النص المفهرس

صفحات 201-220

لقارئها وسامعها الصلاةُ على النبي صلى الله عليه وسلم ، كما نقله صاحب
((الأنوار)) عن العِجلي ورجَّحه(١) ، لكن الذي أفتى به النووي عدم ندب
ذلك (٢).
وعلى الأول : فيصَلِّي بالضمير ؛ كصلَّى الله عليه ؛ حتى يخرج من نقل
ركن قوليٍّ وهو مبطل للصلاة على قول، وفي ذلك مزيدٌ ذكرته في (( شرح
العُبَابِ))، ونصَّ أحمد على ندب ذلك في النفل ، وأطلق الحسن البصري
ندبه ، ومنَّ الكلام عليها في التشهد الأخير ، وتسن عندنا في التشهد الأول ،
وتدل له الأحاديث السابقة في ذم مَنْ ذُكِر عنده ولم يصلِّ عليه ، وقد ذكره
المصلِّي آخر التشهد ، فيسن له الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عقبه ؛ حتى
يخرج من ذلك الذم الشامل لمن في الصلاة وخارجها ، وبه يتأيد ما مر عن
(( الأنوار))، على أن الحَليمي أشار إلى وجوبها ؛ بناء على القول بوجوبها
كلما ذُكر .
وتُسن آخر القنوت لورودها في قنوت الوتر ، وقيس به قنوت الصبح ،
ولفظه : ( وصلى الله على النبيِّ ) من غير زيادة ، ووهم من زاد عليه :
(محمد وسلَّم) ونسبه لـ((سنن النسائي)) إذ ليس فيها عند جميع رواته
ذلك(٣)، قال النووي: ( وحديثه صحيح أو حسن) (٤) ، لكن اعترض بأنه
(١) الأنوار لأعمال الأبرار (١ / ٩١).
(٢) فتاوى الإمام النووي ( ص٤٩).
(٣) الحديث عند النسائي فيه ذكر للاسم الكريم، ففي ((الصغرى)) (٢٤٨/٣): ((وصلى الله
على النبي محمد))، وفي ((الكبرى)) (١٤٤٧): ((وصلى الله على محمد النبي))، وقال
الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((تلخيص الحبير)) (٢٤٨/١) بعد أن ذكر الحديث في
آخره ((وصلى الله على النبي)): ( ليس في السنن غير هذا، ولا فيه ((وسلَّم))
ولا (( وآله))، ووهم المحبُّ الطبري في ((الأحكام)) فعزاه إلى النسائي بلفظ: (( وصلى الله
على النبي محمد))، وقال النووي في شرح المهذب: ((إنها زيادة بسند صحيح أو حسن ،
قلت : وليس كذلك ؛ فإنه منقطع)) ) .
(٤) المجموع (٤٦٢/٣).
٢٠١

منقطع ، مع ما فيه من الاختلاف على رُواتِه وشذوذه .
وصح عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم موقوفاً عليه : أنه كان
يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت(١).
وصح عن الزهري : أنهم كانوا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم في
قنوت وتر رمضان .
وعن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم : أنه كان إذا دخل العشر - أي :
الأخير من رمضان - زاد فيه : اللهمَّ ؛ صلِّ على محمد كما صليت على
إبراهيم ، اللهمَّ ؛ بَارِْ على محمد كما باركت على إبراهيم ، إنك حميد
مجيد ، اللهم ؛ صلِّ على محمد عبدك ورسولك ، والسلام عليه ورحمته
وبر كاته(٢) .
الثالث : عقبها ؛ للحديث الضعيف: (( من دعا بهؤلاء الدعوات في دبر
كل صلاة مكتوبة .. حلَّت له الشفاعة مني يوم القيامة ، اللهمَّ ؛ أعطِ محمداً
الوسيلة ، واجعل في المصطفَين محبته ، وفي العالمين درجته ، وفي المقربين
داره))(٣).
ورأى بعض الأكابر النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وقد أقبل الشِّبْلي
فقام إليه وقبَّل بين عينيه ، قال : فقلت : يا رسول الله ؛ أتفعل هذا
بالشبلي ؟! فقال: ((هذا يقرأ بعد صلاته ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ
أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخرها، ويتبعها بالصلاة عَلَيَّ)).
(١) وهو معاذ بن الحارث القارىء ، والحديث أخرجه موقوفاً عليه القاضي إسماعيل الجهضمي
في ((فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)) (ص٨٩)، وانظر ((السير))
(١٨/ ٥٠٢ ) .
(٢) قال الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٣٥٩) عن هذا الأثر والذي قبله :
( أخرجهما محمد بن نصر في (( قيام الليل)) له ، وسندهما صحيح ) ، وذكر أن الذي كان
يزيد ذلك في العشر الأخير : أيوب بن بشير .
(٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٨/ ٢٣٧).
٢٠٢

وفي رواية : أنه أخبره بأنه من أهل الجنة ، وأمره بإكرامه ففعل ، فرآه قائلاً
له : ((أكرمك الله كما أكرمت رجلاً من أهل الجنة)) ، فسأله بمَ استحق ذلك ؟
فقال له : ((يفعل - ما مَرَّ - عَقِب صلاته منذ ثمانين سنة ، أفلا أكرِم مَنْ يفعل
هذا ؟!)) .
وجاء بسند ضعيف: (( من صَلَّى عليَّ مئة صلاة حين يصلِّي الصبح قبل أن
يتكلم .. قضى الله له مئة حاجة ، يعجّل له منها ثلاثين، ويدَّخر له سبعين ،
وفي المغرب مثل ذلك)) ، قالوا : كيف الصلاة عَليك يا رسول الله ؟ قال :
((﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾ إلى ﴿تَسْلِيمًا﴾؛ اللهم صَلِّ على
محمد ، حتى تعذَّ مئةً))(١).
الرابع : عَقِب إقامتها ، وعقب الأذان ، فتسن عقبهما : ( اللهمَّ ؛ ربَّ
هذه الدعوة التامة ... ) إلخ.
روى مسلم وغيره: (( إذا سمعتم المؤذن ... فقولوا : مثل ما يقول ، ثم
صلُّوا عليَّ؛ فإنه من صلَّى عليَّ صلاةً .. صلَّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله
تعالى لي الوسيلة ؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله تعالى ،
وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة .. حَلَّت له الشفاعة)) (٢)،
وفي رواية: ((حلت له شفاعتي يوم القيامة))(٣)، وفي رواية لمسلم: ((حلَّت
عليه )) .
وحلَّت : وجبت كما صرح به في روايات صحيحة ، ومعنى وجبت : أنها
ثابتة لا بدَّ منها بالوعد الصادق ، أو نزلت به ؛ فعلى الأول : مضارعه يَحِل
بكسر الحاء ، وعلى الثاني : يَحُل بضمها، وليس من الحِل ضد الحرمة ؛ لأنها
(١) عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٣٤٨) للحافظ أحمد بن موسى.
(٢) أخرجه مسلم (٣٨٤)، وابن خزيمة (٤١٨)، وابن حبان (١٦٩٠)، وأبو داوود
(٥٢٣) وغيرهم.
(٣) أخرجه ابن حبان (١٦٩١)، والطبراني في ((مسند الشاميين)) (٢٤٦).
٢٠٣

لم تكن محرَّمة قبلُ ، وفيه بشرى عظيمة لقائل ذلك : أنه يموت على الإِسلام ؛
إذ لا تجب الشفاعة إلا لمن هو كذلك ، وشفاعته صلى الله عليه وسلم
لا تختص بالمذنبين ، بل تكون برفع الدرجات وغير ذلك كما يأتي .
فالشفاعة الواجبة لسائل الوسيلة : إما برفع درجات ، أو تضعيف
حسنات ، أو بإكرامه بإيوائه إلى ظلّ العرش ، أو كونه في مروج ، أو على
منابر ، أو الإِسراع بهم إلى الجنة ، أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة
لبعض دون بعض .
وقوله : ( له ) أي : يُخص بشفاعة ليست لغيره ، أو يُفرد بشفاعة مما
يحصل لغيره تشريفاً له ، أو أن دخوله في الشفاعة لا بدَّ منه .
وقوله : ( شفاعتي ) أي : أنه يشفع فيه بنفسه ، والشفاعةُ تعْظُم بِعِظَم
الشافع ، وقيّد القاضي عياض ذلك عن بعض شيوخه بمن قاله مخلصاً
مستحضراً إجلاله صلى الله عليه وسلم، دون مَنْ قصد به مجرد الثواب(١)،
ورُدَّ بأنه تحكم غير مُرْضٍ ، ولو أخرج الغافل اللَّهي .. لكان أشبه ، ويأتي
جميع ما تقرر في خبر الدارقطني والبيهقي وغيرهما : (( من زار قبري .. وجبت
له شفاعتي)) (٢) وفي رواية: ((حلَّت له )) .
وفائدة طلبه الوسيلة مع رجائه لها ، ورجاؤه لا يخيب .. إعلامُنا بأن الله
تعالى لا يجب عليه لأحد من خلقه شيء ، وأنَّ له أن يفعل بمَن شاء - وإن جلت
مرتبته - ما شاء ، ففي ذلك عظيم إظهار تواضعه وخوفه المقتضي لمزيد رُقِيِّه
وعلوِّه ، ففيه فائدة عائدة عليه صلى الله عليه وسلم وعلينا ، ولقد غفل من لم
يُمعن النظر في هذا المقام عما ذكرته ، فأجاب بانحصار فائدة ذلك لنا بامتثال
ما أمرنا به في جهته الكريمة .
وروى أحمد : (( من قال حين ينادي المنادي : اللهمَّ ؛ ربَّ هذه الدعوة
(١) إكمال المعلم (٢/ ٢٥٣) .
(٢) الدارقطني (٢٧٨/٢)، الشعب ( ٤١٥٩).
٢٠٤

التامة والصلاة القائمة ؛ صلِّ على محمد ، وارضَ عنه رضاً لا سخط بعده ..
استجاب الله دعوته )) (١) .
وروى البخاري: (( من قال حين يسمع النداء : اللهمَّ ؛ ربَّ هذه الدعوة
التامة ... )) (٢) إلخ ما ذكره ، المرادُ منهما بعد فراغه، لرواية مسلم السابقة:
(( ثم صلُّوا عليَّ، ثم سلوا الله ... )) إلخ .
وأخرج ابن أبي عاصم عن أبي الدَّرداء : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول
إذا سمع المؤذن يقيم: (( اللهمَّ ؛ ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ؛
صلِّ على محمد، وآته سُؤْله يوم القيامة))(٣) وكان يُسمِعها مَن حوله صلى الله
عليه وسلم ، ويُحبُّ أن يقولوا مثل ذلك إذا سمعوا المؤذن ، ومن قال مثل
ذلك إذا سمع المؤذن .. وجبت له شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم
القيامة .
وأخرجه الطبراني للكن بلفظ: ((كان إذا سمع النداء .. قال : اللهمَّ ؛ ربَّ
هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ؛ صلِّ على محمد عبدك ورسولك ،
واجعلنا في شفاعته يوم القيامة))، قال صلى الله عليه وسلم: ((من قال هذا
عند النداء .. جعله الله في شفاعتي يوم القيامة)) (٤) .
وسُؤْلُه : حاجته من نحو : الشفاعة العظمى ، والحوض ، ولواء الحمد ،
والوسيلة ، وغير ذلك مما أعدَّه الله تعالى له صلى الله عليه وسلم .
وأخرج الطبراني بسند فيه راوٍ ليِّنُ الحديثِ: (( من قال حين يسمع النداء :
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ،
(١) أخرجه أحمد (٣٣٧/٣)، والطبراني في ((الأوسط)) (١٩٦)، والنسائي في ((عمل اليوم
والليلة)) ( ٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٤)، وابن حبان (١٦٨٩)، وأبو داوود (٥٢٩)، والترمذي
(٢١١) وغيرهم.
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في ((الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)) (٧٥).
(٤) المعجم الأوسط (٣٦٧٥).
٢٠٥

اللهم ؛ صلِّ على محمد ، وبلِّغه درجة الوسيلة عندك ، واجعلنا في شفاعته
يوم القيامة .. وجبت له الشفاعة)) (١)
.
واعلم أنه مر تفسيره صلى الله عليه وسلم للوسيلة بأنها أعلى منزلة أو درجة
في الجنة ، وأصلها لغةً : ما يُتقرب به للكبير ، قال سبحانه وتعالى :
﴿وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، قال جمع: هي القربة، وقال آخرون: كلُّ
ما يُتَوَسَّلُ - أي : يتقرب به - كالتوسل إلى الله تعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم .
و( المقام المحمود ) : هو الشفاعة العظمى في فصل القضاء ، يحمده فيه
الأولون والآخرون ، ومن ثَمَّ فُسِّر في أحاديث بالشفاعة ، وعليه إجماع
المفسرين على ما قاله الواحدي ، وقيل : شهادته لأمته وعليهم ، وقيل :
إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة ، وقيل : هو أن يُجلسه الله عز وجل على
العرش ، وفي ((صحيح ابن حبان)): (( يبعث الله الناس ، فيكسوني ربي حلة
خضراء ، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود)) (٢).
ولا ينافي الأول ، لاحتمال أن هذه الكسوة علامة على الإِذن له في
الشفاعة العظمى .
ثم رأيت بعض المحققين ذكر ما يقرب منه ، فقال : يظهر أن المراد بالقول
المذكور : هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة ، وأن المقام المحمود : هو
جميع ما يحصل له في تلك الحالة .
وله صلى الله عليه وسلم شفاعات غير العظمى ، كالشفاعة لمن يدخل من
أُمته صلى الله عليه وسلم الجنة بغير حساب ، وهذه كالعظمى من خصائصه
صلی الله عليه وسلم .
- ولعصاةٍ أدخلتهم ذنوبهم النار فيُخرَجون ، وإنكار المعتزلة لههذه من
(١) المعجم الكبير (٦٦/١٢) .
(٢) أخرجه ابن حبان (٦٤٧٩)، والحاكم (٣٦٣/٢)، وأحمد (٤٥٦/٣)، والديلمي في
(( الفردوس)) ( ٨٧٦٩).
٢٠٦

ضلالاتهم ، كيف وقد صحت الأحاديث الكثيرة بها من غير معارض لها ؟!
ـ ولقوم استحقوا دخولها فلم يدخلوها ، قال النووي : ويجوز أن يَشْرَكه
في هذه الأنبياءُ والعلماء والأولياء .
- وفي قوم حبستهم الأوزار ليدخلوا الجنة .
- ولبعض أهل الجنة في رفع درجاتهم ، فيعطى كل منهم ما يناسبه ، قال :
وهذه يجوز أن يَشْرَكه فيها مَنْ ذُكِر أيضاً .
- ولمن مات بالمدينة الشريفة .
- ولمن زار قبره صلى الله عليه وسلم .
- ولِفَتح باب الجنة كما رواه مسلم (١) .
- ولمن أجاب المؤذِّن .
- ولقوم كفار لهم سابق خدمة له صلى الله عليه وسلم في تخفيف عذابهم .
- والشفاعة لأهل المدينة الشريفة بالمعنى السابق في الشفاعة لسائل
الوسيلة .
واعلم أن للغزالي رحمه الله تعالى في معنى الشفاعة وسببها كلاماً نفيساً ،
حاصله : ( أنها نور يُشرق من الحضرة الإلهية على جوهر النبوة ، وينتشر منه
إلى كل جوهر استحكمت مناسبته مع جوهر النبوة ، لشدة المحبة ، وكثرة
المواظبة على السنن ، وكثرة الذكر له بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم .
ومثالُه : نور الشمس إذا وقع على الماء ؛ فإنه ينعكس منه إلى محل
مخصوص من الحائط دون جميعه ، وسببُ الاختصاص المناسبةُ بينه وبين
الماء في الموضع الذي إذا خرج منه خط إلى موضع النور من الماء .. حصَلت
(١) الحديث بتمامه كما في ((مسلم)) (١٩٧): عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح ، فيقول الخازن : من
أنت؟ فأقول : محمدٌ، فيقول : بك أمرت ، لا أفتح لأحد قبلك )).
٢٠٧

منه زاوية على الأرض مساوية للزاوية الحاصلة من الخط الخارج من الماء إلى
قرص الشمس ، بحيث لا يكون أوسع منها ولا أضيق ، وهذا لا يمكن إلا في
موضع مخصوص من الجدار ، فكما أن المناسبات الوضعية تقتضي
الاختصاص بانعكاس النور ، فالمناسباتُ المعنوية العقلية تقتضي ذلك أيضاً
في الجواهر المعنوية ، ومن استولى عليه التوحيد .. فقد تأكدت مناسبته مع
الحضرة الإلهية ، وأشرق عليه النور من غير واسطة ، ومن استولى عليه
السنن ، والاقتداء به صلى الله عليه وسلم ، ومحبتُه ومحبة أتباعه ، ولم تترسخ
قدمه في ملاحظة الوحدانية .. لم تستحكم مناسبته إلا مع الواسطة ، فافتقر إلى
واسطة ، في اقتباس النور ، كما يفتقر الحائط الذي ليس مكشوفاً للشمس إلى
واسطة الماء المكشوف للشمس .
وإلى مثل هذا ترجع حقيقة الشفاعة في الدنيا ، فالوزير الأقرب لمَلِك ..
يحمله على العفو عن جرائم أصحابه ، لا لمناسبة بينهم وبين المَلِك ، بل بينهم
وبين الوزير المناسب للمَلِك ، ففاضت عليهم العناية بواسطة الوزير
لا بأنفسهم ، ولو ارتفعت الواسطة .. لم تشملهم العناية أصلاً ؛ لأن المَلِك
لا يعرفهم ، ولا يعرف اختصاصهم بالوزير إلا بتعريفه وإظهاره الرغبة في العفو
عنهم ، فسمِّي لفظه من التعريف إظهاراً للرغبة : شفاعةً مجازاً ، وإنما الشفيع
مكانته عند المَلِك ، واللفظ لإظهار الغرض ، والله سبحانه وتعالى مستغنٍ عن
التعريف ، ولو عرف المَلِك حقيقة اختصاص غلام الوزير به .. لاستغنى عن
التعريف ، وحصل العفو بشفاعة لا نطق فيها ولا كلام ، والله سبحانه وتعالى
عالم به ، ولو أذن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما هو معلوم له .. لكانت
ألفاظهم أيضاً ألفاظ الشفعاء .
وإذا أراد الله تعالى أن يمثل حقيقة الشفاعة بمثال يدخل في الحِسِّ
والخيال .. لم يكن ذلك التمثيل إلا بألفاظ مألوفة في الشفاعة ، ويدلُك على
انعكاس النور بطريق المناسبة : أن جميع ما ورد من الأخبار عن استحقاق
الشفاعة معلّق بما يتعلَّق به صلى الله عليه وسلم من صلاة عليه ، أو زيارة
٢٠٨

لقبره ، أو جواب المؤذن ، والدعاء له عقيبه ، وغير ذلك مما يُحكِم علاقة
المحبة والمناسبة معه صلى الله عليه وسلم ) اهـ
وقال الرازي : ( الشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ، ويطلب له حاجة ،
وأصلُها : من الشفع ضد الوتر ، كأن صاحب الحاجة كان فرداً ، فصار الشفيع
له شفعاً؛ أي: صار زوجاً)(١).
فائدة :
ما اعتيد على المنائر من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه
وسلم عقب الأذان إلا الصبح والجمعة ؛ فإنهم يقدمونه عليهما ، وإلا
المغرب ؛ فإنه لا يُفعَل فيها لضيق وقتها .. أحدثه السلطان صلاح الدين
يوسف بن أيوب .
وذكر بعض المؤرخين : أن ابتداءه بمصر والقاهرة سنة إحدى وتسعين
وسبع مئة لرؤية رآها بعض المعتقدين ، ولا يخالف ما قبله لاحتمال أنه تُرك
بعد موت السلطان صلاح الدين إلى هذا التاريخ ، أو كان أمره به في ليلة
الجمعة خاصة (٢) .
وصوَّب بعض المتأخرين : أن ذلك بدعة حسنة يؤجر فاعله بحسن نيته ،
وقريب منه قول شيخنا شيخ الإِسلام زكريا سقى الله تعالى عهده ورضي عنه في
((فتاويه)): ( الأصلُ مستحب ، والكيفية بدعة ) .
(١) التفسير الكبير (٥٥/٣).
(٢) قال ابن عَلاَّن في ((الفتوحات الربانية)) (١١٣/٢): ( أول ما زيدت الصلاة والسلام على
النبي صلى الله عليه وسلم بعد كل أذان على المنارة في زمن السلطان المنصور حاجي بن
الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون ، بأمر المحتسب نجم الدين الطنبدي ، في
شعبان سنة إحدى وتسعين وسبع مئة ، وكان حدث قبل ذلك في أيام صلاح الدين بن أيوب
أن يقال قبل الفجر كل ليلة بمصر والشام: (( السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ،
واستمر إلى سنة سبع وستين وسبع مئة ، فزيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدين البرلسي أن
يقال: ((الصلاة والسلام عليك يا رسول الله )) إلى أن جعل عقب كل أذان).
٢٠٩

الخامس : عند القيام لصلاة الليل من النوم .
صح: أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( يضحك الله إلى رجُلَيْن ؛ رجلٍ لقي
العدوَّ وهو علىْ فَرَس من أمثل خيل أصحابه فانهزموا وثبت ؛ فإن قُتَل ..
استُشهد ، وإن بقي .. فذاك الذي يضحك الله إليه .
ورجلٍ قام في جوف الليل لا يعلم به أحد ، فتوضأ فأسبغ الوضوء ، ثم
حمد الله ومجَّده ، وصلَّى على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، واستفتح القرآن ،
فذاك الذي يضحك الله إليه ، يقول : انظروا إلى عبدي قائماً لا يراه أحد
غيري ))(١) .
السادس : بعد الفراغ من التهجّد .
أخرج النسائي وابن ماجَهْ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كنا نُعِدُّ
لرسول الله صلى الله عليه وسلم سِواكَهُ وطَهُورَه ، فيبعثه الله عز وجل لما شاء
أن يبعثه من الليل ، فيستاك ويتوضأ ، ويصلِّي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا
عند الثامنة ، ويحمد الله ، ويصلِّي على نبيه صلى الله عليه وسلم ، ويدعو
بينهن ولا يسلِّم ، ثم يصلِّي التاسعة ، ويقعد - وذكر كلمة نحوها -
ويحمد الله ، ويصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدعو ، ثم يسلِّم
تسليماً يُسمعنا، ثم يصلِّي ركعتين وهو قاعد)(٢).
كذا استُدِلَّ بهذا على الترجمة ، وهو عجيب ؛ فإن الذي فيه هو الصلاة
عليه صلى الله عليه وسلم في التشهد ، وليس فيه صلاة بعد الفراغ!
السابع : عند المرور بالمساجد ودخولها والخروج منها .
أخرج إسماعيل القاضي عن عليٍّ كرم الله وجهه: أنه أَمَر به في الأوَّل(٣).
(١) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (١٠٦٣٧)، وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٨٧٣).
(٢) أخرجه النسائي (٢٤١/٣)، وابن ماجه (١١٩١)، والبيهقي (٤٩٩/٢)، وأبو عوانة
(٢٠٦٠ ) .
(٣) فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (ص٧٢)، ولفظه: ( إذا مررتم بالمساجد ..=
٢١٠

وجاء بسند حسن للكن غير متصل : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل
المسجد .. صلَّى على محمد وسلَّم، ثم قال: (( اللهمَّ ؛ اغفر لي ذنوبي ،
وافتح لي أبواب رحمتك))، وإذا خرج .. صلَّى على محمد وسلَّم، ثم قال:
(( اللهم ؛ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك))(١).
وأخرج الطبراني والبيهقي وأبو داوود والنسائي وابن ماجه وابن السُّنِّي وأبو
عوانة وابن خزيمة وابن حِبَّان في ((صحاحهم)) - وأصله في ((مسلم)) -: ((إذا
دخل أحدكم المسجد .. فليسلُّم على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم لْيَقُلْ :
اللهمَّ ؛ افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج .. فليسلُّم على النبي صلى الله
عليه وسلم ، ثم ليَقُل: اللهمَّ؛ افتح لي أبواب فضلك)) (٢).
وفي رواية ضعيفة : كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد .. قال :
((باسم الله، اللهمَّ؛ صلِّ على محمد))، وإذا خرج .. قال: (( باسم الله،
اللهمَّ ؛ صلِّ على محمد))(٣).
وفي أُخرى: (( إذا دخل أحدكم المسجد .. فليسلّم على النبي صلى الله
عليه وسلم ، وليقل : اللهمَّ ؛ افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج .. فليسلِّم
على النبي صلى الله عليه وسلم ، وليقل : اللهمَّ ؛ اعصمني من
الشيطان)) (٤)، قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ورُدَّ بأن فيه علة
خفيت عليه ، للكنه حسن بشواهده .
=
فصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ) .
(١) أخرجه الترمذي (٣١٤)، وأحمد (٢٨٢/٦)، وأبو يعلى (٦٨٢٢).
(٢) أخرجه ابن حبان ( ٢٠٤٨)، وأبو داوود (٤٦٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨١٠)،
وابن ماجه ( ٧٧٢)، والبيهقي (٢/ ٤٤١)، وأبو عوانة (١٢٣٤)، والطبراني في
((الدعاء)) (٤٢٦)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٨٧ ) بنحوه، وأصل الحديث
في ((صحيح مسلم)) ( ٧١٣) بدون التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم .
(٣) أخرجه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) ( ٨٨).
(٤) أخرجه ابن خزيمة (٤٥٢)، وابن حبان (٢٠٤٧)، والحاكم (٢٠٧/١) ، وابن ماجه
(٧٧٣)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٠).
٢١١

الثامن : في يوم الجمعة وليلتها .
مرّ في ذلك أحاديث أوائل ( الفصل الرابع ) في مبحث ( أنه صلى الله عليه
وسلم يَبْلَغه سلامُ من يسلِّم عليه، وأنه يردُّ على من يسلِّم عليه)(١) ، وبقيَت
في ذلك أحاديث كثيرة ، ومن ثَمَّ كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى
عنه : أن انشروا العلم يوم الجمعة ، فإن غائلة العلم النسيان ، وأكثروا الصلاة
على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة (٢).
قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : ( أُحِبُّ كثرة الصلاة على النبي صلى الله
عليه وسلم في كل حال ، وأنا في يوم الجمعة وليلتها أشد استحباباً ) اهـ(٣)
منها: (( مَنْ صلَّى عليَّ يوم الجمعة مئتي صلاة .. غُفر له ذنب مئتي عام))
أخرجه الديلمي ، ولا يصح (٤) .
وفي رواية ضعيفة : (( الصلاة عليَّ نور على الصراط ، ومن صلَّى عليَّ يوم
الجمعة ثمانين مرة .. غُفرت له ذنوب ثمانين عاماً ))(٥) .
وفي أُخرى للدار قطني: (( من صلَّى عليَّ يوم الجمعة ثمانين مرة .. غفر الله
له ذنوب ثمانين سنة)) ، قيل : يا رسول الله ؛ كيف الصلاة عليك ؟ قال :
(( تقول : اللهمَّ ؛ صلِّ على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأُمّي ، وتعقد
واحدة ))(٦) وحسَّنها العراقي ، ومن قبله أبو عبد الله بن النعمان ، قيل :
ويحتاج إلى نظر .
وفي أُخرى للخطيب: (( من صلَّى عليَّ يوم الجمعة ثمانين مرة .. غفر الله
انظر ( ص ١٥٤ ) .
(١)
(٢)
أخرجه ابن بشكوال في ((القربة)) ( ١١١).
(٣)
الأم (٢/ ٤٣٢) .
كذلك عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٣٧٨) إلى الديلمي.
(٤)
(٥)
أخرجه الديلمي في ((الفردوس)) (٣٨١٤)، وابن بشكوال في ((القربة)) (١٠٩).
(٦)
كذلك عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٣٨١) للدار قطني مرفوعاً ، وذكره
الكناني في (( تنزيه الشريعة)) (٣٣١/٢)، والعجلوني في ((كشف الخفاء)) (١/ ١٦٧).
٢١٢

له ذنوب ثمانين عاماً)»، فقيل له : يا رسول الله ؛ كيف الصلاة عليك ؟ قال :
(« قولوا : اللهمَّ ؛ صلِّ على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأُمّي ، وتعقد
واحدة))(١)، وذكره ابن الجوزي في ((الأحاديث الواهية)) (٢).
وفي أُخرى: (( من صلَّى صلاة العصر من يوم الجمعة ، فقال قبل أن يقوم
من مكانه : اللهمَّ ؛ صلِّ على محمد النبي الأُمّي ، وعلى آله وسلِّم تسليماً
ثمانين مرة .. غفرت له ذنوب ثمانين عاماً ، وكتبت له عبادة ثمانين سنة)) (٣).
وفي أُخرى: (( من قال في يوم الجمعة بعد العصر : اللهم ؛ صلِّ على
محمد النبي الأُمي ، وعلى آله وسلِّم ثمانين مرة .. غفرت له ذنوب ثمانين
عاماً)) (٤) .
وأخرج الديلمي: (( من صلَّى عليَّ يوم الجمعة .. كانت شفاعة له عندي
يوم القيامة ))(٥) .
وفي لفظ آخر أخرجه أبو نعيم وقال : غريب ، عن علي رضي الله تعالى
عنه قال: (( من صلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة مئة مرة ..
جاء يوم القيامة ومعه نور لو قُسم ذلك النور بين الخلق كلهم .. لَوَسِعهم)) (٦) .
وفي أُخرى بسند ضعيف: (( من صلَّى عليَّ في يوم الجمعة ألف مرة .. لم
يمت حتى يرى مقعده من الجنة))(٧) .
(١) تاريخ بغداد ( ١٣/ ٤٦٣).
(٢) العلل المتناهية (٤٦٤/١).
(٣) عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٣٨١) لابن بشكوال من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه .
(٤) أخرجه ابن بشكوال في ((القربة)) (١١٤).
(٥) كذلك عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٣٧٨) للديلمي من حديث عائشة
رضي الله عنها .
(٦) حلية الأولياء (٨/ ٤٦).
(٧) عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٣٧٩) : لابن شاهين .
٢١٣

وفي أُخرى بسند ضعيف أيضاً: (( من صلَّى عليَّ في كل يوم جمعة أربعين
مرة .. محا الله عنه ذنوب أربعين سنة، ومن صلَّى عليَّ مرة واحدة فَتُقُبِّلت
منه .. محا الله عنه ذنوب ثمانين سنة، ومن قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ حتى
يختم السورة .. بنى الله له مناراً في جسر جهنم؛ حتى يجاوز الجسر))(١) .
وفي أُخرى عند أبي موسى المديني ، وذكرها ابن النعمان وغيره : (( من
صلَّى عليَّ يوم الجمعة ألف مرة .. لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة)) (٢).
وفي أُخرى للديلمي: (( من صلَّى عليَّ يوم الجمعة مئة صلاة .. غُفر له
خطيئة ثمانين عاماً))، قال السخاوي : ( لم أقف على أصله مرفوعاً ، وذكر
بعض رواته : أنه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام ، وعرضه عليه
فصدقه ، والله أعلم ، وفي أُخرى مثله وزاد: (( ومن صلَّى عليَّ ليلة الجمعة
مئة مرة .. غُفر له خطيئة عشرين سنة))، والظاهر عدم صحته)(٣) .
وفي أُخرى في سندها لين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : أنه قال
لزيد بن وهب : ( يا زيد ؛ لا تَدَع إذا كان يوم الجمعة أن تصلِّي على النبي
صلى الله عليه وسلم ألف مرة ، تقول : اللهم ؛ صلِّ على محمد النبي
الأُميّ )(٤) .
وفي أُخرى: (( من صلَّى عليَّ يوم الجمعة صلاة واحدة .. صلَّى الله عليه
وملائكته ألفَ ألفِ صلاة ، وكتب له ألفَ ألفِ حسنة ، وحطَّ عنه ألفَ ألفِ
خطيئةٍ ، ورفع له ألفَ ألفِ درجةٍ في الجنة)) ، قال الحافظ السخاوي : ( ولم
(١) عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٣٧٩): للتيمي في ((ترغيبه))، وأبي
الشيخ ابن حيان في بعض أجزائه ، والديلمي في (( مسنده )) من طريقه .
(٢) كذلك عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص ٣٨٣) إلى أبي موسى المديني وقال:
( لم أقف على أصله ) .
(٣) القول البديع (ص٣٧٩) .
(٤) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨/ ٢٣٧).
٢١٤

أقف على أصله ، وأحسبه غير صحيح ، بل أجزم ببطلانه) اهـ(١)
وفي أُخرى في سندها مجهول: ((إذا كان يوم الخميس .. بعث الله ملائكة
معهم صحف من فضة ، وأقلامهم من ذهب يكتبون يوم الخميس وليلة الجمعة
أَكْثَرَ الناس صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم))(٢) .
وفي أُخرى بسند ضعيف: ((إن لله ملائكة خُلِقوا من النور ، لا يهبطون إلا
ليلة الجمعة ويوم الجمعة ، بأيديهم أقلام من ذهب ، ودُوِيٌّ من فضَّة(٣)،
وقراطيسُ من نور ، لا يكتبون إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه
وسلم))(٤) .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : سمعت نبيكم
صلى الله عليه وسلم يقول : (( أكثروا الصلاة على نبيِّكم في الليلة الغرّاء واليوم
الأزهر )) (٥) .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مثله ، وفي سنده كذاب(٦) .
وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه مثله(٧) .
وفي رواية: (( أكثروا الصلاة عليَّ في الليلة الغرّاء ؛ فإن صلاتكم تُعرض
عليَّ))(٨) .
وفي أُخرى: ((أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة ؛ فإنه أتاني جبريل آنفاً عن
ربه عز وجل فقال : ما على الأرض من مسلم يصلِّ عليك مرة واحدة .. إلا
(١) القول البديع (ص ٣٨٢).
(٢) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخه)) (٤٣/ ١٤٢).
(٣)
دُوِي - جمع دواة - وهي : المحبرة .
أخرجه الديلمي في ((الفردوس)) ( ٦٨٨)، وابن بشكوال في ((القربة)) (١٠٨).
(٤)
(٥) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (١١١/٣)، والديملي في ((الفردوس)) (٢١٥).
(٦) ذكره الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) (٣٦٦/٦).
(٧) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخه)) (٣٧٤/٥٨).
(٨) أخرجه أبو سعد في ((شرف المصطفى صلى الله عليه وسلم)) ( ٢٠٤٣).
٢١٥

صلَّيتُ أنا وملائكتي عليه عشراً))، وسندها لا بأس به في المتابعات(١).
وفي أُخرى: (( أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة وليلة الجمعة ، فمن
فعل ذلك .. كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)) (٢)، و( أو ) فيه : إما
للتقسيم ؛ أي : شفيعاً للعاصي ، وشهيداً للطائع ، أو بمعنى ( الواو ) فيكون
شفيعاً وشهيداً للكل ، أو للشك ؛ فإن كانت اللفظة الصحيحة ( شهيداً )
فواضح ؛ لأن الشهادة خصوصية زائدة على الشفاعة المدَّخرة المخبوءة
لغيرهم ، وإن كانت ( شفيعاً) حُمل على أن من فعل ذلك .. اختُصَّ بنوع من
أنواع شفاعاته صلى الله عليه وسلم السابقة غير العظمى .
وفي أُخرى بسند ضعيف: (( أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة ؛ فإن
صلاتكم تُعرَض عليَّ))(٣).
ويروى: (( اتخذ الله إبراهيم خليلاً ، وموسى نجيّاً ، واتخذني حبيباً ، ثم
قال : وعزَّتي وجلالي؛ لأَوثرَنَّ حبيبي على خليلي ونجيِّي؛ فمن صلَّى عليّ
ليلة جمعة ثمانين مرة .. غُفِرت له ذنوب مئتي عام متقدمة ، ومئتي عام
متأخرة))، قال السخاوي: ( لم أقف على أصله ، وأحسبه غير صحيح) (٤).
وأخرج الشافعي رضي الله تعالى عنه مرسلاً : ((إذا كان يوم الجمعة وليلة
الجمعة .. فأكثروا الصلاة عليَّ)» (٥).
ويروى : (( ما من مؤمنٍ يصلِّي ليلة الجمعة ركعتين يقرأ في كل ركعة بعد
( الفاتحة ) خمساً وعشرين مرة ( قل هو الله أحد ) ، ثم يقول ألف مرة :
(١) ذكره العجلوني في ((كشف الخفاء)) (١٦٧/١)، والمنذري في ((الترغيب والترهيب))
(٢٤٧٢) وعزاه للطبراني.
(٢) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٣٠٣٣).
(٣)
أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٣٠٣٢).
القول البديع ( ص ٣٨١)، أما الجزء الأول منه ؛ أي : من أوله إلى قوله : ( ونجيي ) ..
(٤)
فقد أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (١٤٩٤)، والديلمي في ((الفردوس)) ( ١٧١٦).
(٥) ((الأم)) (٤٣٢/٢).
٢١٦

صلَّى الله على محمد النبي الأُمي ؛ فإنه لا تتم الجمعة القابلة حتى يراني في
المنام ، ومن رآني .. غفر الله له الذنوب)) أخرجه أبو موسى المديني ،
ولا يصحّ(١).
ويروى أيضاً: (( من قال ليلة الجمعة عشر مرار: يا دائمَ الفضل على
البرية ، يا باسط اليدين بالعطية ، يا صاحب المواهب السنية ؛ صلِّ على
محمد خير الورى بالتحية ، واغفر لنا يا ذا العلا في هذه العشية ... )) مع
كلمات أخر ، وهو مكذوب (٢) .
وفي رواية بسند باطل عن علي رضي الله عنه : ( من صلَّى على النبي
صلى الله عليه وسلم بهؤلاء الكلمات في كل يوم ثلاث مرات ، ويوم الجمعة
مئة مرة ، وهي : صلوات الله وملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد
وآل محمد ، وعليه وعليهم السلام ورحمة الله وبركاته .. فقد صلَّى عليه بصلاة
جميع الخلائق ، وحُشر يوم القيامة في زمرته ، وأخذ بيده حتى يُدخله
الجنة )(٣) .
قيل : كان خلاد بن كثير رحمه الله تعالى في النزع ، فوجد تحت رأسه
رقعة مكتوب فيها : هذه براءة من النار لخلاد بن كثير ، فسألوا أهله : ما كان
عمله ؟ فقال أهله : كان يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم جمعة
ألف مرة : ( اللهم ؛ صلِّ على محمد النبيِّ الأُميِّ ) .
ورُوي في طلب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في خصوص يوم السبت
والأحد حديث وفيه : أن اليهود والنصارى يكثرون سَبَّه صلى الله عليه وسلم
فيهما ، وحديث فيه ذكر : ( صلاة عشرين ركعة ليلة الأحد يصلِّي عليه
صلى الله عليه وسلم في كل ركعة مئة مرة ) قال الحافظ السخاوي : ( وآثار
(١) كذلك عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٣٨٣) لأبي موسى المديني ، وذكره
ابن الجوزي في (( الموضوعات)) (٥٨/٢ ).
(٢) عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص ٣٨٣) لأبي موسى المديني .
(٣) عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٣٨٤) لأبي موسى المديني.
٢١٧

الوضع لائحة عليه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله)(١).
وكذلك ذكر الغزالي رحمه الله تعالى وغيره حديثاً بلا إسناد فيه ذكر :
( صلاة أربع ركعات ليلة الإثنين ، يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم في كُلِّ
خمساً وسبعين - مع أشياء أُخر - ثم يسأل الله تعالى حاجته .. كان حقاً على الله
تعالى أن يعطيه ما سأل)(٢)، وتسمَّى صلاة الحاجة .
وذكر المديني حديثاً في ليلة الثلاثاء ، في سنده من اتُّهم بالكذب ، فيه :
( صلاة أربع ركعات بعد العتمة قبل الوتر - يقرأ في كُل ركعة أشياء مخصوصة -
ثم بعد الفراغ يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم خمسين مرة )(٣) ، وذكر
لذلك ثواباً كثيراً .
التاسع : في الخطب ؛ كخطبة الجمعة ، والعيدين ، والكسوفين ،
والاستسقاء ، وهي ركن فيها عند الشافعي وأحمد ، خلافاً لمالك وأبي حنيفة
رضي الله تعالى عنهم ، ودليل الوجوب : فعل الخلفاء الراشدين ومَنْ بعدهم ؛
فإنه لم ينقل عن أحد منهم ، ولا ممن بعدهم خطبةٌ في أمر مُهم فضلاً عن
الجمعة .. إلا بدأ فيها بالحمد والصلاة ، وكان السَّلف يسمُّون الخطبة بغير
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : البتراء .
وفي ((الصَّحاح)): ( وخطب زياد خطبته البتراء ؛ لأنه لم يحمد الله تعالى
فيها ، ولم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم)(٤)، ونحوه في (( نهاية ابن
الأثير))(٥) .
(١) القول البديع (ص ٣٨٤_٣٨٥).
(٢) إحياء علوم الدين (١٩٩/١)، وعزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص ٣٨٥)
لأبي موسى المديني في ((وظائف الليالي والأيام)).
(٣) كذلك عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص ٣٨٥) لأبي موسى المديني في كتاب
((وظائف الليالي والأيام)).
(٤) الصحاح ، مادة ( بتر) .
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٩٣/١).
٢١٨

فثبت بهذا الإِجماعُ النطقيُّ من السلف على الوجوب ، وإلا .. لتركوها في
بعض الأحيان .
وممن حُفظَت عنه في خطبتُه :
- عليٌّ كرم الله تعالى وجهه ، أخرجه أحمد(١) .
- وابن مسعود ، أخرجه النميري وغيره(٢).
- وعمرو بن العاصي ، أخرجه الدار قطني من طريق ابن لهيعة(٣).
- وأبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهم .
وأخرج ابن بشكوال عن محمد بن عبد الحكم : ( أن أميراً خطبهم بالمدينة
يوم الجمعة فأنسيها ، فلما انقضت خطبته ونهض للصلاة .. صاح الناس عليه
من كل جانب )(٤) ، فصياحهم به كذلك يدلُّ لِمَا قلناه ، من أنها في الخطبة
كانت من الأمور المشهورة المعروفة عندهم ، التي لا يسوغ تركها .
والاستدلالُ للوجوب بأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى .. افتقرت
إلى ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم كالأذان ، وتفسيرِ جَمْع قولَه تعالى :
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ بأن معناه: لا أُذكرُ إلَّ وتُذكَر معي .. لا ينهَض؛ لاحتمال
أن يراد بذكره الشهادة له بالرسالة إذا شهد لمُرسِله تعالى بالوحدانية ، وهذا
مشروع في كل خطبة قطعاً ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( كل خطبة ليس فيها
تشهُّد .. فهي كاليد الجذماء))(٥).
وما رُويَ عن السبيعي : ( أنه رآهم لا ينصتون للخطيب إنما هو قصص
(١) المسند (١٠٦/١).
(٢) كذلك عزاه الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص٣٨٧) للنميري ، ولمحمد بن
الحسن بن صقر الأسدي .
(٣) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخه)) (١٦٢/٤٦).
(٤) القربة إلى رب العالمين (٧٧).
(٥) أخرجه ابن حبان (٢٧٩٦)، وأبو داوود (٤٨٤١)، والترمذي (١١٠٦) ، والبيهقي
(٢٠٩/٣)، وأحمد (٣٤٣/٢) وغيرهم .
٢١٩

وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)(١) .. فهو بعد تسليم صحته يحتمل أن
يكون عدم الإنصات فيه للقصص ، وذُكرتِ الصلاة معه ؛ لأنها لازمة له في
العادة الغالبة من فعل القُصَّاص ، أو أن عدم الإِنصات لبعدهم بحيث
لا يسمعون ، والأول أقرب ، على أن هذا ليس فيه نقل إجماع ، ولأنه حكاية
عمن رآهم فقط .
العاشر : في أثناء تكبيرات صلاة العيدين ؛ لما صح عن ابن مسعود : ( أنه
علَّم الوليد بن عقبة حين سأله عن ذلك أن يحمد الله ويصلِّي على النبي صلى الله
عليه وسلم ، ثم يدعو بين كل تكبيرتين ، وصدَّقه على ذلك حذيفة وأبو موسى
رضي الله تعالى عنهم ) (٢).
الحادي عشر : في صلاة الجنازة ، فهي مشروعة فيها بعد التكبيرة الثانية
بلا خلاف ، ثم المشهور عند الشافعي وأحمد : أنها ركن ، خلافاً لمالك وأبي
حنيفة رضي الله تعالى عنهم ، ويدل للأول ما جاء عن أبي أمامة : أنه أخبره
بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم : ( أنها كالتكبير سُنَّةٌ في صلاة
الجنازة ) ، رواه جماعة منهم الشافعي رضي الله تعالى عنه(٣).
وتضعيف روايته بمُطَرِّف .. ردَّه البيهقي بأنه جاء عن الزهري بمعنى رواية
مطرف (٤)، ورواه في ((سننه)) والحاكم في ((صحيحه)) عنه: أنه أخبره رجال
من الصحابة في الصلاة على الجنازة : (.أن يكبِّر ، ثم يصلِّي على النبي
صلى الله عليه وسلم ) ، قال الزهري : حدثني بذلك أبو أمامة وابن المسيّب
يسمع ، فلم ينكِر عليه ، فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة
على الميت لمحمد بن سويد ، فقال : وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث
(١) أخرجه القاضي إسماعيل الجهضمي في ((فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم))
( ص ٨٧ ) .
(٢) أخرجه البيهقي (٢٩١/٣)، والقاضي إسماعيل الجهضمي في ((فضل الصلاة على النبي
صلى الله عليه وسلم)) ( ص ٧٧ ) .
(٣) أخرجه الشافعي في ((مسنده)) (١٢١٩)، والآم (٦٠٨/٢).
(٤) معرفة السنن والآثار (٧٦٠٢).
٢٢٠