزات لا حصر لها ولا انقضاء . فنتوسَّل إليك اللهم بجاهه الأعظم ، وبقربه الأكمل الأفخم : أن تتفضَّل علينا بجميع ما نحبه من الخير ، إنك على كل شيء قدير ، وبالإِجابة جدير . السادس والثلاثون: في سائر الأحوال ، مرَّ في ( الفصل الثالث ) أحاديث كثيرة دالَّةٌ على طلبها في كل وقت، ومزَّ قريباً(١) عن ابن مسعود : ( أنه ما جَلَس في مأدبة ولا غيرها فيقوم .. حتى يَحمَدَ الله تعالى، ويُصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ) . وحُكي : أن رجلاً حجَّ ، فكان يكثر الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في مواقف الحج وأعماله ، فقيل له : لِمَ لَمْ تشتغل بالدعاء المأثور ؟! فاعتذر بأنه خرج للحج هو ووالده ، فمات بالبصرة ، فكشف عن وجهه ؛ فإذا هو صورة حمار ، فحزن حزناً شديداً ، ثم أخذته سِنةٌ فرآه صلى الله عليه وسلم وتعلَّق به ، وأقسم ليُخبرنَّه بقصة والده فقال: (( إنه كان يأكل الرِّبا، وآكله يقع له ذلك دنيا وأُخرى ، وللكنه كان يصلِّي [عليَّ ] كل ليلة عند نومه مئة مرة ، فلمَّا عرض له ذلك .. أخبرني به المَلَك الذي يعرض عليَّ أعمال أُمتي ، فسألت الله ، فشفَّعني فيه))، فاستيقظ فرأى وجه والده كالبدر ، ثم لَمَّا دفنه .. رأى هاتفاً يقول له : سبب العناية التي حقَّت والدك .. الصلاةُ والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فآليتُ على نفسي ألا أتركها على أيّ حال كنت ، وفي أيّ مكان كنت . (١) انظر (ص ٢٣٠). ٢٤٥ ونظيره : أن شخصاً كان يُكثرها ، فسُئِل فذكر : أنه خرج حاجّاً ومعه أبوه ، فبينا هو نائم في بعض المنازل ، وإذا قائل يقول له : قُمْ فقد أمات الله أباك ، وسؤَّد وجهه ، فاستيقظ فرآه كذلك ، فدخله منه رعب شديد ، ثم نام ، فرأى أربعة سودان مُحدِقين بأبيه ومعهم أعمدة من حديد ، فأقبل رجل حسن الوجه فنخّاهم عنه ، ورفع الثوب عن وجهه ومسحه بيده ، ثم أتاني فقال : (( قُمْ قد بيَّض الله تعالى وجه أبيك)) ، فقلت : مَنْ أنت بأبي أنت وأمي ؟ قال : (( محمد )) صلى الله عليه وسلم ، فكشفت الثوب عن وجه أبي ؛ فإذا هو أبيض(١) فدفنته ، ثم ما تركت بعدُ الصلاةَ على النبي صلى الله عليه وسلم(٢). ونظير ذلك أيضاً : ما حكاه سفيان الثوريّ رضي الله تعالى عنه : أنه رأى حاجّاً يُكثرها ، فقال له : هذا موضع الثناء على الله تعالى ؟! فأخبره أن أخاه لَمَّا حضرته الوفاة .. اسودَّ وجهه فأحزنه ذلك ، فبينا هو كذلك ؛ إذ دخل عليه رجل وجهه كالسراج المضيء ، فمسح بيده وجهه ، فزال سواده ، وصار كالقمر ، ففَرِح وسأله عن اسمه ، فقال : أنا مَلَك موكَّل بمن يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم ، أفعل به هكذا ، وقد كان أخوك يُكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان قد حصل له مخْنَة ، فعوقب بسواد الوجه ، ثم أدركه الله عز وجل ببركة صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأزال عنه ذلك السواد ، وكساه هذا . وأخرج أبو نعيم وغيره عن سفيان قصة أُخرى فيها : أنه حج فرأى شابّاً لا يرفع قدماً ولا يضع أُخرى .. إلاَّ وهو يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : أَبِعلم تقول هذا ؟ قال : نعم ، ثم ذكر له : أنه حجّ بوالدته ، فسألته أن يدخلها البيت ففعل ، فوقعت وتورَّم بطنها ، واسودّ وجهها ، فحزن ثم رفع يديه وقال : يا ربِّ ؛ هكذا تفعل بمَن دخل بيتك ؛ (١) في النسخ: ( أبي) ، والتصويب من هامش (أ). (٢) أخرجها ابن بشكوال في ((القربة)) (٩٦). ٢٤٦ فإذا بغمامة قد ارتفعت من قِبَلِ تِهامة ، وإذا رجل عليه ثياب بيض ، فدخل البيت وأَمَرَّ يده على وجهها فابيضَّ، وأمرَّ يده على بطنها فابيضَّ فسكن المرض ، ثم مضى ليخرُج ، فتعلقتُ بثوبه فقلتُ : مَن أنتَ الذي فرَّجت عني؟ قال: (( أنا نبيك محمد )) صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ؛ فأوصني ، قال: (( لا ترفع قدماً ولا تضع أُخرى .. إلا وأنت تصلِّي على محمد وعلى آل محمد صلى الله عليه وسلم )) . السابع والثلاثون : لمن اتُّهِم وهو بريء ، فيها أحاديث لم يصح منها شيء . منها : أن رجلاً شهدوا عليه أنه سرق ناقة لهم ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُقطع ، فولَّى وهو يصلِّي عليه صلى الله عليه وسلم ، فتكلم الجمل وقال : يا محمد ؛ إنه بريء من سرقتي ، فأمر به صلى الله عليه وسلم فأُحضر، فقال له: (( ماذا قلت آنفاً وأنت مدبر؟))، فأخبره ، فقال صلى الله عليه وسلم: (( لذلك نظرتُ إلى الملائكة يخترقون سكك المدينة ، حتى كادوا يحولون بيني وبينك))، ثم قال: ((لتَرِدنَّ عليَّ الصراط ووجهك أضوأُ من القمر ليلة البدر)) أخرجه الديلمي ولا يصح، والطبراني وفي سنده راوٍ اتُّهم بوضعه (١) . ومنها : جاء أعرابي آخذ بخطام بعيره حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، فردَّ عليه صلى الله عليه وسلم، فقال: ((كيف أصبحت؟))، قال: ورغا البعير وجاء رجل كأنه حَرَسِيّ ، فقال الحَرَسِيُّ : يا رسول الله ؛ هذا الأعرابي سرق البعير ، ورغا البعير ساعة وحَنَّ ، فأنصت له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمع رُغاءه وحنينه ، فلما هَدَأَ البعير .. أقبل صلى الله عليه وسلم على الحَرَسِيِّ، فقال: (( انصرف عنه؛ فإن البعير يشهد عليك أنك كاذب))، (١) أخرجه الطبراني في ((الدعاء)) (١٠٥٥)، وكذلك عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) ( ص ٤٤٧ ) للديلمي . ٢٤٧ فانصرف الحَرَسِيُّ ، فأقبل صلى الله عليه وسلم على الأعرابي وقال له: ((أيَّ شيء قلت حين جئتني؟)) ، قال : قلت - بأبي أنت وأمي - : اللهم ؛ صلِّ على محمد حتى لا تبقى صلاة ، اللهم ؛ وبارك على محمد حتى لا تبقى بركة ، اللهم ؛ وسلَّم على محمد حتى لا يبقى سلام ، اللهم ؛ وارحم محمداً حتى لا تبقى رحمة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى أبداها لي ، والبعير ينطق بعذره ، وإن الملائكة قد سَدُّوا أفق السماء )) أخرجه الطبراني، للكنه ظاهر النكارة كما قاله شيخ الإِسلام في ((لسان الميزان))(١). ويُروَى : أن جماعة شهدوا عنده صلى الله عليه وسلم على رجل بسرقة جمل ، فأمر بقطعه ، فصاح الجمل : لا تقطعوه ، فقيل له : بم نجوت ؟ فقال : بصلاتي على النبي صلى الله عليه وسلم في كل يوم مئة مرة ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((نجوت من عذاب الدنيا والآخرة)) (٢). الثامن والثلاثون : عند لقاء الإِخوان ، جاء بسند ضعيف جدّاً: (( ما من متحابَّين يستقبل أحدهما صاحبه فيصافحه ، ويصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم .. إلا لم يبرحا حتى يُغفَر لهما ذنوبهما، ما تقدم منها وما تأخر)) ، وفي رواية: ((ما من مُسلِمَيْن))(٣). وحُكي عن بعض المبارَكِين أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً ذلك . التاسع والثلاثون : عند تفرُّقِ القوم بعد اجتماعهم ، وعند القيام من المجلس ، وفي كل محل يجتمع فيه لذكر الله تعالى ، مرَّ في مبحث ( قبائح تارك الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم)(٤) حديثٌ أنَّ كل مجلس خلا عن (١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٤١/٥)، وفي ((الدعاء)) (١٠٥٤)، وانظر ((لسان الميزان)) (٨/ ٣١٤) إتماماً للفائدة . (٢) عزاه الإمام السخاوي في (( القول البديع)) لابن بشكوال . (٣) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٨٩٤٤)، وأبو يعلى (٢٩٦٠)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (١٩٤)، وابن عدي في ((الكامل)) (١٠٣/٣). (٤) انظر ( ص ١٩٧ ). ٢٤٨ ذِكْره صلى الله عليه وسلم .. كان على أهله تِرَة من الله يوم القيامة ، وقاموا عن أنتن جيفة . وجاء عن سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه : ( أنه كان إذا أراد القيام يقول : صَلَّى الله وملائكته على محمد وعلى أنبيائه وملائكته ) . ومرَّ في الفوائد حديث: ((إن الله سيَّارة من الملائكة))(١) . الأربعون : عند ختم القرآن العظيم ، كما دلت عليه الآثار الواردة بأن هذا المحل من آكد مواطن الدعاء ، وأحقّها بالإِجابة ، وأنه محل تنَزُّل الرحمة ، وحينئذ فهو من آكد مواطن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم . الحادي والأربعون : في الدعاء لحفظ القرآن الكريم ، جاء فيه : أن عليّاً كرم الله تعالى وجهه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم تفلُّت القرآن ، فعلَّمه صلى الله عليه وسلم : أنه إذا كان ثلث ليلة الجمعة الآخر .. فإنها ساعة مشهودة ، والدعاء فيها مستجاب ، وقد قال يعقوب على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام لبنيه : ﴿سَوّفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾ يقول : حتى تأتي ليلة الجمعة ، فإن لم تستطع .. فوسطه ، فإن لم تستطع .. فأوَّله تصلّي أربع ركعات في الأولى بعد ( الفاتحة ) : ( يس )، وفي الثانية : ( الدُّخان ) ، وفي الثالثة: ( آلم تنزيل السجدة ) ، وفي الرابعة : ( تبارك المفصَّل ) . ثم علَّمه إذا فرغ من التشهُّد .. يَحمَد الله، ويحسن الثناء عليه، ويصلِّي على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعلى سائر الأنبياء ، ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات ، ولمن سبقه بالإِيمان ، ثم يقول : اللهمَّ ؛ ارحمني بترك المعاصي أبداً ما أبقيتني ، وارحمني أن أتكلّف ما لا يعنيني ، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني ، اللهمَّ؛ بديعَ السماوات والأرض ، ذا الجلال والإِكرام ، والعزة التي لا تُرام؛ أسألك يا أَثْه يا رحمن بجلالك ونور وجهك : أن تُلزم قلبي حفظ كتابك ، كما علمتني ، وارزقني أن أتلُوَه على (١) انظر (ص ١٤٨). هے ٢٤٩ النحو الذي يرضيك عني ، اللهم ؛ بديعَ السماوات والأرض ، ذا الجلال والإِكرام ، والعزة التي لا ترام؛ أسألك يا أَله يا رحمن بجلالك ونُور وجهك : أن تنوِّر بكتابك بصري ، وأن تُطلِقِ به لساني ، وأن تُفرِّج به عن قلبي ، وأن تشرح به صدري ، وأن تغسل به بدني ؛ فإنه لا يُعينني على الحق غيرك ، ولا يؤتيه إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم))، ثم قال له : (( يا أبا الحسن ؛ تفعل ذلك ثلاث جُمَع - أو خمساً ، أو سبعاً - تجاب بإذن الله )) . ثم أخبر النبيَّ صلى الله عليه وسلم : أنه كان يثقل عليه نحو أربع آيات ، وأنه الآن يتعلم نحو الأربعين ، وأخبره : أنه في الحديث كذلك ، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((مؤمن وربِّ الكعبة يا أبا الحسن)) أخرجه جماعة منهم الترمذيّ ، وقال : ( غريب ) ، والحاكمُ وقال: ( صحيح على شرطهما ) ، وجزم الذهبي في موضع بأنه موضوع ، وفي آخرَ بأنه باطل ، وقال مرة : ( أخاف أن يكون مصنوعاً ، وقد حيَّرني والله جودة إسناده! ) ، وذكره ابن الجوزي في (( الموضوعات)) ، واتَّهَم بوضعه من هو بريء من ذلك حسبما يظهر من جمع طرق الحديث قاله السخاويّ ، ثم ذكر له طريقاً آخر قريباً من الأول ، وقال عقبه عن المنذري : ( طرق أسانيد هذا الحديث جيدة ، ومَتْنه غريب جدّاً) ، ونحوه قول العماد بن كثير: ( في المتن غرابة ، بل نكارة ) ، ثم قال : ( قلت : والحق أنه ليست له علة ، إلا أنه عن ابن جُريج عن عطاء بالعنعنة ، أفاده شيخنا ، وأخبرني غير واحد : أنهم جرَّبوا الدعاءَ به فوجدوه حقّاً ، والعلم عند الله تعالى ) اهـ(١) (١) أخرجه الحاكم (٣١٦/١)، والترمذي (٣٥٧٠)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٦٧/١١) وقول الذهبي في ( سير أعلام النبلاء)) (٢١٨/٩) وفي ((تلخيص المستدرك)) (٣١٦/١)، قال ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٥٩/٢) بعد ذكر الحديث: ( لا أتهم به إلا النقاش شيخ الدارقطني)، قال المناوي في ((فيض القدير)) ( ١١٤/٣): (وأورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) فلم يصب في إيراده ؛ لأن غايته أنه ضعيف )، وانظر ((الترغيب والترهيب)) (٣٣٧/٢) و((القول البديع)) (ص٤٥٢). ٢٥٠ الثاني والأربعون : عند افتتاح كل كلام ، كما نصَّ عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه حيث قال : ( أُحبُّ أن يقدِّم المرء بين يدي خطبته وكلِّ أمر طلبه حمدَ الله ، والثناءَ عليه سبحانه وتعالى ، والصلاةَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) اهـ(١) ودليله : ما أخرجه جماعة بسند ضعيف : أنه صلى الله عليه وسلم قال : (( كل كلام لا يُذكَر الله تعالى فيه فيبدأ به وبالصلاة عليَّ .. فهو أقطع ممحوق من كل بركة)) ، وفي رواية لابن مَنْده: (( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله ، ثم بالصلاة عليّ .. فهو أقطع أكتع، ممحوق البركة))(٢). الثالث والأربعون : عند ذكره صلى الله عليه وسلم كما مرَّ حكماً ودليلاً(٣)، وحكى القاضي عياض عن التُّجيبي: ( أنه قال : واجب على كل مؤمن ذَكرَه صلى الله عليه وسلم ، أو ذُكر عنده أن يخضعَ ويخشعَ ويتوقَّرَ ويُسكِّنَ من حركته ، ويأخذَ من هيبته وإجلاله صلى الله عليه وسلم ، بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه ، ويتأدب بما أدبنا الله تعالى به ، قال : وهذه كانت سيرة سلفنا الصالح ، وأئمتنا الماضين ) (٤). وكان مالك رضي الله تعالى عنه إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغيّر لونه ، وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه ، فقيل له في ذلك ، فقال : لو رأيتم ما رأيت .. لَمَا أنكرتم عليَّ ما ترون ، وحكى عن أئمة السلف الذين لقیھم : أنه کان یحصل لهم عند سماع ذِكْره صلى الله عليه وسلم نحو ذلك من كثرة البكاء ، واصفرار اللون ، وجفاف اللسان في الفم ؛ هيبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتأمل ذلك .. تعرف ما يتأكد عليك من الخشوع (١) الأم (١٠٦/٦). (٢) أخرجه الخليلي في ((الإرشاد)) (١١٩)، ولتمام الفائدة انظر ((فيض القدير)) للإمام المناوي ( ١٤/٥) . (٣) انظر ( ص ٦٥) . (٤) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (ص٥١٩). ٢٥١ والخضوع والهيبة والإِجلال له صلى الله عليه وسلم ، مع إدامة الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم عند سماع اسمه أو حديثه أو بعض آثاره صلى الله عليه وسلم . الرابع والأربعون : عند نشر العلم والوعظ وقراءة الحديث ابتداء وانتهاء ؛ ففي (( أذكار النووي)): ( يُستحب القارىء الحديث وغيره ممن في معناه إذا ذَكَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم .. أن يرفع صوته بالصلاة عليه والتسليم ، ولا يبالغ في الرفع مبالغةً فاحشة ، وممن نصَّ على رفع الصوت الإِمام الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي وآخرون، وقد نقلته إلى ((علوم الحديث))، ونصَّ العلماء من أصحابنا وغيرهم : على أنه يستحب أن يرفع صوته بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد التلبية ) اهـ(١) فعُلم منه مع ما مرَّ في ( الثاني والأربعين ) وغيره(٢): أنه يتأكد لمن بَلَّغ عنه صلى الله عليه وسلم بعد أن يفتتح كلامه بالحمد لله والثناء عليه إمكانَه : أن يُعَقِّب ذلك بالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم ، وأن يختم ما هو فيه بذلك . وما حكاه النووي رحمه الله تعالى واعتمده من ندب الرفع غير الفاحش .. هو الأصح . وقيل : لا ينبغي الرفع ؛ لأنه قد يكون سبباً لفوات سماع حديثه صلى الله عليه وسلم ، ويردُّه تقييد الرفع بغير الفاحش ؛ أي : بألا يضر به نفسَه ولا غيرَه ، فعلم أنه لا خلاف في المعنى ؛ إذ ما فيه ضرر مكروه أو حرام ، وما لا ضرر فيه مندوب . ومما يؤكد طلب ما ذُكر ما حُكي : أن شابّاً دخل على أبي علي بن شاذان ، فسأل عنه ، فأشير له إليه ، فقال له : أيُّها الشيخ رأيت رسول الله صلى الله عليه (١) الأذكار (ص ٢١٤). (٢) انظر (ص ٢٥١). ٢٥٢ وسلم في المنام فقال لي: (( سل عن مسجد أبي علي بن شاذان ، فإذا لقيته .. فأقرئه منِّي السلام)) ، فلما انصرف الشاب .. بكى أبو علي ، وقال : ما أعرف لي عملاً أستحق به هذا ، إلا أن يكون صبري على قراءة الحديث ، وتكرير الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما جاء ذِكْره صلى الله عليه وسلم (١) . وقال وَكِيع : لولا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل حديث ، ولولا أن الحديث عندي أفضل من التسبيح ، ولو أعلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الحديث .. ما حدَّثتُ أحدا(٢). وقال أبو أحمد الزاهد : أبرك العلوم وأفضلها وأكثرها نفعاً في الدين والدنيا بعد كتاب الله تعالى .. أحاديثُ رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لِما فيها من كثرة الصلاة عليه ؛ فإنها كالرياض والبساتين ، تجد فيها كل خير وبِرٍّ وفضل . وروى أبو نُعيم عن الأوزاعي قال : كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه إلى عمَّاله أن يأمروا القُصَّاص أن يكون جُلُّ إطنابهم ودعائهم .. الصلاةَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم(٣). قال الليث بن سعد رضي الله تعالى عنه : هما قَصصان : قَصص العامة يجتمع إليه النفر من الناس يَعِظهم ويذكرهم ، وقصص الخاصة هو الذي أحدثه (١) أخرجه الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) (٢٨٩/٧)، وابن بشكوال في ((القربة)) (٦٠ ) . (٢) كلام وكيع رحمه الله تعالى جاء عنه بروايات جمع المصنف بينها ؛ ففي رواية : أخرجها ابن بشكوال في ((القربة)) (٥٥)، وابن عساكر في ((تاريخه)) (١٢٦/٤٩): ( لولا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .. ما حدثت أحداً ) ، وفي أخرى أخرجها الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) ( ص٨٣): ( لولا أن الحديث عندي أفضل من التسبيح .. ما حدثت أحداً)، وفي أخرى أخرجها الخطيب في (( شرف أصحاب الحديث)) أيضاً ( ص٨٤): ( لو أعلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الحديث .. ما حدثت أحداً ) . (٣) حلية الأولياء (٣٣٨/٥). ٢٥٣ معاوية رضي الله تعالى عنه ولَّى رجلاً على القصص إذا سلَّم الإِمام من صلاة الصبح .. جلس فذكر الله تعالى وحمده ومجَّده، وصلَّى على نبيّه وسلَّم صلى الله عليه وسلم ، ودعا للخليفة ولأهله ، ولأهل ولايته وجنوده ، وعلى أهل حربه ، وعلى الكفار كافة . الخامس والأربعون: عند الإِفتاء كما في (( الروضة))، وفيها : ( أنه يندب له أيضاً: الاستعاذة، والتسمية، والحَوْقلة، و﴿رَبِّ اشْرَعْ لِ صَدْرِى * وَيَسْرُ لِّ أَمْرِى * وَاَحْلُلْ عُقْدَةٌ مِّنْ لِسَانِىٌ * يَفْقَهُواْ قَوْلِ﴾، وأن المفتي يُلحِق بخطه ما أغفله السائل آخرَ السؤال من الدعاء والحمد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لجريان العادة به )(١) . وظاهرٌ أن قياس ندب الصلاة للمفتي قبل الإِفتاء .. ندبُها للحاكم قبل الحكم . السادس والأربعون : عند كتابة اسمه صلى الله عليه وسلم ؛ فقد استحب العلماء أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما كتبه . ومن ثَمَّ قال ابن الصلاح : ( ينبغي أن يحافظ على كَتْبِهِ الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذِكْره ، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره ، فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكَتَبَتُّهُ ، ومن أغفل ذلك .. حُرِم حظاً عظيماً ، وقد رُوِّينا لأهل ذلك منامات صالحة ، وما يكتبه من ذلك .. فهو دعاء يثبته لا كلام يرويه ؛ فلذلك لا يتقيد فيه بالرواية ، ولا يقتصر فيه على ما في الأصل ، وهكذا الأمر في الثناء على الله سبحانه وتعالى عند ذكر اسمه نحو ((عز وجل)) و((تبارك وتعالى))، وما ضاهى ذلك)(٢). ثم حذَّر رحمه الله تعالى من التقصير فيها صورةً ، كما يفعله بعض (١) روضة الطالبين (١١٣/١١-١١٤). (٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٧٢). ٢٥٤ المحرومين ، يشيرون إليها بنحو ( صلعم ) بدلاً عن صلى الله عليه وسلم ، ومعنىّ بأن لا يضم إليها التسليم ؛ أي : لِمَا مرَّ من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر ، ووقع لجماعة محدِّثين أنهم كانوا لا يكتبون ( وسلَّم ) ، فرأوا النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو منقبض ، أو عاتب ، أو موبِّخ على ترك ذلك، ويقول لبعضهم: ((لِمَ تَحرم نفسك أربعين حسنة؟)) لأن (وسلَّم) أربعة أحرف ، كل حرف بعشر حسنات(١) . وروى كثيرون: ((من صلَّى عليَّ في كتاب .. لم تزل الملائكة يستغفرون له ما دام أسمي في ذلك الكتاب)) وسنده ضعيف ، وقال ابن الجوزي : ( إنه موضوع)، وقال ابن كثير: ( إنه لا يصح)، وفي لفظ: ((تستغفر له))(٢). وفي آخر: (( من كتب في كتابه صلى الله عليه وسلم .. لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام في كتابه))(٣). وفي رواية عند جماعة أيضاً عن أبي بكر كرم الله وجهه: (( من كتب عني علماً ، فكتب معه صلاة عليَّ .. لم يزل في أجر ما قُرِىءَ ذلك الكتاب))(٤). وفي أُخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (( من صلَّى عليَّ في كتاب .. لم تزل الصلاة جاريةً له ما دام اسمي في ذلك الكتاب)) (٥) وفي سنده من اتُّهم بالكذب ، وقد قال ابن كثير : ( ليس هذا الحديث بصحيح من وجوه كثيرة ، وقد رُويَ من حديث أبي هريرة ، ولا يصحّ أيضاً ، وقال الذهبيّ : (١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٧٤). (٢) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١٨٥٦)، والخطيب في (( شرف أصحاب الحديث)) (ص٣٦)، وابن بشكوال في ((القربة)) (٤٢)، وابن عساكر في ((تاريخه)) (٦/ ٨١)، والتيمي في (( أدب الإملاء والاستملاء)) (ص٦٤) وابن الجوزي في (( الموضوعات)) (١٦٤/١) وانظر ((تفسير ابن كثير)) (٥١٦/٣). (٣) ذكره الإمام السيوطي في ((اللآلى المصنوعة)) (١/ ٢٦٢). (٤) أخرجه الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص٣٥)، وابن عدي في (( الكامل)) (٢٤٩/٣)، وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١٦٤/١). (٥) ذكره الإمام السيوطي في ((اللآلى المصنوعة)) (١٨٧/١). ٢٥٥ أحسبه موضوعاً ) اهـ(١) وروي موقوفاً من كلام جعفر الصادق . قال ابن القَيِّم : ( وهو أشبه برواية محمد بن حمير ، قال : من صلَّى على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب .. صَلَّتْ عليه الملائكة غُدوة ورَواحاً ما دام اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتاب )(٢). وأخرج الطبرانيُّ: أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة .. يجيء أصحاب الحديث ومعهم المحابر ، فيقول الله تعالى لهم : أنتم أصحاب الحديث ، طالما كنتم تكتبون الصلاة على نبيِّ صلى الله عليه وسلم ، انطلقوا إلى الجنة))، لكن قال الخطيب: ( إنه موضوع ) ، ورواه الديلمي من طريق آخر ، والنميري كذلك بلفظ قريب من الأول وهو ضعيف ، وقد ذكره ابن الجوزي في كتابه(٣). نعم ؛ جاء عن الثوري : ( لو لم يكن لصاحب الحديث فائدة إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .. كفاه ؛ فإنه يُصلَّى عليه ما دام في ذلك الكتاب )(٤) صلى الله عليه وسلم . وقد رُئيَ لأصحاب الحديث منامات حسنة صالحة ، فيها المغفرة أو النعيم العظيم لهم بسبب كتابتهم الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم . وقد رُئيَ أحمد يقول : لو رأيتَ صلاتَنا على النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب كيف تُزهِر بين أيدينا(٥). (١) تفسير ابن كثير (٥١٦/٣). (٢) ((جلاء الأفهام)) (ص ٩٠). (٣) أخرجه الخطيب في ((تاريخه)) (١٨٠/٤)، وابن عساكر في ((تاريخه)) (٣٣٨/٥٦)، وابن بشكوال في («القربة)) (٤٣)، والديلمي في ((الفردوس)) (٩٨٣)، وابن الجوزي في « الموضوعات)) (١٨٩/١). (٤) أخرجه الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص٣٦)، وابن بشكوال في ((القربة)) (٤٨ ) . (٥) أخرجه ابن بشكوال في ((القربة)) (٦٨)، والرائي هو الحسن بن محمد البغدادي الزعفراني . ٢٥٦ وما حُكيَ عن خطُّه رضي الله تعالى عنه : أنه كثيراً ما يغفل فيه عن كتابة ( صلى الله عليه وسلم ) .. فمحمول على أنه تركه لضرورة استعجال . ورُئيَ محمد بن الإِمام زكي الدين المنذري عند وصول المَلِك الصالح ، وتزيين المدينة له ، فقال للرائي : فَرِحْتم بالسلطان ؟ قلت : نعم ، فرح الناس به ، فقال : أما نحن .. فدخلنا الجنة وقبّلنا يديه - يعني : النبي صلى الله عليه وسلم - وقال : أبشروا ، كل من كتب بيده : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فهو معي في الجنة . ورُئيَ أبو زرعة رحمه الله تعالى يصلِّي بالملائكة في السماء ، فقيل له : بمَ نلت هذا؟ قال : كتبتُ بيدي ألف ألف حديث ، وكنت إذا ذكرتُ النبي صلى الله عليه وسلم .. أصلِّي عليه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( من صلَّى عليَّ مرة .. صلَّى الله عليه عشراً)) (١). وأخرج جماعة عن ابن عبد الحكم قال : رأيت الشافعي رضي الله تعالى عنه في النوم ، فقلت له : ما فعل الله بك ؟ قال : رحمني وغفر لي ، وَزُفِفْت إلى الجنة كما تُزَف العروس ، ونُثِر عليَّ كما يُنثر على العروس ، فقلتُ له : بمَ بلغت هذه الحالة ؟ فقال لي قائل : يقول لك: بما في كتاب (( الرسالة )) من الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم ، قلت : وكيف ذلك ؟ قال : قال : وصلَّى الله على محمد عدد ما ذكره الذاكرون ، وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون ، قال: فلما أصبحت .. نظرتُ في (( الرسالة)) فوجدتُ الأمر كما رأيت صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكَّم(٢) . ورآه المزني وسأله بِمَ غُفِر له ؟ فقال بذلك أيضاً . وأخرج جَمْعٌ عن أبي الحسن الشافعي : أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم (١) أخرج الرؤيا الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) (٣٣٤/١٠)، وابن عساكر في ((تاريخه)) (٣٩/٣٨)، والرائي هو حفص بن عبد الله. (٢) أخرجه ابن بشكوال في ((القربة)) (٧٢). ٢٥٧ في النوم ، فقال له: بمَ جُوزيَ الشافعي عنك حيث يقول في كتاب (( الرسالة)) وذكر الصلاة السابقة، فقال: ((جُزِيَ عني أنه لا يوقف للحساب يوم القيامة))(١). ورآه صلى الله عليه وسلم بعضُهم ، فقال : يا رسول الله ؛ محمد بن إدريس الشافعي ابن عمك ، هل خصصته بشيء ، أو هل نفعته بشيء ؟ قال : (( نعم سألت الله عز وجل ألا يحاسبه)) ، فقلت : يا رسول الله ؛ بِمَ ؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((لأنه كان يصلِّي عليَّ صلاة لم يصلِّ عليَّ أحد مثلها ... )) وذكر ما مر (٢). وعند البيهقي : أن الشافعي رضي الله تعالى عنه رُئيَ فقيل له : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي ، فقيل له : بماذا ؟ قال : بخمس كلمات كنت أُصلِّي بهنَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل له : وما هنَّ ؟ قال : كنت أقول : اللهمَّ ؛ صلِّ على محمد عدد من صلَّى عليه ، وصلِّ على محمد عدد من لم يصلِّ عليه ، وصلِّ على محمد كما أَمرت أن يُصلَّى عليه، وصَلِّ على محمد كما تحبُّ أن يُصَلَّى عليه ، وصلِّ على محمد كما ينبغي أن يُصلَّى عليه . ورأى أبو طاهر المُخلِص النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النوم ، فسلَّم عليه ، فأدار وجهه عنه ، فدار إليه من الجانب الآخر ، فأدار وجهه عنه ، فاستقبله وقال : يا نبي الله ؛ لمَ تُدير وجهك عني ؟ قال : لأنك إذا ذكرتني في كتابك .. لا تصلِّي عليَّ، قال: فمن ذلك الوقت إذا كتبت : ( النبي ) .. كتبت : ( صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً كثيراً كثيراً )(٣). وكان رجل يكتب الحديث ولا يكتب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ؛ شُحّاً على الورق ، فوقعت الأَكِلَة في يده اليمنى (٤). (١) أخرجه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (٣٠٤/٢). عزاه الإمام السخاوي في (( القول البديع)) ( ص ٤٦٧) لابن الصلاح في (( جزئه))، ولابن (٢) مسدي في (( مسلسلاته )) . (٣) أخرجه ابن بشكوال في ((القربة)) (٥٤). (٤) أخرجه ابن بشكوال في ((القربة)) (٧٨)، والأَكِلَةُ: الحِكَّة. ٢٥٨ خاتمة قال النووي رحمه الله تعالى في ((أذكاره)): ( قال العلماء من المحدِّثين والفقهاء وغيرهم : يجوز ويستحب العمل في الفضائل ، والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً ، وأما الأحكام كالحلال والحرام ، والبيع والنكاح والطلاق ، وغير ذلك .. فلا يُعمَل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن ، إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك ، كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة .. فإن المستحب أن يُتنزه عنه ، وللكن لا يجب ) اهـ(١) وظاهر قوله : ( قال العلماء ... ) إلخ : أن هذا اتفاق منهم ، وبه صرح في (( شرح المهذب))(٢) وغيرِه، فقول ابن العربي المالكي: ( لا يُعمل بالضعيف مطلقاً) .. ليس في محله . وقيل : يُعمَل به مطلقاً إذا لم يكن في الباب غيره ، ولم يكن ثَمَّ ما يعارضه ، ونُقُل عن أحمد رضي الله تعالى عنه . ونقل ابن حزم إجماع الحنفية على أن مذهب أبي حنيفة : أن ضعيف الحديث عنده أولى من الرأي والقياس . وعن أبي داوود صاحب ((السنن)) وهو من تلامذة الإِمام أحمد : أنه يخرِّج الإِسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره ، وأنه أقوى عنده من رأي الرجال . وعلى الأول المعتمد : فيُشترط أن يكون الضعف غير شديد ، فيخرج من (١) الأذكار (ص ٣٦). (٢) المجموع (١٢٩/٣) . ٢٥٩ انفرد من الكذَّابين والمتّهمين بالكذب ، ومن فَحُشَ غلطه ، وهذا الشرط متفق عليه ، كما قاله شيخ الإِسلام العلائي وأقرُّوه . واشترط ابن عبد السلام وابن دقيق العيد : أن يكون مندرجاً تحت أصل عام ، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصلٌ أصلاً ، وألا يعتقدَ عند العمل به ثبوته ؛ لئلا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله . أما الموضوع .. فلا يجوز العمل به بحال ، وكذا روايته إلا إن قُرِنَ ببيانه . وفي حديث مسلم أن: (( من رَوى حديثاً وهو يظنُّه كذباً .. فهو أحد الكاذبين)) (١) روي بالتثنية والجمع؛ أي: لأنه إذا حدَّث به مع ظنِّه كذبه .. صار مشاركاً لكاذبه الحقيقي في الإِثم الشديد المُبيَّن بقوله صلى الله عليه وسلم: ((من كذب عليَّ متعمِّداً .. فليتبوأ مقعده من النار))(٢). ومن ثم قال مسلم في مقدمة ((صحيحه)): ( اعلم أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها ، وثقات الناقلين لها من المثَّهمين .. ألاَّ يروي إلا ما عرف صحة مخارجه ، والستارة في ناقليه ، وأن ينفي عنها ما كان عن أهل الُّهم ، والمعاندين من أهل البدع)(٣). وقيّد ابن الصلاح جواز رواية الحديث باحتمال صدقه في الباطن(٤)؛ وعليه : فالظاهر كما قاله شيخ الإِسلام ابن حجر : ( الظاهر من كلام مسلم ، ومما دل عليه الحديث : أن احتمال الصدق إذا كان احتمالاً ضعيفاً .. لا يعتدُّ به ) . ثم حُكْمُ أئمة النقل بالصحة وغيرها إنما هو بحسب الظاهر ، دون القطع ، فقد يكون المحكومُ بصحته غيرَ صحيح في نفس الأمر ، وعكسه . (١) أخرجه مسلم في مقدمته (٩/١)، وابن حبان (٢٩) والترمذي (٢٦٦٢)، وابن ماجه (٣٩)، وأحمد (٢٥٥/٤). (٢) أخرجه البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٣) وغيرهما . (٣) مقدمة مسلم (٨/١). (٤) مقدمة ابن الصلاح (ص٢٧٩). ٢٦٠